الاثنين، 11 أغسطس 2008

لبنان: «قوى 14 آذار» تطرح أوراق عمل للمناقشة في ورشات داخلية وعلنية تمهيداً لانتخابات ربيع 2009 وما بعدها... «المقاومة» حضناً للعصبيات المنكفئة والحرك

7/8/2008
--> لا تشذ «ورقة النقاش» التي صاغتها «قوى الرابع عشر من آذار (مارس)»، ودعت الى تداول الرأي فيها، وعقدت «ورشة عمل» تناولتها في 23 تموز (يوليو) المنصرم، ونشرتها معظم الصحف المحلية أو لخصتها وأبدت رأياً فيها، لا تشذ الورقة هذه عن حال مثيلاتها الحزبية، أو الحركية أو التيارية. فالأوراق، أو البيانات، أو البرامج والخطط (أو مشروعات هذه)، يضطرها الاختصار، والموجب العملي والتنفيذي، الى الإلمام السريع والمبتسر بالحوادث وروابطها وتسلسلها، الى الكلام على المقاصد والوسائل كلاماً قاطعاً. فتستخرج من الكلام القاطع ومن الإلمام السريع معاني تبدو المناسبة بينها وبين الحوادث والمقاصد إما ضعيفة أو غير ظاهرة وخفية. وليس الاختصار والموجب العملي مسؤولين، وحدهما، عن عيوب الأوراق أو البيانات الحزبية.
فثمة عيب أعمق وأفدح مصدره نازع الكتل السياسية الى إلحاق الحوادث والأطوار والمنعطفات في ركبها و «قافلتها» هي، وإلى تصدر الركب هذا وترؤسه، أو الى القيام منه مقام الدليل والحادي، على أضعف تقدير. ولا شك في أن الأحزاب الشيوعية الغابرة، والآفلة اليوم، أورثت «الأدب» السياسي مثالاً ناجزاً ومزمناً. فهي نصبت مثال ما سمته «التناقض الرئيسي». وهو «تناقض» بين قوتين كبيرتين، إحداهما هي، من غير شك ولا تواضع، القوة التي ينتسب الحزب (أو الحركة أو التيار) إليها، أو يتكلم باسمها، أو يقودها ويختصرها. والقوة الأخرى هي «العدو»، على درجات ومراتب في العداوة. ولكنها عداوة تستأهل، في معظم الأحوال، انفجار الثورة وشيكاً، أو تسوغ انفجار حرب أهلية الغداة. ولا يلجم الانفجار الوشيك والمخيف إلا داعي الحكمة والحلم الذي يشير بالصبر، وتوسيع التحالفات، والإغضاء عن الفروق الثانوية، ومحاصرة العدو الرئيس، وسلخ حلفائه المضللين عنه وتبصيرهم بمصالحهم «الموضوعية» وبمكانهم الذي يليق بهم بين حلفائهم «الحقيقيين».
ومن موروثات أدب البيانات الشيوعي أن قوتين رئيسيتين تقودان «التناقض الرئيسي» هما ربانان وجنرالان «جماعيان»، أو فردان فذان. وتتولى الأوراق والبيانات وصف المنازلة، وقواها وموضوعاتها التي تدور عليها، وميدانها أو ميادينها وأسلحتها. فالأدب السياسي أدب حربي من وجوه كثيرة، تناولت بياناته الأزمة اللبنانية المتطاولة أم تناولت غيرها من الموضوعات. وهذا ما لا تنكره ورقة قوى الرابع عشر من آذار، «دفاعاً عن السلم الأهلي وبناء دولة الاستقلال»، وهي وضعت بين يدي ورشة عمل رابعة. وينزع الأدب «الحربي» الى توحيد كتلتي المتحاربين المفترضين، فإذا بهما معسكران أو كردوسان متجانسان، وليسا ائتلافين من كتل تترجح علاقاتها الواحدة بالأخرى، وعلاقات الواحدة الداخلية، بين التكتل المرصوص وبين المنازعة المعلنة. وينزع الأدب «الحربي» نفسه، من وجه آخر، الى قصر ميدان المنازعة أو الحرب على رقعة من المسائل، وعلى وقت أو زمن ضيقين وقريبين. فإذا بالخطوط الطويلة والمتعرجة من الجبهات الثانوية والخلفية تتوارى تحت الخطوط الغليظة التي ترسمها اليد القيادية والاستراتيجية على خريطة خططت على سُلَّم غليظ وبعيد من الدقة والتفصيل.
اتفاق الطائف ووليداه
وابتداء «الورقة» المرحلة التي تتناولها بـ «ما بعد 14 آذار 2005»، يوم التظاهرة الوطنية الكبيرة والمشهودة غداة شهر على اغتيال رفيق الحريري وأقل من أسبوع على تظاهرة القوى «القومية» الناصرة لسورية وسياستها، مثال على تضييق ميدان الخصومة ورقعتها، زمناً. وملء الميدان بـ «تعايش هش بين (...) مشروع بناء دولة الاستقلال و (بين) مشروع حماية دولة المقاومة...» اختصار لقوى المنازعة وجبهاتها وأغراضها، بعيد من استيفاء وصفها على وجه التقريب المفيد. ولا يخفى الأمر متولي الورشة، وصواغ الورقة. فيعمّقون مسرح المنازعة الزمني، ويمدونه الى اتفاق الطائف (1989). ولكنهم يؤرخون لـ «دولة الاستقلال» بالاتفاق العتيد. ويؤرخون لـ «تأجيله» وإرجائه بالاتفاق نفسه. وفي الأثناء ينسبون أنفسهم، و «قوى 14 آذار» معهم، الى الاتفاق، وإرادة إنفاذه والتقيد به. ويتركون «دولة المقاومة»، أو «مشروع حمايتها»، معلقة من غير نسب معروف. وهذا خلل في سياقة التناول والتصور والرسم ينم باضطراب في تعريف النفس وهويتها، أو هوياتها، على قدر ما ينم ربما باضطراب في تعريف علاقتها بغيرها، وهو خصمها ومنازعها. وقد يتصور في صورة عدوها في بعض الأوقات.
فقوى «دولة المقاومة (و) المواجهة المستمرة» هي وليدة اتفاق الطائف على نحو قوى «مشروع بناء الدولة». وربما هي وليدته «أكثر» (إذا جازت المفاضلة في الانتساب) من هذه. والحق أن الاتفاق العتيد تحدر من «حرب» أو حروب كثيرة ومتمادية، سابقة، اقتتلت فيها قوى «طورت»، في ميادين القتال وأوقاته، مشاربها وبرامجها وأحلافها. ووحَّد الاتفاق القوى المتقاتلة في جبهتين. فاختصرت الجبهتان القتال والبرامج والأحلاف، وموقتاً، في جبهة تحصيل حقوق «المسلمين» – العروبيين المنقوصة، لقاء إقرار قواها بـ «وطن نهائي»، وجبهة النزول عن فائض امتيازات وصلاحيات مسيحية و «انعزالية»، لقاء الإقرار المرجأ والمنتزع بـ «الوطن النهائي» إياه. ورعت القوة السورية، العسكرية البوليسية والأهلية، الاتفاق وإنفاذه. وهي المنحازة انحيازاً قاتلاً الى الجبهة الأولى، على رغم ترجح مدمر بين الجبهتين، والمبيتة ثأراً قومياً وعروبياً من غايات الجبهة الثانية، اللبنانية والاستقلالية.
فرعت، وهي «الراعي» المزعوم، استثناء الحزب الخميني والشيعي المسلح من حل الميليشيات. وأفردته عنوة بـ «الحق في المقاومة»، و «دولتها» ومجتمعها. وحصنته من حقوق الدولة، والمواطنين، المدنية والسياسية. فاقتطع إقليمه وولايته ورعيته من الدولة العامة والمشتركة. وشن حروبه، وعقد اتفاقات هدناته، ومد أحلافه وعداواته، في كنف «الرعاية» القومية المدمرة. واضطلعت هذه، أمام أنظار كليلة ومتواطئة، في الداخل والخارج، بنسج غلالة «بناء الدولة»، ومؤسساتها وإداراتها وقواتها العسكرية، على هواها ومقاس مصالحها وأغراضها. فأشركت معظم القوى المحلية والوطنية، رئاسات وكتلاً وجماعات أهلية و «شعبية»، في البناء الكاذب والمتداعي هذا. ولم تحجم الرئاسات والكتل والجماعات، إلا اقلها، عن المشاركة. وسوغت أولوية «التحرير» العملية المعقدة التي تولتها السياسة السورية. فاختصرت لبنان واللبنانيين، وبنيان هؤلاء وذاك السياسي والاجتماعي، والحاجات والحقوق والهويات والتاريخ بمخلوق مصطنع منذ نطفته الأولى. وتعود النطفة هذه الى تخزين المنظمات الفلسطينية المسلحة، التائهة والمشتتة والمتحاربة، في لبنان، ثم الى استدراج الدولة العبرية وتوريطها في بناء جدار فصل، سياسي وبشري وجغرافي، يرد عنها أعمال «القشرة» العسكرية. وأقر اتفاق الطائف، في رعاية إقليمية عربية ودولية، أولوية الكائن المصطنع هذا، ومصالح نافخي الحياة والدماء في عروقه الهزيلة، على حقوق المواطنين والمجتمع والشعب والدولة والهيئات.
فجذور «دولة المقاومة»، وقيامها خارج الدولة الوطنية وعلى نقيضها، ونقيض أركانها الحقوقية والسياسية، إنما مردها الى الانقسام هذا، والى ظهوره في 1969 ثم في 1972 – 1973. ولا شك، من وجه آخر، في أن القوى المتفرقة التي دخلت الطائف، مضطرة أو مختارة، لم تدخله مجمعة على مفاعيله المتوقعة، أو على وجوه استعماله واستثماره، على خلاف مقالات الثأر والضغينة العونية. وفي وسع «قوى 14 آذار»، كتلاً وتيارات أو أفراداً و «ذرات»، الانتساب من غير خجل الى ميراث رفيق الحريري في الحقبة السورية والحزب اللهية هذه. فالنزاع الحريري – السوري كان جلياً منذ أوائل التمكن السوري الأسدي من الدولة اللبنانية واللبنانيين. واتصلت حلقات النزاع هذا الى اغتيال الرجل. فـ14 آذار 2005، وولادة «قواه» منه. وصورة تآخي «الإعمار» و «التحرير» التي روجتها السياسة السورية، وتلوح بها عند الحاجة خطيب الحزب الخميني المسلح، ويصطاد بها الاثنان أفئدة الشارع العربي والتلفزيوني، هذه الصورة كاذبة ومنحولة ومركبة. ويعود كذبها وانتحالها وتركيبها الى اتفاق الطائف، والى مقدماته ومسوغاته قبل نصوصه نفسها، وفوق نصوصه. ولكن حاله هذه لا تسوغ نفي التعسف السوري، وولادة «دولة المقاومة» المصطنعة في كنف التعسف هذا، من الاتفاق العتيد. ولا تسوغ إخراج الأمرين، التعسف و «دولته»، من النسب «الطائفي»، ومن صلبه.
وعلى هذا، فالتأريخ بـ «مرحلة ما بعد 4 آذار – 2005» لـ «تعايش هش بين (ال) مشروعين» المفترضين، مفتعل وبعيد من الصدق والدقة. والحق أن الانقسام العميق يعود الى اتفاق الطائف، والى اختصاره حروب الـ15 عاماً السابقة في مقايضة الحقوق السياسية والاجتماعية بـ «الوطن النهائي»، وتوكيله السياسة السورية، وهي قوة والغة في الحروب الملبننة وفي لبننتها، برعاية المقايضة. وإذا كانت الوكالة، في 1989، السلَّم الوحيد، في ضوء الحال القائمة وتلك التي أفضت إليها، الى الخروج من الحروب المدمرة والمتداعية، فلا عذر اليوم للإغضاء المستمر والمزمن عن دواعي دخول الحروب الملبننة، يوم دخلنا أو دخلت جماعات منا الحروب هذه، والإسهام في لبننتها. وأول الدواعي التي يغض عنها هو داعي «المقاومة»، «بوابة فلسطين والعروبة». وهو الداعي الذي يبدي فيه بعضهم ويعيدون. وهو داعٍ تبعثه، اليوم، أطياف النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين الكالحة، وتعود رافلة في ثوبه. ولا يسع دعاة بناء الدولة، وحزب هذا البناء، تناول المسألة المحورية هذه تناول «الكرام» العابرين والمارين مروراً سريعاً وخفيفاً. فالمقاومات العربية، من فلسطينية «فدائية» الى أردنية أو لبنانية أو مصرية أو سورية، الى آخر العقد، يلاحظ عليها كلها اشتراكها في أمور أو سمات تجمع بينها. فهي، من وجه أول، رد على سيطرة أجنبية أو نفوذ أجنبي، ظاهر أو مستتر، يسلب الداخل – دولة وشعباً وجماعات وأمة – هويته، ويحرمه التصرف الحر في شؤونه، وحماية مصالحه ومرافقه.
ولا يطوي الاستقلال السياسي، وجلاء القوات الأجنبية، وصدور هيئات الحكم والإدارة وطواقمها عن عمليات سياسية داخلية، لا تطوي النفوذ هذا، ولا تطوي تحكّمَه المزعوم في مصائر الداخل التاريخية. فأجهزة الدولة الاستقلالية (وسياساتها)، كيفما تولت السيطرة ومن أي طريق تسلمت السلطة، هي وارثة القوة الأجنبية، على ما ترى المعارضة (المعارضات) – المقاومة (المقاومات). وعلى هذا، تضمر «المقاومة»، في العهود الاستقلالية، القيام على السلطات، والدولة القاصرة عن إنجاز مهمات «التحرير» وفروضه. وهذا وجه ثانٍ يلازم الأول، ويجره جراً ويدخله في جهازه وأثاثه. فلا تنفك معارضة الحاكم من نسبته، هو والحكم والدولة، الى صنيع أجنبي مقيم ومهيمن، ولو تصور في صورة سفارة من 150 سفارة أخرى متفرقة. ويؤدي التلازم هذا الى حمل المنازعات كلها، الجوهرية والفرعية على حد واحد، وعلى منازعة أساس واحدة كيانية أو كينونية و «وجودية» محورها الهوية، من وجه ثالث. فالمعارضة، أو المقاومة، دفاع مشروع عن النفس والهوية بكل الوسائل المتاحة. ومن الوسائل المتاحة، وفي مقدمها وصدارتها، الحرب الفعلية والكلية على عدو لا يرمي الى أقل من محق «هويتك» و «وجودك» واستئصالهما.
--> وكان مفكر حقوقي وقانوني محافظ (خدم النظام الهتلري بعض الوقت)، هو كارل شميدت، نبه الى دور السياسة السوفياتية، غداة الحرب الثانية وتجربة حروب الأنصار في أثناء الحرب، في صوغ اتفاقات جنيف القاطعة في «الحق في المقاومة»، وفي استثنائها من مبادئ الحق والقانون العامة والملزمة. وتستقوي المقاومات – المعارضات العربية المتفرقة، ضمناً أو علناً، بالاستثناء هذا، وتحله هو وأحكام طوارئه العرفية، محل الحق والقانون العاديين، في الظروف كلها. وهي تسوغ استقواءها وإحلالها بتوحيد الظروف المختلفة على ظرف واحد هو «الإبادة» و «محق الهوية». وتنصب الجماعة المنتصبة للمحاماة عن الهوية نفسها، وهي على هذه الحال (والمزاعم) من الإجمال والشمول والعموم، أياً كان موقعها من «المجتمع» العام، تنصب نفسها قائماً مقام الجماعة الأوسع، ونائباً عنها، ومفوضاً تام التفويض «صلاحياتها» المطلقة وغير المقيدة ولا المعروفة، من وجه رابع. وجماعة هذا شأنها – أهلية كانت، أي مذهبية أم «عرقية» أم محلية أم جامعة بعض سمات هذه أو بعضها، أو كانت «سياسية» حزبية لا تنفك من أرجحية أهلية أو غلبة – هي مجتمع ودولة معاً، وشعب «وطني» وأمة. وهي قوة تشريع وقوة إنفاذ وهيئة مراقبة. وهي مرجع علاقات الداخل وعلاقات الخارج، والآمر في أعمال الشرطة وفي الدفاع. وفي آخر المطاف، وفي أوله فكراً و «تكليفاً» عملياً، جماعة هذا شأنها، وهذا رأيها في نفسها وحالها، هي سلطان كلي و «كينوني»، على قول بعض محدثي الشيعة الإمامية وفقهائها. وتنفي جماعة هذا شأنها مفهوم الدولة الوطني، والولاية السياسية والقانونية، نفياً لا توسط فيه. وتنفي تمييز حقوق الأفراد المدنية والسياسية من حقوق السلطان و «حقوق الله». وسبيلها الى تحقيق النفي هذا هو سبيل القوة والاستيلاء، إذا تيسر لها الأمر، واجتمعت أسبابه. وهو سبيل «الحوار»، على المعنى الذي يحمله عليه أحد الفقهاء اللبنانيين الإماميين، وهو المفاصلة، والحصار الصبور، واصطناع قواعد علاقة تسند ميزان القوى المائل، والإكراء المتقنع بقناع الإلزام، والاستيلاء المراوغ على مراحل، على ما نصحت به وأشارت كتب الحرب «الإسلامية».
ولعل لبنان مسرح بلورة المبادئ هذه وإعمالها، ومختبرها الأثير والمقدم. وعلل الحال هذه غير خفية. فهو مهد الدولة والمجتمع الوطنيين الأقوى ملابسة للغرب (ولم يكتم الحاج محمد رعد، رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة»، ضغينته على «علاقة لبنان بالغرب» ورغبة أهل عصبيته وغرضيته في «قطعها»). والغرب هو الأجنبي، والقاهر والشرير والكافر والفاسد، بحسب الظرف والحاجة. ولبنان هو كذلك وفي آن حضن الجماعات الأهلية الأكثر استقلالاً عن سلطة مركزية، محضت أو غازية، منذ قرون طويلة، من غير أن يحصنه استقلال جماعاته من علاقات قوية بجماعات الجوار، وبحروبها الأهلية، وعداواتها الكثيرة، وتأليبها الأحلاف والحلفاء بعضها على بعض. واجتماع الأمرين، ملابسة الغرب واحتضان الجماعات الأهلية المستقلة عن سلطة مركزية، فحضنهم لبنان مجتمعاً – أي دوائر تملك ومبادلات وإنتاج وحاجات ونظر ومعايير، وأناساً يديرون هذه الدوائر – لا يقتصر على «خدمة» السلطان والانقياد له، ولا يدخل في بابه دخولاً تاماً، من وجه، ولا ينحل في المطاف الأخير في الجماعات الأهلية، القرابية والمحلية والمذهبية، ولا في رئاساتها، من وجه آخر.
ونهضت الدولة في لبنان على الركنين هذين. وهما ركنان غريبان، على هذا القدر أو ذاك، عن الجوار العربي والإسلامي، أو عن منازعه الغلبة. وورط ركنا الدولة اللبنانية، أو دولة اللبنانيين، الدولة واللبنانيين في منازعات أهلية وسياسية واجتماعية لا فكاك منها، ولا خاتمة لها. فلبنان وطن سياسي، «دستوري»، على قول يورغين هابرماز الألماني، الملم بعسر الوطنية الدستورية في مجتمعات تخلط الوطنية بالعصبية القومية و «اللحم والعظم» والدم والأرض والنسب. وجماعات اللبنانيين عصبية وأهلية، عموماً. ومعظمهم يؤول السياسة، الوطنية السياسية والدستورية أي قواعد العلاقات بين الجماعات والأفراد والعقد («الميثاق») الذي عقد بينها وبينهم، معظمهم يؤولها افتئاتاً، وانحيازاً، وقناع سيطرة، واستلاباً. وانتشاء شطر كبير من شيعة لبنان بعصبيتهم ووحدتهم ودولتهم ومجتمعهم ومقاومتهم ومعارضتهم وسلاحهم وشهدائهم وحروبهم وانتصاراتهم وهزائمهم، مرده الى خروجهم من الوطن السياسي، وانكفائهم الى الوطن العصبي وعليه، والى الجماعة الأهلية المرصوصة وعليها. ولعل بعض الـ «70 في المئة» من المقترعين المسيحيين (وهؤلاء هم ربع الناخبين المسيحيين تقريباً أي ان الـ70 في المئة هم من 25 – 30 في المئة من جملة الناخبين ليس إلا) الذين يفاخر بهم العماد الأسبق ومريدوه، هم من أثر نشوة عصبية أصابت «الشيعة» العونية على نحو ما أصابت شيعاً لبنانية أخرى، ولم تنفك تصيبها معاً أو تباعاً. والشيعتان، الحزب اللهية والعون اللهية، تتقاسمان وتتشاركان «المقاومة» (- المعارضة) مرجعاً وعلة تاريخية، وتحمل الواحدة منهما «المقاومة» على معنى فريد يشترك في اللفظة وحدها مع المعنى الآخر ووقائعه واحواله. وهما تريدان بـ «المقاومة» ما ينقض معاني الدولة والمجتمع اللبنانيين السابقة، ويخرج جماعتيهما من المعاني هذه، وتراثها وتاريخها، ويرسي سيطرتهما المأمولة على «حكم كامل»، على قول ساذج وغافل عن استدراجات الكلمات والصور والوقائع. و «الحكم الكامل» في هذا المعرض هو «حكمان كاملان» على شيعتين وفرقتين منفصلتين ومتناحرتين.
الموعد مع الشعب السياسي
فما يتهدد وحدة الدولة (اللبنانية) السياسية والحقوقية، وما امتحنها على الدوام امتحاناً قاسياً ومدمراً ويمتحنها اليوم وغداً، مصدره الأول «المقاومة»، على المعنى المركب الذي تقدم تعريفه. وهذا المعنى لم تبتكره «قوى 8 آذار» ، ولا ابتكرته «المقاومة الإسلامية» على خطى «المقاومة» أو «الثورة» الفلسطينية في العقدين الثامن والتاسع من القرن العشرين، ولا «المقاومة المسيحية» اللبنانية، ولا «المقاومة الشعبية»، على ما سمت نفسها الزمر التي رفعت السلاح، في ربيع 1958 وصيفه، على كميل شمعون و «حلف بغداد» وانتصرت للـ «عروبة»، على ما حسبت ويحسب الى اليوم وارثوها وخالفوها. فـ «المقاومة» هي صرخة حرب من يدعون الى تغليب قانونهم وعصبيتهم على قانون الدولة الوطنية المكبلة بالمنازعات والتسويات والضرورات، وصرخة حرب على الجماعات الأخرى، انضوت الجماعات الأخرى تحت قانون الدولة أم لم تنضو.
و «قوى 14 آذار» – على معنى المنظمات والتيارات السياسية والانتخابية والأهلية المتحدرة من الاحتجاج على اغتيال رفيق الحريري، ومن تحميل السياسات السورية المسؤولية السياسية والأدبية (وربما الجنائية القضائية) عن الاغتيال، وعن الاغتيالات والاضطرابات اللاحقة – ليست براء من علة «المقاومة» هذه ودائها، من غير أن يعني القول هذا مساواتها بـ «المقاومتين» الحزب اللاهية والعون اللهية في المسؤولية عن تصدع الدولة الوطنية وانتهاك قانونها وتماسكها. وليس هذا، كذلك، تعريضاً بانتساب معظمها الى «عهد الوصاية السورية»، وموالاتها «الوصاية» هذه، واقتسامها ريعها، على قدر أو آخر. فمعنى القول أو الرأي هو أن 14 آذار 2005، والشهر الذي سبقه ومهد الطريق إليه، لم يخلق «القوى» هذه خلقاً جديداً ووطنياً ناجزاً وواحداً. ولم ينشئ منها، بين ليلة وضحاها، قوة سياسية متماسكة ومؤهلة لقيادة الشعب اللبناني، وحكم دولته، على نهج ومثال «قويمين» (لا يعلم أحد على وجه الضبط ما يكونان).
ولا يحسب أحد أن هذا في الإمكان. ولكن ما لم يكن مستحيلاً ولا ممتنعاً، وليس مستحيلاً ولا ممتنعاً اليوم، هو مسير «قوى 14 آذار»، وعدد أظنه كثيراً من مواطنين وأفراد ليسوا «قوى» (على معنى الكتل المنتظمة)، الى علاقات في ما بينها تضعف احتمال ارتكاسها الى مزاعم «المقاومة» ومناهجها. فالارتكاس الى «المقاومة»، أي الى العصبية الأهلية وفروعها، ليس وليد إرادة خالصة، ولا هو ثمرة مصالح إقليمية وسياسات احتياطية واستباقية، وحسب. فهو حل من الحلول المتاحة والمتيسرة الناجمة عن عسر تصديع الأجسام الأهلية، وإضعاف لحماتها، وبلورة مجتمع مستقل بمصالحه وقيمه عن هرم العصبيات الأهلية ومنازعاتها وموازينها. فيقوم المجتمع هذا بإزاء السلطة السياسية، ويقيدها، ويندبها الى الاضطلاع بمصالحه المشتركة والمتنازعة معاً، والى رعاية التشارك والنازعة.
وتترجح «قوى 14 آذار»، في ورقة ورشة العمل الرابعة، وفي مرآة أحوال علاقات بعضها بأبعاضها الأخرى، بين دعوات «الدفاع الذاتي» وبين التسليم للدولة الموعودة، وبين الانتساب الى الدولة الجامعة وبين الاعتصام بالعصبيات الخاصة والاحتماء بها. وتترجح بين (زعم) الذوبان في كيان معنوي وسياسي واحد (ليس أقل من «كتلة تاريخية» خطابية) وبين المفاوضة المريرة والممضة على الحصص. وقد يكون الترجح هذا قرينة بليغة على عسر بلورة نهج سياسي، وثقافي سياسي، يتولى في مرافق الحياة اليومية العامة، وفي دوائرها، التمهيد لبناء الدولة الوطنية اللبنانية، على نهج لبناني تاريخي. فيبدو، في «الأوراق» والمقال وفي الحال، أن هذا البناء وقف على طاقم الحكم، وأن ما على طاقم الحكم إلا أن يجيد الحكم، ويحسن التدبير والمفاوضة. وعلى «الرأي العام»، على قول يوسف بزي («المستقبل»، في 27 تموز/ يوليو)، وهو اسم آخر مستحدث للقواعد الحزبية، مساندة الطاقم القيادي، وهمزه، وثنيه عن الضعف وعن النزول عن المكاسب.
وأرى أن صور الترجح والتردد هي، في شطر منها ظرفي، ثمرة يوم 14 آذار، وتركه نصباً يدعو الى الدهشة والانبهار والتأويل المسترسل وقلما يدعو الى الفعل. فـ «شعب» اليوم العتيد والرائع ضرب موعداً، يومها، مع نفسه، مع ولادته شعباً سياسياً رائداً قوام لحمته عموم حقوقه المدنية والمساواة في الحقوق السياسية، وتمييز المجتمع من الدولة. وضرب الموعد ليس إنجازه. وهو «ثورة»، على معنى أعرض بما لا يقاس من المعنى الذي حمله عليه جمال عبدالناصر، وآل الى المعنى الذي يحمله عليه محمود أحمدي نجاد وأمثاله. وهو جاء ساحة الحرية روافد كثيرة لا تنكر مصادرها، ولا كثرتها. ولا تخلو هذه من تنافر وتباعد. وربما جمع الكثرة هذه إنكار قوي، لا تزال أصداؤه تتردد الى اليوم، للتعسف الفظيع الذي حمل على اغتيال رفيق الحريري جزاء تحفظه عن السياسات القومية السورية، وخروجه على إجماع قسري وكاذب على «المقاومة» صنعته السياسات هذه، وفرضته مذهباً واحداً، وحزباً حاكماً (أوكلت مقاليده الى إميل لحود وطاقمه، وتجديده الى الجهاز الخميني، وغلالته الى الفقه «الأملي»). ولعل الإنكار هذا، ومرتباته السياسية والأهلية، هو نواة فكرة الحق والقانون والسياسة المتضافرة، والقائمة من الدولة الوطنية اللبنانية مقام الركن.
--> فلم ينكر «شعب» 14 آذار روافده ومصادره، ولكنه أنكر إنكاراً شديداً سوس «دولته» وهيئاتها، وسوسه هو تالياً، من طريق إجماع كاذب على «مقاومة» هي، فعلاً وحقيقة، أداة تصديع الدولة وعزلها وإفشالها، وآلة تمييز المواطنين والجماعات طبقات ومراتب، وإطلاق يد التعسف في امتهان الحقوق بذريعة «اختصاص» في قتال العدو وتعريفه، والدلالة عليه. ولو لم يكن هذا مؤلماً، وعنوان خسائر متمادية ولا تحصى، لكان مضحكاً حتى «الفحص بالقدمين»، على قول الأصبهاني. فزعم اختصار سعي ملايين من الناس، حرثهم ونسلهم واختيارهم وعلمهم وتعارفهم وتفرقهم واجتماعهم وتحكيمهم في منازعاتهم، في إنشاء جهاز عسكري محترف وتكتيكي، من وراء ظهر الناس هؤلاء ومن غير إسهام منهم سوى رضوخهم للموت والدمار والتشبيه، هذا الزعم لا ينم بـ «علم» أصحابه، ولا بعلو كعبهم في السياسة، على ما يتبجحون.
وإنكار أهل اليوم المشهود الاغتيال هو ركن اجتماع نقيض «المقاومة»، ونقيض مقالاتها قبل سلاحها وفوق السلاح هذا. ولعله (الإنكار) الخيط الناظم بناءَ حركة سياسية متماسكة الحلقات من روافد الجماعات التي صبت في الساحة، مادياً ومعنوياً. فليس في وقائع الحياة والعلاقات السياسية اللبنانية اليوم ما يجسد، على نحو تقريبي، الخيط الناظم هذا. والردود على الحوادث الكبيرة والمنعطفات (من الانتخابات الى الانتخابات، وما بين هذه وتلك من اغتيالات وتظارهات ومخيمات واعتصامات وحروب واستقالات وحوارات...) تشي بصدورها عن حساسيات وثقافات لا تزال صبغتها بصبغة الجماعات الأهلية واضحة وقوية.
ولا تطعن الصبغة الأهلية هذه في صدق الردود وحقيقتها، ولا بالأحرى، في جدواها. والتنبيه الى «طائفيتها»، وتسويغ الطعن فيها، والتنديد بها وإبطالها بذريعة «طائفيتها» (السنية أو الدرزية، اليوم)، على ما يصنع خطباء الحارات والخطط والسكك المذهبية المحترفون، يقصد به مضمون الردود، وبرنامج الحركة الوطنية والاستقلالية اللبنانية. وبنود البرنامج الرئيسة هي طلب الجلاء السوري عن الداخل السياسي، وضبط العلاقات السياسية اللبنانية بإرادات ومصالح لبنانية وطنية «أولاً»، وتقديم الحقوق المدنية والحريات على «المصالح الاستراتيجية» البوليسية والأمنية، «الداخلية» المزعومة والخارجية الفعلية. والناعون على «الطائفية» صبح مساء، والمعيدون إليها العلل كلها، البيولوجية والنفسانية والكونية، لم ينددوا يوماً بخدماتها عندما تسدى إليهم، والى «قضاياهم» الكبيرة. وهم يسمون طائفية عصبية الغير، ولا يسمون بهذا الاسم عصبيتهم وعصبية حلفائهم وأولياء أمرهم. والى هذا، وهو كثير، قلما يقصد بالتنديد بالطائفية العصبية نفسها، وانتهاكها الحقوق المدنية، والحقوق السياسية، والحريات العامة والخاصة. فيقصد بالتنديد، أولاً، إدانة اللبنانيين السياسة السورية - الإيرانية، وقوميتها أو إسلاميتها المزعومة، في لبنان، بعد إدانة عيث المنظمات الفلسطينية المسلحة فساداً واقتتالاً وانتهاكاً فيه. ويقصد به السعي اللبناني الوطني في تصفية ذيول السياسة هذه، من رعاية ولاية خمينية مسلحة ومعزل أمني احتياطي، الى إلحاق اللبنانيين بقيادات فقيرة ومتهورة لا شاغل لها غير تربعها في سدة خواء اجتماعي وإنساني عميم.
واضطلاع عصبيات أهلية بدور سياسي دفاعي ووطني إيجابي، في بعض الظروف، لا يعصمها من الارتكاس الى دور «المقاومة»، والتصدي للدولة الوطنية، وإرساء السلطة على القهر والفتح والتمييز والاستتباع. والى اليوم، كان على الحركات السياسية اللبنانية أن تختار بين منزع سياسي واجتماعي نخبوي ومجرد، يعزلها من «الجماهير»، ومن العامة ومشاعرها واختباراتها والفعل السياسي، وبين منزع عامي وعصبي، «جماهيري» ويميني (على معنى القومي الاتني وغير الليبرالي)، يسلط عليها أ هواء «المقاومة». ولعل «14 آذار»، اليوم التاريخي والمعاني المتاحة، فاتحة خروج من الاختيار المغلق والعقيم هذا. وهذا متاح ليس إلا. وتتيحه «التركيبة» اللبنانية، على قول بعض أعيان العصبيات في مجالسهم الخاصة، وحضانتها مجتمعاً وعلاقات اجتماعية تقيد السياسة، على معنى السلطان أو «المقاومة». وتتيحه دعوة «التركيبة» اللبنانيين الى التعاقد على نظام دولتهم ومجتمعهم، وترك الإذعان والامتثال لقدر غشيم، منذ اليوم، وخارج الحكم وداخله. وربما منذ البارحة قبل اليوم.

مواكب المستضعفين ومشاهدهم الحسينية الخمينية... مصدر الفقه والولاية والسياسة والحرب ومعيارها

3/8/2008
لا يكتم ساسة إيران الخمينية تربعهم في سدة سلطنة إقليمية "مترامية"، على قول أحدهم في كلامه على لبنان والحزب الشيعي المسلح فيه. وهم يسعون جهدهم في سبيل مطابقة حدود السلطنة هذه حدود الانتشار أو "الشتات" الشيعي في المشرق العربي، وشبه جزيرة العرب وآسيا الوسطى وجنوبها (الهندي والباكستاني). ويغلب التصريح التلميح حين يتناول كلام الإيرانيين، من الحرسيين الثوريين (الباسدران) على وجه الخصوص، بلدان الطوق "الفلسطيني"، وهي لبنان وسوريا وفلسطين نفسها. وللعراق، منذ سقوط صدام حسين، شأن خاص. فهو معقل الشيعة العرب الأول، عدداً ومكانة جغرافية وسياسية وموارد وتاريخاً، ومسرح المنازعة "الأهلية" الأعرض والأوسع في صفوف المسلمين، وملتقى ثلاث مدنيات كبيرة: العربية والفارسية والتركية (الى الكردية، وهي مدنية من غير دولة متصلة)، ترجحت على الدوام بين الخصومة والمنابذة وبين التلاقح، وجمعت بينهما. ولكن العراق قطب تشيع مستقل على هذا القدر أو ذاك. والتحاقه بإيران، المتشيعة دولة وسياسة، أو إلحاقه بها، ليس باليسير، على رغم رجحان الكفة الإيرانية موقتاً. وقد لا يكون في المتناول، احتسبت العوامل الظرفية الخارجية (مرابطة قوات الائتلاف) أو احتسبت العوامل التاريخية والأهلية المديدة.

صراع الولايتين
وتنزع المسارح العربية الى التقدم على المسارح الأخرى، وآسيا الوسطى والجنوبية في مقدمتها. وتمُتّ إيران إليهما بروابط قومية (إثنية)، من طريق الهزارة الأفغان والباشتون والأذريين والتركمان والهنود، قوية. ويبرز الإعلام أثَرَ الحرب الأميركية والدولية على حركات الإرهاب، وعلى الانتشار النووي والديكتاتوريات المارقة، في تخليص ايران من عدوين لدودين، الصدامي العروبي والطالباني القاعدي والأفغاني. ولكنه سرعان ما يغفل العدو الثاني، وينسى تهديده في 1999 – 2000 حدود ايران الشرقية، وحمله ايران على السكوت عن اغتيال ديبلوماسييها واستخبارييها في مزار الشريف، شمال أفغانستان، وطلبها السلامة. ويقدم ساسة إيران المسارح العربية على المسرح الآسيوي – والمسرح اللبناني على المسرح العراقي. فـ "انتصاراتهم" على المسارح الأولى أوضح منها على الثانية، أولاً. ويفترض ان البلد الذي يجوز حمله على "القضية" الفلسطينية الجامعة، ونسبته إليها فرعاً من فروعها، الخلاف عليه أقل من الخلاف على بلدان تتجلى فيها المصالح القومية، والأطماع الاستراتيجية، من غير قناع "إسلامي"، ثانياً.
ولا ريب في ان تصدر النزاع العربي – الإسرائيلي النزاعات الشرق أوسطية، والتعتيم على خلافات بلدانها ومجتمعاتها الإقليمية والداخلية والدولية، وعلى الخلافات الإيرانية – العربية جزء من هذه، لا ريب في أن الأمرين مصلحة إيرانية ملحة. فساسة إيران الخمينية يريدون قيادة "الكتلة" العربية، السياسية والاقتصادية، والاحتماء بها من تهديد السياسات الأطلسية النظامَ الخميني ومكوناته: الاستبداد الداخلي وضربه نطاقاً من العزلة عن العالم وأطواره، واعتراض طريق المفاوضات الإقليمية والنفخ في المنازعات الإقليمية والدولية، والانتشار النووي (وسيلة الى اعتلاء مكانة حاسمة في موازين القوى). ولكن مسالك النفوذ الإيراني ليست كلها من صنف موازين القوى الظاهرة والبارزة. فبعض المسالك هذه يدق على النظر، ويتوسل الى أغراضه، السياسية في معظمها وغير السياسية، بالشبكات الدينية، المذهبية حكماً والاجتماعية. فالتشيع ليس اعتقاداً أو معتقدات وحسب. والأدق القول ان معتقداته تلابس شعائر ومباني وأفعالاً ومراتب تواتي سياسات ومنازع وأفكاراً، ويسع السياسات والمنازع والأفكار هذه ان تُعمل الشعائر والمباني والأفعال في سبيل بلوغ أغراضها، أو في سبيل الصرف عن أغراض أخرى ومحاربتها. وهذا ما قال به جهاراً نهاراً روح الله خميني. وهو من ينسب إليه مشايعوه ومريدوه "صحوة" قومية واعتقادية سياسية يحملونها على "الإسلام" و "أمته"، والاثنان ليسا براء منها. فالرجل – وكان يومها عالم دين منفياً من بلده، إيران، وحوزة تعليمه، قم، لجأ الى تركيا قبل ان ينقل منفاه الى النجف بالعراق غير بعيد من أقرانه وتلامذته وبلاده – ذهب في محاضرات ألقاها في "ولاية الفقيه"، أو "الحكومة الإسلامية" (1969)، الى ان عالم الدين ليس عالماً، على معنى النظر في النصوص والأحكام والمعاني. وهو ليس عالماً بالدين، على معنى المعاملات والفرائض أو حتى المعتقدان إذا افترضت هذه عالماً ساكناً ليس فيه، أي ليس قوامه قسمة ما بين المستضعفين المظلومين وبين المستكبرين الظالمين، وليس قوامه تالياً صراع ولايتين و "دولتين".
وعلى هذا، فعالم الدين الخميني، او الفقيه، هو طالب الولاية والمندوب إليها ندباً لا خيار له فيه ولا رأي. وهو "خارج" على الظلم والظالمين وأدعياء "الخلافة" (الخالفين). وخروجه على هؤلاء، وعلى ظلمهم واستكبارهم، فرض أو فريضة غير مرهونة بوقت أو ظرف، ولا متعلق لها بمواتاة الوقت أو الظرف، على خلاف زعم الفقهاء المهادنين (أهل الاستكبار والظّلَمة). فطلب "العدل" فرض لا ينقطع، وغير مقيد. والعالِم بعلم "أهل البيت" والعصمة (والمظلومية وإنكار الظلم والاستكبار) مدعو، من "علمه" وتراثه وتراث من ينتسب إليهم بنسب لا يقتصر على "العلم" ويتعداه الى الدم وروابطه وإلزامه، مدعو الى طلب الولاية والقيادة والدولة بالقوة والسياسة والخدعة، وإلى تصديع أركان السلطان. وهو مدعو في سبيل إعلاء كلمة "الدين" أي في سبيل الولاية والقيادة باسم المعصومين المظلومين، الى ترك مناهج الفقهاء المحافظين و "الصامتين" (على قول محمد صادق الصدر، والد مقتدى "الشاب"، والشهيد الصدري الثاني وقتيل صدام حسين في 1999)، وتعليمهم، والانقلاب على علمهم المزعوم، ونفاقهم في المسائل الثانوية. وهذه كنى عنها خميني بـ "فقه الحيض والنفاس"، على ما قال قرِفاً ومزدرياً على شاكلة قرف محمد عطا، مريد "الشيخ" أسامة بن لادن ومقدم "غزوة" نيويورك، وازدرائه النساء، وطلبه ألا يحضرن غسله ولا دفنه بعد موته (في وصية كتبها في 1996). وإنكار الفقه هذا، إذا كان يستحق الاسم بعد، يكافئه، على وجه آخر، مديح فقه مضمر، تضمره شعائر العامة مثل عاشوراء والمواكب الحسينية والاحتفالات (الإيرانية) الكثيرة بموالد أهل بيت، وأسابيعهم وأربعيناتهم، وببيعاتهم المفترضة ومقاتلهم. ولا ينفي منها خميني، ولا خالِفوه، الحج الى مكة. فهم سعوا سعياً حثيثاً ومريراً في ضم الحج الى مواكبهم ومسيراتهم، واختصاره في شعيرة واحدة هي التلبية، وقلبها الى معنى واحد هو البراء (من الشيطان)، وحمل "الشيطان" والشر على رأسه "الأكبر" أو الأعظم، وهو، على قولهم الديني والميتافيزيقي والخلاصي والأخروي معاً وجميعاً، والدعاوي السياسي، "امريكا". وحادثة 1987 ومقتل مئات الحاج فيها، علم على السعي هذا. ولا تزال وكالة الأنباء الإيرانية تروي، الى اليوم، موقف التلبية على وجه ملحمي وبطولي لا يمت الى الوقائع إلا بصلة الرغبة.

النقض على الفقه
والحق ان بعض الأعمال التي نشرها، أخيراً معهد الشرق الأدنى الفرنسي ("ايفبو") وباحثون على علاقة به على هذا القدر أو ذاك – وهي "عوالم الشيعة وإيران"، دار كارتالا، 2007، و "وصف حزب الله"، دار سندباد، 2008، ونشرت العملين صابرينا ميرفان، و "التشيع والسياسة في الشرق الأوسط، إيران والعراق ولبنان وأنظمة الخليج الملكية" وكتبته لورانس لووير، دار أوترمان، 2008 – تتناول الانقلاب الخميني هذا على استحياء وخجل. ولعل مرد الاستحياء والخجل الدراسيين الى تناول نهج فقيه خمين على مثال مدرسي، فقهي ونصي، ومقارنته بمدارس فقهية أخرى، سابقة أو معاصرة أو لاحقة، وعقد المقارنة هذه على أبواب المرجعية والاجتهاد والتقليد، الى ما يلحق بها من وكالة وتدريس وجباية وأحكام. وقد يثمر هذا دراسات دقيقة في علاقات المراجع بعضهم ببعض، وغلبة بعضهم على جماعات متشيعة في هذا البلد او ذاك، وخلافاتهم في سعيهم الى الانتصار لمرجعية التقليد (ونعود الى بعضها في سياق العجالة). وهي أقرب الى دراسات الأنساب. وشأن هذه في تعرف الهويات، وبنائها، وأحلافها ومنازعاتها وانقلاباتها، في مجتمعات "محمومة"، على قول دوركهايم، غير قليل. والمثال المدرسي، الفقهي والنصي، وإن لم يغفل السياقات السياسية، ولا الحوادث الراجحة التي تصبغها بصبغتها التاريخية – على ما يصنع بيتير هارلينغ وحميد ياسين ناصر في مقالتهما في "الحالة الصدرية" بـ "عوالم الشيعة"، على نحو جلي – يهون شأن "الحمى" التي اصابت معظم مجتمعات الشرق الأوسط "العريض" أو "الأعرض"، على قول فرنان بروديل في الدوائر المتوسطية التي تحف دائرة البحر الأبيض المتوسط، وتعمل فيها توسيعاً صوب احواض قريبة، بحرية أو صحراوية أو جبلية. وكان للحركات "الخمينية"، قبل "خروج" صاحبها ودعوته وبعد خروجه ودعوته، سهم في دبيب الحمى، أو يقظتها، وفي انتشارها في الأجسام الأهلية المتفرقة.
فالتشيع الخميني، منذ فاتحته الإيرانية والقمية في حزيران 1963 (وإحصاء عدد الضحايا في "عاشوراء الثانية" على عدد ضحايا كربلاء)، تعمد البناء على أنقاض التشيع المذهبي، المدرسي والفقهي والسلكي، والقيام على تقاليد مستقرة تنسبه الى الإسلام السني، والطعن فيها. وصورة هذا الإسلام في الرواية الإمامية الإثني عشرية "المعتدلة" لا تخرجه من الإسلام المحمدي وحسب، بل من التدين والتوحيد والتأنس في نهاية المطاف. و "ولاية الفقيه" أقرب الى نقض حاد وعنيف على الفقه والفقهاء منها الى مدرسة جديدة من مدارس الفقه الجعفري. وحمل الولاية، أو السيادة والأمر، على فقيه ينبغي ألا يصرف عن المعنى الجديد الذي ملأ به روح الله خميني "آنية" الفقه الإمامي. فهو خلّص الأحكام، ومناطاتها وعللها (على قول ابن بابويه، شيخ اهل الحديث الشيعة وجامع رواياتهم و "قصصهم")، من ضوابطها الحرفية واللغوية والتأويلية. وهذه ضوابط تناقلها سلك العلماء والمدرسين وكانت سند اختصاصه بالعلم والاجتهاد. وأناط إجراء الأحكام وتحقيقها، بنصاب "حي"، حاضر ومتجدد الحضور، هو "المستضعفون" على نحو ما يمْثلون في إقامة الشعائر والمواكب والمسيرات والمجالس.
ويتبوأ المفهوم، أو الصورة، مكانة عالية في المقالة الخمينية الجامعة، "النظرية" والعملية. وهو حمال أوجه ومعان. فحمل على معنى اجتماعي، وجعل كفء الفقراء والمعوزين والمساكين والمهاجرين والنازحين من الأرياف الى المدن. والأرجح ان التأويل الاجتماعي هذا دخيل على خميني وثقافته ولغته. وهو لا يدفعه، ولا ينفيه. وترك أعوانه ومريديه ينسجون خيوطاً كثيرة، وروابط متينة بجماعات تشترك في العسر وضيق ذات اليد. ولكن "عاشوراء الثانية" المفترضة قامت، من بعض وجوهها، رداً على إصلاح زراعي شاهنشاهي أصاب، فيمن أصاب، كبار العلماء من ملاكي الأراضي الزراعية الواسعة، وورثة إدارة "المؤسسات" الوقفية الكبيرة وفروعها الكثيرة والمتشابكة (في مدن "العتبات" والزيارة). وبعض أقرب المقربين الى الرجل، من علي أكبر هاشمي رفسنجاني الى محمد صادق خلخالي، أثرياء عريضو الثراء، وأولاد أثرياء وآباء أثرياء، على ما لا ينفك محمود أحمدي نجاد ينوه ويندد الى اليوم. والحق ان الثورة الخمينية، على ما تسمي تيمناً بمصطلح محدث لا يضرها ولا ينفع في فهمها، لم تسرع الى صوغ "برامج اجتماعية"، على معنى حديث، على خلاف ارتمائها المستعجل والمحموم في دوامة منازعات إقليمية لم تنته فصولها، وتتجدد بين الوقت والوقت. وتأويل "المستضعفين" المرتبي، وهو العامة على خلاف الخاصة و "أهل القوة"، ويوضع على اشتراك جماعات في نفيها من السلطة واستبعادها منها، اقرب الى "الحقيقة العملية" الخمينية (على معنى ماكيافيلي). ودعوة العامة الى الخروج على السلطان، ودولته وأهله، تختزن عنفاً وراديكالية وخلاصية ودواماً تفوق ما قد يترتب على الدعوة الاجتماعية من نظائر هذه (العنف والراديكالية...)، من غير ان تنكر الدعوة الاجتماعية أو تشيح عنها.
وتبقى "العامة"، شأن الفقراء وأهل العوز، باباً يشترك فيه التشيع عموماً، وفرقته الخمينية خصوصاً، مع حركات ثورية أخرى، سياسية واجتماعية، إسلامية أو أهلية وعصبية. والاشتراك هذا، أو الشراكة، قد يرتضيه خميني، ومريدوه وأنصاره، مضطرين في فصل من فصول القيام على السلطان المستكبر، على ما حصل فعلاً في ايام القيام الأولى على الشاه محمد رضا بهلوي، وعلى ما يحصل في فصل تال من فصول انتزاع الولاية اللبنانية والولاية العراقية (في إطار "دولة" وطنية أو خارج الإطار هذا). ولكنه حلال بغيض وموقت. فالاشتراك في قواسم مشتركة شأنه في الخمينية شأن الحلف مع قوى طبقية غير صافية في اللينينية، يُقبل ويرتضى شرط ان يسند الشريك الموقت أو الحليف الظرفي على نحو سند الحبل عنق المشنوق، على قول لا يعوزه الانبهار بالعنف. وما ينفرد به التشيع، ولا يشاركه فيه شريك، هو جمع الفقراء وأهل العوز والعامة و "الحسينيين" في واحد. والواحد الفريد هذا هو مستضعفو خميني ومريد له وأنصاره وبعض وارثيه. وعلى هذا، فتعريف "المستضعفين"، السياسي الخميني – وهو تعريف أعمله صاحبه في الحوادث التي أطاحت الشاه بإيران، وأعمله أنصاره وموظفوه الاستخباريون والديبلوماسيون بلبنان في العقد التاسع المنصرم، وتُعمله بعض الفرق العراقية، على تردد وخلاف فيما بينها، ولم يعمله المشايعون في بلدان الخليج ولا في أفغانستان ولا في باكستان، ويتردد الحوثيون في إعماله باليمن -، هو السير على خطى (الإمام) الحسينية في مواكب عاشورائية وكربلائية، وبعث عاشوراء ثانية وثالثة ورابعة، والنفخ فيها، الى ان يخرج منها "شعب المستضعفين" على صورته المثالية – الأنموذجية المرجوة والمنشودة. فالموكب الحسيني العاشورائي، وجموعه المترامية والغفيرة ("المليونية")، والماشية مرصوصة لا تلوي، والقاصدة إما ضريحاً وإما جبانة تقوم على أطرافها حسينية أو مهدية (وهذه اختصاص ايراني)، والمستذكرة على الدوام قتيلاً مظلوماً لا نصير له أو مولوداً منذوراً لقتل عاجل أو آجل، والمنتظرة ثأراً عادلاً يقيم سلطانها على انقاض الخلق – الجموع هذه في موكبها الواحد وطوافها المقيم هي المستضعفون، على مراد صاحب "ولاية الفقيه" أو "الحكومة الإسلامية". والموكب، والأصح لفظة الجمع (المواكب)، المواكب الحسينية إذاً هي القرينة على شعب المستضعفين وشيعتهم "السياسية"، أو كيانهم، على نحو ما "الغابة المسلحة"، على زعم إلياس كانيتي، هي العَلَم الأسطوري على "الشعب" الألماني والجرماني.
والمعنى هذا، على مراد روح الله خميني، هو معنى مولَّد أو توليدي وعملي. فهو لا يصف حالاً سابقة، ولا يعرّف ماهية معقولة، بل يشترط شرائط على بلوغ غاية او قصد، ويقيد بلوغ الغاية أو أو القصد بتحقيق الشرائط هذه. وهو يعلق التحقيق على العزم، أي على الفعل والعمل والمباشرة. وهذه "حداثة" فعلية، تفوق وتتقدم بأشواط النقل التقني. و "الفقيه" الخميني، على خلاف الفقيه الجالس لتدريس المبادئ، والمحاضر في السطوح والخارج، والمفتي في مسائل الطهارة والصلاة والقبلة والصوم والاستخارة والمواريث والمناكح والوصايا والخُمس، هو المنتصب للولاية على العزائم قبل ولاية الأحكام. فهذه يجوز تعليقها أو نسخها للضرورات، ولا يمتنع من هذين ما كان منها بمنزلة الأصول والأركان. و "الدستور" الخميني عهد الى مجلس خبراء عتيد بالتعليق أو التعطيل أو "النظر" والاجتهاد، إذا ألحت الحاجة وطرأت الطوارئ. وهي على الدوام طارئة في "الحكومة" الخمينية. وصاحب الفقه، والحال هذه، هو اهل المواكب الحسينية التي تقدم وصفها وعلى ما تقدم وصفها. ومستضعفو المواكب هذه هم اصحاب الفقه أو صاحبه على معنى مستودعه. وفقه الولي، ولي الأمر، ولي أمر الأمة، هو وديعة في المستضعفين من اهل المواكب الحسينية العاشورائية. وهو وديعة فيهم وليس بأيديهم أو بين ايديهم. وهم لا يملكون التصرف بالوديعة، ولا رأي لهم فيها. فالتصرف والرأي يفترضان محلاً خارج ما يُتصرف به أو يُرى الرأي فيه، ويقتضي فعلُهما الخارج هذا. والمستضعفون الحسينيون، على ما يقول خميني، ليسوا بهذا المحل. فهم فعل خالص أو محض. وفقههم هو المسير الحاشد والهادر والمستميت الذي تقوض استماتته السلطان، وتدك أركانه، حال الخروج، خروج المستضعفين، في الموكب الحسيني، ومسيرهم موكباً.

التعريف
وقد يبدو المستضعفون، على هذا، فكرة متداعية، أقرب الى "الشعر" و "التصوف" منها الى السياسة والفعل السياسي. وهذا ما حسب محمد رضا بهلوي. فنسب صاحبَ 15 خورداد ("عاشوراء الثانية") الى "التصوف الهندي" ونفاه من التشيع الإمامي ومن فقهه واجتهاده المدرسيين والمعروفين. ولكن الجواب الخميني كان صارماً وحازماً. والحق ان الجواب هذا، وهو الخروج على العرش البهلوي، وعلى صاحب العرش، وإطاحتهما في أشهر قليلة، أشبه الحقيقة الفعلية شبهاً يكاد يكون روائياً. فـ "الجماهير" التي استجابت نداء نزيل النجف وحبيسها، ثم ضيف نوفل- لو شاتو بضاحية باريس في أشهر 1978 الأخيرة وشهري 1979 الأولين، وكانت خليطاً من العمال وأهل الأصناف والحرف والبازار والطلاب وعامة جنوب طهران وصغار المعممين، هذه "الجماهير" تصورت، لنظرة أولى عابرة وسريعة، في صورة فئات اجتماعية مقهورة. وحسبها مراقبون كثر صنو جماهير أو جموع الحركات السياسية والاجتماعية التي صنعت "الثورات الديموقراطية"، وبابها الجامع هو اسم "1789" (كناية عن الثورة الفرنسية الكبرى)، هنا وهناك. ولكنها انقلبت بين إغماضة عين وانتباهها، وتحدث الزلازل والكوارث والظهورات والتجليات في أوقات هذا ايقاعها، انقلبت الى مواكب مستضعفين حسينية. وآية الانقلاب الداهم هذا هو ارتداء الأكفان، وطلب الشهادة واستباقها، واستدعاء القتل واستدراجه من طريق اصطناعه وافتعاله (حرق أزلام "الثورة" وحراسها، قبل الاسم الرسمي، 400 متفرج في صالة سينما "عبادان" تمثيلاً على "وحشية" الشاه)، ونفي الفرق والاختلاف من صفوف المواكب المرصوصة، واستبطان "التكليف" استبطاناً أعمى وصامتاً، والخروج من تكليف التدبير والسعي والحرث والنسل والعمارة والخلافة (في الأرض) الى الطاعة وحصر الفقه فيها.
و "الحق" الأول الذي يطلبه المستضعفون الخمينيون، ويباشرونه منتشين، هو الحق في المسير في موكب حسيني. فالموكب الحسيني هو الإيذان بولادة المستضعفين مُحدثاً أو فاعلاً تاريخياً (أو "دولة عظمى إقليمية" وربما "دولية"، في عبارة لاحقة ومضمرة في المقدمات هذه). وهو تحقيق فقه الولي الفقيه وولايته، على معنى ملك الأمر والكرامة معاً. والولادة، على هذا النحو والمثال، مثلت الثورة الإيرانية والخمينية عليها تمثيلاً عريضاً عرض المسرح الإيراني والشرق أوسطي في عهد الإعلام المعولم وخطواته الأولى (على "المسرح" الفلسطيني الفدائي وطائراته المخطوفة ورهائنه). فكانت حوادث الثورة البارزة مواكب المستضعفين، ومقاتلهم ومشاهدهم. وعندما استولى الخمينيون على الحكم، واحتاروا في صرم حبل ثورتهم (وهذا ما لن يكفوا عنه اينما رحلوا وحلوا، على ما تشهد أزقة البصرة والكوفة والكاظمية وبيروت ومارون الراس وباب التبانة والشويفات وسوق الغرب ومشغرة وحي الشجاعية)، تهدد نضوب المواكب وشحها الثورة في صميمها. ولم ينقذها من التآكل، من إقوائها على عرشها، إلا قادسية صدام حسين المزعومة. وقضى فقه الحرب الخميني بحمل ميادين القتال على ساحات المواكب الحسينية وطرقاتها وجسورها (تلك التي يقتل في التدافع عليها 900 نفس في ساعة واحدة على ما وقع قبل سنتين ببغداد). ودعا ولي القتال والجهاد المقاتلين الى قتال موكبي، إذا جازت العبارة. وعلى المثال هذا مشوا الى الحرب وخاضوها، وخلفوا نحو 600 ألف قتيل ايراني، ثلثهم ربما من الفتيان والأولاد الذين لم يبلغوا أو بلغوا لتوهم. وهذا ليس تبديداً إلا في نظر المستكبرين والمنافقين والطاغوت (وهم الأميركان والصهاينة واليهود و14 آذار في هذا الوجه من "المنطقة")، بل هو ثقافة أصيلة لا تشبه ثقافة المستشرقين، ولا يفهمها المستشرقون ولو حرصوا ورغبوا.

"دولة" المهدي وحروبها
والحق ان ولادة المستضعفين على هذا النحو، عن يد القابلة الخمينية بإيران سبق موسى الصدر الى الحدس فيها بلبنان قبل نحو عقد تام من الزمن (ويزعم امير طاهري في سيرته المبكرة للرجل ان منفي النجف الإيراني "يدين" للمجتهد اللبناني – الإيراني الشاب بفكرة المستضعفين أو المحرومين، ويحمل طاهري، فيما أحسب، القرابة على اللفظتين). فالتظاهرات الشيعية و "اللبنانية" الحاشدة واللجبة في مطالع العقد الثامن بين بعلبك وصور، ودعوة خليط اجتماعي متنافر الى التظاهر والاعتصام القريب من الاعتكاف الحسيني ومن "يوم الحشر". والتقريب بين الاحتجاج الاجتماعي والسياسي العادي وبين انتظار الخلاص وساعته، وتصوير مجيء القائد الإمام في صورة المبعث أو صورة الثأر – هذا كله أرهص بالمواكب الخمينية من غير ان يبلغ سطوعها. ولعل بعض السبب في قصور المواكب الصدرية ("اللبنانية") عن نظيرها الخميني اللاحق هو قوة انخراط شيعة لبنان، يومها، في سياقات سياسية واجتماعية وثقافية وطنية وهجينة (قياساً على الصفاء الإيراني) حالت بينهم وبين الذوبان والتحلل في لجة الموكب أو المشهد المحض. ولكن المواكب الصدرية آذنت بالمواكب الخمينية، بإيران ثم بلبنان والعراق من بعد، وغرفت من معين مشترك. ولا يقتصر المعين على "الذاكرة" الإمامية الحسينية، بل يتعداها الى الفقه السياسي أو فقه الولاية، معاملات وعبادات، اليوم وغداً وليس البارحة وحدها ولا في المرتبة الأولى. وعلى هذا فلورنس لووير (في مقابلتها التي تتناول حركات التشيع في الخليج في كتابها) وأوليفييه روا (في مقالته التي تقتفي أثر الثورة الإيرانية في الشرق الأوسط)، محقان في جمع العوامل المؤثرة في انفجار الثورة الخمينية بإيران، والعوامل الآيلة الى "صحوة" الشيعة وتململهم ببلدانهم ومجتمعاتهم وإقامتهم الجسور المتفاوتة مع طهران وأجهزتها الدعاوية والاستخبارية والبوليسية، الى توليد الخروج الخميني من ظروف وملابسات محلية "موضوعية" ومشتركة، على قدر أو آخر. وهو (الرأي) يتناول الخروج هذا، حيث حدث وحصل، على وجه الحركة السياسية الساكنة والعاقلة، وعلى خلاف الحركة المحمومة (على ما تقدم)، وعلى معنى الغليان والذوبان الحسينيين. وتدير المعالجة على هذا المثال الظهر للجدّة السياسية الحادة التي تفتقت عنها الخمينية، ولانقلابها الحاد على معاني الولاية والفقه والاستضعاف، او تجديدها المعاني هذه في سياقة اجتماعية وتاريخية تحاول وصف الموكب الحسيني العاشورائي بـ "دولة" المهدي وسلطانه في الأرض.
وما "أخفق" موسى الصدر في إنجازه بلبنان "الفلسطيني" – لبنان فلسطين والعروبة، على قول وليد جنبلاط الراجع في الانعزال والسيادة -، قبل خروج روح الله خميني واستيلائه على الأجهزة الشاهنشاهية، واستدراجه الحرب العراقية – الإيرانية وخوضه إياها وفيها خوضاً موكبياً ومشهدياً، أتمه الجهاز الخميني المسلح والأمني "اللبناني"، ونجح في إتمامه نجاحاً فاق نجاحه ربما في إيران نفسها. فما صنعته الحروب الملبننة (والقوامون عليها، وساسة سوريا بعد ساسة المنظمات الفلسطينية على رأسهم) بلبنان واللبنانيين، مجتمعاً وسياسة، ليس في وسع قوة محلية أن تصنعه وحدها، ومن تلقائها. فتضافرت السياسات الإسرائيلية والفلسطينية والسورية – ومن ورائها متفرجون وممولون وسعاة خير وشر عرب – على تصديع الجماعات والمراتب الاجتماعية والسياسية، وعلى صناعة عامةٍ، ومستضعفين من أكوام المهجرين والهاربين والمتساقطين (من هيئات سكن وعمل واجتماع)، ومن شراذمهم الخائفة والممتحنة. فورثت مكاتب الأجهزة الخمينية بطهران، ومبعوثوها الى لبنان، ما لا يحلم به ولي فقيه أو مقاتل أو داعية أو خازن (مال) أو عين (راصدة)، وهو مادة مواكب ومشاهد وخاماتها الأولى على "فطرتها" المزعومة. فصنعت جمهورية موكبية حسينية وخمينية من عشرات المسيرات "المليونية"، وهي يومها لم تكن تحشد إلا مئات أو آلافاً قليلة وغير مؤلفة، ومن حملة أكفان حقيقية "يختبرون" من غير حساب إفضاء المسيرة أو الموكب، تحت الأعلام السود الخفاقة برجاء إدراك المهدي وتعجيل فرجه، الى قتل محتوم وكثير و "عادي" بأيدي "الصهاينة"، وفي أحيان قليلة بأيدي "اليزيديين" (من "أبناء" موسى الصدر وأنصار خلفه على "أفواج مقاومة" يديرها ضباط عمليات واستطلاع ورصد سوريون).
وولدت "أمة حزب الله"، وطليعتها الفرقة الخمينية والحرسية ونواتها المقاتلة والأمنية، من رحم المواكب والمسيرات والمشاهد، المتصلة بالمَقاتل وأعمال القتل والاغتيالات، هذه. ورعت الولاية الخمينية الحرسية تكوين عالم رحمي وسفلي منكفئ ومنقطع من عالم "اليقظة" المشترك، عالم الناس الأسوياء المنصرفين الى مشاغل الحرث والنسل وهمومهما، على نحو ما رعت الوصلة بين "العالمين" جيئة وذهاباً. وطمأنت أهل "العالمين" الى قوة عللهم ومسوغاتهم وارتكازها في مقاصد الخلق و "أسراره" المحجوبة إلا عن أعين صفوة الصفوة. والحرب على أشكالها وصورها - حرب شيعة المؤمنين المظلومين على الكفار الظالمين واليزيديين الطاغوتيين، وحرب المستضعفين على المستكبرين، وحرب الجائعين على المتخمين، والحرب الأهلية، والحرب الوطنية، وحرب التحرير، وحرب "المسلمين" على "الصليبيين" و "اليهود" – الحرب هذه، وموكبها ومسيراتها ومشاهدها ومقاتلها وذروتها النووية، هي البطن الولود التي تنعقد ثمرتها أجيالاً وأفواجاً من المستضعفين السائرين لا يلوون الى مدينة السد، مدينة الشيعة الاماميين الحسينيين الفاضلة. وتتجدد قسمة العالم الرحمي السفلي وعالم اليقظة والأسوياء في ثنايا الحروب هذه. فبينما يخلد أهل عالم اليقظة والسعي الى أعمالهم و "تجارتهم" وأولادهم ونسائهم، ينصرف أهل الصفوة، وعلى رأسهم "الإنسان الكامل"، وهو من لا يشك محمود أحمدي نجاد في أحقيته بالولاية (على الفقيه المحترف والمقتصر على "الثورة الأولى")، الى اعداد خطط الحروب الناشبة والآتية. ويوجهون دعاتهم وسفراءهم، على ما كان اسماعيليون اخوان الصفاء يقولون، على شاكلة "الحاج رضوان" وعشرات من ضباط استخبارات الحرس، الى هذا الوجه من أقاليم "الأرض" المأهولة بـ "شيعتنا" أو ذاك. فيقتلون أو يُقتلون. ويرسون "دعائم الإسلام" على هذا، ويعلون صرحه ومثاله. ويستوي في العمل العظيم هذا من يجهرون نسبتهم الى "ولاية الفقيه" ومن يتحفظون عن النسبة هذه وعنها. وبينما يتسلى الدارسون والباحثون بتصنيف هؤلاء وأولئك وتمييز بعضهم من بعض، وتشخيص الفروق والملاحن الفقهية (في مراتب الشفاعة وأصحابها!)، يجتمع "المستضعفون" في مواكب ومشاهد حسينية واحدة ومرصوصة، ويسيرون الى ملاقاة "الأميركان" و "الصهاينة" كل يوم، ومع كل صلاة وبيان (صادر عن) مكتب مأذون ومستوفٍ شرائط المكتبية والفتوى والعدالة.
ولعل العراق، أو العراقيين، على المعنى الجغرافي نفسه، هو أو هم الحبة الثالثة من حبات السبحة الحسينية الخمينية المأمولة. وإخفاق الخمينيين الحرسيين، الى اليوم، في بعث حركة مستضعفين غالبة، لا يعود الى الانقسام على ولاية الفقيه، ولا الى الخلاف بين مقتدى الصدر وبين آل الحكيم. والحق أن تناول المسألة على هذا الوجه، الفقهي التقليدي والمدرسي، يصرف عن الانتباه الى الوجه السياسي الاجتماعي الذي رعى ويرعى ولادة "مستضعفين" حسينيين وخمينيين، وحركتهم، حيث يولدون، وحين يولدون. ولم يشك شيعة العراق، لا في 1991 ولا في 2003، غداة انهيار صدام حسين و "دولته"، في أقوم الطرق، وأسرعها وأجداها الى إنشاء دولتهم "الإمامية" التي أعدت العدة لها أحزاب "الدعوة" و "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" في المنفى الإيراني، وتوقعها ابن محمد صادق الصدر "الشاب"، وخلفه على حركة صدرية ناشئة، ثمرة "جيشه" المهدي. فاحتفلوا بخروجهم في مواكب ومسيرات، وباستئناف هذا الخروج والإقرار بحقهم فيه، فوق احتفالهم بسقوط الطاغية الظالم. ولم ينغص عليهم فرحتهم بمواكبهم ومشاهدهم انتهاز الزرقاوي، والعصابات القومية البعثية، وربما بعض "الأهل" والحرسيين المتسللين، فرصة المواكب والمشاهد والتوسل بها الى إيقاع مقاتل "حسينية"، على ما يتمنى "المستضعفون" ويرجون، فيها.
فالولي الذي يطلبون ولايته لا يهم أن يكون فقيهاً بحسب الحرفة والمهنة. ولم ينتظر مقتدى الصدر رشده الفقهي قبل مباشرته إنشاء "جيشه". وزملاؤه على رأس الحزب الخميني المسلح في لبنان لا يدعون فقهاً، ولا يزعمون علماً غير العلم الذي استودعوه. ولا يطعن هذا في تألههم وتألقهم، ولا يدعو أولياء أمرهم الى غبطتهم على إنجازاتهم أو الى نسبتها الى أنفسهم من دون "المستضعفين". ففقه هؤلاء شأنه شأن "الثقافة البروليتارية" في عهدة لينين وستالين وجدانوف وسوسلوف، هو فقه "جماعي"، أو فقه الجماعة التي تحكم الصفوة باسمها، وبالإنابة عنها. وفقهاء "المستضعفين" هم جسم مرصوص، أي جهاز منتخب من نبهاء الموظفين وشجعانهم، أي هم "نوماكلاتورا"، على قول روسي وسوفياتي بائد ومقيم معاً. وقد يتكشف عميل استخبار فاتك، بعد موته "مثخناً أو قتيلاً" بيد صديق أو عدو، عن جهبذ من جهابذة "المستضعفين"، وشريفاً من أشرافهم. ولا ريب في أن من قدر ويقدر على تنظيم مسيرات بعلبك، والضاحية الجنوبية، ومسيرات "التحرير" الى جنوب لبنان (في أيار 2000)، ومسيرات إخلاء الجنوب نفسه في تموز 2006 والعودة الى الجنوب في آب، ومن قدر ويقدر على فصل حربه الخاصة من الحرب الوطنية والإيهام بأنها واحدة، واستيلاد الإيهام هذا "سياسة" تبدو سياسات البلاطات الفلورنسية والإيطالية قياساً عليها لعباً بريئاً وساذجاً – لا ريب في أنه "فقيه" يستحق ولاية مطلقة وكينونية.

يقين سولجنتسين المبكر بزوال صروح السلطان الشيوعي معينه حمل الحياة والفن على المنازعة والخلاف

10/8/2008
في العدد الحادي عشر، تشرين الثاني 1962، من مجلة اتحاد الكتاب السوفيات الشهرية، "نوفي مير"، تجرأ رئيس التحرير، ألكسندر تفاردوفسكي وهو يومها أحد أعيان المناصب الثقافيين، على نشر قصة كاتب مغمور، ألكسندر سولجنتسين، في الرابعة والأربعين من العمر، يدرس الفيزياء في إحدى مدارس ريازان، الى الجنوب الشرقي من موسكو والى الشرق من تولا، في قلب روسيا وسهولها وسهوبها. ووسم الكاتب قصته، على ما سماها – ولم يسمها "رواية"، وأقام على الاسم في أعماله القصصية التالية – وسمها بـ "يوم (من أيام أو حياة) إيفان دينيسوفيتش"، وإيفان أو فانيا دينيسوفيتش (ابن دينيس)، وهو في القصة أو معظمها شوخوف وفي أحيان قليلة إيفان دينيسيتش، معتقل في معتقل أو معسكر كاراغاندا بسيبيريا، على ما كان سولجنتسين نفسه. وقبل كاراغندا كان في أوست – إيجما، وهو معسكر آخر، مختلط، لا يقتصر على السياسيين، وتمزج فيه الإدارة السياسيين بالمجرمين أو المدانين العاديين. وفي عام 1951 كان قضى في الاعتقال ثمانية أعوام تامة، وبقي عامان من مدة محكوميته، أو "تعرفته" على قول شوخوف، فيتم ثلاثة آلاف وستمئة وثلاثة وخمسين يوماً، على ما يحصي في الأسطر الأربعة والأخيرة من القصة الأولى. ويستدرك: "والثلاثة الزائدة مردها الى السنوات الكبيس".

اليقين والقبر
والكاتب، صاحب "يوم (من أيام) إيفان دينيسوفيتش"، قضى 8 أعوام في المعتقلات المتفرقة. وأخلي في 1953، عام وفاة جوزيف ستالين، الى عشرات الآلاف من زملائه وأقرانه. ولكن المعتقل العائد الى الحرية، شأن السياسيين من أمثاله أو المدانين بتهمة سياسية، نفي الى بلدة في كازاخستان، على ما هي حال افكينغ كوستوغلوتوف، أحد المصابين في "جناح السرطان" (1966 – 1967)، "قصة" سولجنتسين الطويلة والأخيرة قبل منفاه أو منافيه خارج روسيا والاتحاد السوفياتي في خاتمة العقد. فالسياسيون المدانون لا يردهم قضاؤهم مدة اعتقالهم كاملة الى الحياة المدنية العادية، ولا يرد إليهم أهليتهم المدنية و "كرامتهم". فهم إذا أدوا "تعرفتهم"، وهذا بعد أن كانت، الى 1948، عشرة أعوام، بلغت 25 عاماً بعد 1948.
وأصيب الكاتب، في بلدة المنفى الكازاخية، بالسرطان. ولكن سولجنتسين غالب المرض الخبيث وغلبه هو لم يبلغ الأربعين. وقدر له بعدها أن يعمر الى التسعين إلا شهوراً قليلة. فبقي من "انتصاره" على المرض، على قول قاله هو على نحو مقالة المرء لنفسه وردده رواة الأخبار و "الباباراتزي" (صحافيو النجوم والفضائح) وحملوه على التنبؤ والادعاء، بقي يقين متين بأن خلاصه من المرض إنما هو لأمر ندب إليه، ولا يملك هو أن يعود فيه أو يتخلى عنه. فلم يشك الرجل يوماً في عودته الى بلده الحر حراً. وهو قضى نحو ربع قرن في المنافي، وكانت الأعوام العشرة الأولى (1970 – 1980) أيام سَعْد الاتحاد السوفياتي وتوسعه بآسيا (فيتنام، 1972، وأفغانستان، 1978) وأفريقيا (أثيوبيا وأنغولا، 1976) ومده نفوذه في الشرق الأوسط وبعض أوروبا نفسها (البرتغال، 1974 – 1976). فلم تفل الانتصارات السوفياتية عزيمة الناجي من السرطان. فكتب الى مؤتمر اتحاد الكتّاب السوفيات الرابع، في أيار 1967، غداة مصادرة السلطات مخطوطة الجزء الأول من "جناح السرطان"، وامتناع ثلاث دوريات أدبية من نشره، خطاباً في الرقابة. ودعا السلطات والكتّاب جميعاً الى إلغاء الرقابة على الأدب والكتابة والرأي، على صور الرقابة ووجوهها كلها.
وكان للدعوة هذه، في موسكو والولايات السوفياتية الأخرى، معنى قد يفوت من لا يعلم أن الرقابة الحزبية والأيديولوجية والبوليسية لم تكن تقتصر على ما ينشر ويطبع ويقال اليوم، بل تتعدى اليوم، وشؤونه، الى الأمس القريب والبعيد، والى التراث الروسي والأوروبي كله. وتطلق يد الرقيب، وهو أجهزة عنكبوتية لا تحصى أذرعها ومقصاتها ومفاصلها، في أعمال الماضي، وفي أعمال الآتي التي تنتظر الولادة والنور. فتصدى الكاتب الروسي "الجديد" للرقابة وأجهزتها وفلسفتها أو فكرتها على نحو عُرف به من بعد، ولم توهنه الأعوام، ولا أوهنه تقادمها ومضيها: "يسعني القول، مطمئناً ورابط الجأش، أنني قائم بما يترتب على مهمة الكاتب وعمله في الأوقات والظروف كلها، لا أستثني منها القبر. ففعلي، إذ ذاك، يكون أقوى وأمضى من فعلي حياً. وليس في مستطاع أحد أن يعترض مسالك الحقيقة. وأنا أرضى الموت نفسه في سبيل ظهور الحقيقة. وقد تنبهنا أمثولات لا تحصى، أخيراً، الى ألا نطبق على قلم كاتب لا يزال على قيد الحياة".
والحق أن انقضاء نيف وأربعين عاماً على كتابة الكتاب هذا، أو الرسالة، وتغير الأحوال وتقضي الزمن، ومحوه الصروح والآيات "العظيمة" والباهرة (أين "القبور" من عهود بريجنيف وسوسلوف وبونوماريف وقادة الكي جي بي الذين تولى بعضهم مثل أندروبوف الأحكام؟)، لم تنزع من كلمات صاحب "يوم (من أيام) إيفان دينيسوفيتش" و "بيت ماتريونا" و "جناح السرطان" (وهي، يومها، الى "حادثة في محطة كريتشيتوفكا" و "في سبيل القضية"، أعمال سولجنتسين كلها وكانت ذريعة لجنة جائزة نوبل السويدية الى منح الكاتب الروسي جائزتها في 1970)، لم تنزع منها قوة الوعيد والنذير ولا سند الزمن المديد الذي يصدر الوعيد والنذير عنه. فصاحب الكلمات القوية والواثقة هذه لا يجهر رأياً أو ظناً، فيعود في هذا أو ذاك، و "يجري نقداً ذاتياً"، على ما كانت أجهزة الأحزاب الشيوعية المسفيته والمليننة (من لينين وشروطه) تقول، ويعفو عما مضى وقال. فرأي أو ظن أو قول مثل هذا، يرجع فيه صاحبه ويصححه، لا سند له من صاحبه، ولا من "حياة" صاحبه، على قول شولوبين، الشيوعي القديم والموشك على الموت كمداً وإنكاراً وداعية "اشتراكية أخلاقية" في محاورته كوستو غلوتوف في الجزء الثاني من "جناح السرطان". وقد يصح في مقالة سولجنتسين ما قاله كيركيغارد في ديكارت، وفي دليل التفكر ("أنا أفكر") على الكون ("أنا موجود"): لو كان صاحب دعوى التفكر أو الفكر، والمتصدي للدعوى، غير ديكارت، وهو قوة حجته في نفسه ومن نفسه، لما كان للدعوى من القوة والرجحان ما لها. ولو لم تتردد في جنبات كلمات الكاتب الروسي الناجي من السرطان، والحقيقة من 8 أعوام في معتقلات الأشغال الشاقة، والمقاتل 4 سنوات (1941 – 1945) جندياً ثم نقيب مدفعية على جبهات لينينغراد وأوريل وبيلاروسيا وبروسيا الشرقية – لو لم تتردد في كلماته أصداء "حياته" هذه ويقينها، و "حياة" من شاركوه اختباراته وشاركهم اختباراتهم ويقينهم، لذهبت الأصداء هذه هباء و "رجعاً"، على قول لوركا في حوافر الخيل الرائحة الى اشبيلية.
ورد معلقون وشراح كثيرون يقين سولجنتسين، وقوة مخاطبته وكلامه الحكام والطغاة و "أصنام الكهف" – على قول شولوبين إياه مستعيراً من فرنسيس بيكون وتعليله التصديق والإذعان بالخوف من الحرية والاختبار – الى إيمانه المسيحي الراسخ و "الأعمى"، إيمان "الموجيك: (الفلاح) الروسي المطبق. وقد يميل الرأي الى مثل التعليل هذا. فالكاتب حسب أن وضعه حياته ومماته، فرداً عاري اليدين وحاسر الرأس، في كفة ميزان واحد نظير كفة أخرى فيها "أبطال" الحرب العالمية الثانية، ووارثو انتصارات ستالينغراد وكورسك، وفاتحو شرق أوروبا الى نهري أودير ونايس، والمدججون بآلاف الرؤوس النووية والهيدروجينية والصواريخ العابرة للقارات، حسب الكاتب أن فعله هذا ليس عقيماً ولا أقطع من غير ذرية. ومن يصنع هذا، ويصدق صنيعه، لا بد أن يكون به مس من "شيطان" الإيمان الفلاحي. فكيف الحال وهو يزعم البحث عن "الصديقين". وعن البسطاء، ملح الأرض والأبدال ودعائم العرش الذين يمسك بهم الله الأرض والسماء أن تسوخا، على قول محدثي الإمامية من قراء الكتب القديمة وفيها كتب بني إسرائيل والنصارى والصابئة.

شعب "الأرخبيل"
ومن إيمان سولجنتسين الفلاحي الموجيكي، والغيبي والقومي الروسي والأرضي الطيني، خلص حرسيو اللجان المركزية، وشرطة "أجهزة الدولة الأيديولوجية"، والتقدميون في أرجاء الخراب النامي (والأرجاء "العربية" من ولايات في الصدارة)، الى رجعيته. وحملوا نبؤاته على أسربة الهذيان والهاذي. وماشى الحكواتي والمسخراتي العظيم، اللابس جلد المولود في روستو على نهر الدون والحال في إهابه، التهمة هذه. وبالغ في المماشاة والمحاكاة. وأسلمته حكايات المعتقلات والكولوخوزات والمصحات "الصغيرة" والمتواضعة الى جداريات أدبية وتاريخية "استقصائية" عريضة عرض التاريخ الروسي المحموم، وشقائه واضطراباته وفتنه. فكتب "أرخبيل الغولاغ" (إدارة المعتقلات المركزية، بحسب تعريف المترجم عابراً اللفظة في إحدى صفحات "يوم..." التي تصف رئيس رهط إيفان، تيورين، بـ "ابن الغولاغ الصريح") في 1974، في ألف وثلاثمئة صفحة.
وأدخل شوخوف، إيفان ابن دينيس، وتيورين، وأليوشكا المعمداني الأوكراني، وقيصر، والقطان، والمولدافي، واللاتفيين، والتتاري، و "الأعرج" اللئيم، و "الأصم" النبيه سينكا كليفشين، وفيتيوكوف الخاسر، وكوليا فدوفيشكين الممرض، وفولكوفوي الضابط الآمر، وكيلغاس وغوبتشيك، وغيرهم كثير من الرهط 104، أدخلهم سولجنتسين، وعشرات غيرهم ممن ملأ بهم سيرتي الكولخوز والمصح، في "شعب" الأرخبيل المترامي. وهو مثَّل على هذا "الشعب"، ومادته ورعاياه هم "الزيك" أي المعتقل العادي و "القاعدي"، بنحو ثلاثمئة معتقل آخر، من جزر الأرخبيل و "طبقاته" (بحسب الأوقات والخبرة)، تقصى الكاتب أخبارهم وسيرهم، وأدرجهم سواقي وروافد وأذرعاً في نهر الشقاء الروسي العظيم والعريض. فرفع من السير والأخبار والتراجم صرحاً عالياً أخرج الى الضوء الحاد والساطع أركان الكرملين، وديكتاتورية البروليتاريا، وقيادة الطبقة العاملة، و "علم" التاريخ المادي والديالكتيكي، والأممية.
فإذا بالأركان هذه تكاد تقتصر على مخفر اللوبيانكا، مقر الجهاز الأمني المركزي، ودماغ الأرخبيل. ولحمة اللوبيانكا وسداها هما (أو هي) ما لم ينفك سولجنتسين في أعماله كلها عن مسألته، والإلحاح فيها. وهو – على ما لاحظ كلود لوفور في أفضل تعليقة كتبت ربما على "تقصي" سولجنتسين "الأدبي" (على ما وسم "أرخبيله") – العلة في إرادة العبودية، والإذعان لسلطان واحد. فكتب الطود الروسي، في "الأرخبيل" وفي "عقد" "آب 14" – كناية عن الشهر الذي اندلعت فيه الحرب الأولى الكونية وأرهص بالحوادث التي أدت الى ثورة روسيا الأولى والديموقراطية في شباط 1917 وهي شاغل الكاتب المؤرخ – كتب "نقضاً على الواحد"، على ما وسم الكاتب الفرنسي الشاب وصديق ميشال دو مونتاني، اتيين دولا بوويسي، رسالته في إرادة العبودية (1546 – 1554).
فاهتز صنم "الواحد" السوفياتي، أو اضطرب. وكان العام 1974، عام نشر "أرخبيل الغولاغ" بالروسية وبلغات كثيرة نقل إليها (ولم تدر به العربية الى اليوم)، معلماً في الطريق الى تآكل السلطان السوفياتي الشيوعي، من غير مبالغة ولا افتعال. واستبق سولجنتسين صنفاً من الرجال نسب الى الشقاق، أو "الانشقاق" (وهي لغة في الشقاق والمشاقة والتقوض والخروج)، وعرف بالمنشقين. ومن أعلامهم، فيما بعد، فاتسلاف هافل التشيكي، وساخاروف، العالم النووي الروسي، وليش فاليسا (ليخ فاونسا) البولندي على نحو آخر، وعشرات غيرهم. وهذا الصنف الذي ابتكره سولجنتسين، على وجه أو آخر، يجمع من غير جامع واحد (على قول شولوبين) أفراداً ينهضون من غير عشيرة ولا عصبية، على قول ابن خلدون ساخراً، ويخرجون على السلطان الفرعوني وليس بيدهم مقلاع داود.
وهم لا يخرجون طلباً لملك "يحاولونه" (امرؤ القيس المنحول)، بل مندوبين من تلقائهم الى كلمة حق و "حياة". وتوالى خروج مثل هؤلاء في روسيا نفسها، وفي أطرافها المجرية والبولندية والتشيكية والألمانية والرومانية والبلغارية. واتفق الخروج هذا مع مفاوضات هلسينكي على معاهدة أمن وتعاون بأوروبا وقعت في 1976، وآذنت بانحسار المهابة المعنوية والأخلاقية "الاشتراكية". فاقتصرت هذه، من بعد، على الدبابات وطواقمها. وفي الأثناء، خرجت من أنقاض الاستبداد وشقوقه أصوات كثيرة كانت اللوبيانكا السوفياتية، ووكالاتها في العواصم، تشد على أعناق أصحابها وحناجرهم وأقلامهم وتخنقها. ورفدت أصوات الكتاب والناشطين والمثقفين "البورجوازيين" (وهذه نظير "الأميركان" و "الصهاينة" في أدب حرسيينا) حركات نقابية، بعضها عمالي وبروليتاري صميم. و "التضامن" في غدانسك ببولندا المثال الأقوى والأوضح على الحركات هذه. وربما كان الخروج على هذه الصورة، أي خروج أفراد، من غير سلاح ولا لحمة ولا سند ولا تهيب، في طلب كلمة حق وحياة وروح، سولجنتسينياً، مهما كان رأي ألكسندر سولجنتسين في ليبرالية بعض الحركات هذه، أو في اقتفائها المثال الغربي السياسي ("التعددي") والاقتصادي الاستهلاكي ("الركيك").
وهو نعى على المثال هذا قصوره عن جبه عودة "الأصنام" وانبعاثها. ونعى عليه ميله الى مهادنة الاستبداد. فكان صاحب "بيت ماتريونا"، الوديعة، والنفس الزكية التي قتلها أهلها، حليف الرئيس الأميركي المحارب رونالد ريغان، خصم "امبراطورية الشر" السوفياتية. وكان حليف نيكسون، الرئيس الأميركي الآخر، على دعاة انسحاب مبكر من فيتنام، وعلى أنصار سياسة أميركية خارجية لا تأخذ الحركات القومية المسلحة بظنة الشيوعية وتهمتها وجريرتها. وحين تداعت الشيوعية في روسيا، وفتح تداعيها باب "سجن الشعوب"، على ما سميت السلطنة الحمراء، وخرجت شعوب جارة من السجن، وبعضها مثل الشعب الأوكراني كان توأم الروس منذ قرون طويلة ومصدر بعض أعظم رجالاتهم، أصاب سولجنتسين حزن عميق. ولم يعزه مآل الأمر الى يلتسين، وأوليغارشية "الحيتان"، وقراصنة القطاع العام، ورجال المال والتجار. فأيقظ هذا نعرة على بعض هؤلاء، وفيهم يهود. فكتب صاحب "يوم..." و "جناح السرطان" و "أرخبيل الغولاغ"، ومعتقلاته، وهي شأن مصحه، تعج باليهود الضحايا، كتاباً في جزئين، أرخ فيه لليهود بين ظهراني الروس، هو آخر كتبه الكبيرة أو من أواخرها. وعندما خلف بوتين يلتسين حيا الكاتب الخلف الملتبس.

أثقال روسيا
وحقق هذا، في نظر "التقدميين"، تهمة الرجعية الفلاحية المبكرة. فلما كتب إدوارد سعيد، الفلسطيني – الأميركي، كتاباً في المثقف ووجوهه في العالم المعاصر، وفيمن يليق بمثقفي "ما بعد الكولونيالية" الانتباه إليهم، وربما التأدب بآدابهم، غفل الكاتب "التقدمي"، المتتلمذ على غرامشي الإيطالي والشيوعي، وأشهر مثقف "عربي" في العالم المعاصر (بعد "الشيخ" بن لادن، على الأرجح)، عن سولجنتسين. فالكتاب الذين يدعون فرادى من غير عشير ولا عصبية، ولا يدعون الى حرب ("نقدي")، ولا مراشقة، ولا "يفككون" المقالات، هؤلاء لا يستحقون الذكر. فإذا انحازوا الى نيكسون على المعسكر السوفياتي و "حركات التحرر"، ثم الى ريغان ودرعه الفضائية المضادة للصواريخ، والى صواريخ "بيرشينغ" على "الإس إس 20"، فضحوا ضآلتهم وفسادهم. ولم يستحقوا من ناقد الاستشراق وهادمه، وفاضح "ثقافة" الامبريالية وخدمها (وفي هؤلاء كنعان مكية العراقي، وكاتب "جمهورية الخوف" و "القسوة والصمت" والكتابان أقرب ما كتب في العربية، فيما أعلم، من نهج سولجنتسين)، التنويه والإشارة.
والمقارنة بين دخول الكاتب "العربي" "العالمية" وبين دخول القاس الروسي الكبير الدائرة هذه قرينة على الفرق بين ثقافتين وجماعتين. فصاحب "يوم..." و "بيت ماتريونا" و "جناح السرطان"، قبل "أرخبيل الغولاغ" و "آب 14"، يدخل العالم مثقلاً بأهل روسيا وعذاباتهم وأفراحهم وحركاتهم وسكناتهم، وأزمنتهم وتاريخهم، فيذيع على العالم "حياة" الروس" ويدق صاحب "الاستشراق" و "الثقافة والامبريالية" باب العالم مفنداً مقالات الامبريالية، وبعض صغار كتبتها، في "الشرق". ويكاد لا يزيد كلمة في الشرق هذا، وفي تواريخه، الى ما يعرفه "الغرب" وصحافيوه، ويذيعونه، على خلاف صاحب "الأرخبيل".
ولكن بماذا استظهر صاحب "يوم (من أيام) إيفان دينيسوفيتش"، في 1962، على المكتب السياسي السوفياتي وأمانة سر لجنته المركزية؟ ويومها، في تشرين الثاني، كانت الدولة السوفياتية تنصب خلسة صواريخها، المحملة رؤوساً نووية، بكوبا، ويدعوها فيديل كاسترو، في خطب ملهمة، الى التمسك بالصواريخ والرؤوس هذه، ولو أدى الأمر الى اندلاع الحرب العالمية الثالثة، وكانت كوبا، وشعبها الواحد وراء قيادتها، قربان العصر الاشتراكي المنتصر. ورجع نيكتا خروتشوف في نصب الصواريخ. وكان هذا أحد فصوله السياسية الأخيرة قبل عزله في 1964. وأنكرت عليه "القيادة الجماعية"، وهي مثال رئاسة المدينة الفاضلة على ما انتبه محمد عابد الجابري بعد حين قصير، إضعافه الروح الحزبية والشيوعية في 1956، ومؤتمره العشرين الذي قرأ الأمين العام عليه تقريره، وفضح سياسة ستالين الغولاغية. وعاود خروتشوف الكرة في أثناء الإعداد للمؤتمر الثاني والعشرين. وكانت حمايته "نوفي مير"، وتفاردوفسكي رئيس تحريرها، من باب الإعداد هذا. ونشر "يوم..." سولجنتسين في السياقة. فاجتمع أقطاب المكتب والأمانة العامة على المراجِع، الضعيف الثقة في آتي الشيوعية الزاهر، وأقالوه. وردوا الرقابة، على الكتاب والنشر، الى عهدها، فأحرجوا سولجنتسين فيمن أحرجوا، وأخرجوه.
والحق أن الرجل لم يستظهر بخروتشوف، ولا بجناح "ليبرالي" مرن ومفترض في المكتب السياسي أو أمانة اللجنة المركزية أو الكي جي بي. وقراءة "إيفان دينيسوفيتش" قرينة مستمرة على صدق الزعم هذا، غداة 45 عاماً (في الفرنسية، بعد عام على صدوره في "نوفي مير") على طباعة القصة. فهو استظهر بمن قص عنهم، على ما قال فعلاً، وروى أخبارهم مقتفياً ربما أثر تولستوي في أعماله الفصلية الشعبية، مثل "موت إيفان إيليتش"، صادفاً عن أدب تولستوي الروائي مثل "أنّا كارينينا"، على ما لاحظ أحد مترجمي سولجنتسين ودارسيه. فيذهب في مطلع "إيفان دينيسوفيتش"، على لسان كوزيومين، مرشد شوخوف ودليله في بحر المعتقل المميت والهائج، الى أن قانون المعتقل هو قانون الغابة الروسية في المهب وصقيعه. ويردف كوزيومين: "ولكن الحياة متاحة هنا" على رغم الأهوال والاستحالة. وينبه كوزيومين، وهو كان قضى اثنتي عشرة سنة في المعتقلات وعركها، تلامذته الى أن من تقتلهم المعتقلات ثلاثة: واحد يلعق علبة الطعام، وواحد يعول على المستوصف، وواحد يطرق باب آمر المعتقل. فهؤلاء لا يعمرون.
وفي فصول القصة، أو صفحاتها التالية (فهي غير مقطعة فصولاً ولا أجزاء)، الاحتجاج القصصي على قول كوزيومين هذا. فالحياة المتاحة، حتى في براثن اللوبيانكا، إنما تتيحها المنازعة بين الناس، وتفرق الناس جماعات مختلفة ومتباينة تبلغ غاياتها من طريق المنازعة والتفرق والاختلاف. والقصة، وهي تروي أوقات يوم واحد خريفي في معتقل أشغال شاقة سيبيري، على ما مر. والقص يتناول حوادث اليوم هذا على الوجه الذي لكان تناوله عليه إيفان دينيسوفيتش شوخوف لو أوكل إليه الكاتب القص. ولكن الكاتب لا يوكل القص الى ضمير متكلم. فيتولاه قاص غفل عن شوخوف، يقتفي أثر شوخوف، ويرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ولكنه لا يتكلم بلسانه. وتتفق مصلحة القص الفني، إذا جازت الصفة، مع مصلحة الكاتب الأخلاقية والفلسفية. فحمله الحياة على المنازعة يخرجها، أي يخرج الحياة، ويخرج القص معها، من الاستواء على معنى واحد، إداري أو "إنتاجي" أو بيولوجي حيواني كذاك الذي تسعى إدارة المعتقل فيه، وتدعوها الأنظمة الى إنجازه وبلوغه.
والحياة المتاحة، أو الجائزة والممكنة، هي تلك التي يلدها سياق المنازعة حين يتولاه البشر. وهذا لا مفر منه، على خلاف زعم الأنظمة الإدارية، وتعويلها على آلية المراقبة، وعلى تفصيل المهمات والأعمال على مقاس الأفكار والغايات. وفي "إيفان دينيسوفيتش" صفحات، كان جائزاً جمعها في فصل على حدة لو قسم الكاتب صفحاته فصولاً، تروي خروج الرهط أو الفرقة مع الرهوط أو الفرق الأخرى الى العمل في المولد الكهربائي القريب الذي أوكل الى المعتقلين بناءه أو استئناف بنائه. فالصحبة، والمشي معاً، وانتظار التفتيش، وإحصاء المعتقلين قبل دخول بوابة المولد وبعد دخولهم، وتقسيم العمل، والشروع فيه، والتعاون عليه، والمحادثات والمطارحات في أثنائه، وقطعه بتناول الطعام، وتناول الطعام، والعودة الى العمل، والانخراط فيه، والفراغ منه، والتوجه الى بوابة الحرس، والإحصاء من جديد، والغلط فيه مرة واثنتين وثلاث، ومناداة الأسماء... الى آخر الفصل، هذه كلها يرويها الراوي الغفل والمقتفي خطى شوخوف على وجه الانتهاك الدائم لقواعد المعتقل المفترضة، ولأدوار الحرس والرؤساء والمعتقلين.
ويولد قص سولجنتسين من الانتهاك هذا. وتتسلل الحياة المتاحة، وحقيقة الناس، من شقوق الانتهاك والمساومة والخروج عن الأدوار ورسمها الإداري المفترض. فلولا سرقة السطل،وتخبئته تحت أنقاض الجدران، لن يمكن العمل غداً، وصب الإسمنت قبل تصلبه واستحالته صلداً. ولولا خياطة اللحاف الخرق بإبرة مسروقة ومحظورة لما أمكن حفظ قطعة الخبز الى المساء، وسند المعدة اليها، ولما أمكن النوم، ولا اليقظة، ولا جواب المناداة الأولى والثانية والثالثة في برد الصباح القطبي، البالغ 27 تحت الصفر. ويلاحظ شوخوف، وآخرون، أن الجنود، في أثناء إحصاء المعتقلين، "ليسوا في عيد"، وأنهم يستعجلون العثور على المولدافي الضائع، والنائم، مثلهم. فالحدود التي تفصل بين الإدارة، على المعنى الواسع، وبين "الزيك" ليست ثابتة. والحدود أو الفروق بين فئات الإدارة، أو في صفوف المعتقلين، كثيرة. والحوادث تولد من الفروق هذه، ومن ترجحها ظهوراً أو استتاراً. وهي مادة قص "إيفان دينيسوفيتش". ولعل التعويل على هذا، أي على تسلل المنازعة والخلاف والفرق الى قلب اللوبيانكا هو مناط يقين سولجنتسين بأن الحقيقة تغلب الاستبداد، وتطرح صروحه أرضاً.