الاثنين، 24 مايو 2010

الجماعة الحوثية المقاتلة في صعدة: ولادة لحمة طائفية وعامّية مناضلة في ثنايا جمهورية مترجّحة

المستقبل ، 23/5/2010
يذهب بعض مؤرخي (أو إخباريي) الجماعات اليمنية المعاصرين الى ان انقلاب ايلول 1962 العسكري و«الناصري» على نظام إمامة آل حميد الدين الزيدية الهادوية امتحن الزيديين اليمنيين كلاً وأفراداً، حكماً وعقيدة، جماعة أهلية على حدة من الجماعات اليمنية الأخرى وجماعة يمنية تشارك الجماعات الأخرى دولة واحدة، عامة ومشايخ على معنيي المشيخة القبلي والعلمي المذهبي - امتحنهم امتحاناً عسيراً. فقيام ضباط عاميين، من عامة القبائل، ومختلطين مذهباً، على حكم يستظهر بشروط الإمامة، نسباً وفقهاً ومعتقداً، وخلعهم الحكم المستقر منذ نحو ألف عام متصلة، هز أركان الولاء للسلطة، ورابطة الجماعات الداخلية وأواصر الجماعات بعضها ببعض وكلها بقمة السلطة والأسرة المتربعة بهذه القمة. والحق ان الانقلابيين لم ينقلبوا على «القمة» الحميدية وحدها، وعلى شيخها الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى بن حميد الدين وحده. وكان انقلابهم أو قيامهم على أسس الإمامة ومشروعيتها، وعلى الأبنية الاجتماعية التي نهضت عليها ورست الوقت الطويل الذي سبق أواخر 1962. ولعل أحد أقوى الأسس والأبنية الأساس أو البناء العلمائي. فهؤلاء «عشرات منهم» قتلوا و«صفوا»، على قول محمد عايش («مأرب»، 4/11/2007)، واعتقل المئات، والباقون إما راقبتهم أجهزة الحكم الجديد الأمنية والبوليسية أو قيدتهم بإقامة جبرية وألزمتهم الاقتصار على دائرة جغرافية لا يتعدونها في رواحهم ومجيئهم.
[المرتبتان ونشأة الطائفية
وعلماء الزيدية الممتحنون عليهم مبنى علاقة «مجتمع» الزيديين اليمنيين بالسلطة أو الإمامة، وهم عروة الجماعة الداخلية، والوصلة بينها وبين الحكم «المركزي». والزيدية، على نحو ما صاغها علماء معتقدها وآداب اجتماعها معاً، تجمع دوام مجتمعها وعروته الى ولايتها الحكم في البلاد التي ينزلها الزيديون وسيطرتهم على الحكم. ويستدل علماء الزيدية على قوة الجمع والربط هذه بالسابقتين العراقية والإيرانية: فترتب على انهيار الزيدية السياسي، أواخر خلافة بني العباس، اندثارها الملي، بما هي معتقد جماعة من الناس أو ملتهم. وأدى سقوط الزيدية الجيلية والديلمية السياسي بإيران الى انصرام المذهب. وهذا ناجم على الأرجح، عن «اقتصار» المذهب الزيدي على فقه المعاملات دون اركان الإيمان وميتافيزيقاه، على خلاف الإمامية الإثني عشرية. فلا اعتقاد وجوب الإمامة في المتحدرين حصراً من ولدي فاطمة بنت الرسول وابن عمه، الحسن بن علي والحسين بن علي، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا الخروج على الإمام الظالم، أصول إيمانية «عميقة» أو غيبية. وهي، في الأحوال كلها، لا تسوغ تقية ولا كتماناً يدفع بهما المؤمن المريد غائلة سلطان يخالفه المعتقد والإيمان. وإلى هذا، فاعتقاد هذه الأصول ونظام الاجتماع الأهلي والسياسي الذي يأخذ أو يهتدي بها واحد. فإذا انحل هذا الاجتماع، وهو ينحل إذا خسر أصحابه إمامته أو رئاسته وسلطته، لم يبق ما يدفع به أهل الملة تفرقهم أو ما يقيمون به رابطتهم وعروتهم. فهم أهل ظاهر وعلانية، ولا يدعون علماً بباطن يتناقلونه، أو يتناقله علماؤهم، ويرسي إيمانهم وسلطانهم على معان يحفظونها وتحفظ مُسكتهم «على الدهر«.
ولم تكن الزيدية، جماعة ومعتقداً، طائفية ما استقرت في رأس الحكم والسلطة، وما كفل «الأئمة» الحكام تماسك الجماعة، وضووا إليهم سلك العلماء، وقام هذا منهم مقام الرقيب الملاحظ المعنوي ومقام السند والمسوّغ معاً. فالسلك يتولى، مع الإمام وشرطته، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو يتعهد الخروج على الحاكم الظالم، ويسلطه على الإمام سيفاً معنوياً مستقلاً يضارع به، نظرياً، رجحان كفة الأداة الحكومية والإدارية والعصبية (الإمامية) على كفة العلماء في ميزان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسلكه (سلكهما). والموازنة والرجحان نظريان حقيقة. فالسلك العلمي، على رغم استظهاره القوي بسلسلة الفقهاء «المجددين» وهو اللقب الذي يلقب به كبير علماء وقته وعصره-، وبمدارسه وأوقافه ومكانة العلماء، وعلمهم المتصل بفقه علي بن زيد من غير عصمة ولا لدنية، ينزل مرتبة ثانية (وليس ثانوية) ومتضافرة من بنية الجماعة الزيدية. فكفة الإمام الحاكم ترجح كفة الشيخ المجدد في حال المنازعة، من غير ان يعني رجحانها إسكات الشيخ. وعلى هذا، وسع مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي (1911 2007)، باسم ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنكار إجازة الإمام أحمد بن يحيى بن حميد الدين بث الأغاني (الوطنية) الملحنة من إذاعة صنعاء. ولم يدعه إنكاره أو معارضته الى إخراج آخر حاكم يمني من آل حميد الدين من أئمة الزيدية أو الطعن عليه.
ولكن انهيار الإمامة السياسية، وانتصاب سلطة أو ولاية للحكم من غير سند يدمج عصب الجماعة وهيئتها ومراتبها في معتقدها المتوارث، نجم عنهما أمران متلازمان: الأول خسارة الجماعة يقينها بدوامها وبقائها، في ضوء التجربتين العراقية والإيرانية والمغربية (على قول بعضهم)، واختبارها جواز «موتها» أو اندثارها. والأمر الثاني هو انقلاب لحمتها طائفية، على معنى تقدم المعتقد، ورجاله وعلمائه عاملَ تماسك ولحمة على الإمامة السياسية والنسبية وتتويجها بنيان الجماعة المتضافر والعضوي. والأمر الأول، أي زعزعة اليقين بالدوام واستدخال احتمال الاندثار وجدانَ الجماعة، أدى في الثلث الأول من القرن العشرين، حين أوّلت جماعات من المسلمين، ومثقفون إسلاميون، سيطرة القوى الغربية («المسيحية») الكبرى على معظم العالم الإسلامي على وجه التدمير والتهديد بالإفناء المعنوي أدت الى نشأة إسلام سياسي وحركي حمل «الغرب» والعالم المعاصر كله، على عدو ديني ووجودي تالياً. وحمل علاقة العالمين واحدهما بالآخر على حرب «عالمية» وخلاصية لا نهاية لها إلا بانتصار عالم على آخر، والتسلط عليه وإبادته، إذا قدر له («والغرب» هو محل التهمة أولاً) ذلك. ويترتب على هذا «الرأي» نهج عام يجعل الحرب الشاملة والمعلنة على «الغرب» و «ادواته» المحلية أو الوطنية، أو «مجتمع الحرب» على قول خميني، نظاماً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً أمثل، هو نظام «المقاومة»، على ما تزعم الجماعة الشيعية المسلحة بلبنان. وأداة هذه الحرب هي الجماعة الطائفية. وهي تفترض استقلال الجماعة بنفسها، وقطع روابطها بأبنية الدولة الوطنية، من وجه أول، وتخليص ما تنفرد به الجماعة الأهلية من الجماعات الأخرى، ومما تشترك فيه وإياها في إطار الدولة الوطنية، من وجه ثان. ويفترض قيام الجماعة الطائفية بنفسها انتصاب «دعاة» المذهب الجدد لسيادة أهل المذهب على أركان (قيادية) جديدة. فيتصدى للقيادة سلك مختلف من الدعاة، يجمع اصحابه الفتوة (سناً) والاجتهاد (في الأصول والمقاصد من خارج البنية الفقهية الاعتقادية) والعمل («الجهاد») والقيادة الحزبية المركزية (على خلاف البنية الأهلية المرنة)، معاً.
وفي اثناء العقود الثلاثة التي أعقبت الانقلاب الجمهوري و «العامي» على الإمامة الحميدية، تقلب الزيديون، وجماعاتهم الإقليمية المتفرقة بصعدة والطائف ونجران الى «مهجر» صنعاء، بين مواقف وسياسات ومناهج مختلفة. وبرز تيار علمائي وفقهي، سلكي وفكري، تولى أمرين متضاربين ومتنازعين معاً: الأول هو الحؤول دون تهاوي سلك العلماء الزيديين، ومدارسهم وتعليمهم وتراثهم، وتصدعه تحت وطأة خروج رأس المذهب وبنيانه من قمة السلطة. وتعهد هذا الأمر، وناضل دونه كبير علماء الزيدية مجد الدين المؤيدي، تأليفاً وتدريساً ورعاية للشباب الزيدي المقبل على الدراسة ثم على القضاء والفتوى والتدريس، على مراتبها المتفرقة. وأيد «ثاني» علماء الزيدية، بدر الدين الحوثي، نهج المؤيدي هذا. فقام النهج، في شُعَبه المتضافرة، مقام لحمة الجماعة المؤتلفة، وهي المقصية من السلطة، والمتشرذمة شراذم وجماعات محلية وإقليمية. ووسع الجماعة الزيدية المنقسمة، والمتعرضة لتشعب الوظائف السياسية والاجتماعية داخلها، رص صفوفها والتحلق حول سلكها الطائفي والمذهبي. وافترض تحلقها هذا تمييز زيدية أهلية أو إقليمية، يسميها محمد عايش «مناطقية»، سياسية (على المعنى الأهلي)، من زيدية جامعة، اعتقادية ومذهبية. واقتصار الشرط أو الشق هذا على «المعارضة»، على معنى اعتزال العمل السياسي اليومي وترك الخوض في الخلافات بين كتل الحكم وأشياعها، أسهم في حفظ اللحمة المذهبية لقاء الإقرار بتفرقها الأهلي والسياسي، وفصل الهوية الجماعية من الجسم المتفرق. وكان هذا صدوعاً بنتائج الحرب الأهلية والقبلية والإقليمية التي عصفت باليمن غداة «الثورة السبتمبرية»، وامتثالاً لمترتبات خروج الجسم المذهبي المتماسك من اتحاده بالدولة الإمامية.
[ الخيبة الجمهورية
والأمر الثاني الذي تولاه التيار العلمائي الفقهي هو مراجعة اركان الاعتقاد التي دمجت، الى حين وقوع الانقلاب «الناصري»، لحمة الجماعة الزيدية في الإمامة ونظامها. فلم ينكر علماء الزيدية على الجمهورية حقها المبدئي في الحكم والولاية، ولم يبطلوا الحق هذا، على رغم عسر الرأي، ومناقضته اليقين التاريخي والاختباري بكفالة ولاية الحكم دوام المذهب، وبارتهان الدوام للإمامة السياسية والمرتبية. ورجع الزيديون، او معظم علمائهم، عن اعتقاد الإمامة «ضرورة» وأصلاً. واشترطوا على الحاكم، لقاء الإقرار به وبحكمه وإجراءاته، شرط «العدالة«. وكان مجد الدين المؤيدي غداة نحو 15 عاماً على الانقلاب العسكري والجمهوري، و8 أعوام على انسحاب القوات المصرية من اليمن، واستقرار الجمهورية رأساً ضعيفاً وثابتاً بصنعاء بادر الى كتابة بيان بعضه في «الإمامة وشروطها». وأفتى بجواز استقامة «حكومة» لا يتولاها أو يتصدرها من هم من ذرية حسنية أو حسينية. ولعل فك الزيدية من شرط النسب الإمامي» «ثورة» اعتقادية باعدت الزيدية والزيديين من الإمامية الإثني عشرية، ومن منزعها الإيراني المهدوي، فوق البعد المذهبي والفقهي والتاريخي المزمن والحاد.
وصادف تقريباً، على معنى اتفاق الوقت من غير قطع في سببية الواقعة، صادف صدورُ البيان افتتاح احد شيوخ السلفية اليمنية، مقبل بن هادي الوادعي مدرسة دمّاج بمديرية وادعة القريبة من صعدة. وناظر الوادعي (منذ 1978 1979) في رسائله، وأبرزها «رياض الجنة في الرد على أعداء السنة» و «الطليعة في الرد على غلاة الشيعة»، على قول أحمد محمد الدغشي («الحوثيون/ دراسة منهجية شاملة»، عن المورد للإعلام بقطر والدار العربية للعلوم ببيروت، 2010)، علماء الزيدية في العقيدة. وصادف، مرة أخرى، ابتداء الوادعي مناظرته ومطارحاته وردوده على الزيدية الهادوية انتصار روح الله خميني وتشيعه الإمامي والخلاصي والقومي بإيران.
وحين أعلن علي عبدالله صالح، مع دمج اليمن الجنوبي والاشتراكي في جمهورية يمنية واحدة في 1990، إجراءات سياسية وتنظيمية «تعددية»، على ما وصفت، خرج علماء الزيدية، وأولهم المؤيدي، من اعتكافهمم وتحفظهم. وأقبلوا على العمل السياسي والحزبي العلني. فعمدوا، أعياناً وشباناً ناشطين في صنعاء أولاً وفي بلاد الزيدية من بعدها، الى إنشاء حزب سياسي جماهيري وانتخابي، سموه حزب الحق. وأسس الحزب أو أعلن غداة التوحيد المستعجل، وجمعه شطرين فقيرين ومتباينين، كلاهما عاجز عن استيعاب الآخر وحكمه بالإقناع. وصادف التوحيد أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، كانت حرب الخليج الثانية السبب فيها، أرجعت الى اليمن عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل. وأيد العلامة المؤيدي المنزع هذا، وتصدر لائحة أوائل الداعين الى إنشاء الحزب. وحين أخرجت الفكرة الى العمل ترأس الشيخ هيئة الحزب العليا. وأرفق العلماء إنشاء الحزب وإعلانه بفتوى مشتركة، بلورت ما كان المؤيدي دعا إليه في منتصف السبعينات المنصرمة، وذهبت الى طي الإمامة ومثالها واشتراطها في الإمام نسباً الى الحسنين، وارتضت الديموقراطية «مذهباً» سياسياً، ونهج حكم، وسبيلاً الى الحكم.
وخاض الحزب الجديد أول انتخابات عامة، في 1993، ونصب عيني قيادته الفوز بمقاعد محافظة صعدة الستة. وزكى العلماء المرشحين. ونافس هؤلاء مرشحي حزب الرئيس اليمني، المؤتمر الشعبي العام. وفاز من مرشحي حزب الحق الستة اثنان، أحدهما حسين مجد الدين المؤيدي، نجل العلامة البارز. و«انتصار» الحزب الرئاسي في معقل الزيدية المتجددة والمنبعثة تحت لواء العلماء عشية حرب انفصال الجنوب اليمني الأولى، وفي غمرة «هجوم» جهادي على اليمن بدأت طلائعه مع عودة «الأفغان» المحليين الى بلادهم وحملة اغتيالات قادة الجنوب نهض (الانتصار) قرينة على تعرج السياسة الجمهورية والتوائها. فحزب الرئيس، المتربع بصنعاء منذ 1978 والمستقوي على القبائل وأعيانها بالجنوبيين المدنيين و «العلمانيين» المفترضين الى استقوائه الأول بالقوات المسلحة وأجهزة الأمن والإدارة، لم يتجاوز عدد نوابه 121 نائباً من 301 في انتخابات نيسان 1993، وفاز الحزب الاشتراكي الجنوبي بمقاعد الجنوب كلها (58 مقعداً)، وفاز إسلاميو «الإصلاح» بـ 62 مقعداً. فلا عجب إذا «اضطر» صالح الى الفوز في بلاد الأطراف المتنازعة بوسائل تتقنها الأجهزة المستولية منذ وقت طويل على السلطة المركزية. وتمزج الوسائل هذه الاستمالة والترغيب باستعراض القوة والتزوير. واتهم حزب الحق السلطات اليمنية بالتوسل بالأمرين، على ما هو متوقع.
وجاء وقعُ الترغيب والتزوير، جواباً عن انعطاف الجماعة الزيدية الطائفية إلى الإقرار بالجمهورية في سياقة تعبئة وأزمة اجتماعيتين عاميتين عميقتين فاقم عمقهما اشتراك الشباب فيهما اشتراكاً كثيفاً جاء بالغ الضرر السياسي. فـ «الجمهورية» لم تف بوعدها، ولم تستجب توقع «الطائفة» المتغيرة والمنقلبة تدريجاً من غلبة بنية قبلية ومحلية متقطعة، من غير رأس إمامي جامع وتقليدي، الى كنف عروة أهلية وحزبية جامعة يتصدرها سلك العلماء، ويصل الشباب والمتعلمون و «العامة» بين أجزائها وأبعاضها المتفرقة. وحين دعا حزب الحق الى إقامة مخيم بصعدة، سماه مخيم الفتح، وناشد الشباب أولاً قصده، لبى 25 ألفاً دعوة الحزب ومناشدته. ولعل المخيم هذا، وتعبئته الشبابية والأهلية والعامية الجامعة، هو فاتحة نهج جماهيري وطائفي سارت عليه الحركة الحوثية من بعد، ومالت به صوب الإعداد العسكري والإيديولوجي الحاد. ولا ينكر المراقب اللبناني وجه شبه وقياس بين «الحركة» الزيدية وبين «الحركة» الصدرية قبل نحو 25- 30 عاماً. وقد لا يكون الترغيب والتزوير الجمهوريان، واصطناع حزب الرئيس نيابة عن صعدة غير دقيقة ولا مناسبة، الباعث على بلورة جسم أهلي، عامي وفتي ناشط وطائفي. ولكن الترغيب والتزوير والاصطناع اتفقت مع انقلاب الجماعة الزيدية، سياسة واجتماعاً وبنية سكان وحاجات، من حال الى حال. وحصل هذا في وقت سياسي واجتماعي، يمني وإقليمي دولي، راكم التطلعات والتحولات من غير طاقة على استجابتها ومعالجتها من طرق غير طرق المحاصصة، وتأليب الجماعة بعضها على بعض، وقمع الشطر «المتطرف»، وتحكيم الإدارة المحلية في المسائل المتنازعة. ولاحظ محمد عايش (في مقالته في «مأرب») وجهي المشكلة فكتب في الوجه الأول: لم تقتصر «صحوة» المدرسة الزيدية على صعدة وامتدت الى بلاد الزيدية التاريخية، «وهو ما بدا للنظام الحاكم في صنعاء امراً جد خطير» نجم عنه «تفريغ بطيء للعصبية القبلية التي يستند إليها (الحكم) في شرعيته لمصلحة عصبية أخرى هي العصبية المذهبية». ولاحظ على الحكم، في الوجه الثاني، سعيه في «تفادي هذا الخطر... في شكل تغذية رسمية لخلافات داخلية ما لبثت ان شطرت الحراك الزيدي في صعدة الى نصفين: مجد الدين المؤيدي... وبدر الدين الحوثي وجماعة الشباب المؤمن (و) أبنائه...».
[ قوة العصبيات الضعيفة
ولا ريب في اضطلاع سياسة الحكم ورأسه بدور راجح في انعطافات الجماعة (أو الجماعات) الزيدية وتحولاتها. والدور هذا، على وجه منه، دعت الحكم إليه أطوار الحركة الزيدية نفسها، ومنازعاتها ومواردها الداخلية وسعيها في معالجة مشكلاتها الطارئة. فـ «تفريغ» العصبية القبلية، وتبلور عصبية «مذهبية»، أو أهلية مشتركة وجامعة، هما طور جديد من أطوار دينامية مجتمعية عامة. وهي أصابت اليمن وتصيبه على نحو ما أصابت لبنان وتصيبه، على رغم بعد الشقة الاجتماعية والسياسية بين البلدين. ونجمت الدينامية المجتمعية هذه عن استيلاء نخب حديثة، مولودة من اجهزة الدولة وإدارتها ووظائفها، على مراكز الحكم والسلطة. والنخب المستولية هذه ابطلت الموازين العصبية السابقة، وعطلت تحكيمها في الخلافات والعوائد والحصص. وأحلت محل المعايير وقاعد التحكيم الباطلة معايير وقواعد أدت الى استيلاء قمم النخب على حصص كبيرة من «الدولة» وإلى توزيعها توزيعاً مجحفاً وبعيداً من التكافؤ والتناسب. و«حرر» الاستيلاء الجماعات التي كانت الدولة تأتلف منها ومن أحلافها ومنازعاتها، من مكانة طبقاتها الحاكمة أو النافذة، ودالتها الطاغية. وحملت الجماعات على توحيد منازعها و«حركاتها»، وتخطي حواجزها الداخلية، ودمج عامتها وعصبياتها الضعيفة في إطار أهلي مشترك يقوي العامة والعصبيات الضعيفة في وجه العصبيات الغالبة السابقة («الطبقات القديمة»)، وفي وجه الحكام الجدد («الطبقات الجديدة» الإدارية) المستولين على موارد الدولة وأجهزتها، وعلى «حقوق» المركز المعنوية الرمزية والمادية، الوطنية. وورثت الجماعات هذه إرثاً تاريخياً فقهياً أعملته في أبنيتها السياسية والاجتماعية، وفي أحلافها واتصالها كما في عداواتها وحواجزها. وأوَّلت الجماعات إرثها على ضوء حدودها الجغرافية السياسية الجديدة، وتقطيع الحدود أوصالها القديمة، وضوء هجرات شبابها وحركات السكان، ووسائط الاتصال والإعلام، والحوادث السياسية الكبيرة مثل الثورات والحروب التي حفل الشرق الأوسط بها في العقود الأربعة الأخيرة.
فلم يكن مخيم الفتح بصعدة، وهو جمع 25 ألفاً معظمهم من الشبان، واقعة فريدة ومنقطعة، بل كان ابتداء حركة اجتماعية أهلية متعاظمة، عدداً ووظائف، لم تعتم ان نصبت نواة قيادية مركزية واحدة، ثم منقسمة. وإنشاء منظمة الشباب المؤمن بصعدة هو مرآة هذا الطور. واستجاب «الشباب المؤمن» إباحة الدستور الجمهوري التعدد السياسي والثقافي والتعليمي. فحشد من هم في سن الدراسة في مخيمات صيفية إعدادية أو تثقيفية. وأوكل الى مدرسين تدريس مقررات في مواد دينية، مثل الفقه والحديث والتفسير والكلام، وأخرى في مواد «دنيوية» أو عامة مثل الخطابة والمسرح والأناشيد والحوار. وأقبل الجمهور من صعدة، ثم من المحافظات والمدن. وينقل أحمد محمد الدغشي عن تقرير أعده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (في تموز 2008) ان عدد «الطلاب» في المخيمات بلغ 15 ألفاً الى 18 ألفاً. وانتشرت 67 حلقة تدريس ومدرسة، لم تقتصر على صعدة وتخطتها الى 9 محافظات يمنية، وتخطت اليمن الى مهاجر الخليج مثل قطر، على قول نبيل الصوفي (مقالة في «الحياة»، 3/6/2007). وبلغت حصة صعدة من «المدارس» 24، وحصة عمران 6، وحجة 12، وصنعاء وذمار والمحوية 15، للمحافظة الواحدة 5 مدارس، الى مدرسة واحدة في كل من إب وتعز (بحسب إحصاء أحمد عايض، في إيجاز الدغشي).
وتولى منتدى الشباب المؤمن، وهو غير حزب الحق أو البنية السياسية الانتخابية التي خاضت الجماعة الزيدية الانتخابات النيابية في إطارها، في 1993، تدريس الشباب «العلم الشريف» وفنونه، و«إعداد الداعية الى الله ثقافياً وأخلاقياً وروحياً وسلوكياً بما يمكنه من نشر الوعي والفضيلة» (محمد يحيى سالم عزان، أمين عام «الشباب» الأسبق)، و «تعريف الطالب بإخوانه من الشباب وتمتين أواصر الأخوة الإيمانية». ويوازن الشق الدعوي المذهبي، ومعينه العلم الزيدي الهادوي، شق توحيدي يفترض مشتركاً يدعو الى «ترسيخ الوحدة بين المسلمين» وترك ما «يثير الخلاف ويمزق الأمة»، على قول عزان نفسه. ويبدو المنتدى حركة جماهيرية عريضة راعت، على نحو جلي، بروز كتلة الشباب ورجحان كفتها عدداً ودوراً، واحتسبت انتشارها الجغرافي في الوطن اليمني، وفي المهاجر القريبة، وتولت تجديد مثاقفتها المذهبية الطائفية، عماد هويتها المشتركة. وتنزع الأبواب الثلاثة، السن والانتشار والهوية، الى إحياء نضالي وسجالي قوي ومتماسك. فـ «الشباب المؤمن»، على بعض وجوهه، إنما يثبت لحمة «أهل» و «طائفة» يتهددها، من داخل، أفول دور الأهل الوالدين والأصلاب في تعليم أولادهم وتأهيلهم ونقل مقومات الهوية إليهم اولاً، وانتشار «الأولاد» في المحافظات والمهاجر ثانياً. وتَهدَّدَها، من خارج، إحياء آخر هو الإحياء السلفي القريب، والمستقر بصعدة منذ نيف وعقد من السنين.
ورفدت السلفية المقاتلة، ذات المنشأ الأفغاني، مع عودة المقاتلين العرب، وفيهم شطر يمني وحضرموتي راجح، الى ديارهم سلفية الدعاة والمدرسين المحليين. وتولى «الشبابُ المؤمن» إعداد دعاة من الشبان في مخيمات دراسية ورياضية مشتركة وطويلة (صيفية) رداً على ضعف اللحمة الداخلية، وتداركاً للضعف و «ذباً عن البيضة» الزيدية، على ما كان يقال في شرائط الخلافة، و «الجهاد» دونها. والتنويه بـ «ترسيخ الوحدة بين المسلمين»، على نقيض إثارة الخلاف وتمزيق الأمة، تنديد يكاد لا يكون مضمراً بالنواة الوادعية في قلب «كرسي» الزيدية الهادوية.
والمسألة هذه كانت بمنزلة القلب والركن من الخلاف الذي لم يلبث ان دب في «الشباب المؤمن»، وفرقه، ومكّن لجناحه الحوثي على أجنحة أخرى أضعف تماسكاً وتعصباً. وظهر الخلاف الى العلن حين تحفظ مجد الدين المؤيدي عن بعض مقرر التدريس في دورات المنتدى، وأنكر «مسخ» المقرر، بذريعة «الانفتاح والتجديد»، اصولاً زيدية عامة، وخروجه عنها. وكان تحفظ المرجع، أو أحد المرجعين (والثاني هو بدر الدين الحوثي)، سبباً في تعليق المنتدى إحدى دوراته الصيفية. والأرجح أن أول الخلاف وقع حين ألف احد مؤسسي منتدى الشباب المؤمن، علي احمد الرازحي وهو تتلمذ على الشيخين، رسالة مختصرة في العقيدة الزيدية كانت جزءاً من المقرر الإعدادي. ورأى العلماء، وهم المراجع، في الرسالة تراخياً ورجوعاً عن إثبات حقوق «أهل البيت». وتكني العبارة عن مسألة النسب واشتراطه في الإمامة. والمسألة مدار المناقشات الفقهية والسياسية العريضة والقديمة، والمتجددة مع انهيار الحكم الحميدي، ثم مع استقرار الجمهورية، واخيراً مع «ولاية الفقيه» الخمينية. وحقق تلميذان آخران، محمد عزان وعبدالكريم جدبان، والاثنان من دعاة «الشباب» الأوائل ونواة قيادة المنتدى، كتباً في العقيدة والتاريخ الزيدي. وعمد المحققان، شأن الرازحي قبلهما في رسالته، الى حذف بعض عبارات التنديد والجرح في حق المخالفين القدماء والمحدثين، وفيهم بعض أئمة الفقه الزيدي من غير الهادويين. ومسألة «سب الصحابة»، بحسب العبارة المتعارفة، باب خلاف على طريق «التأليف بين المذاهب» وتوحيد المسلمين، لم ينفك موصداً على رغم محاولات فتحه الحثيثة.
[ التباس «الانفتاح» و «الانكفاء«
وأراد اصحاب المنتدى الأوائل، يتقدمهم محمد عزان، توسيع دائرة المواد الإعدادية والتثقيفية، وتحديث بعضها وتنويعه، وتحريض الشباب على المناقشة والتطرق الى المسائل الخلافية من غير كبت، ولو اقتضى هذا تجديد النظر في مسائل تقليدية وأصولية مثل مسألة علم الأئمة وعصمتهم من الغلط، أو مسألة تأويل بعض آيات التنزيل في الصفات، أو مسألة التفسير والحاجة (أو انتفاء الحاجة) الى علم الكلام أو علم أصول الفقه فيه. وحمل هذا دعاة «الانفتاح» المفترضين الى السعي في تهذيب عبارات الخلاف المذهبي والسياسي، وتقليل شأن النسب في مسألة الولاية والإمامة. والحق ان الأمور والمواقف تختلط في المسائل هذه على نحو يعصى معه على المراقب تخليص الخيوط المتشابكة بعضها من بعض. ومن أحوال الاختلاط، على سبيل التمثيل، ان الشيخ المؤيدي وهو صاحب الدعوة «التاريخية» الى ترك شرط النسب الفاطمي على القائم بالإمامة، وإلى ضرب من الصلح مع الجمهورية، كان من طعن في رخاوة مقرر التدريس في مخيمات «الشباب المؤمن»، وطلب تعليق المخيمات الى حين استيفاء شرط الوضوح المذهبي والتشدد. وينتسب أنصار «الانفتاح» الى تدريس المؤيدي، وإلى «إمامته» العلمية وآرائه في المسألة. وينكر الأنصار هؤلاء على «خصومهم»، ولم يكن هؤلاء وهم ابناء الشيخ الآخر بدر الدين الحوثي خصوماً في النصف الأول من العقد العاشر، ينكرون عليهم انكفاءهم على هوية زيدية صلبة ومتشددة، وتمسكهم بالركن النسبي. ولاحظ، من ناحية أخرى، باحثون ومراقبون ان بيان علماء الزيدية غداة التوحيد اليمني، في 1991، وهو ثبّت مذهب المؤيدي في منتصف السبعينات الى صفة الإمامة الاستدلالية وغير الضرورية هذا البيان خلا من تواقيع كبار علماء صعدة، وفي مقدمهم المؤيدي والحوثي. وعد هذا قرينة على التباس وترجح لم يُخرج منهما إلا بعد وقت. ويزيد الالتباس إبهاماً وغموضاً أن على رأس من صاغوا البيان العتيد ووقعوه أحمم بن محمد الشامي، أمين عام حزب الحق، الحزب السياسي والانتخابي الزيدي، وراعيه ليس غير مجد الدين المؤيدي، وهو رئيس هيئته العليا، على ما مر، ومن زكى ترشح الستة الى الانتخابات في 1993. ويخلص أحمد محمد الدغشي في المسألة الى ان «إشكال غياب أي من رموز الزيدية في صعدة من البيان التاريخي للزيدية مثال تساؤل واستغراب، ومبعث فرضيات يصعب القطع بواحدة منها!» (ص 39- 40 من كتابه «الحوثيون...»).
ولم تخل مناقشة الأصول والأركان هذه من ملابسات ظرفية وجزئية، ووقائع أرخت بظلها على المواقف المتباينة فالمتنازعة. فيُظن في رأي محمد عزان، أحد أوائل «الشباب المؤمن»، في الإمامة عموماً وفي موقعها من التعليل التاريخي والدور الذي اضطلعت به وقد تضطلع به، تقليلاً خفياً وموارباً بعض الشيء. ويحمل بعض المراقبين هذا الرأي على قصد يبيته محمد عزان وأصحابه «الشباب المؤمنون»، هو إضعاف «إمامة» مجد الدين المؤيدي نفسه، بحسب استدلال محمد عايش (في مقالته بـ «مأرب»). ولا يبدد الالتباس لا إجماع «الشباب المؤمن»، وفي قيادته الأولى محمد ابن بدرالدين الحوثي، على تأييد بيان 1991، ولا مشاركتهم في الانتخابات الأولى بعد التوحيد، ولا قولهم جميعاً، شباباً وعلماء، أن «الأمة غدت هي صاحبة الاختيار لحكامها اليوم، من غير تقيد بنسب ولا عرق» على ما جاء في البيان العتيد (ويماشي هذا قاعدة «ولاية الأمة على نفسها» من غير ولي فقيه، على قول الفقيه الإمامي الإثني عشري اللبناني الراحل محمد مهدي شمس الدين). ويتصل الأمر، على وجه مشتبه، بأنساب من يتصدون للكلام في المسائل المتنازعة. ففي مرحلة متأخرة من الخلاف احتج عزان والرازحي وجدبان على المؤيدي، وعزوا رأيه فيهم الى انهم الثلاثة ليسوا هاشميين، ورأيهم في النسب مرده الى عامية نسبهم. ونزع الرأي هذا الى التقليل من شأن الإمامة و «الأئمة» على أنواعهم أم لزم دائرة المسألة الفقهية وعناصرها واستتباعها القول بعصمة الأئمة جماعة وليس أفراداً فلا ريب في ان هذا الرأي رتب على صاحبه موقفاً من السياسة الجمهورية، ومن دولتها ورئاستها، يميل الى التأليف والمهادنة. فيروي محمد عزان ان رئيس الجمهورية («رعاه الله» على قوله في صحيفة «26 سبتمبر» الحكومية) خصص للمنتدى «أربع مئة ألف ريال شهرياً». ويقر عزان بأن المخصص هذا ذهب الى جناحه، صاحب «النظرة الجديدة» والدعوة الى «(فتح) آفاق المنطقة، و (تجديد) فكرها». فهو رد على مجد الدين المؤيدي، وما قاله الشيخ الكبير والمسن فيه وفي أصحابه، ونعيه عليهم «طيشهم»، فقال: «إننا نريد ان نخرج صعدة من حالة العزلة القاتلة التي هي فيها، ونريد ان ننفتح على الآخرين، ونريد ان يعرف الناس ان في الدنيا غيرهم، وأنه يوجد مذاهب أخرى، وأنه يوجد ناس آخرون...».
وهذا الرأي متأخر زمناً، وهو يصح ربما في أحوال الثمانينات، وكان فائتاً في الوقت الذي قيل فيه (آذار 2007، في «26 سبتمبر»، عن أحمد محمد الدغشي) منذ أعوام طويلة، ويتناول بعض العلماء المسنين المحليين. فالحق ان ما كان تجديداً سياسياً واجتماعياً في أوائل العقد العاشر، مثل إنشاء حزب الحق وبيان العلماء الزيدية في الحكم والولاية ونشاط منتدى الشباب المؤمن والترشح الى الانتخابات، عصفت به حوادث العقد المتزاحمة والمتسارعة ومنازعاته، اليمنية والإقليمية الدولية. وتولى جيل خالف من الناشطين والمنظرين معاً التفكير فيه وصوغه في ضوء جلاء القوات السوفياتية عن أفغانستان، والحرب العراقية الإيرانية، وإذكاء «حماس» الانتفاضة الأول بفلسطين، واندلاع العنف الإسلامي في الجزائر، وأطوار ولاية الفقيه الخمينية بإيران، وظهور أعراض التيار «الجهادي» والإرهاب الأولى، وجلاء القوات الإسرائيلية عن لبنان. وتوجت السياقة هذه، غداة 11 ايلول 2001 الحملتان الأميركيتان والأوروبيتان على أفغانستان في تشرين الثاني 2001 والعراق في آذار 2003. وزعزعت حربُ الجنوب والشمال، والمفاوضة الإقليمية على الحدود اليمنية، وجنوح جناح من التيار الإسلامي المحلي الى العنف والتشدد، وتضعضع التحالف الحاكم... زعزعت هذه أركان الدولة اليمنية الجديدة وروابط الجماعات الأهلية بالحكم.

الجماعة الحوثية المقاتلة في صعدة: ولادة لحمة طائفية وعامّية مناضلة في ثنايا جمهورية مترجّحة

المستقبل ، 23/5/2010
يذهب بعض مؤرخي (أو إخباريي) الجماعات اليمنية المعاصرين الى ان انقلاب ايلول 1962 العسكري و«الناصري» على نظام إمامة آل حميد الدين الزيدية الهادوية امتحن الزيديين اليمنيين كلاً وأفراداً، حكماً وعقيدة، جماعة أهلية على حدة من الجماعات اليمنية الأخرى وجماعة يمنية تشارك الجماعات الأخرى دولة واحدة، عامة ومشايخ على معنيي المشيخة القبلي والعلمي المذهبي - امتحنهم امتحاناً عسيراً. فقيام ضباط عاميين، من عامة القبائل، ومختلطين مذهباً، على حكم يستظهر بشروط الإمامة، نسباً وفقهاً ومعتقداً، وخلعهم الحكم المستقر منذ نحو ألف عام متصلة، هز أركان الولاء للسلطة، ورابطة الجماعات الداخلية وأواصر الجماعات بعضها ببعض وكلها بقمة السلطة والأسرة المتربعة بهذه القمة. والحق ان الانقلابيين لم ينقلبوا على «القمة» الحميدية وحدها، وعلى شيخها الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى بن حميد الدين وحده. وكان انقلابهم أو قيامهم على أسس الإمامة ومشروعيتها، وعلى الأبنية الاجتماعية التي نهضت عليها ورست الوقت الطويل الذي سبق أواخر 1962. ولعل أحد أقوى الأسس والأبنية الأساس أو البناء العلمائي. فهؤلاء «عشرات منهم» قتلوا و«صفوا»، على قول محمد عايش («مأرب»، 4/11/2007)، واعتقل المئات، والباقون إما راقبتهم أجهزة الحكم الجديد الأمنية والبوليسية أو قيدتهم بإقامة جبرية وألزمتهم الاقتصار على دائرة جغرافية لا يتعدونها في رواحهم ومجيئهم.
[المرتبتان ونشأة الطائفية
وعلماء الزيدية الممتحنون عليهم مبنى علاقة «مجتمع» الزيديين اليمنيين بالسلطة أو الإمامة، وهم عروة الجماعة الداخلية، والوصلة بينها وبين الحكم «المركزي». والزيدية، على نحو ما صاغها علماء معتقدها وآداب اجتماعها معاً، تجمع دوام مجتمعها وعروته الى ولايتها الحكم في البلاد التي ينزلها الزيديون وسيطرتهم على الحكم. ويستدل علماء الزيدية على قوة الجمع والربط هذه بالسابقتين العراقية والإيرانية: فترتب على انهيار الزيدية السياسي، أواخر خلافة بني العباس، اندثارها الملي، بما هي معتقد جماعة من الناس أو ملتهم. وأدى سقوط الزيدية الجيلية والديلمية السياسي بإيران الى انصرام المذهب. وهذا ناجم على الأرجح، عن «اقتصار» المذهب الزيدي على فقه المعاملات دون اركان الإيمان وميتافيزيقاه، على خلاف الإمامية الإثني عشرية. فلا اعتقاد وجوب الإمامة في المتحدرين حصراً من ولدي فاطمة بنت الرسول وابن عمه، الحسن بن علي والحسين بن علي، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا الخروج على الإمام الظالم، أصول إيمانية «عميقة» أو غيبية. وهي، في الأحوال كلها، لا تسوغ تقية ولا كتماناً يدفع بهما المؤمن المريد غائلة سلطان يخالفه المعتقد والإيمان. وإلى هذا، فاعتقاد هذه الأصول ونظام الاجتماع الأهلي والسياسي الذي يأخذ أو يهتدي بها واحد. فإذا انحل هذا الاجتماع، وهو ينحل إذا خسر أصحابه إمامته أو رئاسته وسلطته، لم يبق ما يدفع به أهل الملة تفرقهم أو ما يقيمون به رابطتهم وعروتهم. فهم أهل ظاهر وعلانية، ولا يدعون علماً بباطن يتناقلونه، أو يتناقله علماؤهم، ويرسي إيمانهم وسلطانهم على معان يحفظونها وتحفظ مُسكتهم «على الدهر«.
ولم تكن الزيدية، جماعة ومعتقداً، طائفية ما استقرت في رأس الحكم والسلطة، وما كفل «الأئمة» الحكام تماسك الجماعة، وضووا إليهم سلك العلماء، وقام هذا منهم مقام الرقيب الملاحظ المعنوي ومقام السند والمسوّغ معاً. فالسلك يتولى، مع الإمام وشرطته، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو يتعهد الخروج على الحاكم الظالم، ويسلطه على الإمام سيفاً معنوياً مستقلاً يضارع به، نظرياً، رجحان كفة الأداة الحكومية والإدارية والعصبية (الإمامية) على كفة العلماء في ميزان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسلكه (سلكهما). والموازنة والرجحان نظريان حقيقة. فالسلك العلمي، على رغم استظهاره القوي بسلسلة الفقهاء «المجددين» وهو اللقب الذي يلقب به كبير علماء وقته وعصره-، وبمدارسه وأوقافه ومكانة العلماء، وعلمهم المتصل بفقه علي بن زيد من غير عصمة ولا لدنية، ينزل مرتبة ثانية (وليس ثانوية) ومتضافرة من بنية الجماعة الزيدية. فكفة الإمام الحاكم ترجح كفة الشيخ المجدد في حال المنازعة، من غير ان يعني رجحانها إسكات الشيخ. وعلى هذا، وسع مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي (1911 2007)، باسم ولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنكار إجازة الإمام أحمد بن يحيى بن حميد الدين بث الأغاني (الوطنية) الملحنة من إذاعة صنعاء. ولم يدعه إنكاره أو معارضته الى إخراج آخر حاكم يمني من آل حميد الدين من أئمة الزيدية أو الطعن عليه.
ولكن انهيار الإمامة السياسية، وانتصاب سلطة أو ولاية للحكم من غير سند يدمج عصب الجماعة وهيئتها ومراتبها في معتقدها المتوارث، نجم عنهما أمران متلازمان: الأول خسارة الجماعة يقينها بدوامها وبقائها، في ضوء التجربتين العراقية والإيرانية والمغربية (على قول بعضهم)، واختبارها جواز «موتها» أو اندثارها. والأمر الثاني هو انقلاب لحمتها طائفية، على معنى تقدم المعتقد، ورجاله وعلمائه عاملَ تماسك ولحمة على الإمامة السياسية والنسبية وتتويجها بنيان الجماعة المتضافر والعضوي. والأمر الأول، أي زعزعة اليقين بالدوام واستدخال احتمال الاندثار وجدانَ الجماعة، أدى في الثلث الأول من القرن العشرين، حين أوّلت جماعات من المسلمين، ومثقفون إسلاميون، سيطرة القوى الغربية («المسيحية») الكبرى على معظم العالم الإسلامي على وجه التدمير والتهديد بالإفناء المعنوي أدت الى نشأة إسلام سياسي وحركي حمل «الغرب» والعالم المعاصر كله، على عدو ديني ووجودي تالياً. وحمل علاقة العالمين واحدهما بالآخر على حرب «عالمية» وخلاصية لا نهاية لها إلا بانتصار عالم على آخر، والتسلط عليه وإبادته، إذا قدر له («والغرب» هو محل التهمة أولاً) ذلك. ويترتب على هذا «الرأي» نهج عام يجعل الحرب الشاملة والمعلنة على «الغرب» و «ادواته» المحلية أو الوطنية، أو «مجتمع الحرب» على قول خميني، نظاماً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً أمثل، هو نظام «المقاومة»، على ما تزعم الجماعة الشيعية المسلحة بلبنان. وأداة هذه الحرب هي الجماعة الطائفية. وهي تفترض استقلال الجماعة بنفسها، وقطع روابطها بأبنية الدولة الوطنية، من وجه أول، وتخليص ما تنفرد به الجماعة الأهلية من الجماعات الأخرى، ومما تشترك فيه وإياها في إطار الدولة الوطنية، من وجه ثان. ويفترض قيام الجماعة الطائفية بنفسها انتصاب «دعاة» المذهب الجدد لسيادة أهل المذهب على أركان (قيادية) جديدة. فيتصدى للقيادة سلك مختلف من الدعاة، يجمع اصحابه الفتوة (سناً) والاجتهاد (في الأصول والمقاصد من خارج البنية الفقهية الاعتقادية) والعمل («الجهاد») والقيادة الحزبية المركزية (على خلاف البنية الأهلية المرنة)، معاً.
وفي اثناء العقود الثلاثة التي أعقبت الانقلاب الجمهوري و «العامي» على الإمامة الحميدية، تقلب الزيديون، وجماعاتهم الإقليمية المتفرقة بصعدة والطائف ونجران الى «مهجر» صنعاء، بين مواقف وسياسات ومناهج مختلفة. وبرز تيار علمائي وفقهي، سلكي وفكري، تولى أمرين متضاربين ومتنازعين معاً: الأول هو الحؤول دون تهاوي سلك العلماء الزيديين، ومدارسهم وتعليمهم وتراثهم، وتصدعه تحت وطأة خروج رأس المذهب وبنيانه من قمة السلطة. وتعهد هذا الأمر، وناضل دونه كبير علماء الزيدية مجد الدين المؤيدي، تأليفاً وتدريساً ورعاية للشباب الزيدي المقبل على الدراسة ثم على القضاء والفتوى والتدريس، على مراتبها المتفرقة. وأيد «ثاني» علماء الزيدية، بدر الدين الحوثي، نهج المؤيدي هذا. فقام النهج، في شُعَبه المتضافرة، مقام لحمة الجماعة المؤتلفة، وهي المقصية من السلطة، والمتشرذمة شراذم وجماعات محلية وإقليمية. ووسع الجماعة الزيدية المنقسمة، والمتعرضة لتشعب الوظائف السياسية والاجتماعية داخلها، رص صفوفها والتحلق حول سلكها الطائفي والمذهبي. وافترض تحلقها هذا تمييز زيدية أهلية أو إقليمية، يسميها محمد عايش «مناطقية»، سياسية (على المعنى الأهلي)، من زيدية جامعة، اعتقادية ومذهبية. واقتصار الشرط أو الشق هذا على «المعارضة»، على معنى اعتزال العمل السياسي اليومي وترك الخوض في الخلافات بين كتل الحكم وأشياعها، أسهم في حفظ اللحمة المذهبية لقاء الإقرار بتفرقها الأهلي والسياسي، وفصل الهوية الجماعية من الجسم المتفرق. وكان هذا صدوعاً بنتائج الحرب الأهلية والقبلية والإقليمية التي عصفت باليمن غداة «الثورة السبتمبرية»، وامتثالاً لمترتبات خروج الجسم المذهبي المتماسك من اتحاده بالدولة الإمامية.
[ الخيبة الجمهورية
والأمر الثاني الذي تولاه التيار العلمائي الفقهي هو مراجعة اركان الاعتقاد التي دمجت، الى حين وقوع الانقلاب «الناصري»، لحمة الجماعة الزيدية في الإمامة ونظامها. فلم ينكر علماء الزيدية على الجمهورية حقها المبدئي في الحكم والولاية، ولم يبطلوا الحق هذا، على رغم عسر الرأي، ومناقضته اليقين التاريخي والاختباري بكفالة ولاية الحكم دوام المذهب، وبارتهان الدوام للإمامة السياسية والمرتبية. ورجع الزيديون، او معظم علمائهم، عن اعتقاد الإمامة «ضرورة» وأصلاً. واشترطوا على الحاكم، لقاء الإقرار به وبحكمه وإجراءاته، شرط «العدالة«. وكان مجد الدين المؤيدي غداة نحو 15 عاماً على الانقلاب العسكري والجمهوري، و8 أعوام على انسحاب القوات المصرية من اليمن، واستقرار الجمهورية رأساً ضعيفاً وثابتاً بصنعاء بادر الى كتابة بيان بعضه في «الإمامة وشروطها». وأفتى بجواز استقامة «حكومة» لا يتولاها أو يتصدرها من هم من ذرية حسنية أو حسينية. ولعل فك الزيدية من شرط النسب الإمامي» «ثورة» اعتقادية باعدت الزيدية والزيديين من الإمامية الإثني عشرية، ومن منزعها الإيراني المهدوي، فوق البعد المذهبي والفقهي والتاريخي المزمن والحاد.
وصادف تقريباً، على معنى اتفاق الوقت من غير قطع في سببية الواقعة، صادف صدورُ البيان افتتاح احد شيوخ السلفية اليمنية، مقبل بن هادي الوادعي مدرسة دمّاج بمديرية وادعة القريبة من صعدة. وناظر الوادعي (منذ 1978 1979) في رسائله، وأبرزها «رياض الجنة في الرد على أعداء السنة» و «الطليعة في الرد على غلاة الشيعة»، على قول أحمد محمد الدغشي («الحوثيون/ دراسة منهجية شاملة»، عن المورد للإعلام بقطر والدار العربية للعلوم ببيروت، 2010)، علماء الزيدية في العقيدة. وصادف، مرة أخرى، ابتداء الوادعي مناظرته ومطارحاته وردوده على الزيدية الهادوية انتصار روح الله خميني وتشيعه الإمامي والخلاصي والقومي بإيران.
وحين أعلن علي عبدالله صالح، مع دمج اليمن الجنوبي والاشتراكي في جمهورية يمنية واحدة في 1990، إجراءات سياسية وتنظيمية «تعددية»، على ما وصفت، خرج علماء الزيدية، وأولهم المؤيدي، من اعتكافهمم وتحفظهم. وأقبلوا على العمل السياسي والحزبي العلني. فعمدوا، أعياناً وشباناً ناشطين في صنعاء أولاً وفي بلاد الزيدية من بعدها، الى إنشاء حزب سياسي جماهيري وانتخابي، سموه حزب الحق. وأسس الحزب أو أعلن غداة التوحيد المستعجل، وجمعه شطرين فقيرين ومتباينين، كلاهما عاجز عن استيعاب الآخر وحكمه بالإقناع. وصادف التوحيد أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، كانت حرب الخليج الثانية السبب فيها، أرجعت الى اليمن عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل. وأيد العلامة المؤيدي المنزع هذا، وتصدر لائحة أوائل الداعين الى إنشاء الحزب. وحين أخرجت الفكرة الى العمل ترأس الشيخ هيئة الحزب العليا. وأرفق العلماء إنشاء الحزب وإعلانه بفتوى مشتركة، بلورت ما كان المؤيدي دعا إليه في منتصف السبعينات المنصرمة، وذهبت الى طي الإمامة ومثالها واشتراطها في الإمام نسباً الى الحسنين، وارتضت الديموقراطية «مذهباً» سياسياً، ونهج حكم، وسبيلاً الى الحكم.
وخاض الحزب الجديد أول انتخابات عامة، في 1993، ونصب عيني قيادته الفوز بمقاعد محافظة صعدة الستة. وزكى العلماء المرشحين. ونافس هؤلاء مرشحي حزب الرئيس اليمني، المؤتمر الشعبي العام. وفاز من مرشحي حزب الحق الستة اثنان، أحدهما حسين مجد الدين المؤيدي، نجل العلامة البارز. و«انتصار» الحزب الرئاسي في معقل الزيدية المتجددة والمنبعثة تحت لواء العلماء عشية حرب انفصال الجنوب اليمني الأولى، وفي غمرة «هجوم» جهادي على اليمن بدأت طلائعه مع عودة «الأفغان» المحليين الى بلادهم وحملة اغتيالات قادة الجنوب نهض (الانتصار) قرينة على تعرج السياسة الجمهورية والتوائها. فحزب الرئيس، المتربع بصنعاء منذ 1978 والمستقوي على القبائل وأعيانها بالجنوبيين المدنيين و «العلمانيين» المفترضين الى استقوائه الأول بالقوات المسلحة وأجهزة الأمن والإدارة، لم يتجاوز عدد نوابه 121 نائباً من 301 في انتخابات نيسان 1993، وفاز الحزب الاشتراكي الجنوبي بمقاعد الجنوب كلها (58 مقعداً)، وفاز إسلاميو «الإصلاح» بـ 62 مقعداً. فلا عجب إذا «اضطر» صالح الى الفوز في بلاد الأطراف المتنازعة بوسائل تتقنها الأجهزة المستولية منذ وقت طويل على السلطة المركزية. وتمزج الوسائل هذه الاستمالة والترغيب باستعراض القوة والتزوير. واتهم حزب الحق السلطات اليمنية بالتوسل بالأمرين، على ما هو متوقع.
وجاء وقعُ الترغيب والتزوير، جواباً عن انعطاف الجماعة الزيدية الطائفية إلى الإقرار بالجمهورية في سياقة تعبئة وأزمة اجتماعيتين عاميتين عميقتين فاقم عمقهما اشتراك الشباب فيهما اشتراكاً كثيفاً جاء بالغ الضرر السياسي. فـ «الجمهورية» لم تف بوعدها، ولم تستجب توقع «الطائفة» المتغيرة والمنقلبة تدريجاً من غلبة بنية قبلية ومحلية متقطعة، من غير رأس إمامي جامع وتقليدي، الى كنف عروة أهلية وحزبية جامعة يتصدرها سلك العلماء، ويصل الشباب والمتعلمون و «العامة» بين أجزائها وأبعاضها المتفرقة. وحين دعا حزب الحق الى إقامة مخيم بصعدة، سماه مخيم الفتح، وناشد الشباب أولاً قصده، لبى 25 ألفاً دعوة الحزب ومناشدته. ولعل المخيم هذا، وتعبئته الشبابية والأهلية والعامية الجامعة، هو فاتحة نهج جماهيري وطائفي سارت عليه الحركة الحوثية من بعد، ومالت به صوب الإعداد العسكري والإيديولوجي الحاد. ولا ينكر المراقب اللبناني وجه شبه وقياس بين «الحركة» الزيدية وبين «الحركة» الصدرية قبل نحو 25- 30 عاماً. وقد لا يكون الترغيب والتزوير الجمهوريان، واصطناع حزب الرئيس نيابة عن صعدة غير دقيقة ولا مناسبة، الباعث على بلورة جسم أهلي، عامي وفتي ناشط وطائفي. ولكن الترغيب والتزوير والاصطناع اتفقت مع انقلاب الجماعة الزيدية، سياسة واجتماعاً وبنية سكان وحاجات، من حال الى حال. وحصل هذا في وقت سياسي واجتماعي، يمني وإقليمي دولي، راكم التطلعات والتحولات من غير طاقة على استجابتها ومعالجتها من طرق غير طرق المحاصصة، وتأليب الجماعة بعضها على بعض، وقمع الشطر «المتطرف»، وتحكيم الإدارة المحلية في المسائل المتنازعة. ولاحظ محمد عايش (في مقالته في «مأرب») وجهي المشكلة فكتب في الوجه الأول: لم تقتصر «صحوة» المدرسة الزيدية على صعدة وامتدت الى بلاد الزيدية التاريخية، «وهو ما بدا للنظام الحاكم في صنعاء امراً جد خطير» نجم عنه «تفريغ بطيء للعصبية القبلية التي يستند إليها (الحكم) في شرعيته لمصلحة عصبية أخرى هي العصبية المذهبية». ولاحظ على الحكم، في الوجه الثاني، سعيه في «تفادي هذا الخطر... في شكل تغذية رسمية لخلافات داخلية ما لبثت ان شطرت الحراك الزيدي في صعدة الى نصفين: مجد الدين المؤيدي... وبدر الدين الحوثي وجماعة الشباب المؤمن (و) أبنائه...».
[ قوة العصبيات الضعيفة
ولا ريب في اضطلاع سياسة الحكم ورأسه بدور راجح في انعطافات الجماعة (أو الجماعات) الزيدية وتحولاتها. والدور هذا، على وجه منه، دعت الحكم إليه أطوار الحركة الزيدية نفسها، ومنازعاتها ومواردها الداخلية وسعيها في معالجة مشكلاتها الطارئة. فـ «تفريغ» العصبية القبلية، وتبلور عصبية «مذهبية»، أو أهلية مشتركة وجامعة، هما طور جديد من أطوار دينامية مجتمعية عامة. وهي أصابت اليمن وتصيبه على نحو ما أصابت لبنان وتصيبه، على رغم بعد الشقة الاجتماعية والسياسية بين البلدين. ونجمت الدينامية المجتمعية هذه عن استيلاء نخب حديثة، مولودة من اجهزة الدولة وإدارتها ووظائفها، على مراكز الحكم والسلطة. والنخب المستولية هذه ابطلت الموازين العصبية السابقة، وعطلت تحكيمها في الخلافات والعوائد والحصص. وأحلت محل المعايير وقاعد التحكيم الباطلة معايير وقواعد أدت الى استيلاء قمم النخب على حصص كبيرة من «الدولة» وإلى توزيعها توزيعاً مجحفاً وبعيداً من التكافؤ والتناسب. و«حرر» الاستيلاء الجماعات التي كانت الدولة تأتلف منها ومن أحلافها ومنازعاتها، من مكانة طبقاتها الحاكمة أو النافذة، ودالتها الطاغية. وحملت الجماعات على توحيد منازعها و«حركاتها»، وتخطي حواجزها الداخلية، ودمج عامتها وعصبياتها الضعيفة في إطار أهلي مشترك يقوي العامة والعصبيات الضعيفة في وجه العصبيات الغالبة السابقة («الطبقات القديمة»)، وفي وجه الحكام الجدد («الطبقات الجديدة» الإدارية) المستولين على موارد الدولة وأجهزتها، وعلى «حقوق» المركز المعنوية الرمزية والمادية، الوطنية. وورثت الجماعات هذه إرثاً تاريخياً فقهياً أعملته في أبنيتها السياسية والاجتماعية، وفي أحلافها واتصالها كما في عداواتها وحواجزها. وأوَّلت الجماعات إرثها على ضوء حدودها الجغرافية السياسية الجديدة، وتقطيع الحدود أوصالها القديمة، وضوء هجرات شبابها وحركات السكان، ووسائط الاتصال والإعلام، والحوادث السياسية الكبيرة مثل الثورات والحروب التي حفل الشرق الأوسط بها في العقود الأربعة الأخيرة.
فلم يكن مخيم الفتح بصعدة، وهو جمع 25 ألفاً معظمهم من الشبان، واقعة فريدة ومنقطعة، بل كان ابتداء حركة اجتماعية أهلية متعاظمة، عدداً ووظائف، لم تعتم ان نصبت نواة قيادية مركزية واحدة، ثم منقسمة. وإنشاء منظمة الشباب المؤمن بصعدة هو مرآة هذا الطور. واستجاب «الشباب المؤمن» إباحة الدستور الجمهوري التعدد السياسي والثقافي والتعليمي. فحشد من هم في سن الدراسة في مخيمات صيفية إعدادية أو تثقيفية. وأوكل الى مدرسين تدريس مقررات في مواد دينية، مثل الفقه والحديث والتفسير والكلام، وأخرى في مواد «دنيوية» أو عامة مثل الخطابة والمسرح والأناشيد والحوار. وأقبل الجمهور من صعدة، ثم من المحافظات والمدن. وينقل أحمد محمد الدغشي عن تقرير أعده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (في تموز 2008) ان عدد «الطلاب» في المخيمات بلغ 15 ألفاً الى 18 ألفاً. وانتشرت 67 حلقة تدريس ومدرسة، لم تقتصر على صعدة وتخطتها الى 9 محافظات يمنية، وتخطت اليمن الى مهاجر الخليج مثل قطر، على قول نبيل الصوفي (مقالة في «الحياة»، 3/6/2007). وبلغت حصة صعدة من «المدارس» 24، وحصة عمران 6، وحجة 12، وصنعاء وذمار والمحوية 15، للمحافظة الواحدة 5 مدارس، الى مدرسة واحدة في كل من إب وتعز (بحسب إحصاء أحمد عايض، في إيجاز الدغشي).
وتولى منتدى الشباب المؤمن، وهو غير حزب الحق أو البنية السياسية الانتخابية التي خاضت الجماعة الزيدية الانتخابات النيابية في إطارها، في 1993، تدريس الشباب «العلم الشريف» وفنونه، و«إعداد الداعية الى الله ثقافياً وأخلاقياً وروحياً وسلوكياً بما يمكنه من نشر الوعي والفضيلة» (محمد يحيى سالم عزان، أمين عام «الشباب» الأسبق)، و «تعريف الطالب بإخوانه من الشباب وتمتين أواصر الأخوة الإيمانية». ويوازن الشق الدعوي المذهبي، ومعينه العلم الزيدي الهادوي، شق توحيدي يفترض مشتركاً يدعو الى «ترسيخ الوحدة بين المسلمين» وترك ما «يثير الخلاف ويمزق الأمة»، على قول عزان نفسه. ويبدو المنتدى حركة جماهيرية عريضة راعت، على نحو جلي، بروز كتلة الشباب ورجحان كفتها عدداً ودوراً، واحتسبت انتشارها الجغرافي في الوطن اليمني، وفي المهاجر القريبة، وتولت تجديد مثاقفتها المذهبية الطائفية، عماد هويتها المشتركة. وتنزع الأبواب الثلاثة، السن والانتشار والهوية، الى إحياء نضالي وسجالي قوي ومتماسك. فـ «الشباب المؤمن»، على بعض وجوهه، إنما يثبت لحمة «أهل» و «طائفة» يتهددها، من داخل، أفول دور الأهل الوالدين والأصلاب في تعليم أولادهم وتأهيلهم ونقل مقومات الهوية إليهم اولاً، وانتشار «الأولاد» في المحافظات والمهاجر ثانياً. وتَهدَّدَها، من خارج، إحياء آخر هو الإحياء السلفي القريب، والمستقر بصعدة منذ نيف وعقد من السنين.
ورفدت السلفية المقاتلة، ذات المنشأ الأفغاني، مع عودة المقاتلين العرب، وفيهم شطر يمني وحضرموتي راجح، الى ديارهم سلفية الدعاة والمدرسين المحليين. وتولى «الشبابُ المؤمن» إعداد دعاة من الشبان في مخيمات دراسية ورياضية مشتركة وطويلة (صيفية) رداً على ضعف اللحمة الداخلية، وتداركاً للضعف و «ذباً عن البيضة» الزيدية، على ما كان يقال في شرائط الخلافة، و «الجهاد» دونها. والتنويه بـ «ترسيخ الوحدة بين المسلمين»، على نقيض إثارة الخلاف وتمزيق الأمة، تنديد يكاد لا يكون مضمراً بالنواة الوادعية في قلب «كرسي» الزيدية الهادوية.
والمسألة هذه كانت بمنزلة القلب والركن من الخلاف الذي لم يلبث ان دب في «الشباب المؤمن»، وفرقه، ومكّن لجناحه الحوثي على أجنحة أخرى أضعف تماسكاً وتعصباً. وظهر الخلاف الى العلن حين تحفظ مجد الدين المؤيدي عن بعض مقرر التدريس في دورات المنتدى، وأنكر «مسخ» المقرر، بذريعة «الانفتاح والتجديد»، اصولاً زيدية عامة، وخروجه عنها. وكان تحفظ المرجع، أو أحد المرجعين (والثاني هو بدر الدين الحوثي)، سبباً في تعليق المنتدى إحدى دوراته الصيفية. والأرجح أن أول الخلاف وقع حين ألف احد مؤسسي منتدى الشباب المؤمن، علي احمد الرازحي وهو تتلمذ على الشيخين، رسالة مختصرة في العقيدة الزيدية كانت جزءاً من المقرر الإعدادي. ورأى العلماء، وهم المراجع، في الرسالة تراخياً ورجوعاً عن إثبات حقوق «أهل البيت». وتكني العبارة عن مسألة النسب واشتراطه في الإمامة. والمسألة مدار المناقشات الفقهية والسياسية العريضة والقديمة، والمتجددة مع انهيار الحكم الحميدي، ثم مع استقرار الجمهورية، واخيراً مع «ولاية الفقيه» الخمينية. وحقق تلميذان آخران، محمد عزان وعبدالكريم جدبان، والاثنان من دعاة «الشباب» الأوائل ونواة قيادة المنتدى، كتباً في العقيدة والتاريخ الزيدي. وعمد المحققان، شأن الرازحي قبلهما في رسالته، الى حذف بعض عبارات التنديد والجرح في حق المخالفين القدماء والمحدثين، وفيهم بعض أئمة الفقه الزيدي من غير الهادويين. ومسألة «سب الصحابة»، بحسب العبارة المتعارفة، باب خلاف على طريق «التأليف بين المذاهب» وتوحيد المسلمين، لم ينفك موصداً على رغم محاولات فتحه الحثيثة.
[ التباس «الانفتاح» و «الانكفاء«
وأراد اصحاب المنتدى الأوائل، يتقدمهم محمد عزان، توسيع دائرة المواد الإعدادية والتثقيفية، وتحديث بعضها وتنويعه، وتحريض الشباب على المناقشة والتطرق الى المسائل الخلافية من غير كبت، ولو اقتضى هذا تجديد النظر في مسائل تقليدية وأصولية مثل مسألة علم الأئمة وعصمتهم من الغلط، أو مسألة تأويل بعض آيات التنزيل في الصفات، أو مسألة التفسير والحاجة (أو انتفاء الحاجة) الى علم الكلام أو علم أصول الفقه فيه. وحمل هذا دعاة «الانفتاح» المفترضين الى السعي في تهذيب عبارات الخلاف المذهبي والسياسي، وتقليل شأن النسب في مسألة الولاية والإمامة. والحق ان الأمور والمواقف تختلط في المسائل هذه على نحو يعصى معه على المراقب تخليص الخيوط المتشابكة بعضها من بعض. ومن أحوال الاختلاط، على سبيل التمثيل، ان الشيخ المؤيدي وهو صاحب الدعوة «التاريخية» الى ترك شرط النسب الفاطمي على القائم بالإمامة، وإلى ضرب من الصلح مع الجمهورية، كان من طعن في رخاوة مقرر التدريس في مخيمات «الشباب المؤمن»، وطلب تعليق المخيمات الى حين استيفاء شرط الوضوح المذهبي والتشدد. وينتسب أنصار «الانفتاح» الى تدريس المؤيدي، وإلى «إمامته» العلمية وآرائه في المسألة. وينكر الأنصار هؤلاء على «خصومهم»، ولم يكن هؤلاء وهم ابناء الشيخ الآخر بدر الدين الحوثي خصوماً في النصف الأول من العقد العاشر، ينكرون عليهم انكفاءهم على هوية زيدية صلبة ومتشددة، وتمسكهم بالركن النسبي. ولاحظ، من ناحية أخرى، باحثون ومراقبون ان بيان علماء الزيدية غداة التوحيد اليمني، في 1991، وهو ثبّت مذهب المؤيدي في منتصف السبعينات الى صفة الإمامة الاستدلالية وغير الضرورية هذا البيان خلا من تواقيع كبار علماء صعدة، وفي مقدمهم المؤيدي والحوثي. وعد هذا قرينة على التباس وترجح لم يُخرج منهما إلا بعد وقت. ويزيد الالتباس إبهاماً وغموضاً أن على رأس من صاغوا البيان العتيد ووقعوه أحمم بن محمد الشامي، أمين عام حزب الحق، الحزب السياسي والانتخابي الزيدي، وراعيه ليس غير مجد الدين المؤيدي، وهو رئيس هيئته العليا، على ما مر، ومن زكى ترشح الستة الى الانتخابات في 1993. ويخلص أحمد محمد الدغشي في المسألة الى ان «إشكال غياب أي من رموز الزيدية في صعدة من البيان التاريخي للزيدية مثال تساؤل واستغراب، ومبعث فرضيات يصعب القطع بواحدة منها!» (ص 39- 40 من كتابه «الحوثيون...»).
ولم تخل مناقشة الأصول والأركان هذه من ملابسات ظرفية وجزئية، ووقائع أرخت بظلها على المواقف المتباينة فالمتنازعة. فيُظن في رأي محمد عزان، أحد أوائل «الشباب المؤمن»، في الإمامة عموماً وفي موقعها من التعليل التاريخي والدور الذي اضطلعت به وقد تضطلع به، تقليلاً خفياً وموارباً بعض الشيء. ويحمل بعض المراقبين هذا الرأي على قصد يبيته محمد عزان وأصحابه «الشباب المؤمنون»، هو إضعاف «إمامة» مجد الدين المؤيدي نفسه، بحسب استدلال محمد عايش (في مقالته بـ «مأرب»). ولا يبدد الالتباس لا إجماع «الشباب المؤمن»، وفي قيادته الأولى محمد ابن بدرالدين الحوثي، على تأييد بيان 1991، ولا مشاركتهم في الانتخابات الأولى بعد التوحيد، ولا قولهم جميعاً، شباباً وعلماء، أن «الأمة غدت هي صاحبة الاختيار لحكامها اليوم، من غير تقيد بنسب ولا عرق» على ما جاء في البيان العتيد (ويماشي هذا قاعدة «ولاية الأمة على نفسها» من غير ولي فقيه، على قول الفقيه الإمامي الإثني عشري اللبناني الراحل محمد مهدي شمس الدين). ويتصل الأمر، على وجه مشتبه، بأنساب من يتصدون للكلام في المسائل المتنازعة. ففي مرحلة متأخرة من الخلاف احتج عزان والرازحي وجدبان على المؤيدي، وعزوا رأيه فيهم الى انهم الثلاثة ليسوا هاشميين، ورأيهم في النسب مرده الى عامية نسبهم. ونزع الرأي هذا الى التقليل من شأن الإمامة و «الأئمة» على أنواعهم أم لزم دائرة المسألة الفقهية وعناصرها واستتباعها القول بعصمة الأئمة جماعة وليس أفراداً فلا ريب في ان هذا الرأي رتب على صاحبه موقفاً من السياسة الجمهورية، ومن دولتها ورئاستها، يميل الى التأليف والمهادنة. فيروي محمد عزان ان رئيس الجمهورية («رعاه الله» على قوله في صحيفة «26 سبتمبر» الحكومية) خصص للمنتدى «أربع مئة ألف ريال شهرياً». ويقر عزان بأن المخصص هذا ذهب الى جناحه، صاحب «النظرة الجديدة» والدعوة الى «(فتح) آفاق المنطقة، و (تجديد) فكرها». فهو رد على مجد الدين المؤيدي، وما قاله الشيخ الكبير والمسن فيه وفي أصحابه، ونعيه عليهم «طيشهم»، فقال: «إننا نريد ان نخرج صعدة من حالة العزلة القاتلة التي هي فيها، ونريد ان ننفتح على الآخرين، ونريد ان يعرف الناس ان في الدنيا غيرهم، وأنه يوجد مذاهب أخرى، وأنه يوجد ناس آخرون...».
وهذا الرأي متأخر زمناً، وهو يصح ربما في أحوال الثمانينات، وكان فائتاً في الوقت الذي قيل فيه (آذار 2007، في «26 سبتمبر»، عن أحمد محمد الدغشي) منذ أعوام طويلة، ويتناول بعض العلماء المسنين المحليين. فالحق ان ما كان تجديداً سياسياً واجتماعياً في أوائل العقد العاشر، مثل إنشاء حزب الحق وبيان العلماء الزيدية في الحكم والولاية ونشاط منتدى الشباب المؤمن والترشح الى الانتخابات، عصفت به حوادث العقد المتزاحمة والمتسارعة ومنازعاته، اليمنية والإقليمية الدولية. وتولى جيل خالف من الناشطين والمنظرين معاً التفكير فيه وصوغه في ضوء جلاء القوات السوفياتية عن أفغانستان، والحرب العراقية الإيرانية، وإذكاء «حماس» الانتفاضة الأول بفلسطين، واندلاع العنف الإسلامي في الجزائر، وأطوار ولاية الفقيه الخمينية بإيران، وظهور أعراض التيار «الجهادي» والإرهاب الأولى، وجلاء القوات الإسرائيلية عن لبنان. وتوجت السياقة هذه، غداة 11 ايلول 2001 الحملتان الأميركيتان والأوروبيتان على أفغانستان في تشرين الثاني 2001 والعراق في آذار 2003. وزعزعت حربُ الجنوب والشمال، والمفاوضة الإقليمية على الحدود اليمنية، وجنوح جناح من التيار الإسلامي المحلي الى العنف والتشدد، وتضعضع التحالف الحاكم... زعزعت هذه أركان الدولة اليمنية الجديدة وروابط الجماعات الأهلية بالحكم.

الأحد، 9 مايو 2010

مارسيل غوشيه في عملٍ نواةٍ سبق كتبه المنقولة الى العربية: منعطفات على طريق مجتمعات مرجعها داخلها ولا تمام لتاريخها

المستقبل، 9/5/2010

من غير مقدمات، نُقلت الى العربية في غضون أشهر قليلة ثلاثة كتب كتبها مارسيل غوشيه، هي "الدين في الديموقراطية" (2004) وجزءان من آخر كتبه المتصلة، "ظهور الديموقراطية" أو "نشأتها" بحسب الترجمة الى العربية (2008). وتعود أعمال الكاتب، المؤرخ والفيلسوف على ما يعرَّف، الأولى الى مستهل سبعينات القرن الماضي. وفي الأثناء كتب الباحث، وهو لم يعتل منبراً "فكرياً" على غرار منابر كبار المثقفين الفرنسيين المعروفين داخل فرنسا وخارجها على الخصوص، في تاريخ الديانات واجتماعياتها وإناسياتها، وفي تاريخ "علوم" النفس وعلاجها ومعاني إنشائها السياسية على ركن اللاوعي أو اللاشعور، معاً. وكتب في وجهي الثورة الفرنسية "الكبرى": وجه الحريات ووجه الحقوق، وفعلهما في مصائر السياسة والدولة الأوروبيتين والغربيتين، وبلورتهما مفهومي الدستور والقضاء الدستوري. ومنذ أعوام قليلة تناول الكاتب مسألة التربية والتنشئة والطفولة بعملين مشتركين. ويعالج "ظهور الديموقراطية"، في أربعة أجزاء، انعطاف الشطر الأخير من القرن العشرين في ضوء القرون الأربعة المنصرمة. ومعظم الموضوعات هذه تعود نواة معالجتها الى كتابه "رفع السحر من العالم". وسبق تناوله، في "نوافذ"، في صفحتين: الأولى في 4/10/2009 والثانية في 8/11/2009. وهذه الثالثة والأخيرة.]


آذن تزامن الإصلاح الديني البروتستانتي، وهو أوَّل "الأبَ السماوي" على غيرية لا قياس عليها ولا تشبيه بها، والإقبال على عمارة الخليقة والأرض والاجتماع من غير افتراض نظام مراتب يشد الأدنى الى الأعلى ويوسِّط بينهما جسماً أو سلكاً يتولى الخلاص عن الأفراد، آذن بالتقاء نماء الاجتماع ومنطق ديانة التجسد، وتضافرهما على شبك نتائج الثورة الإقطاعية المبكرة بالأصل الذي تفتقت عنه ديانة التوسط والتجسد، وهو ولاية الدنيا أو الأرض على نفسها، وقيامها بشؤونها وشجونها من غير الاحتكام الى "قانون" سابق أو مثال. وجمع الزمنُ هذا، أو العصر، صبغة المنطق الديني القديمة وأثرها العميق الى ظهور منطق الكفاية ونواته الأولى. وفي إطار عالم مرتبي وهرمي، من أدناه الى أقصاه، لاحت لائحة الأصل أو المبدأ الفردي. فحلت محل الحرب والاستتباع ودونية المرئي منازعُ السلم والتمام والاضطلاع بـ "العالم الممتلئ" سلعاً وبشراً. و "العالم الممتلئ"، بحسب عبارة بيير شوني القوية، هو عالم العدد وكثافة السكان، وما يحتاجه هؤلاء من نتاج زراعي يقيتهم ويسد احتياجاتهم، وما وراء النتاج من شرائط جغرافية وسياسية ومناخية وتقنية مهدت سبله. وثمة توارد بين انبساط "الكتلة المتصلة من البشر" والرسم المجرد لعالم إنسي منكفئ على نفسه وقائم بها، ومستجيب الاحتلال والإشباع، على نحو ما يتصور في التوسط المسيحي.

منعطفا 1300 و1700

وابتدأ هذا نحواً جديداً من التوجه على العالم وموجوداته ومكوناته على هدي من مثال تخطيطي عريض وجامع، من وجه، وآخر نافذ ومحلي، من وجه ثان. وحمل المثالُ على توسيع الأقاليم المعمورة توسيعاً مطرداً، وضبطَ هجرة الجماعات، ودعا هذه الى ترسيخ جذورها في ديراتها، وقرَّب بين ناسها في منازل مكتظة. وبلغ النحو الجديد ذروته حوالى عام 1300 (م). وولد شبكة متصلة وخَلَوية من أجراس الكنائس والحقول المزروعة، ونسيجاً ممتداً من حرث مستصلح ومتقارب نهضت عليه من بعد المباني السياسية المتينة، ودانت له بمتانتها وصلابتها. وتمتع المزارعون المستقلون، على هامش البنية "الخلوية" (على قول روبير فوسييه) الإقليمية والمرتبية والجماعية، بهامش أرسوا عليه دوراً متعاظماً. ووسع صاحب الأرض العائلية الضيقة الانتفاع من تصريف عمله على ما يشاء ويرتأي. وخطا خطوات أولى على طريق تقديم العلاقة بالأشياء (المتاع) على عرى الاجتماع الإنسي، وهو (التقديم) قلبُ المنزع الفردي الاقتصادي المحدث ومناطه. ومنذ تولي ملء العالم بالسكان (النسل) والسلع ("المال" والحرث)، قام تعظيم الموارد على فك استتباع البشر وحلهم من روابطه وقيوده. واجتمع، على نحو مبتكر، وجها التبعية والاستقلال، واختلطت الجميعية الضيعوية بالفردية المتملكة. وصبغ الأمران، الجمع والاختلاط، بصبغتهما الأرياف الأوروبية طوال القرون التالية، وبعض الصبغة هذه لم تتبدد آثاره في علاقات "الأهل" الى اليوم. وكانت المدن صيغة أخرى من صيغ المساومة بين المنزع الفردي والمنزع الجماعي. ونهض السلك أو الصنف علماً على المساومة والاشتراك.
واضطلعت الأنظمة الملكية الوطنية، على المثال الإقليمي والعمراني نفسه، بالولاية على الجسم الإنساني – الاجتماعي. فأعملت السلطان، الساعي في الفتوح والتوسع، في الممالك ودواخلها. وانقلبت من ضم الأقاليم الى التأطير الإداري. وكان سائق السلطان الاشتمال المطرد على أعداد متعاظمة من الرعايا والسكان، وغايته الاستيلاء على "مشارق الأرض ومغاربها" وجمعها في مملكة أو امبراطورية واحدة. فصار دأبه النفاذ الى قلب الجماعة او الأمة التي يسوسها، وتعريفها تعريفاً جامعاً ومانعاً، وحدّها في نفسها. وعلى هذا، أوجب السلطان صدور الجسم السياسي (أو الدولة الملكية الوطنية) عن نفسه، وسوغ السيادة والفعل الإداريين من هذه الطريق، وحَمَلها على مقاصد العناية والرعاية المحتجبتين. وتوسل السلطان الأرضي الى تسويغ نهجه تسويغاً دينياً ولاهوتياً، على حدة من السلطان الكنسي المسكوني، بالقسمة التي أثبتتها الإثنينية الدينية، وأقرت بموجبها بالولاية الدنيوية والإنسية، وبتمام حقها في الانتصاب للتدبير الدنيوي والزمني. واستقوى الملوك بالإقرار هذا، واستظهروا على السلطان الكنسي المسكوني، وعلى نازعه الى العموم، بالاثنينية وباستواء شقيها وأقنوميها على درجة واحدة من الحقيقة. ودعا الاستظهار الملكي والسياسي بالقسمة الاثنينية، وبحقيقة الشطر الدنيوي والناسوتي منها، الى عمارة الأرض الرأسمالية عمارة سبيلها المراكمة المتقشفة والممتنعة من الإنفاق. وحمل، من وجه آخر وملازم، على التدين بديانة الدولة، وتعظيم فرض التضحية بالنفس والدم وبذلهما، وافتداء الأمة بهما.
وعلى منوال الولاية على الإقليم ودائرة المكان، وترسيخ السيطرة على الحيز الطبيعي، سعت المجتمعات الأوروبية في مستهل العصر الحديث، في الولاية على الزمان. فنسبت الاجتماع الى دوام لا ابتداء له ولا ختام أو آخر. ونسبت الدوام نفسه الى ركني الاجتماع، السلطان الذي يلي الأمر وجسم الجماعة (الأمة). وخلصت، على مثال كنسي قام مقام القدوة والخصم معاً، الى ضرب خاص من التقديس لا يقل قوة من القدس الديني الكنسي. فأجسام الشركة السياسية لا تحول ولا تزول، وهي باقية على مر الأجيال وتعاقبِ ولادة الآحاد وموتهم. وتتماسك الأجسام هذه بقوة روحية تشبه قوة الروح في "العالم الآخر" أو "الحياة الأخرى"، وتضاهيها حقيقة. ويتربع في سدة الجسم السياسي "ملك لا يموت" على رغم تعاقب الملوك، وفناء أجسادهم وتحلل هيئاتهم تراباً. فهو، أي الملك، صورة ماثلة عن كيان روحاني وعلوي صوفي يتجدد حلوله المتصل والثابت في أعيان الأشخاص (الملوك)، وفي الأجسام السياسية والإقليمية والإدارية والدول الملكية. ونشأ عن المتخيَّل هذا، وعن تخييله في الذهن والفكر والنفس، سعي دؤوب ركز الكيان الجماعي والمشترك، الغفل والمفترض، في أبنية إدارية وقضائية ومالية وتمثيلية وثقافية. ونيط بالأبنية المرصوصة، العامة والمشتركة (على معنى الغفل)، التمثيل الملموس على دوام كيان الأمة الروحي والمعنوي غير المرئي، على رغم تعاقب الأجيال، عامة وملوكاً. وترتب على ازدواج الهيئة السياسية والاجتماعية، كياناً روحانياً صوفياً ثابتاً وآخر عينياً مادياً وفاسداً، أو عابراً، اقتصارُ السلطة، ومزاولتها ومباشرتها، على التمثيل والوكالة عن الأمة أو الدولة. ويصدق التمثيل (بالإنابة) والوكالة (عن أصيل) في الطاقم السياسي والطاقم الإداري على حد سواء. والاقتراع الانتخابي البيروقراطي الوظيفي يصدران عن اصل واحد. ويقضي الأصل باستحالة تجسد المرجع في عين أو أعيان، وامتناع مثوله وحضوره مثولاً وحضوراً تأمين ويحاط بهما. وعلى هذا فـ "صاحب" السلطان، السياسي والإداري، مهما علا شأنه، إنما هو مندوب الى تصريف السلطان، و "نادبه" المفترض يستحيل عليه مباشرة التصريف بغير واسطة.
فحل الفرق، وهو فرق زمني بين دوام بشري إنسي وبين بقاء رباني لا يمضي، محل المرتبة، وهذه تقضي باستحالة القياس وتنفي عن المرتبة الدنيا جواز المُسكة والقيام بالنفس. وانطوى المرئي والظاهر على علة تمام تحصنه وحده. وعلى حين كانت الصيرورة والتحول صنو الهباء، والعَلَم على التبدد، انقلبت ركن بلوغ البشر، وأفعالهم وصنيعهم، الى هويتهم العميقة والجوهرية. والحق ان الحضارة الغربية وحدها من بين الحضارات الأخرى أرست الهوية الجماعية الثابتة على تبدل الأحوال والأشياء وأقرتها على تعاقب وتجدد مزمنين. ومهد هذا الى إنشاء التاريخ، ورعى استقباله وإنزاله المنزلة التي تبوأها مذذاك. وأفضت المنازع مجتمعة الى انقلاب منطق السلطان ووجوهه جميعاً. فكان تعاظم السلطان السياسي يتوسل بتوسع الأقاليم وامتدادها وضمها، وبإيجاب فرق الحاكم وعلوه الرهيب، وتسليط المراقبة والحسبة على الإنتاج والتجارات والمبادلات. وعلى خلاف هذه المنازع، تولت الدولة الملكية والوطنية تدبير إقليم مستقر الحدود والتخوم ومسحه مساحة دقيقة ومفصلة. وسعت في تطابق مسالك السلطة واتفاقها أو ميلها مع إرادة الرعايا ومشاركة المواطنين، وتحرر المصالح، وانعتاق المبادرة المدنية. فنجم التعاظم عن التقييد والإمساك. وعلى خلاف الظاهر والتوقع المحافظ والعاقل، وَلَدَ لغطُ الجموع، وإشراكُ أهل الضعف والصفَّة في تصريف الأمر، ومصادمة الحقوق المتساوية والمتكافئة بعضها بعضاً، والديموقراطية – ولدت هذه سلطاناً عظيماً وغير مسبوق. وكان السلطان المادي يفترض السلطان السياسي، والسيطرة على البشر تالياً. فأرساه العصر الجديد والحديث على التسلط على الطبيعة، واستبدل المصادرة والاقتطاع بتغيير الأشياء ومسالك صنعها وطرائق الصنع.

امتناع الوساطة والوحدة

وعلى خلاف الوصف السائر والذاهب الى ان هذا كله يندرج في باب "علمنة" السلطة، يدعو التأريخ المديد الى ملاحظة فشو القدس في السياسة أو صبغ هذه بصباغ القدس. ولكن القدس السياسي من نحو أو لون خاص. وهو نجم عن انقطاع من القدس الإكليركي الكهنوتي وخصومة معه. فالكهنوت اضطلع بالتوسط بين الدنيا والآخرة، وقام مقام الوصلة بين الواحدة والأخرى، ومثَّل على قران الاثنتين. ومن جهتها، مثَّلت ملكية "الحق الإلهي" تمثيلاً مشروعاً ومقبولاً على انكفاء مدينة البشر على نفسها، وقيامها بها، وبالأرض عموماً، قياماً لا ينكر. وقام المنزعان الكليان واحدهما بإزاء الآخر، وعلى الضد منه، وكفءاً له ومتمماً. وتفتقت الحال هذه عن سيرة التوجه المسيحي على العالم وتاريخ عمرانه. وحالت حقيقة "الأرض" والعمران الدنيوي دون طلب الإيمان الصحيح، وتجديده وإصلاحه، من طريق بعث البنيان المرتبي الذي تستوي "السماء" في سدته وكرسيه، وتسود وحدته المتماسكة والجامعة من أدنى حلقاته ودرجاته و "أحقرها" الى أعلاها وأسماها. والإقرار بالحياتين معاً، وباستوائهما على مرتبة واحدة في الشرف، سوغ السعي في الخلاص الأبدي من طريق استجابة الولاية الدنيوية، وحمل تبعاتها. وكان هذا أصل عالم المساواة الأول والركن الذي آذن بقلب عالم المراتب والدرجات الهرمي وسلسلته، من داخل. وهو ابتداء الأزمنة الحديثة حقاً، وفاتحة انعطاف تاريخي واجتماعي تطاول الى بنيان التأنس.
فذهبت البروتستانتية الى استحالة الوساطة وامتناعها، وإلى ازدواج دائرة التدين ازدواجاً لا ترجى وحدته، لا من طريق حل دائرة في الأخرى، ولا من طريق ترتيب يغلب مرتبة على مرتبة. وحملت زعم الكنيسة النهوض بالتوسط على الكذب والخداع. والحق ان المجتمعات الأوروبية لم تنتهج كلها النهج البروتستانتي ومنزعه الى تقديس السعي البشري واستفراغه في المنع والمراكمة وعمارة الأرض. فبعض المجتمعات (والدول) الكاثوليكية انخرطت في الحرب على الإصلاح، وناصبت أنصاره ومريديه العداء والقتل الأهليين، على شاكلة فرنسا، من غير ان يفسد انحيازها انسلاخها عن التوسط الكنسي، وانقلابها عليه. وهي التمست الى الازدواج والانفكاك من هيمنة "السماء"، منطق التدين بدين السياسة والدولة. وفي أحوال أخرى، فرعية أو جزئية، تصدعت المراتب وسلسلتها تحت وطأة تمكين ذاتية عقلانية في مقابلة كون مرسل لا إلى غاية أو حد، أو جراء إقبال محموم على عصبية أرضية ودنيوية. وفي الأحوال كلها، كانت البنية التحتية رمزية، والمبنى تديناً بالفعل وعلاقة بالغيب مركوزة في سياقات جماعية مشتركة وفي مذاهب فردية وشخصية. وأشبهت نتائج الثورة الدينية في المجتمعات والدول الأوروبية بعضها بعضاً شبهاً شديداً ومستمراً جراء صدورها عن معين واحد هو ثورة القرنين السادس عشر والسابع عشر الدينية والمذهبية، وركنها الأوغسطينية السياسية.
ومنذ محور (العام) 1700، على وجه التقدير والتقريب، انفكت الى مضامير مستقلة الدوائر التي كانت المسيحية تجمعها وتضويها في بنيان متصل. وأفضى انفكاكها الى استواء الدولة الوطنية والسيدة صورة لازمة عن العمران والاجتماع. ورست المعرفة، ومعها الحق، على أصل ذاتي، وأمست الطبيعة كلها محرثاً تقنياً ومواتاً يحييه سعي البشر وفعلهم. وانتهج العالم الأوروبي طريقاً خالفت طرق المجتمعات والحضارات الأخرى. فركز في قلب الدائرة الإنسانية والاجتماعية ما أولته المجتمعات والحضارات إليه، إلحاقَ هذه الدائرة بخارجها، وعهدت إليه بالقضاء فيها من خارج ومن فوق. وأجرى مصائر البشر على خلاف منطقها السائد من قبل ومن وراء العالم الأوروبي هذا. ولم ينجم عن حل الغيرية (الإلهية)، وإخراجها من علاها، ظهور هوية البشر على حقيقتها، ومثولها من غير خفاء ولا التواء. فاختلاف البشر، ومباينتهم بعضهم من بعض، وتقطعهم، لم تطوَ ولم تزل. وخُبُر الغير خُبُراً ذاتياً لم ينفك وجهاً من الخبر الاناسي. وإذا طوت المجتمعات الغربية، وفيها الأميركية، عهد البنيان الديني، أو الديانة على الوجه البنياني الجامع، فالثقافة الدينية، أو الديانة على الوجه الثقافي، لم تطو. والوجه الذاتي من "التجربة" الدينية لا ينفك حياً وفاعلاً حين تتوارى وظيفتها الاجتماعية.
وما اضطلعت "التجربة" الدينية المديدة بالعبارة عنه، وتولت إنزاله على مبان تقدم القول فيها، لا يزال قائماً وملحاً. وجِدّّة الأزمنة الحديثة ليس معناها ولا مؤداها تبديد المباينة والصفاقة والحجز والفرق. فهذه، وهي أركان الخُبُر الديني أو التجربة الدينية، تعدّت الى داخل الفرد نفسه، وإلى علاقات الأفراد وأواصرهم بعضهم ببعض وقلب اجتماعهم ومعيتهم. وركزُ أس الاجتماع وركنه فيما بين البشر، ورسوه على "بينهم" هذا، لم يجعله في ملكهم ولا طوع يمينهم. وإخراج القضاء في شؤون البشر ومصائرهم من "يد" عليا آل به الى ملابسة ما يقوم البشر به، وما يجيز ذاتاً إنسية وعمراناً اجتماعياً. فشرائط الجواز هي المسألة التي تدور عليها المطارحات والمنازعات والانقسامات. ولا ينبغي ان يؤدي انتقال الغيرية الى "داخل" الذات، وإلى ثنايا الآصرة الاجتماعية والتوجه على الواقع، إلى ذواء المعنى في مباشرة تائهة وطيفية. فالغير في ما هو نفسه، وجداناً وعملاً وسلطاناً، لا ينفك ناظماً وفاعلاً. وهو، على خلاف الغير الديني، متخفف من خارج ومن قدس، ولا يدين به البشر إلا الى انفسهم. وقياساً على تعريف الهوية من طريق نصاب براني وعلوي، يبدو التعريف، الفردي والجماعي والإنسي والجنسي الخ، من داخل أمراً عسيراً. ولا يقل عسراً، بديهة، افتراض "أوامر" و "نواه" لا تستقوي بفوق آخر وناه، ولا تنضبط على صورة مثال ليست غير رسم سعي النفس في نفسها. ففي قلب "المؤمن" فرد يخصص إيمانه ويخصصه إيمانه على نحو ما يخصص خطيئته وقصاصه ودينونته. ومحض ظهور الذات، على وجهها المحدث والفردي، قرينة على الشر والخطيئة، وإدانتهما معاً. فالخطيئة ليست، مذ ذاك، إلا سلطان المخلوق على نفسه وبإزاء خالقه.
وآل منطعف 1700، ونصبه ركن الواحد والاجتماع في ذات النفس، الى منعطف 1800 المولود من الأول. وحمل هذا حقيقةَ الفعل، الفردي والاجتماعي، على الصدور عن شرع فطري لم يرده "صاحبه" ولكنه يلابس طويته وإرادته، وينشئهما. ومجاراة الإرادة الشرع الفطري هي معيار السوية. وانتهاك الإرادة الشرع الفطري هو معيار الانحراف. وعلى هذا، فالانحراف هو مناقضة النفس نفسها وليس خروجها على الحكم السائر وميزانه. وجريرتها، والحال هذه، لا تترتب عليها تبعة ولا مسؤولية. وهذا على منوال نفي الخطيئة عن الفرد الواحد ما دامت الخطيئة واستواء الفرد أمراً أو شيئاً واحداً, فاستبطان الحد، او الوازع، صار مصدر الذات والأصل الذي يوجبها ذاتاً فريدة وعلى حدة. وهو، أي الحد أو الوازع، كان التمثيل على الخارج "السماوي". وأنزل الاستبطانُ الانتهاك منزلة المِزْق الحميم والانحراف عن سوية الباطن، ونفى عنه الحياد عن شرع منزّل والعدول عنه. فلم تبق التبعة أو المسؤولية، على وجوه أو معاني الأخلاق والقانون والطبابة، ولا بقي تعيينها وتشخيصها خارج الفرد السياسي، وبمنأى من استوائه قطب السلطان الديموقراطي. والذات كانت في ملك ذاتها وإرادتها، أي تصورت على هذه الشاكلة طوال حقبة 1700 – 1800، ما دام سندها من غيرها وفوقها، وما دام حضورُها ذاتَها وهويتها الواحدة أثرين خلفهما فيها تناولُ الغير. وقطَّع تحرر الفرد السياسي روابط المرء وأواصره التي كانت تشده الى "جماعاته"، وتوجب تبعاته ومسؤولياته.

الواحد الفرد وسياسته

وما يقتضي التعليل والتفسير هو العلل الخاصة والفريدة التي دعت الواحد وتدعوه الى فعله أو أفعاله. والفعل عَرِي من دعاويه العامة والمشتركة، ومن مسوغ التحام فاعله وصاحبه به. واقتصر على جملة الدواعي الفريدة التي "تصف" الفاعل، وتاريخه الشخصي، وصفاً قريباً ومن داخل. واستتبع هذا حمل داخل الفرد وطويته على التاريخ، شأن الجماعات والأمم من قبل. والفرد المحض، المولود من جملة خصائص وخواص لا تحصى ولا تحصر، هو خلاف الفرد طوع نفسه والمتربع في ملك يمينه. وعلى هذا فبت الواحد فيمن يكون، وإرادته من هو، صارا شأنين ثانويين ولا يعول عليهما في تعليل ما "استوى" عليه استواءً مشكلاً على الدوام. وأمارة الإشكال هي، من وجه آخر مخالف، نسبة حوادث سيرة الواحد كلها، ووقائع هذه السيرة من ألفها إلى يائها، الى صاحبها، وحملها عليه وكأنه علتها والسبب فيها. فالواحد، من غير إرادة أو قصد ومن غير بؤرة جامعة، هو سيرته كلها. و "تُسأل" أصغر واقعة عن نسبها الى صاحب السيرة على نحو ا يرى صاحب السيرة في مرآة الحوادث والوقائع المهشمة. والفرد المحض هو "مفهوم" الترجح المزدوج هذا. واللاوعي، او اللاشعور، هو البؤرة الجامعة المفترضة والغائبة، والعَلَم على حقيقة التعلق بالذات (أي بما هو نفسه، علاقةً وليس جوهراً "نفسياً")، على ما استقرت الحال حوالى العام 1900. ولكن استواء حقيقة التعلق بالذات على ما يخرج من مِلك الإرادة والعلم (الوعي أو الشعور) والقصد، قام قطباً بإزاء قطب سلطان التفكر المتحدر من منعطف 1800، الهيغيلي والفختي. ويتداول القطبان، متلازمين، الذات ورجوعها الى ذاتها، وسعيها في أس أو أصل تعقل من طريقه قيامها بنفسها، وولايتها عليها، من غير دَيْن ولا دين.
وتولت الدولة الحديثة، مع الملكيات الوطنية المطلقة، الرابطة أو اللحمة السياسية، بمنأى من عصبيات التماسك الناشئة عن عرى الدم والأرض والصنف (أو الطائفة الحرفية). وتعهدت "رفع" الجماعة أو الأمة الى الذاتية، وحمل أجزائها أو أبعاضها على كل جامع، يقوم منها مقام اصل الإنشاء وركنه، وهو عقدها أو ميثاقها الذي تستبطنه كله في كيانها. والدولة الحديثة هي سلطة تمثيل، يضطلع "الملك" فيها وبها، من طريق "حق إلهي"، بجمع مادة أرضية هي قيام الجماعة الإنسانية بنفسها، واحتمالها نفسها. وتفترض سيادة الدولة (الدولة "السيدة")، أو مبدأ الولاية السياسية، وحدة غايات السلطان السياسي وعلل الجسم الاجتماعي الذي يتوحده السلطان ويتولى هو السلطان. وينزع السلطان والمجتمع الى شبه واحدهما الآخر. وتنهض مشروعية السلطان على هذا الشبه. ويقود هذا الضرب من المشروعية السلطان الى إنكار موضعه خارج الأمة. وهو ألزم نفسه توحيد الإرادة (الجماعية أو الشعبية) العامة والإنفاذ الملكي توحيداً تاماً ومباشراً. وقامت الثورات الأوروبية، الشعبية والديموقراطية، باسم التوحيد الملكي هذا، وأرادت التمثيل، من غير فصل (بين السلطات) ولا إرجاء زمني، على ذات اجتماعية (وطنية وشعبية) ناجزة وتامة، على ما ذهب إليه جان – جاك روسو.
ورسم الإلزام بتوحيد السلطة والمجتمع وبلوغ حد التباسهما وتجانسهما، أفق السياسة في العصر الحديث. والحق ان الأفق هذا استعار من صورة السياسة السابقة عاملين: الأول هو اتفاق الجزء والكل ومناسبة بعضهما بعضاً مناسبة تامة، والآخر هو اتفاق (كيان) الجماعة وقانونها الأساسي. فما استظهر من قبل بسبق القانون الأساسي، وقام من الجماعة مقام مصدرها وركنها، يستظهر بالحاضر ووقته. وما كان عروة عضوية صار مراداً مقصوداً، ومشاركة مدركة. وترتب على هذا فوت تفكر المجتمع من طريق اصله، وانصرام تعريف السياسة الراشدة والقويمة على وجه تجديد العهد السالف والسنن القديمة واستئنافهما. وقام محل الوجهين الفائتين والمنصرمين اتحاد إرادات تتعهد الإنشاء السياسي والاجتماعي وتتكلفه من طريق فعل مشترك ومؤتلف. ولقاء العهد وتكلفه، وانتصار الواقعة الديموقراطية ترتب على العهد والتكلف، خسر الإنشاء السياسي والاجتماعي ركنه وأصله، وهو وحدة "الإرادة العامة"، سلطاناً ومجتمعاً معاً. وانقسمت الوحدة البدئية المفترضة سلطة إدارية اختصاصها الإنفاد والتدبير، وثانية تشريعية وثالثة قضائية... وخلت فكرة الإرادة العامة من اتفاق الضمائر في إطار عودة الى شرائط الإنشاء الاجتماعي يسوقها القصد الصريح والمتدبِّر.
وإلى خسارة الإنشاء السياسي والاجتماعي وحدة "الإرادة العامة" وخلو هذه من اتفاق الضمائر، أقرت الواقعةُ الديموقراطية المصالحَ الفردية والآراء والاجتهادات على منازعها المتفرقة وتخبطها، وعلى جهلها الأصيل والمشروع بالسبل أو الطرق التي يُنتهى منها الى التماسك والتوارد. وأقرت العقولَ على حال منازَعة مقيمة من غير الدلالة الى مناهج تقضي بالعقول والأفهام الى تشارك دائرة موحدة. وأحلت الآتي، والنزاع إليه وإلى مجهوله، محل اجتماع الأمة وضويها الى حاضر حار وجهير. وعلى هذا، انتهت الواقعة الديموقراطية المتمكنة الى ذاتية بعيدة من الذاتية المقدرة والمنشودة ابتداءً. وعلى خلاف هذه، ارتضت الذاتية الديموقراطية المتمكنة اطراح المعرفة بنفسها وتعقلها وترك السعي الإرادي في نفسها. فليس حضورها نفسها هو ما يوجبها وينشئها، بل فرق ما بينها وبين نفسها، من وجه، وانقسامها الداخلي، من وجه آخر. والمجتمع الديموقراطي يتولاه، ويقوم بتبعات انتظامه وتسييره، داخلُه. ويقوم داخلُه الدنيوي والزمني والمدني محل الغير القدسي الذي كان يُحمل موجب الانتظام والتسيير عليه. والداخل الاجتماعي هذا هو ميزان الأوقات التاريخية المشروعة (او التي تقر الجماعة بانتسابها إليها والتحدر منها)، ومصدر الأبنية التي تسلك اجزاء الجماعة وأبعاضها أجساماً في الجسم الأوسع، ومعيار حكومة الجماعة نفسها.
ويضطلع الآتي، ومنزلته من الزمن هي منزلة المرسل وغير المتناهي من المكان، بدور بنياني في وجوه وظاهرات اجتماعية معاصرة ومتصدرة. فهو العامل الراجح في انتظام الفعل الاجتماعي على وجوهه، وفي منزعه الى إنجاز ما ينجز، وإنتاج ما ينتج على لهو مباين، وخيرٍ من النحو السابق وفوقه (كماً وعدداً). وارتقى الفرق، أو المباينة، بالطفل، الى مكانة رفيعة، وأنزله منزلة عالية. ولعل مرد هذا الى القران المحدث بينه وبين التمثيل على (الفرق) الآتي، والإرهاص بهذا الفرق منذ اليوم، وإنجازه في الغد. ويترتب على هذا فك التعليم والتأهيل من التسليك أو التأديب بآداب موروثة ومعروفة، وإدراجهما (التعليم والتأهيل) في باب تمكين الولد من تدبير موارده الخاصة، واستثمارها في "تحقيق" طاقاته. و "ازمة التربية"، أو "أزمة التعليم"، لازمة معظم المجتمعات الغربية المعاصرة، هي عَرَض من أعراض التوجه على الغد والمستقبل. وفي باب آخر ظاهراً، وقريب فعلاً، تعاظمت الهيئات والأجسام البيروقراطية الى دقائق العلاقات والإجراءات الاجتماعية والمشتركة، وتتولى تسييرها ومراقبتها. والإدارة البيروقراطية العامة قرينة على السلطان السياسي العظيم الذي ينسبه المجتمع الى نفسه، ويوكل الى الأجسام الإدارية والمقننة إنفاذه. وعليه، فالدولة الديموقراطية دولة بيروقراطية، من غير ان يترتب على هذا قهر وإكراه مركزيان. ويصاحب تعاظم ادوار الأجسام البيروقراطية، وتوليها الوصاية على نسيج الأفعال الاجتماعية ودقائقها، حياء إيديولوجي يشفع به نازع الى الإغفال المذهبي أو العقدي.
فتتخلى الدولة الديموقراطية- البيروقراطية عن المعيارية الملزمة آسرة الحاضر في شباك الآتي والعلم المزعوم به، على حسب تعريف الكليانية (التوتاليتارية). وحادي الدولة المتعاظمة الوظائف والتأطير هو المشي في ركاب مجتمع مدني تنزع دوائره الى الانفصال والاستقلال بنفسها والتكاثر. وتناشد الدوائر المنفصلة والمستقلة والمتكاثرة هذه الدولة تمثيلها وليس السيطرة عليها، على خلاف دور الدولة السابق. والتمثيل ينزع الى توارد وظيفي، وإلى تدبر المجتمع نفسه وهو يتولى ولادة نفسه بنفسه، ويعود شطر متعاظم من التمثيل الى الدوائر الإدارية والمكاتب من طريق توسع إجراءات الاستشارة والتحكيم وفيضها عن دور الإنفاذ النظري. ونظير التوسع والتمدد والدوام يتقلص دور الاقتراع، ويختصر الى شعيرة علانية تجهر عمل الإدارة ووكالاتها ومكاتبها وتقره. وهذا قرينة على تمام علمنة التاريخ، وعلى تخفف العلاقة به تالياً من الكهان والسدنة والمضحين. وعلمنة التاريخ لا تؤدي الى الشف عن المستقبل أو الى العلم به. فعلى خلاف التوقع، يتوارى الآتي المتعلمِن وراء الحجب، وينسل من الاستدلال. ويحار البشر في صورة آتيهم حين اقتصر الآتي على فعلهم هم، وعلى صنيعهم. وهذا دليل ضاف على خروج المعاصرين من مناطق التدين بدين البدايات: فامتحان الغيرية انقلب معيار الحرية اللازم بعدما كان رحم التبعية.
ولم تؤد بلورة قطب مدني، وانتصابه في قلب المجتمع، الى إضعاف الدولة، على ما يفترض في معادلة محصلتها صفر، بل أدت الى تقوية الدولة على نحو غير مشهود من قبل. وتضافر منزعا اللبرلة المدنية واضطلاع الدولة وإداراتها بالتمثيل والتحكيم والجمع على تمكين قيام الدائرة الأرضية بنفسها من غير "نهاية" ينتهي إليها هذا القيام. وتولى غلقَ هذه الدائرة على نفسها نصبُ الكيانات الجماعية، مثل التاج والمملكة والجسم السياسي من قبل والدولة والأمة من بعد، أشخاصاً وهويات متشخصة تدوم على رغم تعاقب الآحاد الأحياء المرئيين عليها. فهي لا تمضي وتبقى هي هي تحت الآحاد الأحياء المرئيين. وتنهض البنية السياسية الجديدة هذه على ركن ينفرد التاريخ الغربي الحديث به بين التواريخ السياسية الأخرى، قضى (ويقضي) بفك السلطان من المِلك أو الامتلاك، وبتمييز الشخص من الوظيفة وتعريف الأدوار العامة أو العمومية من طريق التمثيل (الإنابة) والانتداب (التكليف المقيَّد). وإغفال السلطة ترتب على تشخيص الكيان الجماعي، دولة أو أمة. ففرنسا شخص لأنها "باقية على الدهر". وليس هذا فكرة في الزمن أو مقالة فيه، وتترتب عليه مباشرة الديمومة أو الوقت مباشرة إدارية وسياسية على صورة وأبنية ووجوه فعلية. والمباشرة الإدارية والسياسية هذه هي سند الهوية الاجتماعي، وضامن استقرار العالم الذي "يسرح" فيه أولياء الفعل والعمل وأصحابهما. والتغيير هو ثقافة الأولياء هؤلاء، ومطلب أفعالهم وأعمالهم. فانغراس الأفعال والأعمال في أرض ثابتة غير مرئية يرعى تجددها، ويطمئن اصحابها الى خصوبة الوقت، ومراكمته ما يوكل إليه من غير إفضاء المراكمة الى الانحراف عن اركان الكيان الجماعي و "خيانته". ووعي تصور المراكمة على هذا المبنى الاستثمار العظيم (الصناعي والتربوي والإنشائي...)، والتخطيط الى أمد، والتعويل على الآتي. ولا ينفي السعي المحموم في الجديد وغير المسبوق اعتقاد الثابت الذي لا يحول.
والسياسة هي ولية (أو ولي) دوام الكيان الجماعي المشتمل على الأفراد، والمتجسد في الدولة. وبإزاء الدولة تنهض الدائرة "المدنية"، وتضوي هذه، على نحو غير معروف من قبل، علاقات البشر الخاصة بعضهم ببعض، أي تلك التي تنجم عن إرادات المتبادلة والمشتركة وحدها من غير اعتبار إلزامات العروة الاجتماعية العامة وإكراهها. والمبادرات والمبادلات الاقتصادية الكثيرة وغير المتوقعة ترسي السوق على إغفال هو صنو إغفال السلطان الديموقراطي. فتجمع المجتمعات الغربية القلق والتجدد الى استقرار مقيم، على صورة جمعها الدولة الى المجتمع المدني، وحملها الحركة الاجتماعية على حركة الأفراد. والحق ان ثمن أفول التدين هو عسر كون الواحد نفسه. ولعل الجنون والترجح بين العُظام وهذيان الأنا الفريدة والمركزية وبين الذُّهان وامحاء أنوية الأنا، عَرَض من أعراض العسر هذا. وترجح التحليل النفسي بين تمكين الذات وبين إبطالها وإقالتها، عَرَض آخر. ولا فائدة ترجى من علاج أعراض الترجح بأفيون خلاصي وقدسي.

الخميس، 6 مايو 2010

الجماعة الأهلية تقتص من منتهك أصولها بالعودة الى أركان اجتماعها العنيفة والحربية

5/5/2010
جددت جريمتا القتل اللتان ارتكبتا بكترمايا، إحدى بلدات إقليم الخروب (الشوف من جبل لبنان)، في 28 نيسان (ابريل) و29 منه، معضلة أهلية لبنانية، وعربية، حادة ومزمنة، هي معضلة علاقة الأهل بالدولة. وإجمال الجريمتين المختلفتين اختلافاً عميقاً في باب واحد يغفل الفرق بينهما، وينحاز الى مرتكبي الجريمة الثانية «رداً» على الأولى وانتصافاً من فاعلها - المفترض على ما يجب القول الى حين التلفظ بحكم قضائي مبرم ومعلل. ويسهم الإجمال، بهذه الحال، في الاشتباه الأهلي المعضل. فالجريمة الأولى، على ما علم منها، فردية، ارتكبها واحد فرد، هو محمد سليم مسلم. والقاتل المفترض رجل مصري (39 عاماً على قول والده) يقيم بالبلدة الشوفية اللبنانية مع والدته (المصرية)، المتزوجة زيجة ثانية رجلاً لبنانياً من كترمايا، ومقيماً في البلدة بجوار أسرة الضحايا الأربع، يوسف أبو مرعي (78 عاماً) وزوجته كوثر (79 عاماً) وبنتي ابنتهما، آمنة الرواس (9 أعوام) وزينة الرواس (7 أعوام)، المولودتين لرنا يوسف أبو مرعي، المدرّسة، ومحمد مصطفى الرواس، طليقها المهاجر الى بلد من بلدان الخليج منذ سنتين. وقتل العامل المصري، والنازل البلدة منذ أشهر قليلة من طريق أمه، ضحاياه وجيرانه «انتقاماً» وعدواناً. والداعي الى القتل المروِّع هذا يتصل، من طريق أو أخرى، بمحمد سليم مسلم ونوازعه وغرائزه وميوله. وراج في أعقاب القتل وشيوع الخبر في البلدة، أن محمد سليم مسلم كان فاراً ومتوارياً، ألجأته الى الفرار شبهة اعتداء جنسي ارتكبه أو حاول في حق واحدة من نساء البلدة. فما ان عرفت الجريمة – وكانت رنا يوسف أبو مرعي، ام البنتين القتيلتين وبنت الزوجين القتيلين أول من دخل البيت ورأى الهول الفظيع الذي خلفه القاتل – حتى سعى الشرطيون في أثر محمد، والقوا عليه الشبهة وربما التهمة. وحامت شبهة «مبدئية»، في أثناء لحظات، على طليق المرأة وأم الطفلتين، على ما يحصل في أحوال الطلاق المدمر.

القتل مرتين

وأما جريمة القتل الأخرى فكانت ثأراً من القاتل المفترض، واقتصاصاً منه. وقتل القاتل المصري مرتين أو في وقتين: الأول حين اقتاد شرطة المفرزة القضائية والأدلة الجنائية ودرك مخفر البلدة ومخفر شحيم (كرسي القضاء) القاتل المفترض الى مسرح الجريمة، فرآه أحد الأهالي وأفشى الخبر في الأهل والأقارب والجيران فهاجموا الشرطيين والدركيين، وانتهوا الى محمد فضربوه وجرحوه جروحاً ثخينة. والوقت الثاني حين علم الأهل والأقارب والجيران ان طريدهم الذي خلصه حراسه وفريق التحقيق من القتل نقله هؤلاء الى مستشفى قريب، ببلدة سبلين، فهجموا على المستشفى، وأخرجوا منه «رجلهم» وقتلوه ذبحاً هناك، وأوثقوا جثته الى سيارة، وجابوا المنطقة بالجثة العارية وجروها على الأرض، وبلغوا بها ساحة كترمايا غير بعيد من مكان الجريمة، على مقربة من مسجد البلدة، فعلقوا جثة القتيل مشنوقاً وعارياً إلا من كساء عورة الى عمود كهرباء (الى «آرمة» معدنية لطبيب وجراح غدد محلي متخرج من فرنسا مثبتة الى عمود الكهرباء). وعلى هذا، فالقتل الثاني، على خلاف الأول، بادر إليه بعض أهل كترمايا جماعة أو جميعاً. فاقتصوا من القاتل المفترض لتوّهم وتو الجريمة، وجَزُوه بمقتلته، وبضحاياه العزل، ذبحاً وعرياً فاضحاً وتعزيراً وسحلاً وجراً وشنقاً. واستبقوا تحقيق الشرطة، والتحقيق القضائي، والمحاكمة الطويلة، ومرافعات الادعاء والدفاع، واقتصوا بأيديهم من قاتل لم يشكّوا، ولا يشكون في ارتكابه القتل الذريع، واستضعافه مسنين قاربا الثمانين وولدين لم يبلغا العاشرة، وربما في أشياء أُخر يريدون طيها.

وحين تحفظ قادة سلك أمني، هم رؤساء قوى الأمن الداخلي، عن القتل الثأري، وانتزاع القاتل من أيدي التحقيق القضائي والأمني، وعن مباشرة الانتقام والتمثيل عنوة وانتهاك جثة الجاني القتيل، وأعلنوا عزمهم على معاقبة المقصرين من رجال جهازهم، وملاحقة المشتركين في قتل القاتل و «منظمي» القتل – رد بعض وجوه أهل كترمايا على الشق الثاني من التهديد، فقالوا انهم لا يقبلون ملاحقة أحد منهم، ولن «يسمحوا» بالملاحقة والمحاسبة، على زعم رئيس بلدية البلدة. وسكت أقرب نواب الدائرة الانتخابية إليها، أي نائبا إقليم الخروب السنيان. وأحدهما عضو في كتلة نواب المستقبل، وهي كتلة رئيس الوزراء سعد الحريري، والثاني عضو في كتلة اللقاء الديموقراطي، وهي كتلة النائب الدرزي وليد جنبلاط. والبيان الذي ندد بالجريمتين، واستنكر طريقة «الاقتصاص من الجاني»، وأعلن «رفض» الانتقام، وقعه الحزب التقدمي الاشتراكي، ولم توقعه الكتلة النيابية «الجنبلاطية» المختلطة.

وتعاقب على إبداء الرأي في الحادثة المزدوجة، وفي شطرها الثاني على وجه الخصوص، الوزراء «المعنيون» وقمم الإدارات الأمنية. وترجحت بيانات الوزراء ورجال الأمن بين الثناء على النفس و «الدولة» وبين الإقرار بالتقصير و «النقد الذاتي» وابتداء التحقيق في الثغر التي نفذ منها قتلة القاتل. فثمة أمنيون يظن انهم أفشوا موعد الكشف على موقع الجريمة، ونقل الجاني إليه. وثمة من ارتكب «خطأ جسيماً في سوء تقدير الموقف الميداني ولعدم توفير الحماية اللازمة والكافية للمشتبه فيه»، على قول رأس الأمن الداخلي. وأثنى رجال الدولة على سرعة رصد رجال الأمن الجاني المظنون، «في أقل من 24 ساعة»ن على قول وزير الداخلية. وتذرع الوزير بالسرعة، وهي قرينة على الكفاءة وعلى رعاية «غضب الأهالي ووجعهم» وحمل همومهم وحقهم في عدالة قوية وحاسمة، الى معاتبة الأهالي على «استيفا(ئهم) الحق بغير الطرق القضائية... و (استسهالهم) إحقاق العدالة بهذه الصورة». وقدم الوزير لملاحظته على انتهاج طريق العدالة الأهلية والثأرية والتطاول على القضاء والحق العام والاعتداء على ذراعه، بالإقرار بـ «(شناعة) الجريمة» وإبداء «تفهمه» الغضب والوجع اللذين عصفا بـ «ذوي الضحايا».

وأحجم وزير الداخلية عن جهر رأي قاطع وحاسم في «قضاء» الأهل الثأري والتمثيلي، ومباشرتهم المحاكمة أو الحكومة بأنفسهم ومن تلقائهم. فتحفظه عن الغضب والوجع، وعما قادا الأهالي إليه، وشفعه التحفظ بالتفهم، لا يحملانه على الإدانة المواربة إلا قياساً على اضطلاع القضاء بمهماته. وهذه المهمات هي «كشف ملابسات الجريمة» و «(إجراء) التحقيقات بإشراف القضاء» و «إحقاق العدالة». وتختصر عدالة الأهل مهمات القضاء الى غاية عاجلة هي «إحقاق العدالة» على الظن ومن غير إرجاء يقتضيه إثبات لا تشوبه شائبة من شك. فينكر الوزير على الأهل الغاضبين والموجوعين اختصار الطريق الى عدالة آتية ومحقَّقة تستجيب رغبتهم المفترضة فيها، أي في العدالة، ولكن من طريق القضاء والتزام معاييره. وعلى هذا، فالأهل ملومون على خروجهم على القضاء، واستعجالهم ما كانوا محصليه وبالغيه بواسطة القضاء ويده الأمنية، لو تحلوا ببعض الصبر وتجملوا به. وهم ليسوا ملومين (وهذا تأويل من الكاتب) على طلبهم الثأر وشفاء غليلهم المحموم الى مكافأة الجريمة المروعة – والعدوان الضاري على الفتاتين والشيخين الضعفاء والقاصرين عن المدافعة – ببربرية مثلها وعدلها.

... والغايتان

ويريد وزير الداخلية، ورجل الدولة بهذه الحال، الإغضاء عن ان غاية عدالة الأهل المباشرة، والمنكرة على الجاني الرهيب شبهة إنسية (أو إنسانية) تتوجه عليها عدالة القضاء بإجراءاتها الشكلية الصارمة، ليست غاية عدالة القضاء والحق. وهي نقيضها وخلافها على بعض الأوجه. فعدالة الأهل متوحشة، على معنى الصفة الحرفي، أي هي تخرج المعتدي ومنتهك حياة أمثاله وأهله من الاجتماع الإنسي، المتأنس والمتمدن، وتلفظه الى عراء خارج وحشي وحيواني. ولا ريب في ان تابعية محمد سليم مسلم المصرية، وإقامته بالبلدة من طريق امرأة هي امه «يسّرتا» على «ذوي الضحايا» قتله على هذا النحو، وحالتا بينهم وبين احتساب رد أهلي. فذُبح ذبح البهيمة التي حاكاها فعله (وكان القاتل المفترض قضَّاباً لحاماً في مسلخ البلدة أو الناحية وقتل ضحاياه بسكين هي بعض عدة عمله)، وجُرَّ جر الماشية النافقة الى المزبلة أو إلى المحرقة. وأبيح، وهو ميت وأشوه ولحم من غير بدن، لمُثلة جماعية انتهكت بقية إنسيته المبطلة والمنفية. وحين علق الأهل «العادلون» الذبيح الأشوه، والمعفر بالتراب والإسفلت والحجار والشوك، تذكروا حقوق البدن الإنسي فستروا عورته. وهم عفّوا عن خصيه. وحق بدن القاتل في الستر هو حق (أنظار) المتفرجين في العفة. و «العمل» الذي تتولاه الجماعة الهائجة، على هذا النحو، يقطع أواصر الجاني المفترض بالاجتماع الإنسي، ويلفظه منه لفظاً جسدياً ورمزياً (معنوياً) متشنجاً وراعفاً. ويبسط اللفظ على الملأ السلطان العظيم الذي تباشره الجماعة على آحادها و «أجزائها». فهو (اللفظ) يعكس آية الإدخال والدمج والضوي، ويقلبها رأساً على عقب، ويذكر بما تضمره هذه، أي آية الإدخال، من شروط كثيرة، وبما يفترضه التأنيس من ضبط. فالقتل يجدد سلطان الجماعة، ويستعرضه في «احتفال» يتطاول الى اركان السلطان هذا. ويستبق هذا كله تأنيس القضاء المجرمَ، بالغاً ما بلغت جريمته من الفظاعة والوضاعة. فالقضاء يؤنس من يحاكم حين يكلمه ويخاطبه ويسأله عن اسمه وسنه وإقامته ومهنته، إلخ.. وعن صحة ارتكابه ما ارتكبه، وداعيه إليه. ويفترض هذا، وغيره مثله، «تحت» بهيمية القاتل ووراءها، نواة إنسية جامعة يتحدر منها أفراده من غير استثناء.

ويدفع المجتمع، من طريق هذا الإقرار، ترتيبه ناسه وأهله على مراتب جوهرية أو «وجودية» متفاوتة. فمثل هذا الترتيب يُحل نفي بعض «الأهل» – أي من يأهلون ويقيمون أو صادفت ولادتهم وإقامتهم بمكان – من الرابطة المشتركة والأولى التي يترتب عليها تقييد السلطان المطلق والاستعمال المحض، والحط الى درك الآلة أو البهيمة، والقتل المرسل والعشوائي. وتحريم هذه، أي النفي من الرابطة المشتركة وتقييد السلطان المحض...، يتفادى انتشار القتل الذريع في الجماعات وداخلها وضرب الناس وجوه بعض بالسيف، على ما كان العرب يكنون على حروب الأهل وتناسل العنف والثارات. وعُدَّت حرمة النفس من القتل، والنهي عنه، أصلاً عاماً، وقيدت الإباحة بشروط. والتمس التعويض من القتل من سبل تحفظ الحياة، ولو جانية وعادية، تفادياً لعدوى القتل وطاعونه، على حسب تشبيه «أوديبوس ملكاً». وإخراج القصاص من ايدي الأهل والجماعة الأهلية، وقصره على هيئة ليست من الأهل، ولا تميل ميلهم ولا تخالطهم ولا تلابسهم، يتحاشى الغرق في دوامة رد الدم على الدم، و «عدالة» الردود، على معنى مساواتها الواحدة الأخرى لا إلى حد غير حد التفاني او الإفناء المتبادل، على قول نظرية الردع النووي الهوبسية.

فـ «رفع» الاقتصاص من القاتل الـــى راعي المصلحة العامة، وحصن الناس والأهل من الإفناء المتبادل، يلغي مساواة الدمين، دم القتيل الأول ودم القتيل الثاني ثأراً للأول. فولي دم القتيل، إذ وجدت دولة ولم يعدم قضاء، ليس أهله أو عاقلته (دائرة الأقرباء القبليين أو الأهليين الذين ينتدبهم العرف الى الأخذ بالحق وإلى احتمال «الثمن» أو الغرم)، وإنما هو الحق العام، أو المدعي العام التمييزي في هــرمنا القضائي. ويتولى الحق العام، باسم عمومية غير أهلية، القصاص (وهو مرادف الحياة التي للناس «لو يعلمون») على وجه لجم العنف، وإطفاء إشعاله الثارات في النفوس. ويقتضي «رفع» الاقتصاص من عنف الأهل المحمومين الى برد العدالة المجردة من الأهواء والميل حمل الجاني المفترض على إنسان تام شرائط الإنسية السوية من عقل وإرادة ومشاعر... وهو يُقاضى على شرط المسؤولية عما فعل. وإذا لم يقاض على هذا الشرط جاء نفيه من الأهلية الاجتماعية، ومن الحياة كلها في النظم التي تلحظ الإعدام، متعسفاً وداعياً لدوام العنف. والمحاكمة، من بابها الى محرابها، عنصرها، أو هواؤها الذي تتنفسه وماؤها الذي تسبح فيه، هو اللغة وكلام العلانية العامة والمشتركة. ويُخرج كلام العلانية الى الملأ وينشر على رؤوس الأشهاد «أخباراً» تطويها الأسر والعائلات في ثنايا مظلمة ومعتمة، وتُكره من قد يستقوي بنشرها على الصمت. والظاهر البربري قد يتستر بهياجه وثورته على خطة باردة تحتسب قطع الكلام جزءاً من استراتيجية ثقافية وأخلاقية وسياسية متماسكة. وهذا كذلك وجه من وجوه القيام على الدولة والخروج عليها.

والقصاص لا يمحو الجريمة، ولا يحيي ضحيتها بديهة، وليس كفء الجناية أو الجريمة على وجه مادي. ويذهب كثر الى ان الإعدام لا يردع عن الارتكاب، وموت القتلة لا يقوم مقام العظة او الدرس او الصارف عن المثل، على ما يشهد إحصاء مقارن بين المجتمعات التي تقضي قوانينها به وبين تلك التي ألغته. ولعل ما يحسمه القصاص على أنواعه ودرجاته، ويبطله من أساسه، هو جواز الجريمة أو جواز تسويغها والاحتجاج لها، والتذرع بذرائع ترسيها على «علة» تحمل الجاني قبل غيره على قبولها. فيتولى القضاء، بهذه الحال، إنكار «العلة» المزعومة، ودحض عليتها أو سببيتها ورد منطقها. وينبغي ان يكون من يتولى هذا غير مغرض، ولا صاحب مصلحة أو ميل. ويفترض احتجاج القاضي، شأن احتجاج المدعي العام ومحامي الدفاع والاتهام، الفهم فيمن يقاضى، وأن يكون هو وعاقلته ومن لف لفه وفي طبقته، «ذا حجى». وإذا قصّر القضاء وجهازه المعقد عن إبطال حجج الجاني وإطفائها المعنوي و «الأدبي»، وعن البرهان على شططها واعتلالها في ميزان المظنون أو المتهم الجاني، فهذا قد ينهض قرينة على ضعف ضبط القضاء، على ما كان يقال في بعض رواة الأخبار وأهل اللغة. فمحل الإبطال والضبط هو النفوس، وإبطال وضبط لا يطاولان النفوس ناقصان.

عدالة الأهل

وعلى رغم سكوت «الأهل» عن الرد على منكري اقتصاصهم من القاتل المفترض، استبق فعلُهم ردهم، و «قال» احتجاجهم المتوقع. وحجة الأهل، في مرآة فعلهم وعملهم، أن عدالة الأهل أبعد غوراً و «أعمـــق» من عدالة الدولة. والأهل وحدهم فـي مستطاعهم مكافأة «عمق» الجريمة، والفهـم عنها فهماً دقيقاً، وإدراك ما تبطنه مــــن مقدمـــــات وتستتبعه من نتائج. وهم وحدهم يسعهم الرد على الانتهاك المروع لأركان الاجتماع والتأنس والتمدن والضيافة وصرمها بنظير يخاله الأهل مساوياً ورادعاً. ويريد الأهل من تجنب مثول المعتدي عليهم جميعاً بين يدي الدولة، وعلانيتها الثرثارة، خنق قيل وقال يرمي الفتنة في صفوفهم، ويشق عصبيتهم المجتمعة على «عدوهم». فعلى خلاف ما ذهب إليه وزير الداخلية، المحامي والحقوقي، لا تسعى الجماعة الأهلية، البلدية في الحال هذه، وعدالة القضاء في غاية واحدة، بل هما تسعيان في غايتين مختلفتين. واختلاف الغايتين يستتبع، أو يفترض اختلافاً حاداً في الوسائل، إذا جاز تمييز الوسائل من الغاية أو الغاية من الوسائل.

ويدرج خروج جماعة كترمايا الأهلية على الدولة واقعة القتل المزدوجة في «ثقافة» اجتماعية وسياسية وعدلية عربية عريضة ومتجددة. وتجهر الواقعة المزدوجة (ولم نتناول منها إلا شقها الثاني المتاح) منازعة الجماعة الأهلية – المؤتلفة من عائلات «عشائرية» وإقامة بلدية واعتقاد مشترك وأحلاف وخلافات على مراتب – الدولة، وإداراتها ومنطقها الاجتماعي والقانوني أو الحقوقي المضمر، على السلطة. والسلطة التي تنازع الجماعةُ الأهلية الدولةَ عليها هي تلك التي انتزعتها الدولة، «دولة العدالة» وليس دولة السلطان السياسي والحربي والمالي، من الأمراء والأشراف المحليين ومحاكمهم المتفرقة المراجع، وأوكلت بها «سلطة» تعلو قوى الواقع كلها، وفيها قوة الدولة والحكام. وإذا كان «مثال» الدولة، الحديثة والديموقراطية المدنية، حسم المنازعة، فأخرج من أيدي الجماعات الأهلية السلاح («حق» الدماء) والقانون والجباية و (الانتقال على) الطرق والأمن تالياً، فالحق أن المثال لم يحسم المنازعة في المجتمعات العربية. فنسيج معظمها جماعات أهلية وعصبية، ودولها عصبيات متغلبة، بواسطة أجهزة الدولة المحدثة في أحيان كثيرة، تنازع عصبيات أخرى. ولحمة هذه أهلية، على المعنى المتقدم. وعوامل اللحمة هي ما تخالف به الجماعة الأهلية الجماعات الأخرى، ويضوي تماسكَها الرجراج، وتدفع به تفتتها الداخلي بوجه صوغ الروابط واللحمات والخلافات ومعنى السلطة ومواردها على أركان أخرى غير أركان العصبيات الأهلية ومعاييرها ودوائرها.

ومثلت الحروب الملبننة – منذ دبيبها في الأوصال اللبنانية المتصلة بالأوصال العربية، من طرق شتى ليست «الطريق» الفلسطينية و «طريق» «الداخلية السورية» أضيقها ولا أضعفها – على المنازعة العاصفة هذه. وآذنت الحروب، تحت اللواء العروبي والفلسطيني العام والمجرد وغير المعين، بتداعي مباني السلطة أو أدواتها ذات الصفة الأهلية الضعيفة والضيقة. وتوسلت الجماعات الأهلية والوطنية (المحلية) المتغلبة باللواء العروبي – الفلسطيني، وهو على حاله من العموم القومي والتجريد، الى تسييس سلطتها، وصبغها بصباغ الدولة السياسية، والتحرر الوطني، والمصالح القومية الجامعة ومناهضة الامبريالية والصهيونية. وتماسكت، تحت القناع السياسي القاهر والمزعوم، عصبيات أهلية كانت خالدة الى تقاليد رتيبة، وثارت عصبيات أخرى نفخ فيها أفق الدولة الوطنية القريب وأفق السلطنة أو الامبراطورية الإقليمية (العربية) الأبعد، والاستيلاء على أجهزة القوة فيها عنفواناً محموماً. فلم يكد عُشْر السبعين من القرن العشرين يمضي، غداة 1967، حتى انفجرت النزاعات الأهلية في الأردن ومصر ولبنان وسورية والعراق وبلدان أخرى، الى فلسطين نفسها. وكثرة عوامل الانفجار وموادها لا تحجب انبعاث العصبيات الأهلية، وإذكاءها بعضها بعضاً من طريق النزاع على السلطة الوطنية، وعلى «سلطة» إقليمية نافذة في الجماعات الأهلية المتفرقة، وتمتطي المطية الفلسطينية. وسعت الطواقم الحاكمة في البلدان هذه، وفي جوار إقليمي يتوسع، في الجمع بين لحمة الجماعة الأهلية الأقرب وتسليطها على «عصب» الدولة المحكومة وبين الانخراط في القضية القومية الأعرض والمفترضة قضية سياسية ودولية.

الازدواج

وكان نصيب لبنان – من طريق عروبة مسلميه، والجماعات الفلسطينية المقيمة، والجوار السوري المضطرب والنزاعات العربية المحتدمة، ومن طريق رجحان الكفة المسيحية في دولة ومجتمع من غير عصبية أهلية قوية ومن غير غلبة – من النزاعات والاضطرابات، ولا يزال نصيبه منها عريضاً. ففي اثناء اليومين اللذين شهدا المقتلة بكترمايا وتتمتها، في 28 و29 نيسان، لفظت محكمة أمن الدولة المصرية العليا حكمها في قضية خلية «حزب الله» الأمنية الاستخبارية والمسلحة بمصر. ويتصدر القضية لبنانيان شيعيان تسترا بأوراق ثبوتية تنسبهما الى الطائفة السنية، وهما حصّلا الأوراق من طرق مشروعة ومزورة معاً. فالحزب العتيد استدخل الأجهزة الإدارية، والعسكرية والأمنية والتقنية والتعليمية، على نحو ما استدخل أهل كترمايا سلك التحقيق القضائي. وحصلت المقتلة قبل نحو اسبوع من ذكرى 7 أيار (مايو) 2008 الثانية. واستبق اجتياح الجماعة الخمينية المسلحة انحاء كثيرة من لبنان، وشل إدارات الدولة إما استدخالاً وإما ترهيباً، تعليق القضاء في البلدة الشوفية والنقض عليه، و «اجتياح» الأهل الأدلة والآثار والدواعي المحتملة، وتجديد الأهل لحمتهم تحت لواء عدالة «طبيعية» وقريبة من مصادر الاجتماع. وكان اللبنانيون، وفيهم الشوفيون، يخوضون غمار انتخابات بلدية واختيارية سوّغت، على زعم «الأحزاب السياسية»، وهي قناع الجماعات الأهلية على باب السلطة الوطنية، تقديم «العائلات»، وروابطها ومراتبها وحزازاتها، على روابط ومراتب وحزازات أهلية أوسع دائرة، وأعقد ترتيباً.

وفي وقت حصول الجريمتين كان تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في القرار 1559، والقرار عنوان انضباط لبنان ودولته بمعايير المجتمع الدولي وعلاقات الدول السيدة بعضها ببعض، يثير لغطاً داخلياً (وسورياً) لا ينفك منه إجراء واحد من الإجراءات الديبلوماسية في عالم تهيمن على علاقاته وديبلوماسيته مسألة الإرهاب ومصادره وطرقاته وتسلحه وتمويله. ويدور اللغط المحموم على فصل داخل أهلي متنازع ومنقسم عن خارج يحاول لجم العنف والتضييق على تصديره في الشبكات «القومية» والمذهبية والإقليمية. وخَلَفَ تقريرُ بان كي مون (تيري رود – لارسن) زيارة وفد أمني أميركي الى بعض الممرات الحدودية والمرافئ، وقبلها اتفاقاً أميركياً – لبنانياً على هبة الى وزارة الاتصالات. وحشرت حادثة ضئيلة في محلة جبلية تطل على البقاع الشرقي الشمالي في الصراع الإقليمي والكوني. وفي غير بلد عربي، كان مصر (الخلية الأمنية) أم الإمارات (صرف لبنانيين مهاجرين) أم الكويت اليوم، والحبل على الغارب، يؤخذ لبنانيون خمينيون بجريرة ازدواج الولاء والهوية والتستر بالهوية الوطنية على أفعال أهلية.

وازودواج الجماعات الأهلية - وهو ليس وقفاً على شيعة لبنان على رغم بلوغه على أيدي كتلتهم ذروة لا سابقة لها – يتصل بفصول السيطرة السورية والإيرانية، وقبلها الفلسطينية، على لبنان وفلسطين، ومن طريقهما على النظام الفوضوي العربي. وتترجح السيطرة على «الدول» الوطنية بين حد عروبي – فلسطيني عام ومجرد وبين حد أهلي وعصبي ضيق، وتجمع الحدين في «مقاومة» وجودية مطلقة. والعناصر الثلاثة هي جزء من آلة حرب تشنها بعض الجماعات الأهلية على الجماعات الأخرى المنافسة، وعلى دول تحكم بعضَها وتحول دون تبلور هيئاتها. وصوغ الذريعة الفلسطينية على النحو الذي صاغتها عليه «الدولة» الصدامية بالعراق والأسدية بسورية والحرسية بإيران، والحركة الفلسطينية المسلحة قبلها، ليس امراً ثانوياً، على ما تنبه واقعة كترمايا. فالمعنى الفلسطيني، على الصورة المتداولة برواية «المقاومة»، هو الأقرب إلى صورة الجماعة الأهلية وأركانها المهددة. وعلى المثال نفسه، يستدعي الثأر للجماعة الأهلية فعلاً لا يسبر «عمقه»، ويختصر العلاقة الاجتماعية في حق الدماء وفروعه، ويوقظ بربرية مدمرة تغفو على حدود الجماعات