الاثنين، 27 أبريل 2009

عقدة» التقاء الوطنية بالروابط العابرة الأوطان... إخوانيو مصر والمشرق العربي بين مغانم استيلاء طهران على «العمل» الفلسطيني وتوسّعه


الحياة - 27/04/09
بعد ترجح دام نحو عشرة أيام، حسم الإخوانيون المصريون أمرهم. فأصدروا، في 22 نيسان (ابريل)، بياناً حمل رأيهم الأخير والواضح في مسألة خلية «حزب الله» الاستخبارية والأمنية بمصر. وذهبوا الى 1 - ان ترك الشعب الفلسطيني «اعزل يواجه الحصار والموت والدمار» بينما تدعم أميركا الكيان الصهيوني بكل السبل، فضلاً عما يمتلكه من ترسانة نووية»، «لا يُعقل»، ومعنى هذا أن الخلية سائغة، 2 - والى ان الدعم «يجب أن يتم بالتعاون والتنسيق بين كل الدول العربية والإسلامية»، و «وسائل الدعم يجب ألا يشوبها أي نوع من التصرفات المنفردة»، ومعنى هذا أن الخلية لا تسوغ، 3 - والى حرص الإخوانيين على مصر وأمنها القومي ورفضهم استخدام أراضيها، مثل «اقامة القواعد العسكرية على أرضها... وغير ذلك»، «من أي جهة دون علم وموافقة منها»، ومعناه أن الخلية تسوغ ما دامت قوات غير مصرية ترسو في الموانئ أو تهبط في المطارات، 4 - ولا يقتصر تهديد الأمن القومي على استخدام الأراضي الوطنية على الوجهين المذكورين، بل يتعداه الى الفساد السياسي والمالي والإداري و «حرمان الشعب حقوقه في الحرية والمشاركة السياسية واختيار قياداته ونوابه»، فالخلية الأمنية لا تهدد الأمن القومي، 5 - ويخلص البيان الى حق المقاومة «بكل الوسائل المتاحة»، وادانة «كل من يشارك في حصار اخواننا، ويمنع عنهم الدعم من الغذاء والكساد والدواء والعلاج». وهذا مسك الختام: الخلية الاستخبارية حق صراح.
والبيان المركب تركيباً معقداً يجمع مبادئ العمل الاخواني كلها، وفيها مبدأ ترك رفع السلاح بوجه «الدول». ويحرص أصحابه على ألا يؤدي جمع المبادئ الى ادانة فرع الحزب الخميني المسلح والأمني في لبنان، وستارته الفلسطينية، وألا يوحي بتأييدها الحكومة المصرية، وتبرئة ساحتها الداخلية والإقليمية والدولية، بذريعة حماية أمن مصر الوطني من الانتهاك الحزبي والخاص. والخلية الأمنية الحزب اللهية، والإيرانية مصدراً وتمويلاً ووظيفة، تصيب موضع التقاء الوطنية المصرية (وتعبير الدولة والحاكم عنها) بالرابطة الإسلامية والعروبية، من «الجسم» المصري، وعقدة الاثنتين معاً. ولعل هذا ما تريده السياسة الإيرانية، وتسعى فيه منذ استيلائها السياسي والمعنوي والمادي على معظم «العمل» الفلسطيني وأذرعته السياسية والأمنية والمسلحة والاجتماعية في فلسطين نفسها، وفي بعض دول الجوار. واضطلاع لبنان، جماعات أهلية وأرضاً و «دولة» (في الحقبة السورية والى اليوم)، بدور القاعدة أو البؤرة التي نهض عليها هذا الاستيلاء، يسرته وتضافرت عليه الحروب الملبننة والمستمرة منذ ثلث قرن.
والفصلان الأخيران من الإستيلاء الإيراني السياسي والمعنوي والمادي على «العمل» الفلسطيني النافع، أي حرب «حزب الله» واسرائيل وحرب «حماس» واسرائيل، امتحنا الموضع نفسه من التقاء الدائرتين، الوطنية والإسلامية. وكان افتعال الفصل الأخير، الحمساوي، الإيذان بتوسيع الاستيلاء الى «الأراضي» السنّية من العالم الإسلامي، وأولها مصر. فمصر هي جوار جنوب فلسطين المباشر، وبوابتها على العالم العربي وجسرها اليه، وهي الوصية على غزة التي آل أمرها اليها طوال عشرين عاماً قبل خسارتها إياها مع سيناء في 1967. ويصيبها القيد العسكري والأمني الذي يصيب اعادة سيناء الى السيادة المصرية، على نحو ما يصيب سيناء نفسها. فامتحان تعامل مصر مع غزة، في السلم والحرب، يبدو كأنه يختبر تعامل مصر مع أرض وطنية مصرية، ومع سكان مصريين. وهذا مثال محلي ووطني آخر على صورة سياسية عامة، «قومية»، صاغتها الحركة الوطنية الفلسطينية المسلحة، غداة 1967، حين نددت بـ «حرس الحدود» العرب، كناية عن تجنب حكومات دول «الطوق» ترك حدودها في عهدة منظمات فلسطينية مسلحة، تتقدم روابطها الأمنية والاستخبارية، وولاؤها «القطري» غير الفلسطيني، روابطها السياسية الوطنية وولاءها الفلسطيني.
والى هذا، تؤوي مصر الحركة الإخوانية الأم، وأعرض التيارات الإسلامية المنظمة في العالم العربي. وأم الحركات الإخوانية العربية عموماً، هي أم الإخوانيين الفلسطينيين خصوصاً. وانقسامات التيار الإخواني بعد «محنته» عن يد جمال عبدالناصر، وولادة تيار مقاتل ومراجع، أو مفاصل ومهاجر وفاتح، الظواهري أبرز وجوهه اليوم، لم تحسم (الانقسامات والولادة) ترجح الإخوانيين بين نازع وطني وسياسي اجتماعي وتعليمي، وبين آخر «عالمي»، «عابر للحدود»، ومقاتل. ولا يعدم الجناح المقاتل الأقلي أثراً في الشطر الأعظم، السياسي، على نحو ما لا يعدم هذا أثراً، ضعيفاً على الأرجح، في الجناح المتشدد. وتبعث أوقات التأزم، شأن حرب «حماس» والقوات الإسرائيلية، الجروح غير المندملة. ولا شك في أن الفصل الغزاوي والحمساوي من سياسة الاستيلاء الإيرانية الخمينية على الكتلة الفلسطينية - وهذا الفصل جزء لا يزال ضئيلاً من بناء الطوق الأمني والاستخباري الإيراني وتوسيعه الى الساحل الغربي من شبه جزيرة «العرب»، وضفتي البحر الأحمر، وبوابتيه على المتوسط شمالاً وخليج عدن جنوباً - احتُسب وجه منه على أساس استمالة الحركات الإخوانية السنّية، في المشرق ومصر، وما بينهما إذا أمكن، وعلى تقدير هذه الاستمالة.
وهذا ما لم تتأخر ثمرته في الظهور. فخرج إخوانيو سورية من الجبهة المعارضة الهشة. وهم لم يخرجهم منها فصل صيف 2006 الحربي، ولم يدعهم الى التضامن مع المحنة الفلسطينية على «الصهاينة» و «الكيان الصهيوني». ولعل هذا ما حمل طهران، ورئيسها الحرسي، على الإقدام على الفصل الحمساوي الغزاوي من الحرب «العربية» على الدولة العبرية. فغزة فلسطينية من غير واسطة عربية، أو احتلال أراضٍ في جوار فلسطين. ولا يقتضي الانتصار لها، تالياً، إقدام دول عربية ثالثة على الانتصار المرجو. و «الحكومة» فلسطينية واخوانية ومنتخبة ومنفردة بحكم غزة. فلا يحتاج الأمر الى رعاية حكومة «مركزية» تتنازعها موجبات متناقضة أو متفرقة مثل تقليل الخسائر المدنية والمادية، ومراعاة المصالح والآراء المنقسمة، أو مثل العهود الدولية والاختيارات السياسية الاستراتيجية والدستورية. وهو ما اضطر فؤاد السنيورة، ومن سانده، الى مراعاته. وسمى الحزب اللهيون الحال هذه، أي الموجبات المدنية والسياسية والدولية والمادية واعتبارها، «طعناً في الظهر». وسوغوا، بلبنان، عدوانهم المزمن والمتمادي على الدولة والمجتمع والحقوق المدنية والسياسية، بطلب «أمنهم» الخاص والمستقل عن الالتزامات هذه كلها. وغزة الحمساوية والإخوانية هذه سنّية، وليست شيعية إمامية على غرار معظم جنوب لبنان ومعظم «الضاحية» ومعزلها المنكفئ وخندقها.
فلا غرابة في انهيار الجبهة المعارضة السورية هذه المرة. ولم يعدم الفصل الحمساوي والغزاوي أثره في المملكة الأردنية الهاشمية. فاستيقظ اخوانيو الأردن على هموم «ديموقراطية». ونعوا على العاهل الأردني، وعلى العشائر، وعلى الديموغرافيا أو الميزان السكاني، صدارة «الأردن أولاً»، والتزامات الدولة الكيانية والأمنية والسياسية والمادية، على موجب التضامن مع المنظمة الإخوانية الأهلية والأمنية الفلسطينية. وتضافر ضعف أجهزة «حماس» والرد الإسرائيلي «غير المتكافئ» في المبدأ العسكري الردعي، والإعلام التلفزيوني الجزيري و «الإنساني» (الدموي واللحمي)، تواطأت هذه على تهمة سياسة الدولة الوطنية، وسعيها في سلامة النفس، بالتنصل من «القضية»، ومخالفة الإرادة الشعبية. وفي لبنان نفسه، أضعفت «الجماعة الإسلامية»، وهي منظمة الإخوانيين المحليين، التحفظ السني عن السيطرة السورية وتحريكها جماعاتها المحلية، ماضياً وحاضراً. ولم يبق الزعيم الدرزي الشوفي وليد جنبلاط بمنأى من الأثر الغزاوي الحمساوي. فرفد التعاطف مع غزة وانبعاث العروبة وفلسطين، والميل السوفياتي الأصيل، صدوعاً بالتهويل الحزب اللهي والإرسلاني بذر الحرب الأهلية في الصفوف الدرزية والجبلية نفسها.
وعلى هذا، فالاستقواء الإيراني الخميني بالكتلة الفلسطينية النافعة والمقاتلة على العالم العربي، وبلدانه وجماعاته وجماهيره، لا يعدم مبررات وأسباباً وعوامل فاعلة ومؤثرة. وضعف بعض اخوانيي مصر، ومن القرائن عليه استمالة الإخواني المصري نصار جبريل الى شبكة «سامي شهاب» المزعوم (محمد يوسف أحمد منصور) والمصدَّق من الإدارة اللبنانية المخترقة، بإزاء الاستخبارات المعرَّبة، انما هو غاية سعى فيها الجهاز الأمني الإيراني، وتوسل اليها بوسائل استخبارية سياسية وايديولوجية ومادية مناسبة ومكافئة. فليس ثمة أنجع من «العمل» الفلسطيني، على النحو الذي تمثل عليه المنظمات المقاتلة اليوم، أداة تدمير للدولة الوطنية الإقليمية، ولمؤسساتها وحياتها السياسية. فـ «العمل» هذا، في واقعه، ينصب مشروعية فوق المشروعية الوطنية المقيدة، ويضع مقاليدها بيد مدعيها من غير رقابة ولا قيد. وهو يهول بالحرب الأهلية، ويسوغها سلفاً، ويلقي بتبعتها والمسؤولية عنها على عاتق الوطني المقتصد بالأرواح والأرزاق.
وفي خلاف المشروعيتين، على نحو ما ظهر في العمليتين العسكريتين الأخيرتين، يسع المنظمة العسكرية والأمنية الأهلية المزاودة على الدول وكياناتها، من غير رادع سياسي أو عملي وأخلاقي، على ما ترغب المنظمات هذه في ايهام جمهورها (وهي، حقيقة، تتستر على انصياعها المادي لمعايير الخسارة والربح بخطابة هاذية). وعندما يفتي خطيب الحزب الخميني المسلح في لبنان في السياسة المصرية المناسبة والقويمة، في أثناء الفصل الغزاوي الحمساوي من حملة الاستيلاء الإيرانية، فمرجع فتواه شأنه في الفتاوى «اللبنانية»، هو انجازاته «الفلسطينية» المفترضة في ميدان مقاتلة القوات الإسرائيلية. فالإنجازات هذه، وهي أقل من حماية الأراضي اللبنانية واللبنانية من العدوان، تقوم مقام التكليف «الشرعي» اللاحق والمرسل. وشرطها هو الحرب الأهلية، أو الحروب الأهلية المتناسل بعضها من بعض لا الى غاية. فلولا رعاية السياسة السورية تحويل لبنان واللبنانيين أرضاً سائبة (أو أرض سباء وحرب على خلاف المخزن المغربي والأمان الإسلامي)، وحؤولها المستشرس والعملي دون انبعاث الحياة في أوصال سياسة لبنانية متوازنة، ولولا «اعتياد» شطر من اللبنانيين «الموت» والقتل والدمار والولاء من غير سؤال، لما وسع طهران وأجهزتها الاستيلاء على «العمل» الفلسطيني.
وترجمة الإخوانيين المصريين الأمن القومي المصري «حقوقاً» سياسية وطنية وديموقراطية على الحكم المصري، وهي حقوق ملحة وثابتة ولكن سندها ليس «المقاومة» ولا «العمل» الفلسطيني ولا المسألة الفلسطينية، الترجمة هذه تعمية متعمدة. فانتهاك الحقوق هذه انتهاكاً «قانونياً»، على ما هي الحال بإيران وسورية وغيرهما، أو واقعياً، على ما هي الحال في مناطق وبلاد الاستيلاء الحزبي الأمني، لا يستثير احتجاجاً ولا مطالبة أو تلميحاً. ولعل خلط المسألتين والمشروعيتين، وحمل الواحدة على الأخرى، في صلب تخريب المخاطبة السياسية و «الإعلامية» في المجتمعات المنكوبة بمنظمات مسلحة أمنية واقليمية من الصنف هذا.

الاثنين، 20 أبريل 2009

كبار دولتها يخاطبون المؤتمرين... دمشق تستضيف مدعوين يناقشون علاقتها بلبنان

الحياة - 20/04/09
على مثال مجرَّب ترتبت عليه عواقب وخيمة، ومحن لم تنته فصولاً، دعت دوائر سياسية وإدارية سورية عشرات من المتعلمين والمعلمين والسياسيين اللبنانيين إلى الانتداء بدمشق، وتناول «العلاقات السورية – اللبنانية». وتعهّدت المؤتمر نائبة الرئيس السوري نجاح العطار، وافتتحته. وتناول المؤتمر فيما تناول من المحاور موضوعات مثل «ثقافة واحدة، نضال مشترك، مصير واحد»، و «النضال اللبناني السوري ضد المشروع الصهيوني». ويزعم المضيف السوري الاضطلاع بدورين متلازمين. فهو يدعو الى «النظر» في مرحلة أو حقبة من العلاقات كانت له فيها ولا تزال اليد الطولى في تصديع الدولة اللبنانية، وكسر ميزان العلاقات بين الجماعات اللبنانية، و «تخزين» الفلسطينيين ومنظماتهم المسلحة في لبنان، وإحلال الاستخبارات والاقتتال والاغتيال والنهب محل الانتخابات والتحزب والتكتل – وكأنه باحث أو مؤرخ أو قاضٍ يقضي في مسألة انتدب الى القضاء فيها باسم القانون. هو يتكلف موقّع من طوى الصفحات السوداء، وتنصل من تبعاتها. ويتقنع بقناع الطرف «المدني» الذي يخاطب طرفاً مدنياً مساوياً له ونداً.
وهو، من وجه آخر، يختار من يدعوهم. فيتعمد دعوة من يمتون إليه، وإلى أنصاره المحليين وصنائعه، بالولاء المذهبي والسياسي والأمني. فيختارهم من قلب الإدارات والهيئات التي استولوا عليها من طريق نفوذه وأمره ونهيه واصطناعه، وأدى استيلاؤهم إلى تخريب الهيئات والإدارات، وتحويلها مقرات حزبية أو منابر تحريض. ويلبي المدعوون الدعوة غير منكرين ما تنطوي عليه أو تفترضه من انحياز إلى سياسة أخرجها مواطنوهم شبه مجمعين من بلدهم. ويُنصَّب سياسي لبناني، مسيحي (كاثوليكي) من الجبل، وكتائبي سابق، وإحدى أدوات التأليب والتفريق الداخليين، متكلماً باسم «قيادات الفكر» وخطيباً في المؤتمرين، وحسيباً عليهم.
ويتستر المضيف الرسمي على قناعيه ووجهيه بكلام معسول كذبته وفضحته عقود من الاستيلاء والتعسف. فذهبت «رئيسة» المؤتمر إلى الثناء على «التنوع والوفاق» اللبنانيين. ورئيساها، الحالي وسلفه، لم ينفكا يسوغان تدخلهما الأمني والعسكري والإداري الفظ بعجز اللبنانيين عن إدارة شؤونهم، وتناحرهم الطائفي، وميل شطر منهم (المسيحي أولاً) إلى الغرب المستعمر، و «الصهيوني»، على «العرب» والعروبة، وسورية تجسيدها، على ما قال سليم الحص، رئيس الحكومة «الناصري»، في المؤتمر وسبقه الى القول محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الراحل. وقاد الكلام المعسول، وعسله من المناسبة السياسية و «الفكرية» المختلطة، نائبة الرئيس السوري الى الإفراط والغلو في القول: «كان لبنان في عروبته درعاً للعروبة». وترجمة القول المفرط هذا أن انقياد اللبنانيين، مكرهين أو طائعين، الى الاستيلاء السوري، في 1989، مكن ساسة دمشق من تولي الدور الأمني والديبلوماسي النافذ في القضية الفلسطينية وفروعها، وحماهم من المطالبة الداخلية الديموقراطية ومن المحاسبة الإقليمية والدولية، ونصبهم «مقاومين» ورعاة «مقاومة» حين هم طلاب نفوذ ومنافع مقيدون بضعفهم السياسي والاجتماعي التكويني.
وتوهم حاضنة المؤتمر «الفكري» بعض اللبنانيين المؤتمرين، ومن وراءهم، بمراجعة ساسة سورية سياساتهم في لبنان. فتشرك أصحاب السياسات هذه، ومخططيها ومنفذيها الى اليوم، في شكوى المبتلين بها، وإن لم يكونوا ضحاياها الخالصين، وكأن المبتلين وأصحاب السياسات واحد في المسؤولية، وواحد في البلوى، وواحد في الشكوى. فتقول: «لا سبيل الى انكار المحن السوداء التي ألمت بنا والتداعي الحزين الذي أصابنا». فينبغي على «المفكرين» اللبنانيين الذين لبوا الدعوة الرسمية السورية الى المناقشة كفكفة حزن السيدة القائمة مقام رأس الأجهزة العسكرية والأمنية التي تولت «تصريف» حروب اللبنانيين و (بعض) سلمهم طوال عقود ثلاثة. وعليهم نسيان الملمات (من تلقاء نفسها ألمت؟) السوداء و «الحالكة»، و «تجاوزها» في سبيل الصد عن «الصخرة السورية – اللبنانية» الواحدة. وهذه صخرة واحدة في ختام العقود الثلاثة أو الأربعة التي تقطع فيها لبنان واللبنانيون في رعاية سورية وارفة. واجتمعت «الصخرة» المزعومة من تقطع اللبنانيين، وتحللهم حبات رمل وحصى، فكها ساسة سورية حاجزاً حاجزاً، وطلقة طلقة، وعصابة عصابة، من الأجسام اللبنانية.
ويوكل المضيف الرسمي خطبة الشرف الى رئيس وزراء سابق، مسلم سنّي وعروبي يفترض نداً وكفواً لرفيق الحريري وخالفيه على «الزعامة» الوطنية اللبنانية، اعتزل «السياسة» النيابية، ولبس عمامة المرشد والمفتي «القومي» باسم «الضمير». ولا يحول هذا بينه وبين تناول الحوادث الصغيرة واليومية، وردها الى الأصول، اختصاصه. والخط «الأصولي» الذي ينتهجه يلاقي على الدوام السياسة السورية المحلية والإقليمية، ويسبقها. وفي الخطبة المؤتمرية يستعيد الخطيب قولة حافظ الأسد ان «سورية ولبنان» «شعب واحد في دولتين». ويردد شعار «العلاقات المميزة»، ويدعو إلى دوام «المجلس الأعلى»، وهو الدائرة السورية «القومية» التي أوكل إليها الرئيس السوري السابق تنظيم الاستيلاء السوري وتقنينه اتفاقيات ونظماً. وعن الأصول هذه و «العناوين» صدرت الأفعال التي ملأت «العلاقات السورية – اللبنانية» «ضجيجاً وغضباً» أو دماً وضغينة وثارات.
ولا يستهول الضيوف اللبنانيون، وفي مقدمهم سليم الحص الشاهد على «عذابات» الياس سركيس و «آلامه» غير الفصحية، مماشاة الأصول والعناوين التي سوغت السياسات المدمرة. وعلى نحو يحمل دمغة هذه السياسات، يرد الرئيس السوري على رئيس الحكومة سابقاً، فيعلن قبوله إلغاء «المجلس الأعلى» العتيد على شرط طلب اللبنانيين «مجمعين» الإلغاء. فهو، على هذا، سيادي لبناني فوق بعض اللبنانيين. والمزاودة هذه، وهي من غير مؤونة ما رُبطت بإجماع عصي صنعت السياسة السورية بعض استعصائه، نموذجية. فساسة سورية في لبنان (وفلسطين والعراق والأردن...)، على الصورة التي يريدون المثول عليها، لا يتخطون استجابة الدعوات والاستغاثات، ونجدة المستغيثين. وأما دورهم في صنع الأحوال التي تحمل الداعي والمستصرخ الى فعله فيسكتون عنه. وهذا، من غير ريب، بعض «المحن» السود التي ألمت «بنا» جميعاً. وهم يَبعثون من اللبنانيين من يزاود عليهم قومياً وأمنياً وفلسطينياً وعداءً لمقومات الاجتماع السياسي اللبناني وموازينه.
ولكن «الزعيم» السني والعروبي المفترض لا يقتصر على التفاصيل هذه. فهو يعلوها، ويحلق فوقها، ويبسط عليها جناحيه الوحدويين والتاريخيين. ويشرط «حتمية الوحدة العربية في يوم من الأيام، مهما طال الزمن» – وهو زمن نبه كينز، الاقتصادي البريطاني الأشهر، الى انتفاء السياسة منه وانتفائه من الحساب السياسي، فهو «يوم موتنا كلنا»، واستحالة شهودنا على ما نصنع – يشرط الحتمية هذه بتنميتين: اقتصادية وديموقراطية. ويغفل الخطيب عن اضطلاع ساسة سورية في سورية نفسها وفي لبنان، منذ أربعين عاماً على التقليل، بمحاربة التنميتين هاتين، وعرقلتهما، وتخريبهما حيث قدروا وطاولت أيديهم. فهم، على ما تشهد الدراسات الاقتصادية وعلى ما يقر بعض نواب رؤساء الحكومات السورية التقنيين، عزلوا المجتمع الســوري بـذريعة الاسـتقلال والتنـمية الـذاتية عن دوائر التبادل الإقليمية والدولية. وتصدوا لكل ما من شأنه استفادة جماعات أهلية سورية، غير جماعتهم الأهلية، منه ومن إجراءاته. فالحرب السياسية والاجتماعية التي يشنها الطاقم الحاكم الأهلي على جماعات غير موالية، نجم عنها توسيع الفروق بين الجماعات، ولجم تقدم السوريين جميعاً وكبله.
والحق أن آراء السياسي اللبناني السابق، و «المفتي» العروبي السوري الدائم (فهو يقصر عروبة اللبنانيين على دمشق وحدها)، لا تقيده، ولا تقيد أمثاله ولا من يأتمر بهم ويقلدهم، في شيء. فهو يحسب أن «ليبرالية» مضيفيه تتيح له الغمز الرفيق والمهذب من توكيل «جهاز الاستخبارات السوري (...) بإدارة العلاقة بين البلدين الشقيقين (...) فتمادى في تدخلاته حتى في شؤون لا تعنيه...». وعلى جاري عادة «دولته»، و «دولة» من يحسبون أن الكلمة أو العبارة تقوم مقام التأويل والتعليل وتنتصب معيار عمل، يغفل «الرئيس» السابق تناول التوكيل ومصدره، وقصور الموكل عن مراقبة التمادي. ويهمل إهمالاً يفوق الظن ثقلاً وتبعة، تناول آثار التوكيل والتمادي الاستخباريين في التنميتين العتيدتين، من وجه، وفي الوحدة المرجوة والآتية لا ريب ولا محالة (من غير مناقضة «الديموقراطية»)، من وجه آخر. فكيف يوكل التمثيل على الوحدة وسياساتها الى طاقم سلطة يرتكب مثل التوكيل هذا؟ وكيف تنصب هذه السـياسـات، ومفاعيلها المدمرة في التنمية الاقتصادية والتنمية الديموقراطية هي ما هي عليه، «ممراً» الى الوحدة، وباباً عليها؟
ولعل حكمة «دولته» قادته، بعد تأمل عميق ومديد في الأحوال اللبنانية، والأحوال الفلسطينية، وفي أحوال «الوحدة» وشروطها، لعلها قادته الى تأييد «حزب الله» على مصر، ودعوة مصر الى تعليق الأوسمة على صدور «سامي شهاب» وأصحابه. فـ «دولته» يشهد بمصر وفي مصر، في خريف العمر، المديد بإذنه، ما شهده في شبابه ومطلع كهولته في لبنان، قبل أن يدعى الى رئاسة الحكومة ولايات مديدة أثمرت الحكمة والتجربة العظيمتين والمشهودتين، وبعد أن دعي. ولعله يحسب، «مهما طال الزمن»، أن خير مصير يرجى لمصر والمصريين هو تعهد «حزب الله» أحوالهم وأحوالها، وتوكيله برعاية الأحوال هذه. فيعقد، بعد نيف وأربعين عاماً، مؤتمر بدمشق يناقش العلاقات الحزب اللهية والمصرية ودروسها.

الجمعة، 17 أبريل 2009

الشبه بين البلدين يبلغ حدّ المحاكاة ... كوريا الشمالية وإيران نظامان نوويان وصاروخيان في دائرتين إقليميتين مضطربتين

الحياة - 16/04/09
لا تشترك المبادرتان «النوويتان»، الكورية الشمالية والإيرانية، في تقارب وقتيهما (3 نيسان/ ابريل و9 منه) وحده. فإطلاق بيونغيانغ صاروخاً باليستياً يبلغ مداه النظري 7 آلاف كلم، يطاول الألاسكا، ويختبر إطلاقُه حمل رأس نووية في مرحلة لاحقة، من وجه أول، وإعلان طهران امتلاكها مصنعاً للوقود النووي واخـــتبارها أجـــهزة طرد مركزي أقوى من الأجهزة العاملة الى اليـــوم وفي مقـــدورها تسريع انتاج اليورانيوم المخصب وصناعة «الكعكة»، من وجه آخر، عاملان في سياقين إقليميين مضطربين، ويزيدهما العاملان اضطراباً وخلخلة. وتلتقي الحادثتان على انتهاك الانتشار النووي، وإضعاف سياسة تقييده وحظره، على نحو ما تتضافران على زعزعة الدائرتين الإقلميتين اللتين تنشط فيهما الدولتان أو النظامان، الشيوعي الستاليني والإسلامي الخميني. ويسوغ كلا النظامين سياسته النووية والصاروخية الباليستية - وصناعة القنبلة وتركيبها في رأس صاروخ وجهان لمسعى واحد - بحماية نفسه وشعبه وثورته من «العدوان» الإمبريالي الغربي، ومن الهيمنة على مصائر الشعوب.ويتستر النظامان على برنامجيهما العسكريين بالتقدم العلمي والتقني السلمي الذي يسعيان فيه، وتريد الهيمـــنة الغربية الدولية حرمان شعبيهما منه. فزعم نظام كـــيم إيل - جونغ ان الصاروخ جزء من مختبر أبحاث فضائية، وخطوة على طريق «الاستقلال العلمي» الذي يتــــولى نظام المجاعة شمال شبه الجـــزيرة الكورية تعهده ورعايته. ولا تحصى تصريحات علي خامنئي وعلي لاريجاني وهاشمي رفسنجاني ومحمـــود أحمدي نجاد ومحمد حسين فضــل الله في مديح إنجازات العلماء الإيرانيين «الشباب» في ميادين الزراعة والطـــبابة بالأشعة والكيمياء الصناعية التي تفضلت بها الأبحاث والمختبرات النووية على شعوب إيران والأمة الإيرانية. ولا ينكر ملا واحد من «آيات» الولاية والفقه أو ضابط من ضباط الحرس الثوري ما كتبته صحيفة الحزب الشيوعي غداة إطلاق الصاروخ، والزعم أنه وضع قمراً اصطناعياً في مدار حول الأرض. وكتبت الصحـــيفة بلغة «إيرانية»: «هل هناك بلد مثل كوريا الشمالية ينجح في إرسال قمر اصطناعي بتكنولوجيته الخالصة فيما يرزح تحت أسوأ الظروف من عزل وضغط يفرضها الإمبرياليون؟».فالعلم النووي، كورياً (شمالياً) كان أم إيرانياً «جمهورياً» معمماً وحرسياً، سياسي في المرتبة الأولى. ووظيفته الأولى هي رفع مرتبة النظام الحاكم في كلا البلدين، وإرساء سلطة طاقمي الحكم فيهما على ركن مكين. ويذهب النظامان، على رغم الفرق العميق بين سنديهما الاعتقاديين والأيديولوجيين، الى أن الذرة والصاروخ الباليستي البعيد المدى، عَلَم مشترك على مهمة سياسية تاريخية نهضا بها، وما كان ليسع نظاماً غير نظاميهما الحاكمين القيام بها وإنجازها. فهي «انتصار» عظيم على منافسي النظامين المحتملين في الداخل. وهؤلاء أعداء، والشعب الكوري الجنوبي ليس إلا «مجموعة لي ميونغ - باك (الرئيس الكوري الجنوبي) من الخونة»، على ما تقول فيهم صحيفة بيونغيانغ الشيوعية. وهم «مهووسو حرب يَصِمون بإهانات حاقدة ما ينجزه إخوتهم». وتستذكر «الاخوة» في معرض التحريض على دولة الجنوبيين على نحو ما يستذكر الإسلام في معرض الدعوة الخمينية الى القيام على «الحكام». ومن أيسر الأمور تعرف اللغة الخمينية في شَقّ الداخل، إيرانياً كان أم لبنانياً أم فلسطينياً أم عراقياً أم يمنياً أم بحرانياً أم مصرياً، وإخراج شطره المتحفظ من الشعب والدولة، ورميه بالخيانة والعمالة والمروق.والمهمة النووية والصاروخية المنجزة «انتصار» على أعداء الخارج أعظم من الانتصار على من ليسوا إلا صنائعهم وفروعهم وأذنابهم في الداخل. ويوكل الى الصناعة النووية والاقتباس الصاروخي - فشهاب 3 «الإيراني» نسخة عن تايبودونغ 1 «الكوري» المقتبس على نسخة صينية - جمعُ الداخل القومي والعصبي كتلة مرصوصة وواحدة على مجتمع دول تسوده شريعة الغاب الظالمة والفوضوية، وضد هذا المجتمع. ويمسي الدفاع عن الإنجاز النووي دفاعاً مستميتاً عن النظام الاستبدادي الساحق، صاحب الانجاز المزعوم، ومسوغاً للحفاظ على حال طوارئ دائمة، ومعياراً صارماً للتمييز بين «الأصدقاء» القلائل وبين «الأعداء» الكثر.فحال الحرب، في علاقة أجزاء الشعب والمجتمع بعضِها ببعض وفي علاقة الدولة بمجتمع الدول، لا مثيل لها في خدمة دوام نظام مستبد، تتهدده إدارته الفاسدة والقاصرة وعزلته بانقلاب رعيته عليه. وهي تسوغ تصدر القوات المسلحة، النظامية أو شبه النظامية (الحرس الثوري أو الميليشيا الحزبية)، السلطة وطاقمها، وتلحق مرافق الإدارة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالقوات المسلحة، وترجح رأيها في صراع الأجنحة على الحكم. ولا يكذب ترجيح جانغ - سون ثايك لخلافة كيم جونغ - إيل، بعد جلطته الدماغية على ما يحسب المراقبون، ووصايته على أصغر أولاد الديكتاتور الشمالي، كيم جون - أون، لا يكذب الحسبان هذا، على رغم ضعف رابطة جانغ بالجيش، صدارة دور الجيش. والشعار الكوري المعلن هو «الجيش أولاً». ففي بيانغيانغ، وفي طهران، على حد سواء، قد يتولى أمين عام الحزب الشيوعي أو المرشد التحكيم بين الأجنحة المتصارعة، وتمثيل «مصلحة النظام» في مجملها، ولكن تحكيمه يصدر عن بنيان سلطوي تجسد هيئاته من غير لبس أولوية الحرب والقوات المسلحة في الداخل والخارج.فقد يكون جانغ - سون ثايك، الوصي على ولي العهد الكوري الشيوعي المزمع، خبيراً اقتصادياً في المرتبة الأولى، وصهر كيم إيل - جونغ، ويدين الى صفتيه هاتين، وعلى الأخص الى الثانية، بوصايته أو ربما ولايته، ولكن لا مناص من عضوية لجنة الدفاع مدخلاً الى الاضطلاع بدور بارز في مثل هذه الأنظمة. ولا مناص من رئاستها إذا كان الدور هو الأول، على ما هي حال ابن كيم إيل - سونغ. والأمين العام، شأن المرشد، هو القائد الأعلى أولاً. وقائدا الجيش والحرس هما ممثلاه على رأس القيادة. والحق أن الفروق التقنية هذه ضعيفة الدلالة. والأمر الحاسم هو طغيان منطق الحرب على سياسة الدولة، وعلى ديبلوماسيتها.فإطلاق الصاروخ الكوري رافقته تعبئة أحد أضخم جيوش العالم عدداً، وهو يبلغ 1.19 مليون جندي ونحو 7 ملايين احتياطي هم معظم الذكور والإناث الكوريين الشماليين في سن القتال (16 - 40 عاماً). ودارت مناقشة علنية لعلها من أغرب السجالات الديبلوماسية، بين «الدولة» النووية المحدثة (منذ 2006 على الأرجح) وبين بعض أقطاب الدول الكبيرة. فأصحاب الصاروخ العابر القارات لا يقتصرون على اختباره فوق اليابان، وترويع اليابانيين به على شاكلة ما فعلوا حين اختبارهم صاروخهم الأول في 1998، وكان مداه 2300 كلم. فهم يخوّفون اليابانيين اليوم، وحلفاءهم الأميركيين الذين يرابط 40 ألف جندي منهم في قواعد عسكرية، الجمع بين السلاح النووي وبين السلاح الصاروخي، ويتهددون اليابانيين والأميركيين بإعمال السلاحين معاً. ولكنهم يحذرون مَن يهددونهم على هذه الشاكلة من حماية أنفسهم من التهديد. فما أن أعلنت الحكومة اليابانية عزمها على التصدي للصاروخ وإسقاطه إذا مر فوق أراضيها حتى لوحت القيادة الكورية الشمالية بإعلان الحرب على اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة معاً، وتدمير «أهداف رئيسية» في اليابان وإلحاق «هزيمة بالولايات المتحدة وكوريا الجنوبية».ولما «اقتصر» الصاروخ على اجتياز 3200 كلم، أي 900 كلم فوق ما اجتازه الصاروخ الأول قبل 11 عاماً، وسقط في البحر الشرقي، اتهمت بيانغيانغ طوكيو التي قالت انها عازمة على انتشال بقايا الصاروخ في المياه الدولية بـ «التجسس» و «الاستفزاز» و «انتهاك الحق السيادي». فمنطق نظام كيم جونغ - إيل الحربي يقضي بتخلي الدول التي يهددها نظام المجاعة الاستبدادي بالسلاح النووي المحمول عن دفاعها عن نفسها، ويريد قسرها على الاحجام عن فضح مزاعم النظام العلمية والتجريبية، وكذب ادعائه أن الصاروخ يحمل قمراً اصطناعياً «يبث نشيدي المارشال كيم إيل - سونغ والجنرال كيم جونغ - إيل».وحين تدعو القيادة الإيرانية الحرسية العرب، والمسلمين كلهم، الى الابتهاج بأجهزة الطرد المركزي الإيرانية، وبتخصيبها اليورانيوم بنسبة 3 - 4 في المئة تمهيداً للتخصيب بنسبة 90 في المئة، وبتحايلها على مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقاريرهم ، فهي لا تعدو الاحتيال والتهويل الكوريين الشماليين. وذريعتها أن القوة «العلمية» الإيرانية هي حليفة العرب، ومظلتهم الواقية من العدوان الأميركي، وطليعة حربهم على الدولة العبرية الغاصبة. ويبرر هذا في نهاية المطاف، وفي ابتدائه، انتداب القيادة الإيرانية الحزب الخميني المسلح الى تقويض لبنان، ورعاية التسلط السوري الأسدي، وتأليب العراقيين بعضهم على بعض، والتواطؤ مع «القاعدة» في غير بلد وميدان. ويبرر دعم «حماس» لوجستياً، أي أمنياً ومالياً وتهريباً، على المصريين، على نقيض سلامتهم وأمنهم وسيادتهم.ويحظى البلدان الساعيان في جمع السلاح النووي والصواريخ الباليستية بـ «اعتدال» السياستين الروسية والصينية وتفهمهما. فلا يحرجهما انتهاك حرسيي كيم جونغ - إيل قرار مجلس الامن 1718 انتهاكاً حرفياً، على نحو ما لم يحرجهما الى اليوم انتهاك حرسيي علي خامنئي قرارات مجلس الأمن 1737 و1747 و1814. وتدعو كلها قيادتي البلدين الى الامتناع من المضي على اختباراتهما وتجاربهما السرية، وتنزل بالبلدين عقوبات اقتصادية وتلوح بتشديدها. ولم يحمل الاضطلاع بمسؤوليتهما الدولية. ويُفترض أنهما متضررتان من انهيار كوريا الشمالية تحت وطأة المجاعة وهجرة ملايين الكوريين، في حال الصين، ومن امتلاك الطاقم الحاكم الإيراني والحرسي سلاحاً نووياً وصاروخياً متوسطاً أو بعيداً، في حال روسيا.ولكن الدولتين الشيوعيتين، وكانتا شيوعيتين معاً الى وقت قريب، تتقاسمان الى اليوم حذراً من اليابان قد يبلغ حد التحفظ. فروسيا تحتفظ من الحرب الثانية بجزر في شمال اليابان تتمتع، الى النفط، بموقع استراتيجي بارز، وتحاول، منذ أعوام، المساومة على الجزر اليابانية هذه لقاء استثمارات ضخمة في سيبيريا. وترى الصين الى اليابان، القوة الاقتصادية العالمية الثانية، والحاجز بوجه النفوذ الصيني الإقليمي وحليف الولايات المتحدة بشرق آسيا، والطامعة في مقعد دائم بمجلس الأمن، والدولة الامبريالية السابقة التي احتلت أجزاء واسعة من الصين وارتكبت المجازر في بعض مدنها الكبيرة - ترى الى اليابان خصماً ومنافساً لا بأس بتسليط «الأزعر» الكوري عليه. واشترك ماوتسي تونغ الصيني وجوزيف ستالين «السوفياتي»، في 1951، في إحدى أشرس الحروب الاهلية والإقليمية في أثناء الحرب «الباردة». وأعمل الزعيمان الشيوعيان حزب كيم إيل - سونغ، والد الحاكم المريض الحالي، في مجزرة قتلت نحو 3 ملايين كوري وصيني و35 ألف أميركي. وكان مدار الحرب هذه على اليابان، وإخراجها من الحلف الأميركي، والحؤول دون انبعاثها، على مثال ألمانيا. وتحتفظ الصين ببيانغيانغ ثمناً تقايض به توحيد الصين، وضم تايوان. ويقتضي هذا «التهدئة» فعلاً.وفي الأثناء يبلغ الشبه بين إيران الخمينية وبين كوريا الشمالية الشيوعية حد المحاكاة: فمهدت كوريا لصاروخها باعتقال صحافيتين أميركيتين من أصل كوري. واقتصرت إيران على صحافية واحدة هي روكسانا صبري. ولكنها لا تزال سباقة. فهي قتلت الصحافية الكندية الإيرانية زهرة كاظمي قبل ستة أعوام.

الثلاثاء، 7 أبريل 2009

في الذكرى التسعين لثورة 1919 المصرية ... ذاكرة المنعطفات التاريخية تتبدد في لجة البدايات وسدرة النهايات


المستقبل، 5/4/2009

تحول أثقال التواريخ "العربية" المعاصرة بين أهل التواريخ هذه، وأوطانها وبلدانها، وبين الاحتفال بحوادثها العظيمة ومعالمها. ويقصد بالاحتفال، في معرض التاريخ وحوادثه ومعالمه، الوقوف على المنعطف، على معانٍ منها المعنى الشعري الجاهلي والإسلامي معاً. فالعودُ بالذاكرة والمشاعر والتدبر الى ثورة 1919، المصرية السعدية، من سعد زغلول، في بلوغها التسعين عاماً (حمدي رزق، "نوافذ" – "المستقبل" اللبنانية، 22 آذار 2009)، دونه حواجز وصوارف كثيرة. فمنها انشغالنا بما نحن، لبنانيين و "عرباً" (على رغمنا أو رغم بعضنا)، بما نحن فيه من بلايا أو انتصارات تتنازعنا تسميتها وصفتها. والبلايا أو الانتصارات، أياً كان رأينا فيها، تستغرق انتباهنا وطاقتنا على الانفعال والإلمام والإدراج في جمل زمنية دالة، اولاً. وهي تكرهنا على الانشداد الى ماض من المواضي المتاحة، أو على تقديم ماض على آخر، أو على إنكار رابطة أو آصرة بماض من مواضينا، ثانياً.
فبيننا وبين حوادث 1919 المصرية واللبنانية (الانتداب ولبنان الكبير والحركات أو العصابات) والسورية (ميسلون و "الدول") والفلسطينية والأردنية (التقسيم والإمارة والهجرة الاستيطانية) والعراقية (المقاومة أو الثورة والاحتلال وتنصيب فيصل وتوحيد ما بين النهرين)...- منعطفات ومعالم كثيرة: 1936 والحرب الثانية والاستقلالات وبدايات الدول الوطنية والجلاءات و1948 الانقلابات والمنازعات الإقليمية و1967 والحروب الداخلية والإقليمية الى اليوم. والمنعطفات والمعالم الكثيرة تعصى النظم، اللهم على وجه التسليم، العقائدي واللفظي، بناظم مشترك وجامع. وضعف الناظم المشترك، أو تقصيرنا على تبينه ونسجه وحبكه، يترك مجتمعاتنا وجماعاتنا نهباً لوقائع من غير لحمة ولا معنى، ويتركنا، نحن اهل المجتمعات والجماعات، من غير تراث ولا روابط سياسية نتدبرها ونريدها، وننقسم عليها ونجتمع على تدبير انقساماتنا.
وإذا كتب حمدي رزق: "في مشروع سعد زغلول الذي انفجر في ثورة 1919 ليصبح مشروع كل المصريين، انتهت مراحل المخاض، وعرفت طبقة الأفندية – الطبقة الوسطى – طريقها، وتحددت الشخصية المصرية في اللحظة ذاتها التي تحدد فيها المشروع الوطني المصري. الشخصية المصرية انصهرت سبيكتها في ثورة 1919، فأصبح المصري حاسماً لهويته التي تدمج الانتماء لمصر بالعروبة والإسلام في بوتقة واحدة، وأصبح المشروع الوطني المعبر عن هذه الشخصية هو الاستقلال التام عن بريطانيا وعن العثمانيين ايضاً، ووحدة مصر والسودان تحت التاج المصري، ووجود حياة ديموقراطية ونيابية سليمة، وكل هذا في إطار دولة عصرية علمانية تقدس المواطنة، ولا تفرق بين مواطنيها لدين أو عرق أو لون" – وهو كتب هذا كله سبيكة واحدة – لم يتبين القارئ خيط التأريخ والتاريخ من خيط الحلم الوردي، جامع النقائض والأضداد في ختام لا تلية له.
والقرينة على الاسترسال مع الحلم، وعلى طلبه، استعمال الكاتب، على سنة مصرية ليس جمال حمدان آخر أخبارييها، لفظة "الشخصية"، كناية عضوية وذاتية واحدة عن أحوال ومنازع تيارات وجماعات وهيئات كثيرة. ولا تنفك التيارات والجماعات تنقسم وتختلف وتأتلف، وتصوغ علاقاتها على مقادير متفاوتة من الاستقرار والاستواء حيناً، ومن الاضطراب حيناً. و "البوتقة الواحدة" قد تكون مثالاً لا يدرك، تأتم به جماعة من المتعلمين والموظفين "المتعالين" عن المصالح والأهواء الفئوية والحزبية. ولكن اعتقادها او حسبانها واقعة ناجزة يقضي بحمل حوادث التاريخ المصري مذ ذاك على سوخ السبيكة، وفك لحمتها، من غير علة. فلا يفهم ولا يعقل، والحال هذه، انقسام المصريين وفديين (على وجوه تأويل الوفد أو الوفدية) وإخوانيين (منذ 1928 – 1929)، بعد أقل من عقد واحد على 1919. ولا يفهم إنكار الضباط الأحرار ومعظمهم من منبت اجتماعي وفدي، طوال عقد طويل من السنين (1952 – 1962، الى حين إنشاء الاتحاد الاشتراكي)، التحدر من الصلب المجتمِع هذا.
والحق ان النظر من قرب الى بعض حوادث "1919" – وهي استطالت الى آذار 1922، تاريخ إعلان "الاستقلال التقني"، فإلى نيسان 1923، إعلان الدستور المصري قبل عودة سعد زغلول من المنفى، فإلى الشهر الأول من 1924 وتولي سعد زغلول وزارته الأولى – يُظهر اعتمالَ انقسامات عميقة في ثنايا الشعب المصري، متأتية من فروق اجتماعية وتاريخية لا سبيل الى تخطيها، وعليها مدار المنازعة أو المطارحة السياسية. وهذا ما لا ينكره حمدي رزق، ولو على وجه التقرير. فهو يلاحظ، منكِراً، تحذير أعضاء الوفد الى المفاوضة، من "الوزراء والأعيان"، "جماهير" المصريين، "الآثار المترتبة على قطع خطوط السكك الحديدية ومهاجمة الممتلكات (و) الاعتداءات". و "يستغرب" ضعف "اهتمام" أعيان الوفد بـ "العنف الذي مارسته القوات البريطانية ضد الجماهير". وهو ليس بعيداً من متابعة المؤرخ محمد انيس على رسم تأويله اللينيني "إخفاقَ" الثورة البورجوازية الوطنية – وهو رسم تناقله الكتّاب المصريون الماركسيون مع صبحي وحيدة وشهدي عطية الشافعي عن مؤتمرات الأممية الثالثة الشرقية منذ 1919 بباكو الأذربيجانية – الى "هزيمة ثورة 1919 نفسها بنفسها". فهي لم تكن جذرية وشعبية على قدر كاف، وتسلطت مصالح حلف الأعيان والإقطاع والبورجوازية الناشئة والهزيلة عليها، والوعي الطبقي لم يكن مطابقاً، الخ.

البوتقات الكثيرة

واتخاذ ثورة 1919 مسنداً تاريخياً، على معنى مجمع "الأحاديث" و "الآثار" وأصحابها ورواتها، يُلزم بما يأنف الجسد المتحد "الأمي" والمنتسبون إليه، منه. وحين يتصدى مؤرخ (فرنسي) يحمل الحوادث التاريخية على محمل الجد، هو جاك بيرك في "مصر، الامبريالية والثورة" (1967)، تتصور الثورة المصرية في صورة ضعيفة الصلة بتلك التي تخلفت عن الرواية التقدمية، أو اللينينية – الستالينية التي صاغها الكتّاب المصريون على مثال روسي "سوفياتي" تتردد بعض اصدائه في مقالة زميل "المستقبل". فعام 1919 هو عام انعقاد مؤتمر الصلح بفرساي، ضاحية باريس، غداة الحرب "الكونية" الأولى التي أصلتها دول أوروبا الكبرى وإمبرياليتها بعضها بعضاً، بعد اقتسام "جوقها" الخماسي المسيطر على العالم المعمور منذ 1815 (مؤتمر فيينا) تقريباً. وقَدِم الرئيس الأميركي المؤتمر ملوحاً بعالم قوامه "مجتمع أمم" (وليس عصبة، على ما نقل أهل العربية يومها) متعاقدة ومتساوية وحرة، على ما يليق بـ "جمهورية" ديموقراطية. والرد على ويلسون، ومجتمعه الجمهوري الأممي، باضطلاع الدول المستعمِرة الكبرى بمهمات الريادة الحضارية والتمدين وبسط الأمن، بدا ضعيفاً. وفي حال مصر بدا أضعف منه في أحوال غيرها. وكان عبدالعزيز فهمي وعلي شعراوي طلبا، في أواخر 1918، إجازة بتقديم المطاليب المصرية الى لندن، فرفضت هذه الطلب. فما كان من سعد زغلول إلا أن نشر في الناس أوراق "التوكيل". واجتمع في أوائل 1919 حشد خطب فيه سعد خطاباً "نارياً"، أوقف بعده ونفي الى مالطا. ورُد المنفيون في أوائل نيسان. وفي الأثناء اشتعلت الثورة. وفي مؤتمر الصلح، برزت مصر على غير مسرح وفي غير معرض. فتصدرت بعض كبرى الصحف الفرنسية مثل "لو ماتان". ورابط بعض كبار موظفيها في أروقة وزارة المال. وحضرت مداولات رابطة حقوق الإنسان، واجتماعات المحافل الماسونية. وسمع العالم، على قول بيرك، "لغة البورجوازية المصرية في كلام السياسيين المصريين الأنيق والكفؤ".
ولكن الرأي المصري في الاستقلال الوطني لم يكن مجمعاً. فالوطنية المصرية، في أول أمرها، عثمانية. وكان صدى فكرة الخلافة في مصر عميقاً، شأنها في نواح أخرى من عوالم المسلمين. فهي بعثت الحركة الإسلامية بالهند، مع أبو الكلام أزد، وجمعت "الإيجاب الحقيقي" الغاندي الى "الاجتهاد" و "الجهاد" الإسلاميين. وزكاها في صفوف العامة والجمهور المصريين "إبهامها الحار". وإسلام المصريين يومها، على تيارات وأنحاء. فهو إسلام الشرع والعقائد المنعقد الى الأزهر ونهجه المجمِع أو الجمعي. وكان الأزهر تخلص، مع محمد عبده، من سكونه، وإقامته على دوامه الدهري، من طريق احتساب الغرب "المسيحي" و "العقلاني"، وإقراره به، وبقضيته ومخالفته. وهو، من وجه آخر، إسلام الشعائر الشعبية المتنوع والمترجح بين مصادر كثيرة مختلفة. وثمة إسلام ثالث يسميه المؤرخ الفرنسي "قارياً"، يرخي بظله على افريقيا وآسيا، من موريتانيا الى سينكيانغ (بالصين)، ويبعث أهل بلاده "النفسية والاجتماعية، في قلب بلدان الجغرافيا والسياسة، على المدافعة والمقاومة، ويترجم عما يلتبس على الحركات الوطنية والقومية "الليبرالية" والاشتراكية، فلا تحيط به ولا تستوعبه. فالحركات هذه، وإيديولوجياتها، مصدرها ما تحاربه وتتحد به وتحاكيه معاً. وعلى هذا، يعود الى الإسلام وحده، وإلى دعاته وحفظة صفائه وانتمائه، العبارة عن قيامه وقيامهم بـ "الفرق والمباينة من غير مزاج". فعلى هذه الصفة ينجو المسلمون من الاستواء والتمهيد اللذين تتهددهم بهما السيطرة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية الأوروبية.
وأدوار الإسلام بمصر، وغيرها، كثيرة ومختلطة ومتشابهة (ملتبسة الأوجه والمعاني). فهي اعتقادية وتشريعية وأخلاقية واجتماعية ونفسية ولغوية وتاريخية سردية معاً وجميعاً. ويؤاتي الاختلاطُ والكثرة والتشابه المناورة والانقلاب من حال الى حال، وعقد الأحلاف وقطعها أو توسيعها وتضييقها، على نحو ما تؤاتي الحمل على الوحدة الجامعة والمتصدعة، وتحض على العودة إليها، وإلى قوتها على الدمغ والتعريف. وكانت الخلافة الإسلامية العثمانية "بيت المرء الشرقي"، وحياة بقية السياسة الباقية وأحكامها الملتبسة, والرمز الوحدوي الذي يحول دون "نفي الإسلام". فلا صدعت الحرب الخلافة، وأودى بها انتصار الحلفاء على الامبراطوريات، وفيها السلطنة، قبل ان يخلعها مصطفى كمال عن كرسيها وديوانها بأعوام قليلة، كانت "الدولة – الأمة"، وهي من ثمرات الحرب، منفى الأمة، والباعث على المدافعة وعلى توحيد السلطان الأجنبي والسلطان المحلي الناشئ، وتفريع الثاني عن الأول.
ولم يفت المراقبين، من موظفين بريطانيين سابقين وغيرهم، تعاظم وطأة الاحتلال الظاهرة بمصر، وطرقات القاهرة وخططها مثل القلعة وقصر النيل والعباسية وكورنيش النيل، على وجه الخصوص. فحدس المراقبون، وربما حدس الأهالي قبلهم في ضعف السيطرة البريطانية، و "انصرام تصديقها واعتقاد قوتها". فالشطر الأعظم من هذه السياسة يتوسل بالعُمُد الذين يعينهم مجلس الشياخة، وبالعربان، الى توسله بالبوليس والملك (السلطان فؤاد). وسعد زغلول مولود لواحد من العمد هؤلاء، عمدة إِبيانا، صاحب مئة فدان، وتستضيف منظرته مئة ضيف. وسعد ابن ابراهيم زغلول، درس في مدرسة دسوق، ثم في الأزهر على عبده وآخرين. وعمل محرراً فصيحاً في "الوقائع"، وجلس للقضاء وكيلاً "عقلانياً"، وفرنسي المذهب، في محكمة الاستئناف. ومن هذا شأنه، "أصالة" ومصرية، تزوج بنت مصطفى فهمي، أقرب رؤساء الوزراء الى البريطانيين، وتردد على مجلس الأميرة نازلي، بنت اخي الخديوي اسماعيل، ومدحه كرومر، المفوض السامي البريطاني، في خطبته الأخيرة. فهو، في إيجاز بيرك، "رجل مفترق طرق".
وفي الأثناء توالت ازمات عقارية ومصرفية مصدرها الأول استيلاء مضاربي البورصة على الزراعة المصرية. ومن القرائن عليها إفلاسات مصرفية، وجمود الرهونات، والكف عن تداول السندات. فجارى ضعف الأبنية المالية والمصرفية ضعف السلطان البريطاني وتردده. وكان الخديوي عباس الثاني محط آمال المصريين في "التحرر الوطني"، وقوامه التحالف مع اسطنبول والثبات في ضم السودان والتواطؤ مع الحزب الوطني وتمويل المعارضة. ولكنه ما لبث ان انكفأ عن نهجه هذا. فسكت عن إدانة محمد فريد وعبدالعزيز الجاويش. وتعمد ذر الخلاف في ورثة مطصفى كامل. وتردت الحياة النيابية في العقد الثاني من القرن العشرين عما كانت عليه في العقد التاسع من القرن التاسع عشر. فحذفت لفظة "نائب". واشترط على الناخبين تسديد 50 جنيهاً. وجعل انتخاب 16 "نائباً" من 30 على ثلاث مراحل. واقتصر التئام الجمعية العمومية على دورتين. وغرقت هيئات التمثيل البلدي في الفساد والمشاحنات. ودعت حادثة دنشواي بعض السياسيين المصريين البارزين الى الرضوخ لاقتسام السلطة مع البريطانيين. فارتضوا دستوراً من غير جلاء. ونهض الخديوي علماً على الوطنية المصرية. وهذه، على ما مر، إسلامية في المرتبة الأولى. والمصريون يجمعون اعتقاد دالة الخلافة الى كراهة الترك. ومالت نخبهم الى اليابان بعد انتصارها على روسيا. ولكن هذه المنازع بعيدة من الائتلاف في بنيان متماسك. فهي (المنازع) تترجح بين طلب الإصلاح والرضوخ للمساومة. وساد الجمهور حذر من البرلمانية، بينما حظيت المطالبة الدستورية بالتأييد. ودعت كبرى الصحف يومها، "اللواء"، الى الاستقلال تحت عباءة السلطنة. ودعا احمد لطفي السيد، في "الجريدة"، الى جنب محمد فريد، الى التحفظ من الاحتلال، واستمال الموظفين والمتعلمين، مناط أمل النظام البريطاني. وفشت الجمعيات السرية، وظهر ميلها إلى الإرهاب والاغتيال، بعد أعوام قليلة على دنشواي. ولم يبق تململ الفلاحين مكتوماً، ولا احتجاج المتعلمين.

أجزاء الشعب

وابتداءُ "حوادث" 1919، على وجه التعيين، تظاهرُ المتعلمين والطلاب. ونصف هؤلاء من المدارس الرسمية، ونصفهم الآخر من الأزهر. وانضم الى طليعة المتظاهرين اهالي الضواحي، وهذه تعاظم عدد سكانها منذ اوائل القرن، وتردت أحوالهم. وتقدم صفوف المتظاهرين الأولاد والمتشردون والباعة المتجولون وباعة الصحف. وحمل بعضهم "النبوت" (عصا الخيزران)، وكسروا به زجاج المحال الأوروبية. وانتشرت الحركة في المدن والأرياف، وعمت الناس كلهم، على اختلاف طبقاتهم. وكانت مشاركة الطبقات "الدنيا"، المتصلة بعالم الجنوح والسرقة والجريمة وتعاطي المخدرات، فاعلة. وهي صبغت بصبغتها بعض تظاهرات الحركة. فأحد الخطباء خلع ثيابه، ورقص رقصاً شرقياً على عربة "كارو"، وعمت الجمع المتظاهر نشوة واحدة. وفي المنوفية، حسب الفلاحون أن أوراق نبتة القطن خُط فيها حرفا السين (سعد) والزين (زغلول). وفي بعض "أيام" الثورة، فتح المتظاهرون أبواب السجون والمخافر، حيث قدروا. فهرب المجرمون الموقوفون. وبلغ عدد حوادث القتل، في 1921، على أثر الهرب، 2526. وكانت 2305 في 1920. وزادت نسبة الحوادث، بحسب المديريات، نحو 13 في المئة (في أسيوط) أو 58 في المئة. ومضى تعاطي المخدرات على توسعه. فبعد الحشيشة، في اول القرن، ظهر الكوكايين، في 1916، وأدخل صيدلي بالقاهرة، بذريعة "الامتيازات"، الهيرويين، في 1920.
وصادف هذا، وغيره مثله، تغير ضواحي المدن وسكانها المهاجرين. فلم تبق الغلبة في هؤلاء لفلاحي الوجهين، الصعيد والدلتا، التاركين قراهم. وغلب، محلهم، منقطعون من الطبقات الاجتماعية كلها، ومن المجتمع عموماً، وسواقط الطبقات الاجتماعية وصعاليكها، فقيرها ومعدمها قبل متوسطها. وقدر مراقبون مأذونون عدد مدمني المخدرات، في الأثناء، بنصف مليون مدمن (من 12 مليوناً في 1919). وذهب جاك بيرك، في تأويل العدد والحال، الى ان المدمنين مصابون في "صفتهم الإنسانية" فوق إصابة العاملين بالاستغلال، والمخدرات أعظم تدميراً من البلهارزيوز المعدية. وهي تنشئ وقتاً أو زمناً تحت الوقت والزمن اليوميين، وتلد مادة وصوراً سديمية وغاشمة تكاد لا تتعين ولا تعرّف. ولا يشك المؤرخ الاجتماعي و "اللغوي" في دور السواقط والصعاليك هؤلاء، ولا في دور "مادتهم" من الصور والكلام ووقتهم، في صبغ الانتفاض السياسي والاجتماعي المصري يومذاك بصباغ "الانتشاء التاريخي للآبد والأوّل". فثورة 1919، على بعض وجوهها الراجحة، تولت تعويض المصاب الإنساني و "رتقه"، من وجه. ولكنها، من وجه آخر، أضفت تعقيداً شديداً على علاقة "المقالة الاجتماعية"، وهي صادرة عن الخارجين عن العلاقات الاجتماعية وعليها، بالسياسة والفعل السياسي.
وإلى اتساع الهوة بين الأجانب وبين الوطنيين، وبين الأثرياء وبين المعدمين، قوي الإحساس بالهوة واتساعها في طبقات المصريين، بورجوازية وأهل بلد. وخاب أمل البورجوازية في قسمة عوائد "الاقتصاد الاستعماري"، من طريق الرسوم والضرائب وسياسة الديون والرهون والتجارة، قسمة "عادلة". فوجهت بعض أولادها الى الحكومة وإداراتها، وبعضاً آخر الى المعارضة وحركات المطالبة. وبلغ مؤشر سعر القمح 349، في 1920، وكان 100 في 1913. فغنم التجار الفرق، شأن مصدري البيض والبصل. وفقد السكر من سوق الاستهلاك اليومي، ومصر بلد منتج. وفاضت الصادرات على الواردات في 1918 – 1919 الى 1923 – 1924. فأقبل المنتفعون على تبديد عوائدهم في مشتريات باذخة بعث عليها توقع وفرة مديدة. وازدهر البناء وحده، بينما الاقتصاد كسد. وصرف المال عن التثمير الزراعي الى المدينة، وكدس في الريوع والبذخ، بينما سعر القطن وتصديره ينخفضان الى النصف.
وظهر الارتباك جلياً على القوة البريطانية بإزاء انضمام عدد متعاظم من الأعيان والكبراء الى "وفد" سعد زغلول المعتدل، وتركهم الحزب الوطني المصر على الجلاء والاستقلال الناجزين، وبإزاء تعاظم العنف وأعمال النهب والقتل والاعتداء. فاضطرت لندن، بعد ان استبدلت وينغيت بالجنرال اللنبي، وبعد ان أعادت وجوه "الوفد" من المنفى، الى اعادة تكليف رشدي المستقيل تشكيل الوزارة، وارتضت تضمينه خطابه الوزاري ضرورة السعي في "حل يرضي الأمة". وجبهت القوات البريطانية، والشطر الاسترالي منها خصوصاً، العنف "الشعبي" بإطلاق نار قاتل. واضطرت الى تجريد حملات عسكرية على البلدات التي خرجت على الإدارة والدولة. وهذا وجه من 1919 قلما يحمل على محمل الجد، ربما لأنه الوجه السياسي الأبرز، والمستقل عن العوامل الاجتماعية.
فالبلدات الريفية الكبيرة أنشأت هيئات اضطلعت بدور الدولة، وسيرت الخدمات والإدارات من طريق ناشطين أو مناضلين قاموا من حزب الوفد، عقوداً لاحقة، مقام الهيكل المتين، والوصلة القوية بين الجمهور (القاعدة الاجتماعية) وبين القيادة. وقلما دامت الهيئات الطوعية هذه وقتاً تخطى الأسابيع. ولكن ظهورها، وقيامها بمهمات إدارة مستقلة، يدعوان الى السؤال عن احتمال الثورة المصرية وجهاً عامياً وبلدياً. ومثال "جمهورية زفتا المستقلة" من الأمثلة القليلة التي ذاع صيتها، وروى أحمد بهاء الدين خبرها. وفي ضوء الرواية، لا ريب في اضطلاع العصبيات البلدية بدور راجح في بلورة الهيئات هذه. وتقدم "عصاميون"، مولودون من شرائط الاقتصاد والثقافة والإدارة أي من هيئات نشأت في كنف الاستعمار ولا تقتصر على الوظيفة الاستعمارية، تَقَدم هؤلاء الجمهورَ، وأرسوا الدينامية الفلاحية على إيديولوجية وطنية جامعة، وأقروا الأطر الوفدية على الجسم البلدي. ودعا ذلك الموظفين الى فك تعاونهم مع المستشارين ودولة الحماية. واقتفى الضباط أثرهم.
وعلى شاكلة أوراق "توكيل" الوفد الى مفاوضة المحتل، وهي ابتكار سعد زغلول الذي تولى صوغها، عمدت الجماعات المتفرقة الى توكيل مندوبين عنها الى المؤتمرات الوطنية. فوكل الضباط 32 مندوباً الى مؤتمر الأزهر في 16 نيسان، وكلفوهم إعلان الولاء للوفد، والمطالبة بإلغاء الحماية ورفع الطوارئ. وانتدب الموظفون الإداريون والحرفيون والعلماء المعممون وعمال التنظيفات والبلديات والبريد. ولم يعدم الرمز دوراً: فالتقت سيدات مصريات، مسيحيات ومسلمات، بجامع السيدة زينب. ووسع المؤتمر الوطني إثبات قوته التمثيلية. فما ان استقالت الحكومة، في 12 نيسان، حتى دعت هيئة المؤتمر الى العودة عن الاضراب المفتوح في 23 منه.
والرواية، المسهبة بعض الشيء قياساً على العجالة، لا تلم بشطر ضئيل من مجرى الحوادث أو بمصائر الحركة الشعبية المصرية. وليس قصدها الإلمام المتواضع بالأمرين، بل التنبيه الى كثرة ما تغفله الروايات الاحتفالية من وجوه وجوانب، وغمطها التذكير ببعض ما يحمل الحكام اللاحقين، والمستولين على الحكم وقمم الدولة من طريق الانقلابات، وإعمال القوة، على السكوت عن الحوادث السياسية والاجتماعية التاريخية. وسوس "الناصرية"، وأقرانها وبعضهم ضحاياها، ثورة 1919 على النحو الذي ساستها عليه، يبقى غامضاً ما اقتصر "الاحتفال" على استعادة النسب الوطني والإسلامي و "العربي" والاجتماعي الطبقي، وعلى موازنة الوجوه هذه في شخصية وهوية، أو في صفة مرحلة والقياس على مثال.

جسد الأمة الممتلئ
وقد يبدو هذا كله، اليوم، خارج (بعض) مصر (اليساري؟)، وربما في مصر نفسها أو معظمها، طيفاً بعيداً لا يراود إلا مخيلة كتبية ومتحفية ضامرة. فبين "1919" وبيننا، بعد تسعين سنة، حاضر ماثل يتناول أهاليه أو أهلوه، وهؤلاء هم "نحن" الكثيرة كثرة لا نحيط بها، حوادثهم وقائعهم على مثالات نظر وعمل جديدة. ولعل صفة المثالات المشتركة هي إعمال التقطيع والفرق في ما حسبه من سبقونا، أو حسبه بعضنا في طور أول، متصلاً وآخذاً بعضه بأطراف بعض، وشابكاً يده بيده. فكان الاتصال، أو الإسناد الى حلقات، والرغبة في استئناف تقليد مضمر أو معلن وتجديده، كانت هذه أمارات أصالة وحقيقة لا تنكران. ولم يشأ أحد التخفف من شرائط الجمع بين أمارات الأصالة وبين قرائن الانتساب الى العصر والتأثير فيه. فإذا أرّخ أنور عبدالملك (المولود في 1927) للأفكار الناصرية حرص حرصاً تعليمياً، وتقدمياً وتنويرياً، على استيلادها (من) السلفية الإسلامية، على مثال "الشيخ" محمد عبده وربما حسن البنا، ومن الليبرالية السياسية والاجتماعية، على مثالٍ وفدي و "ماركسي" مختلط. ولم يحل حرص جمال عبدالناصر ورفاقه على تسويغ انقلابهم، واستيلائهم على السلطة بالقوة العسكرية، بينهم وبين إدراج حركتهم في زمن مصري مديد هو زمن استعادة أهل البلد حكم بلدهم من الأجانب والأجلاب المتمصرين والمتبلدين. وقد يكون إنكارهم الأول الانتساب الى ثورة 1919، مرده الى قيامهم على بعض وارثي سعد زغلول، المتربعين في سدتي الحكم والأطيان، من وجه، على قدر ما قد يكون السبب في الإنكار خلو وفاضهم في أوائل أمرهم وربما في أواخره، من "الشعب" المصري، ومن حركته العريضة والعميقة والمتنازعة والجامعة معاً، وحذرهم من نصب مثل هذه الحركة مثالاً ومعياراً ومحاسبتهم في ميزانها.
ولكن هزيمة 1967، على الأرجح، أحبطت هذا النهج في التأريخ والتقويم، وفي العمل، معاً. وهو كان شديد التعثر وبدا الانتسابُ الى حلقات تاريخ سابقة وأصيلة، وزعمُ التحدر منها، تطاولاً وافتئاتاً غير سائغين. وعلى نحو قريب من الانقلابات العسكرية التي خلفت 1948، وأرجعت عللها الى عجز حكام الوقت عن الاضطلاع بتبعات الحرب والقيادة، والدراية بهما، قامت حركات "شعبية" أو أهلية، محلية وطنية ومختلطة ("عربية")، على الأنظمة الخاسرة، وحملت القصور "التقني" والعسكري على خلل تاريخي يدين الأنظمة هذه، والأبنية السياسية والاجتماعية والثقافية التي تنهض عليها، بالفوات، على قول ياسين الحافظ. وقاست الفوات هذا على إنجازات "حرب الشعب"، ومثالها الفيتنامي الماثل يومها. وذهبت الى ان تحرير فلسطين من المركَّب الغربي والصهيوني هو المسألة العربية أو القومية المركزية، وهو الطريق الى التحرر السياسي والاجتماعي والقومي من الاستعمار الجديد والتخلف والتجزئة والبيروقراطية جميعاً. فوعدت الحركات هذه، وبؤرتُها الفلسطينية، "الجماهير العربية" بتعويض عيوب المثال التحرري على النهج الناصري الممتحن والمتصدع.
فالمعركة، هذه المرة، يخوضها ضحايا الهجمة الاستعمارية الأعنف والأشرس. فهم الصفوة و "الأئمة" والقادة، على مثال البروليتاريا التي لا تخسر في قيامها على النظام القديم إلا أصفادها وقيودها. وهم المستضعفون الموعودون، من بعد، بالإمامة والخلافة. وهؤلاء لا تلهيهم أعباء الدولة الوطنية والتزاماتها الإدارية والتقنية الداخلية، ولا الضوابط الخارجية، عن تعبئة الجماهير في حركة تجمع الى السعي في إطاحة التبعية، والسيطرة الاستعمارية (الاقتصادية)، إطاحة اشكال السيطرة الداخلية الجديدة، ومصالحها الضيقة، على معنيي "القطرية" والطبقية الاجتماعية المستحدثة ("البيروقراطية"، على ما درج القول غداة 1966). ولما كانت البروليتاريا الفلسطينية مشردة في أقطار العرب وبلدانهم، وتكابد وطأة الدول والأجهزة، خلص من نصبوا أنفسهم ألسنتها ومقدميها وأصحاب خلاصها الى تجردها من المصلحة القطرية وغيرها منها، وإلى تقديم المصالح القومية على المحلية. (وعشية دخول اتفاقيات أوسلو طور الإنفاذ احتذى أحد دعاة الخلاص، إدوارد سعيد، على الرسم الاستدلالي نفسه، فذهب الى ان الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي عانوا من تعسف الشرطة وقمعها، فلا بد من أن يبرأوا معه من الحاجة الى الشرطة، أو إلى جهاز أمن، فكان أن تعاقب محمود دحلان وجبريل الرجوب وسعيد صيام على "الأمن" الوقائي فالداخلي إنجاز الوعد).
وجمعت الحركة الفلسطينية العربية – وهذه المرة كانت عربية ليس قياساً على الثورة العربية الأولى، أو الثانية بعد الحجازية، في جبل العرب الدرزي السوري في العشرينات، ولا حتى قياساً على "الثورة العربية الكبرى" الفلسطينية في 1936 – 1939، وهي جملة "الحركات" او الانتفاضات الفلسطينية عشية الحرب وغداة "الكتاب الأبيض" البريطاني وفتح باب الهجرة اليهودية من أوروبا تجتاحها النازية والفاشية الى فلسطين، بل في ضوء انتشار الشتات الفلسطيني وتوطنه في المشرق والخليج و "البوابة" المصرية، وتألب الفلسطينيين في مهاجرهم حول منظمات تنتسب إليهم – جمعت الحركةُ "النخب" القومية والتقدمية المناهضة للغرب الرأسمالي والليبرالي والديموقراطي وحلَّقتها حولها. وإلى هذه جمعت "نخب" المعارضات الاجتماعية، اليسارية والحزبية في معظمها. فغلب مزيج مدني، على معنى غير الإسلامي، ومناهض للغرب، على الجماعات التي أحاطت "الثورة الفلسطينية" وأيدتها. وغلف الميل السوفياتي الشيوعي الجماعات هذه، وصبغها بصبغته. فاستبعدت الجماعات الإسلامية المنظمة نفسها من دائرة النصرة الفاعلة، من غير ان يطرح الاستبعاد الطوعي الميل والتأييد الإسلاميين الأهليين، الفلسطينيين والعربيين.
فوسع "الثورة الفلسطينية" جمع روافد المعارضات الوطنية المتفرقة، وتشبيه دمجها في كل متماسك. فلا يبقى وجه من وجوه السياسة والحرب والاجتماع والثقافة والتاريخ لا يتربع مكانه ومكانته من الكل المفترض هذا، أو خارج الكل. وكان الافتراض هذا سند "الحركة الوطنية" والعروبية اللبنانية، ومعيار أحكامها وأفعالها، منذ 1972 – 1973، على خطى نظيرها الأردني السابق والسباق. وخوّلها السند، وهي ترجمته بعد بعض الوقت "قوات مشتركة" و "شعباً لبنانياً – فلسطينياً" واحداً، التصدي لوجوه "الإصلاح" كلها معاً: إصلاح الديموقراطية ومؤسسات الحكم، وإصلاح التفاوت الاجتماعي ونهج التنمية، وإصلاح الهوية الوطنية أو القومية أولاً وآخراً (من وجه لبنان العربي، الى لبنان العربي أو عروبته وجهاً وقلباً وعقلاً، على ما رأى مؤتمرو الطائف ولا يزال وليد جنبلاط يرى). وجمع وجوه السياسة والحرب والاجتماع والثقافة والتاريخ في كلّ يتولاه طرف أو فاعل ("لاعب") واحد، يُفترض، ابتداء، واحداً، فلا يتطرق إليه الانقسام والخلاف من أمامه ولا من خلفه، ولا يحتاج تالياً الى التمثيل على انقساماته وخلافاته أو الى تمثيلها في سياسة وفي مؤسسات وهيئات، الجمع والافتراض هذان ينزعان الى إلغاء التراث التاريخي وتخصيصه الجماعات بخصائصها، حكماً. فيرمى التخصيص ودعاته وأصحابه بالشقاق الأهلي, وينفون تالية من الشعب والأمة. ويعالج التخصيص والشقاق بحرب الأهل على الأهل. ويتستر المحاربون الأهليون بجامع عام سياسي ومجرد، لواؤه تارة المواطن وحقوقه، و "ثورة 1789" (على قول بعض محمقي الثورة الوطنية اللبنانية في أوقاتها الأولى)، وتارة أخرى "الحقوق الاجتماعية" المشتركة بين منتجين استووا قوة عمل خالصة. وتكتمل "الثورة"، على نحو ما اكتملت في صيغتها الفلسطينية وقبلها في صيغتها المصرية الناصرية وبعدها في صيغتها الإسلامية، تكتمل في بلورة هوية الأمة. فتنفي الهوية هذه الأعلاق التاريخية والاجتماعية، وتنفي معها دَيْن الجماعات الوطنية السياسية الى ماضيها وحاضرها، وإلى إرادتها آتيها وغدها، باختباراتها وتجاربها وأحكامها وتطلعاتها. وهذا كله على خلاف "1919"، وعلى ضده ونقيضه.
فيعترض جسد الأمة الممتلئ، على نحو امتلاء جسد السلطان الخلدوني، نظر البشر الأحياء الى مواضيهم، وإلى حوادث المواضي ووقائعها، ويحجبها عن النظر والمسألة والتذكر والتأريخ. و "الأمم" التي تعاقبت على المجتمعات والبلدان والشعوب العربية في أثناء نصف القرن المنقضي، وكانت أمة عربية مصرية وناصرية مرة، ثم أمة عربية فلسطينية مرة أخرى، فأمة إسلامية تأتلف على جبهة قتال الاستكبار الصليبي واليهودي والعدو البعيد وتتفرق "شعوباً" وأعراقاً وفِرَقاً على المسائل الأخرى كلها، مرة ثالثة، هذه "الأمم" تشترك في ولادتها من عدم سابق، وفي جبّها ما قبلها ونفيها دَيْنها له أضعف الدَّيْن وأقله. فاحتار جمال عبدالناصر في حمل حركة ضباطه وانقلابهم على غير "روح" مصر و "عودة" هذه الروح، على قوله في مديح توفيق الحكيم و "حدّوته" المشهورة، وانبعاثها في عدد قليل من الضباط، وتعريف هؤلاء بالاكتواء بالأسلحة الفاسدة في حرب 1948، ومعاناتهم جمود الحراك والارتقاء الاجتماعيين، وغلبة خليط القصر والباشوات والاحتلال والمحافظة الخانقة على الاقتصاد والدولة والمجتمع.
وأما "الحركة الوطنية" المصرية، من عُرابي الى معاهدة 1936 ثم الى عشية 1952، وأما تاريخ الشعب المصري، "أقدم قومية في التاريخ" على زعم جاك بيرك، فلم يقع فيهم الضابط، فالزعيم "العربي" الذي ادعى انه أول مصري يحكم مصر منذ قرون، لم يقع على ما يسند إليه انقلابه على فاروق وعرشه وقصره وحاشيته. ولعل السبب في هذا هو رفض الضباط الأغرار (ما خلا محمد نجيب!) اقتسام السلطة مع وارثي الحركات السياسية والاجتماعية القريبة، شأن حركة 1919 وفصولها اللاحقة، وإدانتهم الوارثين كلهم، وما تحدروا عنه وصدروا، بالفساد والانحطاط. ولعل السبب كذلك، هو الرغبة في التخفف من القيود التي تقيد بها الحوادث السياسية والاجتماعية الكبيرة من يقبلون الصدور عنها. فالحوادث هذه، إذا لم تقتصر على علامات وصرخات (شعارات) حرب وثارات، وإذا تبلورت في حركات وسنن ومعان، أوجبت مناهج وسياسات قد تكره المستولين الجدد على الانضباط بها، وعلى "اقتسام" السلطة مع "المعاني" السابقة، وأهلها المعروفين والغفل. وربما لا يفهم المستولون أنهم يدينون الى غيرهم من الأموات والأحياء ما اجترحوه بأيديهم أو يحسبون انهم اجترحوه. فهم صنعوا انقلابهم واستيلاءهم على شاكلة صنع جمال عبدالناصر ضباطه و "حريته"، أو هم صنعوا حركة تحررهم على نحو صنيع ياسر عرفات حركة التحرر الفلسطيني ("ف ت ح" مقلوبة أوائل الحروف) دليلاً دليلاً، وعملية عملية، وبياناً بياناً (على ما يروي يزيد الصايغ رواية مستفيضة في "تاريخ الكفاح المسلح الفلسطيني")، فيما عامة الفلسطينيين سادرون في سباتهم وشتاتهم. أو هم نفخوا الروح والحياة في سلك زملائهم من المعممين على مثال روح الله خميني.
فجسد الأمة الممتلئ، على هذا، إنما هو معين سلطان مشروع لا حد له، ولا قيد عليه. وهو يدعو الى تلخيص الأمة في روح لا تتجزأ ولا تتبعّض، على خلاف التوكيل والاشتراط والسلطات الثلاث المستقلة والمتعاونة. ويحسن حمله على نسب "إلهي" (أو علوي طالبي، في حال صدام حسين المتواضع)، على خلاف النسب الانتخابي والشوروي "المشروطي" (الدستوري الإيراني) المنقسم والمتغير والمائل مع أهواء متضاربة وفاسدة. وهو يطلب التجسد أو الحلول في امرءٍ يكافئ وحدة جسد الأمة وامتلاءه، ويشار إليه بالبنان جواباً عمن يكون الإمام أو البطل أو "الريِّس" أو القائد. وهذه صفات أو مناقب لا تتوافر في المساند التاريخية غير الخرافية أو الأسطورية، ولو جرت الحوادث، حين حصولها أو وقوعها، على مثال تلابسه الخرافة والأسطورة، على ما مر في رواية ثورة 1919 سريعاً. فيحجب جسد الأمة العظيم والباهر، وهو حقيقةً روحُها وعبقريتها وأعلامها ومصائرها، عن أنظار جماعاتها وأفرادها ومجتمعاتها، وعن مقالاتهم وعقولهم ومشاعرهم، حوادثَ تاريخهم الكبيرة والصغيرة. ويحول بينهم وبين روايتها وتداولها، وتداول الرأي فيها وفي معانيها. فالحوادث المصرية، على سبيل التمثيل ليس إلا، إذا رويت على مقدار من البسط المادي والمعنوي، هذه الحوادث لا تتكشف عن مسير باطن مظفر يُخرج الى العالم شخصية مصر، أو يرسي مجتمعها على قيادة طبقاته الوطنية والشعبية ودولة هذه القيادة، أو يكسوها علمها الإسلامي، إلا لمن يتذرعون بالحوادث الى الولاية العامة والقاهرة على الناس.
فيُصْلي المتغلبون على جماعاتهم، أو على بلدانهم وأممهم، تواريخها الكثيرة والمتنازعة، حرب إبادة معنوية حقيقية. فهم يرغبون في قصر هذه التواريخ على ارتقائهم في معارج الولاية والسلطان، خارج الحكم وبالأحرى داخله وفيه. وهم يكذبون كذباً فادحاً ومغرضاً حين يرمون "الاستعمار" بكتابة تاريخهم (المفرد) عوضهم، وبالحؤول بينهم وبين رواية تاريخهم، ليتسنى له "صنعهم" على أنماط غير تاريخية وسالبة. وصنيع أعلام الحركة الفلسطينية ومثقفيها، وهم مصدر "نقد الاستعمار" هذا، في البلدان العربية التي استدخلوها، وفي الجماعات العروبية التي "شاركوها" السلاح والفتوح والغلبة، قرينة حادة على الكذب هذا. فالبلدان هذه، وشعوبها على وجه العموم وجماعاتها المتحفظة عن السيطرة الفلسطينية وعن حلولها محل دولها، ينقلب ماضيها الى تمهيد طويل ومتعثر لطلوع الصبح العروبي، الناصري (المصري) أو الفلسطيني أو السوري الخ. أو الإسلامي الخميني، على فوضاها واقتتالها وميولها الى الأجنبي وعدائها العروبة (على ما "يؤرخ" بشار الأسد للبنانيين من غير رعاياه، وللفلسطينيين من غير مريدي احمد جبريل وخالد مشعل وعبدالله رمضان شلح، ويتابعه على "تأريخه" متعلمون في المنفى والوطن").
فشرائط "ذاكرة" المقاومة، أي استعادة فعل واحد فقير ومجرد من متعلقاته وملابساته وأوقاته وسياقاته، نفي الوقائع الوطنية والمحلية، وإعدام الهيئات "الفئوية"، وإغفال التظاهرات "اللغوية" والرمزية الخاصة، وإنكار البواعث الاجتماعية، والازراء بالمعاني الفردية. فعلى مثال النسب القبلي، والأصح القول: على مثال مثاله المجرد، لا حقيقة إلا لما يعلَّق على الأصل والمبتدأ والأول، ولما تسري فيه هذه من غير خليط ولا تهجين. ولا تزن الحوادث، مهما بلغت من الجسامة، شيئاً في ميزان الأصل والمبتدأ والأول. ولا تستحق حركة "المشروطة" الإيرانية، وقبلها حركة مقاطعة التبغ الأجنبي وبعدها حركة مصدق، شأن ثورة 1919 المصرية، والحركة الوطنية الجزائرية (مسالي الحاج)، وغيرها كثير، رواية محمد حسنين هيكل على "الجزيرة" ومسلسلاتها في "الخيانة". فـ "الشعر" السلطاني، التلفزيوني أو الإذاعي، إما تشبيب مقذع وإما هجاء رخيص.

الإقليم» الإيراني الأمني والاستراتيجي يتوسع بين جنوب آسيا وشرق افريقيا

الحياة - 06/04/09//
يشد المسرحان المتصلان، اللبناني والفلسطيني ومن ورائهما المسرح السوري، الانتباه الى انشطة ايران السياسية والأمنية والاستخباراتية، ويكادان يقصران الانتباه عليهما. وإذا كان الشك لا يتطرق الى حقيقة نشاط إيراني محموم في العراق، فما يعرف منه على نحو مفصل ودقيق، قليل. ومعظمه مصدره أميركي. والمصدر يتعمد إبقاء التفاصيل الأمنية في الظل. فلا يخرج الى العلن الإعلامي إلا ما يضطر الأفرقاء الى إعلانه، بعد إفضائه الى واقعة، مثل القبض على «عملاء» أو إطلاق سراح مخطوفين أو موقوفين. وفي هذا المعرض، أعلن خاطفو ستة بريطانيين، في أواخر آذار (مارس) المنصرم، عن خطفهم رهائنهم واحتجازهم، وعن قرب الإفراج عنهم من غير ان يمسهم أذى. وإعلان «هوية» الخاطفين السرية، وعزمهم على إطلاق رهائنهم، هما ختام مفاوضات طويلة أثمرت اخيراً الإفراج عن محتجزين بيد القوات الأميركية، بينهم عميل أمني من «حزب الله» اللبناني هو حسن دقدوق، على ما أذيع. وليس دقدوق، أو موظفو القنصلية الإيرانية بالموصل المحتجزون منذ نحو عامين، إلا الجزء الضئيل الظاهر من عمل سري أمني واستخباراتي وتمويلي وتهريبي ودعاوي، كثيف ومتبادل على جهتي الحدود العراقية - الإيرانية. ولعل مسألة معسكر أشرف، حيث يقيم منذ نيف وعقدين ثلاثة الى أربعة آلاف إيراني وإيرانية من «مجاهدين خلق»، وعمليات الأهوازيين (العرب الإيرانيين)، العسكرية والإرهابية على الجهة الشرقية من الحدود المشتركة، وجها قضية أمنية مشتركة منذ احتدام العلاقات بين الجارين، وانفجارها «حوادث» دامية.ولكن تعاقب حوادث متفاوتة الخطورة والثقل، في غضون أسابيع قليلة وفي بلدان أخرى بعيدة من الحدود الإيرانية، ويتصل بعضها بالشاغل الفلسطيني وروافده، ينبه الى عرض الدائرة الأمنية الإقليمية التي تنشط السياسة الإيرانية فيها. وأولى الحوادث هذه هي قصف إسرائيل قافلة من 3 شاحنات، محملة صواريخ «فروغ» مصدرها إيران، بشمال السودان، غير بعيد من الحدود المصرية - السودانية. والقصف الإسرائيلي كشف عن خط تموين عسكري معقد يصل موانئ إيرانية بسيناء المصرية، بوابة غزة و «حماس». وتَسترُ خط التموين بعصابات التهريب وقوافله الإفريقية والبدوية، ليس إلا بعضاً من ضرورات العمل المهني والأمني. فالحدود اللبنانية - الإسرائيلية، في مرحلة سيطرة «حزب الله» على جهتها اللبنانية علناً ثم في مرحلة سيطرته عليها سراً منذ حربه في صيف 2006، لا تصلح إلا لتهريب بعض السلاح الخفيف، وخطط العمليات، وبعض المعلومات، الى الحشيشة طبعاً وأولاً. وسبق لبواخر ومراكب قاصدة الميناءين السوريين ان رُصدت محملة بالـ «فروغ» في أعالي البحر، في أوقات متفرقة. وكان المركب الذي فتشته البحرية الأميركية، ورسا بقبرص وفتشته السلطات القبرصية وأوقفته، وصادرت أسلحة حملها من ميناء وسيط، كان المركب يتولى نقلها الى لبنان، أحدث فصل معلن من فصول المدد العسكري الإيراني الى الوكالة المحلية.وما بقي مضمراً في الواقعة السودانية أماطت الستر عنه محكمة البدايات الجزائية بصنعاء في أوائل نيسان (ابريل) الجاري. فاليمنيون الثلاثة الضالعون في «التخابر» مع السفارة الإيرانية في العاصمة اليمنية، الى عدن ودمشق ومدن إيرانية، اتهمتهم المحكمة بتزويد ديبلوماسي إيراني معلومات عن قوات خفر السواحل اليمنية والإماراتية، غير بعيد من مضيق هرمز، والجيبوتية، في القرن الأفريقي، والأميركية. ولميناء عدن، حيث كانت فاتحة عمليات «القاعدة» وهجماتها على القوات البحرية الأميركية عشية 11 ايلول (سبتمبر) 2001، مكانة خاصة في التجسس الإيراني الخارجي والداخلي. فمن طريق الرصد المحلي بلغ طهران تفريغ 50 دبابة بميناء عدن، في طريقها الى محافظة صعدة. ومحطات الرصد ومراحله تطابق خط الرحلة المفترضة التي قامت بها سفينة الإمداد الإيرانية قبل ان تفرغ حمولتها إلى «حماس» على شاطئ البحر الأحمر، حيث المراقبة الإسرائيلية قوية ودائمة.ويدور بصعدة قتال أهلي داخلي، شطر منه إقليمي وطائفي، بين طائفة من الزيديين، تُنسب الى عائلة الحوثي، ومرجعُها وولداه روابطهم قوية بإيران الخمينية وسياستها، وبين القوات اليمنية المسلحة والقبائل المحلية، الشافعية في معظمها. ويتفق حكم القضاء الجزائي اليمني في مسألة التخابر والتجسس مع ظهور نشاط «القاعدة» المتعاظم والمتجدد، وثبات تواطؤ بعض الأجهزة الأمنية الوطنية في وقائع النشاط هذا، وفي الواقعتين الأخيرتين اللتين أصابتا سواحاً من كوريا الجنوبية ثم فريق التحقيق الكوري في الحادثة السابقة، على وجه الخصوص. وهو يتفق كذلك مع انفجار ما يسميه المراسلون انفجار الحرب السادسة، أو الجولة السادسة من حرب أهلية ومذهبية يمنية، ترهص ربما بحروب مثلها على الساحل الشرقي لشبه جزيرة العرب. وتنشب الجولة السادسة بعد إخفاق وساطة قطرية بين الجماعة الزيدية الحوثية، وظهيرها الإيراني، وبين صنعاء. وهي تكاد تكون لصيقة، زمناً، بإرجاء الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الانتخابات النيابية سنتين كاملتين، وبتعاظم الأزمة السياسية والاجتماعية بجنوب اليمن العدني و «الاشتراكي» سابقاً.ويتبادل الطرفان المتقاتلان التهمة بـضلوع دول إقلــيمية فاعلة في الـقتال، وبتجنيد قوى أهلـية منـظمة وزجــها فيه. فــيعزو زيــديو صــعدة الحوثيون انفجار القتال الى تسلل مئات من «القاعدة» الى المحافظة، وإعــدادهم هجمات إرهابية على من تسميهم القبائل المحلية «عملاء إيران». ولم يكد القتال يندلع، في الثاني من نيسان، في مديرية غمر، حتى سيطرت القوات الحوثية المدربة على مقر وزارة الاتصالات المحلي (على مثال «لبناني» خميني؟)، وحاصرت مقر المديرية الإداري وقيادة حرس الحدود اليمنية - السعودية القريبة. ونشرت القوات الحوثية القناصة في المواضع المطلة على الطرق، وحفرت الخنادق على أطراف معاقلها. وهذا كذلك قريب من نهج في القتال الداخلي والأهلي ينزع الى التحصن في ديرة بلدية ومحلية تحتمي بتجانس سكانها، وبتعبئتهم كلاً وجميعاً على العدو الأهلي و «دولته».وتمهد لمثل هذه الحرب أعوام طويلة من الإعداد «الإيديولوجي»، والاستدخال والتسلل بواسطة «طلبة العلم»، وأئمة المساجد، والزيجات المختلطة، والزيارات، والإقامة الطويلة، والمعونات المتفرقة، التي تتخللها كلها، على هذا القدر أو ذاك، تدريبات عسكرية في ميادين كثيرة. ولا يشك المراقب، ولو من بعد ومن طريق الصحف، في التمهيد الحوثي المديد لإنشاء المعزل الأهلي والأمني في الجبال الوعرة والقريبة من حدود اليمن الشمالية. ولا يشك، من وجه آخر، في استيعاب الجماعة الحوثية دروس «نظيرها» اللبناني السياسية. فالمعازل المذهبية في دولة متصدعة ومتنازعة هي خير مسرح تخاض عليه حرب «مظلومية»، يسقط فيها عدد كبير من «الشهداء المظلومين»، على عدو أهلي أو إقليمي، أو أهلي - إقليمي معاً، «ظالم». ولا يعصم اليمن، وهو تطل شواطئه على بحر العرب وعلى البحر الأحمر، وهما شريانا نقل حيويان وبوابتان قاريتان على جنوب آسيا وشرق أفريقيا، لا يعصم اليمن بعده من فلسطين وإسرائيل ودول «الطوق». فالطرق الإقليمية يسعها كلها الوصول الى «فلسطين»، إن لم يسعها المرور بها، على مثال مجرب ولد العشرات من النزاعات الأهلية الى اليوم. والتظاهرات الصغيرة والخاطفة في زواريب المنامة أو جبانات الأرض الحرم، هوامش على المتون.

مثال عراقي - كردي - تركي على معالجة قضايا شرق أوسطية وإقليمية

الحياة - 31/03/09
لم تحل الحرب التي يشنها الجيش التركي على معاقل حزب العمال الكردستاني في الأراضي العراقية منذ أعوام طويلة، دون زيارة الرئيس التركي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بغداد. وتناولت الزيارة البارزة، الى المسائل الاقتصادية الحيوية مثل المياه والنفط والنقل، المسألة السياسية الكردية. ولم يتستر البلدان الجاران، وجوارهما المضطرب والمعقد خلّف بينهما ما لا يحصى من الخلافات والمنازعات، على مكانة القضية الكردية من علاقاتهما ومحلها منها. وتولى الرئيس العراقي الكردي، جلال الطالباني، مخاطبة المقاتلين الكردستانيين، وخيَّرهم بين إلقاء السلاح أو ترك جبال قنديل، معقلهم في كردستان العراق. والتقى رئيس إقليم كردستان العراقي، أنوشروان البارزاني، الزائر التركي، وناقش المسؤولان المسألة الكردية.
والحق ان إجراء الزيارة، أو هذا الوجه منها وعلى هذا النحو، يكاد يكون فتحاً في بابه، وهو باب السياسـات الإقليمية الشـرق أوسطية. فالرئيس التركي هو رأس دولة تتصدى منذ ربع قرن لأخطر أزمة وطنية أو قومية تتعرض لها تركيا في تاريخها المعاصر، غداة الحرب الأولى ومعاهداتها.
وإلى الأمس القريب، عالجت الدولة الكمالية الأزمة معالجة عسكرية وأمنية غالبة. ودعا استدراج نهج «الكردستاني»، وتوسله بالإرهاب وأعمال القتل والاغتيال بعيداً من مسرح حربه غير النظامية في الإقليم الكردي نفسه، وإحكامه قبضته على الأهالي وسوسه إياهم بالعنف، القوات المسلحة التركية الى عملياتها «المضادة للتمرد». فأفرطت في إعمال القوة، وأنزلت العقوبات الجماعية في القرى الكردية، فيما يشبه شبهاً قوياً الحروب الاستعمارية التقليدية، وآخرها بعض مراحل الحرب الأميركية بالعراق والعمليات الإسرائيلية في الجوارين، الشمالي والجنوبي.
ولا ينفي هذا ولا يقلل الفرقَ بين السياسة التركية وبين السياسات «الاستعمارية». فالأولى عَرَض من أعراض مشكلة وطنية مركبة أرجأت الدولة القومية والمركزية الكمالية الإقرار بها. وأرجأت التصدي لحلها على غير قاعدة «الجمهورية الواحدة والمندمجة» اندماجاً أقرب الى الانصهار الصوفي الإداري منه الى التدبير السياسي. وأقامت الحكومات التركية القضية الكردية فيصلاً وميزاناً في تعاملها الإقليمي والديبلوماسي، والعسكري الأمني، مع دول الجوار التي تقتسم معها بلاد الكرد ووطنهم وقومهم. فرسمت سياستها في العراق، في اثناء الاستبداد الصدامي ثم في اثناء التمهيد للحملة الدولية الأميركية وفي غضون الأعوام الستة المنصرمة على الإدارة الأميركية للحرب، في ضوء المعيار الكردي. فلم ترضَ دخول القوات الاميركية شمال العراق من البوابة التركية، خشية استقواء المقاتلين الأكراد بالقوات الأميركية واعتصامهم بها، واحتمائهم من القوات التركية. وتحفظت تحفظاً شديداً، يكاد يكون عربياً، عن الفيديرالية والحكم الذاتي الكردي. وأصرت على يد مطلقة من القيود السيادية البدهية في حربها «الكردستاني» وملاذاته العراقية. وهي تنتهج في مسألة كركوك، وتمثيل التركمان، سياسة تدخل حادة.
وعلى رغم هذا، زار عبدالله غل العراق الاتحادي (وإن على نحو غير ثابت ومتقهقر). وعلى رأس العراق هذا نظيره في الرئاسة، وهو كردي يقر بأن الدولة الكردية الجامعة «حلم» لا يغادر قلوب الكرد، وأكراد العراق يجمعهم إقليم يكاد يكون سيداً. وفاوض رئيس الإقليم الذي كرر رأي الرئيس الاتحادي في «الكردستاني». واقترح رئيس الإقليم على غل إجراء سياسياً وقضائياً يتناول أكراد تركيا، ومعالجة مشكلتهم، هو إصدار عفو تركي عام عن مقاتلي «الكردستاني»، مقدمة لمفاوضة شاملة على موقع كردستان تركيا من الدولة الواحدة والمؤتلفة. ورفض الرئيس التركي الاقتراح. ولكن إلمام المناقشة بالمسألة وتطرقها إليها، في إطار الزيارة البارزة، علامة من علامات أخرى على انعطاف سياسي محتمل.ولعل ركن الانعطاف هذا هو تنصل كردي عراقي من وحدة الحركة القومية والاستقلالية («الانفصالية»، على زعم كثر) الكردية، ومن جناح «الكردستاني» الذي يرفع لواء الوحدة، ويقاتل في سبيلها قتالاً بعضه إرهابي، وينظم مقاومته في الداخل والشتات على مثال جهاز أمني متسلط. والخطوة هذه، اي الإنكار على المقاومة «الكردستانية» زعم تمثيل البرنامج الاستقلالي والوطني الكردي، إنما تتمتُها السياسية الجوهرية هي اضطلاع كرد العراق بتبعات اندماجهم في الدولة العراقية، ومحاماتهم عن سيادتها، ووحدة أراضيها بوجه بعض قومهم، واهل عصبيتهم المطالبين بإنجاز بعض «الحلم» المشترك. ويمهد الاضطلاع الوطني المزدوج الطريق الى رد تركي بالتزام احترام السيادة العراقية، من وجه، وبمعالجة القضية الكردية في عقر الدار التركية معالجة سياسية. وظهرت بوادر المعالجة هذه، منذ بعض الوقت، ولو على تقطع، عن يد جناح مدني في الحكم التركي يتصدر الدولة، ويلجم الكتلة العسكرية.
ولا تخفى قوة المثال العراقي - التركي، ومناطه أو شرطه الكردي، في المشرق العربي. فبين القضايا والأزمات التي تمتحن المشرق، وبين المسألة المثلثة التي تتصدى لها السياستان العراقية والتركية، أوجه شبه قوية. ففي فلسطين ولبنان، والضلع الثالث السوري، جناحان مقاتلان في سبيل تحرر وتوحيد «أميين». وتتولى «الدولة» السورية، على صفة الجناح المقاتل والمقاوم، رعاية الجناحين الآخرين. وتريد الأجنحة الثلاثة، تحت عباءة ايرانية معلنة، حمل دولها الوطنية (وفيما يعود الى «الدولة» السورية، تريد حمل «جامعة» الدول العربية) على الإقرار بها طليعة سياسية وقتالية، ومبايعتها على قيادة حروبها الإقليمية والداخلية، وموالاتها من غير تردد. ويترتب على الإقرار والمبايعة والموالاة قبول التسلط البوليسي والأهلي، والرضا بحملات التأديب، والرضوخ للأعمال الإرهابية والاغتيال والاعتقال المتعسف - وجملة هذا الخروج على أبنية الدولة السياسية - والطعن في العلاقات الدولية وهيئاتها ومعاييرها، والإنكار عليها عموماً وتفصيلا (على المثال السوداني البشيري وقبله القذافي).
وعلى قدر ما تدعو أوجه الشبه الى تفاؤل متحفظ، تدعو المقارنة بين «اللاعبين» في الدائرتين الى تشاؤم قاتم. فليس بين الجماعات المشرقية العربية (ناهيك بالطرف الإيراني)، الحاكمة أو الأهلية والجامعة بين الصفتين عموماً، جماعة واحدة تقارن بـ «لاعبي» الدائرة العراقية - التركية - الكردية تحفظاً وإمساكاً. ولا يشذ عن الفرق «الكردستاني» نفسه، على رغم وقائع ماضيه الدامي وبعض حاضره. وانتهت أطراف الدائرة المثلثة الى تحفظها وإمساكها بعد مسير متعثر عاد عليها بكوارث ثقيلة. وحملات صدام حسين و «أنفاله» الكيماوية على الشمال العراقي الكردي، والحرب التركية على شمال شرقي الأناضول، والمنازعات الأهلية الكردية، والحرب الأميركية في العراق ثم حروب الإرهاب «الجهادية» والحروب المذهبية والأهلية العراقية، معالم على طريق الجلجلة، أو الطريق الى جهنم هذه. وأثمرت الجلجلة والطريق هاتان الفصل بين منطق الدولة السياسي وبين منطق المقاومة الأهلي و «الجهادي» في نهاية المطاف.
والكوارث وحدها لا تثمر تحفظاً وإمساكاً وتعقلاً. وإلا لكان المشرق العربي، شعوباً ودولاً، مخزن هذه وحافظها وراعيها. فعلى خلاف الفصل، وفك المنطقين، السياسي و «الجهادي»، واحدهما من الآخر، تُمعن الحركات المشرقية المقاتلة، الخمينية والإخوانية، وضلعها الموازي السوري، في إلحاق منطق الدولة السياسي، الداخلي والخارجي، بالمنطق «الجهادي» المقاتل. فتسطو على الدولة، وعلى هيئاتها ومكوناتها ووظائفها، أو تشقها، و «تفاوض» من موقع السطو هذا على استعمال الدولة، ورد حدها وشفرتها على نفسها. ويعجز النظام الإقليمي، أو بقيته المتخلفة عن الحرب العراقية - الإيرانية، وعن منازعات كمب ديفيد وإرثها، وأزمات الخليج وحروبه المتعاقبة، عن لجم الشقاق ومفاعيله الداخلية الإقليمية المتناسلة.
وعندما يقول وزير الخارجية السوري وليد المعلم، ان سورية «جاهزة لكي تقدم المساعدة اللازمة لإنجاح قرار الرئيس أوباما الخروج من العراق»، قبل ان يتم: «لكن الولايات المتحدة لم تطلب مساعدتنا» - يتردد السامع في حمل القول المأذون و «الحكيم» على الجد ام على الهزل. ويميل، طبعاً، الى حمله على المعنى الثاني. فبينما يقلد الوزير السوري مقالة زميله التركي، علي باباجان، ويحاكيه محاكاة إيمائية، كان السفير السوري في الجامعة العربية، يوسف أحمد، يرى، في اجتماع الجامعة التحضيري، أن ضمان القواسم المشتركة العربية في مؤتمر الدوحة الوشيك هو «التمسك بالثوابت الفلسطينية في حل المشاكل القائمة وأبرزها حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال» على مثال «حماس» و «حزب الله» وسياسة دمشق في لبنان وغزة والعراق وتركيا (الى 1998). وكان الرئيس السوري وعد صحيفة يابانية بإلحاق السلطة الفلسطينية والدولة اللبنانية بالمنظمتين العسكريتين والأمنيتين اللتين يشارك في رعايتهما.

بيان برنامج تحالف «14 آذار» اللبناني يخوض في سياسة طواها معسكر «8 آذار» وأقام محلها دولة ومجتمعاً موازيين لا يحكمان

الحياة - 22/03/09//
بُعيد ندائه «اللبنانيين» وطمأنتهم الى أن «مشروع قوى 14 آذار (مارس) ليس مشروع غلبة وإلغاء»، يجهر بيان تحالف القوى الانتخابي (صحف 15 آذار - 2009) إرادة التحالف «طي صفحة الصراع الداخلي، وإعادة وصل ما انقطع بين اللبنانيين، وتكريس النهج السلمي والديموقراطي في العمل السياسي ونبذ العنف الداخلي». ولا غموض في مخاطبة الفقرة هذه جمهور حلف «8 آذار» وقواه وناشطيه، ولبنانييه المواطنين والأهالي. وتذكر الفقرة التالية بدعوة سابقة الى الجمهور نفسه، غداة قرار إنشاء المحكمة الدولية، في 30 أيار (مايو) 2007. ويومها ناشد اصحاب قضية المحكمة، وهم «14 آذار» جمهوراً ومنظمات وسياسيين، الفريق الآخر «إحياء التسوية التاريخية التي حدد مضامينها اتفاق الطائف». ويروي البيان الأخير ان «الفريق الآخر لم يلبّ دعوتنا بل واجهها بالتعطيل وأحياناً بالسلاح».وقد يدعو هذا المواطن اللبناني، نصيرَ «14 آذار» الانتخابي وعلى قدر أقل السياسي، الى ملاحظة خرق واسع، أو فجوة فاغرة في بيان التحالف وسياسته. فيسكت بيان التحالف الأخير عما يترتب على إخفاق الدعوة المتجددة الى «إحياء» مضامين تسوية الطائف، وتكريس «النهج السلمي والديموقراطي». وهو يسكت عن السبب في إخفاق الدعوة الأولى، والرد عليها بالتعطيل والسلاح. ويغضي عما ينوي فعله إذا تواتر الإخفاق وتوالى. فيحسب البيان ان طي الصراع الداخلي، وانتهاج النهج السلمي والديموقراطي، مصلحة جامعة ووطنية واحدة. وهذا تفاؤل مفرط. فالنهج خلّف إخراج قوة الاحتلال السورية من لبنان، وهزيمة حلفائها وصنائعها في الانتخابات النيابية، وإقرار المحكمة الخاصة الدولية - اللبنانية المختلطة، واستعادة جزء من السيادة الوطنية على الإدارات والأجهزة وجزء من الدور الإقليمي والدولي، الى استعادة اللبنانيين بعض الحقوق السياسية والإنسانية. والانقسامات التي ولدتها الإنجازات هذه، ونهجها السلمي، أبرزت عمق الانقسام السياسي الوطني الذي يعتمل في قلب العلاقات اللبنانية. وهو يتطاول الى معيار السياسة والاجتماع السياسي. ويحسب البيان ان تعريف المعيار هذا محل إجماع، ومصلحة مشتركة. وهو علة تنافر واقتتال. وهذا ما تريد قوى «8 آذار» إفهامه خصمها السياسي والوطني والأهلي، وما قصدت إفهامه إياه حين لم تلبّ الدعوة الأولى. وفي ضوء حوادث شباط (فبراير) 2005 - آذار 2009 - أي في «ضوء» الإضرابات المسلحة والحرب الإقليمية والإناخة على بيروت وتعطيل المجلس النيابي وأدواره وغارات 7- 9 أيار 2008 واتفاق الدوحة - لا يشك المواطن المراقب في ان نهج «8 آذار» ينافي منافاة قاطعة الاحتكام الى جماعة اللبنانيين الوطنية، أو أمتهم السياسية وكيانهم القانوني والحقوقي. فما تراه كتلة «8 آذار» هزائم إنما نجم عن إعمال النهج السياسي، على حده الأدنى القاضي بالجمع بين وحدة المؤسسات والهيئات الوطنية وبين اختلاف القوى السياسية وتنازعها وحسمها المنازعات بالاقتراع. فقوى المعسكر هذا تسمي نفسها معارضة وهي في قلب الحكم. وتنسب نفسها الى الشعب وهي تشهر سلطان النقض البتار وسيفه.وحين يذكرها البيان العتيد بإقرار المحكمة الدولية فإنما يذكرها بهزيمة نكراء لحقت بها، وبنهجها العصبي و «القومي» والاستيلائي، عن يد المجتمع الدولي. ولم يسعها تدارك الهزيمة هذه من طريق حال الطوارئ العرفية التي أرادت فرضها على الدولة والمجتمع اللبنانيين. وعلى هذا، فهي تدعى الى قبول غلِّ يديها وتقييدهما بالنهج السياسي، على حدِّه الأدنى المزدوج، حين تدعى الى طي العنف، والتخلي عن فرض الأمور الواقعة بالقوة المسلحة والشقاق المذهبي الأهلي والحرب الإيديولوجية. فهذا النهج، العصبي «القومي» والاستيلائي، اختار معسكر «8 آذار»، وانتخبه سياسة متماسكة دفاعاً عن مصلحته التي يدعوه البيان، مرة جديدة، الى النزول عنها. فماذا كان بقي من «8 آذار»، جماعة ومعسكراً سياسياً وأمنياً، لولا خوف الاغتيالات وشل الوزارة وحرب 2006 وحصار بيروت، وحرب العصابات والخنادق فيها وحرب نهر البارد والحرب الإعلامية؟ والمنطق الذي يدعو تحالف «14 آذار» الكتلة الخصم الى الأخذ به - وهو منطق الدولة وتحريرها واستقلالها، وبنائها الواحد والمتنوع، وتغليب عقد الشراكة الداخلية على الروابط الإقليمية - إنما قام المعسكر الخصم، جماعات وكتلة، وتماسَكَ واستمر على إنكارها، والحط منها، وإبطالها. وأفعال المعسكر، منذ اتفاق الطائف وفي أثناء الجلجلة المتطاولة التي سبقته وتلك التي تلته، شاهد على الإنكار والحط والإنكار جميعاً.وليس أشد غرابة من عجب «14 آذار»، سياسيين ومعلقين صحافيين، لقول قائل المعسكر الخصم، وخطيبه الآمر، ان الغالبية النيابية ليست غالبية شعبية، وهذه ليست شرط تلك. ومعنى القولة هذه هو خيط الحوادث الجامع منذ الاستيلاء السوري على لبنان، ومنذ اغتيال رفيق الحريري على أقرب تقدير. وازدواج المشروعية، مشروعية الولاية (على الأمة) ومشروعية الدولة المدنية، هو في صلب المقالة «الإسلامية» السياسية. وهو ما لا تنكره «القومية» السورية. فالحركة السياسية، إذا قيض لها التسليح المتجدد والاستخبار الأمني، والإقليم المنفصل، أو القاعدة الجغرافية والبشرية المسورة، والجهاز السياسي الآمر، والتمويل الوافر، وعلاقة السرة بقاعدة خلفية أو جانبية أمينة، والحماية من الرابطة الوطنية العريضة وهيئاتها المركبة والمجتمعة في دولة و «القضية» الصوفية - هذه الحركة السياسية إذا قيض لها هذا كله، على ما قيض للحركة الشيعية وفروعها منذ 1982، لم يعسر عليها أو يستحِلْ انتخاب كثرة نيابية ساحقة من غير إكراه ولا غصب ظاهرين.ولعل هذا جزء من المعنى الذي أراده أمير «المقاومة الإسلامية». وهو المعنى المستقر والشاهد. وهو ربما أراد جزءاً آخر يرد الى اتفاق الطائف و «تسويته التاريخية»، على قول البيان. فالاتفاق العتيد أقر اقتسام الجناحين اللبنانيين الدينيين مقاعد المجلس النيابي ومجلس الوزراء، ومناصب الإمارة العليا، مناصفة، ومساواة اللبنانيين المسيحيين والمسلمين في التمثيل السياسي والإداري. وأقر «مؤتمر» الطائف المناصفة العددية على رغم ميل ميزان العدد ميلاً قوياً الى المسلمين، سنة وشيعة في المرتبتين الأوليين. فكان على الطائفتين المحمديتين، وعلى الشيعة الإماميين على وجه الخصوص، اقتسام تمثيل انتخابي ثم سياسي وإداري، على قدم المساواة مع نظيره المسيحي، من غير مكافأة سكانية وعددية. وينبغي ألا ينسى المسيحيون الفضل «القومي» هذا عليهم.فنصّبت السياسة السورية أبنية سياسية صورية، وحَّدتها تحت لواء «التحرير» أو «المقاومة». وقدمت وأخرت، ونفت وقربت، في ضوء المعيار هذا. فرعت تبلور دولة موازية، وقوات عسكرية وأمنية باطنية، وديبلوماسية أهلية، ومرافق إدارية واجتماعية وتعليمية وموارد دخل على حدة، لا تنشأ عن السوق الداخلية ولا تصب في دورتها إلا ما جُبي عنوة من الدولة. وما هو خارج الدوائر والأبنية الموازية هذه، وهو معظم سعي اللبنانيين ونتاج تاريخهم الاجتماعي - السياسي، حاولت السياسة السورية كبته وقتله وسحقه. فكان 14 آذار (مارس) 2005 «ثأر» التاريخ هذا.فمعسكر «8 آذار»، قديمه ومحدثه، عريقه وطريفه (على معاني الطرافة كلها)، هو ثمرة تبلور الدوائر الموازية، أو دوائر الظل هذه، خارج الدولة والمجتمع والوطنية الدستورية المشتركة، في رعاية القبضة السورية ومساندة الولاية والمالية الخمينيتين. وينبغي الإقرار الممض والمرير بأن البلورة العروبية والمذهبية هذه، على أنقاض دولة ومجتمع أهليين ومليين، اصابت نجاحاً عظيماً. ويوفر النجاح هذا انفجار حروب داخلية تلبنن السياسات الإقليمية والدولية. فهو ينزل الخرق في قلب كيان الدولة، مواثيق ومؤسسات وسلطات وإدارات وأهواء شعبية، ويشقها ويعلق عملها ووظائفها. والأرجح ان لغة بيان «14 آذار»، مفردات ومعاني ومباني خطاب، هي رطانة كرشونية أو أعجمية رومية في آذان أو أفهام «شركائنا في الوطن».والبيان - البرنامج يطلب الى المواطنين الناخبين والمقترعين الاقتراع لمرشحين يتعهدون انتهاج السياسة التي يقترحها اصحاب البيان. والسياسة هذه، من القرار 1701 و «حل الدولتين» ومبادرة قمة بيروت 2002 الى تطبيق اتفاق الطائف والتزام المسؤولين صلاحياتهم والمحكمة الدولية وباريس -3، رهن سلطة دولة واحدة تتولى مقتضيات القرار 1701 وقبله القرارين 425 و426 وقبلهما اتفاق الهدنة في 1948. فتحول دون مرابطة جماعات أهلية مسلحة ومقاتلة على الحدود، إلخ. فإذا لم تؤد كثرة نيابية الى توحيد الدولة والسلطة، وإلى ضمان مباشرة السلطة الواحدة من ندبهم الاقتراع العام الى مباشرتها، وانقياد الأجهزة التنفيذية لأمر السلطة هذه، أبطل ذلك العملية الانتخابية، وحكم فيها بالعبث، على ما صنع معسكر «أمل» و «حزب الله» و «الإصلاح والتغيير» منذ 2005، ويصنع اليوم ويعد بصنعه غداً.فالبرنامج السياسي الفعلي، على هذا، ينبغي أن ينص على أدوات أو إجراءات توحد الدولة والسلطة بإرادة المواطنين المعلنة، وفي هذه الإرادة. فهل في مستطاع القوة السياسية الغالبة، والمتمتعة بثقة كثرة المواطنين الناخبين، إذا كانت القوة الغالبة هي «14 آذار»، ان تأمر القوات المسلحة الوطنية، والأجهزة الأمنية، برد الجماعات الأهلية المسلحة والمقاتلة عن التحكم بالحدود، وتجاراتها غير العلنية وتجارها؟ أو أن تأمرها بحماية المرافق والساحات العامة وأمن المواطنين، أفراداً أو منظمات، من العدوان الموصوف والإرهاب والاحتجاز وحرق الممتلكات؟والبيان - البرنامج السياسي لا يجيب عن الأسئلة هذه. وهي اسئلة لا جواب عنها إلا على مستوى القيادة في كل من طهران ودمشق ربما. واستحالة الجواب جزء من «البلورة» السورية - الإيرانية التي مر الكلام عليها وتقدم، ووجه من وجوه «الإنجاز» العروبي والإسلامي في اثناء ثلث القرن المنصرم. فيخاطب البيان - البرنامج «الشركاء» المفترضين، ونحن نفترضهم شركاء حين هم ينكرون الافتراض والفرض معاً، بتخويفهم ثمرة شقاقهم، وتوليهم أوطاناً ودولاً أخرى. وهم تحدوهم الى ما يُخوَّفونه رغبة جارفة و «استشهادية». فهم يقبلون على التحرير (ما يسميه البيان تحريراً) وحروبه، وعلى الوحدة (وهي في البيان تتمة التنوع وقطبها الآخر) وفتوحها وغصبها، وعلى منطق الثنائيات الطائفية، وتغليب الروابط والمصالح الإقليمية، يقبلون على هذا وغيره مثله إقبال المحموم المنتشي والمستميت. وهم يكرهون الاستقلال والتنوع والعقد الوطني وقيود الشراكة مقدار كراهتهم قتلة «أهلهم»، وذراري القتلة الى يوم الحساب. وما يوعدون به من قرارات دولية، ومقترحات عربية، ومواد دستورية، وتسويات تاريخية، وحوار حضارات، باعث على سخرية وازدراء مسترسلين. وهم يرون السلم والعمل والرخاء والأمن رشى لا تستحق الإصغاء إليها.ولا يدعو هذا الى التسليم. فالأحوال السياسية والأهلية والثقافية - الإعلامية التي انتهينا إليها، واشتركنا في صنعها على هذا القدر أو ذاك، هي من صنف لا يعقل على وجه السياسات العادية أو السوية، ولو احتسبت أطر السياسات الثقافية والوطنية المحلية. فتجريد السياسة، على المثال العروبي والمذهبي السائد، من أبعادها أو متعلقاتها القانونية الحقوقية والعملية والأخلاقية، وتلخيصها في الموازين السلطانية المحض، وتخليصها من دواعي المصلحة، تصيب الاجتماع السياسي، أي «التئام ثلاث أسر وما فوق» على قول جان بودان (1588م)، بالعي والشلل. وقد يجوز القول في الانتخابات القادمة ما يقوله البيان - البرنامج، أو قريباً منه. وربما ينبغي قوله، ومحاكاة مثال سياسي سوي ومفهوم. ولكن أصل مشكلتنا السياسية هو غير هذا. ونحن نعالج المشكلة، وأصلها، من غير ان نجرد العلاج، وهو مقاومة «المقاومة»، نهجاً ومقالة. ومثالنا المضمر هو تصدي الجسم الحي لاعتلاله و «زماناته»، على قول جعفر الصادق.