الاثنين، 11 مايو 2015

الاستيلاء الإسلامي (والقومي) تقنية في مادة أماتها توحشان... رسوم ضابط الاستخبارات العراقي والصدامي البيانية في بناء الدولة ـ الخلافة



10/5/2015 (نوافذ- المستقبل)
استوقف مطالعي التحقيق الصحافي الذي نشرته الاسبوعية الالمانية «دير شبيغل»، وكتبه مراسلها كريستوفر رويتر (ونقلت «المستقبل» اللبنانية معظمه في 20/4/2015، و»لوموند» الفرنسية في 26-27/4)، ما قد يشي بعلاقة «بطل» التحقيق حجي بكر أو سمير عبد محمد الخليفاوي، العقيد أو العميد العراقي في الحرس الجمهوري الصدامي وأحد قادته الاستخباريين قبل انهياره- بالاستخبارات السورية الاسدية، ودائرة الإقامة والتجهيز في وزارة الدفاع. فالأوراق أو الصحائف الـ31 التي كتبها المسؤول الاستخباري السابق في منزله بتل رفعت، الى الشمال من حلب قبل مقتله في نيسان 2014، بقلم حبر ناشف، ورسم عليها الصورة البيانية لسلسلة المراتب القيادية، تحمل في أعلاها ميسم الوزارة النظامية والدائرة أو المصلحة الفرعية.

والحق أن القرينة واهية، من غير أن يعني القولُ بضعفها نفيَ مجموعة الملاحظات على مهادنة «الدولة»، في مرحلتي تسميتها، جيش حافظ وبشار الاسد، ومهاجمة عصاباتها شتات منظمات المعارضة وفرقها وألويتها الكثيرة. فلم يخف أحداً من المراقبين، ومن معارضي الداخل على مذاهبهم ومنازعهم، أن الطيران الحربي النظامي يقتصر على قصف مواقع مسلحي المعارضة، ويتجنب قصف مواقع «داعش»، وأن «الامير الداعشي»، على قول رويتر، يَنهي أنصاره ومقاتليه عن التحرش بـ»جيش الاسد». والانتحاريون، سلاح التنظيم الارهابي و»الجهادي» الأمضى، كانوا على الدوام هدية التنظيم المسمومة الى المنظمات المعارضة.

ولكن تقديم قتال منظمات المعارضة المسلحة على قتال وحدات النظام العصبي، والاستيلاء على مواقع الاولى وقراها وبلداتها ومدنها بالحيلة والارهاب، لم يترتب عليهما تراخٍ عن مهاجمة بعض مواقع النظام البارزة، مثل سجن حلب المركزي وبعض حواجز الجيش الحصينة ومطاراته، ولم يؤديا من وجه آخر الى النزول عن غنائم «الفتوحات» الى «الجيش». وعلى نحو ما ارتد مقاتلو «الدولة» على الفرقة 17 الأسدية، قرب الرقة، وقاعدتها العسكرية المحاصرة، ، بعد أن فكوا حصار مسلحي المعارضة عنها في أوائل 2014، فقتلوا غداة استيلائهم على الموصل من حرروهم من الحصار الطويل، ونهبوا مخازن سلاحهم، لا يؤمن انقلابهم على حليفهم المزعوم عند أول بادرة غنيمة تلوح في أفق قريب.

وتعليل الارتداد والانقلاب بسياسةٍ استخبارية وأمنية سورية، وحملهما على رغبة النظام في إظهار عداوة «داعش» له، وإقناع العالم بأنه «ضحية» التنظيم الارهابي، على قول صحافي «دير شبيغل» في ملاحظاته الختامية، دليل على بلوغ مرونة أو سيولة الجهتين المتقاتلتين، الاسد و»الدولة»، حداً أو مبلغاً لا يستقيم معه أي توقع يعول على هوية سياسية متماسكة. ففي الليل الذي تلف به سياستا بشار الاسد ونظيره «الجهادي» الحوادث والوقائع السورية، لا يميز النظر هوية القوى بعضها من بعض: فـ»البقرات» كلها سود و»الفئران» كلها رمادية. وقد تقوم الأوراق التي خلفها الحجي المزعوم وثيقةً «تقنية» وتعليمية على خواء سياسة التوحش وإدارته، على مذهب أبي بكر ناجي (أو محمد خليل الحكايمة، «أبو جهاد المصري»، الضابط السابق والمقاتل في صفوف قوات بن لادن في أفغانستان وقتيل غارة طائرة من غير طيار بوزيرستان، في 2008- نقلاً عن عبد الباري عطون: الدولة الاسلامية، دار الساقي، 2015). وهي، في الوقت نفسه، وثيقة على خواء السياسة «القومية» النقيض، وعلى خسارتها معالم تعرف وتعارف، ومعالم اجتماع أو مجتمع تالياً.

البؤرة

ولعل أول ما يصف الخليفاوي هو حياده الفني أو التقني والاجرائي. فليس في الأوراق ما ينم برأي أو بإيديولوجية ومعيار وهوى. وهو لم يقدم رسومه البيانية وسلاسل الامر والمهمات بتسويغ اعتقادي أو إيماني أو دعوي أو مهدوي. ولم يمهد لشأنه، وهو تصميم «هيكل دولة اسلامية استخباراتية أو خلافة يتولاها جهاز استخبارات» (كريستوفر رويتر)، بالتذكير بأركان الدين ولا بما كان يسميه اليساريون «تحليلاً سياسياً« يشخص سمة أو سمات المرحلة، والعصر الراهن استطراداً واستتماماً. وهذا «لا سياسة»، أو نقيضها ونقض عليها، لو صح أن «اللا سياسة» ليست سياسة من صنف أو نوع محدد. فملاحظات ضابط الاستخبارات الصدامي تنضح باعتبارات ومضمرات سياسية «عميقة».

فخطته ومخططه أو تصميمه يخدمان هدفاً واضحاً وجلياً هو «الاستيلاء على شمال سوريا». وهو قدم سوريا في أواخر 2012، وكان انقضى على اندلاع الحركة المحلية والوطنية نحو العشرين شهراً تامة. وفي الاثناء، اتسعت الحركة ببطء وتعرج، وتعثرت بجنوح جماعاتها الى التقوقع المحلي والأهلي والى التنافس على غنائم الرعايات الاقليمية وعوائد الاقطاعات الوطنية والتمثيل المعلن. وتصدعت القوات المسلحة الحكومية ومعها الادارات. وبرز أسياد الحرب وولاة «الألوية» و»الأجناد» و»الفيالق» وفي ظلهم الوارف ما لا يحصى من الوكلاء والوسطاء. فأحبطوا باكراً محاولات التنسيق من طريق الحكومة المحلية والتسيير الذاتي. وسرعان ما تبلورت النزعات المحلية وولدت كتلاً بلدية، جغرافية وأهلية عصبية، قومية ومذهبية، حاكت الصراعات القديمة بين محور مدن السهل السنية وبين «دول» الأطراف الجبلية والصحراوية، وبين السكان «الأصليين» وبين المهاجرين الجدد النازحين الى أحزمة المدن وضواحيها الزراعية وإداراتها الرثة والمتخمة...

وتنزل حلب ومعرة النعمان وادلب وجبل الاكراد، واليها الشمال الشرقي السوري كله بين عفرين والقامشلي (قامشلو)، من شبكة النزاعات والخلافات والعصبيات الاهلية والولاءات، محل الصدارة. ففيها العرب والكرد، والعشائر وأهل المدن، والملكيات الزراعية الرأسمالية والشاوية، ومن يولون وجههم تركيا القريبة ومن يممون شطر العراق، ومن يعتاشون من التهريب والخوات والوساطات ومن يعملون في مرافق انتاج سوية. وفيها المذاهب والفرق كلها. وهي ورثت من أواخر عهد السلطنة العثمانية وربع قرن الانتداب وعقدي الاستقلال الأولين حدة النزاعات بين «الاقطاعيين» النافذين والأعيان وشبكات موالي الجماعتين وبين أهل الضعف من الفلاحين وصغار المزارعين والتجار والموظفين والمتعلمين والمشايخ المعممين. وورثت الفروق الواسعة بين هؤلاء وبين أولئك مضاعفةً، جراء شيوع المبادلات النقدية، واستواء أهل سلطان جامع ومانع محل الأسر الكبيرة.

واختار الخليفاوي حجي بكر- عقيدُ الاستخبارات السابق (أو عميدها، على بعض الروايات)، وعضو قيادة حزب البعث في السجون العراقية، وخليفة العميد الركن محمد النَّدّي الجبوري (الملقب بالراعي) على قيادة أركان الدولة الاسلامية في بلاد الرافدين بعد مقتله، وصلة وصل أبي عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر بضباط البعث العراقي المسرحين ومستشار البغدادي والمهاجر العسكري جزاء خدماته الاستخبارية- اختار الرجل في أواخر 2010 البلدة النائية والصغيرة في ريف حلب الشمالي معقلاً وموئلاً (بعض معالم سيرته في كتاب محمد علوش: داعش واخواتها، رياض الريس للكتب والنشر، 2015) أو بؤرةً، على ما كان «تشي» غيفارا قال وهو يعني بعض أمور أخرى. ويبعد أن يكون انتخاب رجل الاستخبارات العراقي المجرب مقر قيادته وأركانه، وتوقيت قدومه الشمال السوري، في أعقاب 7 سنوات ونصف السنة على احتلال القوات المتحالفة العراق و20 شهراً على اندلاع الثورة على السلطان الاسدي وبيروقراطيته البوليسية المركزية، اتفاقاً ومصادفة. فالموضع مرآة مصائر ثورة السوريين وعصبياتهم المتفرقة والمتنازعة على «دولة» التشبيح والخطف والمصادرة على مقومات الحياة العادية. وهو يراكم اختبار الانقسامات الموروثة من نصف القرن الاسدي وجديد الاقتتال العاصف في صفوف الجماعات المعارضة والاهالي وبين الجماعات هذه وبين القوات المسلحة النظامية الارهابية.

فأعمل «العقيد سمير»، على ما سمي أو دعي الحجي في بعض أوقات حياته النضالية، في الموضع والوقت اللذين اختارهما، دراية استخبارية، بعثية وصدامية، هي زبدة علم أحزاب الاستيلاء على السلطة من خلف ظهر المجتمعات و»الناس نيام». والصحائف التي يلخصها مراسل الدورية الاسبوعية الالمانية شهادة على عِلْم السياسة «العربي» هذا في مرحلته الاخيرة، وعلى طرائقه ومناهجه. وإذا رمت الخطة، وهي «بدت سخيفة وواهمة»، يومها، الى بسط سيطرة «الدولة الاسلامية» (في العراق») على أوسع أرض سورية، والتوسل بها الى غزو العراق القريب، فأداتها الاولى، وشرط فاعليتها، هي «استقلال الارهابيين بأمورهم وإدارتها بالاساليب الوحشية التي يرتأون». ورضي بشار الاسد بهذا الاستقلال، ضمناً أو صراحة. وكان حافظ الاسد نزل للجماعة الخمينية المسلحة في لبنان، تدريجاً، عن «استقلالها» كذلك، على خلاف مراقبته الشديدة الجماعات الثانوية الأخرى الدائرة في فلك نفوذه واستعماله.

القيادة والمادة

واللبنة الأولى في الاستيلاء، ومقدمته الضرورية، هي القيادة، ونواتها صاحب الخطة نفسه. وعلى مثال انتخاب القائد نفسه قائداً، بادر الرجل الى «رسم هيكل الدولة الاسلامية من القمة الى السفح الميداني»، والى ربط المستويين بسلاسل من المراتب والمناصب الوسيطة، وتسمية أصحابها إسماً إسماً. ووصف علاقة المراتب والمناصب بعضها ببعض، وعلاقة أصحابها بعضهم ببعضهم الآخر. وجمع بضع مئات من المقاتلين بتل رفعت، كرسي «دولته». وندبهم الى تجنيد الأنصار والمريدين من طريق مكاتب دعوية بثها في البلاد «المحررة»، أي تلك التي زال عنها سلطان «العصابة» البوليسي. وجمعت المكاتب جمهوراً من القاصدين الباحثين عن الهداية والعلم أو تزجية الوقت أو العمل المأجور أو الاستطلاع والرصد، أو هذه كلها معاً. فيختار «الدعاة» والمحاضرون رجلاً أو اثنين من الجمهور، ويوكلون إليه (أو إليهما) التجسس على الأهالي تجسساً موجهاً، يناط به مراكمة «بنك» معلومات أو معطيات ووقائع تستعمل من بعد في استمالة من تصلح استمالته، أو يصلح استتباعه واستخدامه، أو تستعمل في توريط أو فضيحة من يعود توريطه أو فضيحته بالنفع على «الدولة» المزعومة.

وأبواب المعلومات والمعطيات مثل باب العائلات الثرية والمتصدرة وأهل الثراء والنفوذ فيها، وباب مصادر مداخيلهم وعوائدهم، وباب أحوال الاشخاص الجنائية والحميمة وسوابقهم وزيجاتهم، إلخ.- تشترك في جواز الدخول منها الى السطو والمصادرة والابتزاز، والى تأليب ناس على ناس، وتقطيع أواصرهم وإثارة حزازاتهم، وجرهم الى تفادي الابتزاز لقاء ثمن يفرض عليهم ويعود على بيت مال «الدولة»، أو بيت جندها ومقاتلتها بعوائد ومنافع، ويلحق ذوي النفوذ وجماعاتهم وأهل عصبياتهم بأمراء «الدولة». فالجمهور الذي يرسي عليه ضابط الاستخبارات البعثي والاسلامي الجهادي معاً قوته، ويعمله في خطته، هو مادة استخبارية في المرتبة الاولى. وينخرط أفراد الجمهور في هذه المادة وهم غير دارين بما يفعلون، وبما يراد لهم. ومن يؤدي دوراً بارزاً في عمله هذا، ويظهر ذكاءً، ينتخب «شيخاً فقيهاً» (وهذا غير بعيد من انتخاب «الأعلم» بين فقهاء الخمينية وآياتها، فهو المبرز في خدمة «الدولة الاسلامية» وميادينها العسكرية والديبلوماسية والتعبوية وقد يكون قريباً من النكرة بين أقرانه فقهاً وعلماً).

وتنحو أسئلة الراصد الاستخباري نحواً اجتماعياتياً (سوسيولوجياً) واضحاً. فتحريه الدقيق عن مصادر الدخل وعدد السكان والعائلات المتدينة، وعن ميولها الصوفية أو الحشوية، وأئمة المساجد وزوجاتهم وعددهن والهيئات الادارية أو الوقفية التي تعيلهم- هذا التحري، وعلى هذا النحو، يحيل الأهالي الى أدوات أو ذرائع عملية يُعمل فيها المتربص بها، من تسميه روايات غربية كبير الأشقاء أو عظيمهم و»ضخمهم» (المتنبي)، خططه وآلاته. ولا يكتم الصحافي الألماني، شأن مراقبين كثر قبله وبعده أجانبَ ومحليين، انكاره ذرائعية عملية وكلبية، يسميها تهذيباً «براغماتية تكتيكية»، تتوسل بالتقاليد الدينية وهالاتها وحرماتها الشائعة والمفترضة الى الدناءات الخسيسة، وأعمال التزوير والتشبيه الخادعة. فيحسب أن ما يذهب إليه الحجي المقنَّع والمتربص في تل رفعت من تعيين الجاسوس الحاذق أو الذكي «شيخاً فقيهاً» يدينه بالانحراف عن تديَّن قويم وصادق. ويغفل عن أن ثورة اسلامية «تاريخية»، هي الثورة الخمينية الايرانية، دمجت الدين (الاسلام) في السياسة من غير مراوغة ولا تحايل. وحملت ما يأنف منه المعيار الأخلاقي المشترك والسائر، مثل القتل والاغتيال والوشاية والكذب والتهمة، على ضرورات لا يبعد أن تنسب الى العبادة والقربى. وسبق أن رُفعت الأنصاب لسادة أجهزة الاستخبار والرصد والاستطلاع، وهم سادة التعذيب وانتزاع الإقرار والاعتراف والوشايات، أمام مباني اللوبيانكا (حيث مقر أجهزة الأمن: التشيكا والغي بي يو والكي جي بي والإف إس بي) بموسكو السوفياتية. ومدحت الدعوة الستالينية والدعوة الماوية (الثقافية الثورية)، في العهد البطولي، وشاية الابن بأبيه البورجوازي والأخ بأخيه والبنت بأمها، وعُد هذا إيماناً نقياً وصافياً.

فوراء او مع «رصد الثغرة الضئيلة القمينة ببث الشقاق في بنيان البلدة أو القرية الاجتماعي»، وإعمالها في قيام جماعة على جماعة والنفخ في العداوات والثارات بينهما، نهج استيلاء وحرب خالصين ومجردين. والسلطة والدولة، على هذا النهج، سلطان قاهر يَصْلي الجماعات ومجتمعها (أو وعاءها البراني) حروباً لا هوادة فيها. ويعول السلطان في هذه الحروب على هزيمة الجماعات وتصدعها والتحاقها، من غير بقية لحمة أو قوام، به وبجهازه، وعلى انقياد فئاتها لإرادته. فهو يقطفها، على معنى قطاف الرؤوس التي أينعت (الحجاج بن يوسف)، وهي منقطعة من روابطها وأواصرها الاجتماعية والانسانية التي تؤلف بين كتلها وآحادها، على قدر ما تتيحه الكتل للآحاد من فرص انتحاء وفرادة. فكل رابطة أو لحمة غير حال «الذوبان» (على قول خميني لا يزال سارياً) في المرتبة الأعلى، إنما تتصور في صورة الخروج والانحراف والتمرد. وتشكك «الكولونيل سمير» الصدامي في الصوفية والديموقراطية والحشوية، ورغبته في الإلمام بكل ما يتصل بطوايا طبقات «الرعية» وأحوالها الظاهرة ومعاشها، يترتبان على محل السلطان و»الدولة» المفترض و»الشرعي» من الرعايا المأمورين. فعلى هذا المذهب في السلطان و»الدولة» والشرع ينبغي تحطيمُ كل رابطة قد تقيد عصبية السلطان وتنافسها أو تقتسم معها ولاء الرعايا. ويؤول هذا الى انشاء «مجتمع نقيض» يعتزل المجتمعات الاخرى.

الخواء المزدوج

وعلى هذا جرت «دولة» السلطان الأسدي والعصبي. فسعت في تجريد السوريين من هوياتهم الأخرى. فنسبتهم، من طريق نسبة سوريا الى الاسد وإضافتها إليه، الى الطاغية الفرد وقوميته العربية الجوهرية. وحطت من قدر الهويات الأخرى، العائلية والمحلية والمهنية والقومية والاجتماعية والطائفية المذهبية والدينية والتاريخية والطرقية والفقهية الى الهوية الفردية والشخصية. وحَملت على جزئية هذه الهويات وفئويتها وجهويتها حملة شعواء ومقذعة. ووصلتها بالخيانة والمروق والمرض والاستشراق، وإلى «سايكس بيكو» اختصاراً وقطعاً لدابر أي احتجاج (على وجهي سايكس- بيكو: التجزئة ونهاية الخلافة). فكان على السوريين أن يسدوا رمقهم الى التعريف والتعارف و»عمارة ما بينهم» (أو تواصلهم و«فعلهم التواصلي») بواسطة الخواء العروبي، ورطانته الهزيلة والمنفصمة، على النحو الذي يتبدى في الخطب والمحاورات الرئاسية وفي مضابط تحقيق عمداء وألوية الاستخبارات مع «الرؤساء» اللبنانيين. فلما عري الخواء من رهبته ولباسه الملكي، وظهر على ضآلته، لم يجد السوريون ما يتعارفون بواسطته، ويُجمعون أو يختلفون من طريقه، ويسندون دعاويهم إليه.

وعلى هذه الحال قطفهم عمال الدولة الخلافة، وقطعوهم إرباً ومكلفين شرعاً ومقصرين في قيامهم بتكليفهم. وأحلوا الشرع وهويته محل خواء «الدولة» القومية الممانعة والمقاومة. وسلطوا عليهم فتيتهم ومراهقيهم، ومن كان القرآن سماهم سفهاءهم، وهم لم يبلغوا العشرين من العمر. وأوكلوا الأعمال والرئاسات الى من هم في حلٍّ من الروابط والتبعات، وأحلتهم الحروب الاهلية والمحلية والمذهبية منها. وأتاحت لهم انتهاك الضوابط والقيود المبدئية على العنف والتمثيل والإذلال والتعسف والقهر. فاختار الاستخباري المجرب في السجون والساحات العراقية، البغدادية والأنبارية وفي صلاح الدين وديالى، هؤلاء «السفهاء» المحررين من قيود الروابط الاهلية والدينية والعرفية والسياسية، وأطلق يدهم في التلصص والقتل والخطف والاعتقال والقنص والترهيب وأمور أخرى، ربما لم تنص عليها أوراق الحجي، أو ربما لم ينتبه المراسل إليها، على شاكلة الصلب والقطع والحرق والرجم والخلع والتطليق والتزويج والتسري والمصادرة والنفي والاستتابة والحسبة والخرص قبل الجباية وفي التجنيد والتعبئة... وكلها أحكام أشهدت الدولة الخلافة الجمهور على النطق بها وإنفاذها، وصورتها التصوير التلفزيوني الرقيق الحواشي والايطالي (وليس الهوليوودي).

والروايات الميدانية والحقلية والحوادث الظرفية التي ينقلها المراسل عن شهود من أهل البلاد والمناطق التي ابتليت ببلوى الدولة الخلافة بعد بلواها بولاية دولة العصابة، هي تحقيق النهج الاستخباري الشرعي الذي تقدمت صفته. فالتسلل خفية من مكاتب الدعوة المشحونة بالمقاتلين والسلاح في سرمدة وأطمة وكفرتاخريم والدنا وسلقين، بجوار ادلب، بعد تسلله الى الباب وأتارب وأعزاز ومنبج، غير بعيد من حلب، فصل من فصول مباغتة النواة الاستخبارية الاهالي والجماعات من حيث لا يحتسبون، وقيادتهم الى الاسلام ودولته وخلافته قسراً وعلى غير علم منهم ولا إرادة. والحذر والتهذيب، والاقنعة السود المعمية، وتجنيد السوريين في سبيل كسب ثقة الاهالي قبل تقليص عددهم واستجلاب أجانب لا تربطهم رابطة بالأهالي، وعزل المجندين، عرباً وأجانب، عن الجوار وقصرهم على الدوران في دائرتهم والانكفاء على عالمهم الخاص وغير المشترك مع أحد، وتنقيلهم تمويهاً وخداعاً من موضع الى آخر لتشبيه كثرتهم على الجمهور- هذه كلها توجتها الاغتيالات الخفية وأعمال الخطف وإلقاء الجثث خلسة. فتمويه الأعمال، وتجهيل الفاعلين، حين التعليل يفضي لا محالة الى مسؤولية المقنعين والمتخفين عن الاغتيالات، يشبه شبهاً قوياً صنيع الاجهزة الأسدية والصدامية والحرسية في ما لا يحصى من المعارضين والمتحفظين.

والتقنية الاجرائية والذرائعية التي تغلب على صحائف الحجي العراقي والصدامي ونهجه تتحدر، زمناً وفكراً، من حركات «الإحياء» والاصلاح و»التنظيم»، الاسلامية والقومية. فهذه الحركات وولائدها، الى اليوم، نصبت خارج الحركات وملابساتها وعواملها وفوقها مثالاً ناجزاً ومعيارياً معاً. وأوجبت على نفسها، وعلى قواعدها الاجتماعية والسياسية، محاكاة المثال التاريخي والمعياري، الخارجي والفوقي، المفترض. وقضت قضاء «قاطعاً» بفساد «المادة» أو الطينة التاريخية والاجتماعية القائمة والحاصلة، من مؤسسات وهيئات وعلاقات وبشر وأفكار. وأنكرت عليها اشتمالها على معنى أو حقيقة، وأنكرت جدارتها بالتناول والسؤال والتفكير. فالمعنى الوحيد الذي قد يُقر به للمؤسسات والهيئات والعلاقات... هو الحاصل من الفرق بينها وبين المثال المعياري، أي الاختلاف الجوهري بين الوجهين. وليس «التوحش» إلا اسم الهوة التي تفصل الدارين، دار الاسلام والعروبة ودار الكفر والجاهلية الغربي، الواحدة من الاخرى. وهو دار السباء أو السيبة التي أنشأها الحلف الفلسطيني والسوري في الارض اللبنانية، ورعتها السياسة السورية نحو ربع القرن منفردة (1982-2005، والى اليوم فعلاً).

و»يؤرخ» أبو بكر ناجي لهذه الحال، فيرد «بعض هذا التوحش» الى سقوط دولة الخلافة وتقسيمها في «معاهدة سايكس بيكو». وينيط بعض الاستقرار «بمقدار قوة علاقات (الحكومات) مع هذه القوات العسكرية وقدرة هذه القوات على المحافظة على شكل الدولة». فقامت أنظمة الحكم في بلاد الإسلام على الدوران في فلك أحد القطبين الدوليين، بقوة «قادة جيوش هذه الدول والقيادات المتنفذة في تلك الجيوش». و»خالفت هذه الانظمة عقيدة المجتمعات التي تحكمها». وهذه المخالفة هي بيت القصيد السياسي والعسكري. والقوى التي «يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع» قوتان: قوة الشعوب، وهذه مدجنة ومغيبة (و»نقابية صنفية» على قول لينين في «ما العمل») و»قوة الجيوش» الفاسدة المفسدة. فلا يبقى إلا «فئة قليلة من العقلاء والشرفاء» هي الطليعة الثورية المؤمنة «بحياة أخرى وإله» والمؤلفة من أفراد ليس عندهم ما يخسرونه، على قول الضابط المصري والمسلم والسلفي الجهادي. ودار الاسلام هي مسرح الحرب الكونية الهرمجدونية وفوضاها.