الاثنين، 8 فبراير 2010

لبنان الواحد مسؤولية الدولة والحركة الاستقلالية ولبنان «المقاوم» ريعه إقليمي

الحياة، 8/2/2010

 كرر رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري، في معظم عواصم جولته الديبلوماسية الأولى، أن مهاجمة القوات الإسرائيلية جزءاً من لبنان، منطقة جغرافية أو «جماعة»، عدوان على لبنان كله، وعلى الدولة اللبنانية. ورحب بعض أعيان «المقاومة الإسلامية (الشيعية)» بما حرص الحريري على إعلانه بباريس والقاهرة، على وجه الخصوص. وهو استدرج البلدين المضيفين الى تزكية الإعلان والموافقة عليه على نحوين مختلفين ومتفاوتين. فتحفظ وزير الخارجية الفرنسي، على خلاف نظيره المصري، عن احتمال جر السياسة الإيرانية لبنان الى نزاع عسكري في معرض طمأنته اللبنانيين الى استقرار الحال على حدودهم الجنوبية.

والحق أن مديح قادة المنظمة الشيعية المسلحة مقالة رئيس الحكومة في صفة عدوان إسرائيلي جائز على الأراضي اللبنانية والمجتمع الأهلي، وترحيبهم بها، لا يبطل التباس الموقفين، ولا ينفيه، ولا يوضحه. فما ذهب إليه رئيس الحكومة هو أن الدولة اللبنانية، أرضاً وشعباً ومؤسسات، «واحدة لا تتجزأ» على قول الفرنسيين في جمهوريتهم، وقول دساتير الدول كلها في دولها. وينص الأصل الدستوري والسياسي هذا على اضطلاع الدولة الوطنية بصلاحيات الوحدة الواحدة ومقتضياتها، من احتكار التشريع والديبلوماسية والحرب والإدارة والجباية العامة، وعلى قيامها بواجباتها، وهي حماية حقوق المواطنين في الأمن والحريات والاحتلال، لقاء الاحتكار الأول ونظيره. وعلى قاعدة الوحدة هذه، وبناء عليها، يساوي العدوان على جزء من أراضي الدولة، وعلى بعض مواطنيها، العدوان عليها كلها، وعليهم كلهم. ويقر مجتمع الدول، والدولة الوطنية (اللبنانية) أحد «أفراده»، تالياً بصفة العدوان العامة على الدولة، ويساوي مهاجمة الجزء بمهاجمة الكل السياسي والحقيقي والمعنوي. فإذا أعملت الدولة الوطنية حقها في الدفاع عن مواطنيها وأراضيها، بالسلاح والقتال أو بالمقاضاة والاحتكام الى الهيئات الدولية أو بالاثنين، ساند مجتمع الدول إعمالها حقها، وأيده، ومد الدولة المعتدى عليها بوسائل الرد الديبلوماسية السياسية والمادية العسكرية والاقتصادية. وتعهدَ أداءَ الدولة وظائفها، أي مزاولة صلاحياتها وقيامها بحقوق مواطنيها.

وما يذهب إليه رئيس مجلس الوزراء يُلزمه به، وبالذهاب إليه وقوله، المنصبُ الذي يتولاه على رأس مجلس الوزراء، وتعريف المنصب في الدستور، من وجه أول. ويقضي المنصب بتمثيل مصلحة الدولة وشعبها، والسيادة والوحـدة يتقدمان المصلحة، وهما شرط إنفاذها. وتلزم السياسة، من وجه آخر، من يتصدى لرئاسة الحكومة استمالة الجماعات الجزئية، ودمج مصلحتها وحقوقها الجزئية الى الدفاع عن نفسها، إذا خصها العدو بالهجوم، بمعزل من الجماعة الوطنية الواحدة. فلا تتذرع بأمنها، جماعة وأفراداً، الى التسلح وإنشاء المعاقل والمحميات والمعازل. ولا تتذرع بانتهاك السيادة الى الانتصاب محامية عــنها، ورادعة العدو، وحدها. وتبني على الذريعة هذه سياسة خارجية منفردة، ومفهوماً للأمة يترتب عليه هدم الدولة الوطنية.

ويتجاوز موقف سعد الحريري، والتزامُه تعريف الدستور لدوره وموقعه وموجباتهما، الوقائع السياسية والاجتماعية والأمنية القائمة والغالبة، ويغضي عنها. فما ينبغي أن «يشتريه» التزام السيادة والوحدة الوطنيتين، وهو ترك «المجتمع الخاص»، «المقاوم»، التسلح وملحقاته وتخليه عن الشقاق الأمني والأهلي على الدولة، لا يرى «المجتمع الخاص»، أي جهازه المتمكن، أنه يستحق المقايضة. فهو لا يساوي النزول عما يحسب أنه يتمتع به من حصانة ومكانة سياسية داخلية، ودور إقليمي، يقاسم «حلفاءه» وأولياءه ريوعها وعوائدها. فالتعاقد الذي تنشأ عنه الدولة الوطنية، ويعوض احتكار الصلاحيات بتعهد الحقوق والقيام بها، يُعلن الجهاز الشيعي المسلح على الملأ تحلله منه وانتهاكه وطعنه فيه (مقالة: «اعملوا» دولة أولاً ثم «نفاوضكم»). ويماشيه «مجتمعه الخاص» عموماً على تحلله وانتهاكه وطعنه.

والحجة التي يؤيد بها خروجه على الدولة الوطنية تستند الى جملة الوقائع والحقائق اللبنانية والملبننة المشهودة، والمترتبة على ضعف الدولة الوطنية والمدنية، وعلى دوران عوامل الضعف في دائرة مفرغة، تفاقم السياسات العربية والإقليمية دورانها وتفريغ دائرتها. والجهاز الشيعي المسلح، وارث الحروب الملبننة وعواملها وقواها، لا يقتصر على جملة الوقائع والحقائق، ويتعداها الى الطعن في أركان الإنشاء السياسي والدستوري الوطني، وفي أصول الإنشاء. فحال تأليف الحكومة، وجمعها القوى المتناثرة التي جمعتها، وإقرارها بياناً متداعياً يساوي الأصل الجامع المفترض (الشعب) بفرع أهلي جزئي («المقاومة») ويقدم الداعي السياسي الموعود على الموجب الدستوري الصريح، تولى أحد وكلاء الجهاز العتيد تحريك الطعن التقليدي الأول في كيان الدولة اللبنانية، وهو «الطائفية السياسية»، على تعريفها العروبي الاثني. وثنّى بمسألة تخفيض سن الاقتراع في الانتخابات البلدية الوشيكة الى سن 18 وإشراك نحو ربع مليون ناخب فيها فوق ثلثيهم من الطوائف الإسلامية. وفكَّ المسألةَ هذه من مسألة قرنت على الدوام بها، هي تسجيل المتحدرين من أصل لبناني في سجلات الناخبين.

ويتناول الأمران المتصلان، الطائفية السياسية والقيد الانتخابي البلدي فالنيابي، الأصل السياسي والدستوري الوطني. فهما يتطرقان الى تعريف أطراف التعاقد وهويتهم، ويزِينان الأطراف هذه في ميزان العدد «الديموقراطي».

ولما كان المسيحيون اللبنانيون أقلية عددية منذ نشأة الدولة اللبــــنانية في 1919 - 1920، فالعودة المستمرة الى الخلل العددي ترمي الى التشكيك في «حكمــهم» الدولة، وفي تعريف أركان ســـياسات الوطنية. وركن السياسات الأول هو الاستقلال والسيادة. والاستقلال والسيادة في الإطار والمصطلح اللبناني، وفي ضوء تاريخ لبنان السياسي والاجتماعي ومنازعاته، يحملهما الشطر «العروبي» (وهو اليوم غيره بالأمس) على الانفصال عن «سورية» أسطورية وغير تاريخية، يمثل عليها ساستها وأجهزتها وعصبيتها الأهلية المفترضة («قوميتها»)، وليس نظامها السياسي أو ميزان العلاقات بين مواطنيها وكتلها وما يصنعون وينجزون بواسطة الميزان هذا.

ويُخلص من التنويه المزمن بخلل ميزان الطوائف العددي الى الطعن في استقامة سياسات تنهض على الاستقلال والسيادة والمصالح الوطنية، وتنسب الى «المسيحيين»، والى منازع مسيحية هي على الدوام «انعزالية». فالتحفظ عن التسلط السوري الحزبي والأمني والريعي (بالأصالة والوكالة)، وعن «حل» الدولة اللبنانية واللبنانيين في التخيير السوري العروبي والمذهبي بين إسرائيل وبين «العروبة» (أو «المقاومة» منذ بعض الوقت)، يفسر انحيازاً الى الصهيونية، أو تصهيناً وتأمركاً، وقبل أشهر قليلة سعودة. فما تنكره «العروبة» السياسية والبوليسية على الدولة اللبنانية المستقلة، اليوم، هو «عملها»، ودوام هذا العمل ولو متعثراً، من غير حاجة الى انفراد جهاز عــسكري وأمني حزبي بإدارة الدولة، ومن غير اضطرار الى حال طـــوارئ مقيمة تفتح الباب على مصراعيه بوجه التعسف والقهر والإذلال من غير قيد. والحال اللبنانية هي ثمرة اشتراك المجتمع، طبقات اجتماعية وجماعات أهلية متنازعة، في تعريف الدولة أولاً، وفي إدارتها المقيدة ثانياً. وإدارة من هذا الطراز لا يسعها اعتزال مجتمعها وقواه المتفرقة والمختلفة، طبعاً، ولا يمكنها اعتزال المجتمع الدولي وقياداته وهيئاته وتحكيمه، على تضاربها وذهابها مذاهب شتى.

وينسب العروبيون، السابقون واللاحقون، اشتراك المجتمع في إدارة الدولة، وفي تعريف نظامها وسياساتها، الى المسيحيين اللبنانيين. ويحملونهم، تالياً، المسؤولية عن ضعف عصبيتها العروبية، وعسر التسلط عليها، وعلى مجتمعها وجماعاتها، تسلطاً بوليسياً «جامعاً». وهذا صحيح على أكثر من وجه. ولكن تعليله وتأويله السياسيين والأيديولوجيين، على النحو العروبي، تضليل خالص، وافتراء محض. وهما، التعليل والتأويل، مرآة مشكلات النظم السياسية والاجتماعية العروبية فوق ما هما مرآة «النظام برمته» (على قول الرئيس السوري الى الصحافي الأميركي «العروبي» سيمور هيرش). فالعصبية الأهلية العروبية، المزعومة «قومية»، «ممانعة» و «مقاومة»، هي وليدة الافتقار الداخلي الى مجتمع فعلي ناهض ومؤثر، وثمرة سحق الجهاز الحاكم القوى الاجتماعية وتعقيمها وتخويفها. فلا تقوم قائمة لمجتمع من غير الإقرار بافتراق مصالح جماعاته وطبقاته وفئاته، وبجواز المنازعة على تعريف المصالح الجزئية والعامة المشتركة. ويترتب على افتراق المصالح وجواز المنازعة عليها، وتمثيلهما (الافتراق والمنازعة) في هيئات الدولة، صوغ وطنية مركبة ومقيدة بكثرة المصادر التاريخية.

ولا يتفق هذا مع الفكرة «القومية» الفجة والفظة والخاوية التي يعتقدها «الجهاز» السوري، ويروج لها، ويختصرها أنصاره وصنائعه، اليوم، في «المقاومة» والأعمال العسكرية والعمليات الأمنية، هنا وهناك. وأنشأ الجهاز العتيد في أثناء عهده اللبناني الطويل جناحاً لبنانياً أوكل إليه الانقلاب على المركب السياسي والاجتماعي اللبناني. وألصق بهذا، من غير مزاح (في ضوء هوية الجهاز و «طبيعته») وصمة الطائفية. وستر، هو وأنصاره وصنائعه، بالوصمة هذه استبداده وهشاشته وعزلته ومراوحته. فيحارب الجهاز «الطائفية السياسية»، أي المركب السياسي والاجتماعي الوطني، بعوام المذاهب، وبجماعاتها المعدمة، وبعصبياتها المنكفئة والمستميتة. ويرفع أعلاماً عليها «سياسيين» من الطراز المعروف، وموظفين وحواشي «يرفعون» نواباً ووزراء وإداريين وإعلاميين. ولعل تسليح «المقاومة الإسلامية»، وتحزيب شيعة لبنان وتعصيبهم، هو ذروة «الموازنة» والاختصاص والطعن. ففصل «المقاومة» الشيعية من الجسم اللبناني، وتخصيص طائفتها المذهبية بالتمثيل على الركن المزعوم الذي ينبغي أن تنهض عليه الدولة وتستوي، يراد به تصديع المركب السياسي والاجتماعي، وبخس الوطنية التي نشأت عنه وإبطالها.

وبينما يدعو أحد وكلاء الجهاز المحليين الى «إلغاء الطائفية السياسية» وخفض سن الاقتراع في الانتخابات البلدية الوشيكة الى 18 سنة، يشن بعض فروع الفروع حملة دامية على المنظمات السياسية المسيحية التقليدية. ويخصون بعض أركان الحركة الاستقلالية، سمير جعجع وأمانة «14 آذار» (مارس)، بحملتهم على «عودة الظاهرة الانعزالية»، على قول عميد ركن «لحودي» و «مرابط». وينثرون المنظمات «الناصرية السنّية» على المدى اللبناني. ويوكلون إليها، وإلى نظيرها الدرزي، تحقيق كلام الرئيس السوري. ويجددون نصب «القضية الفلسطينية» محوراً يختصر السياسة والدولة. وينتهون من هذا الى وحدانية «المقاومة»، والبناء عليها عصبية جامعة ومانعة ومنكفئة. فيلوح بها ساسة إيران وساسة سورية على حد واحد، وينسبونها الى «ولايتهم» أو «قيادتهم»، والى تمويلهم وتسليحهم وأجهزتهم. ويشنون بواسطتها حروباً ترتب على من يطَّرحونهم من «القومية» الدمار، والتضامن غير المشروط معهم. وهذه الحروب الإرادية أو المختارة سلاح ماضٍ بيد الجهاز العصبي والبوليسي المتسلط، وبيد «طبقته»، على المعنى الاجتماعي. وهي وسيلة قاطعة في الاستيلاء على السلطة «الواحدة»، على نحو ما هي حجة راجحة، ولا ترد، على بقاء السلطة بيد المستولين عليها. وهم، على ما يظهر أكثر فأكثر، لصوصها.

الخميس، 4 فبراير 2010

معرض لوحات ريم الجندي "رجال" في غاليري جانين ربيز

تحريف ومراجعة وتركيب وتوليف تهب على الورد والرماد معا
المستقبل 31/1/2010

فيما يشبه تمريناً على النظر والفهم معاً، أي على النظر الفاهم والجامع الحس والشكل والحادثة في معنى مدرك، أحاول وصف اللوحة الأولى في معرض ريم الجندي، "رجال" (غاليري جانين ربيز ببيروت، 6- 28 كانون الثاني 2010). وحالَ كتابةِ ما أحسبه شرحاً أو بسطاً لمعنى أريده، بدا لي أنني أحاول عبثاً وما لا طائل من ورائه. فالنظر لا ينفك من الفهم، والحس لا ينتفي من الصورة والحادثة اللتين يأتلف المعنى منهما ومن مادتهما المحسوسة. وإذا حصل خلاف الأمر هذا، أي إذا انفك النظر من الفهم واستقل الحس من الصورة والحادثة، فهو قرينة على خلل واضطراب فادحين. ويقود التمثيل على هذين الى الاعتلال العصبي والدماغي، أو الى اختبارات التفكك والتحلل المهلوسين بواسطة الأعشاب ومركبات الحبوب الصيدلانية، وإلى ضرب من "العلم من طريق الهاويات"، على قول أحد أهل هذا "العلم".
ولا يحملني إدراك اختلاط النظر بالفهم والفهم بالنظر اختلاطاً لا فكاك منه إلا في بلاد الهاويات والهلوسة والأهومة، على ترك التمرين المزمع او المحاولة. فرائي اللوحة، وهي "سوبرمان"، طرف خيط اللوحات الأربع والعشرين المتصلة، يدخلها كالداخل أو النازل في سرداب مظلم ومتعرج، وعليه ان يلتمس طريقه فيه بيديه وقدميه وجسمه كله وعينيه الكليلتين ولهاث نَفَسه، وباجتهاد ذهنه وكده على وجه الخصوص. فإذا نقل قدماً نقلة ضئيلة، ووازنها بتوتر ذراع وشد رقبة ورفة جفن، كان عليه ان يستدرك على هذه كلها بقولها في سره، وتدوينها في مدونته السائلة والمليئة بسمك الكلمات والجمل وتراكيبها. فالفعل، بهذه الحال، لا يتماسك ويستوي شيئاً يعتد به، إلا بقول يقوله ويسدد خطى ملتمس الطريق في السرداب، ويكون خيطه في العتمة.

صورة الصورة

والكلامُ على عتمة وسرداب بإزاء "سوبرمان"، ولوحات أخرى "تشبهها" مثل اللوحة الثانية في الترتيب (نار) والثالثة (درس صيد) والعاشرة (في خطر) والرابعة عشرة (مصارعون)...، لا يناسب الحال. فمعظمها يغشاه ضوء صريح ومبين، والصور والأشكال هندسية. والألوان إما قانية صارخة الحمرة أو الزرقة أو الخضرة أو المذهَّب أو البني أو الأسود وإما رائقة بائخة ومتربة. ويبدو ترتيب أجزاء اللوحة، ما عدا قلة قليلة لعل أبرزها اللوحة 23 (ساكن الشقة، أو المقيم) ساذجاً بسيطاً وحكواتياً، أو مروياً على رسم قَصَس الحكواتي الواضح والمباشر. وقد يكون هذا صحيحاً للوهلة الأولى، ولكنه لا يتماسك في الاختبار.
فسرعان ما يلاحظ الرائي الى "سوبرمان"، اللوحة، ان ما خاله من بعيد تقليداً سيئاً أو تقريبياً ومدرسياً لملصق دعائي، أو "بوستر"، لا تستقيم رؤيته على هذا الوجه وهذه الحال. فما تدعو اللوحة الى النظر إليه، وتقرير حضوره والصدوع به واستقباله، ليس سوبرمان، "الشخص" المفترض والقائم قبل الصورة ووراءها والمقيم على وجوده خارجها. ويصدق هذا في حال سوبرمان، المتخيل وصنيعة الصور والكلمات والأخبار المنحولة، شأن التأنيث (اللوحة السادسة) وبعل (اللوحة السابعة عشرة) على نحو ما يصدق في صياد "درس الصيد" أو في الشاب المتوسط لوحة "في خطر" أو في "العزيز أندي" (اللوحة الواحدة والعشرون). فما تدعو اللوحة، جهاراً، الى النظر إليه هو صورة الصورة، أو تقليد الصورة، السيئ والتقريبي والمدرسي، على ما تقدم القول للتو. وهي تدعو الى هذا، وتقرّ به على ما أزعم، لأن موضوعها، أو مدار اللوحة وما عليه مبناها ومناطها، ليس سوبرمان، ولا ملصقه المعروف والمشهور.
واللوحة إنما تستقبل مشخص سوبرمان، وتصوره على شاكلة المشخصات والمجسمات الخشبية أو البلاستيكية التي تنصبها دور السينما على أبوابها، وتتوسلها مطية الى التقريب والترغيب ليس إلا. فلا تجتهد في دقة التصوير، وفي تجميل الألوان ومناسبتها بعضها بعضاً. فتتعمد (اللوحة) إخراجَ نظرة سوبرمان من إطار اللوحة، وحرفَ جسمه وقبضتيه وتوثبه، أو "طيرانه"، عن الإطار. فكأن سوبرمان ليس في اللوحة، أو كأنه لم يُرسَم لها ولم تعد لإيوائه وحضانته، وهو يمر بها في طريقه الى فضاء آخر أو سماء أخرى. وفي الأثناء، لم يمسِ سوبرمان وجوداً أو مَكُوناً في نفسه، سابقاً مشخصه وصورته، ولم يفارق مثاله المتخيل والمرسوم من غير عناية. ولكن بث سواد مطبق في العينين الواسعتين والبارزتين والمستكينتين، وإخراج النظرة من تقابل الرائي و (إطار) اللوحة، ومن دائرة التقابل أو التناظر المشتركة والجامعة، والانحراف بالجسد كله وحركته عن مدار اللوحة المتوقع – هذا كله يشكك في استواء اللوحة على الشكل الذي تدعيه وتحاكيه، أي شكل "البوستر".

تشبيه

وعلى حين يحضر سوبرمان في آلائه السلعية التامة – الشعر الأسود الفاحم والمصفف، والقسمات القوية، والجسم المنحوت، واللباس الأزرق اللصيق، و "الجناحان" الحمراوان القانيان – ينم الوجه البني النوبي والنحاسي اللون بـ "معنى" غير المعنى الذي بادر إليه الذهن أولاً. ويخرج الوجه الى القسمات، وتستوي القسمات قسمات وجه "إنسي" أو صفحة عبارة إنسية، من طريق الضوء. فالأبيض المشع هو ما يرسم ملامح الوجه الناتئة، واستواء الخدين، واستدارة الوجه، وغضون العنق. وعلى شاكلة سواد العينين، تنم القسمات المضيئة بكمون ممسك وأليم. ويفاقم الكمون، وإمساكه وألمه، ثبات جسم "الرجل". فالإنسان الطائر، أو بساط الريح على صورة امرء، أو جني القمقم والفانوس السحري في خلقة راقص او "جغل" أميركي، يُشبِّه الطيران، في اللوحة، من غير ان يحاكيه أو يقتفي على رسمه وحركته.
وليس ذلك لأن الحركة ساكنة، على قول يشبه قول المتنبي عرضاً، أو لأن اللوحة تقصِّر عن نفخ الحركة وتشبيهها في الجسم. فالسكون يصيب العينين والنظرة وقسمات الوجه قبل ان يحل الجسم، ويتخذه لباساً ويملأه. فهو، أي السكون، حال سوبرمان منذ ان كان، شأن المحرك الأول المعلق في وسط السماء اليونانية، ومدير حركات كواكبها التامة الاستواء. وأزرق اللباس البحري والملكي، وهو لون لباس الجسم اللصيق، ثقيل ثقل المحيطات وقيعانها، وموحش وحشتها. والجناحان الحمراوان أجنحة متهدلة ورخوة. فإذا بأيقونة الطيران الخاطف السينمائية، ومصارع الظلم القاهر، والعاشق الأبولوني، يخسر فضائله الساذجة والباهرة، ويخلعها ويخرج منها الى آلام وصدوع وكسور وأزل لا قرار تقر عليه وتفيء إليه، على شاكلة لوحة وإطار وحيز.
و "يطير" سوبرمان هذا في فضاء أبيض يشبه صباحات أرتور رامبو المشعثة بالأصفر و "وسخه" وعروقه المتناثرة. وهذا ليس فضاء طيران وتحليق. فهو مترب وأغبر. ولا تجلو الملائكة التي تحوط سوبرمان، من غير انعطاف إليه ولا ميل ومن غير دراية أو علم منه، لا تجلو الفضاءَ سماء مضيافة، ولا افقاً عريضاً. وهي ملونة ألواناً تشخيصية، مذهبة وكحلية وبنية وزرقاء لازوردية وزهرية. وبعضها، وعددها خمسة ملائكة "يسحقها" سوبرمان، ويحجبها ويدير لها ظهره من غير ان يستقبل وجهه غيرها. وهي لا تحفه فعلاً، وتحاكي "حركته" محاكاة تقريبية تكاد تكون ساخرة ومهلهلة.
وسوبرمان هذا ليس وحده في "محنته"، أو ما قد يستشعره الرائي محنة مولودة من احتفال طفولي و "شعبي" معاصر. ولا تولد المحنة، إذا جازت العبارة أو الكلمة، من جوار الصورة الدعائية السلعية الحديثة (سوبرمان) والصورة الدينية الآبدة (الملاك)، وحده. فلا ريب في تعمد بعض اللوحات تقريب مثالين خياليين متباعدين، زمناً ودوراً ومصادر، ومتمازجين في الحاضر، وقت المعرض ورسم اللوحات، ويحذوان على رسم مجرد حسي وذهني، مشترك. وعلى هذا، تقرب لوحة "درس الصيد" الشاب المستقيم القامة، والخارج من لوحة إعلان عن ماركة جينز أو تي شرت أو نظارات شمس، من صيد إنس ما قبل التاريخ الأيلَ وحمارَ الوحش والثيران، على نحو ما تُرى هذه على جدران مغارات لاسكو. وكأن الرسم المجرد والمشترك هذا لا يستوفي التقريب "الساخر" والفظ، والمهين (على تردد في اختيار اللفظة هذه)، تفرد اللوحة السدس العالي من مساحتها، على قاع أحمر مخملي ومخطط منقطع من خمسة أسداس "اللوحة" التحتية، الى تمثال صياد مذهب عارٍ وأقرع.

جناس وطباق وتكذيب

و "تجاور" لوحةُ "المخطوطة"، الثانية عشرة في الترتيب، فرساً رأسها رأس امرأة تسبح في سماء ترصعها 13 نجمة خضراء، في الشطر الأعلى، وخمسة دراجين. ويجتاز هؤلاء (شطر) ثلثي اللوحة السفليين، ويقتسم اثنين منهما داخلُ اللوحة وخارجُها، واثنان كلاهما داخل اللوحة بينما غادرها، أو يغادرها دولاب دراجة خامسة. وتنساب حركة الدراجات والدراجين صوب الوجهة التي تُقبل عليها الفرس المجنحة والمشتبهة الوجه والقسمات. وإلى مثال الطيران المشترك في "سوبرمان"، ومثالِ "معنى" الصيد الجامع، في "درس الصيد"، ووجهة الحركة الواحدة في "المخطوطة" – وهذه كلها تجانس مثالات متقاربة وتقرنها الواحد بالآخر، وتطابق زمنين ومخيلتين – تعري لوحة "العزيز اندي" الرسام السيريغرافي والبوب الأشهر على قاع سيريغرافي خلفه من 4 صور × 4 صور. فتردد "حداثة" الصورة المكررة والناتئة، والمتصلة اتصال جملة (سيري) واحدة أو متشابهة، "قِدَمَ" صاحبها الآبد، أندي وارهول.
والوجه الأول هذا يقتصر على جناس وطباق بلاغيين وتقنيين، ولا يتعداهما. وهو الوجه المباشر و "الهاجم" على الرائي، على قول الجرجاني صاحب "أسرار البلاغة". وقد يقود هذا الوجه الرائي الى الظن في ريم الجندي، ولوحاتها، توسلاً دعائياً وبوسترياً، واروهلياً، بالشبه الصُوري والشقة الزمنية الى ايحاء ضرب من التأويل الباطني والرمزي، الأورفي أو الغنوصي أو الإمامي أو اليونغي (من كارل يونغ) أو "القومي" الأصولي الفاشي والنازي، لمعاني التخييل وصوره "الكبيرة". ويغفل الظن هذا الرسم والتصوير وعملهما. فلوحات "رجال"، ما مر الكلام عليه وما لم يمر، وعلى شاكلة "سوبرمان"، تعالج القرب والبعد، والجناس والطباق، معالجة تحريف ومراجعة وتركيب وتوليف. فلا تسليم للصور والشارات والعلامات لا بمزاعمها الزمنية، أي المزاعم التي تحملها عليها ثقافتا الأصالة والحداثة، ولا بشبهها الشكلي والصوري، ولا بقوتها التخييلية المفترضة.
وتُعمِل معالجة التحريف والمراجعة والتركيب والتوليف في ما تتناوله فروقاً داخلية تنكر على ما تتناوله هويته، أو استقراره على "نفس" واحدة مجتمعة ومتصلة. فالصياد المنتصب في تي شرت وجينز تترجح زرقته بين الأزرق البحري وبين الأزرق المَلَكي، ويشد وتر القوس والسهم الى الخلف، تكذب النظارتان السوداوان والضريرتان صيده ووتر قوسه وسهمه جميعاً. فهو ملصق على شاكلة مشخص. وتصويره يُحضره "اللوحة"، ويقحمه عليها، أو على وحدتها الإطارية المحض، حضوراً وإقحاماً لا يشك الرائي في افتعالهما، وفي محاكاتهما الفارغة، على قول أندي وارهول في طوية نفسه أو "تجربته الداخلية"، أصولاً أولى لا تقل فراغاً وهندسية عن صورها وأصدائها المولودة منها افتراضاً. ويتوسط مشخص الصياد الفائت، وفوته قياساً على قوسه وسهمه، والمعاصر، قيافة ولباساً وتركاً للعبارة، قاعاً خلفياً ليس بينه وبين مجسم الصياد رابط محسوس يصل وضع الصياد وألوانه بـ "إطار" يحفه ويحوطه. والرابط المعنوي، الصيد أو القتل، لا يخفى من غير شك. ولكن اللوحة تمعن فيه تقطيعاً وفكاً وازدراء فلا يبقى رمق فيه. ومن يوجب هذا الرابط، شأني أو غيري، إنما يوجبه نزولاً على "ثقافة" مدرسية أو تلفزيونية خاوية.
وعلى مثال صورة الصياد البوسترية والدرامية معاً، وهي يكذب بعضها بعضاً وينكر بعضها بعضاً، لا تذكِّر الطرائد الدامية والنازفة بالصيد القديم على جدران المغاور إلى على وجه بوستري كذلك. ويقتصر التوارد والتناظر على الفكرة المتداعية على نفسها. فهي، على خلاف مثالاتها الأصلية، تخففت من نواة الأصل الثقافي، أي من الحركة المتوثبة. وهي تحوط الصياد، المنصرف عنها وعنا وعن "اللوحة" ليس الى شأن يخصه، على نحو ما تحوط زينة مرتجلة "موضوعاً" مقحماً عليها، فترد الزينة الجوابَ بمحاكاة رديئة تشبه إقحام الموضوع، وانتصابه لمحل لا يدعيه. وتتبدد الزينة في جلوس من غير عرس، وفي تيه صحراوي من غير واحة ولا سراب. ويقوي الشطر الثالث من "اللوحة"، وهو الشطر "الأول" ابتداء من فوق ونزولاً الى تحت، النازع الى التناظر والتوارد الموضوعيين، وإلى الإيهام بوحدة الموضوع (الصيد)، فيما هو يزيد "اللوحة" انقساماً، ويفاقم بعثرتها المادية الحسية، اللونية والمكانية والزمنية الثقافية.

أول من غير مرتبة

والقول أو الزعم ان ثمة شطراً ثالثاً في اللوحة، على ما تقدم للتو، ثم الاضطرار الى التنبيه الى معيار الترتيب (من فوق الى تحت)، ينبهان القائل الى ان "اللوحة" لا تنفك تشكك في تماسكها ووحدتها واتصالها بينما هي تقوم على افتراض التماسك والوحدة والاتصال فرضاً مادياً، قماشياً إذا جاز القول، لا فكاك منه. وينقض الترتيب المعنوي والصُوري الشكلي، ومعياره بناء المرئي على تقدم صورة بارزة "هاجمة" على النظر وتخلف قاع خلفي متوارٍ ومنكفئ، ينقض الترتيب هذا معيار النزول العددي من فوق الى تحت. ولا يسع الرائي الى "اللوحة" التملص من الترتيب المعنوي والصوري: فلا يشك في تقدم الصياد المفترض، او مجسمه، ما يراه من أشياء "اللوحة"، وترتيبه موضوعاً أول. ولكنه لا يلبث ان ينتبه الى ان معيار الترتيب هذا، وهو من بدائه الحس والفهم (الحس الفاهم)، لا يستقيم في مثل هذه الأعمال. فالصياد بارز وأول من غير شك، ولكنه "أول" من غير مراتب، ولا ثاني له أو ثالثاً.
فالقاع الخلفي والمتواري "وراءه"، ليس قاعه هو، ولا قاع غيره. والنظر القريب إليه، الى المفترض قاعاً خلفياً، يميز محلاً ملوناً ومضيئاً تتخلله ألوان أو إيماءات الزهري والبني الفاتح والترابي الرمادي، على غلبة الرماد. وتشبِّه الألوان طبقات تتفاوت قرباً من العين وبعداً. وينصرف المحل الملون والمضيء الى "حياة" منكفئة وعلى حدة، ولا شأن لها، لوناً أي معنى وحياة، بمشخص الصياد المشدود الجسد والقوس والوتر، والمقيم في سرمدية المشخصات المسرحية والدعائية والأكسسوارات عموماً. وعلى هذا، يحل الشطر العلوي من "اللوحة" ثالثاً متطرفاً، وينزل طرف العمل الأول. ويدعو الرائي الى تنقيل عينيه بين أجزاء (موقوفة الجزئية) "للوحة" واحدة موقوفة الوحدة. فلا يطيق الرائي التخفف من الوحدة الخبرية والموضوعية، ورميها وراء ظهره. فمجسم الصياد البوستري، والطرائد الدامية والنازفة منذ عشرات القرون، والتمثال المذهب والأقرع الذي تحاكي حركته المعلقة حركة صياد البوستر، في هيكل روماني من صنيع شيناشيتا يوم كانت تنتج شرائط البيبلوم زرافات و "سيريات" – يدعوه هذا الى افتراض وحدة الخبر واتصاله. ويدعوه ما عدا هذا، وهو كثير ويتضمن الأشكال والألوان والجهات ومآتي الرائي ما يرى ومداخله إليه ومخارجه منه، وعليها مبنى العمل و "أصوله"، يدعوه الى نفي الوحدة والتماسك، والنقض عليهما نقضاً قاطعاً.
ولعل الوقوف في الوجهين، والترجح بين حد وآخر واستحالة إيجاب حد منهما، وإعمال التشكك في رجحان كليهما، لعل هذه كلها من بنية اللوحة، أو هي بنيتها، إذا بقي للرائي بعد هذا ما يستقيم به إثبات بنية على معنى مجتمع ومتصل. ويبقى العدد، في الأحوال كلها، ولو على وجه الازدواج والتثليث. فلوحة "بحر بيروت"، أو لوحة "جزمات"، أو بعض لوحة "تويتر"، أو بعض "مصارعون"، أو "بناية في الأشرفية"، الى لوحات أخرى مر الكلام عليها، تثبت اثنين. وتنصب واحدهما اصلاً، على شاكلة الرجل القاعد على حاجز شرفة البحر الحديدية (في "بحر بيروت")، الى أسفل اللوحة ويسارها (يسار الرائي). ويردد رجل ثان، جالس أعلى اللوحة وإلى يمينها، "صدى" الرجل الأول، الفوتوغرافي (هل هو ثان حقاً؟ ولماذا لا يكون النواة الأولى أو الرسم الذي ما على الآخر إلا ان يملأها على نحو ما يملأ الحدس الحسي الرسم المجرد والفارغ الذي يتوجه إليه الإدراك؟).
ويستعيد الرجل "الثاني" رسم الأول، أو غلافه، من غير قسمات ولا نظارات، ويحلّ البحر، وقاعه المرتفع فوق الرجل الفوتوغرافي جداراً عالياً وغاشياً أربعة أخماس اللوحة، ويملأها بلون أزرق نيلي "تفوق" نيليته الأزرق القريب الذي يتخلل لألاء البحر (الجدار) وأمواجَه المفترضة. ولا يستقر مبنى للعدد أو علة. فهو يوقِّع الخارج والداخل، على نحو ما يوقع الشاهدَ والمتواري الطيفي، والجهتين المتناظرتين، والمُلابس والمفارق، والضوء المضيء من خارج والضوء المنبعث من داخل، والقائم المستقر في نفسه والتَّبَع المضاف إلى غيره، والمتعرض والمحتجب.

مبنى الخبر

وتهافت مبنى اللوحة الخبري أو القصصي، بعد عرض هشاشتها البنيوية وحمل بنيتها على عدد خالص يترجح بدوره بين حدين متشابهين ومعلقين، هذا التهافت لا يحول بين اللوحة وبين القص والرواية، على مثال تعمل فيه اللوحات تحريفها ومراجعتها وتركيبها وتوليفها. ففي لوحة "في الأثناء"، الخامسة، تطالع الرائي اسماء "ولاية" بيروت وأحيائها، أو خططها، من الأشرفية والبسطة التحتا ومونو والوردية والسيوفي والدنا، من اليمين الى اليسار ومن فوق الى تحت، الى الحص وعين التينة ومينا الحصن فالزيدانية، الى يسار (رائي) اللوحة، وفي جزئها الأسفل. وهي على غير ترتيب مكاني، من جوار أو تناظر، ومرصوفة كيفما اتفق. وهي مرصوفة على شاكلة بلاطات طريق، وعلى شاكلة لُبنات جدار، معاً وفي آن. فيسع فتى، "اثيوبي" الرأس والوجه، أي هنديه وبيزنطيه معاً وتولد قسماته على حد الضوء، يلبس قميصاً زرقاً وبنطلوناً ترابياً، اعتراض اللوحة على وجهين: اعتراضاً "طائراً"، فيبدو مستلقياً على "الجدار" أو موازياً له ومتكئاً عليه، واعتراضاً "ماشياً" أو توليفياً، فتشبِّه قدماه المشي على "الطريق" وخططها.
ويسع الرائي ان يتخيل الفتى على وضع أفقي، ومتكئاً على الجدار أو مستلقياً عليه، شرط إدارة اللوحة على محورها، ونقلها من تعليقها الطولي الى تعليق عرضي. فتروي اللوحة، وهي على هذه الحال من الاثنينية، ومن إضمار الدوران على المحور، سيرة مدينية فتية "يمشي" صاحبها "على" أسماء الأحياء والخطط، ويجوس في خلالها ويراقصها، أو تروي "طيران" الفتى، المترجح بين قداسة القديس وبين فتوة البوستر الدعائية، في موازاة جدار المدينة او المدينة الجدار. وتتخلل اسفل اللوحة – بين قريطم (البلاطة أو اللبنة) والزيدانية غرباً، الى يسار (رائي) اللوحة إذا حملت جهاتها على جهات خريطة جغرافية، وبين الحص والبنك المركزي شرقاً – ظلال ثلاثة مسلحين يحملون ثلاث بنادق رشاشة هجومية من طراز كالاشينكوف المعروف، وخزانها المعقوف الى أمام والطويل. وقد يكون المبنى الخبري في اللوحة هذه على أوضح عبارة. ولكنه لا يدعوها الى ترك النقض على وحدتها وتماسكها، ولا إلى مماشاة حال خبرية متصلة ومحكمة.
وإذا نحت بعض اللوحات، شأن "في الأثناء"، نحواً خبرياً، ووضعت الخبر أو أوقعته على أسمائه المتعارفة والمشهورة، وأدرجته في سياقة متداولة – وارتضت، تالياً، بعض الترتيب الزمني والمكاني والمعنوي الذي يعلق بالخبر وأسمائه ويلازمه – لم تماش بنية اللوحة النحو الخبري المتصل. فالفتى المستلقي (و)الماشي على الطريق (و)الجدار، والمدينة الجامعة خططها وأحياءها وسككها ونهوجها في بلاطات ولبنات مرصوصة تتخللها ظلال المسلحين وتستبطنها، لا يسع الفتى هذا الرسو، ومعه معضلات المدينة، على محل واحد أو بؤرة "يتناول" المدينة منها، ويقرها على حال مفهومة لا اشتباه فيها: هل هي جدار أم طريق؟ وهل هي أفقية أم عمودية؟ والحق ان الأسئلة هذه، وغيرها من نمطها، لا تمت الى اللوحة برابط غير "نفسي"، أو غير خبري وموضوعي. وهو رابط متعسف، ولا يلزم اللوحة بشيء أو بتأويل. ويدعو المبنى الخبري الى التعسف والاعتباط، ما لم يحتكم التأويل الى المبنى البنيوي أو التشكيلي. ولكن اللوحة ليست بريئة من الترجح بين المبنيين والقطبين. وبناؤها بناء مزدوجاً، أو أكثر، يستحيل بته، أو الحسم فيه، يستدرج الى الوقوف في البناءين. وما تصوره اللوحة لعله، في المرتبة الأولى، هو تقابل الأفقين أو البناءين، وجواز الانتقال من أفق الى الآخر، ولكن على شرط إيجاب الأفق واصطناعه إيجاباً واصطناعاً مدركين ومرادين. فليس في اللوحة ما يطمئن الرائي الى انه يرى رأي العين، ويقرر تقريراً تتولاه اللوحة والأشياء الأصلية من ورائها، ولا يد أو عين أو رأي له في ما يوجب ويرى ويبني.
وهذا ربما ما لا تترك لوحات مثل "مسرح جريمة" أو "في خطر" أو "تويتر"، شكاً فيه. فهي تحيل رؤية مركبة وجامعة ودرامية،، من محل أو موضع معين، الى "منظر"، أو مشهد أو مسرح، وإلى الفاعلين فيه. فما صنعته اللوحات "السابقة"، أي تلك التي تقدم الكلام عليها، من فك طبقات اللوحة وتحريفها وتوليفها ومراجعة اشخاصها، يغشى لوحات أخرى تتناول المدينة، وتقص أخبارها، على ما يبدو ويظهر، وعلى ما تصرح اللوحات نفسها. فالطريق العام والرصيفان والحديقة المنتصفة اللوحة والمباني الى يسار (رائي) "مسرح الجريمة" ورافعات البناء، الى الرجال الستة في مقدمها، يتعرفها الرائي ويتعرفهم من غير تردد. ولكنه لا يتعرف رابطهم، لا الحسي ولا المعنوي. فالطريق العام والرصيفان... تدمج أصنافاً متفرقة من حركات آلة تصوير سينمائية، منها البانورامية، ومنها الجانبية التي تستقبل دخول القاطرة الى محطة السكك منذ تعمد الأخوان لوميار تصويرها على هذا النحو قبل 115 عاماً تقريباً. ومنها التي تشبه مواكبة حركة الموضوع الظاهرة أو المضمرة ومشايعة هذه الحركة (أو "ترافلينغ") الى حين بلوغها غايتها المعلقة. ومنها تلك التي تحتسب المكان مسرح ظهور مدوٍ وكامن، ينتظر بشارة لا تأتي. و "يأتي" أفق مُعمٍ لا يرهص بأفق وراءه، مترع بضوء هو مجسم ضوءٍ أو مشخصه، وعلى عسر تصور الأمر وقساوته الفظة. والشمس وحدها بؤرة خفية ترى آثارها في اللوحة ظلالاً عجفاء، وذوائب تتبع "أصولاً" ملتوية. والبؤرة الواحدة والخفية، وهذه حالها، يخرج من دائرتها، ومن ضويها ما تضوي على وجه الأثر الهزيل والأعجف، الرجال الستة المجتمعون والمنفردون. والستة هؤلاء، بدورهم، ينحلّون ويتبعثرون خمسة وواحداً (الثاني من اليمين) ايقونياً على حدة. والخمسة يتفرقون من غير عمق يرتبهم على مراتب تنتهي الى قاع جامع.

قديس "تويتر"

وتستقبل "اللوحات"، الكثيرة البؤر والعدسات والحركات والمداخل والمخارج والأخبار، الحادثة التاريخية الكبيرة الاستقبال التشكيلي الدرامي (على معنى "دراما" الأول أي جملة الحوادث الجزئية في الحادثة الجامعة) الذي يليق بها (و "يليق"، الفعل، ينم تحسيناً وتقييماً، على قول المتكلمين في الأخلاق، لا أبرأ منهما ولا أدعي البراءة، على رغم ما صارت إليه الكلمة في بعض الشعائر). وقد تكون "تويتر" – اللوحة الثالثة عشرة في الترتيب، بين "المخطوطة" البراقية التي تقدم كلام فيها، قبلها، وبين "مصارعون"، بعدها، ولم يسبق كلام فيها – مرآة مثل هذا الاستقبال والتزامه، على رغم عاطفة مشبوبة أو جراء هذه العاطفة، مباني اللوحة الريمية الجندية. ففي المقدمة يمسك مقنع أسود، هو قناع كله وأسود كله ويتردد شكله بين الإنسي والحيوان ومسخيهما، ونظيره شبهه "داخل" اللوحة، بقتيل أبيض ومضطجع على حمالة من لون جسمه، مقطوع الذراع اليسرى، رخامي أو حجري، فاحم الشعر،عارٍ عري القديس سيباستيان، من غير دم ولا ألم. ووراء القتيل، على افتراض عمق جامع، شَبَه سيارة إسعاف.
وعلى خلاف المقنعين السوداوين وكتلتيهما الممسوختين، وهما يردد واحدهما الآخر على ما يُرى في معظم اللوحات ومرسومان على شاكلة مجسم أو مشخص تعبيري وغير بوستري، يثوي القتيل الرخامي وجهاً وجسداً زكيين، على مثال النفس الزكية في قَصَص الظهور والمجيء، وساكنين. وليس ثمة، في وجه الضجيع وجسمه، ما يؤذن بقيامة، أو يرهص بتجلٍ أو خلاص، على خلاف لوحات القديسين التي رآها الروائي الفرنسي ستيندال (هنري بايل) في كنائس روما، مطلع القرن التاسع عشر، ولاحظ أن نظرات قديسيها المرفوعة في ثبات ويقين الى السماء تستعجل الخلاص، وتستحضره على نحو ينكر الزمن وأوقاته و "قلقه". فقديس تويتر، قديس اللوحة و "الشيء" والزمن او العصر، لا يحيي الخلاص ولا القيامة ولا يبعثهما، ولا يعتقدهما. وليس جماله أو بهاؤه من صنف "إلهي". وليس موته على رجاء قيامة. ولا يحمل الإشفاق الأخوي الذي رسم الضجيع الإيراني، صنو ندا آغازاد، صاحبة الوردة، اللوحةَ على نفخ الحياة الحق في اصل أول. فإثبات اصل أول، "إلهي"، يترتب عليه الحط بالحياة العارية والسائرة الى ظاهر من غير أود عدا الأود المنزل عليها من غير "استحقاق".
ووراء الثلاثة، المقنعان الممسوخان والقتيل الزكي وشبه الحمالة والسيارة، متظاهرون ومصورون. وتلابس هؤلاء مدينة ومبان شبكية وملونة ألواناً فرحة، لا محاكاة فيها ولا تشكيك. ووراء المدينة، على أفقها الخلفي، سماء شبكية على شاكلة قطع أحجية ("بازل") ظاهرة المعالم والحدود. وتتوسط السماء شمس مذهبة، عميقة الذهب، تحضن ظلاً أيقونياً، بنياً وأسود، للقتيل المنفك من قبضة المقنع وكتلته. وعلى خلاف العينين المغمضتين، والفم المطبق، في مقدمة اللوحة، العينان مفتوحتان، ويلتمع الفم بضوء يشبِّه فتحة، وإنما من غير يقين بحياة. ولا يدعو الاحتفال بالشمس المذهبة والحارة، ولا بظل الضجيع الزكي والبصير والمفتر الفم عن ضوء باطن، لا يدعو الى إغفال صدورها عن الصنع والرسم. فالهالة الخضراء التي تحوط الشمس تحاكي، من غير تشخيص أو تجسيم ولكن من غير ضعف أو مواربة، رسمَ الأولاد شمسهم، واحتفاءهم بها. والشمس المذهبة في صدر "تويتر" تتصدر اللوحة، ولا تحيي قتلاها وقتلانا، على قول جرير، على نحو تصدر بعل في لوحة "بعل"، والديك الزاهي الألوان "المصارعون". فالأعياد جائزة، وتنفخ بعض الوصلة فيما بدا تفرقه تبديداً وتقطعاً وطعناً لا رجوع فيها. ولكن "الآلهة" جلت عن المدن، والإقامة، على معنييها، معنى الرفع ومعنى السقوط.

السبت، 30 يناير 2010

الإجماع الوطني اللبناني على محك ثارات العصبية الأهلية

30/1/2010 الحياة
لم يبق ربما معلق أو سياسي أو رجل عام، لبناني، إلا ومدح اللبنانيين على موقفهم المرصوص من سقوط طائرة شركة الطيران الأثيوبية في البحر، على مقربة من مطار بيروت الذي كانت أقلعت منه بعد منتصف الليل، في 25 كانون الثاني (ديسمبر). وفي الوقت نفسه، لم يصدر عن هؤلاء، وهم يعدون بالمئات، قول واحد سنده الموقف الوطني والجامع الذي افترضه المتكلمون لتوهم. ولا يستثنى الشكرُ ولا الشاكرون من الملاحظة.

فالشاكرون دعاهم الى الشكر إما تأويلهم الإجماع المفترض على وجه «العودة» الى الدولة والإقرار بها وبدورها، وهم رعاة بنائها أو تقويتها أو مشروعها، على حسب درجات التفاؤل وحسن الظن. وإما دعاهم إليه حسباهم ان الإجماع اخيراً، هو قرينة مؤاخاة، وصدوع بعلو مكانتهم ورجحانهم، وحمل فجيعتهم الأهلية («الجنوبية» في المصف الأول) على فجيعة لبنانية وطنية. فـ «هنأ» هؤلاء «اللبنانيين» على اجتماعهم وإجماعهم وراءهم في مصابهم، وعلى نبذهم طائفية يحسب قادة الجماعة الأهلية وجمهورها ان جوهرها الثابت هو تمييزهم، وإنكار حقوقهم. ويحسبون انهم حملة لواء إلغائها الصادقون، قولاً وفعلاً، وينسبون الى المترددين والمتشككين أنانية أهلية ضيقة لا تنم إلا بالانطواء وبمماشاة مصالح عدوة وقاتلة.

ومديح الموقف الوطني والجامع، على هذا، هو المضمون «الوطني» الوحيد والهزيل للإجماع. وأما ما عداه، أي معظمه، فهو رد أو نفي مضمر لافتراضات وظنون أهلية جارحة، ولمطاعن حادة في الدولة و «أصحابها» و «أصدقائها»، أعداء الأهل اللدودين والوجوديين، على ما لا تنفك الجماعة الأهلية، عامة ونخباً، تقول وتنبه وتحرض. فلم تكد الحادثة الفادحة تحصل حتى سئل رئيس الجمهورية، ميشال سليمان، في وزارة الدفاع، عن «معطيات عن إمكان حصول عمل تخريبي». والتخريب المضمر في السؤال، في أعقاب ساعات على سقوط الطائرة ومقتل ركابها وطاقمها، يُقصد به «مخربون» محترفون هم الإسرائيليون.

ويقصد الإسرائيليون بفعلتهم «المقاومة»، و«شعبها»، على قول أحد أعيان الجماعة الأهلية وحزبها المسلح في تأبين بعض الضحايا الأوائل. وثنَّت الرواية الشعبية والسائرة على نسبة الحادثة الى «عملية» عسكرية، فأحلّت محل الإسرائيليين الأميركيين. واستدلت بقدوم قطعة بحرية أميركية الى الشاطئ، حيث هوت الطائرة، وإلى موضع السقوط غير البعيد من «الضاحية» الجنوبية، استدلت بهذا على خطة توسلت بالحادثة الى الاقتراب من حصن «المقاومة»، ومهاجمتها، والثأر منها.

واضطر رئيس الحكومة، سعد الحريري، في اليوم نفسه، الى الرد على التحفظ عن «المساعدة الخارجية»، الأميركية والأممية. فقال ان العواصف البحرية كانت «عاتية جداً». واعتذر عن خلو وفاض لبنان من «سفن يمكنها مواجهة هذه العواصف». وانتهى الى تقرير استعانة الدولة بعضها ببعض «في مثل هذه الأحوال»: «فلماذا علينا ان نكون غير بقية الدول التي تنزل بها مصيبة؟». ودعا الى تقديم هَمِّ المفقودين، والبحث عنهم وانتشال ما بقي منهم، على المجادلة في «من يقدم المساعدة إلينا».

وفي موازاة التشكيك في نجوم الحادثة عن عامل طبيعي، وانتقاد طلب المؤازرة والعون الإنسانيين وغير الأمنيين من دول «لديها سفارات وعلاقات ديبلوماسية مع لبنان»، على قول وزير الدفاع الياس المر، سرت تهمة الدولة بالتقصير والتخاذل. وهذه التهمة تهم كثيرة، أولاها ان خط الطيران الذي وقعت الواقعة عليه، هو خط افريقيا الشرقية والجنوبية، وتتولى النقل عليه شركة غير لبنانية هي الشركة الحبشية. وتتولى الشركة اللبنانية، طيران الشرق الأوسط، نقل المسافرين والبضائع على خط افريقيا الغربية. فطعن الرأي الأهلي في كفاءة الشركة الأثيوبية، وفي طياريها الأثيوبيين «الافريقيين»، وندد بانتهاج الطيار طريقاً غير الطريق التي اقترحها عليه برج المراقبة. وطعن في تقسيم العمل على الخطين.

وعزا ترك الشركة اللبنانية الخط الشرقي الى اقتصار تفكير الشركة اللبنانية، وعلى رأسها مدير انتدبه المصرف المركزي الى تدبيرها، «في الربح». واضطر المدير، رئيس مجلس الإدارة، محمد الحوت، الى دفع «التهمة». ورد سعد الحريري بالقول: «إن الطائرة المنكوبة من أحدث الطائرات، وهي أكثر حداثة من طائرات طيران الشرق الأوسط». وفي الأحوال كلها، «لا علاقة لما حصل» بتسيير الشركة الأثيوبية طائراتها على خط بيروت – أديس ابابا وغيرها من مدن الشرق الافريقي. وكان جائزاً ان يقع لطائرة لبنانية ما وقع للأثيوبية، على ما كرر وزير الإعلام.

ولم يتردد الرأي الأهلي في تحميل «الدولة» المسؤولية عن بطء أعمال الانتشال والتعرف ومطابقة نتائج الفحوص المخبرية. وقادته وأعيانه لا ينفكون يسخرون من عجز الدولة، ويشترطون عليها استيفاء شروط التمام والقوة قبل انضمامهم إليها. وظَنَّ في مستشفى رفيق الحريري الحكومي، والعاملين فيه، تعمد «إهانة» أهالي الضحايا، والتخلف عن إبلاغهم نتائج الفحوص والاختبارات، ودعوتهم الى الفحص مرة ثانية وثالثة، وإطالة وقت الفحص. وتوسع في تهمة الدولة و «السياسيين».

وذهب بعض قادته، قادة الرأي الأهلي، بعد مديح اللبنانيين على «تماسكهم وتعاطفهم ووحدتهم وتفاعلهم كشعب حي يستحق الحياة» (وهذا في باب الشكر الذي تقدم الكلام عليه)، ذهب الى ان «الكفايات» المسافرة، وبعضها كان في الطائرة المنكوبة، إنما «تعيش التهجير القسري الذي تدفع ثمنه غالياً، كما في هذه الكارثة». فالهجرة العريضة والقديمة والمتجددة التي نشرت ملايين اللبنانيين في أنحاء الأرض، وكانت ولا تزال في رأس خبرة تاريخية مشتركة يتقاسمها اللبنانيون، يحملها المرجع «الروحي» على «تهجير قسري»، ويعزوها إلى إحجام «المسؤولين» عن «تحمل مسؤولياتهم في العمل لقيام الدولة القادرة العادلة التي تحمي الكفايات وتعمل لاحتضانها». وهي شبهة التمييز والغبن «الطائفيين» والملازمين الدولة – الكيان (وهذا في باب إلغاء الطائفية الذي مر الكلام عليه كذلك).

وحسب بعض قادة الجماعة الأهلية ربما ان الجمهور يتمادى في التشكيك في الدولة والتبرؤ منها، ويسترسل مع منازعه العدائية التي حضنها القادة هؤلاء ونفخوا فيها يوم أخرجوا أهلهم على الدولة، وعلى معظم اللبنانيين. فخرجوا على جمهور جماعتهم بآراء تستعيد أحكام الرأي الأهلي، وتلجم أو تقيد هذه الأحكام معاً. فشكروا، طبعاً، وتقربوا، ولوحوا بسبقهم وسابقتهم، وضموا «الناس» إليهم، وبسطوا عليهم عباءتهم الظليلة، وطالبوا بخط الطيران اللبناني الى افريقيا كلها، وبإطالة مدة البحث عن «أجساد الضحايا» الى ما بعد الـ72 ساعة العتيدة. وحثوا الدولة على «الجهوز» وعلى الغنى عن «مساعدة الآخرين». ولكن قيل هذا من غير تهمة ولا تنديد، وعلى سبيل المشورة الحسنة. ومُدح المهاجرون، فعادوا «مواطنين (...) في بلاد الاغتراب»، و«عناصر تثبيت وطني وسكاني وديموغرافي»، وهذا وسام استحقاق من رتبة عالية. ونفي عنهم القسر، ونفي التهجير عن «المسؤولين».

وقد يبدو هذا مرآة «علم» عميق بمداخل التماسك العصبي ومخارجه، وبمصادره وموارده وأوقات إعماله وتقييده. ولا تستثنى من العلم والعمل الأوقات العصيبة التي تمتحن الأهل في الأرحام والأقارب والمعيلين. ويستبقي العلم هذا طبقة تحتية ثابتة وعريضة من العداء والشك والضغينة. فلا ينسى «الرد» على حادثة كوتونو (أسبوع 2003 الأخير)، وجناية بعض الأهل على بعضهم الآخر.

وتقارن الطائرة الأثيوبية بالطائرة البينينية، للقول ان الدولة تنزل الكارثة بالأهل كذلك. وحين وقعت واقعة صلاح عز الدين، أسرع معلقون الى تحميل هيئة الرقابة على المصارف التبعة عن الإغضاء. واستبقاء الطبقة التحتية والثابتة هذه لا غنى عنه. وينقاد الجمهور الى «طبقته
مرحباً. وإذا طُلب إليه اليوم كبح انقياده، فعلى وعد أكيد بفتح السدود كلها في أقرب فرصة.
http://www.daralhayat.com/portalarticlendah/102871

الجمعة، 22 يناير 2010

«نظام المقاومة» ينصِّب فوق الدول الوطنية مرجعيةً و«معادلةً» مطلقتين


الحياة, 22 /1/ 2010
لم يذهب «أبو موسى» - وهو العقيد سعيد موسى الضابط «الأردني» السابق ومخلف جيش المملكة الأردنية الهاشمية وراءه غداة ايلول (سبتمبر) 1970، وصاحب حركة منشقة عن «فتح» ياسر عرفات في اثناء الاستقرار الفلسطيني في «حكم» لبنان أعلن عنها غداة رحيل المنظمة، وقائد بعض الهجمات الدامية على بلدات لبنانية مسيحية في عصر «المقاومة» اللبناني الذهبي، ورأس «فتح الانتفاضة» التي ولدت في اقل من أسبوع «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد الشمالي – أبو موسى هذا لم يذهب مذاهب شتى في بيانه «المقاوم» بصيدا، في 18 كانون الثاني (يناير). فهو قال من غير لبس: السلاح الفلسطيني خارج مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان «وجد (حيث هو) ليس ضمن معادلة لبنانية – لبنانية، بل ضمن معادلة صراع عربي – صهيوني، وما خلف الصهيونية»، أي السياسة الأميركية أولاً، والأطلسية ثانياً، وربما الأوروبية ثالثاً. ويرى رأس الانتفاضة على «فتح»، قبل 25 عاماً من انتفاضة «حماس» عليها، ومستظل فيء خالد مشعل بدمشق، ان «الصراع مع هذا العدو لم ينته بعد».

وهو يوم زار رئيس بلدية صيدا، حليف أسامة سعد (منافس بهية الحريري وفؤاد السنيورة، الحريريين «التاريخيين»)، كان خارجاً لتوه من الملتقى العربي الدولي لدعم المقاومة ببيروت. وخطباء الملتقى الثلاثة البارزون هم حسن نصر الله، ورئيس الوزراء اللبناني سابقاً سليم الحص، وخالد مشعل الحمساوي الدمشقي. وفي بيانه الختامي، «نداء الحرية» على قول الملتقين، دعا هؤلاء الدول العربية الى «إعلان فشل مشروع التسوية (و) إسقاط كل الاتفاقات المبرمة مع الكيان الصهيوني...»، تحت لواء بند البيان الأول: «ان مقاومة الاحتلال والعدوان حق ثابت للشعوب أكده القانون الدولي، وشرعته الأديان السماوية، ونص عليه ميثاق الأمم المتحدة...». ولا يطعن في الانتصار بالقانون الدولي والأمم المتحدة استعانة «اسرائيل المهزومة» بـ «المجتمع الدولي وبمجلس الأمن وبالمؤسسات الدولية...»، على قول خطيب الاحتفال الأول، حسن نصر الله، ولا مساواة الخطيب، في الجملة الخطابية نفسها، الهيئات الدولية بـ «بعض الأنظمة العربية والمخابرات العربية وإقامة الجدران الفولاذية وحملات الترهيب والتشويه والحصار». فهذا شأن وذاك آخر، ولكل مقام، وصاحب مقام، مقال أو مقالات.

ويحتج العقيد «الأردني» السابق لسلاحه القليل وسلاح زميله ورفيقه الأقرب أحمد جبريل، ولسلاح «حماس» المستتر والمتفجر وغير المحتاج الى الاحتجاج له ما دام يستظل جناح «الذين خبروا ساحات الجهاد وذاقوا طعم النصر الإلهي» في الشريط الحدودي اللبناني (سابقاً) وغزة دائماً، على قول صاحب «المقاومة الإسلامية» مؤبناً 2600 قتيل لم يخرج معظم أهلهم من بين الأنقاض بعد. وحجة سعيد موسى هي ما يسميه رفاق دربه مرجعيته العربية والإسلامية. وهو رتب مرجعيات الصراع والسلاح على مرتبتين: الأولى، وهي الأدنى والأخف، لبنانية وطنية، والثانية، وهي الأعلى والأرجح، «عربية»، على معنى سورية وربما سورية – إيرانية. ويأمل العقيد السابق، شأن زملائه في الملتقى العتيد وعلى ما قالوا، في انضمام تركيا الى نموذج «المقاومة»، العربية على الدوام ومن غير تدافع ولا استحالة.

وأبو موسى المتحدر من «مرجعية» عربية، وليس فلسطينية، يزن المرجعيات بميزان «المقاومة» ودوائرها وديراتها. فالسلاح الفلسطيني داخل المخيمات لا يدين للبنانيين، ولا لغيرهم، بدخول المخيمات وتغذية الاقتتال بين الفلسطينيين وعلى اللبنانيين، على أرضها. والمسلحون الفلسطينيون خارج المخيمات يدينون بسلاحهم، ومرابطتهم على الأراضي اللبنانية، إما لقتالهم «التاريخي»، في 1968 – 1982، الدولة اللبنانية وجماعات لبنانية كثيرة وتصديهم لبعض العمليات الإسرائيلية البرية، وإما للسياسة السورية وأدواتها الفلسطينية واللبنانية المسلحة والسياسية. فما يزعمه السياسي والعسكري الفلسطيني المتقاعد، والمستيقظ من سباته في مناسبة مؤتمرية وخطابية، «معادلة صراع عربي – صهيوني، وما خلف الصهيونية» إنما هو تجديد لنهج السياسة السورية في سبعينات القرن الماضي. وتوسل النهج هذا يومها بـ «تخزين» الفلسطينيين (صلاح خلف) في لبنان المختلط، الحلقة الأهلية والقمعية العربية الضعيفة، وبالاستعاضة به، وبالمنظمات الفلسطينية واللبنانية المسلحة، عن قتال إسرائيل الصعب. وكانت الحروب الأهلية الملبننة والطويلة ثمن نصب الحكم السوري وطبقته المسيطرة، نفسه مرجعية عربية، ومماشاة سياسات عربية ودولية «شجاعة» الحكم هذا على فعلته.

وتماسكت هذه السياسة بعض الشيء قبل انهيار «جبهة الصمود والتصدي»، الأسدية والصدامية والقذافية، غداة ولادتها في 1978، وتوقيع مصر اتفاقية «اسطبل داود» على ما سمى العقيد الآخر معمر القذافي معاهدة كمب ديفيد في 1979، وعقد منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو في 1993 والمملكة الأردنية الهاشمية معاهدة وادي عربة في 1994، واقتراح قمة بيروت العربية في شتاء 2002 مبادرة سلام جددت قمة الرياض غداة 5 أعوام التمسك بها. وعلى هذا، فالمعادلة أو المرجعية العربية المزعومة التي تستظلها دعوى العقيد السعيد، ومسلحو زميله المقدم «السوري» السابق أحمد جبريل (والمقدم الطيار سابقاً شاكر العبسي)، فاتت، على قول ياسر عرفات، بالفرنسية («كادوك»)، في برنامج منظمة التحرير وبند تدمير إسرائيل. فالصفة العربية التي يضيفها الى المعادلة لم يبق منها، بعد انسحاب مصر والأردن و «فلسطين» (ولو بين مزدوجات) وإقامة لبنان على التمسك بهدنة 1949 والقرارات الدولية 425 و426 و1701، إلا معاهدة الأخوة والتنسيق والتعاون السورية أولاً وأخيراً والمجلس الأعلى السوري.

والحق ان ما بقي من المرجعية العربية المزعومة، هو الجزر الفلسطينية المسلحة على الحدود اللبنانية – السورية الشرقية، وفي بعض مخيمات الشمال واخيراً على سفح الشوف «العربي». وأدت الجزر هذه دوراً مشهوداً في عرقلة مراقبة قوات الدولية ترسيم الحدود غداة اغتيال رفيق الحريري. وقتل مسّاحان لبنانيان تهددا الأرض العربية السورية في وحدتها وعروبتها، على مشارف هذه الجزر. وهي اضطلعت بمهمات أمنية عظيمة منذ قيامها، و «استقلالها» بنفسها، الى اليوم. والأرجح أن اغتيال الجنود الإسبان قبل نحو عامين، ورمي الصواريخ المختلسة من الجنوب حين يحم خطب «المقاومة» فلا يرى الشيخ نعيم قاسم ان على اصحابه تولي حراسة حدود إسرائيل – إلى الإنجاز الأعظم و «الغامض» أي إشعال القتال بين الجيش اللبناني وبين مخيم نهر البارد -، هي من فروع المهمات هذه وشُعَبها الكثيرة.

ولا تنسب «المقاومة الإسلامية»، أي حرس الولاية الملهمة والثورية، نفسها الى المرجعية العربية. وهي تزدريها وتحتقرها، على ما تصرح خطب خطباء الثورة الحرسية في لبنان. ولكنها، أي «المقاومة»، تتحدر من المرجعية العتيدة وركنها الوحيد، ومن حضانتها، وتتغذى من طرق إمدادها وتموينها. فبعث المرجعية «العربية» الخاوية من رميمها، يشبِّه ويخيِّل عروبة من غير عرب (على معنى سعيد موسى). وهي العروبة السورية التي تكني عن الكل المترامي والمعقد بالجزء الضئيل والفقير التركيب، وتتسلط بذريعة الكناية غير المستقيمة على ما وسعها من الأجزاء الضعيفة. ولكن التذكير بخواء الكناية وكذبها، والحؤول دون مفاعيلها التسلطية، يقعان على عاتق العرب، دولاً وشعوباً، على نحو ما يقعان على عاتق الشعوب الضعيفة والمنقسمة، أي اللبنانيين والفلسطينيين، وذلك على رغم ان مصدر ضعفها الأول وانقسامها هو إقحام «القضية العربية الأولى» عليها (وعلى الشعب الفلسطيني أولاً)، على صيغة إقحامها الأهلية العصبية والاستخبارية الأمنية المسلحة.

والتصدي الفاعل لهذا المثال من المرجعية العربية أو الإسلامية وجه حيوي من وجوه إرساء دوائر إقليمية متماسكة تتمتع بقدر معقول من الانكفاء يحمي الدوائر أو الأنظمة الفرعية هذه من تحكيم قوى خارجية متنازعة في منازعاتها وخلافاتها. وشرط حماية الانكفاء والتحكيم الداخليين تقييد المرجعية المفترضة بمعايير عمل وقواعد. وهذا على خلاف ما تطلبه «المعادلة العربية»، السورية، اليوم، على لسان أبو موسى، وعلى خلاف تاريخ التربع السوري في المرجعية المزعومة، في لبنان وفلسطين والأردن والعراق. ويقود الزعم ان مرجعية عربية (-إسلامية) تقودها دولة منفردة تحرك جماعات محلية موالية، باسم قضية «مقدسة»، ويستغرق سياساتها دفاعُ طبقتها الحاكمة عن نفسها في وجه معظم محكوميها ومعظم المجتمع الإقليمي والدولي – يقود الزعم هذا الى ارتكاب ضروب الإرهاب المتفرقة من غير رادع.

واغتيال رفيق الحريري، شأن استدراج الإسرائيليين الى الحرب او استدراج الشيــعة العراقيين الى القيام على السنّة، وحمل العراقيين جميعاً على رذل دولتهم وإداراتهم، والبـــشتون الأفغان على كابول والطاجيك والشمال والتحالف الدولي (ما دام امير «المقاومة» الشيعية المسلحة يدخل افغانستان في باب المقاومة ويدعو الى «دعمها»، شأن محمد رضا ميرتاج الدين معاون أحمدي نجاد أو نائبه للشؤون البرلمانية)، هذا كله وغيره مثله سائغ ومشروع على حسب منطق المعادلة العربية ومرجعيتها غير المقيدة. فهي تذكي الاقتتال الداخلي، وتميز العدو من الصديق تمييزاً عصبياً حاداً ومصطنعاً، وتعزل الداخل من الخارج الدولي عزلة مدمرة، وتهدم العلاقات السياسية الداخلية وتخرجها من مبانيها الدستورية والمدنية، وتسلط حال طوارئ مضمرة أو معلنة على الدولة والمجتمع، وتسلم إدارة الطوارئ الى طغمة متسلطة ومغلقة تنصّب تسلطها مرادفاً حرفياً لحماية القضية ومناعتها.

والحق ان سند «خروج» سعيد موسى هو تاريخ السياسة السورية الأسدية (والفلسطينية المسلحة والعراقية الصدامية والليبية القذافية والخمينية الإيرانية، إلخ) الطويل في الشرق الأدنى ولبنان على الخصوص. ويقود التاريخ الطويل هذا الى أحلاف وكتل من النوع الذي برز، على شكل دعاوي وخطابي، في الملتقى الدولي العربي لدعم المقاومة، ببيروت العروبة («الحضارية؟») طبعاً. فـ «الملتقى»، وهو دعا إليه مناضلون بعثيون «عراقيون» ثم «عرفاتيون» ثم «سوريون» و «إسلاميون»، جمع المقاومات الشيعية اللبنانية والإيرانية الحرسية والحماسية الفلسطينية والإسلامية العلمائية العراقية (الشيخ حارث الضاري، مادح «الشيخ» أسامة بن لادن) والبعثية السورية (السيدة شهناز فاكوش عضو القيادة القطرية). و «الملتقى» الخطابي مظهر ثانوي لتنسيق وثيق وقديم، استخباري أمني ومالي وعقائدي سياسي، بين القطبين الحاكمين في إيران وسورية وبين حركات وتيارات وأحزاب أهلية بعضها يشارك في السلطة، بلبنان وفلسطين، وبعضها ينتظر الانتصار على دوله، وهي شطر أساسي من أعدائه، على شاكلة الوفد العراقي.

ولعل ازدواجية القطبين، الإيراني والسوري، على نحوين مختلفين، وهي من أبرز سمات «الملتقى» العتيد. فالقطب الإيراني يذهب، على لسان معاون رئيس الجمهورية، الى ان السياسة الخارجية الإيرانية تقوم على «دعم الهدوء والأمن والاستقرار في دول هذه المنطقة ولدى شعوبها كافة»، من وجه.

ويرى ان هذه السياسة «تتجلى بالاحتضان والمؤازرة لكل حركات المقاومة والممانعة ضد أعداء الأمة العربية والأمة الإسلامية». ومثال الجمع بين شعبتي هذه الســـياسة هو، من غير ريب، انشقاق «حماس» واستقلالها بغزة، والاســـتبداد بحكم اهلها، ودعوتها الى استجــابة السعي الإسرائيلي في نقض هدنة الصواريخ، واستباقه، واستدراج القوات الإسرائيلية الى دخول غزة وشن حرب على الجبهة الجنوبية، السنية. ولكن السياسي الإيراني يلوح، في الوقت نفسه، بالمثال اللبناني. فالإذعان للاحتضان والمؤازرة (أي الوصاية) وللهزيمة العسكرية والسياسية في الداخل والرضا بها، قد يحملان المرجعية «الإسلامية» على «دعم الهدوء والأمن والاستقرار» على شرط إرساء هذه على الشق الأول.

وفي الأحوال كلها، يدعو بيان «الملتقى» الختامي الدول العربية، أي مصر والأردن والسلطة الفلسطينية أولاً، الى «إعلان فشل مشروع التسوية»، أي إلى إلغاء المبادرة العربية (السعودية) وإعلان حال حرب عامة في المنطقة الآمنة والمطمئنة («إسقاط كل الاتفاقات المبرمة مع الكيان الصهيوني وقطع أشكال العلاقة معه»). ويتذرع الحكم الإيراني بـ «الملتقى» إلى إدراج ممثل الشق القاعدي السني من الحلف القاعدي – البعثي العروبي بالعراق في صف «المقاومة». ويحضن القطبان الإيراني والسوري حلقة عراقية وسيطة بين الجناحين الإرهابيين الصريحين، القاعدي والصدامي، يصالح «الجهاد» الإيراني في العراق مع الحركة القومية البعثية المحلية التي يحضن الحكم السوري أقطابها، ويصالح القيادة «القومية» السورية مع بعض الجهاديين. ويحل هذا معضلة الموازنة الدقيقة بين تيارات «المقاومة» العراقية، وإنجازاتها العظيمة. ويربط المقاومة ذات السجل المروع بنظام المقاومة العربي والإسلامي. واحتضان حسن نصر الله، وحده، «الأفغان الأفغان»، وإغفال بيان «الملتقى» ذكرهم، واقتصاره على المثلث «العربي»، قد يكون قرينة على الإعداد لمناقشات قادمة في ملتقيات تستقبلها بيروت في الأشهر الآتية (ولمفاوضات اقل علانية إعلامية «مقدسة» وأكثر أمنية ومالية).

وتلوح السياسة السورية بازدواجها، على أضعف تقدير، من غير حرج. فكلمة سورية على لسان عضو ثانوي في القيادة القطرية (وليس القومية)، توجب «خطأ التصور ان السلام يأتي بالتفاوض»، وتوحد «المقاومة والسلام» في «محور واحد»، بينما ترفع سورية الوساطة التركية والمفاوضة والرعاية الأميركية المرجوة الى مرتبة جواهر ميتافيزيقية. ولا يخلو الكلام السوري، على عادته، من غمز من المقالات الأخرى في «الملتقى»، ومن أصحابها. فالقول ان «المقاومة حاضرة دائماً في غياب الحلول الأخرى» يخالف غلو «الجهاديين». والقول ان «حرب تموز (يوليو) 2006 الإسرائيلية... وحرب إسرائيل على غزة غيرتا خريطة المنطقة»، يثلج صدور «الجهاديين» أنفسهم. والقول اخيراً «ان لنا عدواً واحداً على الأرض العربية هو المحتل الإسرائيلي»، ينبغي ان يحدو جيفري فيلتمان على عناق فيصل المقداد حين يرد الأول زيارة الثاني الى واشنطن ويحط بدمشق التي عزلت واشنطن، على قول سفير هذه السابق في بيروت.

الثلاثاء، 19 يناير 2010

الإعلام والأمن اللبنانيان في قبضة «الدولة» المضادة


الحياة 13/1/2010

في معرض إجراءات أمنية وسياسية احترازية، أوصى مجلس النواب الأميركي بحظر بث قناة «المنار» الحزب اللهية، بواسطة الأقمار الاصطناعية، ونقل مواد الفضائية الى الجمهور الأميركي. وغداة محاولة النيجيري القاعدي عمر عبدالمطلب تفجير نفسه في الطائرة الأميركية القاصدة ديترويت، عشية عيد الميلاد، أدرجت وزارتا الأمن الوطني والخارجية الأميركيتان المسافرين اللبنانيين الى الولايات المتحدة في قائمة البلدان التي يحسن بأجهزة المراقبة في المطارات الأميركية فحص المسافرين منها بواسطة المسح الضوئي المشدد و «الفاضح». وأثار الأمران، مشروع القرار الإعلامي والقرار الأمني، ردوداً لبنانية، أي في لبنان، تولاها المعنيون الأوائل، أي الحزب الشيعي وأنصار الحكم السوري المحليون. ويريد هؤلاء حمل الحكم اللبناني، وهيئاته الرسمية، على الانخراط في الحملة الإعلامية السياسية التي يقودونها على السياسة الأميركية، أو «الأميركية – الإسرائيلية» («الصهيونية») على قولهم.

وهم يسعون في تولي هيئات الحكم اللبناني الرئاسية والديبلوماسية حملة الرد على الإجراءين، والتنديد بهما تنديداً اتهامياً وتحريضياً، وإدراجهما في باب إهانة كرامة «اللبنانيين» وإذلالهم على حواجز «التفتيش الإلكتروني». ويخلصون من الإجراء الإعلامي، وهو تقصد به محطة دون غيرها – أصاب لبنانيين كثيرين من تحريضها وعنفها وتحاملها وازدرائها فوق ما أصاب غيرهم – إلى ان «الإعلام اللبناني الحر» («والمقاوم») يقصد بالإجراء. وعلى الإعلام هذا، وهم ينسبونه الى العمالة، التضامن مع «المنار»، ومع حزب «المنار»، والإغضاء عن ان حزب «المنار» أحرق بالنار والرصاص مكاتب محطة تلفزيونية، وصحيفة يومية، وأوقف الأولى عن البث والثانية عن الصدور بضعة أيام، وتعقب صحافيين وأرهبهم واعتدى على بعضهم بالضرب، وحمل آخرين على ترك الكتابة...

وعلى اللبنانيين جميعاً، وأنصار «المنار» نسبوهم الى مواطأة العدو على العدوان والقتل والتدمير، القيام على الإجراء الأمني الأميركي ثأراً لكرامة لبنانية عامة يمثلون هم وحدهم عليها. وعلى دولة «كل اللبنانيين»، وأجهزتها الرسمية المقصية عن المراقبة، تسخير علاقاتها الدولية بالعدو الأميركي حماية لمن قد تظن فيهم أجهزة مكافحة الإرهاب ضلوعاً في خطط تنتهك سلامة البلد المضيف والمهدد، ومواطنيه. وترمي الحملة الى تحقيق وحدة «المقاومة والجيش والشعب (اللبناني)»، أي الى تحميل «الجيش والشعب»، أو الدولة واللبنانيين عموماً، أوزار «المقاومة» الخاصة و «المهنية»، أوالوظيفية الإقليمية. ويؤدي منطق الحملة الى اضطلاع الدولة، المعرَّفة والمستقوية بمواصفات حقوقية وقانونية تشترك فيها مع المجتمع الدولي وهيئاته، بالمسؤولية العامة عن انتهاكات جماعة (أو جماعات) أهلية وخاصة، المواصفات الدولية المشتركة هذه.

وفي حقل الإعلام، يريد أنصار «المنار»، وغيرها من منابر التحريض والتشبيه، ان ينسى اللبنانيون بعض وقائع أداة التعبئة الدعوية هذه. فخلاف «المنار» مع هيئات إعلام دولية ترعى معايير الموازنة والاعتدال، والفصل بين الرأي والخبر واجتناب الإثارة والدعوة الى القتل والكراهية – يعود الى ملاحظات الهيئة الفرنسية العليا على مسلسل «الشتات» السوري، وبثه على «المنار» الدولية في 2003 و2004. و «الشتات» هو صيغة شــعبية وجماهيرية مقذعة عن حكايا وأخبار عنصرية وغريزية تقسم البشرية عالمين ضدين ومتحاربين. ويقود «اليهود» عالم الظلمة والحقد والجشع والسفاح والقتل على عالم النور والمودة، إلخ. والإنتاج السوري هذا لم «يرض» التلفزيون السوري الرسمي بثه. فتصدى إعلام «المقاومة الإسلامية» والعروبية، وهو ميدان احتياط الثقافة السورية، البث والنشر. وحمل جرأته وتهوره على تقديس لبنان حرية الإعلام، وعلى دستورية الحريات فيه.

وكان انتهاك حزب «المنار» المعايير الإعلامية وجهاً من سياسة تعبوية وحربية ونفسية لا تميز العلاقات الاجتماعية والسياسية العادية، بين الأفراد وداخل الجماعات أو بين الجماعات السياسية الوطنية، من علاقات الحرب و «الصراع» المنفجر والدامي، على قول بعضهم. والإعلام، والتلفزيوني منه على وجه الخصوص، «سلاح»، على ما لا ينفك إعلاميو الأحزاب والتيارات القومية والدينية العصبية يقولون. وهم يحوطون سلاحهم برعاية فاعلة. فينظمونه على مثال فهمهم وممارستهم الحرب الانتحارية، انضباطاً واستماتة وصدوعاً بالأوامر المركزية واستخباراً ومراوغة وتقنعاً واستهدافاً للعدو وازدراء بما يقيد الحرب بميدان ودائرة. وتنقلب أجهزة الصور والخطابة في المناسبات السياسية الكثيرة، وهي على عدد الأدعية وكثرتها، الى مخزن تهويل وترهيب يقصد به «تكييف» المشاهدين، وهم جماعة وكتلة، مع ساحة الحرب. وساحات الحروب لا تنقطع. فمن الاستعراضات العسكرية و «الرياضية» البهلوانية والخطابية التي تجدد قيام المعقل الأهلي والعصبي وحماه بمعزل من الأراضي الوطنية، إلى التظاهر الحاشد التعبوي في ساحات تحولت الى معسكرات، والإضرابات المفروضة بالجرافات والشاحنات، فالاحتلالات المديدة وحصار مقرات الدولة والحكومة، فالحوادث المنظمة على حدود ومناطق السكن الطائفية... لا تحصى الكتل المشهدية الداعية الى الانبهار والقتال والاستماتة المحمومة. وهي جزء من «مجتمع الحرب» الذي حضن انفصال «شعب المقاومة» العصبي والأهلي من الشعب السياسي والوطني.

وخطب المناسبات هذه تخاطب جماهير «الشوارع» العربية والإسلامية من وراء ظهر الشعوب السياسية والوطنية، وليس من وراء ظهر الحكام والأنظمة، على ما يقال ويزعم. والإخراج الإعلامي المشهدي، والخطابة النارية والاتهامية، يدمجان الخبر «الحي»، على الهواء والخط، بحاضر مباشر وماثل، ويدعوان الى الدخول في الحاضر، والذوبان فيه. وهذه الأمور لا تخفى مصممي الإعلام المباشر. وهم يتعمدونها، ويقصدون بها غاية صريحة هي دمج جمهور (جماهير) «الجاليات» في الوطن والمهاجر في كتلة واحدة أو جسم واحد. وهذا دعوة صريحة، على شاكلة دعوة «القاعدة» وأشرطتها، الى الخروج على الأجسام السياسية الجزئية التي ينتسب إليها «المهاجرون» وجالياتهم. وهي دعوة الى فض الاختلاف الناجم عن كثرة الهويات والمنابت الأولى في بلد مثل الولايات المتحدة، على شاكلة نضال مالك حسن، الميجور الأميركي الذي قتل 12 جندياً ومدنياً في قاعدة فورت هود، أي بواسطة أعمال قتل إرهابية.

وما يرتب على الدولة اللبنانية، وعلى سواد اللبنانيين، تبعات قانونية ومعنوية جزائية جسيمة هو استثناء محطة «المنار» فعلاً من شروط إنشاء المحطات التلفزيونية الخاصة في لبنان، بذريعة وظيفتها «المقاومة». فلا تعدد مصادر التمويل وكثرة المساهمين في رأس المال، ولا تعدد مصادر الصحافيين وطوائفهم ونسب مصادر العاملين الطائفية، ولا استقلال العاملين عن المساهمين المفترضين، ولا إعلان نتائج الاستثمار – مرعية أو معتبرة. فهذه كلها إما طي الكتمان والصمت وإما صورية وملفقة، وليس من رقابة عليها لا للجمهور ولا لهيئات المراقبة. ولعل ذروة التلفيق والشكلية المسرحية هي تولية مجلس وطني للإعلام هيئة المراقبة. فمعظمه مستعار أو منتدب من أجهزة تحريض الأحزاب والتيارات ودعاوتها. ويخلط المندوبون هؤلاء معايير الإشراف والتنظيم المزعومة بأهوائهم. وهم، على الدوام، جنود شرسون في معارك «الإعلام» الإيراني الطائفي والمحارب، على وجهي الجندية: فينخرطون في الدفاع عن محطة «العالم» الإيرانية بالعربية، ويسكتون سكوت الشيطان الأخرس عن انتهاكات الحكم الحرسي المحلي حقوق الإيرانيين وحرياتهم. وانتقال دعوى السياسة الإعلامية الحربية، منذ خطواتها الأولى في العهدين الفلسطيني والسوري، الى معظم الجسم الصحافي اللبناني، يحيل «التنوع» سرطاناً ينخر جسم الدولة الوطني والسياسي، وقناعاً تتقنع به السياسات الأهلية، والولايات الإقليمية المسلحة.

والمسألة لا تقل جلاء ووضوحاً على الصعيد الأمني. فبعد ان ضمت اجهزة الأمن والاتصالات والديبلوماسية الى الكتل الأهلية جهاراً نهاراً، وطلب الى قادتها وقادة مرافقها ووحداتها الميدانية (المطار، المرافئ، معابر الحدود البرية...) استشارة سلاطينهم ودهاقنتهم والامتثال لأمرهم بحسب التقليد السوري العريق، على ما لاحظ المحقق الإيرلندي فيتزجيرالد في اغتيال رفيق الحريري، لم يبق ما يقوم بأود أمن وطني. فلا تأمن دولة من دول المقصد، إذا هي تصدت للسياسات الإيرانية أو السورية، وأرادت حماية أراضيها ورعاياها من حملات هذه السياسات أو ثاراتها أو عملياتها الانتقامية – وهذه لازمت على الدوام خطط هذه السياسات وتعرجاتها – لا تأمن إعمال المسرح الاحتياطي والفرعي اللبناني في بلوغ غاياتها.

وأقنعة هذا االمسرح كثيرة وفاعلة في خداعها وتشبيهها. فلا قيد يعوق تجنيد المدنيين المسافرين والمهاجرين، من فلسطينيين وبلديين، من الطوائف كلها، منذ بعض الوقت، في عمليات مركبة ومعقدة يملك مفتاح تركيبها، وجمع قطعها المتناثرة، «مسلّط»، على قول أبي نواس، مستتر. والسيد الآمر هذا يقبع وراء حجب أولها في بلدة جنوبية أو بقاعية أو كسروانية أو متنية أو طرابلسية، أو في مخيم لا رقابة على وافديه ومنقلبيه، وآخرها في مبنى بطهران أو دمشق. وبين الحجاب الأول والأخير احجبة وسيطة في قبرص وتركيا وبلغاريا ومدريد، وغيرها. والحلقات هذه تنتج أوراقاً ثبوتية رسمية وحقيقية، ومزورة، على شاكلة أوراق «المقاوم الإسلامي» اللبناني الذي سافر الى مصر، وصنع ما صنع. ومثله كثر في البلدان الكثيرة التي ينوي الرئيس «العالمي» والإصلاحي محمود أحمدي نجاد، وأجهزته الكثيرة، تقويم سياساتها وإصلاحها، ويوافقه خطيب «حزب الله» الرأي فيها. والغلالة «اليهودية» على جسد الأخطبوط النهم لا تستر فضيلة ولا عزيمة.

الأربعاء، 6 يناير 2010

أحكام طوارئ «المقاومة

الحياة، 6/1/2010
احتفلت غزة الرسمية، الحمساوية، وربما شطر من غزة الشعبية والأهلية، بانقضاء سنة على اندلاع الحرب الغزاوية - الإسرائيلية. وجدد المحتفلون العهد على استمرار المقاومة وانتزاع الانتصارات من العدو الصهيوني. فالمحتفلون، على درجات الاحتفال المتفاوتة، لا يشكون في انهم توجوا الحرب الإسرائيلية على غزة بانتصارهم هم وهزيمة العدو. وآية الانتصار والهزيمة واحدة، وهي ان «حماس» لا تزال حاكمة في أهل غزة، ولا تزال تتنصل من توقيع المصالحة مع «فتح» ومنظمة التحرير الحاكمة في الضفة الغربية وتصر على سبق المصالحة الانتخابات التشريعية والرئاسية. ولا يزال خالد مشعل، رئيس الحركة ومكتبها السياسي في المنفى، يتنقل بين دمشق والدوحة، وطهران والرياض. فيعد محمود احمدي نجاد بالقتال تحت لوائه إذا هاجمت «الصهيو - اميركية»، على قول رئيس وزرائه المعتدل اسماعيل هنية، ايران. ويندد بالحوثيين في اليمن. ويقسم الإيمان المغلظة على عزمه على توقيع الورقة المصرية في القاهرة إذا هي استجابت «المطالبة بما توافقت عليه مع الأخوة في فتح وفي الفصائل الفلسطينية الأخرى»، على قوله بعد لقائه وزير الخارجية السعودي بالرياض.

وفي الأثناء، وغداة إبلاغ مشعل نفسه الرئيس اللبناني استلهامه «الحل اللبناني»، أي وزارة الوحدة الوطنية المكبلة بسلاح المقاومة «الإسلامية» و «شعبها الوفي»، وسعيه الى فرض حل مثله على نواة الدولة الفلسطينية، كان أحد الناطقين باسم «حماس» في لبنان يتوعد اسرائيل بأنها «إذا شنت عدواناً جديداً على لبنان، فـ (الحمساويون) لن يقفوا مكتوفين، بل (سيواجهون) العدوان جنباً الى جنب مع إخوانـ(ـهم) في لبنان جيشاً ومقاومة وشعباً»، بحسب عبارة البيان الوزاري الوحدوي الوطني والمحلي. ومناسبة الوعيد الحمساوي القوي انقضاء أسبوع على مقتل ناشطين من المنظمة العسكرية والأمنية الإخوانية في إحدى ضواحي جنوب بيروت. والحادثة «الغامضة» التي أراد إعلام الحزب الشيعي المسلح المتلفز إغفالها - وأغفل خطيبه وزعيمه تناولها في خطبة اليوم التالي، بينما لم يغفل عن نهي المسيحيين اللبنانيين عن «الانتحار» على ما سبق ودعاهم إليه، ونصحهم به، رئيس الحكومة الانتقالية في 1988 - 1990، الجنرال المظفر - هذه الحادثة قرينة صادقة على تشابك الحرس الإخواني الفلسطيني والحرس الخميني والنجادي اللبناني تحت جناح «الدولة» اللبنانية ووفاقها الرئاسي و (الوزاري) الداخلي الصارم واليقظ.

ولعل الركن الصلب والمتين للالتقاء العميق بين المهندس خالد مشعل والدكتور محمود أحمدي نجاد وحجة الإسلام والمسلمين حسن نصر الله، في اثناء الثلث الثالث من آخر شهر في 2009 المنصرم الذي صادف وقوع العشرة الأول من محرم ومضي السنة الأولى على «عدوان غزة»، هو رعاية الأحزاب الثلاثة التي يقودها رجال الدولة هؤلاء انظمة سياسية أهلية مختلطة ومزدوجة القعر، على ما يقول رجال الجمارك في بعض اصناف الحقائب، وفي بعض الأجساد البشرية مثل جسد عمر فاروق عبدالمطلب النيجيري اليمني منذ بعض الوقت. فالثلاثة مجمعون على تقديم القوة المسلحة وهيئات المسلحين ومصالحهم على المباني السياسية المولودة من التمثيل والتوكيل والتشريع والإدارة والمحاسبة (وتختصر هذه في الدولة، على سبيل التمني). ومشكلات الثلاثة، وما يمثلون ومن يمثلون، ناجمة عن تقديم أجهزة القوة وسياستها ومصالحها على هيئات التمثيل والمداولة والوساطة والموازنة بين المصالح الوطنية المتفرقة والمختلفة.

ويريد الثلاثة حسم حروب اهلية مستعرة، أو دابة في أوصال مجتمعاتهم أو معلقة ومسلطة على أعناق هذه المجتمعات، وحسمها وإعلان انتصارهم فيها، على صفتها الأهلية. والانتصار في الحروب الأهلية، على خلافه في الحروب بين الدول، يسوغ «حل التناقضات في صفوف الشعب»، على قول الزعيم الصيني «الخالد» ماوتسي تونغ، وذلك بإلغاء طرف التناقض الآخر، اي العدو الأهلي والسياسي، وتجريده من الأهلية السياسية والوطنية، وتربيته تربية جديدة وقويمة. وحين يدعو آيات الله أحمد خاتمي وأحمد جنتي ويزدي وطبسي وخامنئي، وغيرهم من أغوات قم وحاجها وجنرالاتها، الى تحكيم «قانون الحرابة» في رؤوس الفتنة الانتخابية بإيران وقتلهم في حوادث سير أو غيلة، فإنما هم يحيون، من داخل التراث وصميمه، القانون الجدلي الذي اهتدى إليه عدو كونفوشيوس الثوري والثقافي، والقائد الشيوعي والقومي المعصوم.

وانتهى الثلاثة الى الأصل الأهلي والحربي والأمني من طرق مشتركة ومعبّدة هي طريق العدو الخارجي والداخلي الواحد و «الوجودي»، على قولهم، والتدين بـ «دين» حربه وعداوته. فالدين الذي يؤمن به هؤلاء هو سياسة الحرب الأهلية العامة. وهم ينيطون بهذه السياسة دستورهم، وصيانته وحراسته وتشخيص مصلحته وأذرعته الاعتقادية والأمنية والعسكرية. وشغل «السياسة» الشاغل، أو الصراع على الغلبة غير المقيدة على الجماعات والأفراد والهيئات في الداخل، وعلى الجماعات والسلطات الوطنية في الجوار القريب، شغلها هو الحؤول دون تبلور معارضة مشروعة داخل أطر الدولة المشتركة، ودون تقييد نازع القوة المستولية الى الانفراد بالقرار المباشر، وإلى التعسف في تعريف مبادئ الانتظام العامة وأصولها والانقلاب عليها من غير رادع. وحين يلاحظ مهدي كروبي، المرشح الى الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 12 حزيران (يونيو) 2009، ان أفعال متطوعي الشرطة (الباسيج) والحرسيين الثوريين ورؤوس الفقه والاجتهاد وأولي الأمر المزعومين، من تعذيب واغتصاب واغتيال واحتجاز وإذلال وتزوير دعاوى وتلفيق تهم «قضائية» كاذبة، فاقت ما كان يفعله الشاه محمد رضا بهلوي، يسكت الشيخ الشجاع عن ان أفعال رجال النظام الخميني الحرسي إنما تصدر عن «دينهم السياسي»، أي عن «دين المقاومة» الذي يدينون به.

ورتابة مديحهم المقاومة، وسلاحها وقوتها وصمودها وانتصاراتها وانتهاكاتها إرادة الجمهور إذا قيض للجمهور جهر إرادته أو إراداته، وحملهم المسائل كلها على صون السلاح والمسلحين المذعورين على الدوام، هما (المديح والحمل) آية على تعريف انظمتهم بالعدو الخارجي، واقتصارهم على العداوة تعريفاً وافياً. وهم لا يدعون الى الإقرار بثقل العلاقات الخارجية، بالعالم الغربي أولاً، ماضياً وحاضراً، ودورها الساحق في ميزان حوادث التواريخ الوطنية والمحلية، وفي التواء هذه التواريخ، واختلال الهويات الناجمة عنها. فهذا ما لا ينكر، وما يمكن البناء الإيجابي عليه في سبيل بلورة معايير مشتركة تقود الى استراتيجيات إجماع وطنية (على مثال «المحاولة» التركية، على رغم نقصها وتعثرها وخطر انهيارها). ولكن ما تسعى فيه السياسة الإيرانية الخمينية والحرسية، وتؤازرها عليه الجماعات الأهلية والأحزاب المسلحة الدائرة في الفلك الحرسي، يعوّل على «القوة» المحض، وعلى أضيق معانيها، في سبيل تثبيت عدو «وجودي».

فالسلاح النووي الإيراني، والصيغة الإخوانية أو «الإسلامية» الجهادية التي تصوغ عليها بعض قم وغزة وضواحي جنوب بيروت المسألتين الفلسطينية والإسرائيلية وترتب فروعاً تنظيمية على الصيغتين هاتين - تذكي عمداً أطياف حروب وشيكة أو داهمة. وهذه الحروب ذريعة الى الاستيلاء على سلطات طوارئ استثـــنائية، وإلى عسكرة العلاقات الاجتماعية ومراقبتها وتطويعها، وتعليق الضمانات المدنية المتفرقة. وعندما يخلص مراقبون وسياسيون كثر الى ان الحزب الخميني المسلح في لبنان، شأن «حماس» في غزة، وشأن القيادة الخمينية في إيران غداة اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية من قبل، تعاظمت قوتهم في أعقاب الحروب الإقليمية المدمرة التي استدرجوا اعداءهم إليها (في 2006، و2008- 2009، و1981 - 1988)، يسكتون غالباً عن افتعال هذه الحروب، وتوسل اصحابها بها الى أسر بلدانهم ومجتمعاتها ودولها، والاستيلاء عليها. وطريقة خوض هذه الحروب، وهي حروب من غير جبهات وخطوط عسكرية (وكأنها كلها حروب نووية)، تدعو العدو الى تدمير فظيع، بشري ومادي. فمصدر الردع الوحيد في حروب يحملها الطرف الضعيف على تهديد «وجوده» هو توسيع دائرة التدمير قدر ما يقبل المجتمع الدولي أو المجتمع الداخلي «المتمدن».

ولا تتستر انتصارات الحزب الخميني المسلح بلبنان والحزب الإخواني العسكري بغزة، وهي صنو مقاومتهما، على فداحة مخلفات هذه الانتصارات، ولا على جنوحهما الى «سَلَم» مفروضة (أو سِلْم مفروض). ويدعو هذا العدو الى التلويح بالدمار الآتي الذي يعد العدة له، ويقيس هذا الدمار على الدمار المتحقق والناجز. فيزيد الهوة بين الجماعات عمقاً وبُعداً، ويضوي الجماعات على نفسها، ويكتّلها «أحزاباً» عصبية، ويستعدي الجمهور على الدولة المقيدة والضعيفة الحيلة بإزاء جماعات متهورة ومدمرة، ويزري بالعلاقات المدنية والسياسية وقواعدها وقوانينها. وهذا إجماع آخر تشترك فيه المقاومة «الإسلامية» وقوى الظلم والاستكبار.

الثلاثاء، 5 يناير 2010

هدية وداد شختورة... موازنة بين وجوه الحياة حالت دون جماح بعضها على بعض

المستقبل، 27/12/2009
في أعقاب آخرين كثر، سابقين وآتين، وصلت وداد شختورة، ختام "نشيدها"، أو عمرها وحياتها، بمطلع النشيد، على قول محمد مهدي الجواهري. ولم يكن نشيدها "نشيد الخلود"، بل حداء انتظار، شأن حياتنا كلنا، على تشكك في "حداء" ويقين من "انتظار". ولا تطعن غلبة الانتظار على الغناء أو النشيد في حياة واحدنا النثرية، ولا في مرتبتها ومعانيها. فالنثر، على رغم معنى البعثرة والاقتصار على جزئية من غير ضرورة ولا إلهام ولا تعلّق بمكانة شريفة وعالية، النثر هذا قد ينم بدأب وتواضع وقصد لا تصدح في "ألحان" الصرصار ووصلاته ربما، ولكنها ليست تجهم النملة وجدَّها الأبكمين، على ما تروي الحكاية نفسها.
ووداد شختورة - الرفيقة والصديقة القديمة يوم كانت الصداقة تترتب على "الرفاقية" (الحزبية)، وتولد هذه من تلك وتموتان معاً، ظاهراً وربما حقيقة - كائن هجين ومولَّد يكذب قسمة الحكاية. وهذه قسمة حاكتها الحكاية، حياكة ومحاكاة معاً وجميعاً، ويعرفها ويقلِّبها ويستعملها من سمع الحكاية أو قرأها ومن لم يسمع ولم يقرأ. فهي من نثر الحياة والسعي، ومن أدب اليوم والليلة. ولعل ألصق ما كان لصيقاً بوداد، وكانت هي لصيقة به، هو هذا الأدب، من غير حمل الكلمة أو اللفظة على معنى جسيم أو مبجل.
ومطلع وداد شختورة الذي يرد إليه الختام ليس مطلعاً إلا فيما يعود الى الرفيق والصديق القديم والمتذكر أو الذاكر اليوم، غداة قراءة ورقة النعي الفاحمة الحروف على ورق مستطيل وناصع البياض لُصق على جدار خشن الطرش (وليس الطلاء) يستقبل الداخل الى المبنى الذي أقيم به، وأجَّر "التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني"، وهو "تجمع" وداد، شقة في طبقته الأولى منذ سنوات قليلة. فبعد أعوام تُعد بالعشرات أو العقود، من منتصف الستينات، أقام جزء أو وجه من وداد، يتصل بعمل "تنظيمي" أو رفاقي، هو "التجمع"، غير بعيد من رواحي ومجيئي. ولم تعد عليَّ الإجارة القريبة والمفاجئة بلقاء وداد شختورة، ولا بتحية. والنظرة التي يخيل إلي اليوم اننا تبادلناها، هي وأنا، هي في دخولها باب المبنى المشترك الأرضي وأنا في خروجي منه، كانت نظرة متأخرة ومستوقَفة، ولا يثبت الرائي من رأى ويتعرفه، على شك وتردد، إلا بعد انقضاء رؤيا العين الحسية وفوتها. فشأن الواحد ما قال فيه الشاعر التغلبي الذي قضى الخليفة الراشد الثاني في قومه، وهم قوم وداد من بعد، ألا يغمسوا أولادهم في الماء (كناية عن عمادتهم)، "كذبتك عينك أم رأيت بواسط/ غَلَس الظلام من الرباب خيالا".
والحق أن عيني لم تكذبني، ورأيت رأي العين وداد شختورة، قبل سنة وبعض السنة ربما، في وضح نهار ظليل مثل نهارات المباني العالية والمحيطة بساحة غدت مرأب سيارات رابضة على الإسفلت، رأيتها وهي تهم بصعود درجات السلم الأولى. ولم تفتني التفاتتها الممسكة والمقيدة بمعرفة لم تكن استيقظت فيّ وأنا أنزل درجات السلم. ولم تستفق إلا بعد مرور الملتفتة، وتركها وراءها سحابة خفيفة من فضول ممتزج بابتسامة لا تتوجه إلي، ولا إلى "شيء" حاضر آخر، بل الى ظل ضعيف منصرم يحوم لحظة في العينين، ومائهما الملتمع وحدقتيهما البنيتين والسوداوين، ويطوِّف بافترار الفم عن صف أسنان ترك فيها التبغ أثره الداكن. وهذا الظل، على ضعفه وهشاشته وقربه من "الكذب" و "الخيال" المُغلِّسين، هو خيطي الى تعرف وداد شختورة.
وهي في الأثناء، لم يغير الوقت المديد وجهها وقسماته الممتلئة والملساء والشاحبة والحانية، ولا غيَّر مشيتها الثابتة والثقيلة بعض الشيء والمتساوية الخطوات. وألوان ثيابها، المائلة الى الأسود والرمادي، ما عدا القميص الفاتحة الألوان أو البلوزة، هي هي. ويعود هذا الى منتصف الستينات، يوم جمعت مادونا غازي (مجدلاني) رفاقاً أصدقاء، كنت فيهم، الى زميلة مدرِّسة، مثلها هي مادونا مدرسة الرياضيات، تدرِّس في مدارس راهبات خاصة المادة نفسها. وذريعة الجمع – وهذا لم يكن ليحتاج الى ذريعة فنحن كنا نتردد بعضنا الى بعض على الطعام والحديث والسينما والنزهة والتعرف والمناسبات العائلية والأعياد – كانت "الاتصال" الحزبي والنقابي، أي استمالة ناشطين أو راغبين في "النشاط" الى رأي وموقف يصبغهما إدخالهما في باب "خط سياسي"، مقنَّع بخط نقابي، بصبغة التماسك، ويخرطهما في دائرة واسعة ومعقدة من الحسابات والتوقعات.
وكنا نحن الدعاة و "السياسيين" المفترضين. وكان المدعوون نقابيين سادرين في سبات مهني غافل عن دواعي الأفق الأوسع والأرفع. والمدعوون، شأن الدعاة، كانوا قلة قليلة. ولم نشك كثيراً، أي شككنا قليلاً وفوق القليل أحياناً كثيرة، في أن القلة قرينة على قوة الدعوة ورجحانها في ميزان الفعل الآتي. واللقاء بوداد شختورة آذن، في حسباننا، بمعنى عميق وكبير يتخطى العدد، وهو واحد في اللقاء الأول ببيت مادونا وفي رعايتها المتحفظة. فمن التقنياها كانت امرأة شابة عاملة ورزينة، على نحو ما وصفتها صديقتنا ورفيقتنا وواسطتنا إليها. وهي قادمة، أي "طالعة" من عملها وخبرتها وليس من "قراءاتها". وهذا بيت من بيوت القصيد الممضة. فنحن، الدعاة، أقلقنا وأمضنا أننا أهل قراءة في المرتبة الأولى. وما شَفَع لنا إيقاننا بأن الأفق الأوسع والأرفع، "ثورة" الضعفاء المباركين والممسوحين وقيامهم على الظالمين وعالمهم، لا يدرك إلا من طريق التعليم و "العلم"، ومن خارج استجابة المصالح المباشرة والانقياد لهديها المضلل والخادع والدائر في دائرة "النظام"، لا يغادرها ولا يكسرها على ما ينبغي. وسبيل "العلم" القراءة والفهم. وهذا دمغنا بدمغة الانفصال ممن كنا نتوق توقاً حاداً وموجعاً الى الولادة منهم، والعودة إليهم، والذوبان فيهم. والجمع بين الانفصال، والصدوع بضرورته اللازمة، وبين التخلل والتقلب في الثنايا العميقة والحارة، كان غايتنا المعظمة، لفظاً وخطابة وسراً. وفي معظم الأوقات غَلَبَنا الاسترسال مع قطب من القطبين، قولاً وعملاً، أو قولاً تارة وعملاً تارة ثانية. وقَرَرْنا على حال مختلطة لم ندر ما هي، ولم نرد أن نعلم ما هي.
وبيت آخر من بيوت القصيد هو أن وداد شختورة مسيحية مارونية وتقيم بالأشرفية أماً عن جدة وأباً عن جد. ولم يكن انقضى عقد تام بعد على "حوادث" 1958 "الطائفية"، وعلى الاقتتال المسيحي – الإسلامي. وذهبنا، من غير مناقشة ولا تردد، الى أن إقبال مسيحيين على "العمل" معنا، وكان معظمنا يومها من الشباب المسيحيين، هو امتحان الدعوة و "خطها" الحاسم والأول. فحيث أخفق دعاة العروبة الناصرية، ودعاة البعث (على رغم مسيحية بعض أعلامه)، ينبغي أن ينجح أهل "الماركسية" الأقحاح، على حسب ما عرَّفنا أنفسنا تعريفاً صريحاً لا تخالطه هجنة ولا عورة نسب، فيه. وعلى هذا، فإقبال امرأة شابة عاملة ونقابية ومسيحية ومقيمة بالأشرفية، ولم يسبق أن كانت شيوعية ولا تصدر عن "ثقافة" أو قراءة، إقبالها "علينا" حسبناه برهاناً صادقاً على استقامة ما ندعو إليه. وغضضنا النظر، من غير جهد، عن أن القادمة المدعوة والمستجيبة سبقت استجابتُها دعوة متلعثمة وفي طور الاستواء كلاماً معرباً وبياناً مفهوماً.
ولكن اللقاء بشختورة، على ما سار القول حال تعارفنا ومناقشتنا، بدد التحفظ أو السؤال عن دواعي انضمامها إلينا. فهي حسمت رأيها في اللقاء أو الاجتماع الأول. ورأيها الحاسم والواضح بدا راسخاً في بداهة قوية وثابتة لم نكن، نحن الدعاة، راسخين فيها على هذا المقدار من القوة والثبات. فدخلت الرفيقة الجديدة والمفاجئة في "الدعوة" دخول صاحب النذور أو معلنها سلك الرهبنة الذي عزم على لباس ثوبه. وأظن انها مذ ذاك الى حين وفاتها، على نحو ما "تممت واجباتها الدينية" على قول ورقة النعي الكنسية، أقامت على اعتقادها "الدعوة" السياسية، ولم تنحرف عنه. وفي الأثناء، انقلبت أحوال، ونشبت حروب، وجاء ناس وراحوا، وتغيرت آراء وأفكار وأحكام، واجتمعت جماعات وانفضت، وطعن ناس في العمر...
وليس معنى هذا، على رغم صيغة الجزم المتقدمة واستوائها على سوية متصلة وثابتة، أن وداد شختورة مؤمنة ومتدينة بدين ومعتقد فوق ما هي محازبة و "مناضلة". وأذكر أنها، في لقائنا ذاك، جلست مستقرة في مقعدها، وملأته مجازاً وحقيقة، واتكأت اتكاءً خفيفاً على ذراعي المقعد، وتوجهت بوجه رقيق الحاشية، يعلو عنقاً دقيقاً، الى من تعاقبوا على الكلام منا. وانتباهها الى المحادث المتكلم، وحين تكلم هي مخاطبها، ربما كان أول ما استوقفني ولفتني في فاتحة اللقاءات. فهي أقبلت بوجه هادئ وقريب من السكون، لولا مودة العينين وبارقة يقظة ممسكة ولطيفة فيهما، واستمعت استماع من سبق له التفكير فيما يسمع، وانتهى الى رأي فيه. ولكنها، على خلافنا، لم ترَ أن الرأي إذا وافق رأياً آخر، على ما ينبغي في اجتماعات المتحزبين، يوجب الاحتفال والتهليل، وعرضهما على مسرح الوجه ونبرة الكلام وإيماء الجسم. والاستفاضة في الاحتجاج، موافقة أو دفعاً، لم يكن من شيمها. وليس هذا حياداً ولا توسطاً. وحين التقيتها مرة، غداة نحو عشرين عاماً على جفائنا وقطيعتنا وخروجي من جماعة أقامت هي على "الانتماء" إليها، وأردت أنا الاحتفال باللقاء غير المتوقع، والترحيب بالصديقة القديمة، أفهمتني النظرة الباردة والجانبية أنني وحدي المحتفي والمرحب.
وفي الأشهر التالية اللقاءات الأولى ظهر أن التحفظ عن العبارة الخطابية والمسرحية المطنبة ليس قرينة اقتصاد في التصديق أو رأي متشكك أو رغبة في رعاية حِدَةٍ (أو حديقة سرية، على استعارة فرنسية).، فالرفيقة الجديدة لم تتأخر مرة دقيقة واحدة عن اجتماع، ولا ترددت في التزام عمل، ولا تبرمت برتابة، ولا تذرعت بشاغل. واحتسبتُ هذا "بطولة"، مسايرة لداعي المبالغة في العبارة، وعلى التقليل احتسبته شجاعة. ودأب بعضنا، في تلك الأيام السعيدة والساكنة، ترديد عنوان فيلم هنغاري أو تشيكي معاصر: "(أعطنا) شجاعة كفافَ يومنا"، على مثال الصلاة التي تخاطب "أبانا الذي في السموات". فقدامى الدعاة منا كانوا يستحون، في سرهم أو علانيتهم، من فقر مادة "العمل السياسي" التي يخوضون فيها، ومن اقتصار معظمها على الاجتماعات والمناقشات والشروح أو التعليق. وكان يخيم على الاجتماعات، في أحيان كثيرة، يأس يتفاوت قتامه من يوم الى آخر، أو من ساعة الى أخرى في اليوم الواحد. والباعث عليه هو ضآلة رابطتنا بالحوادث السياسية والاجتماعية والثقافية، وهزال انخراطنا فيها قياساً على رغباتنا في المرتبة الأولى، وعلى مزاعمنا في فهمها وتعليلها، في المرتبة الثانية. وتسترت السرية التي ألبسناها "عملنا"، وتشددنا فيها من غير داع أو مسوغ ظاهر، على الضآلة والهزال هذين.
فأهدتنا وداد شختورة سكينتها واطمئناناً ثمينين هما صدى سكينتها واطمئنانها الصامتين والحييين. فلم تحتجَّ لموقف أو رأي في مكانة الرابطة بالحوادث من قيمة "عملنا"، أو محلها من قياس الأثر في الحوادث. فميدان عملها، إذا صحت الاستعارة الحربية، هو التعليم الخاص ومعلموه ونقابتهم ومدارسه وأجوره وساعات عمله ولجانه التحكيمية وعقوده وتعويضات صرفه التعسفي وخطوات صندوق ضمانه الأولى يومذاك. وميدان عملها كان مجرى حياتها وحضن الحياة الدافئ. وصداقاتها كلها عقدتها بزميلات العمل وزملائه، بالأفراد الآحاد وبالأزواج في بيوتهم وأسرهم ومنتزهاتهم وخروجهم وولوجهم، وبالقدامى والجدد والمتوسطين. وتدريسها الرياضيات كان هوى مزدوجاً: هوى التدريس وهوى مادته. فأرادت التعليم فرصة المعلمين الثمينة والكريمة، وعملاً يليق بمزاوليه وتلاميذه وإدارييه. في هذا الوقت سعت المدارس المتكاثرة والمتناسلة، والمنتهزة الإقبال والتدافع على الأبواب، في تقليص تكلفة التعليم من طريق الرواتب الهزيلة والمتقطعة، وحجب التعويضات، والبخل بالتجهيز، ورشوة موظفي وزارتي التربية والعمل ومندوبيهما الى المراقبة والتحكيم. ولابست الإرادة هذه معاملات الرفيقة الصديقة وإيمانها أو معتقدها، على القسمة المعروفة، أو وجهي حياتها المهني العام والخاص. فصرفت الأشهر الأولى من نشاطها الحزبي الى مناقشة صياغة جديدة لنظام نقابة معلمي المدارس الداخلي، وأشهراً أخرى تليَّتها الى اقتراح برنامج نقابي ومطلبي جديد. ونشر غسان كنفاني في "المحرر"، وكان جاري في السكن، الورقتين.
ولم تقتصر المناقشات الطويلة على الاجتماعات الرسمية الصارمة. فدارت الأحاديث على موضوعات المناقشات في زيارات عائلية كثيرة الى زملاء أصدقاء وأصحاب كانت تقوم بها، وتصطحبني معها. ويخلط المتحدثون الأخبار المازحة والأليمة والمتداعية بالاقتراح أو التنبيه والتذكير، ويتنقلون بين وجوه المشاعر والأحكام ومنازعها من غير تقيد بوجه أو حد. ولعل مصدر سكينة الرفيقة الصديقة واطمئنانها، قلت في نفسي يومها، هو هذا. و "هذا" هو مزاج دقيق بين وجوه الحياة المتفرقة، يحفظ للوجوه هذه انفصالها وحِدَتَها من غير إغفال بعض اتصالها وتشابكها. فلا يدعو تداول الرأي، أو الإعداد لعمل، الى إغفال المودة أو الإشاحة عن متعة المجالسة والمؤاكلة، وعن نكدهما في أحيان أخرى. وللأصدقاء الزملاء هؤلاء حيواتهم المنفصلة والتقليدية الخاصة. ولست أذكر سيرة متمردٍ أو متمردة على الانفصال أو التقليد أو الخصوصية، ولا أذكر تزمتاً ولا غمزاً من "منحرف" أو "منحرفة" (نسبياً) عن الجادة المتعارفة. ولكن اقتساماً مضمراً لإلفة وجوار مأمونين كان يخيم على ناس اللقاءات والزيارات، وربما على حياتهم التي لم أعلم منها إلا القليل. وهم أقاموا بين وجوه الحياة موازنة حالت دون جماح بعضها، وعدوانه على بعضها الآخر، وقسرها كلها على نظر جديد وقَلِق في ترتيبها.
وهذا ما استحال علينا أو على بعضنا وربما على معظمنا. وحملت الرفيقة الصديقة معها الى دائرتنا الضيقة الموازنة العصية التي تتحدر، على الأرجح، من الاعتياد المبكر على رسوم العبارة الاجتماعية عن أفعال وعلاقات ودلالات مشتركة. فخرجت "سياسةً" من غير خروج على دوائر "عالم الحياة" الأخرى، ولا انقطاع من أهل أو اعتقاد أو زملاء أو أصدقاء أو جوار وسكن، على رغم مخالفتها أهل هذه الدوائر على أمور كثيرة أو قليلة. ونظير هذا، نزلت دائرتها الجديدة، وأقامت بها الوقت الذي أقامته، مستبقية رسوم عبارتها التي لبستها، واعتادت لبسها. ولم يدعُها دخولها دائرتها الجديدة الى تبديل سمت أو كلام أو لباس أو مخالطة، وربما زادت رسوخاً في بعض دوائرها من غير أن يضعف رسوخها في الدوائر الأخرى. ولم تخرجها "السياسة" وأهواؤها عن طورها اليومي السائر أو أطوارها. ولم تتجاذبها الشيع والانقسامات، ولم تغرها، على ما أعلم، "الابتكارات" والآفاق الطالعة من وراء الغيوم (أي ما حمله أصحابه على ابتكارات وآفاق).
ولم يكن هذا صمماً ولا حذراً خالصاً. وأحسب أن وداد شختورة صدرت، في رأيها أن اعتقادها هذا، عن إمساك وتربص فلاحيين، هي بنت المدينة والإقامة والتوطن. وأخالها لم تحسب يوماً أن هواها يصلح ميزاناً تزن فيه الحوادث والأفعال والناس، أو أن الهوى يسبق هذه وهؤلاء، أو أن الحياة معلقة في انتظار ظهور أو مجيء ينفخ الحياة الحق في حياة كاذبة. فعلى خلاف هذه المزاعم، أخالها حملت نثر الحياة المتواضعة على ضيافة صادقة وكريمة. ولا يدعو العسر والضيق والقصور والمرض والألم، والموت في آخر المطاف، الى إنكار الضيافة الأولى، أو إنكار كرمها. فلم تخالط الضغينة، فضيلة الحزبيين الثوريين، إلحاحها في طلب الحقوق لمستحقيها، وإيقانها الثابت بهذه الحقوق، على نحو ما لم ترَ أنها سُلبت أو غمطت "حقاً" يعود إليها. وكان هذا من وداد فعل شكر، على ما كانت قالت ربما في لغة إيمان لم أسمعها تتكلمها ولم أسمعها تنكرها. وشكرها، على شاكلة أفعالها الأخرى، تمتمة خافتة تستحي من جهر الفرح المقيم، وترى الجهر إدلالاً لا يليق بـ "السيد"، أصحاب الفرح، كلنا، من عرفت وصادقت ومن لم تعرف.