الأحد، 19 مايو 2013

تبديد السوريين وحركتهم في وجوه خارج متناسل


المستقبل، 12/5/2013
في عود على بدء أو تكرار تجيده عادة أجهزة الدعوة والتحريض في الانظمة المحاربة والأحزاب المناضلة، استقرت بعض المقالات التي تعقبت أحوال الحركة السورية على "دولة" الاسد على تشخيص مادي واجتماعي للحركة لم تنفع سنتان وبعض السنة، وحوادثها العاصفة، في تغييره. فالحركة، على ما ترى هذه المقالات، "حراك" في الريف الكردي والعشائري البلدي، و"أرياف" دمشق وحمص وحماة في الوسط. ويقتضي التبويب او التصنيف هذا استثناء مدن أو مدائن درعا وحمص وحماة، من غير تعليل مادي واجتماعي، ولا تعليل سياسي، ظرفي أو تاريخي أو بنيوي يرجع الى مسألة عامة عالقة، أو عامل ناجم عن عمل المؤسسات أو كبحها، ولا ينفك يغذي النزاع ويجدده. والسبب في اقتصار مسرح حركة الاحتجاج السورية والقيام على نظام راسخ منذ أقل من نصف قرن بقليل، على الارياف هو "تدهور الزراعة" جراء "ليبرالية" الاجراءات الاقتصادية منذ العام الثاني لولاية الاسد السلالي الثاني الى أواخر العقد الاول. والسبب في إمساك مدن مثل دمشق وحلب عن الانخراط في حركة الاحتجاج، فالانتفاضة على الحكم البيروقراطي والعشائري الريعي، هو كذلك "الاقتصاد"، على قول بعضهم ملمعاً إلماعاً لا يحتاج الى تعليل والى طول شرح.
أرياف
ومعنى "تدهور الزراعة" هو قدوم الحراك المسلح من الارياف، ودخوله على المدن الساكنة سكون الرضا، والمنقادة الى قيادة بشار الاسد والى طبقاتها الاجتماعية المسيطرة، طائعة ومختارة. وحمل "الحراك المسلح" على أرياف بعض المدن الكبيرة، دون نواتها المدينية الاصلية، يقصد به التنويه باصطناع الحركة، ونزولها على اهل المدن نزول عامل خارجي ومقحم عليها. ولا ريب في ان وصف أحوال الارياف السورية بـ"التدهور" دلالةً على فظاظة الواقعة، يناسب فظاظة الليبرالية "المتوحشة" ويكافئها. وبعض من يذهبون هذا المذهب يعللون "حوادث" حلب وحماه، على ما يقولون في حرب أهلية دابة ومتقطعة قبل ان تنقلب مجزرة أو مقتلة ارهابية جماعية، بحراك "فئات وسطى مدينية". وهؤلاء مقيمون على أمانتهم لمعالجة "اجتماعية" وطبقية لا تغني عن السياسي وحسب، بل في مستطاع صاحبها إعمالها في نقد السياسة، والتنبيه الى افتعالها وتخلفها وتأخرها، وذلك في مرآة السلاح الفلاحي أو الزراعي الناجم عن سبب كدر وغير صاف هو الريف. فكيف به إذا كان ريفاً متدهوراً، ومتحدراً من ليبرالية لا جدال في عكرها، زيتاً وماء؟ ومدينية "حوادث" حلب وحماه وجسر الشغور (ادلب) إذا كانت تعليلاً اجتماعياً وافياً لخروج بعض "الاخوان" على حافظ الاسد، فما هو تعليل عنف القمع وعنف الانتفاض؟ أم أن عنف القمع في غنى عن التعليل؟ ولو الاجتماعي "الطبقي"؟ إن في الامر لبساً، ولأمر ما جدع أنفه قصير (وهو غير القصير التي "حامت" عنها كتائب قاسم سليماني اللبنانية وقلبت السحر على الساحر)، على ما كانت الزباء قالت.
والارياف التي تحمل على مصدر السلاح المقحم على المدن الكبيرة والناعمة باقتصاد غير ليبرالي، تُجمع في باب مشترك وواحد. وبعض المراقبين لا يقرون بهذا الرأي ولا يرونه. فالعسر الذي اصاب الريف السوري الشرقي، في طرف البادية السورية على الحدود العراقية، يعود في معظمه الى الجفاف الذي ضرب هذه الجبهة من البلاد، وليس الى اجراءات ليبرالية أو غير ليبرالية، وحمل شطراً من اهلها الى اللجوء الى طرف البادية الجنوبي والحوراني. ويزعم بعض المراقبين العاملين في مكاتب وكالات الامم المتحدة بالاردن أن ريف درعا لم يكن يشكو "التدهور"، بل ان توسع المبادلات مع الشمال الاردني، وزيادة حصة الزراعات التجارية منها، وتعاظم دور بعض الدرعاويين السنة في الادارة الاسدية (فاروق الشرع وفيصل المقداد درعاويان)، هذه العوامل حفزت اقتصاد الجنوب الزراعي، وصورت لأهله انهم يرتقون المراتب الاجتماعية. فكان وقع الإهانة "الامنية" عليهم جزاء كتابة بعض اولادهم على جدران درعا ما بدا استباقاً لرغبة شعبية وسورية عميقة، أليماً ومخيباً. وأرجعتهم الاهانة والتمثيل بأحد الاولاد، الى حقيقة المكانات والمراتب والكرامات في "دولة" عصبية وبوليسية.
والتردي الذي عانت منه بعض الفئات الاجتماعية السورية، أحدُ عوامله المنافسة الحادة التي أصلاها تحرير جزء من التجارة بين تركيا وسوريا. فظهرت هشاشة بعض الانتاج الحرفي والصناعي المحلي حين مقارنته بنظيره التركي. ولكن فئات اخرى عاد عليها تحرير التجارة الجزئي بمنافع ومزايا لا تنكر. وهذه الفئات في الحالين معظمها مديني. وأما أثر الازمة المالية والاقتصادية العالمية، منذ صيف 2007 ثم خريف 2008، في الاقتصاد السوري فغير مباشر، وحلقته الوسيطة هي اقتصادات المهاجر العربية والخليجية وانكماشها الجزئي، وأثر ذلك في العمالة السورية. ولا يفتأ حكام سوريا وموظفوهم الماليون يرددون، مزهوين، ان الاقتصاد السوري قليل الانفتاح (على المعنى الساداتي الاميركي)، ومعاملاته مع الخارج ضعيفة. وهذا من اسرار "مقاومته" آثار الحروب الاهلية التي تعصف بالبلد الآمن والمستقر والمختلف، واقتصار خسارة عملته طوال سنتين وقبل انهيارها الاخير الى 240 ليرة سورية لقاء دولار واحد، على نحو 120 في المئة من سعر صرفها الموحد.
وحملت الازمة العالمية وتضييقها على التسليف المصرفي، ولو كان متواضعاً على ما هي حاله في السوق السورية، مُلّاك الارض ومؤجريها الى مزارعين وفلاحين على زيادة ايجارها، واستعجال تحصيله. ولاحظ الامرَ صحافيون ومراسلون في اثناء تجوالهم في الجنوب، وفي ريف دمشق، وحول حمص وحماة ومدن الجزيرة والقامشلي المختلطة. ولا تبدو آثار فروق الحال هذه في توقيت الانخراط في الانتفاضة. وتشذ اراضي العلويين وأريافهم عن الرصد المادي الاجتماعي، وعن قوته التعليلية. فينبغي توقع انفجار الانتفاضة أولاً في ريف هؤلاء "المتدهور" لولا ان الانتفاضة حركة سياسية في المرتبة الاولى، ويتصدر الدواعي اليها داعي فك قبضة الطاقم الاستخباري والعسكري العلوي على السلطة والادارة والريوع والتمثيل. فكان من العسير على الارياف العلوية القيام على من يباشر السلطان باسم اهاليها منذ نحو نصف قرن، ورَفَعهم جماعةً فوق السوريين، وسودهم عليهم، على رغم حصر المنافع في قلة منهم، والاخفاق الذريع في انشاء "بورجوازية" من هذه القلة.
وحين يتطرق اصحاب المقالات المادية والاجتماعية الى اهل الارياف الذين ادخلو حراكهم المسلح على اهل المدن بينما هؤلاء متمسكون بالفرجة على الانتفاضة، ومراقبتها من بعيد، والاقتصار على تظاهرات طالبية أو "ثقافية" قليلة إسهاماً فيها، يختل الميزان الاجتماعي، والريفي. فالمسلمون الذين أقحموا العمل المسلح على دمشق وحلب وإدلب والرقة والطبقة بعد عامين كاملين من بدايات الانتفاضة، أو "الحراك" على ما يؤثر اصحابنا القول والكتابة، بعد أن مالوا الى قول "الازمة" ليسوا من ارياف هذه المدن، المتفاوتة كثيراً، بل هم، على قول القوم أنفسهم، "سلفيون مسلحون". وقدموا، شاكي السلاح وعظيمي الثراء، من "ارياف" نائية، بعضها باريسي وبعضها مدريدي وبرشلوني، وبعض ثالث تونسي ومغربي وخليجي، الخ. وعليه، فـ"التدهور الزراعي" والليبرالي قد لا يكون عاملاً نفاذاً في تعليل حرب هؤلاء على كتلة سوريا طهران الحرس الشيعي اللبناني عصائب اهل الحق العراقيين البطاطيين.
والحق ان التحليل المتعرج، والمليء بالمصادرات والقفزات البهلوانية والغاص بعرائش ودوالٍ من المسكوت، ليس لوجه الاجتماعيات المادية والطبقية. فهو ذريعة الى قصد معقد وعرائشي بدوره قد لا يستوفي اختصاره القولُ انه يرمي الى التشكيك في مكانة المجلس الوطني السوري التمثيلية والسياسية، سلف الائتلاف الوطني السوري ومكانته. وبعض وسائل التشكيك وآلاته، بعد حمل المعارضة المسلحة أو المعارضات على "ارياف" مختلطة ومبهمة موشومة بوشم ليبرالي، أشد بعض هذه الوسائل هو مقارنة القوى السياسية الظاهرة على مسارح التمثيل والمفاوضة والاتصال بقواعدها الاجتماعية المفترضة، وقياس الاحجام في ميزان هذه القواعد وكأنها معروفة. فإذا كانت قوى المعارضة المسلحة ريفية او حتى "أريافية"، وكانت قوى "الاخوان" مدينية تعريفاً، وإذا غلب "الاخوان" هؤلاء على تمثيل الثورة السورية، على رغم ضعف أوجها المديني واضطرارها الى استيراد قوى مقحمة على المدن من الارياف، فهذا، أي غلبة "الاخوان" على المجلس ثم على الائتلاف وتصدرهم تمثيل قوى الثورة السورية والسوريين المنتفضين على الاسد الثاني ورهطه الدموي، لم يجز ولم يفهم إلا من طريق عامل خارجي، على مثال اقتحام "الارياف" المتدهورة، وأهلها من فلاحين بدو أو بدو فلاحين، المدن العريقة والرافلة في تقاليد موروثة من الاعيان والتجار والفقهاء والقادة واهل الادارة و"ثقافتهم" الراسخة والمتينة.
الخارج
ولا يوصف "الاخوان" بصفات المدن الممتنعة منهم وعليهم، ولو بصفات اهلها الممتنعين من الثورة وعليها. فهم غاية طموحهم احتسابهم في "فئات وسطى مدينية في حلب وحماة واللاذقية" مع بعض بلدات محافظة ادلب، لا يتعدونها ولا يتخطونها، لا عراقة ولا ثقافة ولا وقتاً. فإذا بهم "يفاجئون" الجمهور أو الملأ بإعلان مراقبهم العام "خارج السياق"- على قول بعض كتاب من يسمون (كانوا؟) أنفسهم معارضة الداخل، وهذا يتفق وحال "الخارجية" التكوينية التي تصيب فريق التمثيل... الخارجي عن "دور فاعل في "الحراك السوري" يتولونه بعد أقل من اسبوعين على بدئه، "وهو الذي كان مثل السيل العفوي الذي اجتاح بشكل مفاجئ مجرى نهر قديم توقف عن السيلان تسعة وعشرين عاماً". فلا يعقل أن يصدق إعلان المراقب العام. ولا يعقل ألا يرتبك المهندس رياض الشقفة بينما هذا "الشيئ "يقصد الحراك" أربك وفاجأ السلطة والمعارضة معاً، من حيث كونه مجهولاً بملامحه ومحملاته ومساراته..." ، على قول كاتب الداخل نفسه. فلا ريب في ان الدور المزعوم لا يعدو الاعلان، على المعنى التجاري الرخيص. وهو دور مستحيل أو ممتنع، للعلل التي سلفت وتعددت الى ان بلغت مرحلة "المجهول". وما يقوله الكاتب السوري الفرد تورية، يقوله بيان إحدى الحركات اليسارية الجماعيرية العريضة في سورية صراحة: "... راحت الاموال التركية والقطرية والسعودية والاميركية تهطل زخاً على مختلف المناطق، وتسلمت جماعة الاخوان المسلمين دفة الاموال... أصبح الاخوان المسلمون طرفاً اساسياً (وكان تأثيرهم قبلها صفراً في الداخل السوري)... (افتتاحية "الآن"، لسان حزب العمل الشيوعي في سوريا، عن "الاخبار" البيروتية، 30 نيسان 2013).
فمن طريق حلقات "الارياف المتدهورة"، والاجراءات الليبرالية التي فاقمت تدهورها وأخرجت أهلها من ملاذاتهم الهانئة ورمت بهم، مدججين بالسلاح ومتخمي الجيوب بالمال وسلفيين ظلاميين، في شوارع المدن السورية العريقة والمحصنة من "الترييف" (على رغم ملاحظة صاحبهم وصاحبنا التي ترقى الى السبعينات على "ترييف المدينة" السورية في المرتبة الاولى)، وانقلاب "الاخوان المسلمين" بين فتحة عين وإغماضتها الى قوة مهيمنة على التمثيل "الديبلوماسي" في الخارج من طريق هذه الحلقات، وتقريرها الذي لا يعقل الشك فيه ولا سند له إلا التخمين والحدس النظريين، يفصل نقادُ "الثورة المضادة" في الداخل وثورة "فنادق الخمسة نجوم" في الخارج، التركي القطري- الاميركي أولاً، فصلاً قاطعاً ثورة هائمة بين الاقبر والانقاض والاشلاء الممزقة والراغية في الداخل وعلى الحدود السورية الكثيرة، من اطياف تمثيل خارجي، اخوانية أو سلفية. ولا يتنافس النقاد والمنكرون وأهل الداخل المديني، وخصومهم "القطريون" المفترضون والحالمون بتدخل خارجي على مثال مقاتلة "الارياف" السلفيين والمسوِّدين، على إثبات هوية لقوات الثورة في الداخل، وعلى إيجاب جسم متماسك لها تحله أو تحل فيه بعد تطوافها الأليم.
فهذا تنافس لا يطمع فيه اليساريون وأصحاب "التغيير الديموقراطي" في الداخل والمهجر، أو هم تخففوا من اعبائه: "(اليسار) لا يقبل ان يرتشي ويرتهن لأحد من جهة، ومن جهة أخرى إذا كان لا يملك الاموال فلا مكان له في مطبخ المجموعات المغزوة بالدولار الاخضر (...) فعلى أي جانبيه اليسار السوري- يميل!" (افتتاحية "الآن"). فهذا سرير بروكوست آخر ومحدث بعد سرير سابق، سوري كذلك، في السبعينات المنصرمة، خيَّر اليساريين بين الانخراط في معركة قومية فاسدة ومفسدة وبين اعتزالها والرضا بالشلل والعقم والنزاهة. والفصل، اليوم، بين ثورة من غير جسم ولا إسم وبين قوى مقاتلة صادرت الثورة المفترضة على أدوارها (وأولها قتال النظام العشائري والريعي والبيروقراطي وإسقاطه)، وعلى مسارحها وبلادها، لا يسد طريق البحث عن الثورة على اليسار واليمين والوسط، وحسب، ويبدد فكرة الثورة ومعناها في مثال ليس من هذا العالم ولا يبلغ، كذلك. فهذا الفصل، وعلى هذا النحو، يصم السوريين الذين يقاومون قوات الرهط الاسدي على وجوه ومقاومة كثيرة وباهظة ومريرة بالعدم واللاشيء (على خلاف "الشيء" الذي وصف بهم أحدهم حركة السوريين وقيامهم على "دولة" العصبية المستولية). ولا يبقي مجالاً للسعي السياسي ومضماراً إلا المنافسة على الخارج، الديبلوماسي والعسكري والمالي والإغاثي والسعي في استمالته، والمفاضلة بين أنواع هذا الخارج وصنوفه وسياساته، والانحياز الى خيرها وأفضلها، والاعتصام بخيره وفضله.
وهم يجدون من سبقهم الى طرق هذا الباب، والانتظار في أفنيته. وأول هؤلاء، من غير منازع، بشار الاسد نفسه وأجهزته الاستخبارية وآلة دعايته اللجبة، ثم حلفاؤه ورعاته الاقليميون والاهليون الذين انقلبوا تدريجاً الى أوصياء عليه، وعلى "دولته" ومواليه، ثم الرعاة الدوليون وهم مزيج من تجار سلاح وموظفي أجهزة. فهم أجمعوا، منذ اليوم الاول للانتفاض على العصبية المستبدة والثقيلة، على ان المطالبين بكرامتهم المهدورة منذ عقود، والبارحة القريبة، ليسوا إلا "مخربين" في لغة استخبارية اسرائيلية عريقة، وآلات طيعة بيد طائفية ومتحاملة على "القلعة" العروبية والمستقلة، وأهل ردة وفتنة يجوز قتلهم وسبيهم، الخ.، على فقه الشيخ البوطي والشيخ حسون ومشايخ كثر حليقين وغير معممين. ونحا هذا التشخيص الى نفي دواع داخلية لقيام بعض السوريين على العصبية المستولية وبيروقراطييها البوليسية الفظة. فالنظام العصبي والبوليسي الاسدي على زعمه وزعم "نخبه" لا داخل له، على معنى الداخل الذي يفترض كثرة القوى المتنازعة وخلافها على مصالح متفرقة وعلى حصتها من صورة الدولة والمجتمع الوطنيين والمشتركين. فهو كله، وفي اجزائه كلها، كتلة متصلة ومتجانسة ومتناغمة لحمتها الرابطة العصبية القومية والمذهبية ومقاومة الخارج (الاستعماري...) مقاومة جوهرية ووجودية تحت راية مقدسة (الاسلام، فلسطين، الشريعة، الحسينية، الارض والعرض، الامة وغيرها مثلها). ويتصدر "مبدأ القائد"، على مثال "مبدأ الفوهرر" أو المرشد الجامع شرائط الإمامة والقيادة في شخصه المقدس السر وفي طبعه، الرابطة المتماسكة والعضوية.
وعلى هذا، لا شقاق في الواحد، ولا كثرة، ولا فُرقة. ولا يجوز حمل الخلاف أو مناقشة الجزئيات والكليات على حد سواء، على غير المروق والعمالة، أو الحرابة والفتنة، في لغة القوم الآبدة وأحكامها القاطعة. وهذا الخارج الذي لا يستقيم تعليل خلاف أو انقسام داخلي إلا به، إذا لم يكن ماثلاً وملموساً في صورة سلاح أو مالٍ أو برقية ديبلوماسية مقرصنة، سعت العصبيات المستولية المتصل بعضها ببعض والمختلطة الرجال والسلاح والمال، في استحضاره، والاستدلال على فعله وإذيته من طريق صحافي ضل الطريق، أو صورة محملة على وسيلة اتصال، أو (لم لا) قتيل تحت التعذيب في معتقل ذراع أمنية فرعية وسرية "خفيت" عن عين القائد. ولكن التجربة أثبتت من غير لبس أن سياسة الارض السياسية والاجتماعية والثقافية المحروقة، سياسة البطش والافقار والبطالة وتجريم التضامن والتهمة المسلطة على الجميع من غير استثناء وإنكار جواز الحقوق في العلاقة بالسلطة هي مجتمعة، حيز تمهيد لتفشي التعصب: عصابات وانحيازاً الى أحكام حرفية وشعائرية وطاعة الامراء يؤمَّرون على العقول والدماء والاموال والفروج. وعلى هذا جرى النظام العصبي السوري قبل ولادة النظام الخميني بعقد وبعض العقد.
ومنذ خطو الحركة الديموقراطية السورية، بقضها وقضيضها "الاريافي" والاسلامي واليساري و"غير الحكومي" والشبابي والاقوامي والمدني والعسكري والاهلي والطفيلي والجانح، خشي فريق من المعارضة اليسارية والعروبية الفلسطينية السابقة مترتبات معارضة النظام العصبي والبوليسي الريعي معارضة رأسية والخروج عليه. ولا شك في ان هذه الخشية استقت مصدقاتها وحججها من تجربة قريبة وحميمة وقاسية بطاقم النظام البوليسي والاداري والحزبي الاعلامي. وهي استقتها كذلك، على زعمي، من مشاطرة طاقم النظام المستولي بعض أحكامه الجوهرية وآرائه في الدولة والقيادة والسيادة والقومية والوحدة الشعبية والاستعمار والغرب والرأسمالية. وهذه الاحكام والافكار هي من مخلفات و"ثوابت" ثقافة سياسية سورية، بطولية ونخبوية فوقية، لم تعف عن القلة القليلة من عقلاء السياسيين السوريين في عصور غابرة من امثال خالد العظم، ولم يتخفف منها حزبيون سابقون اختبروا سرير بروكست الذي مرت الاشارة اليه، ولم يخرجوا من الاختبار بفائدة (وهذا ما لا يلامون عليه، إذا شاء أحد الانتصاب للملامة!).
"الحل السياسي"
ولكن الخشية الحقيقية وغير المصطنعة من انفلات العنف من عقاله، وطاقم العصبية المستولية هو على ما هو عليه، ما كان لها ان تتحول عاملاً سياسياً، على ما أراد اصحابها، إلا إذا سعى الرهط الحاكم فعلاً في مخرج سياسي، ورضي النزول عن بعض امتيازاته وتقييدَها بحقوق "الشعب" السوري في المراقبة والتمثيل، وبحقوق الجماعات في الهوية والقرار. وخشي بدوره مآل انفجار العنف في سوريا. وهو، الرهط الحاكم، حسب انه سوّى سوريا على مشيئته، وأوهمته "هي" انها تشبه مثالها الاسدي: قطعاناً من الخائفين والجشعين الأنانيين. ولمَّا بدا ان "الجبنة" الاصلاحية التي يلوح بها الاسد (المزعوم) الثاني فاسدة وعفنة، لم ييأس الفريق اليساري من المعارضة. ومذ ذاك، اي منذ ابتداء القيام على الحكم، الى اليوم، وبين الوقتين محطة بيان جنيف في حزيران 2012، و"الحل السياسي" يبحث عن مضمون ومسار إجرائي، وعن أصحاب وأهل يتبنونه. وحسب الفريق اليساري انه هو صاحب الحل السياسي، وليس داعيته الخاوي الوفاض فحسب. فدعا الى اتفاق روسي اميركي، لعل العامل الروسي، وهو سند الرهط الاسدي المسلح والسياسي، يوازن العامل الاميركي والاقليمي الحليف، وهو سند مشتت ومتحفظ وحذر للمعارضة على اختلاف مشاربها، وعامل مؤثر في كثرة المشارب هذه وفي تنافسها واقتتالها على مكانة بارزة عسيرة.
وماشى الفريق النظام المستشرس، ضمناً، على حمله المعارضات المتفرقة، والمتقاتلة في بعض الاحيان والمتنافسة في الاوقات كلها، على معارضة واحدة، مسلحة وقاعدية وإرهابية. وعجز، شأن النظام وسنده الروسي والسند الايراني، الذي يسكت هذا الفريق من المعارضة عنه وعن تورطه المذهبي المباشر والمتعاظم في الميدان السوري اليومي، عجز عن جلاء أضعف معنى للحل السياسي: كيف يبدأ وقف القتال؟ وكيف يتزامن وقفه؟ ومن يتولى مراقبته؟ وتعثرت بالاجابة عن هذه الاسئلة الابتدائية "المبادرة" العربية، ثم مهمة أنان الدولية. وتعثرت مهمة الموفد الدولي والعربي الاخضر الابراهيمي بالاسئلة السياسية التي تقوم نظير الاسئلة الميدانية الاولى: كيف يعلن النظام الخروج من جلده وإهابه، ويخلع وهم إحاطته الشاملة بالدولة؟ وعلامة هذا الخروج أو أمارته الفارقة هي اسم العلم على المرحلة الانتقالية وطاقمها أو وزارتها والمفوض صلاحياتها. وحين يتطرق حسن عبد العظيم، رئيس هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديموقراطي ("الحياة"، 30 نيسان)، الى هذه المسائل من باب تناول المفاوضة الاميركية الروسية، عشية زيارة جون كيري موسكو، يرى 3 مشكلات تعترض طريق "الحل السياسي": 1- تعويل اميركي على تغيير ميزان القوى العسكري من طريق تسليح قوى المعارضة ("وترى موسكو أن هذا يعقد الحل" على قول عبد العظيم) 2- سعي اميركي في الاتفاق على تفاصيل المرحلة الانتقالية كلها وعلى الاسماء والمناصب ("فيما تريد موسكو اتفاقاً عاماً... وأن يترك للسوريين الاتفاق على المرحلة الانتقالية")، 3- زعم اميركي يقصر تمثيل الشعب السوري على "الائتلاف" (" في حين تدعم موسكو تعاوناً بين قوى المعارضة خصوصاً هيئة التنسيق ومؤتمر الانقاذ...").
وليس مصدر الكوميديا السوداء التي ينم بها كلام حسن عبد العظيم هو الجد الصارم والوديع الذي يتناول به الرجل الوقائع السورية المختلطة والمواقف المقنعة والمراوغة والمتجاذبة منها، وحده. فالأثقل وقعاً كوميدياً وأسود هو الغفلة المطبقة عن حوادث المسرح أو الميدان السوري وأطواره، وعن علاقة واشنطن وموسكو والنظام و"الائتلاف" و"هيئة التنسيق" بالحوادث ومسرحها وأطوارها. فالمسألة السورية يختصرها التسليح وأسماء وزراء المرحلة الانتقالية وحصة "هيئة التنسيق للتغيير الديموقراطي" من التمثيل، والخلاف الروسي والاميركي عليها. وهذا مآل من مآلات إنشاء سوريا والسوريين على المثال الاسدي، العصبي والبيروقراطي الأمري والريعي، واستئناف سوريين كثيرين هذا المثال "الخارجي" في تأويلهم الحوادث وتعاطيها. وهو تشترك فيه الانظمة المتسلطة المتحدرة من الخمسينات والانظمة الريعية والاسرية القديمة، معاً. فهو "عربي"، عميق العروبة أو العروبية. ويشترك في "لغته"، وتداوله في الامور وتخطيطه لحلولها والبت فيها، مع مثالات أخرى سائدة أو متخلفة عن مثالات متحللة مثل المثال الحرسي الايراني والمثال "السوفياتي" و"القيصري" البوتيني والمثال "الاخواني" والسلفي الحركي والاستيلائي. وترد هذه المثالات، أو بعض وجوهها، من طرق متعرجة وكثيرة الى مرجع كولونيالي وتوسعي قامت وتقوم سياسات غربية (الى وقت قريب) واسرائيلية علماً عليه.
فيعوَّل في "الانتقال" المفترض من السلاطة العصبية الاسدية وهذا ما لم يخطر ببال رهطه وأركانه، ولم يقر به بوتين وأعوانه، ويقول خلافه ونقيضه عشرات جنرالات الباسدرات البحريين والجويين والبريين صباحاً ومساءً الى ديموقراطية مدنية وتعددية، يتولاها الائتلاف الوطني السوري في عهدة أصفار "الاخوان" و"الأريافيين"، بعد أن يدعو هيئة التنسيق الى اعتلاء مكانتها الشاغرة ويقر لها بهذه المكانة. ووالدة هذه المعجزة هي المفاوضة الاميركية الروسية. ويعوَّل على "حل سياسي" ناصع، لم ينفك الائتلاف الايراني الحاكم، تحت عباءة الخامنئي القائد وفي ظل السلاح الصاروخي الحرسي والاذرع المحلية والمذهبية، يدعو اليه ويعمل في سبيله، من طريق "اصدقاء حقيقيين لسوريا في المنطقة والعالم لن يسمحوا ان تسقط بيد أميركا أو اسرائيل أو يد الجماعات التكفيرية"، على قول الخطيب الحرسي المحلي وناظر الاضرحة المقدسة الأمين. وهؤلاء قاموا مع "الجيش السوري واللجان الشعبية (و) المساعدة المناسبة بمواجهة المسلحين... وانقلب السحر على الساحر". وعلى المنوال نفسه، يهزم "الاصدقاء الحقيقيون" "كل الذين يقفون خلف الحرب في سوريا (وهدفهم) تدميرها كدولة وشعب ومجتمع وجيش"، وينجزون الحل السياسي المنتظر والمأمول. و"(تمسك) إيران وحزب الله بكامل القرار في الملف السوري"، وتنتقل "سلطة دمشق على الاسلحة الاستراتيجية الى أيدي إيران وحزب الله"، على ما يكتب مطمئناً الى بصيرته الاستراتيجية ، قبيل الغارات الاسرائيلية على قاسيون، معلق باسيجي. والخطيب الحرسي يقول قولته هذه، ويشكر الله على نعمه. ومنها انه "كمن يتكلم باسم حلفائه جميعاً، الاقليميين والدوليين، وهو الذي التقى... مبعوث الرئيس الروسي... ميخائيل بوغدانوف، وتعمد قبل أسبوعين نشر صورة له تظهره الى جانب مرشد الجمهورية الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي..." على قول الملحق الصحافي والاخباري الحرسي في لبنان. فالكتابة باللغة المسمارية، أو بالاشرطة المصورة، هي البلاغة ونهجها المعاصر الاسمى

الجمعة، 3 مايو 2013

سليمان تقي الدين حاكياً "اليسار اللبناني وتجربة الحرب/ منظمة العمل الشيوعي": بعض من سيرة بيروت لبنانية ومتوسطية وكوسموبوليتية ... منكرة وكريهة


 المستقبل - الأحد 28/4/ 2013

           على شاكلة سليمان تقي الدين (اليسار اللبناني وتجربة الحرب/ منظمة العمل الشيوعي اللحمة والتفكك- دار فارابي، بيروت، شباط 2013، 314 ص) ربما، أعتقد أن موضوع عمله، أو روايته ونقده، أي "منظمة العمل الشيوعي"، وروافدها وفروعها، "اعتصرت عمر مئات الشبان والشابات" كان منهم أو فيهم سليمان، كاتب العمل، وكاتب التعليق على عمل سليمان. وهو يذهب الى "استحقاق التجربة" الرواية، ويسوغ حقها هذا بقضاء بعض الشبان والشابات "مستشهداً تحت راية افكارها"، وبخيبة بعض آخر و"مرارته وتشرده ومعاناة حال التهميش والحصار وشظف العيش وعدم الاستقرار". وأحسب ان الشق الثاني من التجربة، على معنى الابتلاء، كان الانتساب الى المنظمة العتيدة هو السبب فيه، من غير ان يوضح الكاتب لقارئه لماذا ترتبت الخيبة والمرارة والمعاناة... على الانتساب هذا، واستوت و"الشهادة" جزءاً لازماً يجزي لا محالة الاشتراك في مثل هذا "العمل". وتنم الاشارات التي مرت، وغيرها مثلها كثير في مقدمة العمل، بتنبه كاتب العمل على قوة العامل الشخصي والذاتي "العاطفي" الذي لابس، على انحاء كثيرة، استواء اجتماع الشبان والشابات وتماسكهم على هذا المقدار أو ذاك، منظمة أو حركة سياسية يؤرخ الكاتب لولادتها والتحامها ولا يشك في تفككها منذ وقت طويل.
ويتوقع قارئ الكتاب، وهذه حالي، تولي المؤرخ "مهمة" عسيرة مأتى عسرها اضطرارها الى الجمع بين وجهين متفرقين وربما مختلفين: وجه العام السياسي ووجه الدواعي الشخصية، الثقافية والاجتماعية، الخاص والسيري (نسبة الى سيرة أو سير). فلما لم يفتتح المؤرخ تأريخه بالنبرة الذاتية التي تقدمت بعض عباراتها، والامثلة عليها، يحسب القارئ ان سليمان تقي الدين عازم على سرد حوادث سياسية وتنظيمية وفكرية على شاكلة تلك التي سردت مثلها مئات الاعمال التي تناولت حركات سياسية سابقة ولاحقة. فحين تناول محمد ابراهيم دكروب، مؤرخ الحزب الشيوعي اللبناني الرسمي، تدوين اخبار رفاقه ووقائعهم، لم يحمله الامر، على رغم غنائية وملحمية مظفرتين وموروثتين من "سقي الفولاذ" في السهول الاوكرانية والسهوب السبيرية واجتثاث الكولاك، على التنويه باعتصار العمر ولا على طلب الثأر للخائبين والمريرين والمهمشين. ولست أذكر أن مؤرخ حركة القوميين العرب أو أحد أواخر مؤرخيها، توسل بهذا النحو في الكتابة والإخبار.
وتقريب النحو من "أخبار" الجهاديين المحدثين، ومن مديحهم قتلاهم وإقدامهم وشجاعتهم وإيمانهم، ليس من قبيل الغمز ولا التحامل، بل هو (التقريب أو المقارنة) دلالة على ضرب من التناول والمعالجة يدير الظهر، عمداً او عفواً، لمعيار الانقطاع أو التعليق الذي يفترضه التأريخ. فالخوض في جملة من الحوادث والوقائع والاخبار يأتلف منها موضوع واحد، هو منظمة سياسية في هذا المعرض، يقتضي تمييز زمن الرواية من زمن الراوي، وبواعث "اصحاب" الحوادث من بواعث كاتب الرواية...
ولعل مزج الازمنة والاوقات والبواعث بعضها ببعض، والاحتجاج باللاحق منها على "خطأ" السابق أو "صدقه"، من عيوب التأريخ الفادحة. ولا يتفادى صاحبنا بعض هذه العيوب. فيكتب أنه "خرج" من منظمة العمل الشيوعي في 1982، وهو كان معارضاً في 1979 ومستقيلاً من "المسؤولية" ثم "منكفئاً" سنة كاملة. ولم يلبث "الحزب" ان "تلاشى" في 1983 1987، على قوله. فيخلص الى "عبرة" أظن أنها لا تتفق وعمل التأريخ الذي ينسب إليه الكاتب نفسه وكتابه، وهو ليس كتاب عبر، ويكتب:"... أي ان ذلك (التلاشي) يفسر موقفي عام 1982". فالعبر لا تستقيم، أي لا يستقيم استخراجها واستنباطها، إلا إذا حملت حوادث التاريخ على غاية لاهوتية أو قصداً أخروياً أو على "قوانين" يستشهدها مناضلو المنظمات والاحزاب اللينينية والستالينية، ويتواتر التذكير بها في بيانات منظمة العمل الشيوعي وتقاريرها الداخلية في اثناء الحروب اللبنانية الفلسطينية (العربية): قوانين العمل الجبهوي ص 143 ، قوانين الصراع السياسي والعسكري، وغيرها مثلها يقع عليها قارئ الوثائق في الكتاب.
الاسماء
وإذا ألمحت المقدمة الى ما يشبه سير الذين اشتركوا في هذا الضرب العام والمشترك من السياسة والعمل والتفكير، فمباشرة التأريخ والرواية انصرفت عن تناول السير على وجوهها كلها. فلم يبق من هذه إلا لائحة اسماء صماء وخرساء لا تنم بأضعف التعريف أو اقله. وانتزعت الاسماء من أبوابها المشتركة، تلك التي تصف أو تعرف "تاريخ الحياة"، على قول بعض الاجتماعيات، وتسرد سرداً جامعاً وضيقاً معاً بعض الحيوات وسيرها وتراجمها (وكتب "السير والتراجم" فن من فنون الاخبار وصنعة الإخباريين). فيبقى "الشبان والشبات" في سنهم الواحدة، لا يتقدمون فيها، ولا "تخني عليهم"، على قول شاعر ليس من الجهل في شيء، على رغم انقضاء الاعوام. والسن الجامعة في باب اجتماعي مشترك، وهي تصلح تعليلاً لتقاسم نازع متقارب يصل بين افراد معاصرين ويعاصرون بدورهم من ليسوا من جماعتهم ولا من دائرتهم، هذه السن تبقى في التأريخ المفترض من غير مضمون.
والسن باب مشترك، من وجه، وباب متجدد، من وجه آخر: فلا يبقى الشبان شباناً، بديهة، ويدخل فتيان مراهقون في سن الشباب وحدِّه تباعاً على شاكلة المدعوين الى الخدمة العسكرية وأفواجها، بديهة كذلك. ويفوق هذه البدائه معنى ومكانة ما تتيحه هذه السن لأصحابها في وقت من الاوقات، هو الثلث الثاني من الستينات المنصرمة، خيالاً وآلات وعملاً ورغبات ومواصلات، ولم تتحه لجيل أو نصف جيل سبق، في مطالع الخمسينات على وجه التقدير والتخمين. فما كان معنى او معاني الدخول في العقد الثالث، ومراحله ومحطاته المتفرقة، في ستينات القرن الماضي التي "يؤرخ" سليمان تقي الدين لها؟ ومن معاني الدخول الدراسة، وفروعها وحقولها وهيئاتها وبلدانها وجمهورها، والمهنة، ودوائرها وعلاقاتاتها ومحلها ومداخيلها وحراكها؛ والجنس، والاسرة، ومخلفاتها الكثيرة من ثقافية وطائفية ومادية ومحلية... والسكوت عن هذه، وبعضها معرفته متاحة وغير خافية، يقود التأريخ المفترض الى طريق ليس طريق "التجربة"، لا على المعنى "الرومانطيقي" الذي يضمر "المعاناة" ولا على المعنى الوصفي الذي تنشده الاجتماعيات. وهي ليست طريق فهم نشأة الجماعات السياسية، وما يكتنف نشأتها واستقرارها على هذه الصفة من عوامل ليست ابتداء أو مباشرة سياسية مثل الثقافة والسوابق العائلية والمحلية والجنس وغيرها.
فلما ترك الكاتب هذه الطريق، او هذه الوجهة، وهي بدت لوهلة أولى مناسبة لحال الذين يؤرخ لهم ولغلبة النزعات الثقافية و"الذاتية" على اجتماعهم، توجه وجهة سرد سياسي تقليدي وذهني، فافترض للحوادث والوقائع المروية على ابواب "صحافية" أو خطابية سائرة ومعروفة دلالات ومفاعيل متوقعة. فيكتب أن "لكل مهنة في العالم شكلاً تظهر به (و) على الحزبي اليساري ان يتخذ لنفسه علامة فارقة في الشكل ثم المضمون. عليه أن يتبع (الموضة) السائدة في وسط بيئته المحلية او العالمية. عليه أن يتصرف اقتداءً بأئمته..." (ص 59-60). وكان مهد الكاتب لبرهانه الاستدلالي والدائري بالقول: "اتخذ اليسار لنفسه (طريقة)، فهو بداية عمل سري يحتاج الى اقنعة كما يحتاج الى وسائل تواصل مخفية عن عيون الرقابة السلطوية، كما يحتاج الى ان يختبر تماسكه الداخلي قبل ان يطرح نفسه على الجمهور. كانت بدايات اليسار محاولة لتجريب فعالية الانتماء والالتزام والقدرة على الحركة" (ص 58 59). ويستخرج الكاتب سماتٍ وأفعالاً من لائحة "الحاجات" الرمزية هذه. وهي، في هذه الحال، رغبات وليست حاجات. ويقتضي تعليلها افتراض مبانٍ رمزية اجتماعية على شاكلة المبنى الحسيني الحزب اللهي، أو المبنى العصبي والتأويلي الحلولي التقدمي الاشتراكي الجنبلاطي، أو المبنى الامبراطوري البطولي والاسطوري والادونيسي القومي السوري... وهو يدمج الرغبات في الذرائع العملية والظرفية التي يحدس فيها: الاحتياج الى "احتكاك مادي جسداً الى جسد مع سلطة مادية أخرى لكي يستفز طاقاته الثورية" (ص 61). وصادفت تظاهرات 23 24 نيسان 1969، فكان "الاحتكاك"، و"الاستفزاز" و"الثورة"...
امتحان "الجماهير"
ويحصي "اليسار اللبناني وتجربة الحرب" مسارح تحريض مطلبي ومهني متفرقة جغرافياً واجتماعياً، ويرصفها رصفاً على شاكلة رصفه اسماء العلم عارية مما يُعلِمها ويدل عليها ويصفها ويدرجها في جُمَل و"عائلات" وروابط. وما يُعلم ويدل ويصف هو جملة الفروق التي تنعقد منها فرادة الحادثة أو الحوادث، من الدواعي الى النتائج الجزئية والظاهرة المقدرة. فيقص على القارئ أن حركة طالبية ناشطة نهضت في "اواسط الستينات" حيث "حضور (...) أحزاب اليمين الطائفي المسيحي... كثيف" (ص 162). وسليمان تقي الدين يكتب هذا او ينشره على الملأ في 2013، ولا يرى داعياً يحمله اليوم إما على نسبة الألفاظ ومعانيها الظرفية الى وقتها وإما على الاستدراك على هذه المعاني وتعريفها من جديد. فيخلص القارئ الى ان الجامعة اليسوعية ببيروت كانت "بيئة محافظة": على معنى "محافظة" التدريس الإمامي في النجف، على ما وصفه محسن الامين او محمد مهدي الجواهري؟ أم على المعنى التربوي والمنهجي الذي انتقدته حركات الشباب او الطلاب في 1968؟ أم على المعنى الاجتماعي والمعياري "الخلقي" الذي طعن فيه أو عليه تلامذة "اتحاد قوى الشعب العامل" الناصريين والثانويين يومها؟ أم على معنى الانطواء على (نفس) الجماعة، وعاداتها وتقاليدها ومهنها وبلادها، الذي بدا للطلاب اللبنانيين الشيعة المخلفين قبل نصف قرن من يومنا وراءهم مراقبة أهلهم في الضيعة أنه (الانطواء) صفة بارزة في السنة والدروز العروبيين والناصريين و"التقدميين" وفي "الثوريين" الشيوعيين العراقيين والسوريين والفلسطينيين؟
ونعتُ الطلاب الجامعيين المسيحيين، وعلى الاخص الكتائبيين منهم، باليمين الطائفي قصد به يساريون فرادى وطلاب، قوميون عروبيون أو سوريون، ومسلمون، وشبان عموماً، نسبة آرائهم أنفسهم، دون خصومهم، الى عمومية سياسية وغير أهلية، غافلين عن صدور عموميتهم المزعومة عن خصوصية أهلية، طائفية و"يمينية" من ضرب آخر، تفوق خصوصية الخصوم الاهلية. ويتصل التقسيم والتفاوت هذا الى دوائر الجماعات الأخرى: فـ"حركة الوعي" ضوت طلاباً في الجامعة اللبنانية، جاؤوا من "الارياف المسيحية المهمشة ومن البيئات الفقيرة"، أما حركة "كفاح الطلبة" فنشأت في الجامعة الاميركية و"ضمت أطيافاً مختلفة من شباب اليسار والقوميين العرب والبعثيين..." (ص 62). فيُعفى اليساريون والقوميون العرب والبعثيون، شأن من يمتون الى حركات أو جماعات تتستر على أهليتها الاسلامية أو المسلمة العميقة بعمومية جامعة صورية، إيديولوجية وذرائعية عملية، يعفون من نسبهم الأهلي. ويسكت عن تعليل عموميتهم السياسية المعلنة، هم المتحدرون تاريخاً وعصباً من جماعات غالبة وحاكمة في دول وسلطنات الاسلام أو احد مذاهبه دينُ طبقاتها الحاكمة، وسند مشروعيتها وحقها "الطبيعي" في الحكم. وعلى هذا، فالتنبيه الى مذاهب الحاكم، وأهله و"طبقته" أو أعوانه، يحسبه الحاكم طعناً في مشروعيته، وتمييزاً من الكثرة الغالبة وتفريقاً، وتأليباً عليه. والمثال السوري، العلوي، قرينة صارخة على هذا: فالاشارة الخفية أو الهامسة الى مذهب الحاكم وعسكره وأجهزة أمنه ومراقبته عدوان "طائفي"، ويميني، على قول صاحبنا، وقريباً، في بعض الصفحات اللاحقة حين يعالج مراحل انفجار الحروب المتناسلة، عدوان فاشي. وفي الاثناء حل نعت التكفيري محل الفاشي. ومن يطلق النعوت المعيارية، ويعفي نفسه من تقييد المعاني وتعريف المفهومات هو من يجلس في واهمته، على قول بعض الكتاب النهضويين، في كرسي "الدول" التقدمية. وحسبان "اليسار"، أو الجماعات (اللبنانية والعربية) التي تنسب نفسها الى تراث سياسي واجتماعي وفكري أوروبي قام على نقض المراتب في تثبيت شروط المساواة وعمومها، أنه فوق الفروق والحدود الطائفية والمذهبية امتحنه وقوضه خروج هذه الجماعات من المعارضة، ومن الدائرة الاجتماعية الضيقة والطالبيةعلى الاغلب، الى رحاب الساحة والخط الجماهيريين العريضين، والى التربع في السلطة من طريق الانقلاب.
وسبق الحركة "الوطنية" اللبنانية المزعومة، والعروبية العصبية والجهازية فعلاً، الى الولوغ في الصبغة الطائفية قبل ولادة حركات مذهبية متسلطة ومسلحة، إسفارُ البعث "العلماني" في سوريا والعراق عن نظامين اهليين علوي وسني، حال سطو الجهاز الحزبي العسكري أو الميليشياوي على السلطة، وسعيه في إرساء عصبية متماسكة يستمدها جيشَ أنصاره وموظفيه ومواليه والمقاتلين دونه إذا حم الخطب وفشت الحرب الاهلية، وهي أفق الانظمة العلمانية والتقدمية والقومية (العربية) الماثل على الدوام. فليست العلمانية أو العمومية السياسية التي تبيح للكاتب اليوم وأباحت لمن هم مثله في ايام سابقة، إعمال أبواب اليمين واليسار والطائفية والفاشية والوطنية والطبقية... في التأريخ والرواية إلا فضيلة قلة لم يمتحنها "خط الجماهير"، ولم يعركها الحكم وموازين القوة والنفوذ والتمثيل التي تلازمه.
وقد تبدو هذه الملاحظات استطراداً ينحرف بالتعليق على كتاب سليمان تقي الدين عن موضوعه وغرضه. والاستطراد لا شك فيه. ولكنه لا يخرج عن سويته وقصده. فالمسألة الراجحة في نهاية المطاف، وهي لا يسهم التاريخ المفترض في تناولها من قريب أو بعيد، تتناول تحول روافد حركة مدنية ووطنية وديموقراطية اجتماعية من سماتها هذه الى فصيل مقاتل على جبهات حروب عصبية وجهازية استخبارية وإقليمية لا يحيط (الفصيل) ولا يلم بأثخن حبالها فكيف بخيوطها الدقيقة. والحق ان ما جمع شتات الاشخاص والرغبات والحاجات والمصالح الذي ائتلفت منه المنظمة السياسية لاحقاً، وصدرت عنه روافدها، أو رافداها المتشابهان على رغم بعض الفروق، هو نقضان متلازمان: نقض على الحزب الشيوعي اللبناني ونهجه المحابي للثقافة السياسية السوفياتية وتسويغاتها الجهازية والقمعية في الداخل والخارج، ونقض على الناصرية وعروبيتها الفوقية والاهلية وإنكارها حقوق المعارضة والمنازعة ووصايتها على الحركات السياسية والاجتماعية الوطنية. وافترض النقض المزدوج أو المتصل جواز أو إمكان، وفي الاحوال كلها افترض ضرورة تلقائية اجتماعية داخلية أو وطنية تضع الامور في نصابها الحقيقي والصحيح. فتستقر النزاعات والتحالفات على مصالح معلنة ومفهومة؛ وتنكفئ الجماعات من هذه الطريق الى مسرح داخلي وطني ترسم حدوده الفاصلة وقواسمه المشتركة غير المنكرة مفاوضةٌ دائمة هي جزء من إعلان المصالح والحياة السياسية الوطنية داخل الهيئات الدستورية وخارجها؛ ويماشي الإقرار بانفصال المجتمع وحكم الدولة واحدهما من الآخر إقرار بمزاولة الحق في المعارضة والمنازعة بوسائل غير الانتخابات النيابية وتقوم على المواجهة والتأليب والخلاف وامتحان موازين القوى علناً.
وعول النقض المزدوج على هذه الوسائل في سبيل استرجاع "العائلتين" الشيوعية والناصرية الى دائرة سياسية لبنانية مركزها في داخلها. وراهن أصحابه على مفعول مراكمة الاختبارات و"وعيها" وتخزينها، إذا جاز القول. ولم يقتصر معنى "المركز في الداخل" على الاستقلال السياسي و"الامني" الوطني (كان الوقت وقت عبد الحميد السراج والمكتب الثاني...)، فتعدى السياسة والنفوذ الى الحركات الاجتماعية والثقافية، او الى الرأي والاسهام فيها. فلم يبدُ "اللعب" بالاعيان والاحزاب والوزراء وكبار الموظفين والضباط وقبضايات الاحياء ومدراء المصارف ومسؤولي النقابات وأصحاب الامتيازات الصحافية أشد فداحة ووطأة على نضوج "الثورة" أو "الحياة" الاجتماعية والديموقراطية من إقحام الشيوعيين والنصاريين وغيرهم أنصاراً ومحازبين كسالى ولا مبالين ومطيعين على الانتخابات النقابية الحركات المطلبية. وتصورت المواطأة العامة على إدارة مرافق الانتاج والعمل والامن والتأهيل والرأي والخلاف "حبياً"، على ما يقال، ومن وراء ظهر الجمهور أو اصحاب العلاقة، على ما كان اصحاب النقض المزدوج يفضلون القول، في صورة الفضيحة. فنازع أصحاب النقض المزدوج أو دعوتهم ودعواهم، كانت الى بلورة مصالح قاطعة، وناتئة القسمات، يحتكم أصحابها ومنظماتهم علناً الى منافشة لم تكن يومها تسمى هابيرمازية (نسبة الى هانس هابيرماز داعية اخلاقيات المناقشة في دائرة علانية عامة ومشتركة)، والى منازعة تستبعد العنف المباشر ما أمكن.
طبقات صريحة
وكان سائق هذا الرأي أو النازع هو إيقان "ماركسي" بميل الطبقات الحاكمة، وعلى رأسها البورجوازية طبعاً، الى "تغليف" سيطرتها ومصالحها الفظة بـ "مخلفات" أبنية السيطرة السابقة والآفلة وشاراتها، الدينية والقومية والاخلاقية والجمالية. ويقود "التغليف"، وخداعه، الى تضييع الادوات والهويات التاريخية المرسومة والمرجوة معاً، والى تبديد الطاقات في مسرح ظلال وأقنعة لا تتميز مداخله ومخارجه بعضها من بعض. فبورجوازية صريحة وسافرة خير ألف مرة من تكتل أعيان أهل وطوائف وتجار مهاجرين أثرياء وأصحاب مهن حرة بارزين يتسترون على "ديكتاتورية" البورجوازية فيما هم يسعون بين يديها وفي خدمتها لقاء مقايضات باهظة، سياسياً وتاريخياً. وعلى الجهة الاخرى من الصراع الاجتماعي والسياسي، لم يشك دعاة النقض المزدوج في اضطلاع "الوسطاء" بتغليف فادح لموارد "الطبقات الكادحة" النضالية التلقائية، وتزييف لقدرتها على صناعة مثالات اجتماعية وثقافية. واقتضى الامران، إعمال الموارد وصناعة المثالات، تولي من احتار أصحابنا في تسميتهم "بروليتاريا" عصية على الفهم الحسي، "طبقات كادحة ومستغلة" تنم بشكوى وظلامة لا تليقان بالدور الموعود، "طبقات شعبية" غائمة وعائمة، "شعب" يليق بالأعيان السابقين- التصدي لأدوارهم وقضاياهم بأنفسهم، ومن طريق اختباراتهم هم وليس من طريق قيادة بصيرة وعالمة، قوية الشبه بالإمامة المعصومة.
ولم يشك أحد من دعاة النقض المزدوج في "تناقض" هذه الطوبى- من "يوتوبيا" أو جزيرة الواق الواق المنفية من "البلدان" والمحال- وتداعيها. وهي كانت طوبى، أي رجاءً أخروياً وبلورياً كينونياً، تليق بالشبان العشرينيين (والشابات العشرينيات) الذين (واللواتي) طوى العقد الاول من تشاغلهم السياسي، بين الثلث الاول من الستينات ونظيره من السبعينات، صورة رجائهم، ما خلا شطراً راجحاً منهم مضى على بعض خطابة الطوبى وألبسها جسم الفصيل "الوطني" المقاتل تحت لواء "الشعب الفلسطيني اللبناني" و"قواته المشتركة" وفتوحها الدامورية والمتينية والعيشية والصنينية، و"كوادره" المجيدة التي ينشد البك الحاد البصر وجوق هوميرييه بطولاتهم العربية وفروسيتهم الخالدة على الدهر. ولم تكن الطوبى وليدة عمى عن الوقائع الاجتماعية والسياسية، أو جهل مدقع بها. ولا كانت ثمرة هوى بالأفكار و"النظريات" والمناقشة، على قول رائج، وهو هوى لا ينكر. فمصدر "التناقض"، على زعمي، أصلي وتاريخي: نُسبت الى القوى الاجتماعية والسياسية، والى الجماعات على قدر أقل، عقلانية باطنة وجوهرية، من جهة، ودعيت "طليعة" مفترضة، تستحي بطليعتها المدعاة، الى استخراج هذه العقلانية، وصوغ معاييرها، وخزنها وديعةً في متناول القوى الاجتماعية والسياسية، من جهة أخرى.
والعقلانية الباطنة، حين يتحقق وجودها وفعلها وتدرك على هذه الصفة، إنما هي صناعة وإيجاب لا يخلوان من التعسف أو الخلق "الشعري" (والروائي والموسيقي والتصويري...)، ولا تضمن "بنية" دوام فعلها ولا عموم هذا الفعل. فهي رهن الفاعلين: فالعمال قد لا يتماسكون طبقة أو في طبقة، ولا يدركون مصالح مشتركة غير قائمة والحال هذه، ولا يريدون ما يتجاوز تلبية احتياجات ملحة من أي طريق جاءت هذه التلبية. ومثل هذا يصدق في الطبقات الاخرى، وفي الجماعات المتفرقة. والغالب هو حمل القوى الاجتماعية والسياسية على اللحمة أو "الوحدة" أو الهوية من خارج، وفي ظروف تصاحبها الفرادة والاستثناء. فكان النقض المزدوج على الوصايات والرعايات الآمرة والمحرِّفة، وهو افترض قوة وتعبئة وإرادة فاقت بما لا يقاس طاقات المتجندين للمهمة، مقدمة سالبة نيط بها التمهيد لخروج الايجاب التاريخي والثوري الى العلانية والفعل. وأغفل التعويل الجدلي، فيما أغفل، على رغم ملابسته تجريباً ميدانياً أو حقلياً جزئياً، يبالغ سليمان تقي الدين كثيراً في وصفه وتثمينه، تاريخية الرغبات والاهواء والحاجات والاحوال التي تدلف منها القوى الاجتماعية الى الفعل على صوره المعروفة او المجهولة، أو تُسلِّطها على دفعه الفعل وعرقلته وكبحه.
فالمثال المتخيل للعمل السياسي والحياة الشخصية والمهنية والاجتماعية اثناء عقد الستينات اللبناني وافق ربما، لبعض الوقت، رغبات أفراد قليلين وأحوالهم وهم كانوا شطراً محلياً ومولَّداً من جيل "انفجار المواليد" ("بايبي بوم") العالمي في اثناء الحرب الثانية وغداتها مباشرة. وكانت بيروت الكوسموبوليتية، على قول طوني جو(د)ت وقبله جون دوس باسوس (روائي ثلاثية "يو إس إيْ")الاميركيين، والمتوسطية والعثمانية والغربية والاميركية الجنوبية كانت بيروت هذه حضن الرغبات والاهواء والحاجات التي شبهت لبعض شبانها طوباهم، واستدرجتهم اليها، وشاركوا فيها. والقول ان بيروت هذه عجزت عن القيام بأعباء كوسموبوليتها وتبعاتها، فأقام الشطر الغالب من أهلها داخل اسوار خططهم وضواحيهم وبوابات هذه وتلك، قد يكون منقاداً الى التسويغ والاعتذار. ودليلي على صدق هذا القول، أو برهاني، هو أن مناخ سموم الحروب الملبننة، حروب الجماعات والاهل والطوائف والاجهزة والدول والعصابات والشبكات، وطواعينها التي هبت على اللبنانيين، كانت بيروت اللبنانية والمتوسطية والكوسموبوليتية عدوها الكريه واللدود، ومسرحها الاثير

السبت، 27 أبريل 2013

جوانا حاجي توما وخليل جريج في شريط توثيقي وروائي "النادي اللبناني للصواريخ" معالجة النسيان بغير ذاكرة إحيائية



المستقبل، 21/4/2013 
صوت نسائي (أنثوي) يقول، حين يحين دوره الذي ينتظره ولا يفاجئه توقيته :" ولدت في 1969". وصوت رجل (ذكوري) يقول، من غير توقيت هذه المرة: "ولدت في 1969". ولا يفتتح الصوتان، ولا صاحباهما، شريط "النادي اللبناني للصواريخ"، التوثيقي الروائي أو الخبري الذي أخرجه ووثقه ورواه المولودان في السنة المرقومة والعتيدة، جوانا حاجي توما وخليل جريج. فهما يعلنان سنة ولادتهما، الاخيرة من العقد السابع، بعد أن قصّا على سمع الجمهور وبصره خبراً جديداً لم يتناه الى الجمهور، على ما هما واثقان. والخبر الجديد والدارس، على ما يليق بموضوعات أخبارنا (نحن "العرب") وقصصنا التي نتقفى أثرها ونتعقبه، هو أن شباناً لبنانيين أرمن (أو أرمينيين) كانوا يدرسون في معهد هايكازيان، ويتقدمهم ويدرِّسهم أستاذ مادة الفيزياء، مانوك مانوكيان، في السنة الثانية من العقد السابع، انصرفوا معاً الى صنع صواريخ، وتزويدها بوقود صلب، وتركيبها أجزاءً، وإطلاقها.
 وتدرج هذا الفريق في صناعته – وهو جعل نصب انتباهه انجازات المنافسة المحمومة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الاميركية بين 1956 (أول قمر اصطناعي روسي) و 1969 (بلوغ أول مركبة فضائية أميركية مأهولة القمر)- من هيكل صاروخ يبلغ طوله سنتيمترات هزيلة وقليلة، ويقتصر إشعاله على احتراقه وتبدده لحظة الاشتعال، الى جسم معدني مركب طوله متران ونصف المتر، بادي الاجزاء، صقيلها ولامعها، رابض على منصة تحضن الجسم الطويل والانيق من غير أن تأسره. وكان يحف الهيكل الناحل والاعجف شبان وفتيان يتدافعون في ما يشبه غابة زرعت على عجل ولم تتعهدها أمومة ساهرة، يمد أحدهم يده الى فتيل الوقود وهو يستطلع طريقه الى الهرب أو الاحتماء، بينما يشخص آخرون الى الآلة في وسط أغصان شجر والقلقُ بادٍ على أساريرهم وأوضاع سواعدهم. وحين شب الصاروخ وبلغ رتبة الاسم، أرز واحد أرز2...، وصار يُحمل على عربة جر، حف اطلاقه من شرفة تطل على البحر العريض حشد من الضباط، حولهم مواطنون "عاديون" يروحون ويجيئون وعلى الاخص ينتظرون الحادثة، ومعهم مصورو الصحافة والتلفزيون وآلات التصوير. والفرق كبير ما بين الجهاز الوليد الذي يفلت من عدسة المصور حال انطلاقه، ويكاد لا يرى ولا يتعقبه ويثبته إلا التخمين وحسن الظن، وبين الدخان الملبد، والملتف بعضه على بعض طيات بعضها يولد من بعض وينذر بلظى جحيم لا يحتمل.
ما قبل الولادة
 ويسأل صاحبا الشريط – وهما يوقتان ولادتهما وسنتها بسنة نزول المركبة الفضائية الاميركية وملاحاها قشرة القمر الجافة، وكان "النادي" اللبناني صار أثراً بعد عين وانفض أهلوه ورحلوا الى عواصم "العلم" ومحجاته الاميركية والكندية – عن الاثر الذي خلفته في ذاكرات المعاصرين والخالفين، وفي "مخيلتهم" ورواياتهم، اختبارات الصواريخ. ولم يظفرا بصدى. وأجابتهما الذاكرة الالكترونية نفسها، وهي خزان يفترض غير مثقوب ولا يرضى التبديد، عن سؤالهما: ماذا بقي من رغبة مانوك مانوكيان وطلابه ولبنانهم، في شق غبار صناعة الفضاء وأقمارها وصواريخها، ومنافسة الكبار، وكان يقال الجبارَيْن او العملاقين، عليها؟ أجابتهما الذاكرة الالكترونية بصور خطباء الكاتيوشا المعممين بعمامات الحجيَّة السود والخضر، وقبضايات مشتقات الصناعة الكورية الشمالية في رعاية اسرة كيم الاول فالثاني قبل الثالث حاكماً سعيداً اليوم. فالمعنى الذي علق بتجارب 1961 و1962، وجلاه آخر صاروخ بلغ مداه 600 كلم وحط على شاطئ قبرص، وكاد ان يصيب سفناً حربية بريطانية بكارثة، وتَطَلعَ الى الفضاء، هذا المعنى تبدد. و"هو"، إذا كان هو هو، على قول الزرداشتي و"الامامي" الغالي الاول، اليوم، غايةُ رجائه ان يكدس في مرآب خفي عشرات آلاف الصواريخ المنتصبة حَرَساً على تخصيب آلاف آلات الطرد المركزي بنطنز أو فردو اليورانيوم بنسبة 20 في المئة.
 فعاد جوانا حاجي توما وخليل جريج الى اقتفاء أثر ذاكرة تقليدية أو عادية، وَرَقية، على قول سائر، وأرشيفية. والفيلم التوثيقي والروائي لا يقوم أو يتماسك عملاً سينمائياً – يسأل ويخاطب ويدعو ويتقصى ويقارن ويُشهد ويحتج ويسمع ويسكت – من طريق رصف الوقائع والشواهد. فصاحبا العمل هما بعض هذا العمل، وحادثة من حوادثه، وخيط من خيوطه. ولا يقتصر الامر على إدراجهما سنة ولادتهما معلماً من معالمه وتعريفه، ولا على تعاقبهما على تعليق "الصوت من خارج" على مجاري القص وسياقاته. فهما، سؤالاً وتوقيتاً وتوليفاً، بعض مبنى العمل وعمارته. وعلى هذا، عمدا الى دمج الحادثة المنسية، المتواضعة والكبيرة، في سيرتهما. وحملا السيرة الخاصة، تلك التي تستهل حكايتها بالقول:" ولدت في سنة –"، حملاها على ما قبل تاريخها، أو تاريخهما المشترك والمشتبك بعضه ببعضه الآخر منذ "زواجهما". وهما إذا سألا بنبرة تنم بعتاب حاد :"لماذا نسينا؟"، وشملا نفسيهما بالسؤال بموجب ضمهما ما قبل تاريخ ولادتهما الى سيرة مشتركة ومركبة، اجتماعية وأخلاقية – من طريق احتمال التبعة أو المسؤولية عن العالم و"الناس كلهم"- أرسيا عملهما السينمائي على سعي دائب في اقتفاء أثر الحادثة المطوية، ظاهراً ووصلا الحادثة بالحاضر، وبآتٍ محتمل ومتخيل وأده انقطاعُ التجارب على صناعة الصاروخ، وعسرُ تطويرها.
 فقضى أمر غامض وملغز بعض الشيء – هو ليس استئناف الفعل (فلا معنى لمثل هذا الافتراض بعد انقضاء نحو نصف قرن على التجارب وحبوها)، وليس بعثه في وجدان أهال أنقاضاً ثقيلة عليه وشغلته شواغل أخرى كثيرة، وليس قطاف الآثار والأصداء المتخلفة عنه وصمدها في متحف، وليس تحريكها او النفخ فيها في احتفال "شعبي" على قارعة الطريق... ولكن الامر الغامض والملغز يأخذ من هذه كلها بطرف – قضى بتعقب ولادة الحادثة. وهذا منذ امحائها وتواريها وتضييعها خبرها في الوثائق المعاصرة: علب اشرطة التلفزيون الفارغة، سجلات معهد هايكازيان الصامتة، مقتطفات "الاكتوياليتيه" المصورة التي كانت تسبق عرض الفيلم المعلن. ثم تعقبها في بقايا ذاكرة شهود يومذاك اليوم – الى اقتصاص مراحلها وأطوارها الى حين تركها و"فوتها". وترتب بناءُ الشريط، وتقطيعه أجزاء ووصل هذه الاجزاء وحبكها، على التباسات الامر الغامض والملغز ومسائله: كيف يُخرَج الى الضوء ما كان مجهولاً؟ وكيف يُقتص أثر المنقطع أو المرسل الى أوائله أو مصدره؟ فدار شطر أول من الشريط على خيبة تعقب الاثر، وشطر ثان على الوقوع على أخبار "خارجية" أو صحافية هي "جثة" الحوادث" (على قول سيبويه في المكان)، وشطر ثالث على إحياء الجثة، ونفخ الروح فيها من طريق مصادفة غير مقدرة ولا محسوبة: فأصحاب التجارب أحياء يرزقون على بعد 11 ألف كلم، وهم لم ينسوا، ولم يضيعوا مجاميع الآثار والاصداء، ولم تفتهم معاني الحادثة الام والحوادث التي حفتها أو تفرعت عنها.
تايلور وسترونغلوف
 والشطر الثالث هذا، وهو معظم الشريط والتوثيق والتحقيق، يأتلف أو يختلف من نثرات حوادث وأحوال وإرادات ورغبات يتضافر بعضها وينعقد على افعال، لبعض الوقت، ويفترض بعضها الآخر إما موقتاً او لا الى وقت. فيتصدع الفعل، أو البؤرة التي جمعت بعض أجزائه، وذلك حين يتخفف على رغمه من "الهواية" العلمية، ونصب عينها القمر والمركبة المأهولة ومترتباتها أو ثمراتها التقنية والصناعية، ويدخل من غير استئذان في المعمعة العسكرية التي صادفت عشية 1967، وحزيرانها وحربها الخاطفة وانهياراتها السياسية و"القومية".
 ويُتمُّ شطر رابع، وهو من صور متحركة ومجسمة، الفصلَ الاخير المقدر والمتخيل من القصص البطولي والخيالي العلمي. فلو قُدِّر لخطة فريق هايكازيان، الملتحم بالجيش اللبناني الذي ندب أحد ضباطه الى تنسيق العمل مع الفريق وأعلم بتنسيقه قائده السابق ورئيس الجمهورية فؤاد شهاب، بلوغ غايتها، وانخرط لبنان في تكنولوجيا الفضاء وعلومه وصناعاته، لصار شريكاً بارزاً – ولتحوَّل "جمهورية" علم وتقنية، تحكمها طبقة الحراس، على شاكلة افلاطونية وخمينية باسدرانية مستولية، وتتشاطر الولاية مع طبقة الصنّاع والعلماء، على مثال تايلوري وفوردي يدمج "آلة الزمان" في "1984" وعالم "دكتور سترونغلوف" في عالم "دكتور نو" وعنابر (أو سراديب) منظمة "سبيكتر" ومشاهد "ناسا" ومنصاتها.
 والحق ان الرواح والمجيء في الزمن، ومزج التقصي المتأخر بالحوادث المتقدمة والسابقة، وتوليف المواد المتفرقة المصادر والأنسجة والايقاعات، لا تخرج الحكاية البطولية الشعبية (البكاريسك)، ولا تبطلها، ولا تحل محلَّها "افكاراً" مجردة أو قضايا ذهنية ومحض ذاتية. ولعل (بعض) ما يغلِّب الحكاية البطولية الشعبية- وهي تحاكي البطولة على وجه ساخر ينكر على البطولة استغراقها في مجدها الساحق والمهيمن – وتسويغها هيمنة وسحقاً مستأنفين ومتجددين-  على التحري الذهني والذاتي هو تطرقها الى النسيان، وإحجامها عن حمله على سلب خالص. فالسؤال: "لماذا نسينا؟" ليس جوابه في الشريط المركب، والمتفرق المواد والمصادر والروايات، تهمة اصحاب النسيان بالخطيئة والضعف، وهو لا يخلو من التهمة، ولا تحميلهم المسؤولية عن ارتكابهم العدم، وهو يحملهم بعضها. وليس الجواب التسليم والنكوص الخائرين. فالنسيان، على ما قد يرى المشاهد في ثنايا التوثيق أو التحقيق او الرواية، لا يقتصر على غيبة ما ينسى ومواراته أو تواريه في قاع مظلمة. وهو أقرب الى فعل موجب ومتصل يتعمد صرف الفعل الى مسالك مسدودة او اسطورية، والعزوفَ عن سقي آثاره وثمراته المحتملة، وإدارةَ الظهر لمناشدته مبتدئيه المضي والاستمرار على تجديد صيغه. فهو يشبه الاجهاض شبهاً قريباً.
 وعلى خلاف مذهب ظهر مع بدايات الحركة الفلسطينية الوطنية والمسلحة وغلبتها على المعارضات الداخلية والوطنية (والاهلية)، وشاع مع تسلط الجهاز الخميني وأنصاره على ثورة الايرانيين المدنية على الدولة البهلوية، وعالج "نسيان" الجمهور الاسلامَ، على زعم الجهاز بـ"ذاكرة شعبية" دعيت الى "احياء" شعائري خالص يثأر للمظلومين والمستضعفين الإلهيين من اهل القوة وسلاطتهم الشيطانية – على خلاف هذا المذهب يمثل شريط "النادي اللبناني للصورايخ"، متعرجاً ومتواضعاً وساخراً، على نهج آخر في معالجة النسيان. وهذا النهج هو جزء من ثقافة عريضة، أو من نقض عريض على ثقافة الذاكرة الاحيائية المستقرة والمتعارفة. وعليه، يروح المتقصي المتذكر الى ملاقاة الحادثة او الحوادث المقصودة والمختارة من طريق آثار مادية ومعنوية تركتها الحادثة واصحابها. وهو ينشئ الحادثة على قدر ما يقر بها ويقرها على حالها المفترضة أولى أو اصلية. وهذا يتناقض. فلا تفارق الارادة المتعسفة، الاجتماعية أي الفردية (على قول فرديناند تونيس الالماني)، إنشاء الحادثة، والسعي في بلوغها بواسطة أو من جهة آثارها واطوار هذه الآثار.
 وقد يقود تعقب الحادثة، وروايتها أو حكايتها "عن" آثارها وحملها على عنعنتها، وهو النهج الذي يتناول عليه خليل جريج وجوانا حاجي توما الحادثة، الى تصديع بؤرتها أو صاحبها. فإذا بما يفترض في الذاكرة إحياؤه واحداً وماثلاً في معناه المجتمع والمؤتلف، تتنازعه كثرة تشكك في حقيقة وحدته واجتماعه، وفي صدق نسبة الحادثة إليه. فحين يعلل الاستاذ السابق في معهد هايكازيان، مانوك مانوكيان، مبادرته، وفريقه من الطلاب المبتدئين، الى اختبار صناعة صاروخ، وتغذيته بالوقود الصلب، يقول أن حاديه هو جزاء لبنان على استقباله الناجين الارمن من المقتلة التركية ومحاولة إبادتهم، وإيوائه إياهم ورعايتهم. فعالم الفيزياء الكيماوية الارمني اليافع، والمولود في القدس من والدين نجيا من الموت في 1915 – 1916 وكانا طفلين، يرد "الجميل" اللبناني أو يريد رده بما يحسن وقومه أو شعبه صنعه، وهو صناعة علمية. ويردد الباحث العالم الذي اكتهل وأسنَّ في المختبرات الاميركية الكبيرة، وآخرها في تامبا الكاليفورنية مركز قيادة جوية عسكرية وألكترونية، مرات في اثناء روايته أن اختباراته الصاروخية، في 1961 – 1967، ميزت لبنان بين بلدان الشرق الاوسط، وأفردته بمكانة لم يشاطره إياها غيره. وعطف هذا القول، وهو يبدو جزءاً من مقالات الفخر والاعتزاز "اللبنانية"، على القول السابق والاول في استقبال الناجين من محاولة الإبادة، يضمِّن لبنان الذي يريد العالم الشاب أداء بعض دينه على قومه معنى انسانياً أخلاقياً وسياسياً يتقدم المكانة وخلبها.

الناجون من الإبادة
وصدور المبادرة عمن هذه حالهم – أولاد ناجين من محاولة إبادة عرقية "رائدة"، وأبناء قوم ألزمهم الفاتحون الاناضوليون المسلمون القناعة بالمحل الثاني وخدمة المستولين بما لا يحسن أهل السيف والفتح القيام به، والتوسط بينهم وبين تجار أوروبا وملاحيها وأهل صناعاتها- صدورها عمن هذا قصدهم على ما مر، يدعو الى النظر في "لماذا نسينا؟" على وجه آخر. فمن نحن، "فاعل" النسيان أو صاحبه، على قول اللغة العربية؟ وتمضي الرواية او الشهادة على تعرجها. فمسرح بعض الاختبارات الكيمائية الاول، وغرضها هو تحصيل الوقود الملائم، ليس غير المعهد الجامعي نفسه. والاستاذ وفريقه المتطوع يجري اختباراته سراً أو هو يتكتم عليها ويتحاشى إعلام الادارة بها. فعلم مدير المعهد بها، وهو قس اميركي منذ عقود ويروي اليوم بعد نحو 50 عاماً الحادثة التي نبهته الى حصول الاختبارات في مختبر معهده، مصادفة: رأى ما يشبه الوحل الرمادي على ساعدي ابنته وثوبها، فسألها ما هذا؟ فقالت انها تشترك في جبلة الوقود في الطشت المعدني. فذهب ليرى ما هو هذا الوقود، وعلم بالامر، وأراد كفه، ثم رضي استتمامه.
 وفي الاثناء كان تجريب الصواريخ يتنقل بين مسارح مرتجلة مثل بعض الوديان والهضاب والحقول والجبال في ظواهر بيروت البعيدة. وأنهى اختبار عشوائي خبر الصواريخ الى الجيش اللبناني. ففي إحدى المرات حط رأس الصاروخ غير بعيد من كنيسة بلدة قريبة. وكان حضور القداس الصباحي – وهم، على ما يقول مانوكيان البروتستانتي مبتسماً وغامزاً، أرثوذكس، على طرف اعتقادي وثقافي وسياسي نقيض- يغادرون الكنيسة. ولم يصب أحد بضرر، غير ان الامر شاع وعرف، وبلغ "المراجع الامنية". وكانت محاولة انقلاب "القوميين السوريين" قريبة، والانفصال السوري عن مصر كذلك، والانقسام المنهجي – الشمعوني مستعراً، في ميزان تلك الايام. وحضن الجيش خطة العالم الارمني الشاب ورعاها. وحسب أن في مستطاع الجهاز العسكري الوطني تعهد برنامج علمي يتستر به على "برنامج" عسكري مضمر، على ما قال العميد المتعاقد يوسف وهبي. وكان يومها الملازم أول، والمنسق الذي ندبه الجيش اللبناني الى مراقبة فريق هايكازيان وقطاف ثمرته العسكرية، ومسايرته ومراوغته. وكان رأس الفريق العلمي يترجح بين رغبته العلمية ونازعه الى العمل في الصناعة وتقنياتها.
 ففريق الخطة، المدني والعلمي والعسكري الحربي، تنازعتهما غايتان غير مؤتلفتين أو متفقتين. ولم تلبث الخطة أن اندرجت، على رغم الفريقين، في سلسلة الحوادث التي أفضت الى حزيران 1967. وكانت حلقتها الاولى ربما هي تحويل إسرائيل مياه الاردن، وامتحانه السياسات العربية ونزاعاتها على القيادة من الباب الفلسطيني وذلك في مؤتمرات قمة بقيت قراراتها غير نافذة. ونبهت اخبار التجارب اللبنانية دولاً عربية وخليجية خرج بعضها لتوه منن نزاع تهدد استقلاله مع جاره القوي والطامع فيها محافظةً يضمها الى محافظاته، لولا نزول مظليين بريطانيين فيه، وحمايتهم إياه. فاقترح "شيخ" الدولة، على قول استاذ جامعة تامبا، على المدرس نقل اختباراته الى بلده أو مشيخته. وعشية حزيران 1967 استعرضت الاحتفالات العسكرية العربية الصواريخ، من طراز سكود، سلاحاً ظن مخيفاً. ويقرِّب صاحبا الفيلم نمطي الصواريخ، العلمي الفضائي والعسكري البري، واحدهما من الآخر. ويخلصان من استعراض الاحتفالات الى صورة الانكسار الاليم على وجه جمال عبد الناصر وقامته وهو يدخل استوديو التلفزيون المصري في اعقاب الخسارة الفادحة والثقيلة.
 فهؤلاء كلهم: العالم الارمني الشاب وفريقه ومعهده، والضابط اللبناني وزملاؤه الضابط وقائد جيشهم السابق ورئيس جمهوريتهم، و"الشيخ" العربي المعول على سلاح محلي يقيه تهديد جاره ومطامعه، و"شيوخ" الدول العربية والمشرقية المتسابقون على حرب يستعرضون سلاحها ويجهلون سيرورتها ومترتباتها، الى آخرين يمرون عَرَضاً مثل جوزيف صفير التقني الطلق اللسان والثرثار (على تهمة وهبي) الذي أسهم في صناعة الوقود قبل أن يبني التيليفريك بين جونيه وحريصا... – هؤلاء كلهم، ولست أنسى جوانا حاجي توما وخليل جريج اللذين ولدا لسنتين خلتا بعد 1967، أجزاء من ضمير "نسينا" المتصل، ومن "نحن" النسيان الملوم والمعيب. وفي الاثناء، تناثرت "نحن" مصائر متفرقة ومتنازعة ومتحاربة، وهي كانت تواريخ وسيراً لا تجتمع في "صدر رجل واحد"، على قول المبرد صاحب "الكامل". فإذا لم ينسَ متذكر، فماذا عساه يتذكر ويبعث؟ وما هي معاني ما يحييه فعل التذكر؟ هل يحيي محاولة الابادة في حق أرمن الشرق التركي؟ أم يحيي النزوح المرير الى القامشلي، ومن القامشلي الى البقاع فبيروت أم فالجولان فالقدس؟ أم سحرَ مغامرة الاكتشاف العلمي التقني؟ أم الرغبة في حيازة البلد الضعيف بعض عوامل القوة خِفْية؟ أم مفاجأة الجار المعتدي بسلاح مدمر على غرة منه؟ أم السعي في "زحف" واحد مدجج بآلات القتل والعزة؟ أم العينين اللتين جفَ وميضهما والكتفين المنحيتين؟
 فالتذكر من طريق الكثرة، والإصعاد من الآثار والاصداء الى "أثر أول" (جاك درّيدا) متدافع عله ينطوي على شهود لا يكتنفه أو يعتوره فوت أو غيب أو غير، والتقيد بسلسلة الإسناد هذه – تقود الى الاقرار بـ"نفس شعاع" أو متفرقة دعى عليها مجنون بني عامر بالعدم ("عدمتك من نفس شعاع...") أو بالموت. ولا يكف قوميونا وصحويونا وعاشورائيونا وجهاديونا وأصيليونا وما بعد كولونياليونا (من شواذ ابن جني وإعرابه) عن الدعاء عليها بالموت، وهم في تمام عقلهم ودينهم، ودعوتها الى ثوبتها من تفرقها الى اجتماعها وائتلافها تحت جنح إمامتهم المحمية بصواريخ ذات رؤوس كيمائية، وذرية على ما يرجون ويسعون. فاستنجاد ذاكرة "المقاومة" الواحدة، واستحضار بؤرتها من غير واسطة، وإعمال شاهدها وغيبها على حد سواء، نُذّر حجر مميت على الفروق والكثرة.   

الاثنين، 18 مارس 2013

حصاد نصف قرن من بناء الدولة القومية المقاومة والمجتمع القاصر والمتصدّع:الحرب الأهلية السورية الواحدة... مُهمة أخفقت وأمل طوي




المستقبل، 3/3/2013
عشية انقضاء سنتين كاملتين على ظهور حركة الاحتجاج السورية وخطوتها الأولى بدرعا ودمشق، ينفجر عنف متعاظم على جبهات قتال وطني عام استقر على خنادق ملتوية، جغرافية وأهلية، تصل الاراضي السورية من أدناها الى أقصاها تقريباً. وتحبط الخندقة والجبهات نازع القتال والحرب "الحديثة" أي التقليدية التي تخوضها دول مركزية، والشعبية التي تتقاتل فيها جموع وجماهير من الطبقات والجماعات كلها وتزج فيها بموارد الدولة والأمة - الى اللقاء الكبير الحاسم أو المنازلة العظمى وأم المعارك، وهو اسمها العربي القح الذي أحياه صدام حسين وبعثه. فتستقر الحرب، إذا جاز الكلام على استقرار وعلى حرب واحدة، على ما لا يحصى من الاشتباكات اليومية وأعمال الهجوم والمدافعة والكمائن وقطع الطرق والقصف والاستيلاء على حواجز وأجزاء قواعد وغزوات تأديبية وانتقامية ومجازر وخطف... وتتولى حروبَ الخنادق والجبهات المحلية والأهلية قوى وجماعات توحدها وتجمعها وتفرقها وتقطع روابطها، معاً وفي آن، مصالح وعداوات وأحوال مشتركة، على جبهتي خطوط القتال، ومقيدة بمواضعها ومحالها ودوائرها في المرتبة الأولى.
و"الاستقرار" الظاهر، وهو تعصف تحته معارك وصراعات واجتياحات طاحنة، إنما يحمل على هذا المعنى قياساً على حسم قاطع يقلب الدولة والمجتمع السوريين رأساً على عقب، انتصر النظام العشائري البيروقراطي أم انتصرت "الحركات" التي قامت عليه وبدت في أول أمرها (وكانت ربما) حركة مدنية ووطنية وديموقراطية جامعة. ومنذ خطوات الحركة الأولى استعجل أصحابها، ومعهم النظام وكثرة المعلقين والمراقبين، خاتمتها ونهايتها الواضحة والباهرة. فأصحاب الحركة، والمبادرون إليها عفواً او عمداً، لم يشكوا لحظة في دلالة قيامها السياسية والتاريخية القاطعة بعد نصف قرن من إناخة الليل البعثي والأسدي الحالك على السوريين وصدورهم وعقولهم وإرادتهم ولغاتهم. فحسبوا، وحسب معهم كثر في سوريا وخارج سوريا، أن مجرد المبادرة الى التظاهر والاحتجاج عَرّى، من غير شك أو تردد، الدمية المتسلطنة من خرقها ومرقعتها وأصباغها الفاقعة. وظن رأس النظام، وهو جسده المتقمص، أن الأجهزة المتشابكة والمتراكبة التي صرف نصف قرن على إنشائها، وتعطيل تعارف السوريين المتنازعي الأهواء والمصالح واللحمات من غير واسطتها، هذه الاجهزة لن تعدم الصمود في وجه الريح الخفيفة التي تهب على غير توقع، وحرفها عن قصدها، وقصرها على حادثة أمنية على غرار حوادث لا تحصى صبغها النظام الملتبس والمعقد بصبغته المحيرة والمضللة.
وأما المعلقون والمراقبون، ومنصاتهم الاعلامية والاخبارية والخطابية والاتصالية، فأيقنوا، في ضوء الاجتهادات العربية القريبة، أن وتيرة انقلاب الانظمة وسقوطها هي مرآة وربما ثمرة عامل إعلامي واتصالي محموم أو صداه المحكوم باللحاق به وترديده. وبعض من مالوا الى حركة السوريين غلبت عليهم خشية ترجحها وارتكاسها، وانفضاض الناس عنها، إذا هي لم تبدد النظام فجأة ومرة واحدة على نحو خروجها من "العدم" السياسي الذي سبقها، وقيد خطواتها الاولى ولا يزال يحول بينها وبين التماسك. ومعظم من مالوا الى النظام العشائري والبوليسي حملوا ترجح الحركة على عجز مزمن، ولا شفاء منه، عن مدافعة النظام المتين والقوي والمتماسك. وهؤلاء طعنوا في اعتداد الحركة بنفسها، وطلبها فوق طاقتها، قبل طعنهم على فوضاها وتبعيتها لـ"خارج" هو "إله" الشر والضلال، على رغم التوحيد والتعبد به.
عقيدة التوازن
وسرعان ما تبلورت عقيدة التوازن المطمئنة. وصار القول ان النظام عاجز عن الحسم شأن المعارضة، لازمة لا تستقيم مقالة في المسألة السورية إلا بالتعريج عليها، والإقامة بين ظهرانيها. وانعطف منها قائلون أن التبعة عن المراوحة أو الترجح إنما تقع على عاتق القوى الغربية، وانتظارها ومراقبتها، أو على عاتق القوى "الشرقية" (روسيا والصين وإيران) المتواطئة والضالعة في الأزمة، أو على السلاح، كثيرة على ما يرى النظام وقليله على قول المعارضين. وليس التعليل بقوة النظام العسكرية ونواته المرصوصة، وبتشرذم المعارضة المسلحة والسياسية وتناحر "مكوناتها"، بحسب المصطلح العراقي الذي يغزو لغة تخاطب السوريين السياسية، أقل التعليلات رواجاً ونفوذاً.
ولا تتستر التعليلات، وهي أو عملها ليس التستر بل التسويغ، وتقريب الفظائع الى العقل والمنطق والمشاعر، وإعدادها (العقل...) لقبول الفظائع الآتية لا محالة. ومع ارتقاء العنف الظاهر- وهو يوزن في كفة أعداد القتلى (50 ألفاً قبل تشرين الثاني، في 60 ألفاً طوال الاشهر الثلاثة التالية، و70 ألفاً منذ اسبوعين أو ثلاثة...) والجرحى والنازحين على عدّاد الأرقام الدولية "المدورة" يوقَّع الكلام في السياسة، أو الدعوة الى اقتراح "الحلول" السياسية، الانقلاب من رقم كبير وفظيع الى رقم أكبر وأفظع. فقول فاروق الشرع قبل نحو الشهرين أن الحل سياسي وليس عسكرياً، ويقتضي تسوية تاريخية ركنها طي صفحة الماضي الاسدي طياً محكماً، هذا القول كانت مناسبته أو ذريعته بلوغ عدد القتلى خمسين ألفاً. و(بعض) مناسبة اقتراح معاذ الخطيب مفاوضة أركان "دولة" بشار الاسد، والشرع على وجه التخصيص، على الخروج من بحر الدماء السورية الى بر السياسة، إعلان العدَّاد الدولي بلوغ الـ60 ألف قتيل. وقول وليد المعلم، وزير خارجية بشار الاسد، في موسكو أن الحوار لا يستثني "من يحمل السلاح في يده" (كيف "يحمل" السلاح؟) ربما يخفف من هول الـ70 ألف قتيل.
وفي كل مرة يفشل فيها التلويح بـ"الحل" السياسي يستعر القتال، ويرتقي مستوى أو صعيداً أعلى من القتل والدمار والتهجير والحصار قبيل قصف حلب بصواريخ أرض أرض سكود ب في 21 شباط المنصرم اضطرت قوات بشار وماهر حافظ الأسد الى إخلاء قاعدة تفتناز والطبقة (مركز التحكم في السد الكبير على الفرات) وجزء من دير الزور وجزء من قاعدة عسكرية كبيرة بين حلب وإدلب، وحاولت "تأمين" داريا الوشيك للمرة المئة في أقل من شهر واحد، وخسرت السيطرة على طريق مطار دمشق، وغداة قصفها انفجرت السيارة المفخخة بنحو طن وبعض الطن من المتفجرات قرب مكاتب الحزب الحاكم والسفارة الروسية بدمشق. فقصفت حلب مرة ثانية، وقصفت أحياء شرق دمشق وجنوبها، ومستشفى في درعا.
والوقائع العسكرية والسياسية السورية تنم منذا بداياتها الحركية، وعلى الاخص منذ الاشهر السبعة أو الثمانية الاخيرة التي كانت "معركة" حلب فاتحتها ثم محاولتا توحيد فصائل الجيش الحر في الداخل وتمثيل المعارضة السياسية في الخارج، ببعثرة أو شرذمة تضرب عللها ومسوغاتها في طبقات التاريخ الاهلي والاجتماعي السوري العميقة والقريبة معاً. فخرجت الى علانية الحوادث والنزاعات صدوع الكيان السوري الكثيرة والفاغرة. وهي صدوع استفرغ حافظ الاسد وخالفه السلالي، وجهازهما المتصل والمتناسل، وسعيهم وجهدهم في إلباسها ظاهر حلة الدولة القومية والمرصوصة والمتصدرة الحربَ على الصهيونية وأميركا بينما هم (حافظ الاسد...) يذكون انكفاء الجماعات والطبقات والاجهزة والمناطق على كتلها وأهوائها ومصالحها الأنانية. فخالفت علانية الحكم والسياسة المتماسكة والمستقرة والقوية، "بواطن" المجتمع المتصدعة والمتنازعة والمتداعية. ولكن هذه المخالفة اندرجت في مراوغة وتشبيه عربيين كبيرين وثقيلين أخرجا المنازعة والخلاف من الاجتماع السياسي والوطني وأوكلا الى السلطة المستولية التمثيل على وحدة (معنى) الأمة وروحها ووجدانها. وأطلقا يد السلطة في مكافحة النزاعات واستئصال تظاهراتها وعباراتها وقواها، ونفيها من مادة العلاقات السياسية والاجتماعية وقسرها على صمت لا قاع له.
وغذى الميراثُ الناصري، الشعبي أو الجماهيري فوق السياسي والرسمي، واتصالُ "الكفاح" الفلسطيني في المهد (الى الهرم) بأسطورة خلاصية هزيلة ومحصنة من الفحص، وتربصُ الإحياء الاسلامي بالروابط السياسية والاجتماعية الحديثة، غذت هذه المراوغةَ والتشبيه العربيين والعروبيين. فأرسيا الدولة، وكيانها الحقوقي والسياسي، على رأس قومي وعصبي آلي وأفرغ "الرأس" الدولة، وكيانها الاجتماعي، من غددها الحيوية، وصبَّرها مومياء "الى الابد"، لا تفعل بديهة إلا ما "يصنعه الله". ولا تزال جماعات عريضة من السوريين، "نخباً" و"عامة"، أسيرة المراوغة والتشبيه العروبيين ومضمراتهما وقيودهما.
حرب الدولة
ولعل الجمع بين علانية "الدولة" القومية العصبية وبين البواطن السياسية والاجتماعية المتصدعة، والتستر على هذه بتلك، هما (الجمع والتستر) ما أدى دوراً أو أدواراً راجحة في عسر تعرف السوريين، أفراداً وجماعات أهلية و"أحزاباً" سياسية واجتماعية وإيديولوجية، على محاور مشتركة ومتصلة. فصدور حركة السوريين (أو حركاتهم) القسري والملزم عن مباني الاجتماع السياسي الاسدية، وقطباها علانية عصبية واحدة ودواخل متصدعة ومخلعة، هذا الصدور جدد إواليات عمل المباني ومفاعيلها. ومن القرائن على انبعاث الاواليات حمل التدخل الخارجي على انتهاك السيادة الوطنية "المطلقة" (على خلاف حمل المجلس الانتقالي الليبي طلب التدخل العسكري والاجنبي على قرار سيادي وسياسي حر)، وإيجاب شعب سوري عربي متجانس والطعن على الروابط الائتلافية والفيديرالية ومحاكاة قيادة سياسية واحدة وآمرة حيث البعثرة المحلية والأهلية والقومية والايديولوجية هي القائمة والغالبة، واستعجال المركزية الوطنية الصورية، وتوهم جواز معركة حاسمة قريبة، وغيرها مثلها. واشتراك الطرفين، الحكم والمعارضة، في بعض هذه القرائن قد يكون برهاناً على صدورهما عن أحوال واحدة، على رغم افتراقهما على معايير العمل وأحكامه وغاياته.
ولم يتخلف النظام البيروقراطي والعشائري الاسدي، طوال العقود الاربعة الى نصف القرن من الاستيلاء، مرة واحدة عن إثبات توأمته الوثيقة والحميمة مع العنف المعنوي والمادي. وهو أنزل تفريق "الصديق"، أي الولاء الاعمى والاصم والاخرس، من "العدو"، وهو غير المولى على هذا النحو اضطراراً في احيان كثيرة، منزلة المعيار السياسي والاعتقادي غير المنازع. فمزج السلم الاهلي بالحرب الاهلية والخارجية، وسعى في دمجهما المعنوي ان لم يكن المادي. وعلى هذا، فخروجه الارادي الى الحرب الفعلية الاهلية، وهي حربه المتاحة الوحيدة الى الآن، احتذى على شاكلة سياسته وسيطرته في وقت السلم. وجاءت حربه مجيء امتداد سياسته العصبية واستئنافها بـ"وسائل عنفية" قد لا يصح القول فيها انها "وسائل اخرى"، على قول المعادلة المشهورة. وتمردت حربه على (ظاهر) دولته وسيطرته المستتبتين والمدنيتن. وخرج، هو الحاكم المطلق اليد في رعيته، على رعيته شاهراً مدفعيته الثقيلة وقنصه وسلاح جوه وعصاباته المسلحة وحصاره على السوريين غير الآمنين، وعلى الجوار القريب. وشن على كيان الدولة السورية المادي والمعنوي والاهلي حرباً أرادها صاعقة، على المثال الهتلري، وأحالتها يقظة السوريين وعصبياتهم حرب خنادق ملتوية وطويلة الامد.
وعلى مثال "حرب الشعب الطويلة الامد"، الصينية الماوية أو الفيتنامية الجيابية (من جياب "زميل" هوشي منه العسكري)، وعلى خلافها ونقيضها، يخوض الاسد الثاني ورهطه الأقربون حرب دولة نظامية ورعاعية طويلة الأمد على السوريين وجماعاتهم وأريافهم ومدنهم ومواصلاتهم ومرافقهم ومواردهم. وعلى المثال المعكوس نفسه، تتوالى الحملات وفصولها على مناطق وبلاد يثور فيها أهاليها وينضمون الى "الثورة" ويوالونها، ويحاولون إدارتها قبل ان يضطرهم القصف الميداني والجوي الى إخلائها والجلاء عنها أو تدخلها جماعات مسلحة وتستولي عليها، وتقتسمها، قبل أن تكرر حرب الدولة النظامية سيرتها فيها، فيخليها أهلها ويهجرونها الى "لجا"، على ما يسمى المعزل الدرزي الحوراني في الجنوب السوري، هو من مخلفات أراضي الاقليم الوطني السابق. ويؤدي هذا الضرب من حروب الخنادق والجزر الملتفة والمتقطعة، والمتصلة على صورة الارخبيلات الداخل بعضها في (أجزاء) بعض، الى ما لا يحصى من الاشتباكات والهجمات والمدافعات والاحتلالات والجلاءات الموضعية والمحلية الجزئية. وشيئاً فشيئاً توارى أفق الحرب الواحدة، ولو أهلية، وتبدد شظايا غارات كثيرة لا تحصرها سياسة مشتركة أو متضافرة. وقوات النظام نفسها، على رغم القوام البيروقراطي المركزي والهرمي المفترض، انحلت "ألوية"، على ما تسمي قوات المعارضة المسلحة نفسها، وجيوشاً وفرقاً، بعضها أهلي خالص، وبعضها مختلط، وبعضها "جلب" إما من دولة أو من طائفة مذهبية، ومقترض ومستعار، وبعضها يخوض حرباً تقليدية، وبعضها الآخر حرب غوار، وبعضها الثالث حرب سلب وفتح، وبعضها الرابع حرب مطامير ومدافعة في ركن حصين من قاعدة عسكرية...
واتصلت الاعمال الحربية، والقوى أو "الألوية" والكتائب التي تخوضها في دوائرها وجزرها وارخبيلاتها المضطربة والمتحركة، بجوار اقليمي كثير الادوار والوجوه بدوره. والجوار الكثير أرض نزوح ولجوء، ومصدر سلاح ومال ومقاتلين، وحصن حمايات، وأنفاق إنعامات ومصارف تسديد. وتحقق هذه الحال مثالاً اختبرته الحروب "الاهلية" والثورات العربية قبل الحرب الثانية وبعدها: فهي حروب طويلة تلابس فصولها ومسارحها وقواها الاقاليم العربية المتفرقة، والجماعات الاهلية، وتستمدها شطراً غالباً من مواردها، وتضطر الى موازنة سياساتها وميولها ومصالحها، وتعصى الجمع والتوحيد والتركيب. فلا سبيل بهذه الحال الى التعويل على الاستنزاف و"مزيج العنف والصبر المرهق" الذي وصف به فرانسوا ميتران الفرنسي نهج حافظ الاسد في المرآة اللبنانية يومذاك. ففي وسع المقاتلين، الى أي "حزب" أو صلب انتسبوا، انتظار المدد، غير الصوفي، من مصادر قد يحتسبونها وقد لا يحتسبون. ويطيل هذا آماد الغارات والغزوات، ويستنزف قوى ويجددها، ويبعث أو يسّوي قوى غير متوقعة. ويخرج الى الملأ وعلى الملأ "أحشاء" الاجتماع والجماعات، على قول جان جينيه في ضحايا صبرا وشاتيلا الفلسطينيين واللبنانيين في أيلول 1982. فالحرب الاهلية السورية الواحدة على جهتي جبهة متصلة شأنها، اليوم، شأن الدولة العربية والعروبية الاسدية: طيف علانية متوهمة، ورداء مزركش ترميه السياسات الدولية ومصطلحها الكاذب على أشلاء "جسد" سوري فقد صورته وتعريفه.

الأربعاء، 20 فبراير 2013

هانز بلومينبيرغ و"مشروعية الأزمنة الحديثة" في خضم خلاف الدنيوي الزمني والديني الأخروي: حقيقة الحداثة أصيلة وهي غيرت أركان العالم وقطعته من أنسابه

المستقبل - 17/2/2013

على نحو ما ينكر بعضهم، وهم كثر، على "تغرب" المسلمين او العرب افتعاله أو اصطناعه، وتالياً "لقاطته"، أنكر اوروبيون لا يحصون على الازمنة الحديثة المولودة من "التنوير"، غير المنقطع من كوبيرنيك الى مطالع القرن العشرين، تمويهها على ولادتها من القرون المسيحية، أو تزمين هذه الولادة (حملها على الزمن أو الزُّمنة، على قول بطرس البستاني). فهي، الازمنة، تزعم لنفسها الانفصال عن الديانة والانقطاع منها. وتنسب الى نفسها ولادة "شرعية" من جديدها المنقطع. وفي الاعوام 1966 1988، في خمس طبعات مختلفة، صرف هانز بلومينبيرغ الالماني (1920 1996)، عمله الموسوم بـ"مشروعية الازمنة الحديثة"، الى البرهان المفصل على ابتداء الازمنة الحديثة تحررَ الزمنيّ، علماً وفكراً وعملاً من الأزل الديني، وابتداء سيرة منقطعة ونسباً جديداً. والشبه القياسي لا يعتد به. والعبرة في الاداء الوظيفي والمقارن. ويقتصر التناول اللاحق على مقدمات ليس عسيراً على القارئ حملها على نظائر في التاريخ السياسي والاجتماعي.

ويلاحظ بلومينبيرغ ان مذاهب في التأريخ، هي مذاهب أو عقائد في تأويل الحداثة الاوروبية (في انتظار "حداثات" أخرى)، تستولد هذه الحداثة، ونتاجاتها الكبيرة مثل أخلاقيات العمل والثورة الاممية ورئيس الجمهورية من مثالات سابقة مثل النسك الرهباني والانتظار الخلاصي والملك على عرشه، تباعاً. وتزيد هذه المذاهب على الابنية او الصور المحدثة، قياساً على مثالاتها المفترضة، صفة الزمنية والدنيوية. وعلى هذا، فأخلاقيات العمل الحديث، وهي تنيط بأداء المهنة أو الحرفة معنى عظيماً يقضي بالانصراف التام اليها والتشاغل بها وقصر الانتباه عليها، تتحدر من اخلاقيات او موجبات الترهب المسيحي، على ما قضت بها انظمة الرهبانيات والتنسك في القرون الوسطى الاوروبية. وليست الثورة الاممية والعمالية التي أوكلت اليها الحركات الاجتماعية والسياسية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تحرير البشرية من أغلال الفقر والقهر والتفاوت، إلا صدى حركات الخلاص الدينية، وانتظار مجيء الملكوت على الارض. و"اقتصر" دور الحداثة وفعلها على "إنزال السماء على الارض"، على قول متداول وسائر، وإبدال "تحت" الارضية والدنيوية من "فوق" وغيبها وآلاف اعوام زمنها المؤلفة.

وتنشئ هذه الآراء أو الاحكام علاقة نَسَبية متصلة بين المصدر أو الاصل وبين الغاية تفترض، بدورها، تحولاً في المادة التاريخية من طور الى طور أو من حال الى حال. فالحالان او الطوران، على هذا، هما من احوال المادة الاولى او من اطوارها. وعلى المقارنة بين المراحل المتعاقبة قياس الاشواط التي قطعها السير الى المحجة الزمنية والدنيوية، وتشخيص الخطوة التي قادت الى الغاية المنشودة والمعلومة. وأذعن لهذا التعليل، وهو يزعم ان من طريقه يُفهم ما كان استعصى فهمه لولاه، وحَمَله على مسالك تأويل الحوادث والوقائع وظروفها من لا يقر بمقدماته اللاهوتية. وثمة نحوان او وجهان يجري عليهما إعمال التزمين والزمنية، النحو اللاهوتي والنحو التاريخي. والفرق بين النحوين لا يُحمل على فرق قيمة او معيار، مثل تقديم الزمني على الالهي واعلاء مكانته قياساً على مكانة دنيا سابقة، ولا يحمل كذلك على تأويل الخسارة على وجه التحرر من التقليد والغيب. وفي معرض تفنيد هذا المذهب في التأويل، يذكر بلومينبيرغ بأن المعنى اللاهوتي والديني نفسه انطوى في بعض مقالاته ومذاهبه على معنى موجب للتزمين، ولم يحمله على خسارة معنى انحطت به (أو أنزلته) من علياء الالوهة الى حضيض الدنيا وسفالتها المتمرغة في وحل الزمن والحادث والفساد. والمقالات والمذاهب هذه تطرفت أوغلت في إثبات هاوية دينية اصلية بإزاء العالم، فجددت بعض مقالات اللاهوت في المفارقة الالهية تجدداً "جدلياً". وما اعتنى به لاهوت "الشقاق"، أو الأزمة، هو جلاء تزمين العالم وليس التحري عن تضمينه في القدس. ولعل هذا ما صبغ استعمال لفظة "التزمين" بخطابة لاهوتية لا يخطئها الفهم.

التعريج

وثمة حاجة الى تعاسة العالم، على معنى "العالم" الممتلئ، ليزدان ما "ليس من هذا العالم" (او هذه الدنيا) ببداهة الانتظار. وبعد ان انتصب "التزمين" في السياسة الثقافية، علماً على التحرر من كل صور السيطرة اللاهوتية والاكليركية وتصفية مخلفات القرون الوسطى، صار قرينة على الفصل بين الجبهات والتفريق بين العقول، واستبق دينونة اليوم الآخر وتخليصها "الآخرة" من "الدنيا". فلا ضرورة بهذه الحال لإدراك ما حصل فعلاً في سيرورة التزمين على وجه خسارة في المعنى او الكنه، فربما كان هذا تخففاً من اعباء ثقيلة. وما أعقب لاهوت الازمة، وذيوله في الفلسفة الوجودية، يمم شطر تسويغ لاهوتي للتزمين. وكسب فيورباخ من حيث لا يحتسب وأحرز نصراً على اللاهوت نفسه. وهو حمل اللاهوت على وجه الاناسة (او الانتروبولوجيا) الآخر او قفاها، فذهب الى ان علامات تاريخ الخلاص ليست إلا توريات مرمزة وكنايات عن مشكلات تعتمل في ثنايا العالم وتضاعيفه، أو لغة "أعجمية" يرطن بها مُطلقُ العالم والانسان والمجتمع. وعليه، بدا كل ما ليس زمنياً استعارة ينبغي استعادتها الى اللغة الاصلية. فليس المشكل هو التزمين بل التعريج الطويل الذي أسلم اليه التزمين واقتضاه.

ومنشأ قوة الافتراضات التي تحمل الحداثة على تزمين او تمدين مقالات اللاهوت (المسيحي)، هو ان هذه الافتراضات تبطن نظرية مضمرة الى نظريتها المعلنة. فهذه، النظرية المعلنة، ترى الى اضمحلال الاحكام المعيارية، والى انحسار التأويل، شرطين ايجابيين مهدا الطريق الى التزمين. وأما النظرية المضمرة فتدعو الى حمل سيرورة التزمين على فصل من فصول سيرورة الخلاص (الديني) نفسه. وعلى هذا، فتركُ الاحكام المعيارية الى الوصفية، ونشدان التحليل بديلاً من التأويل، وما نجم عنهما من خلع السياسة الشرعية وهيئاتها وأجسامها عن كرسيها، هي، بحسب النظرية المضمرة، ثمرة عناية الهية مقدرة أرادت "تطهير" المسيحية و"امتحانها" من طريق التزمين، واحتسبت نتائجهما. وعلى وجه آخر، عرَّف بعضهم الازمنة الحديثة بـ"ربح عالم"، هو عالم الحداثة التاريخي والاجتماعي والسياسي والعالم العلمي التقني، وبـ"خسارة عالم" هو عالم المراتب والمعاني الناجزة والحدود المستوفاة، معاً. وتغلب الخسارةُ، و"غيابُ العالم على نحو لا مثيل له" (على قول حنة أراندت)، الربحَ أو الكسب. فإنسان الازمنة الحديثة رجع من اعتقاد حقيقة عالم الغيب و"البقاء" من غير اليقين بحقيقة عالم الشاهد والحاضر الطبيعيين والفيزيائيين. والطبيعيات، على مثال فلكيات النهضة، أوجبت حساباتها الرياضية إبطال حقيقة التظاهرات الحسية المرئية، وغلبت عليها ما لا يسع الحواس أو الطبائع البشرية بلوغه ما بقيت أسيرة أحوالها. ونأت الطبيعيات الرياضية والحسابية بإنسان الازمنة الحديثة من "الارض" وحقائق الحواس فوق ما نأت به آمال الخلاص المسيحية في الآخرة بما لا يقاس.

ولا يصدق القول في الازمنة الحديثة إنها بعثت الوجدان بحقيقة العالم الزمني والدنيوي الذي سبق المسيحية. فليس العالم الزمني والدنيوي الحديث نظير "الكون" (كوسموس) الذي أنشأه اليونانيون. وهو لا يشبهه. والحداثة لم تقايض آخرة أو غيباً وراء الشاهد الحاضر بدنيا ماثلة. ولا هي "اشترت" حياة دنيوية وراهنة لقاء التخلي عن حياة آتية. فـ"العالم" ليس في كلتا الحالين شيئاً او معنى ثابتاً ومحققاً، فيُنتظر انبعاثه على حاله الاصلية في السيرورة التاريخية من غير حجاب (ديني) أو قناع كان يحجب الحقيقة الباقية والاصلية. وينافي الرأي هذا حقيقة الحداثة التاريخية وأصالتها، وكلَّ حقيقة تاريخية، ويقصرها على مخلفات وثنية باقية بعد انحسار الدين وانكفائه الى قوقعته. فالإعادات، وغلبة الظاهر على المضمر، وانفكاك العوامل بعضها من بعض، وكذلك التقنعات وكشف الحجب وإماطتها، تفترض كلها، في مضمار الفهم التاريخي، تحكيم فكرة الجوهر الثابت أو مثاله. وهي تخلط، على قدر أو آخر، استعمالاً وصفياً بآخر تعليلي سببي. فالقول أن "التزمين في الريف" في دولة من الدول، قطع شوطاً بعيداً والقرينة عليه هي ضعف الروابط بالكنيسة في الابرشيات الريفية، ليس كالقول إن الرسم الرأسمالي على نتاج العمل هو تزمين لليقين بالخلاص على ما تجلوه عقيدة الاصلاح (البروتستانتي) في القسمة المقدرة. ففي الحال هذه، يحمل معنى مخصوص، هو الرسم الرأسمالي، على معنى آخر سابق، ويعلل به، وذلك على نحو لا يُستبان معه حصول التحول من معنى الى آخر: فالتحول المفترض لم ينشأ، في هذا القول، لا عن تواتر الدلالة ولا عن بسطها، وإنما نشأ عن خروج عن الدلالة والعمل الاصليين، وانحراف عنهما.

ولكن إعمال "التزمين" إعمالاً مفيداً (على المعنى اللغوي) لا يتأتى من نفي "الأصلي" و"المنحرف". فما ينبغي ضمه الى "التزمين" ليستقيم الإعمال المفيد والمرتجى هو من طبيعة لاهوتية حتماً. فيبدد مفهومُ "التزمين"، إذا هو حمل على مسوغات لاهوتية، المقومات التي يحتاج اليها فهم السيرورات والابنية التاريخية. فالفهم هذا يقتضي الإحاطة بما لا يقل عن تغيير أركان العالم، وعن تقطيع اواصر وأنساب، والحفاظ على هوية، في آن. وإذا صح أن "التنوير" هو "تزمين جاد" فقد يوجب عليه هذا أن يضطلع بتزمين مفهوم التزمين نفسه، أي بتأريخ انقطاعه وفرادته، وتخليصه من ذيول التأويل اللاهوتي المستحدث. وحيث يوجب التأويل اللاهوتي تبعية أو نسباً، ويرد المسألة الجديدة ومقوماتها الى شَبَه بمقدمات مسألة سابقة، إذذاك على تزمين التزمين التحري عن الانقطاع، وتشخيص حداثة من غير نسب أو صلب تتحدر منه.

أصلاب منحولة

ويذهب أصحاب المقالة اللاهوتية في التزمين الى ان مسألة اليقين، أو ضمان اليقين في نظرية معرفة الأزمنة الحديثة، ليست إلا وجهاً محدثاً، زمنياً إنسانياً، لمسألة مسيحية جوهرية وسابقة هي مسألة الايمان اليقيني بالخلاص. ورابطة المسألتين الواحدة بالأخرى هي "الشك المطلق في حقيقة الواقع في نفسه". فمصدر "المطلق" في التشكك هذا، وهو ركن نشدان اليقين النظري، خارجي وسابق، أي ديني وخلاصي. ورأى فيورباخ، في مطلع القرن التاسع عشر الالماني، ان العلم الذي أنشأه ديكارت في الثلث الثاني من القرن السابع عشر الفرنسي، وأرساه على الشك المطلق في اول الامر، قام بالدور الذي قامت به الكنيسة، ألا وهو "ضمان وجود فكري جامع وعام" (أو كلي، على معنى الاحكام الكلية في المنطق). والفلاسفة هم لاهوتيون "يوسطون" المفهوم المجرد.

وعلى مثال قريب من هذه المقالة في مطلق الشك، يذهب آخرون إلى ان أخلاقيات العمل الحديثة ليست إلا "تزمين القداسةِ" وأشكالِ النسك والانقطاع المتفرعة عنها. ويبدو أن الماجن ومحترف الغواية نفسه، على قول بودلير، يتحدر من القديس المسيحي ومن الحكيم الرواقي: كلاهما يبعث على الدهشة ولكنه هو معصوم منها ومحصن. وفي دائرة ثالثة، ليست إماطة الحجب عن أحوال النفس في السير الذاتية الادبية إلا "اختبار ذات النفس مزمَّنة"، على خطى الطهرانية وغلو تقواها. والفرق هو إلباس صرامة التأمل الديني واستقامته لباس الدقة العلمية. ولا يعدم انصار حمل الحداثة على اصلاب وأنساب دينية مسيحية رد القصص البطولي الشعبي الاسباني ("البيكارسك") على "اعترافات" القديس أوغسطينوس، و"روبينسون كروزوييه" على يوميات المؤمن الطهراني وتوسله بكتابتها الى تقصي سبل الخلاص. وعلى الشاكلة نفسها، ينسب فرض المساواة السياسية بين المواطنين على تزمين مفهوم أسوة البشر أمام الخالق. وتقتفي معايير الحق الجزائي الحديث آثار "لاهوت زمني"، وتفترض خطيئة مقتبسة من دائرة القُدس (أو المقدس). ولا تشذ مفهومات الدولة الحديثة عن متها بحبل قوي الى مفهومات لاهوتية. والحق أن التنسيب لا يقتصر على المفهومات، مفهوماً مفهوماً، بل يتعدى المفرد الى البنيان المتماسك والجامع الذي يضوي المفهومات، ويُسلكها سلكاً واحداً، ويُعملها معاً. وعلى هذا النحو، فالحال المأزومة وحال الطوارئ وأحكامها العرفية أو الاستثنائية تقومان، سياسةً وقضاءً، مقام المعجزة في اللاهوت. ولم يصنع ماكيافيلي، في بلورته للدعاوة (الدعوة + الدعاية)، إلا "ترجمة" صور الخلاص وإيجابها في صور دنيوية وزمنية مثل السلطة أو وحدة الوطن. وشيوعية "البنيان الشيوعي" انما هي تأويل الفردوس التوراتي أو الخلاص الأخروي على وجه زمني وبشري. وإذا تصدى ديكارت الى استنتاج العلم (أي الاستنتاج منه) معاييرَ عمل ترسي تمام "الاخلاق الناجزة" على ميزان ثابت، ولم يقصره على تناول العالم، أسرع هيغيل الى حمل الدعوى الغالية الى أصل مسيحي أراد جمع قصدِ عالم أو بسطه الى ضبط العمل على أوامر ونواهٍ.

ومفهوم التزمين يجمع الى نسب فلسفي وتاريخي نسباً حقوقياً واشتقاقياً (لغوياً) خادعاً. فالقول ان الاسقف "تزمَّن"، أي دخل في باب الحياة الزمنية والمدنية، وتحت السلطة والقوانين الزمنية وغير الكنسية وغير الحبرية التي تسودها وترعاها، وانخرط في القرن، ليس مثل القول إن الولي أو القديس "تزمّن"، أو القول ان الانتظار الأخروي انخرط في القرن ولبس صفته. فتزمين القداسة أو الرجاء الاخروي لا يفكهما من التماس أفق ظهور الخلاص العنيف. ويوجب التزمين ومنطقه امحاء الظهور والخلاص الأخرويين من الافق. وعلى المعنى الحقوقي والقضائي، استعملت لفظة تزمين للدلالة على تجريد الاكليروس من ممتلكاته منذ معاهدة فيستفاليا (1648). والقانون الكنسي يعني بتزمين ("ساوكولايزاسيو") الراهب اخراجه من الجماعة، وتعليق واجباته بإزاء السلك، وعودته الى حال كاهن رعية (مدنية). والمعنى الاخير لم يضطلع منذ إقراره الكنسي في القرن الثامن عشر بأي دور فلسفي أو "تاريخي" على خلاف تعريف مداولات نيابة الرايخ في 1803 التزمين بـ"اغتصاب حقوق الاكليروس"، و"إخراج الممتلكات غير المشروع ولا القانوني من ولاية الاكليركيين ويدهم". وحملت المداولات التزمين على انتهاك غير مشروع. ولا يفوت الانتباهَ أن اجراءات الثورة الفرنسية في حق ممتلكات الكنيسة، وهي لم تكف الى 1803، نُسبت الى عصر الانوار. وكانت ذريعة لقاء الفلسفة الاول بالتزمين هي تضمين عقد التاريخ القَبْلي سيرورة تحرير الممتلكات الخارجي والإكراهي. فصدر في 1798 كتابان ألمانيان في اعقاب كتاب كانط "منازعة الكليات" (كلية اللاهوت وكلية الحقوق وكلية الفلسفة وكلية الطب في الجامعة الالمانية)، وُسم الاول بـ"العقل يشترط التزمين" والثاني "العقل لا يشترط (اجراءات) التزمين"، يرد على الاول، ويفند دعواه في الممتلكات ومصادرتها بحجج كلية عامة وقَبْلية كذلك. وما جاز في الممتلكات والاشياء ساغ جوازه في الذهنيات والافكار والمعتقدات. والتوسع هذا، من دائرة الجهاز المادي الى دائرة الجهاز المعنوي والفكري، لم ينجم عن مترتب منطقي وحسب، بل أوجبه تناول للتاريخ حمل الحادثة من الحوادث (مصادرة الكنيسة على ممتلكاتها...) على نتيجة معقولة ومولودة من ظرف عملي. وعلى هذا، فالحادثة السياسية الحقوقية والقانونية عَرَضُ نازعٍ زمني دنيوي متصل، ومتماسك الحلقات والاوقات.

واشترط بعض الباحثين في تاريخ المفهومات على جواز اشتقاق "التزمين" اشتقاقاً صحيحاً من المفهوم الحقوقي الاجرائي (المصادرة)، وعلى استقامة تضمين مفهوم التزمين الاجراءَ الحقوقي والقضائي، اشترطوا البرهان على توليد ألفاظ مَرسوم المصادرة ومن تلك التي تدل على سيرورات تاريخية أخرى في باب التزمين. ويُغفل هؤلاء قصور تاريخ المفهومات عن الاحاطة وحده بمسوغات المفهوم واستيفائها على وجه التمام، كما يُغفلون ما بين المفهوم وبين تاريخه من انفكاك وانحراف. فليس بقاءُ الوقائع التي قد تدخل في باب التعريف بمفهوم التزمين بمنأى من عناصر المفهوم الحقوقي حجةً وافية. ويبطلها، والحق يقال، استعمال "التزمين" على معان كثيرة، ومن غير وجه جامع. وافتراض أصل ناجز وممتلئ للمفهوم، على أن تتفرع عنه مشتقات ثانوية وفقيرة، يطرح العامل التمامي أو الغائي، الارادي والمتعمد، في بلورة المفهومات واستوائها على صورتها "المكتملة". وفي أحوال كثيرة، ويصح هذا في التزمين أو "العلمانية"، ينقلب الاستعمال من حمل اللفظة على دعوة غائمة وشاكية الى حد (تحديد) سيرورة خاصة ومعبدة. والانقلاب هذا يبعث على الدوام تقريباً "ذكرى" عمل حقوقي وتاريخي، ويُبقي على الاستعارات التي ظلَّلَت ولادة الاستعمال او مراحله الاولى. ويُعرف قاموس س. رايك (1961) مادة "تزمين" على النحو التالي: "(...) أي صرم تصورات وأفكار إكليركية أو كهنوتية، ولكن كذلك، في معرض الكلام على اشياء اكليركية أو اشخاص اكليركيين (مقدسين)، صرم أواصرها (أواصرهم) بالإلهي". ولفظة "الصرم" هي صدى الاستعارة الحقوقية والقضائية، ونظيرها في التعريف هو الأواصر بالإلهي". والعبارة لا تتسر إيحاءاتها على الانتهاك الذي تفترضه وتولته، ويترتب عليه عنف غير جائز ومحظور.

وعلى إعمال مفهوم أو مقولة التزمين، في ضوء الفعل الحقوقي القضائي، التمثل بخصائص اجراء التجريد (من المِلك) او المصادرة عليه. وهي (الخصائص) ثلاث: العلم بالمصادَر من غير شبهة، وثبات الحق في ملكه من غير منازعة، وصدور الحرمان منه عن إكراه. ومثال المصادرة المضمر أو الكامن يظهر في الكلام على صرم العرى أو فكها من المصدر الاول والأصلي، أي الالهي. وإيجاب قوة الافكار والافعال على مرتبة استنتاجها من العقل الجامع والعام (أو الكلي) يجاور من غير حاجز الجزم بمصدرها الديني. ويوحي جوار على هذه الشاكلة بِجَرْي الافكار والافعال المنقطعة من مصدر أول وواحد، أي المزمَّنة أو المتزمِّنة، على مثال مشترك من غير تعالق أو تواشج فيما بينها. فاشتراكها إنما هو ثمرة المصدر الاول الذي انفكت منه، وصرمت روابطها به. والعالم الحديث ينبغي أن يُحمل على تزمين المسيحية، وليس على تاريخه وإيجابه هذا التاريخ. وإذا هو لم يصدع بالأمر، ونَسَب الى العقل الزمني (على مثال السلطة الزمنية) وجداناً أصيلاً بالنفس أُنكر عليه صدق هذا الوجدان، وطُعن على تحايله على واقع لا يسعه الجهل َ باتصاله التاريخي، ولا زعمَ القيام بالنفس من غير تبعية لأصوله التاريخية. وعلى المؤرخ الاهتداء بهدي المعايير التي تُعمَل في أحوال المصادرة (القانونية القضائية). والوجدان التاريخي بالقيام بالنفس يتكشف عن إيهام ذاتي إذا هو تنبه على صدوره عن المسيحية، وقصر انعطاف الازمنة الحديثة عن العصر الوسيط على انقطاع روابط الانسان بنظام الكون. ومقالة كارل لوويث هذه (1949 بالانكليزية و1953 بالالمانية) تدخل في باب الجوهرية التاريخية وإيجاب مثالات تاريخية ثابتة وواحدة. ويسوغ الايجاب هذا توحيد تاريخ الخلاص المسيحي وفكرة التقدم التاريخي. ويفضي الى الجزم بأن الازمنة الحديثة لا تعقل من غير سندها الى المسيحية.

الأركان

والفرق بين الخلاص وبين فكرة التقدم قاطع. فالخلاص الأخروي مبناه على حادثة تنزل على التاريخ وهي من غير طينته ونسيجه، أما فكرة التقدم فتتوجه على الآتي من داخل بنية التاريخ، ويحضر التقدمُ أوقات التاريخ كلها. ويفترض التقدم العمومية من غير استثناء، وهذا ما لم يكن على الدوام متاحاً. وهو ثمرة اختبارات جديدة افضت بها هامتها التاريخية المديدة الى العمومية. والخلاص الأخروي لازمه خوف ورعب مروعان. والى ذلك، فالانتظار الأخروي عوَّل على مجيء الخلاص من الخارج، واطرح التعويل على السعي الانساني والطوبي. والصور الطوباوية والخيالية التي تتوج التقدم في بعض المنازع التاريخية، لم تنشأ عن الوجدان الخلاصي الأخروي. فهي وليدة إخفاق الأنوار السياسي، واقتصارها على النقد الأخلاقي. وفكرة التقدم ليست صورة ضعيفة عن الدينونة أو عن الثورة، بل هي تسويغ الحاضر من طريق الآتي الذي يتوقعه، ويسعى فيه، ويقارنه بالماضي. واستيلاد تخطيط التاريخ والاحاطة بالطبيعة من ضمان التفكير ("أنا أفكر") صدقه بنفسه، ومن تلقائها، ضماناً مطلقاً، يخطئ التشخيص: ففكرة المنهج هي الاصل وليس الضمان الذاتي المطلق. والمنهج ليس تخطيطاً ولا ترجمة عن تقدير الخلاص الالهي، بل هو إنشاء استعداد أو نازع الى الاسهام في سيرورة مشتركة وذاتية تنتج معرفة وعلماً و"مسيراً مطمئناً في هذه الحياة" (ديكارت). وجمع وجوه التقدم ومثالاته الكثيرة، الجمالية والنظرية والتقنية والاخلاقية، في رسم واحد وتاريخ واحد، يفترض أن الانسان وحده يضطلع بالتبعة عن هذا التاريخ، وينهض الى "صنعه". ويخوله هذا الاستدلال على مسير التاريخ، واستنتاجه من فهم صاحب العقل نفسَه، صانعاً او خالقاً. والآتي، على هذا، هو تعاقب أفعال معاصرة. والتاريخ القَبْلي، الناجم عن استدلال القَبْليات الناظمة علاقات الوقائع في الاختبار، يجوز حين يصنع "المتكهن" الحوادث التي يتكهن بها ويسلكها في نظام. والبناء على معرفة التاريخ في سبيل عقلنته هو من ثمرات حساب التكافؤ والتفاضل الجديد. وما لا يتناهى ليس مستعاراً من صفة الخالق بل هو صورة من صور التسليم بدوام الحركة والإذعان لدوام لا يعقل انقطاعه. والذين يحسبون أنهم يعلمون خاتمة التاريخ المحايثة يخولهم علمهم التوسل بمن لا يعلمون والتصرف بهم على ما يتصرف بالأشياء والآلات بحسب علمهم. وما لايتناهى يبطل مزاعم العلم التام أو "الالهي"، ويبطل التصرف بالبشر على وجه الوسيلة أو الآلة.

ولا تستقيم موضوعة تزمين المسيحية من باب طرقته مقالات كثيرة في اللاهوت وذهبت الى ان العصور الحديثة تدين لها بفكرتي التاريخ المتصل، عوض "التاريخ" الدوري، والانسان الفرد الفاعل والمسؤول ثمرة التجسد. ويحمل هذا على التزمين الاول او محايثة "الارض" الاولى. وحمل الزمنية على المسيحية من وجوهها المتفرقة لا يؤدي الى الاقرار بقوة التزمين على الإحداث أو صنع الحادث (على قول المتكلمين المسلمين) وقلبه من حال الى حال. فهي، والحال هذه، قناع يتستر على ما لا يطيق العالم رؤياه أو إثباته على صفته الدينية من بعد. ونسبة اليوم الآخر، أو ختام التاريخ وتمامه، الى الزمن الدنيوي أو "العَالْماني"، على نحو ما يكتب بطرس البستاني، تقتصر على الموضع، ولا تتجاوزه الى هوية الفاعل: التاريخ الزمني ليس صاحب الرجاء الاخروي والخلاص المهدوي بل هو موضع تحققه. والحق انه لا معنى على وجه الدقة للقول ان الدعوة الدينية، التوراتية أو البروتستانتية، الى إيلاء المشاغل الدنيوية مكانة راجحة لا تنقضها ولا تزعزها مشاغل الخلاص الأخروي، وهي مقدمة أولى من مقدمات التزمين. فالتشاغل الدنيوي لا ينافسه تشاغل آخر، ويبطل معناه إبطالاً تاماً نفي دوام الدنيا وزمنها، ورمي زمنها بالفناء الوشيك. فقرب الخلاص، أو وشكه ينفي الوقت ويقضي ببدده، وينقضه من أركانه، ويقوض إيجاب النفس ويجعله علماً على العبث. وطلب إرجاء البعث أو القيامة، أو إمهال المؤمنين قبل طيهم لعلهم يستدركون على ما فاتهم، لا يتوجه على مهلة تاريخية بل على وقف إنفاذ حكم. والرجاء الاخروي والخلاصي هو الراجح، وهو الباقي على حاله أزفت القيامة أم أرجئت. وشرط انتقال "المِلك" (الامتلاك) من ملكوت السماء الى الارض هو بروز صاحبي حق، قانونيين أو حقوقيين، راسخين، يتناقلان الهبات والعطايا: فتنتقل أملاك الكنيسة والاكليروس المعنوية والرمزية والمادية، الى الزمنيين أو العَلمانيين. والعلاقة لا تعكس: فالتزمين يصح في ما ينسب نفسه الى غير الزمني، ويصدق على تخليص العالم (الحياة الدنيوية والزمنية) من نقيضه وخلافه، وتركه الى شأنه ونفسه وانقطاع الامل في خلاصه. وعليه، تبلورت أو حصحصت حقيقة لا سابقة لها.

والمقدمات السريعة هذه لست إلا مدخلاً عاماً الى فصول دققت في الاركان التي نشأ عنها إرساء العالم الزمني والدنيوي، المادي والتاريخي، على علل ذاتية. وأول هذه الاركان هي ما لا يتناهى ولا ينتهي الى حد، ويجمع فكرتي الألوهة و(دوام) الحركة والكون معهما على مثال فهم مشترك. وثاني الاركان هو أزمة لاهوت الخلق المطلق المتمادية، وإفضاؤها الى الإسمانية الغالية التي انقلبت من إثبات الفعل الالهي غير المقيد بالعقل الى "تحرير" المخلوقات من مقاصد الخلق وترتيبه. والركن الثالث هو تحرير الفضول أو النهم الى المعرفة من الادانة الاخلاقية والعملية والصوفية. و"عودة" النهضة الايطالية الى المصادر أو الينابيع اليونانية واللاتينية فرع على هذا الاصل. وركن آخر هو الثورة الفلكية، وتعاقب كوبرنيك وكيبلير وغاليليو على بلورتها الرياضية والتجريبية. وقبل أن يتولى فيورباخ وفرويد، بين مبتدأ القرن التاسع ومبتدأ العشرين، تضمين "الانسان" الحسي آخرَه أو غيرَه من غير مفارقة، تولى نيكولا الكوزاني وجيوردانو برونو استخراج الكون، والعالم الارضي، من الذات الكلية وعلى حدة منها، إما من طريق تقييد هذه نفسها أو من طريق "استنزافها" واستبطانها (في) الكون، وحلها فيه.

ويُفترض في هذا الرسم أن يحمل المقارنة بين "النهضات"، او المقايسة بين "حركات" التنوير (وهو ما يُزعم لبعض المقالات المدرسية الباهتة)، على بعض التواضع والإمساك والتبصر. فـ"تحرير العقل" من اللاهوت ومتعلقاته، ومن الاستبداد وطبائعه، ومن الجهل وتورياته، على مثال "الانوار" المفترض، يقتضي استعارات (على قول بلومينبيرغ) تغرف من "عالم الحياة" المتشابه، ولا تحول دون بلورة مفهومات ومعادلات محكمة. والاستعارات الاسلامية، وهي وحدها على خلاف المفهومات والمعادلات تستحق الاضافة أو الصفة، تترجح بين الهداية والاتباع، وبين البدعة والضلالة، وبين التوحيد وبين الكثرة، وبين الامن وبين القتل، وبين النبوة وبين السلطات، وبين النهضة والإحياء وبين الانحطاط... وتنحو هذه الاستعارات نحواً صلباً ومتزمتاً، قريباً من نحو المفهوم او المعادلة من غير تجريد هذين أو انخراطهما في عمليات تحول محسوبة ومحتملة ومعلقة على حقول ومضامير. وثمن النحو الصلب والمتزمت انقطاعُ عالم الحياة المتشابه من العبارة واللغة والأداء، وإغراق الاستعارات الغالبة في محاكاتها المفهوم بالإيماء، وتصديها لعالم الحياة وتشابهه بالإسكات والخرس.