الخميس، 4 يونيو 2015

قيام جماعة أهلية بإدارة احتكار العنف والمال العام يمزق الدولة الوطنية ويبعث جماعاتها العصبية ... من «عهد العنف» إلى عهد التبعية المتبادلة والتعالق



المستقبل 31/5/2015
 
يتوسل تعليل الحوادث العربية الجارية، وعواصفها السياسية والاجتماعية والانسانية، بإحالة ثابتة وملحة الى الدولة، والى المستوى «الدولتي» والجماعات ما قبل «الدولتية» والحاجة الملحة بالارتقاء من هذه الى ذاك. وطبابة التخبط في المستنقع المحلي والطائفي والمذهبي لا تعدم دعوة حارة الى إشراك الجماعات المهمشة والأقوام والطبقات الفقيرة أو ذات الدخل المحدود، الفلاحية والعمالية، في إدارة الدولة أو الشأن الدولتي مباشرة أو غير مباشرة، وفي توزيع الدخل «الوطني» أو الناتج المشترك توزيعاً عادلاً. وترعى نظرة وسطية قطب الدين وركنه. فتحكم النظرةُ في ميزان العلاقة بين قطبين، تمييزاً وتفريقاً أو دمجاً. وتنصب المدينة والمدنيين راعياً للسياسة ونسبيتها الزمنية، و»الدينيين» والدعاة الحزبيين راعياً للدين ومطلقه. وتنسب الى كليهما منطقاً مستقلاً، وأبنية فعل وتدبير تترتب على المنطق المفترض. ولا يستقيم كلام على الدولة أو مقالة فيها من غير تناول السياسات الاقليمية، وقبلها ربما السياسات «القومية» (ليس على معنى الاتنية طبعاً)، وبعدها السياسات الدولية. فيناط الرأي المعياري في الدولة بالرأي في ثوابت سياساتها الاقليمية أو «القومية»، وفي سياساتها الدولية. فهي، على هذا، إما دولة متحررة ومستقلة ومناضلة، وشعبها مؤمن مقاوم وواحد وراء قائده، وإما دولة عميلة وخائنة، ولا شعب لها بهذه الحال أو أن ما يقوم مقام الشعب هو طوائف وعصابات وإرهاب وطاغوت رجعي.

وتتجدد آلة القول والتفكير والتعليل هذه، وأحكام العمل المتفرعة عنها، في الأزمات والحوادث الجسيمة، وعلى الاخص تلك التي يراق فيها دم كثير، وتزهق أرواح وحيوات بغير حساب، وتدمر أرزاق ومصانع ومدن، وتقطع طرق، وتنهار أو تنسف جسور على أنواعها، وتشرَّع حدود على مصاريعها. فتتربع الدولة، وملحقاتها أو مشتقاتها اللفظية والمعنوية وأجهزة القوة فيها، مفتاحاً عاماً للتشخيص والوصف والفهم والعلاج. وتترجح هذه الدولة (وهذا دورها) بين الاثبات التام والجامع- فهي هي من غير نقص ولا اعوجاج ولا عثرة- وبين النفي الاستئصالي والقاطع. فإما هي على صورتها الماثلة والقائمة والحاكمة وإما إرهاب الفوضى على حد سواء.

فلا يتردد جيش أهلي شاكي السلاح أثخن في الجماعات القريبة والبعيدة، ومزق عرى كثيرة، وأضعف ابنية مشتركة، وتنصل من معظم ما يشد أجزاء «الأمة» بعضها الى بعض، وفاقم الفقر والاعتيال- لا يتردد عن تتويج نفسه دولةً على الشعب والدولة. ويستزيد الجيش الاهلي من الرعايا الذين يحسب نفسه جديراً بحكمهم، فيقدرهم بمئة ضعف الذين يقهرهم اليوم. وقد يسبق تسللُ فريق من الجماعة الاهلية الى اجهزة القوة والادارة في الدولة انفصالَ الجماعة وقيامها على حدة من الجماعات الأخرى، وتربعَها الرسمي و»الدستوري» الاجرائي في قمم الدولة، وزعمَها الاضطلاع منفردة بوحدة الشعب والدولة معاً. وفي كلتا الحالين تؤلف الدولة المزعومة بين أمرين أو وجهين لا يجتمعان إلا بالقوة القاهرة والقسرية أمرين: وجه الجماعة الاهلية الجزئية ووجه الدولة العامة، وبنيانها الحقوقي والقانوني. وتتوسل الى سيطرتها على كل الدولة بمواردها وقوتها الخاصة وتماسكها العصبي. وتُلبس مصالحها وهي تتلخص في استيلائها على مقدرات المجتمع ومقومات تجدده ودوامه على مثال بعينه، لباس مصلحة الدولة. وترهن مصلحة الدولة باضطلاعها، هي أولاً ومن تستتبعهم وتنتخبهم اعواناً ووكلاء وعمال تنفيذ ثانياً، بمقاليد السلطان الفعلي والمستولي.

ازدواج المثال المركزي

ومثال الدولة والمجتمع هذا، على صورته الايديولوجية، حديث أو محدث. وتطلق صفة الحداثة، في هذا المعرض وربما في غيره، على ما يتحدر من مصدر أو مثال أوروبي غربي، على المعنى التاريخي الذي يشمل اليابان وجنوب افريقيا وأستراليا وتركيا... وليس الجغرافي. ففي غرب أوروبا ووسطها تنازع مثالان مختلفان، المثال الجرماني الامبراطوري والمثال «الفرنجي» أو «الفرانكي»، الوطني الأمي، الغلبة على أبنية الدولة أو نشأة من (وما يسميه) نوربرت إلياس «السيد المركزي» (عطفاً على مقالة سابقة في «المستقبل- نوافذ»، 31/10/2010 ). ويفترض المثالان مركزاً يضم إليه الاطراف والشتات والفروع، وينفرد دونها بوظائف لا يتقاسمها معها. وتتقدم الوظائف هذه وظيفتان يتولاهما جهاز القوة المسلحة وجهاز الجباية المالية.

ومثال الدولة المتداولة في العوالم العربية القريبة والمعاصرة يعزو الى الدولة التي يوحدها في الاحتكار العسكري والأمني والاداري، الحق المطلق في الانفراد بالقوة واحتكارها. ويكاد يقصر هذا المثال الدولة على التصرف غير المقيد ولا المسؤول بأجهزة القوة والادارة. وينسب الى هذه الاجهزة، والى طاقمها العيني، التمثيل التام والمطابق على غايات سياسية واجتماعية لا خيرة للمجتمع ولجماعاته في الاقرار المجمِع بها، وإعلان إقراره وإجماعه عليها. ويُخرج الاقرار والاجماع السابقان والمفترضان الغايات هذه من المداولة والمناقشة والرأي. والمداولة في الغايات العامة يُحمل على مناهضة «الامة»، وتوهين وحدتها، والانقلاب عليها وعلى طاقم دولتها وأعيانه (أو اشخاصه). والتنبيه على اضطلاع جزءٍ أهلي، مذهبي ومحلي واجتماعي وحزبي، بتعريف الغايات وحده، وبالسيطرة على مرافق الاجتماع بذريعة بلوغ هذه الغايات، خروجٌ على إجماع سابق سيق مجتمع الجماعات الى الصدوع به، وقبوله، بواسطة أجهزة الدولة والاستيلاء عليها بالقوة والحيلة والغفلة.

وهذا أشبه بحلقة مفرغة أو دور يدور على نفسه. وتتغذى مشروعية الدور من دورانه هذا، ومن طاقته على خنق أو اجتثاث الخروج من الدور والحلقة وعليهما قبل تفاقمه، وإظهاره الى العلن حقيقةَ عواملَ وفروقٍ موجودة وفاعلة كبتتها القوة، وأسكتها الإذعانُ والاقتتال والتقطع. فلا غرو أو عجب إذا استطالت أحكام رؤساء «الشعوب والعشائر»، من أمثال صدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح وزين الدين بن علي وعمر حسن البشير، وآلهم.

الامبراطوري والوطني

والانتساب الى الحداثة، أو التعليق على مشجبها، يغفل عن أمرين، اولهما مرَّ الإلماح إليه، وهو ازدواج المثال المركزي والاحتكاري. فالمثال الامبراطوري الجرماني سعى في اختصار الوحدات السياسية والاقليمية المتفرقة والمتنافسة، وفي تقليل عددها، واشتراط مقدار من القوة للمشاركة في الحلبة وصولاً الى ارتقاء واحدة من الكيانات المتنافسة مرتبة الكيان الجامع والمركزي. ولكن اتساع الاراضي الاقليمية، وتنوع الانظمة والابنية الاجتماعية والاهلية، وكثرة الجماعات المقيمة على تقاليدها، وضعف الروابط الاقتصادية وأثرها يومذاك، طبعت توحيد الكيانات بطابع زمني مديد. ولم يسلم الصراع في سبيل التوحيد، تحت لواء جهاز حكومي وأسري جديد هو سلالة آل هوهينزوليرن، من الانقسام. فنازعت السلالة الجديدة السلالة الحاكمة القديمة، آل هابسبورغ، وبقيت النمسا، إقليم آل هابسبورغ، خارج التوحيد الألماني. وأسعفت المنازعة الجهاز الحكومي والاسري الجديد، وقوت عرى دولته، ولكنها ادت الى تصدع الكيان الامبراطوري الهابسبورغي وانهياره (وجر التصديع والانهيار الى حروب اقليمية في البلقان والجوار الروسي توجتها الحربان الكونيتان أو العالميتان الاخيرتان). فالكيانات الكثيرة الاجزاء والوحدات، والمتفرقة النسيج والبنيان، والناشئة عن تربع ولاية واحدة وصورية في سدتها، ولم تسبقها نزاعات تتولى دمج الأجزاء تدريجاً، ولا سبقها احتكار وظيفي عام تشترك فيه معظم الجماعات الوطنية - قلما تنتج أو تنشئ وحدات سياسية واجتماعية مستقرة ومتماسكة.

والدمج المتدرج والبطيء عامل راجح في تماسك الدولتين البريطانية والفرنسية. ويعود تعاظم المركزية البريطانية، أو شطر غالب منه، الى ضيق الاقليم، نسبياً، والى عزلة «الجزيرة». فخاض الخصمان المتنازعان على السلطان حرباً لم تعوق حسمّها الخصوصيات المحلية، ولا عوقه عددُ المتنافسين الكبير. وعلى هذا، لا تجوز المقارنة بين البرلمان الانكليزي وبين مجلس أو جمعية «دول» الامبراطورية (الجرمانية)، وهي جائزة بين البرلمان الانكليزي وبين مجالس الولايات الألمانية. فثمة شبه بين الولاية الواحدة، أو «القطر» في مصطلحنا البلدي والأسري، والجزء من السلطنة العريضة، وبين اقليم الدولة، أقوى من الشبه بين الاطار السلطاني او الامبراطوري وبين اطار الدولة، الوطنية من بعد. فمركزية الأول، الاطار الامبراطوري، أضعف من مركزية الثاني وأقل ثباتاً. فلا يسعها التخفف من منازع محلية وبلدية و»وطنية» تتصور في الازمات والحروب، وإبان المنعطفات الحادة، في صورة انشقاق خطير يتطاول تهديده الى مقومات «وجود» الكيان السياسي والتاريخي ولا يقتصر على تهديد «الحدود» (وليس من قبيل الاتفاق الكيفي أن ينقل العبارة الالمانية والنازية الى العربية السياسية العسكرية «القومية» كاتب «سوري قومي» لبناني، في دوامة الحروب الملبننة، خدمة لسياسة حافظ الاسد وخلطها المتعمد الاستيلاءَ على لبنان، وتخزينَ المنظمات الفلسطينية فيه، وقتالَ اسرائيل بالواسطة ومفاوضتها مواربة، وابتزاز «العرب» ومفاوضتهم، ومراجعة اتفاق سايكس وبيكو...معاً. وحذا حذوه أخيراً خطيب الجماعة الخمينية المسلحة).

فالانتساب العروبي الى الحداثة، وتذرعه بمثال الدولة المركزية والوطنية (والعروبيون يقولون على الدوام:» القومية») يلبِّس قصده ومثاله. وهذا التلبيس يتطاول الى النفس تطاوله الى الغير. فهو يعني المثال الامبراطوري الشكلي، وتعاليه الظاهر على الفروق الكثيرة و»الثانوية»، ولكنه يملأ المثال هذا عملياً بإدارة مركزية، بيروقراطية وعسكرية أمنية، وبسيطرة كلية ومباشرة شاغلها القضاء على الفروق المحلية والبلدية أو الحؤول بينها وبين العبارة عن نفسها. فحلت «الدولة» ومفهومها المركزي المجرد واحتكارها أجهزة القوة والجباية والكناية عن فكرة الهوية الرمزية الجامعة، محل الأبنية السياسية والاجتماعية والثقافية التي تفتح بين الجماعات والأقوام وبين دوائرها المشتركة والمختلطة والعامة، وترعى منازعاتها في ظل هذه الدوائر وأفقها.

من التحطيم الى الاندماج

ويلاحظ نوربرت إلياس، حين ينبه على اتصال الاحتكارين: احتكار الجباية المالية واحتكار القوة العسكرية والأمنية أو البوليسية وقيام الاول من الثاني مقام الشرط، (يلاحظ) أن أجهزة السيطرة التي تضمن فاعلية الاحتكار المزدوج لا تبلغ الضمان المرجو والناجع إلا من طريق جهاز كثير المرافق ومشرَّع على تنوع القوى الاجتماعية واختلافها. وتقود كثرة المرافق وإشراع الجهاز الى تغيير مقاصد النزاعات أو الصراعات الاجتماعية وغاياتها. فمن سعي القوى الاجتماعية المتنازعة في الغاء احتكار السيطرة برمته تتوجه هذه القوة الى السعي في الحصول على مداخل أو جسور تبلِّغها مواضع ومحال من الجهاز الحاكم، وتعود عليها بشطر من وظائفه وعوائده. ويؤرخ الانتقال، من السعي الاول في الالغاء الى السعي الثاني في القسمة الى انتقال سياسي موازٍ من حروب تنزع الى التملص من جهاز السيطرة والحكم، والى اضعافه وتحطيمه، الى معارضة تنزع الى الاندماج في الجهاز وتعظيم أثرها فيه وفي عمله.

وتبرز أعراض الانتقال في القرن الحادي عشر الميلادي، وفي الولايات الفرنجية (الفرانكية) الغربية، وتتناول دائرتي الجباية المالية والتجنيد العسكري. وكان الفارس (الشريف او النبيل نسباً والمحارب عملاً أو وظيفة) يباشر كل وظائف الحكومة والتدبير في نطاق إقطاعه أو أرضه. فهو يشن، من تلقاء نفسه، أو خاصّه، الحرب ليضم الى ملكه أرضاً جديدة، أو يشنها دفاعاً عن أرضه. وتحمل زيادة السكان المطردة تعاظم الشهية الى الارض، وعلى التوسع. ويتوسل التوسع بوسائل العنف الحربية والاقتصادية معاً، على خلاف منازعات القرن التاسع عشر التي حرمها احتكار الدولة العنف الحربي الوسائل العسكرية.

وعلاقة المتبوع بتابعيه ذات وجهين. فمراكمة الارض والجند والمال بين يدي رجل واحد سرعان ما تتخطى طاقة الرجل على تدبير أو تصريف شؤون ملكه أو نفوذه وسلطته، وتضطره الى الانخراط في الشبكة الاجتماعية المؤتلفة من التابعين، والاقرار بتبعيته لهم. وفي وسع السيِّد المتبوع، والقائم في وسط أبنية قوية، التزام الضوابط والقيود التي تفرضها عليه هذه الابنية، وتعظيم حظوظها من الانتاج والعوائد، على نحو ما يسعه الانقياد الى شهواته وأهوائه من غير اعتبار احتياجات جهاز اجتماعي معقد آل آمره اليه، فلا يلبث الجهاز ان يتعثر قبل أن يتداعى وينهار. وذلك أن حيازة احتكار، أو يد طولى في حقل أو مجال، تقتضي مبدئياً وعملياً تولي إدارةٍ وتقسيمِ عمل دقيق القيامَ بأعباء الاحتكار وتدبيره. وتنتزع ضوابط الادارة وتقسيم العمل ومعاييرُهما من أيدي اصحاب الاحتكار التصرفَ على هواهم في أمور احتكارهم، وتقصرهم (الضوابط والمعايير)، وتقصر وظيفتهم على تنفيذ «اوامر» الجهاز الاجتماعي التنظيمي وموجباته.

قيود العام على الفوضى

فعلى سبيل المثل، نمت الموازنة العامة المالية او موازنة الدولة بدءاً من موازنات الاسر الاقطاعية «الخاصة». والأدق القول أن تمييز العائد العام من الدخل الخاص لم يكن قائماً ولا واضحاً حتى في اعقاب توسع العوائد وتغذيتها من زيادة الرسوم على المبادلات التجارية، وتحول احتكار ملك الارض الى احتكار ضريبي. فمضى سيد الاقطاع او القطيعة على التصرف بهذه العوائد المتكاثرة والمتعاظمة، ظاهراً، على نحو ما كان يتصرف بعوائد أرضه. والحق أن التدقيق في البابين، باب العائدات وباب النفقات، يبرز تقييد يد صاحب الاحتكار عن التصرف الحر في أمواله. فالنفقات الثابتة التي تترتب على تولي جهاز الادارة المختص والمحترف التدبيرَ لا تنفك تتعاظم، وتتعاظم معها تبعية وظيفية، واجتماعية وقانونية، ثقيلة تمليها المصالح المستقرة والمستقلة، من وجه، والقوانين العامة، من وجه ثان. وهذه القسمة- بين عالم اجتماعي ووظيفي مديد ومترابط، وبين خاص يولي صاحب المِلك أوالاحتكار مكانة على حدة ولكنها لا تخرج عن منطق التوزيع الوظيفي- هي في أصل تقسيم عام يُلحق عمل الفرد ووظيفته بكتلة كبيرة من الاشخاص، بالغاً ما بلغت حظوظ الفرد الاحتكارية من الرجحان والفرادة، على قول إلْياس.

ويقود تشارك المِلك والاعمال، في مجتمعٍ تعالقُ وظائفه الاجتماعية ضعيف، الى الفوضى والتصدع أو الى استيلاء فرد أو عصابة (أوليغارشية) على «الشركة». فشبكة التبعية (التعالق) المتبادلة، وتمايز الوظائف بعضها من بعض، شرط الحؤول دون احتكار الحظوظ والفرص احتكاراً خاصاً وفردياً أو عائلياً. وانقلاب أو تحول احتكار الاكراه الجسدي أو جباية الضرائب من طور «خاص» الى طور «عام» تتولاه الدولة، شرطه اللازم هو التبعية الاجتماعية والوظيفية المتبادلة. فإذا لم يحظَ الافراد الضالعون في وظائف أو أعمال اجتماعية متعالقة بثقل نوعي، ناجم عن اختصاص وظائفهم بأدوار لا تعود إلا إليها وإليهم تالياً، لم تبلغ الشبكة الاجتماعية الاستقرار والتوازن اللذين يرعيان توزيع العوائد والفرص على نحو عادل أو متكافئ، وبحسب إرادة الفريق الاجتماعي أو جماعته. وكبحُ النازعِ الى الاستقرار والتوازن رعايتِهما التوزيعَ المتكافئَ ... يؤول لا محالة الى توطين المنازعة والخلاف في الشبكة. فمرحلة المنافسة المقيدة بالاحتكار الاداري والمالي، على خلاف المنافسة الحرة والمطلقة السابقة، تقتضي «طباعاً انسانية» مناسبة أو ملائمة مثل التقيد بقواعد عامة ومركزية، ومراعاة المهارات والاختصاصات مراعاة دقيقة، والاقرار بأدوار أصحاب المهارات والاختصاصات وحقوقهم...

فما كان جائزاً في «عهد العنف»، يوم كان التوسل بالقوة المادية والعارية سبيلاً الى اقتسام العوائد والفرص، بَطُل جوازه مع احتكار العنف، واجتماعه في يد جماعة غالبة تتولى الإمرة، وتوزيع العوائد والحقوق على «الأسر» الاخرى (قبل انحلالها ودخولها في العامة). وهذه الحال لا تلغي المنافسة، على ما مر القول، بل تهذبها وتؤدبها وتكبح نازعها الى المباشرة والتلبية السريعة. وتبعية الافراد المتبادلة وتعالقُهم يقسرانهم على التحفظ والإمساك، وعلى ضبط انفعالاتهم. فيتجاذب الافرادَ نازع أول الى مقاومة إكراهات المركز وإملاءاته، ونازع ثانٍ الى كراهية حالِ الاذعان الى القوة الثقيلة التي ينوؤن بها. فهن يحنّون الى المنافسة الحرة والى «الفروسية» («فرسان رفعت الاسد» قبل 1983 ومديح عفلق صدام حسين بـ»فتى العرب»...) وأخلاقها السابقة، وفتخرون بـ»زمهم» نفسهم، على قول بعض ناقلي كتب الاخلاق العملية اليونانية الى العربية، وسيطرتهم على نزعاتهم المستبدة، ويستمتعون باللذات الجديدة التي يتيحها زَمُّ النفس. وانقسام النفس هذا هو بابها على التمدين الاجتماعي والسياسي، موضوع عمل نوربرت إلْياس، وعلى فنون وأشكال أدبية و»علمية» أبرزها الرواية والنفسانيات والاجتماعيات. ومدار هذه على الفرد المواطن، وعلى ترجحه بين أقطاب أو منازع لا يؤمل التوفيق بينها إلا لماماً وبشق ... النفس.

ومن أمارات الانعطاف التاريخي، وإفضائه الى «دينامية (مجتمعات) الغرب»، على وسم الكاتب الجزء الثاني من «تمدين السنن والعادات»، عزوف البورجوازيات الاوروبية عن منافسة الاشراف والفرسان على مِلك الارض، وعن إعمال الثروة العقارية في كسر الاحتكار الضريبي المالي والعسكري. فالاحتكار المزدوج هو ركن الكيان البورجوازي الاجتماعي، وشرط المنازعة على الظفر بالفرص والعوائد الاقتصادية. ويتيح إخراج الاحتكار المزدوج من دائرة غايات الصراع الاجتماعي وأغراضه إدارة الصراع على تقاسم ثمراته وتوزيعها من غير امتيازات موروثة أو ريوع محصنة. ولا يشذ مدبرو الاحتكار، وهم أجهزة الدولة والادارة وطواقم هذه الاجهزة، عن الميزان العام الذي تقره التبعية المتبادلة ويقره التعالق السائر بين أجزاء الوظائف والتدبير. وتتولى هيئات موصوفة مراقبة النزاع على تدبير الاحتكار المزدوج وإدارته وسياسته. ويتولى قممَ الدولة من ينتصرون في «مباريات» دورية وسلمية ترعاها الادارة الاحتكارية او الحصرية. ويؤذن هذا بولادة النظام الديموقراطي. ومن غير تنظيم الاحتكار المزدوج، المالي والعسكري، على هذا النحو، يستحيل قصر المنافسة على الحظوظ والفرص والعوائد على الدائرة الاقتصادية وحدها، والحؤول دون انفجارها عنفاً اجتماعياً أو أهلياً.

الاثنين، 11 مايو 2015

الاستيلاء الإسلامي (والقومي) تقنية في مادة أماتها توحشان... رسوم ضابط الاستخبارات العراقي والصدامي البيانية في بناء الدولة ـ الخلافة



10/5/2015 (نوافذ- المستقبل)
استوقف مطالعي التحقيق الصحافي الذي نشرته الاسبوعية الالمانية «دير شبيغل»، وكتبه مراسلها كريستوفر رويتر (ونقلت «المستقبل» اللبنانية معظمه في 20/4/2015، و»لوموند» الفرنسية في 26-27/4)، ما قد يشي بعلاقة «بطل» التحقيق حجي بكر أو سمير عبد محمد الخليفاوي، العقيد أو العميد العراقي في الحرس الجمهوري الصدامي وأحد قادته الاستخباريين قبل انهياره- بالاستخبارات السورية الاسدية، ودائرة الإقامة والتجهيز في وزارة الدفاع. فالأوراق أو الصحائف الـ31 التي كتبها المسؤول الاستخباري السابق في منزله بتل رفعت، الى الشمال من حلب قبل مقتله في نيسان 2014، بقلم حبر ناشف، ورسم عليها الصورة البيانية لسلسلة المراتب القيادية، تحمل في أعلاها ميسم الوزارة النظامية والدائرة أو المصلحة الفرعية.

والحق أن القرينة واهية، من غير أن يعني القولُ بضعفها نفيَ مجموعة الملاحظات على مهادنة «الدولة»، في مرحلتي تسميتها، جيش حافظ وبشار الاسد، ومهاجمة عصاباتها شتات منظمات المعارضة وفرقها وألويتها الكثيرة. فلم يخف أحداً من المراقبين، ومن معارضي الداخل على مذاهبهم ومنازعهم، أن الطيران الحربي النظامي يقتصر على قصف مواقع مسلحي المعارضة، ويتجنب قصف مواقع «داعش»، وأن «الامير الداعشي»، على قول رويتر، يَنهي أنصاره ومقاتليه عن التحرش بـ»جيش الاسد». والانتحاريون، سلاح التنظيم الارهابي و»الجهادي» الأمضى، كانوا على الدوام هدية التنظيم المسمومة الى المنظمات المعارضة.

ولكن تقديم قتال منظمات المعارضة المسلحة على قتال وحدات النظام العصبي، والاستيلاء على مواقع الاولى وقراها وبلداتها ومدنها بالحيلة والارهاب، لم يترتب عليهما تراخٍ عن مهاجمة بعض مواقع النظام البارزة، مثل سجن حلب المركزي وبعض حواجز الجيش الحصينة ومطاراته، ولم يؤديا من وجه آخر الى النزول عن غنائم «الفتوحات» الى «الجيش». وعلى نحو ما ارتد مقاتلو «الدولة» على الفرقة 17 الأسدية، قرب الرقة، وقاعدتها العسكرية المحاصرة، ، بعد أن فكوا حصار مسلحي المعارضة عنها في أوائل 2014، فقتلوا غداة استيلائهم على الموصل من حرروهم من الحصار الطويل، ونهبوا مخازن سلاحهم، لا يؤمن انقلابهم على حليفهم المزعوم عند أول بادرة غنيمة تلوح في أفق قريب.

وتعليل الارتداد والانقلاب بسياسةٍ استخبارية وأمنية سورية، وحملهما على رغبة النظام في إظهار عداوة «داعش» له، وإقناع العالم بأنه «ضحية» التنظيم الارهابي، على قول صحافي «دير شبيغل» في ملاحظاته الختامية، دليل على بلوغ مرونة أو سيولة الجهتين المتقاتلتين، الاسد و»الدولة»، حداً أو مبلغاً لا يستقيم معه أي توقع يعول على هوية سياسية متماسكة. ففي الليل الذي تلف به سياستا بشار الاسد ونظيره «الجهادي» الحوادث والوقائع السورية، لا يميز النظر هوية القوى بعضها من بعض: فـ»البقرات» كلها سود و»الفئران» كلها رمادية. وقد تقوم الأوراق التي خلفها الحجي المزعوم وثيقةً «تقنية» وتعليمية على خواء سياسة التوحش وإدارته، على مذهب أبي بكر ناجي (أو محمد خليل الحكايمة، «أبو جهاد المصري»، الضابط السابق والمقاتل في صفوف قوات بن لادن في أفغانستان وقتيل غارة طائرة من غير طيار بوزيرستان، في 2008- نقلاً عن عبد الباري عطون: الدولة الاسلامية، دار الساقي، 2015). وهي، في الوقت نفسه، وثيقة على خواء السياسة «القومية» النقيض، وعلى خسارتها معالم تعرف وتعارف، ومعالم اجتماع أو مجتمع تالياً.

البؤرة

ولعل أول ما يصف الخليفاوي هو حياده الفني أو التقني والاجرائي. فليس في الأوراق ما ينم برأي أو بإيديولوجية ومعيار وهوى. وهو لم يقدم رسومه البيانية وسلاسل الامر والمهمات بتسويغ اعتقادي أو إيماني أو دعوي أو مهدوي. ولم يمهد لشأنه، وهو تصميم «هيكل دولة اسلامية استخباراتية أو خلافة يتولاها جهاز استخبارات» (كريستوفر رويتر)، بالتذكير بأركان الدين ولا بما كان يسميه اليساريون «تحليلاً سياسياً« يشخص سمة أو سمات المرحلة، والعصر الراهن استطراداً واستتماماً. وهذا «لا سياسة»، أو نقيضها ونقض عليها، لو صح أن «اللا سياسة» ليست سياسة من صنف أو نوع محدد. فملاحظات ضابط الاستخبارات الصدامي تنضح باعتبارات ومضمرات سياسية «عميقة».

فخطته ومخططه أو تصميمه يخدمان هدفاً واضحاً وجلياً هو «الاستيلاء على شمال سوريا». وهو قدم سوريا في أواخر 2012، وكان انقضى على اندلاع الحركة المحلية والوطنية نحو العشرين شهراً تامة. وفي الاثناء، اتسعت الحركة ببطء وتعرج، وتعثرت بجنوح جماعاتها الى التقوقع المحلي والأهلي والى التنافس على غنائم الرعايات الاقليمية وعوائد الاقطاعات الوطنية والتمثيل المعلن. وتصدعت القوات المسلحة الحكومية ومعها الادارات. وبرز أسياد الحرب وولاة «الألوية» و»الأجناد» و»الفيالق» وفي ظلهم الوارف ما لا يحصى من الوكلاء والوسطاء. فأحبطوا باكراً محاولات التنسيق من طريق الحكومة المحلية والتسيير الذاتي. وسرعان ما تبلورت النزعات المحلية وولدت كتلاً بلدية، جغرافية وأهلية عصبية، قومية ومذهبية، حاكت الصراعات القديمة بين محور مدن السهل السنية وبين «دول» الأطراف الجبلية والصحراوية، وبين السكان «الأصليين» وبين المهاجرين الجدد النازحين الى أحزمة المدن وضواحيها الزراعية وإداراتها الرثة والمتخمة...

وتنزل حلب ومعرة النعمان وادلب وجبل الاكراد، واليها الشمال الشرقي السوري كله بين عفرين والقامشلي (قامشلو)، من شبكة النزاعات والخلافات والعصبيات الاهلية والولاءات، محل الصدارة. ففيها العرب والكرد، والعشائر وأهل المدن، والملكيات الزراعية الرأسمالية والشاوية، ومن يولون وجههم تركيا القريبة ومن يممون شطر العراق، ومن يعتاشون من التهريب والخوات والوساطات ومن يعملون في مرافق انتاج سوية. وفيها المذاهب والفرق كلها. وهي ورثت من أواخر عهد السلطنة العثمانية وربع قرن الانتداب وعقدي الاستقلال الأولين حدة النزاعات بين «الاقطاعيين» النافذين والأعيان وشبكات موالي الجماعتين وبين أهل الضعف من الفلاحين وصغار المزارعين والتجار والموظفين والمتعلمين والمشايخ المعممين. وورثت الفروق الواسعة بين هؤلاء وبين أولئك مضاعفةً، جراء شيوع المبادلات النقدية، واستواء أهل سلطان جامع ومانع محل الأسر الكبيرة.

واختار الخليفاوي حجي بكر- عقيدُ الاستخبارات السابق (أو عميدها، على بعض الروايات)، وعضو قيادة حزب البعث في السجون العراقية، وخليفة العميد الركن محمد النَّدّي الجبوري (الملقب بالراعي) على قيادة أركان الدولة الاسلامية في بلاد الرافدين بعد مقتله، وصلة وصل أبي عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر بضباط البعث العراقي المسرحين ومستشار البغدادي والمهاجر العسكري جزاء خدماته الاستخبارية- اختار الرجل في أواخر 2010 البلدة النائية والصغيرة في ريف حلب الشمالي معقلاً وموئلاً (بعض معالم سيرته في كتاب محمد علوش: داعش واخواتها، رياض الريس للكتب والنشر، 2015) أو بؤرةً، على ما كان «تشي» غيفارا قال وهو يعني بعض أمور أخرى. ويبعد أن يكون انتخاب رجل الاستخبارات العراقي المجرب مقر قيادته وأركانه، وتوقيت قدومه الشمال السوري، في أعقاب 7 سنوات ونصف السنة على احتلال القوات المتحالفة العراق و20 شهراً على اندلاع الثورة على السلطان الاسدي وبيروقراطيته البوليسية المركزية، اتفاقاً ومصادفة. فالموضع مرآة مصائر ثورة السوريين وعصبياتهم المتفرقة والمتنازعة على «دولة» التشبيح والخطف والمصادرة على مقومات الحياة العادية. وهو يراكم اختبار الانقسامات الموروثة من نصف القرن الاسدي وجديد الاقتتال العاصف في صفوف الجماعات المعارضة والاهالي وبين الجماعات هذه وبين القوات المسلحة النظامية الارهابية.

فأعمل «العقيد سمير»، على ما سمي أو دعي الحجي في بعض أوقات حياته النضالية، في الموضع والوقت اللذين اختارهما، دراية استخبارية، بعثية وصدامية، هي زبدة علم أحزاب الاستيلاء على السلطة من خلف ظهر المجتمعات و»الناس نيام». والصحائف التي يلخصها مراسل الدورية الاسبوعية الالمانية شهادة على عِلْم السياسة «العربي» هذا في مرحلته الاخيرة، وعلى طرائقه ومناهجه. وإذا رمت الخطة، وهي «بدت سخيفة وواهمة»، يومها، الى بسط سيطرة «الدولة الاسلامية» (في العراق») على أوسع أرض سورية، والتوسل بها الى غزو العراق القريب، فأداتها الاولى، وشرط فاعليتها، هي «استقلال الارهابيين بأمورهم وإدارتها بالاساليب الوحشية التي يرتأون». ورضي بشار الاسد بهذا الاستقلال، ضمناً أو صراحة. وكان حافظ الاسد نزل للجماعة الخمينية المسلحة في لبنان، تدريجاً، عن «استقلالها» كذلك، على خلاف مراقبته الشديدة الجماعات الثانوية الأخرى الدائرة في فلك نفوذه واستعماله.

القيادة والمادة

واللبنة الأولى في الاستيلاء، ومقدمته الضرورية، هي القيادة، ونواتها صاحب الخطة نفسه. وعلى مثال انتخاب القائد نفسه قائداً، بادر الرجل الى «رسم هيكل الدولة الاسلامية من القمة الى السفح الميداني»، والى ربط المستويين بسلاسل من المراتب والمناصب الوسيطة، وتسمية أصحابها إسماً إسماً. ووصف علاقة المراتب والمناصب بعضها ببعض، وعلاقة أصحابها بعضهم ببعضهم الآخر. وجمع بضع مئات من المقاتلين بتل رفعت، كرسي «دولته». وندبهم الى تجنيد الأنصار والمريدين من طريق مكاتب دعوية بثها في البلاد «المحررة»، أي تلك التي زال عنها سلطان «العصابة» البوليسي. وجمعت المكاتب جمهوراً من القاصدين الباحثين عن الهداية والعلم أو تزجية الوقت أو العمل المأجور أو الاستطلاع والرصد، أو هذه كلها معاً. فيختار «الدعاة» والمحاضرون رجلاً أو اثنين من الجمهور، ويوكلون إليه (أو إليهما) التجسس على الأهالي تجسساً موجهاً، يناط به مراكمة «بنك» معلومات أو معطيات ووقائع تستعمل من بعد في استمالة من تصلح استمالته، أو يصلح استتباعه واستخدامه، أو تستعمل في توريط أو فضيحة من يعود توريطه أو فضيحته بالنفع على «الدولة» المزعومة.

وأبواب المعلومات والمعطيات مثل باب العائلات الثرية والمتصدرة وأهل الثراء والنفوذ فيها، وباب مصادر مداخيلهم وعوائدهم، وباب أحوال الاشخاص الجنائية والحميمة وسوابقهم وزيجاتهم، إلخ.- تشترك في جواز الدخول منها الى السطو والمصادرة والابتزاز، والى تأليب ناس على ناس، وتقطيع أواصرهم وإثارة حزازاتهم، وجرهم الى تفادي الابتزاز لقاء ثمن يفرض عليهم ويعود على بيت مال «الدولة»، أو بيت جندها ومقاتلتها بعوائد ومنافع، ويلحق ذوي النفوذ وجماعاتهم وأهل عصبياتهم بأمراء «الدولة». فالجمهور الذي يرسي عليه ضابط الاستخبارات البعثي والاسلامي الجهادي معاً قوته، ويعمله في خطته، هو مادة استخبارية في المرتبة الاولى. وينخرط أفراد الجمهور في هذه المادة وهم غير دارين بما يفعلون، وبما يراد لهم. ومن يؤدي دوراً بارزاً في عمله هذا، ويظهر ذكاءً، ينتخب «شيخاً فقيهاً» (وهذا غير بعيد من انتخاب «الأعلم» بين فقهاء الخمينية وآياتها، فهو المبرز في خدمة «الدولة الاسلامية» وميادينها العسكرية والديبلوماسية والتعبوية وقد يكون قريباً من النكرة بين أقرانه فقهاً وعلماً).

وتنحو أسئلة الراصد الاستخباري نحواً اجتماعياتياً (سوسيولوجياً) واضحاً. فتحريه الدقيق عن مصادر الدخل وعدد السكان والعائلات المتدينة، وعن ميولها الصوفية أو الحشوية، وأئمة المساجد وزوجاتهم وعددهن والهيئات الادارية أو الوقفية التي تعيلهم- هذا التحري، وعلى هذا النحو، يحيل الأهالي الى أدوات أو ذرائع عملية يُعمل فيها المتربص بها، من تسميه روايات غربية كبير الأشقاء أو عظيمهم و»ضخمهم» (المتنبي)، خططه وآلاته. ولا يكتم الصحافي الألماني، شأن مراقبين كثر قبله وبعده أجانبَ ومحليين، انكاره ذرائعية عملية وكلبية، يسميها تهذيباً «براغماتية تكتيكية»، تتوسل بالتقاليد الدينية وهالاتها وحرماتها الشائعة والمفترضة الى الدناءات الخسيسة، وأعمال التزوير والتشبيه الخادعة. فيحسب أن ما يذهب إليه الحجي المقنَّع والمتربص في تل رفعت من تعيين الجاسوس الحاذق أو الذكي «شيخاً فقيهاً» يدينه بالانحراف عن تديَّن قويم وصادق. ويغفل عن أن ثورة اسلامية «تاريخية»، هي الثورة الخمينية الايرانية، دمجت الدين (الاسلام) في السياسة من غير مراوغة ولا تحايل. وحملت ما يأنف منه المعيار الأخلاقي المشترك والسائر، مثل القتل والاغتيال والوشاية والكذب والتهمة، على ضرورات لا يبعد أن تنسب الى العبادة والقربى. وسبق أن رُفعت الأنصاب لسادة أجهزة الاستخبار والرصد والاستطلاع، وهم سادة التعذيب وانتزاع الإقرار والاعتراف والوشايات، أمام مباني اللوبيانكا (حيث مقر أجهزة الأمن: التشيكا والغي بي يو والكي جي بي والإف إس بي) بموسكو السوفياتية. ومدحت الدعوة الستالينية والدعوة الماوية (الثقافية الثورية)، في العهد البطولي، وشاية الابن بأبيه البورجوازي والأخ بأخيه والبنت بأمها، وعُد هذا إيماناً نقياً وصافياً.

فوراء او مع «رصد الثغرة الضئيلة القمينة ببث الشقاق في بنيان البلدة أو القرية الاجتماعي»، وإعمالها في قيام جماعة على جماعة والنفخ في العداوات والثارات بينهما، نهج استيلاء وحرب خالصين ومجردين. والسلطة والدولة، على هذا النهج، سلطان قاهر يَصْلي الجماعات ومجتمعها (أو وعاءها البراني) حروباً لا هوادة فيها. ويعول السلطان في هذه الحروب على هزيمة الجماعات وتصدعها والتحاقها، من غير بقية لحمة أو قوام، به وبجهازه، وعلى انقياد فئاتها لإرادته. فهو يقطفها، على معنى قطاف الرؤوس التي أينعت (الحجاج بن يوسف)، وهي منقطعة من روابطها وأواصرها الاجتماعية والانسانية التي تؤلف بين كتلها وآحادها، على قدر ما تتيحه الكتل للآحاد من فرص انتحاء وفرادة. فكل رابطة أو لحمة غير حال «الذوبان» (على قول خميني لا يزال سارياً) في المرتبة الأعلى، إنما تتصور في صورة الخروج والانحراف والتمرد. وتشكك «الكولونيل سمير» الصدامي في الصوفية والديموقراطية والحشوية، ورغبته في الإلمام بكل ما يتصل بطوايا طبقات «الرعية» وأحوالها الظاهرة ومعاشها، يترتبان على محل السلطان و»الدولة» المفترض و»الشرعي» من الرعايا المأمورين. فعلى هذا المذهب في السلطان و»الدولة» والشرع ينبغي تحطيمُ كل رابطة قد تقيد عصبية السلطان وتنافسها أو تقتسم معها ولاء الرعايا. ويؤول هذا الى انشاء «مجتمع نقيض» يعتزل المجتمعات الاخرى.

الخواء المزدوج

وعلى هذا جرت «دولة» السلطان الأسدي والعصبي. فسعت في تجريد السوريين من هوياتهم الأخرى. فنسبتهم، من طريق نسبة سوريا الى الاسد وإضافتها إليه، الى الطاغية الفرد وقوميته العربية الجوهرية. وحطت من قدر الهويات الأخرى، العائلية والمحلية والمهنية والقومية والاجتماعية والطائفية المذهبية والدينية والتاريخية والطرقية والفقهية الى الهوية الفردية والشخصية. وحَملت على جزئية هذه الهويات وفئويتها وجهويتها حملة شعواء ومقذعة. ووصلتها بالخيانة والمروق والمرض والاستشراق، وإلى «سايكس بيكو» اختصاراً وقطعاً لدابر أي احتجاج (على وجهي سايكس- بيكو: التجزئة ونهاية الخلافة). فكان على السوريين أن يسدوا رمقهم الى التعريف والتعارف و»عمارة ما بينهم» (أو تواصلهم و«فعلهم التواصلي») بواسطة الخواء العروبي، ورطانته الهزيلة والمنفصمة، على النحو الذي يتبدى في الخطب والمحاورات الرئاسية وفي مضابط تحقيق عمداء وألوية الاستخبارات مع «الرؤساء» اللبنانيين. فلما عري الخواء من رهبته ولباسه الملكي، وظهر على ضآلته، لم يجد السوريون ما يتعارفون بواسطته، ويُجمعون أو يختلفون من طريقه، ويسندون دعاويهم إليه.

وعلى هذه الحال قطفهم عمال الدولة الخلافة، وقطعوهم إرباً ومكلفين شرعاً ومقصرين في قيامهم بتكليفهم. وأحلوا الشرع وهويته محل خواء «الدولة» القومية الممانعة والمقاومة. وسلطوا عليهم فتيتهم ومراهقيهم، ومن كان القرآن سماهم سفهاءهم، وهم لم يبلغوا العشرين من العمر. وأوكلوا الأعمال والرئاسات الى من هم في حلٍّ من الروابط والتبعات، وأحلتهم الحروب الاهلية والمحلية والمذهبية منها. وأتاحت لهم انتهاك الضوابط والقيود المبدئية على العنف والتمثيل والإذلال والتعسف والقهر. فاختار الاستخباري المجرب في السجون والساحات العراقية، البغدادية والأنبارية وفي صلاح الدين وديالى، هؤلاء «السفهاء» المحررين من قيود الروابط الاهلية والدينية والعرفية والسياسية، وأطلق يدهم في التلصص والقتل والخطف والاعتقال والقنص والترهيب وأمور أخرى، ربما لم تنص عليها أوراق الحجي، أو ربما لم ينتبه المراسل إليها، على شاكلة الصلب والقطع والحرق والرجم والخلع والتطليق والتزويج والتسري والمصادرة والنفي والاستتابة والحسبة والخرص قبل الجباية وفي التجنيد والتعبئة... وكلها أحكام أشهدت الدولة الخلافة الجمهور على النطق بها وإنفاذها، وصورتها التصوير التلفزيوني الرقيق الحواشي والايطالي (وليس الهوليوودي).

والروايات الميدانية والحقلية والحوادث الظرفية التي ينقلها المراسل عن شهود من أهل البلاد والمناطق التي ابتليت ببلوى الدولة الخلافة بعد بلواها بولاية دولة العصابة، هي تحقيق النهج الاستخباري الشرعي الذي تقدمت صفته. فالتسلل خفية من مكاتب الدعوة المشحونة بالمقاتلين والسلاح في سرمدة وأطمة وكفرتاخريم والدنا وسلقين، بجوار ادلب، بعد تسلله الى الباب وأتارب وأعزاز ومنبج، غير بعيد من حلب، فصل من فصول مباغتة النواة الاستخبارية الاهالي والجماعات من حيث لا يحتسبون، وقيادتهم الى الاسلام ودولته وخلافته قسراً وعلى غير علم منهم ولا إرادة. والحذر والتهذيب، والاقنعة السود المعمية، وتجنيد السوريين في سبيل كسب ثقة الاهالي قبل تقليص عددهم واستجلاب أجانب لا تربطهم رابطة بالأهالي، وعزل المجندين، عرباً وأجانب، عن الجوار وقصرهم على الدوران في دائرتهم والانكفاء على عالمهم الخاص وغير المشترك مع أحد، وتنقيلهم تمويهاً وخداعاً من موضع الى آخر لتشبيه كثرتهم على الجمهور- هذه كلها توجتها الاغتيالات الخفية وأعمال الخطف وإلقاء الجثث خلسة. فتمويه الأعمال، وتجهيل الفاعلين، حين التعليل يفضي لا محالة الى مسؤولية المقنعين والمتخفين عن الاغتيالات، يشبه شبهاً قوياً صنيع الاجهزة الأسدية والصدامية والحرسية في ما لا يحصى من المعارضين والمتحفظين.

والتقنية الاجرائية والذرائعية التي تغلب على صحائف الحجي العراقي والصدامي ونهجه تتحدر، زمناً وفكراً، من حركات «الإحياء» والاصلاح و»التنظيم»، الاسلامية والقومية. فهذه الحركات وولائدها، الى اليوم، نصبت خارج الحركات وملابساتها وعواملها وفوقها مثالاً ناجزاً ومعيارياً معاً. وأوجبت على نفسها، وعلى قواعدها الاجتماعية والسياسية، محاكاة المثال التاريخي والمعياري، الخارجي والفوقي، المفترض. وقضت قضاء «قاطعاً» بفساد «المادة» أو الطينة التاريخية والاجتماعية القائمة والحاصلة، من مؤسسات وهيئات وعلاقات وبشر وأفكار. وأنكرت عليها اشتمالها على معنى أو حقيقة، وأنكرت جدارتها بالتناول والسؤال والتفكير. فالمعنى الوحيد الذي قد يُقر به للمؤسسات والهيئات والعلاقات... هو الحاصل من الفرق بينها وبين المثال المعياري، أي الاختلاف الجوهري بين الوجهين. وليس «التوحش» إلا اسم الهوة التي تفصل الدارين، دار الاسلام والعروبة ودار الكفر والجاهلية الغربي، الواحدة من الاخرى. وهو دار السباء أو السيبة التي أنشأها الحلف الفلسطيني والسوري في الارض اللبنانية، ورعتها السياسة السورية نحو ربع القرن منفردة (1982-2005، والى اليوم فعلاً).

و»يؤرخ» أبو بكر ناجي لهذه الحال، فيرد «بعض هذا التوحش» الى سقوط دولة الخلافة وتقسيمها في «معاهدة سايكس بيكو». وينيط بعض الاستقرار «بمقدار قوة علاقات (الحكومات) مع هذه القوات العسكرية وقدرة هذه القوات على المحافظة على شكل الدولة». فقامت أنظمة الحكم في بلاد الإسلام على الدوران في فلك أحد القطبين الدوليين، بقوة «قادة جيوش هذه الدول والقيادات المتنفذة في تلك الجيوش». و»خالفت هذه الانظمة عقيدة المجتمعات التي تحكمها». وهذه المخالفة هي بيت القصيد السياسي والعسكري. والقوى التي «يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع» قوتان: قوة الشعوب، وهذه مدجنة ومغيبة (و»نقابية صنفية» على قول لينين في «ما العمل») و»قوة الجيوش» الفاسدة المفسدة. فلا يبقى إلا «فئة قليلة من العقلاء والشرفاء» هي الطليعة الثورية المؤمنة «بحياة أخرى وإله» والمؤلفة من أفراد ليس عندهم ما يخسرونه، على قول الضابط المصري والمسلم والسلفي الجهادي. ودار الاسلام هي مسرح الحرب الكونية الهرمجدونية وفوضاها.
 

السبت، 25 أبريل 2015

وقوف على أنقاض "13 نيسان"... وأوقافه الذُرّية

(المستقبل، نوافذ، 26/4/2015)
  بين وقت وآخر يركب المتنقل في سيارة أجرة عمومية الى جنب سواق "عمومي" (بدوره)، ويلاحظ بعد ثوانٍ من ركوبه وجه السواق الساهم والمنقبض. وتسنح فرصة الحديث أو الكلام، على غير توقع ولا تمهيد. فينظر الرجل الساهم والغائر العينين الى بناء مشرف على الطريق، يدل حَجَره المرصوص والمقصَّب وزجاج نوافذه الواسعة والمظللة على ثراء ونعمة، ويسرُّ لنفسه، من غير مقدمة، ويكاد الصوت لا يسمع:" كان لازم هالبناية تتهدم وما تتعمر". فيسأل الراكب جاره الذي لم يَخْتره وجعله كلامه طرفاً في محادثة لم يردها، ولم يتوقعها: "بتعرف حدا فيها؟". فلا يعير الرجل الثلاثيني أو الاربعيني الجالس وراء المقود، والمتجهم العينين السوداوين والقسمات والخَلِق القميص، الراكب السائل نظرة أو التفاتة، ويقول من غير انقطاع:" ليش لازم الواحد يعرف، كلهم مثل بعضهن، كلهن حراميي ومصاصين دم". وقبل أن يعد الراكب جواباً او سؤالاً أو كلاماً يداري به دهشته وخوفه من الهاوية التي فتحتها نقمة المحدث الباردة والقاطعة، ختم الرجل تأمله: "الحرب كانت أحسن. ما حدا كان يجوع".
حرب غير منكرة




  والحرب الحسنة التي يقصدها السواق، ويراها كافية من جوع ومقتصة من فرق مكانة وطبقة لا يطاق، هي "الحرب" التي مضى قبل أيام على ابتدائها أو انفجارها أربعون سنة تامة، وأحسب ان الشوفير الناقم دخلها وهو في العاشرة من العمر. وبعض الذين احتفلوا بمضي الاعوام الاربعين، أو تذكروا استهلالها المتعارَف والمكرس، شهدوا الاستهلال أو روي لهم، استعجلوا الاحتفال أو التذكر، وطووا هذا أو ذاك. وبعض من كتبوا أو تكلموا (على شاشة صغيرة) في 13 نيسان (1975) العتيد، بدوا أقرب الى التخفف من ثقل الحادثة، وقيامها معلماً على تاريخ لاحق كانت فاتحته أو أرهصت به، منهم الى استعادتها، والتأريخ لها، والتفكير فيها أو تدبرها. وذهب بعضهم (معظمهم؟) الى ان الحادثة المفترضة معلماً او مفترقاً فاصلاً لم تنصَّب على هذه الصفة إلا اصطلاحاً وتعسفاً. فهي، على زعمهم، لم تفتتح زمناً أو حالاً- فـ"الحرب" كانت على قدم وساق، قائمة وقاعدة-، ولم تستبق ختام زمن أو حال- فهي لا تزال مقيمة ومزمنة. وعلى هذا، فليس ثمة ما ينتطح فيه عنزان. وإذا أصرا على الانتطاح أو التناطح فليس ثمة ما... ويمر هذا لا إلى غاية أو نهاية. وفي ميزان الامد الطويل يبطل احتساب النتائج، وليس بين الاحياء من يسعه الشهادة على صواب التوقع أو خطئه، على ما نبه كِيْنز، صاحب الاقتصاديات الاشهر.

 فهل مضت "الحرب" – والمفرد الغريب كناية مغرضة عن كثرة مهملة- وانصرمت وتبددت ولم تخلف أثراً لا في حساب الزمن ووقائعه وحوادثه؟ ولا في حساب المشاعر والاحاسيس والافكار والصور، وما نسميه حياة ونعني به، إذا وسعنا إيجاب معنى، خضماً متلاطماً ولا تسبر قيعانه من الاحتمالات الهاربة والمتجددة؟ وهل انسلت، من غير ان ننتبه او ندري، من خيطان ثوب قديم ومهترئ، فتقطعت نتفاً وذرات وتخفت بين طيات "أثواب" أخرى لا تشبه الثوب القديم ولا تتشارك وإياه معالم تُتعرَّف؟ ولا يقصد بمضي "الحرب" أو تبددها غيبتها عن الحساب والتدبر السياسيين الراهنين، ولا انكماش ظلها عن حوادث الحاضر المديد والمترجح بين دفتي عقد من السنين. فهذا ظاهر. وهو لا يقتصر على 13 نيسان أو "حرب السنتين"، الى "حرب" 1982 التي أجلت المنظمات الفلسطينية المسلحة و"حركتها الوطنية"، وولدت الجماعة الخمينية المسلحة. فسؤال بعض المحاربين القدامى، من الكتّاب على وجه التخصيص، عن رأيهم اليوم في خوضهم حرب البارحة، وانخراطهم المحموم فيها، (وجواب شطر منهم، معظمهم؟ أنهم لا ينكرون حربهم هذه ويرون انخراطهم سائغاً)، هذا السؤال بدوره فقد مسوغه والداعي إليه، ولا يلتفت أحد إليه منذ أعوام طويلة. وهو شأن بوسطة عين الرمان، كفت الصحف عن إثبات صورتها، ما خلا بعض الصحف الاجنبية.

 والقول ان "الحرب" لم تمضِ، وأن معاصريها، على أنحاء المُعاصرة وأوجهها، يحملون ندوبها وأنقاضها الكثيرة، ليس جواباً شافياً (كيف الحكم في الجواب الشافي، والسؤال وصاحبه على هذا الابهام؟). فالحادثة الفاصلة، شأن التقاليد والتراث، وشأن المواضي، ليست شيئاً قائماً في نفسه وبنفسه. فلا تدوم وتبقى وتفعل، على مقادير متفاوتة، إلا من طريق معانيها، وملابسة هذه المعاني توجهات الناس في حاضرهم (حواضرهم)، وعلاقاتهم وأواصرهم ومنازعاتهم. ومن اليسير علينا، نحن المتخلفين والمتحدرين من هذه المواضي، وصل الخيوط التي تربطنا بحوادث ترقى تدريجاً الى 13 نيسان (1975). فالهجرات والأسفار والمَقاتل والمصارع والأتراح والخسائر والولادات والفرص واللقاءات والرجعات، وكلها وغيرها خيوط تعقد بين المصائر والمآلات وبين عللها وأسبابها. والفجوات بين هذه وبين تلك تملأها المصادفات وحرية الاختيار والآراء التي يراها أصحابها إذا لم يكونوا مكرهين على رأي لا يرونه أو على عمل يضطرون إليه.

ذراري اليوم



 ولكنه وصْل، إذا أراده مريد وتكلف مشقته، لا يصل اهل مجتمع بمواضيهم المشتركة أو المفردة وصلاً حياً يتداولونه، ويديرون عليه بعض حواضرهم وعلاقاتهم ومسالكهم الى آتيهم. فبعض من يحاولون الوصْل، ويعلنون محاولتهم أو محاولاتهم، يقولون اليوم أنهم لا يذكرون كيف انقلبوا من عشية "الحرب" الى غداتها، ولم يبق في ذاكراتهم ما يسعفهم على تعقب أثر أو اقتفائه وقراءته. وبعض آخر يحمل أعقاب "الحرب" وذراريها على أوائلها، ويرى حوادث اليوم ترديداً لحوادث بارحات تردد المرسوم الماضية. فكتبت وداد حلواني (رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وهي ملهمة حملة "حقنا نعرف" وقبلها حملة "تنذكر وما تنعاد" وبعدها حملة "40 الحرب"- فهي على هذا نصب ذاكرة "الحرب" الحي)، كتبت تقول:" أما اليوم، وبعد مرور 15 سنة (...) صار الوطن أرضاً خصبة لتفريخ الحروب، لتأييدها وخندقتها، لتعليقها على حروب الآخرين، تتغذى منها وتغذيها، كأننا أمام تجسيد مذهل لقانون الأوعية المتواصلة...". وتخلص الى ان "المطلوب أصبح أكثر من وقفة رمزية في 13 نيسان. صار المطلوب جردة وطن (...) جردة لما حصل خلال 40 سنة...".

 وفي كلتا الحالين، حال من تبددت "حربه" هباءً يعصى الرسم والجمع والاستدلال وحال من يراها متناسلة في ذراري لا تحصى ولا تنقطع، تتصور "الحرب" في صورة (طارئ) دخيل وغريب حل بنا على رغم منا وكراهة، وقلب أحوالنا رأساً على عقب، ولم يخلف ما نستدل به على إطافته ونزوله وأثره. والحق أن تناول الحروب المتطاولة والمتعرجة التي تنقلنا بواسطتها ومن طريقها بين أظهر أنواع المعضلات والازمات والمنازعات، الوطنية والمحلية والاجتماعية والثقافية والدولية والحقوقية والعسكرية والعصبية والانفعالية واللغوية...، لم يكن يوماً في متناولنا أو متناول مجتمع جماعاتنا، ولم نسعَ يوماً في جعله في متناولنا. وإذا صدق الزعم أن معرفة الافعال الانسانية أيسر على أصحابها وفاعليها من معرفة حوادث الطبيعة المستقلة عن الفاعلين، وجب الاستدراك على القول، والتنبيه الى  ان افعال الناس المشتركة تكاد تكون ولا فاعل لها أو فاعلين معروفين، يعرفون أنفسهم وما فعلوا ويعرفهم غيرهم.

 والذين تبنوا "13 نيسان" ونسبوه، ونسبوا آله (ذريته) الى أبوتهم وأمومتهم، وفاخروا بذريتهم هذه، كثر. وساندت التبني وأيدته كوكبة من الشارات البهية والمعاني السامية. فوعد أصحابُ اليوم العتيد وعداً قاطعاً وملزماً، إلهياً قبل ابتذال الصفة الحسنى والمصونة، بتبديد الغبن، أو بالمساواة الحقيقية و"الاجتماعية"  غير الشكلية والقانونية وحسب. وتوحدوا على مداواة الخوف من طريق إحقاق الحق وإلغاء التفاوت والظلم. وقدموا وطنية صافية- عروبية منفتحة، وحضارية وفلسطينية ديموقراطية قالوا، أممية سمحاء سبق أن حضنت شعوب القوقاز المسلمة برفق، على مذهبية عصبية ودموية فائتة وضيقة. وأوكلوا الى الشعب، المسلح والقوي، وجماهيره المنظمة واليقظة، خوض حروب جميلة تحرر الشعب، وهو يخوضها من تلقائه سيداً متآخياً ومميزاً ببديهته وقريحته العدو من الصديق، من رهاب العدو الكولونيالي والامبريالي والصهيوني.

 فيستعيد صورته عن نفسه، وهويته على الوجه التاريخي الاصيل، والشرعي من بعد، وليس على الوجه المستعار والمزيف، الكفري من بعد. ومضت الوعود والعهود الهاذية والمتعاظمة على نفخها في الشارات والمعاني. واختلطت بالثارات للأرض المغتصبة، والدم المسفوح (والحسيني من بعد) ظلماً، وبانجاز عودة المشردين والمعذبين واللاجئين، المستضعفين من بعد، الى الفردوس المفقود أو الضائع الواحد والموحد. وانتصب البطل (-الشعب) المهدي أو الخراساني من بعد، فوق الجماهير الغفل، وخرج منها خروج الزهرة من الكم، وصرع الكولونيالي الامبريالي، السفياني والاعور الدجال. فلا فقر ولا استلاب ولا تخلف بعد اليوم، ولا عملاء ولا زبائن أو مشايخ نفط ولا كومبرادور.

 فهل صدَّق "الناس" – على المعنى القرآني، أي ملأ القبائل- الوعود والعهود هذه؟ وقد يكون السؤال الوجيه، على خلاف سؤال لا حجة على صدق جوابه، هو التالي: بماذا ملأ "الناس" الوعود والعهود هذه؟ وما هي الاعيان، أو المادة العينية والحسية الملموسة على قول "الجبهة الديموقراطية" يومذاك، التي أدخلوها تحت الشارات والاعلام، وحملوا هذه عليها؟ ويسع من يهمه الجواب جمع بعض القرائن، وتناولها بتعليل أو تأويل لا يقتصر على الرجم. فما أن رفعت "المقاومة"، وهذا اسم ثابت على مر السلالات والسلطنات القاهرة، شارة الحرب المديدة والزاحفة حتى أعربت جماهيرها ومنظماتها عن المادة العينية والحسية الملموسة التي تحسبها مناسبة أو مطابقةً معنى العهد أو التاريخ الجديد والموعود. فإذا بها، المادة العينية، قريبة من نبؤة شوفير السيارة العمومية: "كان لازم هالبلد (وليس البناية) يتهدم وما يتعمر، ليش لازم الواحد يعرف، كلهم مثل بعضهن، كلهن حراميي ومصاصين دم، الحرب (دايماً) أحسن، ما حد بيجوع (فيها)".

 وليس كلام شاهد اليوم استرجاعاً متعسفاً واعتباطياً. ففي أثناء حدوث الحوادث، ووقوع الوقائع، هالت الحوادث والوقائع بعض المعاصرين. فلم تمض اسابيع قليلة على اليوم العتيد، وقبل رفع المتاريس وحفر الخنادق واستقرار الخطوط أو الجبهات، حتى عمت بعض أحياء المدينة (بيروت) وأسواقها المتفجرات، وقطعت بعض الحواجز طرقات الوصل العريضة، واعتلى قناصة بعض السطوح العالية والمشرفة على طرقات الاحياء الداخلية. وحالت دوريات مسلحة مسائية مرتجلة الطرقات والمداخل والمخارج، ودققت في الاوراق الثبوتية، ووضع بعضُها شارات مُعْلَمة على أبواب مبانٍ يقيم بها سكان "مختلطون" (من طوائف دينية غير الطوائف الغالبة في الحي أو الشارع أو المنطقة، على ما أخذ القول يدرج).



الجائزة الكبرى



 وهذه المقدمات مهدت الطريق الى بيت القصيد أو صلب الأمر. فاجتاح اهل الضعف، وعوام الجماعات العصبية وشبانها ("صبيتها"، على قول منظر مكتهل وناضج)، الاحياء والشوارع، و"أطروها" بالحواجز والخنادق والمكاتب والدوريات والقنص، وفتشوا الدور والبيوت، وأنزلوا السكان المشبوهين من غير الملة وأحرجوهم على رجاء إخراجهم الذي لم يتأخر، وأوقفوا الجواسيس المحتملين، وصادروهم على وسائل الاتصال وعلى غيرها، وتحرشوا بالبنات... وهذه الافعال توسعت شيئاً فشيئاً: فاجتازت الفرق الصغيرة والمحلية حدود حاراتها وشوارعها، وانتصبت لتطهير الحارات والشوارع المجاورة والبعيدة. فأغارت على بعضها، وتحللت في غاراتها من قيود الجوار وبعض الإلفة ومن الحياء الذي يصاحبهما. فاحتلت مباني كاملة، وأجلت عنها سكانها الميسورين والاقل يسراً أو يساراً، ونهبت أثاث المنازل، وأجهزة المكاتب والآلات، وسلع المحال.

 وتخطت أجزاءَ الاحياء المتوسطة بين حارات الاهل وبين شريط الساحل والمرفأ والأسواق، حيث الجائزة الكبرى الى المخازن والمصارف. وخطف كثيرون في الاثناء، وأطلقوا بعد وساطة وصفقة، أو قتلوا ثأراً. وأحاطت بأحياء الأهل أحزمة وفسحات أخليت للقتال. والقنص، قبل أن يخلفه القصف بالهواوين وبالمضادات والغراد والكاتيوشا، هو سلاح القتال الاثير. وتبادلت المناطق المهجرين. فتولى المسلحون إسكانها في الشقق المصادرة. واستدعى الاسكان التوسع في المصادرة. واقتضت "الهجرات" العريضة مصادرات نظيرها عرضاً، فنشأ الجناح (على الجهة الجنوبية الغربية من ساحل بيروت، وهي منطقة "البلاجات")، على سبيل المثل، عن هذه المصادرات، ويعزوها رواة شهود عيان الى بعض كبراء حركة التحرير الوطني العروبي والقومي والاممي.

 ودارت "السياسة" في الاثناء على دوام هذه الحال، والمضي على تقويض "تجدد الاجتماع" و"الاندماج الاجتماعي" (في مصطلح الاجتماعيات الهابيرماسية، وليس في المصطلح الحزبي الشيوعي والعالمثالثي الذي سوغ التقويض باسم الثورة على "الدولة" ونظام السيطرة والقمع والاستغلال والتبعية). وحلت هسترة الجسم الاجتماعي والسياسي محل إواليات السلطة والمفاوضة والوساطة والتحكيم والتمثيل والمساومة. فهذه كلها بدت تزويراً لعلاقات قوة متفاوتة وعارية، وإرجاء لحسم مباشر وباليد: فالسطو والسرقة والمصادرة والترهيب والطرد والقتل حق أو حقوق لا تحتاج الى وساطة هيئات أو مؤسسات او قواعد وقوانين. وكل توسيط هو قناع ميزان مائل لا تقوِّمه إلا الحرب الكلية والمطلقة، وعدالتها القاطعة.

 ولكن أحداً لم يقل هذه المقالة التي عصيت القول، وتعصاه اليوم في سوريا والعراق واليمن وبعض لبنان وليبيا و"الدولة" المزعومة، وفي إيران. و"الجماهير" التي تصدرت مصالحها وأهواؤها وثقافتها مسارح الاجتماع (المتنازع) المشتركة، تولت ومنظماتها وقياداتها ونخبها السلطة، وأنفذت أحكامها في أنحاء مسارح الاجتماع كلها. وتكشفت المقالات والبرامج السياسية، المرحلية والاستراتيجية، ومصطلحاتها الوطنية والديموقراطية والاصلاحية والشعبية والوحدوية، عن رغبات لا قاع لبؤسها وتفاهتها وعماها ومباشرتها وأنانيتها وسذاجتها. فهجم أهل الضعف والعوام وسواقط الجماعات ونخبها، تتقدمهم قيادات ومشيخات من الوكلاء وأشباه الوجهاء المحدثين وأنصافهم، على مرافق الاجتماع، وقسَّموها غنيمة فيما بينهم ونفَّلوها، واقتتلوا على تقسيمها ونهبها وخزنها وتوريثها. وتواطأت "طبقات وسطى" متعلمة مفترضة، على الهجوم والنهب والقسمة. ولم يرعها أن 370 ألفاً من فئاتها "العليا"، تعليماً وتأهيلاً، والشابة هربوا الى الخارج، في 1975-1979، ومعظمهم يحمل سمة هجرة دائمة. وهؤلاء كانوا بؤرة نزيف لم ينقطع، حمله العوام وسواقط الجماعات وبعض نخبها على رحيل طابور خامس تخلص الشعب الصميم والمصابر والمرابط في الثغور منه، ومن مفاسده وغربته.

 وما كان لبنية الاقتتال والتناثر أو التشظي التحتية التي رعتها حركات التحرير الفلسطينية في المرتبة الاولى، ووقعت هي من بعد ضحيتها، أن تتعهد تجديد لحمة سياسية واجتماعية وطنية أو أن تؤازر انبعاثها، على افتراض ان ثمة من يجد في نفسه القوة على التجديد والعزيمة عليه. فما تصدع وانهار وهوى في الاعوام القليلة التي أعقبت 13 نيسان 1975، وآذن على أنحاء كثيرة بالشقوق والتصدعات العربية المتناسلة والمتعاظمة، يتصل من طرق كثيرة بنواة السعي "العربي" المتثاقل والمتعثر في اطراح العلاقات العصبية والريعية السائدة والساحقة، وفي إنشاء أبنية عامة ومشتركة محلها. وهذا ما سبق لميشيل عفلق أن سماه، في التماعة حدس فريدة، مسألة "تقدمية العروبة" ("إن معركة عروبة لبنان هي معركة تقدمية العروبة"، على قوله في عبارة نضالية وعسكرية غالبة مذ ذاك).

 وهلل أهل الضعف وعوام الجماعات وسواقطها ونخبها للتصدع والانهيار، ولانتصار بنية الاقتتال والتناثر التحتية وثباتها. فالأبنية العامة والمشتركة، الوظيفية (الانتاجية والاقتصادية والادارية) والرمزية (الاعتقادية والثقافية والتواصلية)، عبء ثقيل على كاهل جماعات تنزع بكليتها وجماعها، اي برسوم اجتماعها وأبنيته، الى الانكفاء على هوياتها والاعتيال من ريوع مكاناتها وولاياتها وحروبها. وحملَ الجماعات إقرارُها بعجزها عن تجديد اللحمة أو استئنافها، وتسلميها بالأمر، الى توكيل من يتولى الامر بالوسائل المتاحة. وتولى الامر، بالوكالة والنيابة من يملك تحريك 30 ألف جندي، وألف دبابة، وآلاف المدافع الى لبنان "المشترك" مذذاك (الفلسطيني - اللبناني  ثم السوري- اللبناني فالايراني – اللبناني أخيراً وليس آخراً)، من غير حساب من رعية السلطان الصاغرة.


 وعلى خلاف تراث عامي لبناني دؤوب نجح في غضون قرنين وبعض القرن في قلب علاقات السيطرة العثمانية العقيمة وإصدار السلطة من تحتٍ مجتمِعٍ ومشترك، صادر الجماعات على السلطة والولاية جهازُ قوة خالصة، تربع في رأس جماعاته الوطنية المتناحرة المنقسمة، وتذرع بتناحرها وانقساماتها الى توحيدها الاداري والقومي قسراً ومن خارج. وها هي تنتضي تناحرها وانقساماتها سلاحاً مدمراً تُعمله في تقطيع "دولتها" ونفسها (أنفسها)، بعد أن رعت في بلاد "13 نيسان" مسخاً على شاكلتها، وعلى شاكلة الحال التي اسهمت في صناعتها. ولكن المسخ يفوقها قوة تدمير ومراوغة، هو المولود من ذرية هذا "اليوم"، ومن ذراريه المتقطعة والمهجَّرة وثاراتها وشهواتها المرسلة. وما يقوله السواق الساهم والمرير يقوله المسخ بملء الفم: "مجتمع الحرب" قَدَر جميل لا راد له الى فَرَج إمام الزمان وقيام الساعة.