السبت، 30 أبريل 2022

بوتين في مرآة بوتين

 يروي الصحافي الألماني في تلفزيون ARD، هوبرت سايبيل، أنه التقى الرئيس الروسي فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين في 2010، أي بين ولايتيه الرئاسيتين الثانية والثالثة.

وأثمر اللقاء الأول عملين صحافيين وإعلاميين طويلين، أولهما هو شريط وثائقي تلفزيوني وسمه الصحافي الألماني بـ"أنا بوتين- صورة" (أو بورتريه)، عرضته المحطة في 2012، بعد سنتين على المحاورة الظرفية الأولى. وبلغت ثقة السياسي الروسي بمحاوره أو محادثه مبلغاً دعاه إلى القبول ببث الشريط من غير أن يشاهده صاحب العلاقة وموضوع "الصورة".

وجرّت الثقة هذه، وقد اختبرها الرجلان في عشرات المحاورات واللقاءات المتصلة، والمتنقلة بين موسكو وسوتشي (على البحر الأسود) وسان بترسبيرغ (إلى الغرب) وفلاديفوستوك (إلى الشرق)، وعلى متن طائرات الرئيس، جرّت أو وَلّدت عملاً ثانياً هو كتاب نُشر صيف 2015، بعنوان "بوتين- رؤيا للسلطة" (نقله إلى الفرنسية، في السنة نفسها، كلود هانغلي وطبعته دار "دي سيرت" الباريسية).

واستمرت المقابلات والمحاورات إلى عشية صدور الكتاب. وصادفت العشية الطباعية عشية انخراط روسيا في الحروب السورية، أواخر أيلول/ سبتمبر 2015.

ولا شك في تعمُّد الصحافي التلفزيوني والكاتب الموازنة بين العملين والعنوانين. فينسب الوثائقي المرئي روايته المصوّرة إلى ضمير المتكلم الفرد، وإلى خاصِّه أو خصوصيته، بينما يُبرز الكتاب عمومية موضوعه السياسية، ويجرّد الفاعل ورجل الدولة و"يرفعه" إلى مرتبة "الرؤيا" أو الفكرة الجامعة والمتماسكة.




ويعارض بوتين بين الخصوصية وبين العمومية. فيسأل: "لماذا أسأل عن بنتيّ؟ بنتاي لا تشغلان عملاً سياسياً، وعلاقاتي الشخصية لا صلة لها بالسياسة، وهي شأني وحدي". ولم يكن الإعلام تناول يومها تستّر بوتين ببنتيه على ثروتهما الشخصية، والصحافي لم يسأله عن الأمر كله، ولا سأله عن صداقاته "الشخصية" بغيرهارد شرودر، المستشار الألماني السابق، أو فرنسوا فيون، رئيس وزراء فرنسا في رئاسة نيكولا ساركوزي (2007-2012)، أو بالثري الأوكراني الأول.

 

الموضوعي الأوحد

المقابلة أو المناقضة بين العام السياسي والتاريخي وبين الخاص الشخصي والذاتي معيار رأي يربط أجزاء الكتاب من غلافه الأول إلى دفّته الأخيرة. فهوبرت سايبيل ينعي على بعض الإعلام الألماني، وتلفزيون ARD منه، انحيازه وتحامله على السياسة الروسية، البوتينية في العشرين عاماً الأخيرة، من غير تبصُّر "حقيقي واستراتيجي" في هذه السياسة، على قوله.

ويشبّه أحكام هذا الشطر من الإعلام (ويعدد الصحافي، برهاناً على صدقه، كبريات الصحف اليومية، فرانكفورتر ألغماينه زايتونغ، وداي زايت وسودويتشه زايتونغ...) بالأسئلة التي يطرحها "المتنعّمون" بحياة رخيّة: أين في وسعي أكل أفضل صحن نباتي هذا المساء؟ أو أي ملابس عليَّ أن أرتديها؟ ولماذا لا يبيح بوتين زواج المثليين والمثليات في روسيا؟ (ص15-16 من الطبعة الفرنسية).

والتمثيل بهذا الصنف من الأسئلة على خفة الصحافة والرأي العام الألمانيّين، والغربيّين عموماً من بعد، قد يكون صدى لملاحظات الرئيس الروسي، وقد يعبِّر عن ظن محاور الرئيس الشخصي. وفي كلتا الحالين تفضي المقارنة بين الموقفين- الغربي، الألماني والأميركي والأوروبي والأوكراني والجورجي...، والروسي، البوتيني على الدوام أو المتفرّع عنه وعلى لسان أحد مساعديه- إلى مواجهة أو مجابهة بين الذاتي المغرق في ذاتيته واعتباطه، و"غير المشترك"، وبين "موازنة مصالح سياسية متباينة".

وهذه الموازنة يتولاها طرف واحد، هو فلاديمير بوتين، في المسائل كلها: في الشيشان، وكوسوفو، وغرق الغواصة كورسك، وغزو العراق، و"الثورات الملونة" الجورجية والأوكرانية، وفي ليبيا وسوريا "العربيتين"، وإسقاط الطائرة الماليزية MH17، وألعاب الشتاء الأولمبية بسوتشي، ومعالجة (أي قمع) الجمعيات والمنظمات غير الحكومية والمدنية، وإلغاء معظم الصحافة المستقلة. ولا عجب في تولي الرجل الموازنة على هذا النحو. فبينما يحسب الآخرون، وفي المرتبة الأولى أنغيلا ميركل وباراك أوباما ويليهما في المرتبة بعض وزراء الخارجية الأطلسيين، أن المسائل الاستراتيجية والتاريخية الكبيرة تعالَج من طريق تشبيه بوتين بالتلميذ المشاغب والجالس في المقعد الخلفي من الصف (أوباما) أو بلومه على عبوسه وحرده (ميركل)- ينصرف هو إلى التدقيق في "محل (المسألة) من سلّم المراتب والأولويات".

 

"عقل العالم"

فـ"أنا، بوتين"، أي رواية الحوادث من "وجهة نظر بوتين الموضوعية" (ص20)- على ما يكتب هوبرت سايبيل غافلاً عن الفرق المحتمل بين وجهة نظر شخص فرد، وبين استخلاص الموضوعية وإيجابها من المقارنة الواسعة بين جملة الفاعلين- تصبح في الكتاب على قدر صحتها في "الصورة" التلفزيونية والوثائقية الذاتية. وإذا جاز لبوتين الكلام على سيرته الخاصة والفردية بلسان المتكلم وضميره، لا ينبغي أن يحول حائل أو مانع بينه وبين الكلام المستفيض والجازم والصادق في قضايا "عصرنا" و"سماته"، على ما كانت تفعل توصيات المؤتمرات السوفياتية وندواتها العالمية و"كونفرانساتها".

"يُختصر بوتين في إرادته بعث ‘أمته’، وتجديد ثقتها في مكانتها وقيمتها، ودورها الفريد في عالم يدير ظهره لعظمتها، ويتلهّى بقشور تافهة مثل الحقوق الإنسانية عموماً وحقوق المثليين والمثليات"

فالرئيس الروسي الاتحادي، في مرآة نفسه ومرآة محادثه، هو على شاكلة الإمبراطور الفرنسي، نابليون الأول، في اليوم التالي لمعركة يينا (1806)، ماراً تحت نافذة الفيلسوف الألماني ج.ف.ف. هيغيل، بوصفه "عقل العالم على حصان" أو هو، على أضعف تقدير، عقل روسيا، "عموم الروسيا". و"ما كان للرئيس الروسي أن يضطلع طوال 15 عاماً بأعلى المناصب السياسية لو ماشت قراراته أهواءه وميوله الشخصية، بمنأى من التاريخ الروسي، ومن المنازعات الداخلية والمواجهات الشاملة" (ص19).

ومن بديع الاتفاقات أن مراحل حياة بوتين، من طفولته في سان بترسبيرغ، وخدمته في شرق ألمانيا، وعودته إلى مدينته، توازي موازاةً تامة انقطاعات تاريخ وطنه وأمّته (المصدر نفسه). ويُختصر الرجل في إرادته بعث "أمته"، وتجديد ثقتها في مكانتها وقيمتها، ودورها الفريد في عالم يدير ظهره لعظمتها، ويتلهّى بقشور تافهة مثل الحقوق الإنسانية عموماً وحقوق المثليين والمثليات.

ويصوغ الرئيس في صيغ كثيرة، ويكرر صداه الإعلامي صياغاته، مقالته الذائعة في أن انهيار الاتحاد السوفياتي هو "أعظم مأساة جيوسياسية أو استراتيجية في القرن العشرين". وينفي، في الآن نفسه، إرادته إحياء الاتحاد السوفياتي. ويذهب، ساخراً، إلى أن مَن يراوده مثل هذا العلم "مجنون" أو لا عقل له، ولكن مَن لا يأسى للكارثة "لا قلب له". والاستدراك المزدوج، وجنون الحالم و"لا قلب" المتشفّي، أو غير المبالي، يضمر طعناً قاسياً وثأرياً على مَن حملوا انهيار الاتحاد السوفياتي على فرصة أممهم ودولهم التاريخية في التحرر من "سجن الشعوب" الذي كانه اتحاد الجمهوريات الاشتراكية والسوفياتية ("أربع كذبات في أربع كلمات"، على قول أحدهم). وهي حال دول المعسكر الاشتراكي السابق ومعظم شعوبها.

 

إرث الانهيار

ويدعو الإقلاع، طوعاً أو كرهاً، عن إحياء الاتحاد السوفياتي إلى تدبّر تعليل مقبول لانهياره، وللنهج السياسي الذي ينتهجه اليوم الرئيس الروسي "الأبدي". ويمر المتحاوران على "نهاية الشيوعية" من غير إلحاح. فهي ثمرة "إفلاس" أو قصور ضخم. وتتحمّل النخبة السوفياتية الحاكمة التبعة عن الإفلاس أولاً، وعن غفلتها عنه، وعدم توقّعها إياه، ثانياً. وعلى رأس هذه النخبة آخر أمين عام للحزب الشيوعي وآخر رئيس الاتحاد، ميخائيل غورباتشيف.

والأمر الذي يستحوذ على اهتمام فلاديمير بوتين ليس تعليل الانهيار، على رغم شغفه بالتاريخ، و"تاريخيته" الشخصية الروسية والعميقة، بل ما خلّفه الانهيار. وهو لا يشك في أن ثورة الشيشان على موسكو في أوائل عهد بوتين رئيساً للوزراء وخلافته بوريس يلتسين، وغرق الغواصة "كورسك" في مياه بحر بارينتس القطبية وفيها 171 بحاراً، وتقاسم الأوليغارشية الرأسمالية المحدثة مرافق الدولة والاقتتال عليها، وتهريب عوائدها إلى الأسواق والمنتجعات الأوروبية- هي أعراض الضعف المميت الذي دبّ في أوصال الإمبراطورية العظيمة.

وهو لا يعزو هذه الأعراض إلى "الغرب"، مباشرة وعمداً. ويلاحظ، قلِقاً و"موضوعياً"، أن منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والسياسيين الغربيين من ورائها، تتناسى "جنون" الإسلاميين الشيشان و"إرهابهم" (قبل 11 أيلول/ سبتمبر 2001، يقول منبّهاً ومدلاً بسبقه) وطردهم 200 ألف روسي مقيمين بينهم، وتتحفظ عن أساليب حرب القوات الروسية، وانتهاكات الكي جي بي "الذي لم يفهم معنى قيم الحضارة والسيادة خارج النظام السوفياتي السابق" (ص159)، أي في دول الغرب ومجتمعاته الهاجسة، على ما يرى الرئيس والإعلامي، بالمثلية والطعام الصحي والمحافظة على البيئة.

"الغرب لا يفهم"

وليس مصدر حملة الرئيس المزمن على الغرب، وعلى "أدواته" الصريحة والمواربة، كراهية أصيلة أو ضغينة قاصرة. فثمرة اختباراته ومشاهداته، المطابقة انعطافات التاريخ الروسي على ما تقدّم القول، هي أن روسيا، الشعب والأمة والحضارة، ودولتها، أمر أو شيء واحد. ولا تعقل روسيا من غير نهضة دولتها القوية. وتقييد إنهاض الدولة المتصدّعة والمتداعية بشروط قانونية أو إنسانية أو سياسية أو أخلاقية، على ما يفعل الغرب، عدوان صريح على روسيا و"روحها" وقيمها وطريقها الخاص أو عبقريتها.

"ثمرة اختبارات ومشاهدات بوتين... هي أن روسيا، الشعب والأمة والحضارة، ودولتها، أمر أو شيء واحد. ولا تعقل روسيا من غير نهضة دولتها القوية. وتقييد إنهاض الدولة المتصدّعة والمتداعية بشروط قانونية أو إنسانية أو سياسية أو أخلاقية، على ما يفعل الغرب، عدوان صريح"

وتتكرر جملة "هذا ما لا يفهمه الغرب" في الأمور والحوادث التي تتعلق، من قريب أو بعيد، بإعمال القوة في المجالات كلها، ويعود معظمها إلى تاريخ سابق، قريب أو بعيد. فلما أمر بوتين، غداة انفجارات دمّرت مباني سكنية بموسكو، في أيلول/ سبتمبر 1999- ونسبها رئيس الوزراء الجديد إلى الشيشان، وشن الحرب الروسية الثانية رداً عليها- لاحظ مراقبون روس وأجانب أن دستور 1992 الروسي لا يخوّل رئيس الوزراء تحريك الجيش، وينيط ذلك برئيس الجمهورية، وهذا ما لم يكنه الرجل بعد. فعلّق مثلث الرئاسات، "هو يحتسي فنجان قهوة" (ص158)، أن الغرب لم يفهم مبادرته إلى الحرب، على رغم القيد الدستوري، إلا بعد تعرُّض نيويورك وواشنطن لإرهاب الإسلاميين الجهاديين.


فلاديمير بوتين (رويترز)

وفي شأن الشيشان، كما في شؤون جورجيا وأوكرانيا وسوريا، لا يفهم "داعية" الديموقراطية والحقوق الإنسانية والمحكمة الجنائية الدولية، الغربي، أن سجل القوم منذ القدم ("التاريخ") يدعو إلى الشك: فسبق لستالين أن "اضطر" إلى ترحيل نصف مليون شيشاني عقاباً (اضطرارياً)، على تعاونهم والجيش الألماني الغازي. والخلاف بين جورجيا وبين أوسيتيا الجنوبية، وهو "السبب" المعلن في "تدخّل روسيا وحربها على الدولة القوقازية القريبة وعلى رئيسها ‘الأميركي’، قديم" (ص211). وعلى مثال الشيشان، وميلهم إلى العمالة والخيانة، ينوء الأوكرانيون بأوزار عمالة وخيانة و"نازية" ثابتة في أثناء "الحرب الوطنية الكبرى". ولا يفهم الغرب أن على أوكرانيا تسديد حسابها عن انحرافها ووصمتها الأبديّين.

 

تقويض الدولة

واستنهاض روسيا، أو عموم "العالم الروسي"، على قول بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الموسكوبية ورأسها، كيرللس- وهي غير كنيسة إسطنبول، وغير الكنيسة اليونانية- لا يستقيم من غير جمع "أراضيها" أو "أوطانها"، على معنى صوفيّ وإمبراطوري بيزنطي، تحت راية موسكو، أو "روما الثالثة"، بحسب مزاعم رأسي الدولة والكنيسة، الخلاصية والأخروية. والأراضي المجموعة، والمقدّسة، لا تشترط رضا الأهالي أو السكان، ولا تشترط بالأحرى رأي المواطنين، واستفتاءهم على هويتهم ووطنهم وأمتهم، على خلاف المذهب الغربي.

والدعوات إلى استفتاء من هذا الصنف، وفي مثل هذه المسائل "الجبرية"، على وصف الكلام الإسلامي، بذريعة الديموقراطية والمجتمع المدني والحقوق الإنسانية والسياسية والمدنية، لا غرض لها إلا تقويض الدولة، وإضعافها، وتركها فريسة سائغةً للسياسة الأطلسية. والغرب عامل انحطاط وأفول، على ما ترى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، على لسان الكاهن تيخون- معرِّف فلاديمير بوتين ومناوله (الاعتراف والمناولة هما، إلى القداس، الشعيرتان المسيحيتان المقدمتان) في مصلّاه أو كنيسته المنزلية)-، مندوب الكنيسة إلى محاورات الكتاب (ص 85- 93).

"واستنهاض روسيا، أو عموم ‘العالم الروسي’، على قول بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الموسكوبية، لا يستقيم من غير جمع ‘أراضيها’ أو ‘أوطانها’، على معنى صوفيّ وإمبراطوري بيزنطي، تحت راية موسكو، أو ‘روما الثالثة’... والأراضي المجموعة، والمقدّسة، لا تشترط رضا الأهالي أو السكان"

ولا يفهم الرئيس بوتين، ومعه الصحافي الذي يحاوره ويذيع أقواله، تحفّظ الغرب عن حكم القانون الروسي، منذ 2012، بالعمالة في جمعيات تقرّ هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية، بتمويلها، ولا يتستّر جورج سوروس على رصد مؤسسته عشرات ملايين الدولارات لمساعدتها. فجمعية غولوس الروسية، وهي من هذا الصنف، تزعم لنفسها الحق في مراقبة نزاهة الانتخابات الروسية، وتحاسب الحكومة والرئاسة على إنفاقهما الانتخابي. وأدت المراقبة والمحاسبة إلى خروج عشرات آلاف المتظاهرين، في عشرات المدن الروسية، إلى الطرقات العامة، احتجاجاً على نتائج انتخابات 2012 الرئاسية. ولولا نشاط غولوس، و"مئات الجمعيات مثلها"، في رعاية الولايات المتحدة الأميركية (ص99)، لما تظاهر المتظاهرون.

وهذا المنطق في التعليل لا يرى موجباً لواقعةٍ اجتماعية وسياسية تاريخية، تتناول مصائر بلدان وشعوب، إلا من طريق عوامل أجنبية أمنية، أو دعوات إعلامية و"تدريبية" إلى تبنّي أنموذج ثقافي وسياسي يفترض دخيلاً على المجتمعات، ويقتصر أنصاره على بعض مَن درسوا في جامعات "أطلسية"، وأقاموا أعواماً طويلة في المهاجر. فالمجتمعات، وجماعاتها الجزئية وظروفها، ليست سبباً. ولا يجوز التعليل بها، في حسبان "السياديين" الروس وغيرهم، بالغاً ما بلغ عرض الحركة واتساعها وشمولها فئات مختلفة، وما بلغت معقولية المطاليب المرفوعة ومشروعيتها و"عفويتها".

والحوادث التي يستعرضها الرئيس وصحافيُّه (وسبق الإلماح إليها) كلها قضايا دولة. ويُرجع في بتّها إلى علل الدولة، وتحاذي الحرب على الدوام لأنها تدور على الأمن الوطني أو "القومي"، وتلابس وجود الدولة- الشعب وبقاءها (بوتين في 23/2/2022، عشية العدوان على أوكرانيا: "أي طعم يبقى للعالم إذا خلا من روسيا"، وليس في صيغة سؤال). والشاهد الكبير على الأمر هو الحرب العالمية "الثالثة". ويحرص المتحاوران على ألاّ يُتناول الموضوع إلا بواسطة شاهد غربي، ألماني هو هيلموت شميدت المستشار الأسبق، أو جون كينيدي، الرئيس الأميركي.

فيحتج الرئيس الروسي لرفضه توسُّع "الأطلسي"، وضمّه أوكرانيا، بشاهد من رسالة كينيدي إلى نيكيتا خروتشيف في تشرين الثاني/ نوفمبر 1962. فيومها كتب الرئيس الأميركي: "الأسلحة النووية بالغة التدمير، والصواريخ الباليستية بالغة السرعة، وأي تنقيلٍ في مواضع نصبها قد يُحمل على تهديد متعمّدٍ ودقيقٍ للسلم"، ويعلّق الصحافي قائلاً بلسان محادثه: الحال انقلبت، وروسيا اليوم هي هدف الصواريخ الأميركية (ص 290).

والمقارنة تهويل خالص. فالإحدى عشرة دولة التي انضمّت إلى الأطلسي، في 1999- 2008، وهي سعت في الانضمام خوفاً من إمبريالية روسيا البوتينية، لم ينشر الحلف فيها سلاحاً نووياً. واقتصر نشره على ألمانيا، على ما هي الحال منذ العقد السادس. وفي الأثناء تقلّص عدد الجنود الأميركيين المرابطين في إطار الحلف من 305 آلاف، إلى 64 ألفاً في 2020. وثمة اتفاق مكتوب على نظام المناورات وعدد مَن يشارك فيها، والمسافة التي تفصل مسرحها عن الحدود، وأنظمة السلاح...

https://raseef22.net/article/1087543-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B1%D8%A2%D8%A9-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86

رصيف، 29/4/2022

الاثنين، 28 فبراير 2022

اغتيالات "صغيرة" داخل انهيارات مصيرية"صغيرة" داخل انهيارات مصيرية

السبت 26 فبراير 2022

موقع رصيف 22  

بينما كان يُعِدّ أطراف البيت الشيعي العراقيون المنضوون في إطار تنسيقي يرعاه "فيلق القدس" الحرسي الإيراني العدة لإعلان مبادرة حلّ تُنهي الخلاف بين الفرضيتين أو العصبيتين الصدرية والمالكية-الخزعلية، اغتيل في العاشر من شباط/ فبراير شخصان في قلب مدينة ميسان الإداري، عاصمة محافظة العمارة بجنوب العراق، وسبق اغتيالهما مقتل أحد قادة "سرايا السلام"، منظمة المسلحين الصدريين، في المدينة نفسها.

الأهل والوظيفة

وقُتل في الأثناء، وفي المدينة، "قاضٍ رفيع"، على وصف الوكالات، هو رئيس "الهيئة القضائية" الناظرة في قضايا المخدرات وتجّارها وموزّعيها. وافتتح الشهر إرداء رائد في قوى الأمن، يسبق تعريفه الأهلي تعريفه الوظيفي، فهو شقيق أحد أنصار (يكتب صحافي: "أتباع") قيس الخزعلي، قائد "عصائب أهل الحق"، المنشقّة عن "جيش المهدي"، "والد" "سرايا السلام". وجاء قتل القائد الصدري رداً على قتل الرائد، شقيق القائد "العصائبي". وعلى المثال نفسه، والعين بالعين، هجم مسلحون على منزل الشيخ إبراهيم القطبي، الصدري، غداة اغتيال القاضي.

وبينما اغتيل الرائد، الموظف الرسمي، بالمسدس وخفيةً، قُتل شقيقه علناً، إذا جاز القول، في حراك 2019 وتظاهراته، وقتلته، في ميسان، جموع المتظاهرين المنكرين على السلطات الأمنية المتواطئة، وعلى أنصار الجماعات المسلحة الحاكمة والولائية الموالية لمراكز قوى إيرانية، قنص متظاهرين وخطفهم وتغييبهم، وحماية قنصليات الدولة الإيرانية في محافظات الجنوب، الشيعية في معظمها.

السابقة الكبيرة

والحق أن دلالة صور اللحظة هذه لا تنعقد إلا إذا أُدرجت في ملابساتها المتشابكة، وفي الزمن الذي يتجاوز الأسبوع والشهر أو السنة، أي الوقت الذي التُقطت الصور فيه. والوقوف عندها، واختيارها موضوعاً للنظر، دعا إليه، أو أملاه تداخلها مع الملابسات التي تحف بها، وتكرارها سوابق كثيرة.

والسابقة العراقية الكبيرة التي تنطوي على أشباه كثيرة تعود إلى سنتي الحراك العراقي المديني في الوسط والجنوب، في 2019- 2020/2021. والاغتيالات الأخيرة تصدر كلها، من طرف أو آخر، عن وقائع الحراك وحوادثه، ونشأت في ثناياه. فهو جمع في سياق متصل ومترابط- من حيث الشعارات والمطاليب ومواقف الحراكيين وإخراج المشاهد الدرامي والتوقيت...- معظم المنازعات والخلافات والتطلعات التي تمخّضت عنها أعوام الاحتلال الأميركي (2003- 2011)، غداة إسقاط صدام حسين، وأعوام حكومتي "الدعوة" ونصف حكومتها الأخيرة والمقنّعة.

فإلى أنقاض الجماعات والإدارات والاقتصادات والدويلات والأحزاب التي خلّفتها "القيادة" المجيدة، أضاف "النظام" الجديد علاته وأمراضه. فهو وُلد من تواطؤ الغزو الأميركي المضلِّل والمضلَّل مع دولة إيرانية تترجح بين جموحٍ إمبراطوري وبين عقلنة جمهورية حابية، ومع طاقم حاكم اقتصرت آدابه السياسية على التربص والاغتيالات وضيافة وفتنة على جيران يسنّون الأنياب والأظافر.

وحين نصّب الطاقم هذا حاكماً على العراقيين انصرف إلى لمّ الخردة والفتات، في أرضها ومن غير تكلّف تصنيعها. ودعا "الرعايا" إلى الحذو حذوه، والقناعة من استعادة العراق، وصدارته وتنوعه ومحوريته وثرواته، ببقايا الغنيمة البائتة: سمسرات على السرقات، وتزوير المناقصات، ورشوة هيئات التحكيم، وجباية العمولات على التهريب وتكثير مرافقه، والاستحواذ على نفقات موظفين ومجنّدين طيفيين. وكان هذا الشق الاقتصادي من سياسة لا قيد على تشرذمها وتفتتها، ولا على حدّة عداواتها وولاءاتها وعنفها الجهير والفظ.

"منحرفون" و"منحرفات"

وتظاهر المحتجون المدنيون والمدينيون والشباب والمتعلمون، والأرجح أن معظمهم من الشيعة ومن أنصار الأحزاب الشيعية المسلحة في أول أمرهم، واعتصموا في الساحات، ونصبوا الخيم فيها، واختلطوا وهتفوا وخطبوا وناموا وطبخوا وأكلوا وغنّوا ورقصوا ودبكوا، ودخّنوا كثيراً. وامتد حراكهم وفشا في عواصم المحافظات ومدنها الكبيرة. فكان رد جواب "الأحزاب"، وهي تسمي نفسها "عصائب" و"كتائب" و"سرايا" و"جيوشاً"، أي أسماء حربية، نفي الصفات السياسية والوطنية والأخلاقية "السويّة" عن المحتجين. وصوّرتهم في صورة المنحرفين (والمنحرفات) العقليين والاجتماعيين، الساعين (والساعيات) في إشباع غرائز ونوازع فردية ومتمرّدة على الأعراف والتقاليد.

في العراق، تظاهر المحتجون المدنيون والمدينيون "فكان رد جواب ‘الأحزاب’، وهي تسمي نفسها ‘عصائب’ و‘كتائب’ و‘سرايا’ و‘جيوشاً’، أي أسماء حربية، نفي الصفات السياسية والوطنية والأخلاقية ‘السويّة’ عن المحتجين"

وأردفت بالصورة الأولى هذه، ودورها هو نفي مضمون السياسة، وجدّها واعتبارها، عن الحراك وأصحابه، ونزع صفة المعارضة ابتداءً عنهم، صورة أخرى. فألحقتهم عنوة، ومن غير دليل سوى أقوال بعض السفراء والمبعوثين الدوليين والديبلوماسيين الأجانب في مديح علانية الحراك وأهله، بالسفارات الغربية. وهذه إضافة قديمة خَبِرتها السجالات الإعلامية والدعاوية العربية منذ ذر قرن الخلافات القبلية، وجدد "إعلام" أصفر محدث، لبناني وغير لبناني، خبثها المميت. وسوّغ هذا الإلحاق، الملحّ والخطابي، وصم الحراك بالمصائب التي خلّفها على العراقيين صدام حسين وجورج بوش الأب وجورج بوش الأبن وباراك أوباما وأبو بكر البغدادي وأبو إبراهيم القرشي...، مجتمعين متكافلين ومعجونين من طينة واحدة.

 

فكان أن قُتل من الحراكيين، وممن هم على ضفاف الحراك و"أريافه" قريباً من ستمئة قتيل. قُتل هؤلاء، وفيهم طلاب ومدرّسون وأطباء ومحامون ورواد مقاهٍ وسعاة بريد وهتّافون وإعلاميون وكتبة بيانات وموزعوها وقراؤها ومتطوّعو إعداد طعام ومعمّرو أرجيلة ومنشدو مجالس عزاء وحُداة قتلى الثارات... قُتلوا غيلة وقصداً، في ساحات الاعتصام وعند منصرفهم منها وعودتهم إلى منازلهم، وهم يديرون محرك سيارتهم صباحاً ويركنونها مساءً، وهم محمولون على أكتاف المتظاهرين أو يطلّون من نافذة "المطعم التركي"، يرتشفون القهوة على باب الخيمة أو يستقبلون زائراً صديقاً طال غيابهم عنه.

أبواب القَتَلة

والقتلة أصناف متفرّقة. والأرجح، على قول أصحاب القتلى ورفاقهم وشهود مصارعهم، أن معظمهم من قوى الأمن والشرطة، والقوات العسكرية. وهؤلاء أوكلت بهم وإليهم حماية المعتصمين من متظاهرين حزبيين مناهضين ومعادين ندبتهم أحزابهم وشيعهم المسلّحة إلى إجهاض الحراك، والاقتصاص من ناشطيه ووجوهه "المُلهِمة"، على وصف سائر. ويُفهم انقلاب الحماة والحرس إلى متربّصين وقتلة إذا عُرفت مصادر المجنّدين في السِلْكين، الأمني والعسكري.

فالكثرة (الكاثرة) منهم جزء من "الكوتا" الحزبية. وهي الحصة من الموظفين، المنسوبين على قول العراقيين، التي تقرّ الحكومات المتعاقبة بحق الجماعة الحزبية في تسديد الدولة راتباً لهم من الخزينة الوطنية. وتتولى الجماعة المنظمة تسميتهم وتزكيتهم. ويدخل هؤلاء الأسلاك المتفرقة، الإدارية والخدمية والأمنية والفنية، مثقلين بانتماءاتهم وأنسابهم الأهلية، وبالولاءات الناجمة عنها، والآسرة على رغم صفة الدولة المفارقة "المكونات"، والمتعالية عنها. و"الدفاع" عن الموصل في وجه "الدولة"، في صيف 2014، من إنجازات هذا التدبير الساطعة.

"تمثيل المكوّنات (العراقية)، عدداً وثقلاً نوعياً، في صلب أجهزة الدولة، والأمنية الداخلية والدفاعية منها، لا يشبع الشهوة الحزبية لاستدخال الأجهزة (التغلغل فيها)، ولا للتذرّع بها وبصفتها القانونية والمشروعة، وتنفيذ الجرائم الحزبية والأهلية والخاصة من وراء ستارتها"

وتمثيل المكوّنات، عدداً وثقلاً نوعياً، في صلب أجهزة الدولة، والأمنية الداخلية والدفاعية منها، لا يشبع الشهوة الحزبية لاستدخال الأجهزة (التغلغل فيها)، ولا للتذرّع بها وبصفتها القانونية والمشروعة، وتنفيذ الجرائم الحزبية والأهلية والخاصة من وراء ستارتها. فبعض الضحايا قتلهم حزبيون من غير "منسوبي" الأجهزة الحكومية، أو خارج أوقات عمل وظيفتهم أو "خدمتهم" المقررة. واندسّ مسلحون، حزبيون، في صفوف القوى النظامية، وضلعوا في الاغتيال من غير رادع.

ولا شك في أن بعض القتلة مجرمون "عامون" أو مجرمو "الحق العام"، على ما يسميهم المصطلح القضائي الفرنسي، أي عاديون، حملتهم على القتل العمد مصالحهم أو ثاراتهم الشخصية. وقاضي قضايا المخدرات القتيل، في ميسان، قد يكون من ضحايا الباب الأخير في القتل، وقرينة على كثرة الدواعي إليه، وعلى انتهاز فرصٍ "سياسية" في سبيل الإقدام عليه.

والخليط الظرفي من نزاعات وخلافات سياسية واجتماعية كثيرة الوجوه والأطراف والخصوم، ومن منافسة على المصالح والعوائد والشراكات والحمايات، يعمّي على وكلاء القتل وعلى الأصيلين الآمرين، على حد سواء. فبين قتلى الحراك، وبعضهم قُتل من غير أن يكون حراكياً أو ناشطاً، "صدريون" اغتنم خصومهم السياسيون أو الشخصيون فرصة زيارة إلى ساحة اعتصام أو تظاهرة وقتلوهم.

ولا يبرأ صدريون من تهمة اغتيال مشاركين في الحراك، أنكروا عليهم سلوكاً جنسياً لم يحتملوه أو شبهة سلوك. وقُتل في خضم الحراك، وعلى جنباته، مثليون ومثليات، أو نُسبت إليهم وإليهن المثلية. وقُتل موزّعو مخدرات بعضهم يعمل في إطار تجارة منظّمة، وآخرون يصطادون فرصة سانحة. والفروع على الاغتيال السياسي هذه لا تطعن في صدارة صرعى رأيهم وموقفهم السياسيّين المعارضين، وسعيهم في إنشاء معارضة فعلية ترسي الخلاف والانقسام على أركان ومحاور تقبل الجمع والتأليف والصلح، ولا تنفي النزاع ولا تقلل من حقه العاجل أو المؤجل من الاستيعاب والتقسيط والتحكيم.

الحدود والأحكام

يعود الخليط الظرفي والمديد الذي يضرب الاغتيال جذوره في تربته الوطنية والاجتماعية ويتجدد ويأمن المحاكمة، إلى استحالة ترتيب الفاعلين السياسيين على مراتب واضحة ومعروفة، وإلى ضياع أو امّحاء الحدود بين "القضايا". فحين يسع أبو علي العسكري، المسؤول الأمني لكتائب "حزب الله العراق"، القول إنه لن يتنازل عن سلاحه إلا لإمام الزمان، على ما قال المدعو فعلاً، ولا حق لمَن تنصّبه الانتخابات والقوانين مشرعاً، أو والياً (حاكماً)، أو عاملاً (على مصلحة أو مرفق)، في طلب الانقياد لأمره، يصبح تمييز رأي "أبو علي" في مهاجمة مطار في أربيل أو في ضاحية بغداد من إرادة أحد أنصاره إنفاذ حكمه بالقتل في متنشق مسحوق هيرويين، أمراً عسيراً أو محالاً.

وذلك أن مرجع الاقتصاص باليد ومباشرةً ممن "ينتهكون" الأوامر والنواهي في المسائل كلها، من أحكام الطهارة والنكاح إلى "أحكام" الحرب والصلح الدولية والإقليمية والوطنية، هذا المرجع يهتز تعيينه وتعريفه في أوقات الأزمات الحادة كتلك التي تعصف بمعظم بلداننا ومجتمعاتنا. ويستتبع انهيار الدولة- وهو لا يقتصر على تفكك القوات المسلحة والشرطة، وعلى انفراد أجهزة الأمن والاستخبارات بالسطوة المتعسفة، على ما تزعم الديكتاتوريات المزمنة، بل يتطاول الانهيار إلى موازين المعاملات ومعاييرها المعلنة والمضمرة معاً- (يستتبعه) دخول الطبقات الاجتماعية بعضها في بعض، وتلاشي معالمها، وانحلالها إلى جماعات مائعة.

فتقتتل الجماعات، أو يهادن بعضها بعضاً، وتتنقل بين العداوة والمسالمة بناء على ذرائع متقلبة ومتناقضة. ويَجمع أفراد الجماعات، المتذررين ذرات، بين التصوّف المتألّه، الديني الملّي، أو القومي العنصري، وبين السعي الخسيس في المنفعة الضيقة، من غير حرج. ويختلط أخص الخاص بأعم العام. وتنكفئ الجماعات الجزئية على معتقداتها وتحملها على مطلق لا يتسع لاجتهاد أو تباين. ولا تتماسك الجماعات إلا بواسطة الحرب. فتقيم على مجتمع حرب تسوده أحكام طوارئ، مضمرة ومرتجلة.

ألم تكن هذه العلامات على دنو قيام الساعة ولائحة أشراطها؟

 https://raseef22.net/article/1086624-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9


الاثنين، 29 أبريل 2019

اليرموك والباغوز، "الرئيس" و"الخليفة"... في صورتين فوتوغرافيتين



قبل نحو أسبوعين من إخراج بقايا مقاتلي "داعش" المتحصنين في بلدة الباغوز السورية، وقتلهم، وزعت وكالة الصحافة الفرنسية، في 20/3 صورة فوتوغرافية يُرى فيها أو عليها كتلة رخوة ومتصلة من قماش أسود تملأ ثلاثة أرباع الصورة. والربع الرابع الذي لا تخيم عليه الكتلة، ولا تكسوه بسوادها الفاحم، هو أرض متربة وغبراء تضيئها شمس يتوسط انحدارُها بعد ظهر النهار، على ما تشهد ظلال أشخاص مائلة إلى يمين الصورة. وهؤلاء يمشون في البقعة المضيئة أو يقفون فيها، وتفصل البقعة بين الكتلة المجتمعة في مقدم الصورة، وبين دائرة وراءها تقل إضاءتها عن إضاءة البقعة المتوسطة، إما لأن ترابها بنّي وداكن اللون وإما لأن شجرات (نخيل؟) قليلة، وتكاد تكون غير مرئية، حالت دون غلبة الغبار على التراب.

 وتُخيَّل النظرة الأولى الى الصورة- وهي على صفحة الصحيفة الورقية غيرها على شاشة الانترنت الملونة والبائتة الفروق بسبب الضوء- طفحاً جوفياً أسودَ ومعتماً على جلد الأرض وعمرانها الإنسي. فتبدو الكتلة الليلية الهشة شطراً أو ثقلاً ألقت به الأرض، وأخرجته من بطنها الحالك والمستتر. ولا يحسب الناظر أو الرائي أنه هو من يبادر إلى النظر وإلى تمييز ما يرى، فيخال أن الكتلة في قلب الصورة الفوتوغرافية هي مصدر النظر أو، بالأحرى، هي الهاجمة على النظر والآمرة في استدارجه وتثبيته واستفهامه عما يراه.
 ومن هذا الوجه، ثمة شبه وفرق قويان بين صورة نساء "داعش" في الباغوز وبين صورة أهل مخيم اليرموك (صورة التقطتها ووزعتها وكالة الأونروا في 31/1/2014) بضاحية دمشق المحتشدين في انتظار توزيع الإعاشة عليهم غداة حصار قاسٍ دام أشهراً. فكتلتا الأبنية المدمرة والطيفية على جهتي الطريق، واحتشاد الناس صفوف رؤوس ووجوه في مجرى الطريق الضارب أولها في أفق لا ترى منه إلا فتحة ضوء شتائي، تشبِّه موجة عاتية قذفها بحر أو محيط شرس. وعلى وجه آخر، يتصور الجمع المكتظ والعميق في صورة يوم الحشر وانتظار الحساب والدينونة على أبواب جحيم، ناره انتظارٌ مديد وشاخص إلى موضع معلق. وعلى وجه ثالث يكني الحشدين الانقاض عن خروج الناس في صورة فئران من جحور مهدمة. تسري في حشد أهل اليرموك حركة مائية هائمة على "وجهها". وهذا المد هو ما يهجم على النظر، ويعلو به ويهبط، ويجنح ويغور في الوسط، ويرسم الوجوه والقيافة في مقدم الصورة ويُغرق المدَ في إغفال "الجماجم"، على قول جباة الأخرجة والأعشار، في مؤخرها.
 ولا تبقى صورة الداعشيات وقتاً طويلاً على إغفالها، ولو اقتصر تصفحها على صيغتها الورقية. فبين المسدلات على رؤوسهن وأكتافهن وأجسادهن النقاب الكامل، على ما يسمى النقاب الخالي من "طاقة" العينيين أو "منورهما"، نساء يعترض نقابهن، على سوية أعلى الرأس المدبب، ضوء أو وميض يلوح، على قول ابن الفارض في مسرى "ليلى العامرية مساءً"، من هذا الموضع. وقد يرى الرائي في طاقات أحجبة الرؤوس زجاج نظارات، أو محاجر عيون كائنات فضائية، على خطى سبيلبيرغ، وأفلامه الفضائية وصبغتها بصباغها مخيلة جمهور عريض ومتجدد.
 وإذا اهتدى الرائي بهذه الأضواء التي تشبه النجوم الغائرة في جوف سماء لا يدرك قاعها، وسعه الانتباه إلى أن صفحات الرؤوس (وليس الوجوه أولاً) التي يميزها ويخرجها من إغفال السواد المتصل لا تلبث أن تستوي على شاكلة وجوه. وهذه الوجوه لا تشخص إلى جهة واحدة، ولا إلى موضع واحد. وبعضها، من خلف ستر الحجاب، يخاطب بعضاً آخر، أو يعير أذنه مصدر كلام أو مخاطبة بالعينين أو التفاتة وجه أو حركة رأس أو بالنطق. فتميل الرأس على الرأس، ويشيح النظر عن النظر. وقد ترى يد، عارية أو في قفاز بلون الجلد، تمسك بأصابعها شيئاً، أو تقر شيئاً من لباس المرأة على موضعه، أو تستقر على كتف جارة أو على ذراعها.
 ويُلمّ بأعلى رؤوس النسوة الجالسات والمقتعدات التراب ضوء شحيح، لا يدري الرائي إذا كان السبب في شحه منه هو، من ضعفه، أم من قماش الأثواب التي تلبسها المنقبات من أعلى الرأس الى أخمص القدمين. وينتشر الضوء في كتلة النسوة على أنحاء ومقادير متفاوتة. فاللواتي يمينهن (جهة اليمين) إلى مصدر الضوء الغارب، حظ أعلاهن من الضوء الأغبر يفوق حظ أوساطهن. ويحدس الناظر إلى كتلتهن بقعاً بين الجالسات، كأنها بحيرات حبر، يفوق سوادها الحالك سائر السواد المولود من خليط القماش والغبار.

 وتشترك الصورتان الفوتوغرافيتان الداعشية وصورة أهل مخيم اليرموك، في التمثيل على الانسلاخ من عالم سفلي وغائر، والحط في عالم آخر لا يبرأ من الحطام والاضطراب والانهيار. وينزل العالم هذا بجوار الضوء، وتخرجه الفروق الكثيرة والمرئية، الألوان والرسوم والمسافات والظلال، من الشبه المعمّي والأخرس أو تفارقانهما على مثال واحد. فالداعشيات أخرجهن معهن طوعاً عباءاتهن، ورغبن طوعاً في الإبقاء على كتلتهن وسوادهن وخفائهن. والأرجح أنهن، لو استطعن، لحلن دون ظهور الفروق بينهن، ولتحجرن، من غير أضعف فرق، على مجانستهن بعضهن البعض الآخر، وواحدتهن الأخريات. فكتلتهن الصماء، وهن أردنها على هذه الشاكلة، مرآة معدنية يحفرن فيها شبهاً لا يعتوره فرق أو ينبغي ألا يعتوره فرق. ويصدر هذا الشبه عن إرادتهن، وعن انقيادهن ربما أولاً لإرادة رجالهن، أو للرجال الذين هن نساؤهم ولسن غير نسائهم ووعاء رجولتهم.
 وتبسط صورة أهل اليرموك على نحو فج ومباشر تسلط جبروت قاهر وفوقي على الجمع المقموع في قمقم ضيق او سراديب مدينة متصدعة ومحطمة، ويكاد اندلاع الناس (على مثال اندلاع النار) في شارع المدينة، وخَلَل أنقاضها المعلقة مكاناً وزمناً - فالقصف الآتي والمتوقع يطلع من الشرفات والجدران والباب المتداعي إلى يمين المشاهد- يكاد أن يعني إحياء المدينة والنفخ في رمادها، ووصلَ أجزاء جسمها المقطّع بعضها ببعض. وترسو على ضفة نهر الجماجم وفي مقدم الصورة، وجوه مفردة، وقسمات قوية العبارة تتخفف من إغفال قُسر عليه العدد قسراً وعنوة. فـ"طليعة" الموجة البشرية تعرب عن المعنى الفريد الذي تؤديه الوجوه القريبة وقد أتاح قربُها، وصدفةُ هذه القرب، جلاءها، وأخرجها من عتمة الشَبَه وتنكير الجمجمة والإحصاء (وهو ما لا تنفك الإعاشة منه).
 وعلى هذا، يبعث أهل اليرموك المحاصرون في الصورة الفوتوغرافية حركة زمنية قوية. وتجتاز الحركة هذه - بين القاع البعيد وبين صدارة الوجوه، وبين بواطن الأرض وملاجئها،  وبين سطحها الشاهد على إعصار العنف والتكتيل- مسافة تفصل تعسف القهر وقسره البشر على الكمون عن تجديدهم سعيهم في الأرض وعمرانها وضوئها ومقاومتهم دمارها. وتحرس الداعشيات حراسة مشددة الخباء الذي يعرِّفهن من داخل، فيصدرن عنه صدوراً ينفي عن سوادهن وشبهن الانقياد لأمر من خارج. فالقانون ("الشرع") والفطرة في حالهن، واحد. والعدستان اللتان صورتا انتظار أهل مخيم اليرموك المحاصرين بنار "الرئيس" بشار الأسد توزيعَ الإعاشة، واجتماع الداعشيات اللواتي أخرجهن مقاتلو "الخليفة" أبوبكر البغدادي من ساحة حرب الباغوز- صورتا كذلك صنفين من اختبار الزمن والسلطة والنفس، معاصرين ومختلفين ومشتركين في بعض الأمور.



"سوريا الأسد"...فصول تصديع الدولة والمجتمع



 المدن، 17/4/2019
يدمج ماتيو راي، مؤرخ تاريخ سوريا القرن التاسع عشر القرن الواحد والعشرين (عطفاً على مقالات سابقة: سوريا "الواحدة" على محك انقسامات تاريخية، من السلطنة الى الانتداب،  عبر دولها وأطرافها وأقوامها وأحزابها وانتفاضاتها)، عهود الاستقلال "المدنية" (من 1946 إلى 1949) والعسكرية (1949 إلى 1954) فالمدنية العسكرية (1953-1958) فالوحدوية (1958-1961) فـ"الانفصالية" (1961-1963)- يدمجها في مرحلة أو حقبة واحدة يسمُها بالاستقلال. فتمهد، على هذا، لمرحلة تالية يفرد لها فصلاً على حدة. ويتناول الفصل "البعث في السلطة"، ويجمع استيلاء البعث "القومي" المختلط، العسكري والمدني (1963-1966)، إلى البعث "القطري" (1966-1970). ويقدِّم الفصل لفصول ثلاثة تشترك في عنوان متصل محوره "الأسد"، وتنقسم حلقاتٍ: الأولى والثانية فالثالثة. وخاتمتها هي عتبة 2011، عام "انقلاب الآيات والأهوال الكبرى" على قول عبد الرحمن الجبرتي المصري في دخول الفرنسيين مصر. وقد يحدس القارئ في هذا الترتيب معالجة تلحق التغيرات السياسية والاجتماعية الكبيرة بالتناوب على رأس السلطة، وتحجم تالياً عن تقطيع أو تحقيب يصدر عن رسو التغيرات العريضة والعميقة (إن حصلت وبرزت للوصف) على صور متشابكة وموصوفة.
عوامل خمسة
 والحق أن المؤرخ يتعقب العوامل الراجحة في انقلاب الجماعات والبلاد السورية من طور إلى طور، ومن حال اجتماعية وسياسية و"ثقافية" (أو فكرية على وجه الدقة) إلى أخرى، ولكنه يؤثر تقييدها بعناوينها أو أبوابها الحزبية والشخصية الواضحة، وحملها على العناوين والأبواب هذه. فيحصي في أعوام الاستقلال الأولى المنازع والوقائع التالية:
*إناطة معالجة المشكلات التي رمت بالشعب في هاوية الانحطاط والاستعمار بالسيادة والاستقلال الوليدين، أي بـ"الحرية" في مصطلح الوقت. وإدراج سوريا الدولة الوطنية الجديدة في سياقة ماضٍ ومستقبل، عربيين وإسلاميين (على ما يغفل راي القول أو يضمر)، أتاح للتيارات السياسية والفكرية المحلية الزعم من غير مناقشة أن "جوهر" الأمة أو "روحها"- على قول ردد في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين أصداء الثورات الفاشية والنازية والقومية المتعصبة ومذاهبها- الأصيل لم يتأثر بالعَرَض الاستعماري الغربي وربما العثماني السطحي. وما النخب الاستقلالية الجديدة، الحاكمة والمدعوة إلى الحكم، إلا وسيط عودة الأمة إلى حقيقتها المتذكرة. ويسوغ المؤرخ دمج الأدوار المتعاقبة بـ"سعي (التاريخ السوري) سعياً محموماً في إرساء السيادة في الحقول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والديبلوماسية" (ص 148).
* اضطلاع "الأسرة الكبيرة الحاكمة" بدور اجتماعي سوغته وساطتها بين السلطة المنتدبة والمستعمرة السابقة وبين الجماعات الوطنية والمحلية. ولكن عناصر الوساطة تغيرت مع أمرين: خروج السلطة المنتدبة وترتب نتائج اجتماعية وسياسية على التحسينات الصحية، وعلى إثراء أسر مدينية سورية في الحرب الثانية وظروفها. واستثمر الأثرياء الجدد أموالاً في زراعة القطن، وفي صناعات النسيج والأسمدة والكيمياء. وانتقل شطر من الاراضي الزراعية الصغيرة إلى أيدي كبار الملاكين، على خلاف تقليد محلي قديم. ورجح تعاظم ثراء الأثرياء كفة المدن الاقتصادية والسياسية على كفة الأرياف. ووصمت المرحلة اللاحقة، البعثية واليسارية، هذا الوقت بوصمتي العمالة للاستعمار والفساد، ونفته من التاريخ السوري الرسمي، "القومي" و"الاشتراكي". وذلك قبل أن يرفعه جيل لاحق، قضى نحو أربعة عقود تحت سلطة "قومية" و"اشتراكية" استبدادية، إلى أعلى عليين.
 * إفضاء التحسينات الصحية (والغذائية) إلى زيادة السكان أضعافاً في سنوات قليلة. وفي أثناء نصف قرن تقريباً، بين 1946 و2000، زاد عدد السكان 7 أضعاف، من 3 ملايين إلى نحو 20 مليوناً. وغذت الزيادة السكانية السريعة والثقيلة تنافساً حاداً على الأرض، وعلى الموارد، وأدت إلى اختلال ميزان توزيعها على الأفراد والمحافظات والجماعات الأهلية معاً. وذلك في موازاة هجرة متفاقمة من الأرياف إلى المدن وضواحيها.
* استقرار العلاقات السياسية، الانتخابية التمثيلية أولاً، على عقد يكاد يكون معلناً: مجازاة الولاء السياسي بخدمات ومنافع بعضها عيني مادي (تعبيد طريق أو افتتاح مدرسة) وبعضها الآخر سياسي (الانضواء تحت لواء إقليمي...).
* التباس الهوية السورية وترجحها بين قطبين متنازعين: قطب عربي (عروبي) يعرف سوريا جزءاً من وطن كبير عليها أن تتولى جمع أجزائه، وقطب "قطري" بحسب مصطلح عممه حزب البعث، أو وطني يحمل سوريا على دولة مستقلة ينبغي أن تضطلع بتوحيد أجزائها، بلادها وجماعاتها.
تيارات سياسية
وانقسمت الطبقة السياسية السورية تيارات ثلاثة، في 1946-1947. فدعا الأولى إلى جمع سوريا وشرق الأردن في كيان سياسي واحد. وقدم الثاني جمع سوريا والعراق. وعلق الثالث توحيد الدول العربية على جامعة هذه الدول والتنسيق المتدرج والمتوازن بينها جميعاً. وبينما يمم شطر من السوريين صوب أمة المسلمين وبايع حسن البنا المصري الإخواني، مال شطر آخر إلى وحدة بلاد الشام، بين طوروس وسيناء، وأخرج في هذا الإطار البدو وأشباههم.
 وتوالت حوادث ومنعطفات أعملت في "المادة" السورية الوجهات العريضة التي اختصرتها البنود الخمسة المتقدمة وانطوت عليها. فنشأت قوى حزبية وانقسمت تكتلات، واستنت قوانين وانتهجت سياسات، وثارت أزمات وعقدت أحلاف، وخيضت حروب واستولت انقلابات على السلطة فأحبطتها انقلابات عليها، في ضوء عمل العوامل في المادة التي وصفت العجالات الثلاث الأولى مبانيها. ولا يخلص القارئ من هذه الملاحظة إلى أن الكاتب ينتهج نهجاً "بنيوياً" (يقوم على تجريد عوامل ثابتة ومشتركة يسلطها على مادة نثرية ومتغيرة) وغائياً (ينضبط على "غاية"، مثل اندلاع الحرب الأهلية الطويلة أو مثل استيلاء حافظ الأسد على السلطة واستتباب الأمر له ومن بعده لوارثه المباشر). ولكن التعليل التاريخي، بالغاً ما بلغ تعقيد مسالكه وعلاقة حلقاته وأدواره،  وتكثيره وجوه تقصي التأثير والتأثر، يدعو (التعليل) ويفضي إلى ضرب من السببية الغائية.
 ففي ختام الفصل الذي يعقده المؤرخ لتولي حزب البعث السلطة وانفراده بها، بين 1963 و1970  (استيلاء الأسد) يوجز أحوال سوريا على وجه يبرز (أصول) الاصلاح  الزراعي والنزوح الريفي وتأميم الاقتصاد. ويرتب على هذه الأصول فروعاً تأتلف منها "صورة جديدة": جماهير متوثبة ومسيَّسة تسييساً حاداً، وأبنية متحزبة ومتصدعة تحت وطأة الانقلابات المتعاقبة، ومنازعة على الدائرة العمومية والمشتركة ("الحيز العام" في عبارة أخرى) (ص 239-240). وتنهض هزيمة 1967 قرينة على خواء الدعوات والنداءات الثورية ودليلاً على صدارة الوحدة الداخلية الوطنية. ولعلها وجه من وجوه نزيف قوى المجتمع جراء "تغير حاد" مهد الطريق، لا محالة، إلى استيلاء حافظ الأسد على السلطة، وانفراده بها، واستقراره فيها. والشطر الضروري يرفقه الكاتب بـ"براعة" المستولي تخفيفاً للحتم.

رسم خلدوني؟
ويستعير المؤرخ، حين يحاول الإلمام بمسير الأسد إلماماً جامعاً ومتصلاً، بالرسم الخلدوني، على خطى ميشال سورا في دولة البربرية (كتبت دراساته في النصف الأول من العقد التاسع الماضي وطبعت بعد مقتله، في 1984 على الأرجح،  في أسر "حركة الجهاد الإسلامي" الخمينية، ونقلت إلى العربية تباعاً وصدرت في 2017 عن دار الساقي ببيروت). فيكتب أن الاستيلاء هذا إنما جرى على مثال انقضاض الأطراف على المركز السياسي، وتوسلها بعصبية وشوكة تشدان أهل العصبية بعضهم إلى بعض، وتجمعان الأمة على الولاء لرئاستهم ("فريقهم"). والحق أن الرسم هذا مجازي وخطابي فوق ما هو وصفي. وما عدا مكانة العصبية يكاد لا يُلم بشيء، وعلى الخصوص بما يتعلق بالتحولات التي طرأت على القوى وعلاقاتها ووظائفها. والفرق الكبير والحاسم بين ما يصفه ابن خلدون وبين ما يُلمح المؤرخ الفرنسي إليه إلماحاً غامضاً هو أن "المركز" الذي استولى حافظ الأسد عليه- في ختام مراحل متعاقبة، ومتماسكة بعض التماسك، ترقى إلى إنشاء الإدارة الاستعمارية الفرنسية أجهزة الدولة السورية الإدارية والعسكرية والاقتصادية، وتستمر بواسطة دور الجيش في أثناء معركة الاستقلال ثم في الازمة الفلسطينية فالوحدة المصرية السورية...- لم تقم له قائمة فعلية ونافذة خارج حركة الاستيلاء وحلقاتها المتعاقبة والمتقطعة أو قبلها.
المركز و"السياسة" الجديدة
 فما صنعته هذه الحركة هو إيجاب صنف جديد من السياسة ("الأمر") يتنافى والبنية الائتلافية (الفيديرالية أو الكونفيديرالية) التي ربطت على نحو رخو ومضطرب الجماعات الأهلية، وعصبياتها ورؤوس هذه العصبيات وبلادها (مناطقها) وسواقطها المنسلخة منها، بعضها ببعض في إطار دولة وطنية مفترضة. والكلام على "مركز"، حين يتكلم ابن خلدون على غلبة استتباع وعلى عصبية دولة تجانسهما مستحيل، في هذه الحال يخلط خلطاً معمياً بين وجوه الغلبة والاستيلاء. فيحمل الموضع الذي تزاول منه الدولة العصبية الأمر على المعنى الحرفي أي ...الأمري، (يحمله) على المكانة الراجحة والقوة المادية والمعنوية وتأليف المصالح. والحق أن الخلط هذا أو الدمج هو ما سعى فيه حافظ الأسد وأراد التعمية عليه، فنجح في التعمية وأخفق في الدمج.
 وقد تصح الصورة البيانية الخلدونية، وإطارها المثالي، في "ممالك" ترتب الجماعات القرابية الملتحمة داخل المملكة وعلى ضاحيتها الصحراوية على مراتب القوة والتماسك والأحلاف. ولا يصح في إطار الدولة الإقليمية والإدارية والعسكرية، بديهة. ويختلف معنى المركز في الحالين اختلافاً بيناً. ولعل هذا ما أدركه العسكري الذي كان خاتم الانقلابيين السوريين في النصف الثاني من القرن العشرين. فهو لاحظ من غير شك أن الانقلاب "الناصري" الوحدوي لم يلبث أن أخفق إخفاقه الذريع لأن الجماعات الأهلية الكبيرة والجزئية، والطبقات ("التكوينات" على معنى الأجسام في طور التكوين) الاجتماعية والمراكز العسكرية والادارية نظير هذه وتلك، أقامت على تمتعها بقوة واستقلال ذاتيين و"ائتلافيين". وحال هذان دون نفاذ أمر وتدبير مركزيين شاملين في ملك الأرض ورؤوس الأموال وفي الجمعيات والولاء الإداري والعسكري وفي مناهج التعليم والأحوال الشخصية والقضاء وعلاقات الجوار و"التطور" التاريخي... واقتضى انشاء المركز، على الصورة الأمرية والاجرائية الجديدة، "استئصال" موارد الجماعات والطبقات والأسلاك من القوة والاستقلال والوساطة. وانضواء جماعات "طرفية" أهلية، مذهبية وبلدية إقليمية وقومية واجتماعية، تحت هذا اللواء لا يجرد طرفيتها في هذا المعرض من معانيها الوليدة والمتجددة.

العصبيات العامية
 وما يغفله المثال الخلدوني المفترض، والشكلي الخالص على زعمي، هو النحو الذي نشأت عليه العصبيات الجديدة في إطار أبنية الدولة الوطنية وأنشأها عليه هذا الإطار. فهي ليست لحمات (عصبيات) الأعيان والرئاسات الأسرية والمشايخ (على المعنى "العلماني"!) المتحلقة حول بيوتاتها وعمدتها وأضراسها"، بل هي عصبيات عامية، "تحتية"، عصبيات "أهل الضعف" في مصطلح عباسي، قام بعضها على الأعيان والرئاسات القديمة والجديدة (الثرية أو المتنفذة) وخلعها من غير مداراة. وترعرعت بعض جداول العصبيات العامية والتحتية في أحضان حركات قومية ودينية، تعالت في مرحلتها الأولى على الأطر الوطنية ومستواها "القطري" التجزيئي، ودعت إلى تخطيها ونسخها بـ"أحسن" منها وأوسع. وكانت المراكز المدينية الأرحام التي ضوت إليها هذه الجداول، وتصورت نواها فيها.
 واضطلع جهازا التعليم والإدارة بدور غالب في نشوء العصبيات العامية. فهما توليا صناعة أعداد كبيرة من متعلمين مدرسيين وطفيليين لا يصلح معظمهم الساحق إلا لتجديد تناسل الجهاز الذي ولدهم وصورهم على صورتهم الثقافية والوظيفية المنقطعة والمجردة معاً. واستقبل الجهاز الإداري والجهاز العسكري والأمني جزء منه، جمهورَ المتعلمين العريض على سبيل الوقاية الاجتماعية والسياسية من بطالة لم تحتسبها "الدولة" في عهودها المتعاقبة: العثمانية والانتدابية والاستقلالية، وبالأحرى البعثية و"الأسدية". وغذى النمو السكاني السريع، وشروطه الصحية وغلبة الأرياف العددية في وقت أول معاً، اختلالَ ميزان القوى والعدد بين الجماعات، من وجه أول، وبين كتلتي أهل القوة وأهل الضعف داخل الجماعات، من وجه آخر. فتقدمت الجماعات الريفية على نظيرها المديني (والفروق الاجتماعية والثقافية بين الكتلتين قليلة)، وتعاظمت كتلة "العامة" إطلاقاً ونسبياً بينما ضمر عدد "النخبة" نسبياً على وجه أكيد.
تفاوت "التخلف"
وشهدت سوريا في الأثناء ما شهدته الدول والمجتمعات "المتخلفة"، في أعقاب السيطرة الاستعمارية غالباً، وغداة الحرب الثانية وانهيار الامبراطوريات- من تفاوت حاد بين الزيادة السكانية والنزوح إلى المدن وبين ضآلة نمو أسواق العمل والانتاج المحلية أو الوطنية. وأدى التفاوت المتعاظم هذا- وهو خلّف بطالة مستشرية "بنيوية"، وقلص الأجور والانتاجية معاً، وأضعف الأبنية الطبقية التحتية ومحا سماتها الخاصة- إلى علو منزلة الوظيفة الحكومية في أسلاك الدولة وأجهزتها. فحولها، وحول حصصها وأنصبة الجماعات منها، "أعشاشاً" ريعية تتنافس الجماعات و"جماهيرها" العامية على مراقدها وأحضانها الدافئة.
 ولم يعد يفي العقد "الانتخابي" السابق، أي مقايضة المنصب السياسي بخدمة أو منفعة، بالاحتياجات والأعداد والطموح إلى أدوار. فالاستيلاء على الدولة والمجتمع، على قول المادة الثامنة من الدستور السوري "السابق، وتطويعهما السياسي والثقافي العروبي و"الاشتراكي"، وتقسيم مواردهما تقسيماً متفاوتاً على صورة مراتب الأمر والقوة، أمسى هدفاً سائغاً. فمنطق الحصص والريوع يضمر استيلاء الأقوى على الشطر الأعظم. وقد يضمر، لولا العامل السياسي وضبطه، الاستيلاء على الموارد كلها، وتسليط "المركز" الذي أنشأه وأرساه على خواء ودمار سياسيين شاملين، على الأطراف والضواحي كلها. ويُمثل الاصلاح الزراعي على المنطق السياسي هذا: فالاراضي التي وزعت على المزارعين والفلاحين كانت هبةً وعطاءً، فلم يُضطر الفلاحون والمزارعون إلى انتزاع أرضهم بواسطة حركة فلاحية، أي حركة سياسية. وعلى مثال قريب، كثرت القيادة الأجهزة الموازية في الحزب والإدارة والامن والجيش...
الايديولوجية وتذويب الهويات
 وقد يبدو الرسم التاريخي السوري المقترح "عظمياً"، مجرداً من الغدد والأعصاب والعضلات الاجتماعية الأهلية والإيديولوجية. وقد يعود هذا، إذا صدقت الملاحظة، إلى التباس سياسة الاستيلاء على الدولة والمجتمع ومواردهما بمركب إيديولوجي قومي ويساري شعبي وعامي، ييسر افتقاره "القطري" إلى التماسك اتصاله بنتوء "الجسم" السياسي، وتشبيه المعاني الظرفية والطارئة كلها. فالعروبة التي أنزلتها المذاهب والأهواء السياسية السورية منزلة العقيدة الوطنية والأهلية الواحدة و"الجامعة" اضطلعت في مراحل التاريخ السوري بأدوار موصوفة أُعملت في تذويب الهويات المادية والمعنوية التي في مستطاعها إلزام الحلف السياسي البارز بمفاوضة الأحلاف الأخرى وإقرار سياسات مركبة.
 وتنهض الخلافات على "الوحدة" المزمعة أو المتحققة أو المقدرة، أدلة على هذا الزعم. ففي مواجهة خطط التوحيد الهاشمية (الأردنية) أو الهلالية الخصيبة (العراق) احتجت المعارضة العروبية، البعث في المرتبة الأولى والجناح "الوطني" من الحزب الوطني، لرفضها هذه الخطط بتبعية النظامين للسيطرة البريطانية. فدمجت الهوية القومية المفترضة قائمةً بنفسها بمعزل من الأنظمة والأحوال السياسية العارضة، في حال عابرة وسطحية هي الاحتلال الأجنبي. ويترتب على الدمج إقرار بأن اتحاد بلدين عربيين، على طريق وحدة "كبرى"، لا يعود بالمنفعة أو الجدوى على التحرر من الاستعمار، ولا يمد إرادة الاستقلال بزخم أو مورد جديد. وعلى هذا، فليس الاستعمار السبب في التجزئة، على خلاف دعوى العقيدة، وإنجاز وحدة تحت حكم الاستعمار لا يقدم ولا يؤخر، لا في "الحرية" ولا في "الوحدة"، ولا في "الاشتراكية" بالأحرى.
 وحين سنحت وحدة مع دولة متحررة من الاستعمار، ورائدة في مضمار قيادة التحرر منه، تولى فرضها، خفيةً عن أشد الراغبين فيها، فريق مخاتل وانتهازي من العسكر. وتولى فكها وتصديها بعض من أشد أنصارها في أمس قريب. وتذرع مصدعو الجمهورية العربية المتحدة بتمييزها بين مصدري مواطني الدولتين، وترتيب ممثليهم على "فوق" و"تحت" تبعاً لمصدرهم "القطري". فظهر على الملأ أن التحرر من الاستعمار والتشدد في مقاومته لا يضمنان دوام الوحدة، ولا يحصنانها من نزوات "الانفصال". والأنكى أن الاجراءات الاشتراكية غذت الميول الطبقية المتفرقة - البورجوازية الاحتكارية والشعبية الكادحة، والبيروقراطية العسكرية، والبرلمانية الاقطاعية- إلى التملص من قبضة متسلطة، "قومية" أي أجنبية في هذا السياق.
 فتحقق أن لا قوام للعصبية العربية، لا من غيرها (الحرية والاشتراكية) ولا من نفسها، إلا أنها، على رغم خوائها العظيم، آلة إيديولوجية وسياسية، من بعد، كاسحة ومدمرة. فإعمال نصلها أو شفرتها القاطعة في التكتلات السورية المتحفظة عن سياسات الكتلة البعثية، "وطنية" أو "شعبية" (حزب الشعب) أو شيوعية أو ناصرية، وصَمَها تباعاً ومعاً بالقطرية أو بالطبقية أو بالهاشمية أو بالرجعية المتأمركة تارةً والمتصهينة تارةً أخرى. وهذه كلها أضداد مميتة للعصبية القومية العروبية. ووَجهّت هذه العصبية شفرتها إلى الفلسطينيين وفرقتهم عرفاتيين وحبشيين وصداميين وساداتيين. ووجهتها إلى اللبنانيين فصنفتهم انعزاليين طائفيين ومتصهينين وعملاء وإرهابيين وخنجراً في خاصرة العروبة وهدفاً مشروعاً للاغتيال والحصار والتجويع والقصف.
 وهي آلة إنكار الهويات على أصحابها. وعلى هؤلاء إما الانحياز الى تعريف بالولاء للاسم الواحد وخلع هويتهم، وإما النفي من الإسم والتعريف والوجود المعنوي والمادي. والعُظام (البارانويا) الذُهاني الذي يسري في عروق المركب الإيديولوجي "الأسدي"، أدى دوراً مدمراً في تصديع الهوية الوطنية السورية، وسد في وجهها باب إنشاء تعريف يمكن الجماعات من تقييد المنازعات وجموحها إلى أقاصي العنف، على النحو الذي شهدته فصول من التاريخ السوري ومن تواريخ جيرانه المتصلة. وهذا ليس من هموم صاحب التأريخ الذي نتاوله، ولا ينبغي ربما أن يكون من همومه.

سجون "داعش" لا تترك آثاراً ولا أطلالاً


المدن، 24/4/2019
 
ميناء غزة (رويترز)
في معرض بحث اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن لويزا أكافي، الممرضة النيوزيلاندية، وعلاء رجب ونبيل بقدونس، السائقين السوريين- والثلاثة خطفوا في 13/10/2013 في طريقهم إلى إدلب في قافلة إنسانية ويرجح أن "داعش" هو الخاطف والسجان- ناشد مدير عمليات اللجنة، دومينيك شتيلهارت، من يعلم شيئاً عن الثلاثة إبلاغهم ما يعلم. وكان شتيهارت أمل أن تتكشف هزيمة التنظيم الارهابي، وانحسار سيطرته على آخر جيوب كان يسيطر عليها، في الرقة وهجين والسوسة والباغوز الفوقاني، عن الأسرى والرهائن والمخطوفين، أو عن آثار تقود إليهم أو إلى معرفة مصيرهم.
 فالأسرى يسجنون أو يحبسون في محبس أو حبس. ويفترض أن يكون سجنهم مغلقاً، ويعزل المسجونين عن الخارج بجدران وسقوف.  وحين طردت "قوات سوريا الديموقراطية" ("العربية- الكردية المدعومة من تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الاميركية"، في تعريف سائر) التنظيم الارهابي من معاقله السورية كلها، بحثت في سجونه، بين الرقة والباغوز، عن آثار خلفها المسجونون وراءهم، في معتقلاتهم. وهذا البحث يصدر عن تجربة تكاد تكون عامة. فحيث يلفي ناس محبوسون قسراً أنفسهم في مكان مسور، منقطعين من تواصل العالم المشترك، ومن علامات استدلاله في المكان والزمان، يلجأون إلى نظام تعارف وتعريف بديل يدرجهم في عالم مشترك، ويسعف قراء الآثار على تعقب أحوالهم وأطوارهم.
 وإذا وسع الناس وهم أحرار التصرف، كتابة وتصويراً وتاغاً، بالجدران ومساحات الكتابة المتاحة في جوانب مستطيلات الحجارة (ميناء غزة على سبيل المثل)، لم يتركوا سنتيمتراً واحداً لم يسطروا عليه سطورهم. فكتبوا مناشداتهم ("كوني لي وطن أكن لك...") ورؤاهم ("يرتسم أمامي محياك") ومواعيدهم ("لموش" 4/12) وهواتفهم، وعهودهم ("الدنيا التي تخلو منك... تخلو مني 21/10/2017")، وتهانيهم ("عقبال 120...")، وأيامهم ("one day we will be، وقلوبهم أو صورها، وأسماءهم المرمزة... وتظلل سماء يلعب الغيم في ملعبها الفسيح محاورةَ "الكتّاب"، الشبان على الارجح، بعضهم بعضاً وقراءهم العابرين، وشركاءهم في أمور معلومة وأخرى مجهولة. وتظلل السماء الطلقة معالم تاريخ قريب وأطلاله الاسمنتية.
 وإنسان العصر الحجري رسم على جدران المغاور، في لاسكو الفرنسية وغيرها، مشاهد من صيد الثيران، المقدسة ربما، وركضها. وأراد الرسامون أم لم يريدوا، "تقول" رسومهم مواد ألوانهم وصناعتها وحفظها ومصادرها النباتية والمعدنية وبعض دلالاتها، وتقول خطوطهم بعض وجوه تناولهم عالمهم وأشياءه. ومن مغاور لاسكو إلى مراحيض المقاهي والمطاعم والمدارس والحانات ومحطات السفر، في أنحاء العالم كله، أقام البشر على تدوين أسمائهم، وأرقام هواتفهم، وتاريخ اعتقالهم وأهومتهم ودعواتهم على الجدران والحيطان النظيفة والوسخة، الخفية والظاهرة، المصنوعة من السيراميك أو من الاسمنت العاري، المطلية بالدهان أو بالكلس. وقد يطبعون عليها آثار الشفاه أو يمرغون لعابهم أو منيهم أو غائطهم. فالأثر، أيُّ أثر، خير ألف مرة من إغفال العدم والغياب والصمت.
فماذا فعل "داعش"– وهو أسر الآلاف من أهل البلاد التي حكمها "بالسيف" على قوله، وبنار المدافع والمتفجرات والبنادق وحديد المدرعات وناقلات الجند، وبـ"إيمان" المتطوعين والمرتزقين الانغماسيين واحتياط المصارف، فعلاً-، حين نفذت كلمته و"شريعته" في أسراه وسباياه ورقيقه؟ صنع "سجوناً ومعتقلات ومنفردات" (محابس انفرادية)، على قول عسكري من "قسد". وهذا "طبيعي". فأهل السلطان في الحضارات كلها، والثقافات على أنواعها، الغربية الملعونة الآفلة والشرقية المشرقة الوارفة، عزلت في أماكن محكمة الغلق من تحملهم على الانتهاك أو التمرد أو الخروج.
 وأدرك أبوبكر البغدادي و"نخبته"، وربما سبقه الظواهري أو بن لادن إلى إدراكه النافذ و"العبقري" هذا، أن الحبس، والحجز بين المحبوسين وبين عالمهم المعتاد والمشترك، يقصِّر عن قطع الروابط والأواصر التي تشد المسجونين إلى الاجتماع والعمران. فما يجدر بالمعتقل الداعشي (وهو مرفق من مرافق "الدولة الاسلامية" على زعمه أي إنه صيدناياها – المعتقل الأسدي السوري- وإيفينها- المعتقل الخميني الايراني- وقصر نهايتها- المعتقل الصدّامي العراقي، وأبوغريبها الاميركي الاحتلالي...) أن ينجزه، وينفخ فيه روح ثقافته وحضارته المشرقيتين هو قطع دابر المسجونين بعد إخلائهم سجنهم وجلائهم عنه إلى حيث يعلم أحد أو لا يعلم.
فـ"داعش"، ومن لف على غرار لفِّه أو قريباً منه، لا يقتصر على العزل والقطع والقتل حاضراً، بل ينظر إلى أبعد، إلى مصير الآثار التي قد يخلفها أسير الحرب، وقد تكون اسمه وحده ليس إلا، فتشي بفعل "الخليفة"، وتنشئ رابطة بين الرهيبنة وبين متعقبي الآثار وقرائها. ومن طريق هذه الآثار القليلة والغامضة يعود الرهائن الى عالم الأحياء ولغته ويدخلون مداولاته وأحكامه ومنازعاته. وعلى قدرٍ ما، يحيون. وينهض هذا دليلاً على ضعف "داعش": فهو إذا أراد موت أسيره وجَبّ أثره، أخفقت أو حبطت إرادته.
 فعمد إلى "تلبين (تطيين) جدران السجون والمعتقلات والمنفردات" وذلك سعياً في "مسح الأسماء والذكريات المنقوشة على حيطانه"، قال عسكري من "قسد". وبعد التلبين (باللِّبن) "دَهَن (داعش) المهاجع الكبيرة باللون الأبيض لإخفاء ما تبقى من ذاكرة المعتقلين". ويشرح الرجل السبب في المرحلة الثالثة، بعد التلبين والتبييض، وهي التحريق: "كان عناصر (داعش) يقومون بحرق وتلبين (و) دهان مقراته وسجونه السرية لعدم معرفة شيءعنهم" (عن المعتَقلين وعن المعتقِلين، معاً وجميعاً). وعلى هذا، يطلي السجانون ثلاث طبقات على بقية المسجونين: طبقة اللبن، وطبقة الدهان، وطبقة (الحرق بـ) النار. وفي آخر المطاف "أسمي غياباً الوجه الذي كنته، صمتاً صوتك" (رينيه شار في مقالة سجّاني المجانين وحرسهم، والسجانون والحرس ليسوا أصحاب الوظيفة المرسومة وحدها، فهم منطق المعاملات والأحكام، والمعارف التي تسوغ الوظيفة وتدخلها في شبكة وظائف متماسكة).
 فالمعتقل الداعشي لا يقنع بالعزل اقتصاصاً أو منعاً لضرر قائم أو مؤجل، ولا بالقتل ثأراً أو جزاءً أو رداً، ولا بالاستئصال إرهاباً وترويعاً. فهذه كلها تتناول الكيان المادي وحدوده العملية وتحتسب عمليات قانونية وجزائية، منحرفة من غير شك ولكنها تحتكم إلى عقلانية حسابية، ولا تخلو من التبديد الفظيع، ربما على مثال الحرب عموماً والحروب المقدسة والأهلية على وجه الخصوص. فلا يقتصر المحو على الرمي في العدم، على نحو ما يرمى المكبل بالحديد في البحر أو النهر، فيطويه الماء وقاعه العميق.  ويتطاول الاعتقال الداعشي، أو هو يريد التطاول إلى المعاني التي يبسطها جدار ميناء غزة على الملأ، وتقيم في الظل على جدران السجون والمستشفيات وغرف الانتظار والمقاصف وغيرها مثلها. وتفترض هذه المعاني مخاطَبين إنساً (يأنسون، وإذا ازدوجوا صاروا "انسان"، على زعم كمال يوسف الحاج نقلاً ربما عن مارتن بوبر، الألماني- "الفلسطيني" وجامع "أنا وأنت" في تضايف وتلازم لا فكاك منه لواحدهما من الآخر).
وينبغي أن يحرم إعدام الآثار ثلاثاً (التلبين والتبييض والتحريق) المسجونين والمعتقلين والموقوفين من القيام في زمن حاضر أو ماض، وفي زمن آتٍ من بعد. ونظير الحرمان يتمتع جند "داعش" بسلطان يعصى التصور، وينشئون نظاماً يوكل إليهم إخراج البشر من إنسانيتهم ونفيهم منها، ويبرر سؤال بريمو ليفي: "أيكون هذا إنساناً؟". ويكاد يضارع هذا ما سماه علماء الكلام الوسطي (القرون الوسطى) الاوروبيون " ظل السلطان" (الإلهي) أو ظل "القدرة". فهم سألوا: هل في سلطان الخالق ألا يكون ما كان؟ وبعضهم أجاب، على شاكلة "داعش"، بالإيجاب. والسؤال والجواب حديثان. ففي رواية أورويل، 1984، ينصرف طاقم عريض من الموظفين إلى محو الآخبار والوقائع التي لا تتفق مع مصائر أصحابها الحالية، على غرار محو صورة تروتسكي القريب من لينين بعد خلافه مع ستالين. وقبل أقل من عقدين دمر "طالبان" الأفغاني تماثيل بوذا في باميان، وهي نحتت قبل نيف وألفي عام، في "جاهلية" القوم. واحتذى "داعش" في الموصل وتدمر، ونظيره في تومبوكتو، أثر "الدولة" الطالبانية. فينبغي أن تضمّ مقابر الجثامين مواضي أصحابها الأحياء.