الجمعة، 3 فبراير 2012

اتحاد الأمة وشرعها بالدولة يشقّ الأمة والدولة ويسلّط عليهما قانون «الحربين

المستقبل، 29/1/2012  
تتردد في مقالات الاسلاميين السياسيين المعاصرين، إخوانيين وسلفيين و»جهاديين» وخمينيين وأصوليين ومعتدلين ...، أصداء مناقشات فقهية قديمة أو أقل قِدَماً. وإلى اليوم لم يتولَّ اسلاميون الحكم. ولكن مثال الحزب الدولة الاسلامي يرتسم في ثنايا مقالاتهم، من حيث أرادوا أو جهلوا (عطفاً على «نوافذ» المستقبل، في 7/1/2012). والحق أن المثال هذا يبدو طوراً من مثال سابق هو مثال الأمة الدولة، على صورة تناولها قاضي القضاة الحنفي ببغداد في بعض عهد هارون الرشيد، أبو يوسف (ت 176هـ)، في «كتاب الخراج». ويدور الكتاب على الاقتطاع. ويربط ربطاً جلياً ووثيقاً بين الاقتطاع (والخَراج من وجوهه ليس إلا)، وبين عدل الامام. وهو يؤرخ للعدل، أي ينسبه، بتعقب آثاره صعوداً الى حلقاته الاولى أو أجداده الأُول، الرسول وخلفاء الصدر الاول وبعض أبرار الصدر الثاني ومهرة إدارييه ومنظميه. ولا شك أن ما يكفل العدل ويسن قواعده هو الاسلام. ولا ينفصل الاسلام عن نظام الجماعة واجتماعها، أي عن وحدتها، وما يحفظ نظام الاجتماع هو الحق، والحق هو ما يحفظ نظام الاجتماع. أي ان المسألة السياسية، إذا جازت العبارة، تحمل على الصلة بين الاقتطاع وبين السلطة وما يترتب على هذه الاخيرة من عدل وابتاع وتوحيد (موضوعه الجماعة او الأمة).

قد يسارع قارئ الخراج الى وصم الكاتب بالاقتصادوية، أي برد المسألة السياسية الى الاقتصاد وأوالياته. وقد يهلل لما يبدو له استباقاً لمنحى مادي في تناول التنظيم الاجتماعي. غير أن تناولاً متأنياً لنسق الكتاب في معالجة موضوعه يبعد الوصم والتهليل معاً ويمهد، ربما، لنظر في «عمل الأثر» (كلود لوفور).

لماذا يدور حفظ اجتماع الامة وعدل الامام على الخراج (وهو التسمية العامة للاقتطاع)؟ أو لماذا يمثل تدبير الخراج شرطاً أول من شرائط الامة وعدل الإمام؟

ينطوي كتاب أبي يوسف على جواب قد يبعث على الاستغراب إن لم يبعث على الانكار. يقول أبو يوسف، وهو يقول ما أضعه على لسانه بتطويل وتعرج لا يحجبان فحوى قوله، يقول: يقوم نظام الامة بأمرين متلازمين هما الحرب (مصدر الغنم) والمراتب (قواعد القَسْم). ويعمد القاضي الحنفي الى رصد تاريخ الامة، منذ تأسيسها الى عصره، من زاوية هذين الامرين وعلاقاتهما المعقدة في آن. فإذا هو تاريخ حرب أو تاريخ استقرار تولد عن الحرب وتبلور مراتب وطبقات تسوس ثمار الحرب وريعها.

لم تعرف الامة، في رواية أبي يوسف، حالاً إلا وبينها وبين الحرب سبب. فصيرورة الامة أمةً تتلازم مع مصائرها في القتال. ويرتسم هذا التقرير في حديث المغيرة بن شعبة الى رستم، كبير الفرس، عشية القادسية، في شأن مجيء العرب المسلمين الى العراق، يقول المغيرة:» كنا قوماً في شقاء وضلالة، فبعث الله فينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه فكان فيما رزقنا حبة زعموا انها تنبت في هذه الارض فلما أكلنا منها وأطعمنا أهلينا قالوا لا صبر لنا حتى تنزلونا هذه البلاد فنأكل هذه الحبة». فالهداية التي يدل بها الفاتح على خصمه تنطوي على خبر «طيب» ينجم عنه خروج الذين يتلقونه من دارهم أو بلادهم الى دار غيرهم حيث تستنبت الحبة التي لا صبر لآكليها عنها. وما يستوقف في جواب أحد فرسان القادسية وأبطالها أن الحبة المشتهاة والتي يتكلم عليها إنما هي حبة «تنبت»، أي أنها ثمرة برية لا يتعهدها أحد ولا يستنبتها «علوج» و»رجال» و»فلاحون» كما كان عمر بن الخطاب مثلاً يعرف حق العلم. لذا، فالمغيرة لا يرتاب في ما ينبغي أن تعود به عليه الهداية التي يدل بها: الخروج بالاهل الى حيث الحبة وأكلها. إلا أن الخروج والاكل هذين يستحيلان طبعاً من غير حرب واستيلاء وملك. فمعشر العرب بعث الله منهم نبياً أخبرهم بأشياء ووعدهم فيما وعدهم أن سيملكون «ما ها هنا (ويغلبون) عليه»، بحسب خطاب المغيرة الى ملك نهاوند الفارسي.

فتوح «الحبة»

إلا أن الخروج من الجزيرة طلباً للحبة وسعياً وراءها ونشراً للهداية لا ينفصل عن الحروب الداخلية التي كانت الجزيرة مسرحها وكنفها. ولم يكن هذا الكنف انطواء مكانياً وزمانياً عارضاً، أي لا يحتم نتائج في المسار اللاحق، بل كان وقت التأسيس الذي أرسى قواعد الوجهة التي تحدرت منها ونجمت عنه. فالجماعة التي يجعل الحديث من مفارقتها بمثابة نزع ربقة الاسلام، هذه الجماعة لم تجتمع ولم تأتلف إلا في سياق الحرب وبالحرب. فالمرجع القرآني الثابت الذي يرد اليه الخراج هو الآية الواحدة والاربعون من سورة الانفال، والتي يربط التفسير بينها ويبن قسمة الرسول غنائم بدر. ويتألف الاجتماع الاسلامي، في ضوء الآية المذكورة، من فئتين كبيرتين: الله والرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ومن الجند الذين أصابوا المغنم. وتجمع الفئة الكبيرة الاولى فئات متباينة ساوى بينها الرسول فكان لله وللرسول سهم، ولذي القربى سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم. وإذا كان ما يجمع بين أصحاب الاسهم الثلاثة الاخيرة جلياً، وهو العجز والعالة، فإن وضع الله والرسول وذوي القربى الذين يتبعون الرسول معهم أمر يدعو للمسألة.

فالله والرسول شرط المقاتلة، أي شرط قتالهم وشرط اجتماعهم. والراية التي يقاتل تحتها رايتهما. وكل قتال ليس تحتها اقتتال وتظالم، لأنه قتال في صفوف الجماعة التي طردت العنف من داخلها منذ ان صدعت بالحق واجتمعت كلمتها عليه. إلا أن العنف الذي طرد الى خارج الجماعة لم يلغَ طبعاً بل نقل نقلاً وأنيط به اختطاط حدود الجماعة: حيث العنف مشروع يبدأ الخارج ومعه الآخر الذي يقيم فيه ويقطنه. ولكن هل يسوّي اجتماع الجماعة، وإصلاؤها الخارج الحرب، الداخل؟ وهل يمحو الفوارق والمراتب؟ تنبه قواعد الاقتطاع والتوزيع الى قوة الفرق بين القادرين على الحرب وبين العاجزين عنها. وإذ يطلق الاسلام إرادة الحرب على غير المسلمين، ويجعل من دعوتهم إليه (هدايتهم) فرضاً وركناً، فإنه يميز تمييزاً لا لبس فيه الحرب التي تنجم عن التفاوت في القوة من تلك التي تنجم عن الحظ في الهداية. فالاولى (الحرب التي تنجم عن التفاوت في القوة) لا يرمي الاسلام الحرم عليها فحسب، وذلك في آيات معروفة، بل يقلبها ويستل منها نقيضها جاعلاً من رعاية اليتيم والمسكين وابن السبيل (من مال الصدقة ومن فيء الخراج اللذين ينبغي فصلهما) فرضاً على الجماعة وعلى إمامها، بل أن التوزيع الذي يعود على اليتامى والمساكين وابن السبيل بالحصة التي يعود عليهم بها إنما هو تطهير للحرب الاخرى وانتزاع لها من براثن القتل والعنف «الطبيعيين« (الجاهليين في الرواية الاسلامية).

ويفرق التوزيع، أو القسم الاسلامي بين ضروب العنف. فالعنف الذي يحمل الجماعة على حرب غير المسلمين من أهل الكتاب ومن كفرة يجد نظيره المعكوس في تخميس الغنائم، أي في رعاية مستضعفي الجماعة وفي الجمع بين هؤلاء وبين النصر على العدو وسببه الله والرسول. أي ان الجماعة تعمد في الآن الذي تمثل فيه ثمرة العنف عارية، عند جمع الأسلاب والغنائم، إلى نزع الصفة الطبيعية العارية عن العنف. فيحصل التوزيع على المقاتلة، ليس تبعاً لما غنموا فرداً فرداً، بل تبعاً لقاعدة عامة تساوي فيما بينهم ولا تبقي من الفروق إلا على فرق عام يقبل بدوره التجريد وهو ارتباط الخيل.

وتتضمن قاعدة التوزيع على الاسهم مكافأة عامة بين المقاتلة، بما هم صورة الجماعة، وبين الحرب، بما هي امتحان للجماعة ووحدتها. لذا، فإن ما يعود للمقاتل مهما بلغ بلاؤه، ينبغي ألا يتعدى السهم الواحد، أو الحصة الواحدة. الامر الذي يعينه جزءاً من كل الجماعة أو عنصراً ملحقاً بهيئتها التي أتاحت لها الحرب الاستواء والتألف. والامر الذي ينفي من الجماعة نفسها التباين والتفاوت والمراتب البارزة يحيل سهم الخيل المضاف الى جزاء على الرغبة في ارتباطها «في سبيل الله». ولكن ما أن تستوي الجماعة، من طريق المقاتلة، كلاً متجانساً ونافياً طبيعة العنف وجسمانيته وفرديته، حتى تستحضر غائباً اساسياً وتضع جانباً الخمس الذي يعود إليه حكماً وشرعاً. ويتيح استحضار الغائب هذا توكيد نفي طبيعية العنف. فالخمس المذكور لا يعود فحسب لمن لم يقاتلوا، لغير المقاتلة، بل يعود لمن يملي منطق الحرب الخالص، لو أن للحرب منطقاً خالصاً لا يلجمه حدّ، الظهور عليهم وسبيهم وفرض الخراج عليهم. فاليتامى والمساكين وابن السبيل هم الشطر المستضعف من الجماعة، الشطر الذي كان ضعفه وضعه خارج الجماعة لو كانت الجماعة مجتمع حرب أو مسرحاً لعنف الداخل. وهم الشطر الذي لا يشترك في الحرب اشتراكاً مباشراً في حين تبدو الحرب فيه عامل توحيد للجماعة وتحقيق عيني لتكاتفها واجتماعها وتآلفها. ولذا، تبدو وظيفة الخمس مزدوجة: فهو من جهة قرينة على استبعاد العنف من علاقات الجماعة الداخلية وعلى ادراج المستضعفين في الجماعة، وهو من جهة أخرى يشرك الضعفاء في الحرب بحل الحرب في ثمريها، ويؤلف بين الجماعة على رغم التفاوت الجلي بين المقاتلة وبين غير المقاتلة.

الحرب العادلة

والحرب التي ينصر الله بها دينه وتجتمع بها الامة هي الحرب التي تقوم بها أمة مجتمعة. فالحرب تجمع الامة إلا أن أمة غير مجتمعة هل بوسعها أن تقوم بحرب لا تقع في مهاوي العنف والفرقة والظلم؟ فكما أن الحرب التي ينصر الله بها دينه تساوي بين الذين يشتركون فيها وتجعل من الواحد منهم سهماً فتمثل الجماعة على صورة الحد والحق، كذلك فإن «امر الامة» (السياسة أو الامامة أو الخلافة) لا يستقيم إلا بتواري متقلد الامر وامحائه في ضوء الحدّ أو الدين. وكتب أبو يوسف يقول إن عمر كان إذا استعمل رجلاً اشترط عليه أربعاً: أن لا يركب برذوْناً، ولا يلبس ثوباً رقيقاً، ولا يأكل نقياً، ولا يغلق باباً دون حوائج الناس ولا يتخذ حاجباً. ومن الجلي أن لاءات عمر ترمي الى الحؤول بين عامله وبين «فِراق» الجماعة أو الامة، ليس بمعنى الفرقة السياسية بل بمعنى الانسلاخ عن الجماعة.

فمآل الانسلاخ، فيما يرى عمر، في مرأة الشرائط التي كان يشترطها، تبلور الامر (تقلده) في طرف مستقل ووضعي. فالبرذون يرفع راكبه فوق الناس، والثوب الرقيق يميز لابسه ويدل عليه، والنقي ترف لا يقدر عليه الجميع، أما إغلاق الباب واتخاذ الحاجب فيجسمان من غير لبس ليس الانفصال فحسب، بل عدم اجتماع الجماعة أيضاً. إن ارتكاب الامور التي يمنع التقليد العمري منها لا ترفع بشراً فوق بشر فحسب، أو توسع الشقة بين الجماعة وبين نفسها، بل يلحق الحد بصاحب الامر أو متقلده. فالحد ينفك من القيام بنفسه، غير مدين بقوامه لسواه. وإذ انفك الحد من ذلك، فإنه يحمل حملاً على أن يدين بفعله وأثره الى ما عداه، إلى صاحب الامر أو الى الامر، والى القوة التي تتخايل وراءهما.

وتتدرج أحكام الحرب من الحرب الضيقة التي يعود الدور الاول فيها الى قرشيين، الى مقابلة عامة بين «العرب» و»الارض العربية» من جهة وبين «غير» الحكم فيه خلاف الحكم في العرب وأرضهم ولا يعرِّفه سوى اختلافه. ولا يسعى الاسلام في طي الاختلاف أو في استدراكه. بل إن الاسلام يشرِّع للاختلاف ويرسيه على الحرب، اي على توزيع غنائمها، وذلك باستبعاده القاطع لتخيير العرب بين الاسلام وبين البقاء على دين غير الاسلام. «إلا ما كان من أرض الحجاز والمدينة ومكة واليمن» (ص 6) بوسع أهل الارض أن يختاروا بين أن يسْلموا على أنفسهم وعلى أرضهم. فإن فعلوا «فإن دماءهم حرام وما أسلموا عليه من أموالهم فلهم وكذلك أرضوهم لهم وهي أرض عشر» وبين أن تفتح بلادهم عنوة. فإن لم ير الامام قسمتها ورأى إقرارها في أيدي أهلها فهي أرض خراج وإن قَسَمتها بين الذي افتتحوها فهي أرض عُشر وحرية الاختيار بين الاسلام وبين الخراج (والجزية التي تتبع الخراج) حرية تحدها أرض ويحدها عرق.

فعرب الارض العربية، أي عرب شبه الجزيرة ليس بوسعم أن يتوزعوا على فئتين أو إلى طبقتين: فئة أهل العشر من الفاتحين من جهة، وفئة أهل الخراج والجزية من جهة ثانية. وبعبارة أخرى، يمنع الاسلام على العرب وعلى المسلمين أن يغلبوا عرباً وأن يجعلوا من غلبهم هذا حالاً يقيم عليها الغالبون والمغلوبون. أي ان القول: العرب من عبدة الاوثان حكمهم الاسلام أو القتل، يعني أن لا مغلوبين بين العرب، لا الآن، مع قيام الاسلام، ولا لاحقاً. وينحو التدبير في صيغته العامة، نحو حل مشكلة التمييز بين عرب مغلوبين وبين عرب غالبين باللجوء إلى إفراغ الارض العربية من الاول، إما بطردهم أو بقتلهم أو باسترقاقهم كما حدث فعلاً وعملاً باليهود.

وتكمن وحدة الاجراءات هذه، مجتمعة أو متعاقبة، في الحؤول بين عرب وبين تكوين اجتماع مغلوب أو مجتمع مستتبع. فالرقيق مباح، والسّبي مباح، والقتل مباح، والعُشر الذي يخرج الارض من بين يدي الغالبين بما هم أفراد مباح. ومآل هذه التدابير جميعاً حل الجماعة المغلوبة ومنعها من أن تحفظ فيما بينها علاقات اجتماع تشدّ بين أقسامها وتضعها بمنأى من تدخل الغالب المباشر. ولا شك، من جهة ثانية، في أن مآل التدابير المذكورة دمج العرب «المغلوبين» في قوام العرب الغالبين بل وحملهم على اقتسام الغنم الذي يتحصّل عن الغلبة «ليبلغنّ الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه». غير أن ما يفترضه مثل الدمج والاقتسام هذين هو التخلي عن قوام استقلال الجماعة والتنكب لما يقيها التفكك والانصهار في الجماعة الاوسع. ذلك أن ما ينزع إليه الدمج والاقتسام، في المقابل، هو تحقيق تطابق كامل بين الارض والاهل والحدّ، أي بين أرض العرب والعرب والاسلام. فالتطابق المذكور وحده يجعل من أرض الاسلام الأولى ومن أهلها حصناً حصيناً لا يُدرك ولا يُطال.

مراتب التوزيع

والفروق التي يجعل منها توزيع عمر بين الخطاب مراتب لا تصدر عن الحرب المعلنة وحدها، أي عن بدر في المصاف الاول: «لمن شهد بدراً... ولمن لم يشهد بدراً... لمن كان له اسلام كإسلام أهل بدر...». فأزواج النبي اللواتي فرض عمر لهن عشرة آلاف عشرة آلاف، وخص عائشة من بينهن بإثني عشر ألفاً، فقدَّمهن على أهل السوابق والقدم من المهاجرين والانصار ممن شهد بدراً، أزواج النبي لم يشهدن بدراً، طبعاً. كذلك، فإن عمر لم يجعل أهل بدر طبقات في البلاء بل جعلهم طبقات في القرب الى النبي «الأقرب فالأقرب الى بني هاشمَ...». أي ان الفروق في التوزيع من معين القرابة معيارها. فالقرابة مرجع. وإذ يدعو عمر باللوح ليكتب أسماء أصحاب أعطيات يسأل: «بمن أبدأ؟» فيقول له عبد الرحمن بن عوف:»إبدأ بنفسك». فيستنكر عمرالامر، ويقول:» لا والله ولكن أبدأ ببني هاشم رهط النبي». ثم يتدرج الى الاقرب فالأقرب.

والقرابة العربية ليست مرجعاً للتعريف فحسب، أو بعبارة أدق لا يقتصر التعريف بوساطة القرابة على توزيع علاقمات نَسبية (من نسب) مجردة. فالله لم يبعث من معشر العرب نبياً من عامتهم بل بعثه «في شرف من أوسطهم حَسَباً»، بحسب المغيرة بن شعبة في خطابه الى ملك نهاوند الفارسي. والحسب منعة وقوة، أي أنه عامل من عوامل الحد من تصاعد العنف الذي يعصف بجماعة من الجماعات، ويهدد بأن يتطاول الى مراتبها العليا. فالمراتب، في تصاعدها وتساميها، لا تضع بشراً فوق بشر ولا تسخر بشراً لبشر فحسب، بل ترفع دية العنف وذلك بإيلائها ثمناً كبيراً ومرتفعاً للقتلى المحتملين الذين يتربعون في رأس الهرم الاجتماعي. ولما كانت دية القتيل المنيع قتيلاً من مرتبته، وليس عدداً من النوق ولو كانت عُمانية، نجم عن ذلك حرص عام على الحؤول بين الحرب (الداخلية) وبين أن تتخطى حداً معيناً.

فالحرب مصدر هذه المراتب وأمها. إلا أن ما يحد من مصدريتها ومن أمومتها، أي من اطلاقهما، فينتصب في مقابلها معياراً آخر أو مصدر آخر للتغيير هو القرابة ودرجاتها. ولا شك في أن المصدريْن يردان في نهاية المطاف الى بؤرة واحدة هي محمد، نبي الدعوة، إلا أن نبّي الدعوة في المنظور العمري غدا مُركباً يتألف من عناصر غير متجانسة وإن لم تكن متنافرة. فالحسب الوسط، رهط بني هاشم، لا يدين لنبي الدعوة بمكانته ومرتبه، بل إن المسلمين لم يروا غضاضة، من عمر الى ابن خلدون مروراً بالمغيرة، في الاقرار بما تدين به النبوة من مناعة لحسب النبي في قومه وشرفه بينهم. والحَسب ذو قوام خاص لا يتضمنه الاسلام ولا يصدر عن الاسلام على رغم أنه لعب دوراً في منع الاسلام وحفظه. وهذا الحسب، المستقل، يرد إليه توزيع عمر الجديد ويدرجه معياراً من معياريْه. الامر الذي يتيح لعمر، بين أمور أخرى يتيحها، تقريب بني أمية بن عبد شمس وإيلاء عائشة مكانة فريدة، إلى جنب مكانة العباس بن عبد المطلب. فينتقل من إسلام الحرب، الذي تتنكب مساواته الحادة للمراتب السابقة، إلى اسلام مستقر يستعيد بعضاً من المراتب السابقة هذه ويدمجها في صلبه. وقد تلازم هذا الانتقال مع مصالحة قرشية من جهة، ومع مطابقة صارمة بين العروبة (شبكة القرابة الاوسع) وبين الاسلام في الجزيرة.

وفي الاحوال هذه كلها تقوم الامامة مقام الخازن. إنها خازن التاريخ والزمن والأمة والمعاش. فهي المؤرخ والمستبق والناشر والجامع. غير انها عاجزة عن القيام بمهامها هذه، وهي كلها مهام تراكم، إن لم تمسك بناصية الحرب وزمامها. بل إن سطوتها تنبثق من إمساكها بناصية الحرب، الماضية والمقبلة. لذا، فهي تؤرخ بالحرب كما تؤرخ للحرب، وتستبق الحرب إذ ترمي بنظرها الى الآتي، وتبسط الاسلام بالفتوح، وتعد بخزن الخراج وجمعه لحروب الحدود الخارجية (المدن العظيمة) وحروب الثنايا (الثغور)، وتمنع الحرب الداخلية والاقتتال بحبس الارض وفلاحيها وخراجها، وبإخراجها من الغنائم، وتقيم الفروق والطبقات بين الامة الواحدة بنسبتها الى حروب الاسلام وإلى كتل القوة السابقة عليه. فما اجتمع اجتمع بالحرب، وما اختلف وتباين اختلف وتباين بها. ولا تستقيم إقامة الحدود ورد الحقوق على أهلها إلا إذا مثلت الحرب، وما تجمعه وما تفرقه، في الافق، وكتاب الفقيه الحنفي نفسه علام يدور؟ على ثمرة الحرب طبعاً.

الجماعة و«سرها»

ولا تقتصر الحرب على الحرب. وما يسعى أبو يوسف إلى فقهه والالمام به، ومتقفياً خطى الاوائل الكبار، هو الاحاطة بنظام الجماعة من جهة الحرب وبما هي سر هذا النظام ومرجعه. فالحرب هي ما يعقل به نظام الجماعة أو تعقل به الجماعة على هيئة نظام، تاريخاً وزمناً ووحدة وامتداداً وفروقاً. والخراج يتخلف عن الحرب الفعلية وقد وضعت أوزارها. غير أن الخراج ينصب الحرب في قلب نظام الجماعة وبؤرته. فالحرب التي تقوم بها الامامة باسم الاسلام لا تنحل في توزيع الغنائم ولا تنتهي عنده. فالامامة خازن الحرب وراعي ريعها. ولا تخلف الحرب أموالاً، أو ما هو بمنزلة الاموال فحسب. بل تخلف بشراً يملكون أرضاً كما يملكون سواعد وحاجات ومراتب ومعتقدات وثقافة، أي أنها تخلف شعوباً يعيش بعضها في جوار العرب المسلمين الفاتحين، ويعيش بعضها الآخر بينهم. وفي كلتا الحالين تعيش هذه الشعوب تحت الفاتحين الجدد، في ذمتهم وعهدهم. والشعوب المغلوبة، أكانت علوج السواد أم أهل الذمة وأهل الكتاب، «مادة المسلمين»، بحسب قول علي بن ابي طالب. وهم أصحاب «الحبة» (المغيرة بن شعبة). وهم «الجماجم» التي احصاها عيّاض بن غنم و»جعلهم جميعاً طبقة واحدة» ثم أحصاها الضاحك بن عبد الرحمن الاشعري في عهد عبد الملك بن مروان وجعل الناس «كلهم عمالاً بأيديهم» (أي طبقة واحدة متجانسة). وهم «الرؤوس» و»الرقاب» التي يجب ختمها في وقت جباية الجزية. كما فعل بهم عثمان بن ضيف. وهم «أهل السواد» الذين أرسل علي مائة فارس في شكوى لهم فرجع قائد المائد يقول: «لله عليّ أن لا أرجع الى السواد أبداً»، فيعقب أبو يوسف شارحاً: «لما رأى فيه من الشر«.

المادة والجمجمة والرأس والرقبة، عدا الفلاح والعامل والعلج، كلها تسميات تبيح المساواة في طبقة واحدة، حين كانت الادارة العمرية تقيم المراتب بين المسلمين العرب، وبخاصة بين الاوائل منهم. وذلك أن السلطة تنزع الى تنظيم مادة متجانسة قدر الامكان وتجعل من التجانس والتمهيد شرطاً من شروط فعلها الناجع.

وكان الجوار الذمي والمشرك، في الرساتيق والمدائن والامصار على حد سواء، من عناصر نظام الجماعة البارزة، بالمعنى الحرفي للصفة. وكان الجوار هذا ذا أوجه. ففي حال بني تغلب، في العقود الاولى للاسلام، طغى الوجه العسكري. فصالحهم عمر بن الخطاب على «أن لا يغمسوا أحداً من أولادهم في النصرانية ويضاعف عليهم الصدقة ويسقط الجزية عن رؤوسهم. وصاغ أبو يوسف القاعدة والاستثناء وحدود الاستثناء فقال: «والجزية واجبة على جميع أهل الذمة ممن في السواد وغيرهم من أهل الحيرة وسائر البلدان من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والسامرة ما خلا نصارى بني تغلب وأهل نجران خاصة». وأما في المدن فطغى على الجوار الذمي الوجه السكني والتجاري. ويفتي أبو يوسف بجواره صراحة:» ... ويُتركون يسكنون في أمصار المسملين وأسواقهم ويبيعون ويشترون...». ويرسم القاضي باقتضاب لوحة مهنية للذميين ويصنفهم طبقات بحسب ثرائهم ودخلهم.

وطرح الجوار الذمي مشكلة صعبة. فالذميون، مغلوبون، أغلبوا في حرب دارت دوائرها عليهم أم غلبوا حين أحجموا عن خوض غمار الحرب حباً بالحياة وخوفاً من الموت، بحسب قول خالد بن الوليد. ولم يشك المسلمون، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب مرة أخرى، في أن الفتوح والانتصارات أمارة قاطعة على علو كلمة الاسلام، دين الله الحق. فالحرب حجة تفوق الحجة الميتافيزيقية قطعاً وجلاء. ولم تقتحم الحجة الميتافيزيقية، أو الخوض في علم الكلام كما قيل عندما آن أوان الحجة هذه، لم تقتحم مضمار المقال إلا عندما انكفأت الحرب أو جلت عن الموضع الذي احتلته طويلاً.

وكان الخراج ترجمة سياسية و»اقتصادية» للغلبة التي تمخضت عنها الحرب. فهو الدليل الماثل على أن الذمي، الميقم على «اعتقاد الذمة» من الفاتح المسلم (خالد بن الوليد)، «مادة» المسلم. وهو الدليل على ان الحق غالب، كما الله نفسه، بالاسلام والمسلمين والامام. ولكن الخراج، والذمّي معه، دليل ملتبس لأنه مزدوج ومتناقض. فهو من جهة علامة على العلو والرفعة والشوكة و»الوطء» (المغيرة بن شعبة). وهو من جهة ثانية، أمارة مقيمة وحية على المقاومة التي تجبه الاسلام وسلطانه على العقول والاجتماع. وذلك أن الخراج لم يوضع، والجزية معه، إلا في أعقاب تخيير صريح: إما الجزية وإما الاسلام. وحكم أهل الذمة، وأهل الحرب عموماً من غير عبدة الاوثان العرب قبل أن يدخلوا في ذمة المسلمين ويعاهدوهم، حكمهم إذا أسلموا على انفسهم وأرضهم «فإن دماءهم حرام وما أسلموا عليه من أموالهم فلهم وكذلك ارضهوهم لهم وهي أرض عشر ... لا يخرجون عنها فيما بعد ويتوارثونها ويتبايعونها وكذلك كل بلاد أسلم أهلها فهي لهم وما فيها...» وهو حكم سمح من دون ريب، بل هو حكم يستدرج أهل الذمة الى الاسلام ويحدوهم على اعتناقه متوسلاً إلى ذلك برفع عنت رمزي ومالي كبير.

وعلى رغم ذلك، فإن أهل الذمة مقيمون على إيمانهم وثقافتهم، أي على فراقهم جماعة تعرف اجتماعها، في وجه من وجوهه، بغلبتها على أهل الذمة. ولذا عمدت الجماعة، أي أئمتها وعمال إمامتها، الى تنظيم الجوار الذمي على نحو متعارض. ففرض الائمة وعمال الأئمة على الذميين ضرباً من الخفاء والستر. وهو ما يشهد عليه قسم قائد المائة الذي سبق ذكره، وحلف ألا يعود الى السّواد لما رأى فيه من الشر. وما يشهد عليه أيضاً اشتراط عمر على بني تغلب أن لا ينصِّروا أولادهم، وصلح أبي عبيدة بن الجراح أهل الذمة بالشام على «أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة... ولا يرفعوا في نادي أهل الاسلام صليباً ولا يخرجوا خنزيراً من منازلهم إلى أفنية المسلمين... ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذان المسلمين ولا في أوقات آذانهم ولا يخرجوا الرايات في أيام عيدهم...». وقد أفتى ابن عباس في إحداث العجم بيعة أو كنيسة في أمصار المسلمين بمثل ما ورد في عهد أبي عبيدة. وكتب عمر بن عبد العزيز الى عامل له في هذا الشأن فقال بحزمٍ: «أما بعد، فلا تدعن صليباً ظاهراً إلا كسر ومحق...».

وتنم هذه الامثلة، والتي تراوح بين رد فعل ذاتي وبين تنظيم مؤسسي، بإرادة وأد ثقافي. فعمر الذي منع قسمة السواد على المقاتلة الذين شهدوا وحضروا، وذلك باسم ذريتهم هو من اشترط على بني تغلب مقايضة رفع الجزية بمضاعفة الصدقة وبالكف عن تنصير أولادهم. والشرط الثاني، وهو غاب من عهد أبي عبيدة وكتاب ابن عبد العزيز الى عامله كما غاب من فتوى ابن عباس وفتوى أبي يوسف نفسه، هذا الشرط مفاده العملي استئصال المعتقد التغلبي وقصره على أحياء بني تغلب الحاضرين والشاهدين دون ذراريهم. وما الممنوعات المفصَّلة في النصوص إلا تنظيم للصمت والخفاء اللذين ينبغي أن يلفّا علامات اجتماع أهل الذمة، من أماكن عبادة وشعائر وشارات. أي أن الذمي المقبول هو الذمي الذي تحرر من كل ما يشهر، أمام أنظار المسلمين، علاماته الفارقة.

والممنوعات كأنها تقول إنه لا بأس من استمرار المعتقد، ومن الاقامة على الايمان شريطة أن يغيبهما البيت والصدر، كما يطوي السّواد العلوج وشرهم المستفحل وكدهم وعرقهم. فالحرب، في عرف الامامة، لم تعد سلاحاً على سلاح أو شوكة على شوكة، بل نزعت من «الجماعة» العدوة مدار اجتماعها وآصرته، وأحالتها الى جماجم وأعناق وسواعد وعدد، وإلى مصدر ريع. وكما أن الخراج استمرار للحرب بوسائل أخرى، تعرف الحرب المغلوب بالانتاج والاقتطاع وتحيله الى مادة. كذلك فأن محق ما يتحلق اهل الذمة حوله استمرار للحرب عينها بوسائل ترمي الى تصديع قوام اجتماعهم الرمزي والتاريخي.

إلا أن الامامة بقدر ما سعت الى حجب شارات المفارقة الاجتماعية (نسبة الى الاجتماع) الذمية، سعت أيضاً الى اظهار شارات هزيمة هذا الاجتماع والتحاقه ودونيته. فالتغلبي المعاهد نفسه تلحقه مضاعفة الصدقة كما تلحقه مضاعفة العشر إن هو اشترى أرضاً من أرض العشر. ورقاب أهل الذمة في وقت جباية الجزية تختم «ثم تكسر الخواتيم... إن سألوا كسرها» من العلامات الفارقة التي يلزم بها أهل الذمة (أن) لا يترك أحد منهم يتشبّه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه ولا في هيئته ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ يعقده في وسطه كل واحد منهم وبأن تكون قلانسهم مضربة، وأن يتخذوا على سروجهم في موضع القرابيس مثل الرمانة من خشب، وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية، ولا يحذوا على حذو المسلمين، وتمنع نساؤهم من ركوب الرحائل ... ولتكن قلانسهم طوالاً مضربة». ويصدق الامر بنسبته الى عمر بن الخطاب: «هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر عماله أن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي وقال: حتى يعرف زيهم من زي المسلمين«.

فعلى الفوارق أن تخرج أهل الذمة إخراجاً ظاهراً ومرئياً من الجماعة ومن هيئتها. وينجم عن تلوين التفاصيل بروز الاجتماع الذمي الملحق بروزاً نافراً. وكأن ما رمى إليه المشرعون هو الحؤول بين الناظر وبين السهو عن انطواء المجتمع الاسلامي على غير مسلمين. ويرسم المركب واللباس والحذاء والشعر والسلاح صورة محسوسة لمجتمع ثنائي مؤلف من طبقتين او من كتلتين لا يؤول تداخلهما أو اختلاطهما الى الامتزاج بينهما أو الانصهار. ومفاد الصورة المذكورة إبراز الفارق بين الاسياد والمسودين إذا ما اختلطت الكُتلتان. وهو فرْق تخلف، طبعاً، عن الحرب. فالذمي منزوع السلاح والشوكة (وينبغي حمل العبارة على وجهها الحرفي كما ينص شرط أبي عبيدة في صلحه العتيد). وينبغي أن لا ينسى الذمي ذلك، كما ينزع إلى النسيان المزدوج ضعف السلطة، وارثة الحرب، وعجزها

الأربعاء، 11 يناير 2012

الحزب ـ الدولة الإسلامي يهدم ركن المساواة الديموقراطي

المستقبل - الاحد 8-1- 2012
  
يثير انخراط منظمات وأحزاب كثيرة في الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية العربية، تعبئة ثم اقتراعاً وانتخاباً، آمالاً حارة في اعتناق المنظمات والأحزاب "العقيدةَ" الديموقراطية، والإخلاص لها. ويسرع مراقبون وسياسيون الى تشخيص "حقبة ما بعد إسلاموية" أو "وسطية" معتدلة تطوي الحقبة الأصولية أو الجهادية والبنلادنية وربما الخمينية التي غلبت على بعض تيارات الإسلام السياسي منذ ثمانينات القرن العشرين. وهذا التشخيص، ومراقبون وسياسيون آخرون يرونه وهماً وتمنياً، يستقوي ببروز سمات جديدة متفرقة لا عهد للتيارات الأصولية الجهادية بها، وكانت تنكرها هذه التيارات إنكاراً حاداً. ومن السمات البارزة الجديدة تثبيت التخلي عن العنف في العمل السياسي العلني، والاحتكام الى الانتخابات، والاندراج في إطار الحياة السياسية المشتركة والوطنية من غير امتياز الانتساب الى الدين والوصاية عليه، ومن غير ما يستتبع الانتساب والوصاية من إخراج أهل التيارات والجماعات المخالفة من "الدين"، ومن تبديع وتجهيل وتصنيف وترتيب على مراتب. وبعض الحركات الإسلامية يجهر قبوله دولة مدنية تساوي بين الكثرة المسلمة والأقليات غير المسلمة، ولا يرى اشتراطه النص على مرجعية التشريع الإسلامي قيداً أو تمييزاً أو تخصيصاً. وطمأنت منظمات إسلامية، صارت في الأثناء برلمانية وتشترك في الحكم (تونس) أو هي موشكة على الاشتراك (المغرب ومصر)، سواد مواطنيها وأجهزة الحكم والإدارة في بلدانها إلى أنها لا تنوي الرجوع في إباحة السياحة ولباسها ومشروبها وطعامها، ولا في الأعمال المالية المصرفية والتجارية وأعرافها وقوانينها السائرة، ولا تسعى في الهيمنة وحدها على التشريع ومراكز القرار.
وتشمل سياسة الطمأنة المتعمدة والحثيثة أموراً إعلانية أخرى تتفاوت مكانتها ودلالتها، منها العودة عن تبديع "الديموقراطية" (اللفظة والمعنى المفترض) والمدنية، وترجمتها الى العدل والإحسان والكرامة والنهضة والتنمية والعمل والتجمع... ومنها التزام المعاهدات الدولية المعقودة على رغم معارضة المنظمات والتيارات، المعارضة يومها، عقدتها حين عقدتها الأنظمة التي ذهبت بها الحركات المنتصرة، وأبرزها كامب ديفيد، أو (التزام) علاقات الصداقة الاقتصادية والمالية أولاً بالدول الغربية، وهي كانت الى الأمس القريب العدو البعيد و "الاستعمار" الذي حرفت علمانيته الأمة عن طبعها ودينها، وبث في عقول أبنائها السموم، على ما ذهب إليه قبل عقود محمد البهي (المصري) مرهصاً بالتكفير والجهاد القطبيين وفروعهما الإخوانية المضمرة غالباً، والصريحة أحياناً.
وشيئاً فشيئاً، دعت حوادث 2011 المتدافعة واللجبة وانعطافاتها المفاجئة، الحركات والتيارات الإسلامية الى انتخاب عناصر من الديموقراطية يقول الداعية السلفي المصري ياسر برهامي، مستشهداً برنامج حزب النور، أن "آلياتها منضبطة بضوابط الشريعة". وبدا أن احتكام الإسلاميين إخوانيين وسلفيين ووسطيين، مثل حزب الوسط المصري والإخواني القيادة قبل انفصالها الى الاقتراع العام في الاستفتاءات الدستورية وفي الانتخابات النيابية هو لب التسليم الديموقراطي الى اليوم. والحق ان مماشاة الاقتراع والمقترعين شعارات وبرامج المنظمات والتيارات الإسلامية ومصالحها، مثل المرجعية الدستورية والتشريعية أو مثل اختيار غالبية نيابية من صفوفهم، أصاب هذه المنظمات والتيارات، قبل الامتحان الجدي والمرجأ، بما يشبه الحمى "الديموقراطية". ولعل إقرار الإعلان الدستوري (المصري) بثلثي أصوات المقترعين وبلغ هؤلاء فوق الـ40 في المئة من ناخبي اللوائح أي أضعاف متوسط المقترعين في الانتخابات المصرية السابقة كان الإيذان، قبل الانتخابات التونسية وانتصار الليبيين على نظام القذافي وقبل الانتخابات المغربية والانتخابات المصرية نفسها بالأحرى، ببروز العامل الانتخابي مرجحاً حاسماً لكفة الإسلاميين.
وصف الإرادة الشعبية
ويوافق الترجيح نزعة غالبة وملتبسة تحمل الديموقراطية على صورة مؤسساتها وهيئاتها السائرة والمتعارفة، وأولها من غير منازع المؤسسة الانتخابية والاستفتائية. فهي المؤسسة أو الممارسة التي يدعو المجتمع الدولي، الغربي الديموقراطي، الى احترامها ومزاولتها بحسب معايير انتدب إلى مراقبتها اللجان والجمعيات المأذونة. وهذه اجمعت تقريباً على نزاهة الانتخابات التونسية والمغربية والمرحلتين الأوليين من الانتخابات المصرية. وأشادت من غير تحفظ بالإقبال الطوعي والتلقائي العريض على إدلاء المقترعين بأصواتهم. وفي المشادة المصرية على المبادئ الدستورية ("الحاكمة الدستور")، بعد الإعلان الدستوري الذي اقتصر على إقرار المادة الثانية (المرجعية التشريعية) وعلى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية "الهمايونية" السابقة، وفي الخلاف على اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، بعد الفراغ من مراحل الانتخابات الثلاث، ومشاطرة اللجنة الإستشارية (قبل الاستقالات) وتصريحات ألوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة صلاحياتها المزمعة، في هذا كله تتمسك فرق الإسلاميين المصريين بحاكمية الاقتراع الشعبي، ومرجعيته الحاسمة، وديموقراطيته في المطاف الأخير.
وحجتها الدامغة هي ان الشعب هو صاحب الكلمة الفصل في الديموقراطية ومؤسستها الانتخابية والاستفتائية. والديموقراطية، تعريفاً وبديهة، على ما يقول الإسلاميون العرب اليوم في أعقاب كثر سبقوهم، هي النظام الذي يدلي فيه الشعب المتحرر من الرقابة البوليسية والإكراه الأمني والمنفعي، برأيه ويعلن إرادته. فوظيفة المؤسسة النيابية المنتخبة هي وصف الإرادة الشعبية، وتصويرها أو التعبير عنها، وتجسيدها تالياً. وفي صدد الإعلان الدستوري المصري، يرى الإسلاميون أن "الشعب" حسم مسألة المبادئ الحاكمة حين أقرت كثرة شعبية راجحة وموصوفة، تفوق الثلثين، المرجعية التشريعية.
وكان أحد وجوه جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية، علي بلحاج، ندد بحمل الاقتراع الشعبي على الكلمة الفصل في الشأن التشريعي والسياسي، في 1991، غداة انتصار الجبهة في الانتخابات البلدية والمحلية (في 1990) ثم في الانتخابات النيابية (في أواخر 1991). وقال: إذا اقترع الشعب على خلاف شريعة الله عد هذا كفراً، ويجب قتل الكفار الذين يريدون إحلال سلطتهم محل سلطة الله تعالى. وآذن هذا "الرأي"، وهو نهج سياسي، بالحرب الأهلية التي قُتل فيها ما بين 150 ألفاً الى 200 ألف جزائري. ويشرح الداعية السلفي المصري ياسر برهامي ما يترتب على ضبط ديموقراطية السلفيين (وحدهم؟) بضوابط الشريعة، فيقول: "إن السلفيين لا يقبلون الحكم لغير الله". وكان هذا ما ذهب إليه سيد قطب، الإخواني في وقت أول، على خطى المودودي ملهمه الباكستاني وملهم عدد من الحركات الجهادية التالية، السنية والشيعية. ويعود بعضها، في مصر نفسها، في حلة قد لا يصح القول في معظم عناصرها أنها جديدة (ما عدا إعلان نوايا بترك العنف في الدعوة العامة).
الناخب الديموقراطي
وفيما يتعدى المواطأة القائمة بين الإرادة الشعبية على صورتها وصفتها الانتخابية، وبين نهج الإسلاميين العرب المعلن غداة سقوط عدد من الطغاة المستميتين، ينهض الرأي الإخواني الغالب، والسلفي المتحفظ، في الديموقراطية ومؤسستها الانتخابية، على التباسات كثيرة. وإذا صدق حمل الاقتراع الشعبي العام على ركن المؤسسة النيابية، وعلى قرينة لا جدال في وصفها إرادة المقترعين وتكليفهم من يكلفون وينتدبون الى تسيير شؤونهم، وجب التدقيق في صيغة وصف الانتخابات الإرادة الشعبية، ومعنى هذا الوصف. فالناخبون المقترعون في انتخابات عامة ونيابية "كيانات" أو وحدات مجردة تختصرها العملية الانتخابية أو الاستفتائية في صوت أو اقتراع، أي في اختيار وترجيح. وعلى هذا فليس الناخب "الديموقراطي"، إذا صح جمع الموصوف والصفة، المرء المقترعَ كله، بمتعلقاته الاجتماعية ومنازعه ومعتقداته الدينية وأحكامه الأخلاقية والذوقية والجمالية وروابطه المهنية ومؤهلاته التربوية والعلمية وأواصره العصبية والنسبية وغيرها. والدليل على هذا هو ان الصوت الانتخابي أو الاستفتائي يقتصر في الصندوقة والاحتساب على العدد أو الرقم. وفي وحدة الصوت أو الورقة تتبدد الفروق المُعْلِمة كلها: الجنس والسن والنسب والعمر والمهنة والدخل والعلم والعقل والقلب والمكانة. وتستوي كلها على كعب واحد، ومستوى واحد.
والانتزاع من المتعلقات الفعلية والاخترال في وحدة إحصائية أو عددية هما في صلب العملية السياسية الديموقراطية، وليسا عرضاً نافلاً. فمن يُدعون الى اختيار من ينوب عنهم في التشريع ومراقبة التنفيذ في إطار قانون أساسي، ينص في الديموقراطيات على استقلال القضاء والفصل بين السلطات ويكفل حقوق المواطنين وحرياتهم ولا يجرم منازعاتهم وانقساماتهم...، يُفترضون مواطنين يجمع بينهم القانون الأساسي على اختلاف أحوالهم وأهوائهم ومصالحهم. وهذا الافتراض يخالف مخالفة صريحة حقيقة تفرق الأحوال والأهواء والمصالح. فهو يستبدل الروابط والأواصر الفعلية والقائمة برابطة صناعية وإرادية متخيلة أو متوهمة، هي رابطة المواطنة (المواطنية) الدستورية. وإثبات يورغين هابيرماز "وطنية دستورية" لا يخلو من المخالفة أو المفارقة: فالمذهب الدستوري، على الصورة التي دعا إليها راولز، يسدل ستارة أو حجاباً أسود (صفيقاً) على هوية الجماعات القائمة "خارج" الدستور. فكأن المواطنين الناخبين، ولا ينتخب غير المواطنين بديهة، خرجوا على علائقهم الأخرى، الدموية والاعتقادية والتقليدية... كلها، وانقطعوا منها وقطعوها، وانفكوا من جماعاتهم "الطبيعية" وأطر حياتهم، واقتصروا على الكيان الذاتي والفرد (أو المفرد) الذي يجمعهم الى أمثالهم، وهم كيانات ذاتية ومفردة كذلك.
ووصف العملية الانتخابية والاقتراعية على هذا النحو يجلو افتعالها وتجريدها ومفارقتها الحادة. وهو يجلو كذلك انقطاع القصد الديموقراطي من أشكال السياسة التاريخية المعروفة والسابقة. وحملت جدة القصد الديموقراطي وغرابتها الديموقراطيين الفرنسيين الأوائل إبان الثورة "الكبرى" على اقتراح حظر الاقتراع على الخدم في بيوت الميسورين ورهبان الجمعيات الكهنوتية. فالخدم والرهبان تابعون وغير مستقلين بآرائهم وإرادتهم، وهم عالة في معاشهم ومعتقدهم على مخدوميهم وأسلاكهم. ودعا هذا السلطة الثورية، في 1793 (قانون لوشابيلييه)، الى حل طوائف الحرف والأصناف والنقابات. وحملت السلطة الجديدة روابط الصناع و "الخلان"، على ما كان يسمى أعضاء النقابات العاملون، على تضامن طبيعي أو فطري يتوارثه اصحاب الحرف على اختلاف مراتبهم وطبقاتهم.
وهذا، أي الروابط الطبيعية أو الفطرية التي تسبق التطبع والاكتساب والاستقلال بالنفس والرأي والقيام بالمعاش وحاجاته (على ما اشترط في وقت أول من تاريخ العملية الانتخابية الاقتراع الضريبي الذي رهن الحق في الاقتراع بتسديد مبلغ من الضريبة على العائد)، هو ما يرمي الاقتراع، والمؤسسة الانتخابية والنيابية من بعد، الى تعليقه في الوقت الانتخابي والمواطني المصطنع الذي تنشأ عنه جماعة المواطنين في اللحظة الانتخابية الخاطفة والمتوارية. وعليه، فالقول ان الانتخابات الحرة، في إشراف القضاء النزيه وإطار الضوابط القانونية، هي مرآة المجتمع وجماعاته وصورة هذه وذاك، على ما يردد الإخوانيون العرب وفروعهم وأصولهم منذ قيام الحركات المدنية والديموقراطية وسريانها في الهشيم الاستبدادي العسكري والعصبي، هذا القول يخالف القصد الديموقراطي ومنطقه ومحركه.
الأفراد والمساواة
فمحرّك الثورة الديموقراطية، وهي ثورة على "النظام القديم" وتفاوت مراتبه الثابتة وتوزيعه الحقوق على أهل المراتب والجماعات والبلدان وتوريثه إياها وقسمتها منذ الولادة، محركها هو هوى المساواة، على قول توكفيل. والمساواة الديموقراطية ليست الأسوة "العادلة" والمنصفة، بل النازع إلى فك العلاقة السببية بين الأحوال الأولى، حين الولادة، وبين مصائر الأفراد التالية وأفعالهم وعوائد هذه الأفعال في دوائر السعي المتفرقة. ويقتضي فك العلاقة هذا استخراج الأفراد من اجسام الجماعات، أو تذرير الجماعات ذرات وأفراداً وآحاداً، ونصب الفرد صاحب حق ("ذاتاً حقوقياً") مساوياً لأصحاب حق وأقران على حدٍ واحد، بقطع النظر عن متعلقاته المتوارثة، ومكانة عاقلته وجماعته، وموارده. واستخراج الأفراد ليس معناه الإماطة عن كيانهم الفردي الكامن في ثنايا الجماعات، والمتحفز للخروج أو التجلي في جهازه الكامل. فاستخراجهم هو إنشاؤهم وإيجابهم إنشاءً وإيجاباً دؤوبين وعسيرين وعنيفين. وما يتصور في البديهة أو الثقافة الديموقراطية المعاصرة والمعولمة، في أعقاب نحو ثلاثة قرون من المسير العنيد، في صورة عملية تلقائية وطوعية تسلِّم بحقوق لا تزعم أشرس الأنظمة إنكارها مبدئياً هو ثمرة انقلابات وثورات تاريخية، حقوقية وإنتاجية وعلمية، تتوالى فصولاً وتتجدد لا إلى ختام أو نهاية. (ولعل من مفارقاتها جمعها بين حمل التاريخ على صنيع ينجز ويبلغ تمامه، وليس على أقدار ومصائر تقسم فيمن يتولونها، وبين بث فكرة المرسل، أو ما لا حد ينتهي إليه، في الزمن الكوني ثم في الزمن الإنساني).
والثورة الديموقراطية تحت لواء المساواة في الأحوال والشرائط نزعت، منذ بداياتها الأوروبية، الى إنكار «حقيقة» الفروق الاجتماعية والسياسية التي تقوم بها مجتمعات المراتب وتنهض عليها جماعاتها. وما بلغته هذه الثورة اليوم في ميادين وحقول مثل حقوق النساء والأولاد والمرضى والمثليين والحيوان والطبيعة والشواهد هذه يجمع بينها ويميزها تأخر حركاتها ومنظماتها وقتاً وزمناً، وملابستها الطبائع و «الطبيعة» على انحاء متفرقة قرينة على مخزون نازع المساواة الديموقراطي، وعلى ضربه صفحاً عن نتوءات الأبنية الراسخة، والفروق المتعارَفة من غير ريب ولا تشكك: فالأنثى غير الذكر طبعاً وشكلاً ومعنى، والولد قاصر والوصاية عليه حق للوالدين، والمثليون شاذون عن الطبع السوي، والطبيعة مادة للبشر... ويصدر نازع المساواة الديموقراطي عن سائقين أو أصلين يلازمانه هما سائقَيْن تمهيد دوائر السعي الإنساني وإحالتها كلها الى مادة اجتماعية لا تعصى الإعمال والفعل ولا يحصنها قصد أو إيجاب سابق ومفارق، وسائق توسع امبريالي يقود نازع المساواة الديموقراطي الى الانقلاب أو الانتقال مثل العدوى من دائرة من دوائر السعي الى دائرة أخرى قريبة او بعيدة.
ولا تستقيم هذه الحال، على وجهيها، إلا من طريق إقرار الفصل بين الدولة وسلطانها المتخلف عن إرادات المواطنين الناخبين وبين المجتمع المسمى مدنياً، كناية عن اشتراكه أو اشتراك افراده في السعي في حاجات معاشهم الدنيوي والزمني من غير معوقات أو ضوابط غير تلك المتأتية من عوائد هذا السعي والحؤول دون انكماشها أو ترديها (على خلاف «قانون» العوائد القصوى المقارنة)، أولاً، وكناية، ثانياً، عن تمييز الحياة العامة، السياسية والعلنية، من الحياة الخاصة ودوائرها المعاشية الحياتية والتناسلية والاعتقادية والأخلاقية والحميمة والذوقية. ورفد مذهب الحق الطبيعي، الفردي، ونصبُه الأفراد المستقلين بمِلكهم ودارهم وحصانتهم واعتقادهم آحاداً، ومرجعاً وميزاناً، الفصل بين الدولة وبين المجتمع. فضمن الحقُ الطبيعي وهو حق ينازع السلطان، صدر عن المُلك المطلق أم عن الجمهورية قيامَ المجتمع بإزاء السلطان، ومنازعته في التزامه العقد الذي لا طاعة حرة إلا بالتقيد به، وإلا حل القيام على السلطان، وجاز عزله. ولم تلغِ الديموقراطية ولا الأنظمة الجمهورية أو الملكية الدستورية والمقيدة هذا الفصل أو التمييز، على رغم استحالة إرسائهما على ركن مكين وجلي. ولكن افتراض المواطن الحر والمتعاقد والند المتساوي، وهو ركن الديموقراطية ومفتاح بنيانها وراعي «ابتكارها»، لا يستقيم من غير ازدواج الإنسان الديموقراطي: مواطناً عاماً وصاحب حاجات ومصالح ساعياً في هذه وتلك.
والحق ان الفصل والتمييز هذين ينقضان ركن «النظام القديم» المرتبي «الإقطاعي» والملكي المطلق. فالسلطان يعود في «النظام القديم» الى طبقة، هي مرتبة مغلقة مبدئياً ونظرياً، تجمع في آن السلطان (الحكم) والقوة (المسلحة) ومِلك عامل الإنتاج الأول (الأرض والعاملين فيها في وقت أول) أو التصرف فيه. وعلى هذا، فهي طبقة اجتماعية وسياسية معاً. ولا فصل بين تربعها في سدة الحكم، وقيادتها القوة المسلحة، وبين توارثها حقوق المِلك والكلمة الفصل في العوائد وتوزيعها. والثورات الديموقراطية على الأنظمة القديمة، المرتبية، لا تصدق تسميتها أو نعتها بالبورجوازية إلا على سبيل التورية والمجاز. فلو كانت بورجوازية، أو اجتماعية وطبقية، على معنى دقيق، لأحلت دولتها المرتبية، أو طائفتها (على المعنى الحرفي) وصنفها، محل الدولة القديمة. ولبدت أركان الدولة الديموقراطية، المواطنة والمساواة والولاية والحق الطبيعي والانتخابات والحريات والفصل بين السلطات، نافلة على صعيد الإجراء وعلى صعيد الخطابة أو الإيديولوجيّة.
وأخذُ الماركسيين وشطر من الحركات الاجتماعية الراديكالية بهذا الرأي أو المقالة، وحملُهم الدولة الديموقراطية عموماً، على دولة طبقية بورجوازية مقنعة أو سافرة أو أوليغارشية، قادهم، ويقود أمثالهم، إلى نفي السياسة والتدبير والفعل السياسيين، وترجيح كفة الاستيلاء على السلطان واحتكار السلطة، وطلب بسطها من غير معوق أو حاجز على المجتمع، وإنكار حق المنازعة (بإزاء الدولة) على المجتمع كلاً وأجزاءً أو قطاعات وعندما استقلت حركات شيوعية بسياستها، فأنشأت حزبها الثوري وطليعتها «العمالية» المحترفة، أو «أميرها» الحديث نصبت فوق المجتمع مرتبة آمرة ومستبدة، وسعت في ابتلاع المجتمع وتحطيم قواه، وأنكرت على القوى الاجتماعية معارضتها ومقاومتها.
تقدمية وحداثة عصبيتان
وبعض القرينة أو الحجة على حقيقة ما تقدم للتو هو أحوال أنظمة الحكم العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وما آلت إليه منذ بعض الوقت، وقبيل القيام عليها أو على معظمها في العام الموشك على الانصرام. فالتوريث، واحتكار مقاليد القوة والإدارة والموارد في «عصبية»، وعموم الفساد والتواطؤ عليه، والحجر على الانتخابات والاقتراع الحر وتداول المعلومات، وتسلط الحكم على المجتمع، وتربع جزء من المجتمع (الطائفي والطبقي والسلكي والبلدي) في قمة الحكم وبقاء الجزء على صفته الجزئية هذه الإواليات أو العمليات، وليس السمات وحسب، انتهت الأنظمة العصبية والبيروقراطية العربية إليها، على رغم اختلاف قوي بين مجتمعاتها، من طريق إنشاء وتثبيت بنية مرتبية وصنفية لمجتمع الدولة، والنقض أو الحجر على نازع المساواة الفردي والحقوقي، وفصل الدولة من المجتمع وتمييز المجتمع من الدولة، على المعنى الذي تقدم. فالتقدمية والحداثة المزعومتان اقتصرتا على شجب المراتب والجماعات العصبية «القديمة» أو السابقة وغلقها دوائر السلطة والقوة والإدارة والموارد على أهل المراتب والجماعات الدنيا أو الضعيفة وهي دنيا أو ضعيفة بحسب نظام المراتب السابق أو «القديم»، الأهلي العصبي. فهما تقدمية وحداثة غير ديموقراطيتين، ومناهضتان شديدتان ولئيمتان للديموقراطية وهواها ونازعها الى المساواة.
ويستعيد وصف الانتخابات الإرادة الشعبية، وتصويرها الحصص أو الكتل الاجتماعية (عامل، فلاح، فئات...) أو الكتل المذهبية والعقدية (من عقيدة او عقائد) المقنعة بأسماء «بيضاء» لا تحجب ملمحاً ولا سمة، يستعيد الوصف بنية مرتبية وصنفية ترعى الفروق التي يودي بها نازع المساواة الديموقراطي، وتجددها على اركان إسلامية أو فقهية. والنازع المرتبي ليس جديداً ولا طارئاً على حركات الإسلام السياسي المعاصرة (ولا على الحركات الصوفية، ولا على بعض الفرق). فدعوة صاحب جمعية الإخوان المسلمين الأول، حسن البنا («الشيخ» أو «الإمام»)، وسَّطت بين الأمة الإسلامية الناجزة أو فكرتها وبين المسلمين وأحوالهم السائرة والغالبة اليوم، حين نشأة الدعوة في بلدانها وأوقاتها، طبقة «الإخوان» الدعاة، خميرة الانقلاب من هؤلاء وأحوالهم إلى تلك وفكرتها. و»الإخوان»، وهم على وجه الدقة إخوانيون نسبةً وتثنية واختصاصاً مفارقاً، جماعة أو مرتبة تريد الجمع بين صفتها المرتبية وبين الاستواء في السلطة من طريق الدعوة والمجادلة والمَثَل الحسن وهيئات التعاون والتراحم والمؤاخاة، وبواسطة الانتخابات النيابية أو من طريق الاستيلاء والوثوب والحرب على ما ذهبت إليه جماعات «متطرفة» أو طرفية. ولم يشتط بعض أعلام السلفيين المصريين، راغب السرجاني ومحمد اسماعيل المقدم وأحمد النقيب حين أثبتوا وجوه الشبه بين الإخوانيين والسلفيين المعاصرين وبين «مدرسة الرأي والاجتهاد» (وهؤلاء هم إخوانيو عصور الخلافة) و «مدرسة أهل الحديث» (وهؤلاء هم سلفيوها).
وإرساء أبنية السلطان السياسية على أجسام أو أسلاك وظيفية، والتسليم بلحمة هذه الأجسام على المثال المرتبي والجمعي (والأدق: الجميعي على خلاف الفردي)، يقود لا محالة الى تحجير المجتمع والدولة على مراتب، وإلى تخصيص بعض المراتب الاجتماعية أو الأهلية هذه بـ «وظيفة» السلطة والحكم، أو بـ «وظيفة» السلاح، أو بالعمل و»الحرث» والطاعة. والمثال الإيراني الخميني، وفروعه، قريب وجلي. فتولية فقيه «عادل« الولاية على أجهزة السلطة والإدارة، وعلى المؤمنين ورعيتهم، وتصديه لإمامتهم في أحكام دمائهم وأموالهم وذراريهم إلى معتقدهم، انتهى الى تسليط المجالس (الخبراء، التشخيص، الأمن القومي...) المنتخبة على مرتبتين، على غرار مجلس الشيوخ المحافظ تعريفاً في بعض الأنظمة الديموقراطية، أو غير المنتخبة، على الهيئات المنتخبة، وإلحاقها جميعاً بـ «مرشد» يجسد وحده كيان الأمة. وانتهى الى استباق الانتخابات الشوروية والبلدية والمحلية، واطراح من لا يؤاتي رأيه أو هواه سياسة المرشد والأجهزة التي تحوطه وتمتنع من أي مراقبة أو ملاحظة أو حسبة.
وانتصبت أجهزة القوة والأمن والقضاء حارساً على باب «الخليفة الإمام»، وبلورت بدورها أسلاكاً وأجساماً متماسكة وقائمة بنفسها وحاجاتها ومصالحها. ويقتصر دور الولي منذ وفاة الولي الأول على ضمانها ودوامها وربما التحكيم في خلافات أصحابها. فلا يشبكها بعضها ببعض إلا ولاؤها المفترض لولي أمرٍ مهيمن على أحد مصدري مشروعيته، وهو أقرانه ومبايعوه، فيما المصدر الآخر، «الإلهي»، كوكب لا يبلغ نوره الأرض إلا بعد مليارات السنين الضوئية.
والفرع الحزب اللهي والحرسي للولي الإيراني الإمامي حصحص على المثال المرتبي نفسه. فأنشأ خارج أبنية الدولة والمجتمع اللبنانيين ولاية أهلية مسلحة تتقاسم، لفظياً، مع الدولة الوطنية «الجامعة» السيادة على الشعب والأرض، وتبت في شؤون الحكم والإدارة وأجهزتهما، ويعود إليها إعلان حال الطوارئ (حقيقة ومجازاً) وتمييز الصديق من العدو، في الداخل والخارج معاً وعلى وجه واحد. وهما، الاعلان والتمييز، القرينة على مناط السلطان وصاحبه وجسده. وفي الاثناء، يخوض «الحزب» المزعوم الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية، ويتولى «المراقبة«، وهي حراسة وخبرة وتشخيص (على أسماء المجالس في النظام الخميني الايراني)، على اختيار النواب الجهاز الوزاري التنفيذي، وعلى (بعض) القضاء، و(بعض) الادارة، و(معظم) الديبلوماسية، ويخرّب التعليم والاقتصاد (على قدر الاستطاعة). والركن في «الدستور» الفعلي هذا هو تسلط شطر من المجتمع، متماسك وملتحم بلحمته الأهلية، على الدولة وجماعاتها، بالسلاح هذه المرة، ولكن الانتخابات التمثيلية أو التصويرية قد تكون آلة تسلط الحزب الدولة في مرات أخرى. ونظام المراتب، «الاسلامي» أو «العلماني» (في صيغته الأسدية السورية)، يتيح على الدوام تفريع شطر من السكان او الرعية فيضطلع بدور الجماعات المتفلتة والرثة، الخارجة على القانون (شأن «القيادة» نفسها أو أجهزة الحكم القانونية والدستورية، ولكن على وجه عملي مختلف) رسمياً، إذا جازت العبارة. و»عصائب أهل الحق» و»كتائب اليوم الموعود» و»جيش المهدي»، والجماعات المسلحة العراقية هذه «تأتمر» بمرجعها العاجل أو الآجل، السيد مقتدى الصدر ومن ورائه السيد الشهرودي.
والمقارنات هذه بفروع الإخوانيين المصريين والتونسيين والمغربيين... ليست افتئاتاً عليهم ولا تخرصاً أو استباقاً أو كهانة. فجمعهم بين مفهومهم عن حزبهم ومفهومهم عن الدولة ومرجعيتها التشريعية، وبين دمجهم الاقتراع والتجسيد الكياني في واحد، تترتب عليه نتائج. فهو يقود أصحابه الى نصب أبنية الحزب الدولة، وسيطرة الدولة على المجتمع من طريق تثبيت الفروق والتفاوت بين الإخوانيين المهديين وبين المنافقين، وبين عامة المسلمين وبين الذميين، وبين النساء وبين الرجال... فتنبعث «الخلافة السادسة» على قول حمادي الجبالي، رئيس الوزراء التونسي المكلف وركن «النهضة»، غداة فوز حزبه بنحو 30 في المئة من أصوات التونسيين. فتدور النزاعات السياسية والاجتماعية على اللحمات العصبية، وتقوي تماسكها، وترجح كفتها على كفة التكتلات التعاقدية المرنة والمتجددة والمتغيرة. ولا ريب في أن إنزال العلاقة بـ»الغرب» منزلة الضدية الجهادية والمميتة، بإزاء «صليبيين ويهود» مفترضين وأبديين، يضمر الحربَ الحضارية أفقاً سياسياً وتاريخياً «أخيراً»، ويسوغ إرهاب الدولة الاهلي والخارجي وانكفاءها على عصبياتها.
وسبق أن أراد أنطونيو غرامشي، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الايطالي، تأصيل صيغة الحزب اللينيني في التراث السياسي الاوروبي والإيطالي، فدعا إلى حمل الحزب على «الامير الحديث»، كناية عن استحواذ القوة السياسية المرصوصة والمتماسكة على الدولة باسم مجتمع مدني يسوس نفسه بنفسه، ويقوم الحزب منه مقام الوسيط والعبارة والعقل. ونبه «ماكيافيليون» معاصرون الى خلط غرامشي اللينيني في هذا المعرض بين تولي الأمير ضبط الطبقات الحاكمة، وتقييد تنافسها، والحؤول دون تعصيب العامة واقتتالها المزمن، وبين استقلال المجتمع (العامّة) بنفسه والمحاماة عنها من ظلم الأسياد المتناحرين. واليوم، قد ينزع إسلاميون متجددون إلى إقامة «خليفة جديد»، هو «الحزب الإسلامي»، محل الدولة. وعدتهم انتخابات وصفية تمثيلية تكتل الناخبين جماعات وأهلاً ومدارس، وترتبهم على مراتبهم الطبيعية

الجمعة، 23 ديسمبر 2011

فاروق عيتاني راوياً بعض أحوال التيه البيروتي: طيّ الفولكلور والذكريات يمهّد طرق الرواية والبطولة الضعيفة


المستقبل، 11/12/2011
تملأ صفحات "الكتاب" الذي بين يدي القارئ أسماء علم، أو أعلام، كثيرة، وأسماء أمكنة ومواضع تفوق الأولى عدداً وكثرة. والأسماء هذه مقترنة على الدوام بأوقاتها وتواريخها، في السنة والشهر واليوم والساعة ما وسع كاتبها توقيتها أو تأريخها على هذا النحو، أو تخيلها، إذا ولدتها أخيلته على ما يحصل في غير موضع. وأسماء الأعلام، أسماء الناس وبعض الحيوان، وأسماء المواضع والأمكنة والمباني، ومواقيت الحوادث والأفعال والسكنات والغيبات، لا تُقصد لنفسها، ولا يثبتها فهرست ولا جدول، على رغم قرابة ظاهرة بينها وبين سيمياء الفهارس والجداول والمعاجم أو القواميس. فهي، على الدوام كذلك، حلقة من حلقات أنساب متشابكة تشابكَ خطوط أحجية أو طلاسم مستغلقة. وهذا من مفارقات الأنساب عامة، وأنساب العامة أو العوام على الخصوص: فما وُضع على قصد التمييز والتفريق والترتيب والصراحة والتعيين يقود لا محالة إلى التخليط والالتباس، أو التلبيس، على وصف معروف لفعل إبليس الغامض والمُلْبِس.

وتنسب الأخبار البيروتية الأهل والصحب والمواضع والحوادث معاً، مَنْ تتناولُ، وما تتناوله، نسبة "عالية" أو شريفة. وحفظ الأسماء وتدوينها، وتناقلها، تالياً، تشريف. فالاسم من السمو والتسامي، على قول الزمخشري النحوي والمفسر. ولا يشترك في الشرف المفترض الوضعاء الغفل الوجوه والأسماء، والأعيان الوجهاء و"المصيتون" (أصحاب الصيت الذائع). ويلم علم الأنساب هذا بالحجر والطرق والمسالك والأبواب والثياب والأصوات والخطوط والآلات القليلة وبعض الحيوان والنبات، على ما مر. فيتحدر الناس، على "مراتبهم" المتفرقة، والمفترضة على زعم الكاتب، من أصلاب أجدادهم و(أسماء) آبائهم على نحو ما تتحدر المواضع والمباني والطرق والشعاب من معالم سبقتها، ومبانٍ قامت بها، وطرق وشعاب وصلت بينها، وحكايات وروايات مدونة أو متخيلة. وتميل الأخبار والروايات البيروتية التي يجمعها "الكتاب" إلى تقديم أخبار العوام والسواد ومنقطعي النسب ومختلطيه على أخبار الخواص والأعيان وأهل المرتبة. وقد يكون مرد الميل والتقديم هذين الى إرادة جمع وإحاطة. فلا تترك ارادة الجمع والاحاطة خارج مدونة الأخبار والأسماء "فرداً" بينه وبين "الجماعة" أو "الأمة" - على قول فاروق عيتاني ساخراً وممجداً وحائراً وشامتاً وراثياً معاً أو على التوالي- خيط أو سبب.

وقد يكون مرد الميل والتقديم الى ترتيب معياري يوجب التذكر والحفظ والخلاص، ومكانةَ هذه، للمساكين والضعفاء والمبتلين. وليس ارتقاء التذكر والحفظ والخلاص من غير لقاء او ثمن. فحنيفة شاتيلا، زوجة محمد علي عيتاني ووالدة توفيق عيتاني (والد فاروق) وجدة فاروق، صاحب الأخبار، "استحقت" رواية خبرها ("الأهل والمسوخ") على قدر استحقاق الآخيين اليونان، من أمراء وملوك وأصحاب جيوش وأساطيل ومقاتلة، روايات الهوميريين (جماعة رواة الأخبار والمحدثين المنسوبين إلى هوميروس) أخبار انتصاراتهم ومصارعهم. ورحلة السيدة وولدها - في أواخر 1915، غداة معركة "ترعة" السويس التي قتل فيها محمد علي وهو يتسلل الى مرابض المدفعية البريطانية غرب القناة إنفاذاً لخطة رسمها قائد الجيش الرابع جمال باشا، ويتتبع حفيد محمد علي عيتاني وحنيفة شاتيلا في موضع آخر من أخباره هرب جمال إلى افغانستان ومصرعه بباريس، و"يهمل" على غير اعتياد "مقارنة" حملة الخيالة على الحامية البريطانية بعبور الجند المصريين في قيادة الشاذلي والجمسي الترعة "نفسها" في غرة يوم السبت الواقع فيه اليوم السادس من تشرين الأول 1973...- رحلةُ السيدة وولدها من بيروت إلى صيدا وبيدها وصلٌ حرره قلم الولاية بصرف شوال طحين لها كل أربعة أشهر تعويضاً عن مصادرة القلم بقرتي السيدة وحليبها لحاجات المستشفى العسكري، في مدرسة عبد القادر قباني ببرج أبي حيدر، (الرحلة، إذاً) فصلٌ من ملحمة.

وفي الفصل الملحمي "العامي" والنسائي، وليس الوجه هذا مصادفة ولا اتفاقاً، من آيات الثبات والعناد والطلب والإقدام والتسامي على الخوف والألم واليأس ما يتقدم بطولة "أشباه الآلهة" الإلياذيين ومن خلفهم الى يومنا. أو هو يستن سنن بطولة من ضرب غير ضرب السيوف وثلمها و"اشتهائها"، على قول القاعدي غير التائب لقضاته بالرياض في منتصف تشرين الأول 2011. ويحصي الكاتب في "أبطاله" وملاحمه ركابَ سيارة السرفيس (وهو سواقها وصاحبها) الصباحيين والمعتادين، وطلبة التوجيهية اللبنانيين بمصر صباح اليوم الخامس من حزيران في سنة 1975 الميلادية الميمونة، ومعيِّدي رأس السنة 1973 بطريق الجديدة، ومضيفة الطيران الفنلدنية السائحة في ليلة رأس سنة سابقة، وموظفي السفارة الليبية في مستهل الحروب الوليدة والآتية على "طبقاتهم"، والألمانية اليهودية ابنة الحاخام وزوج ابن المدور بالتبني القادم من أسرة حلبية من طريق امرأتين نوريتين خطفتاه واضطرتا الى رميه في هربهما فحلّ ببيت "أبيه" حلول رومي الدوشرمة في ثكنة الانكشارية وربما، من بعد، في ديوان السراي...

وإنما يكتب النسّابةُ صاحبُ الأخبار، الحقيقية والمتخيلة، ما يكتب، روايةً وتقصياً واقتفاءً، وهو يريد بعث الآثار المهملة والدارسة. فينيط بالكتابة ورسومها و"وحيها" أو أثرها المزمن، على شرح أبي عبيدة اللفظة، إحياءَ الأنساب المهملة والدارسة كذلك، وأصحابِها الذين عفَّت الأخبار والتواريخ "الشريفة" على أنسابهم، وتركتهم هباءً. فالخلاص، على مذهب صاحبنا، هو القيامة في القول وبه، واجتماع من تروى أخبارهم إلى رواة هذه الاخبار وقرائها بعد أجيال ليس مهماً عددها، ولحاق زمانهم بزماننا، ودخولهم فيه، واجتماع الرغبات في رغبة متوهجة مقيمة. فلا يفصل الزمانين، والأزمان التي تتوسطهما، إلا غلالة القول والنَفَس الرقيقة والصلبة معاً. وعلى هذا تتولى الرواية والكتابة ترصُّد الأصداء والأطياف المتجاوبة (تلك التي يجيب بعضها بعضاً) والمتداعية (تلك التي يدعو بعضها بعضاً). فلا يحول تباعد الأوقات، من منتصف القرن التاسع عشر العثماني "اللبناني" إلى 7 أيار 2008 وفروعه ونفثه، بين محاورة الطيف الطيفَ والصدى الأصداء.

ولا تبرأ الطبيعة من المجاوبة والتداعي والمحاورة. ويكلم صفيرُ الريح المولود في أرحام خليج عين المريسة عواءَ الذئاب النازلة من أحراج منحدرات "الغرب"، على ما يسمي دروز الشحار والبنَّيه وشانيه حرف جبلهم المشرف على "قرى" بيروت إلى خلدة وعقدة طرقها. ويجيب البشرُ، أجداد فاروق عيتاني وجداته وآباؤه وأمهاته النازلون "التلال" و"الرؤوس" المطلة على البحر، الصفيرَ والعواءَ فيصنعون من طينة الأخيلة و"الرواية" مسوخاً وبشراً ليسوا كالبشر يُسكنونهم السراديب، ويحتمون منهم بالمواقد والحجرات الضيقة والسقوف الواطئة. ويغذون السير، إذا أوشك المساء، تفادياً للقائهم أو لقاء الذئاب، على ما صنعت حنيفة شاتيلا في مسراها من الأوزاعي الى تلة الخياط قافلةً من صيدا، وعلى ظهرها شوال الطحين، وتجر بيدها توفيق المتعثر والمتشقق القدمين.

ويفارق الكاتب مفارقةً أخرى قصده الأول. فهو توسل بالأنساب وروايتها الى تفريق الناس وتمييزهم، فوقع على أوقات مختلطة وأمكنة "أثرية" ودارسة، وعلى عوام نصفهم من لحم ودم ونصفهم من أخبار وأسماء وأطياف. وها هو يقصد استنطاق الهويات والأعلام، ووراء الهوية والأعلام أو فوقها هوية بيروت وعلمها، لعلها تقول "الاسم" الذي يرعى دوامها وتناقلها، على قول بعض الصوفيين. فيقع على هجنة وتوليد "لبنانيين"، "لا دين" لهم و"لا أصل ولا فصل"، على قول عامي سائر. ويعاصر سعي فاروق عيتاني، وإفضاؤه الى كتابة هذه الفصول، جلاء شطر غالب من الشيعة اللبنانيين بظواهر بيروت القريبة، و"قراها" الجنوبية وضواحيها، هوية عصبية، نسبية ومذهبية، "ناصعة"، لا هجنة فيها ولا تخليط، على زعم أعيانها ورؤسائها الملهمين وربما "المعصومين". ونصب هؤلاء هويتهم المسكوكة 24 قيراطاً (والذهب يحتاج الى بعض المعدن الخسيس أي المختلط ليتماسك قطعة واحدة) بإزاء بيروت "السنية"، وضدها.

فـ"يرد" البيروتي اللبناني، و"الكتاب" على وجه من وجوهه هو سيرة الطبقة أو الحلقة الأخيرة من النسب، بحمل "الأصل" الأول على الاختلاط والهجنة: لا شك في أن كنيسة سيدة النياح الأرثوذكسية براس بيروت أنشئت في 1860، مع عمارة الكلية الانجيلية (الأميركية) السورية (والمقصود غير العربية ولا الإسلامية، على ما ينوه الكاتب)، وألحق بها مقبرة، وتعهد البناء والإنشاء، وجوه البخعازيين والربيزيين من رعية المطران اليوناني والروسي القيصري الولاء إيروتيوس، الحسن التسمية، ولكن الكنيسة قامت في أرض اشترك في ملكها، وربما في هبتها، بعض آل دندن وقمورية واللاذقي وحطب، وكلهم من أقحاح أهل الملة السَّنية والسُّنية. ولا تستوفي سنة 1860 الدلالة على علو النسب المختلط: ففي 1843م، الموافق 1259هـ، وعلى وجه الدقة في 8 صفر، باع خطار الرجي، بأصالته عن نفسه ووكالته عنها وعن والدته محبة بنت منصور تابت وإخوته، الى حسين صالح العيتاني أرضاً تنبت أغراس توت بري وإجاص، وتقع في وسط أرض بملك حسين الغالي وبعض العياتنة و("بيت القصيد") وقف كنيسة الموارنة (من فصل "رجع وردح بيروتيان").

والرد على الهوية بالهويات المهجنة والمولَّدة، وعلى النسب الصريح والقح بالأنساب المختلطة والملتبسة، يؤدي إن لم يُودِ بصاحبه إلى إنكار الولاء الواحد والمقيم والمزمن لـ"مسلَّط"، واحد، على قول النؤاسي، أي "سيد" واحد. وتشد مريدي "السيد" وجنده الى سيدهم وأميرهم عبوديةٌ لا ينفع في تجميلها، وصقل نتوئها، رفعها الى سيد "السيد" "رب العالمين"، وقصر "السيد" على الكناية والتمثيل والتوسط. وبين الأمة الواحدة والسيد الواحد خيوط وجسور لا يفتأ الكاتب يحصيها ويصفها، ويروي اختباراتها وتقليبها على أوجهها، في كثير من أخباره وسيره وحواشيه. ولعل خبر الاعداد لعملية انتحارية أو استشهادية، يبلِّغ بها "مرجعيته" المقيمة بباريس، على قوله - وهو على يقين من أن مرجعه لن يتردد في نسبتها إلى نفسه، وإزجائها إلى ولي نعمة ينوب مناب الأمة بدوره - لعل الخبر هذا هو ذروة الاختبارات "الأمية". فإذا قارن اختباره هذا، في صيف 1990، غداة احتلال صدام حسين الكويت ومرابطة الطائرات الأميركية (وغيرها) ببعض مطارات الخليج القريبة، بما رآه وسمعه ولم ينفك مذذاك يراه ويسمعه من "المشاهد" الخُمينية - وخميني "سيد"، وخالفه سيد ووكيل خالفه وعامله (على بيروت ولبنان) سيد- لم يشك في فضائل التهجين والاختلاط، وتفوقهما، معنى وتوليداً واستقامةً واضطلاعاً بالمسؤولية وتحملاً للأمانة، على أخلاق العبودية.

ولعل هذا ما قاد الكاتب- والكاتب هو، في آن، المرء على وجوهه الكثيرة والمتفرقة (الكائن الحي والمتعضي، والانسان الحي و"الجمالي"، والمتحدر من أنساب ومرجع نسب)، والواحد في جماعة، والمواطن في "مدينة" أو دولة وطنية - إلى البحث عن المباني التي تتيح له تصريف نفسه على وجوه النفس الكثيرة والمتشابكة والمتنازعة، على ألا ينفي منها وجهاً، أو ينزل عن نازع. وهذا على خلاف منطق الواحد، أو المنطق الواحد، ودعوته ("المرابطية" الأهلية أو الخمينية الضاحوية) إلى اختصار النفس في طاعة ولي الأمر، الوكيل عن الأمة، وإنفاذ أمره بالموت حين يأمر بالموت ويراه ضرورة لا بقاء للأمة إلا به.

ويتتبع الكاتب، تارة ساخراً وتارة ثانية متألماً وثالثة متأسياً ورابعة غاضباً ثائراً، بعض أحوال المنقادين إلى أولي الأمر ونواب الأمة ووكلائها. ولوحاته "الليبية" البيروتية، وشخوصها من موظفين وصحافيين وسياسيين، مثل على التتبع الساخر. وذلك شأن اللوحة القاهرية و"الناصرية" في الخامس من حزيران العتيد، يوم ظن الشبان البيروتيون الأربعة أو الخمسة أنهم عائدون من طريق فلسطين المحررة الى بيروت، ولا حاجة بهم لا إلى طريق البحر الاسكندرانية ولا إلى الطائرة والمطار. فعفَّرهم التراب والغبار، و"سرق" بعضهم بعضاً، ورجعوا أو رجع واحدهم بأقل من خفي حنين. وحين يروي فاروق عيتاني مصائر صحبه هؤلاء، ومآل بعضهم الى القتل والاغتيال بيد وكلاء آخرين عن الأمة الواحدة نفسها، يأخذه الأسى، شأنه حين يكتب أن صاحباً آخر، من شلة فتيان أخرى ندبت نفسها الى المحاماة عن الشرف القومي، "مات" قبل خمسين سنة، ولا يزال يسعى في الأرض تائهاً وزائغاً.

فالملاحم بين يدي الأمة- وأمة "القوميين" هذه يُستدل عليها بأنبيائها وأئمتها ومرشديها القوامين عليها حين لا تتولى حركات سياسية شعبية ومدنية واجتماعية إيجابها أمماً وشعوباً ودولاً - تقود حكماً إلى مقاتل الأهل ومصارعهم وهم يضرب بعضهم بالسيف وجوه بعضهم الآخر، أو يغتال الأخَ والشقيقَ بكاتم صوت أو عبوة مدمرة من التي. إن. تي. أو السيمتيكس التشيكي (وخزن منه العقيد القائد، مرجعية الكاتب في بعض أيامه الخوالي، مؤونة تكفي 200 سنة من الاستهلاك والإهلاك).

ويفضي إنكار الأمة على صورتها الواحدة، الجامعة والثابتة والمتجسدة والآمرة والمميتة، إلى سيرة ذاتية وخاصة هي سيرة صاحب اسم العلم، وإلى تراجم الأهل والأصحاب والجيران والمسافرين والبلاد والأمكنة. وتبسط التراجم العامية، على خلاف تواريخ "الرسل والملوك" والمرشدين وكتب "الفتوح" و"المغازي" والسرح في "مروج الذهب"، وجوهَ السير المتنازعة والمتناقضة والمخرَّقة. فـ"البطل" العامي، شأن الكاتب صاحب السيرة الذاتية، يتقلب بين دفتي عالم يصنع الناس فيه، فرداً فرداً وعلى غير مثال، مصائرهم وهم لا يعلمون ما يصنعون، ولا كيف يصنعون، على قول سائر. وذلك أن مصادر هذا العالم، أو العوالم و"الأجرام" الصغيرة والعظمى، لا تحصى، ودوائره أو دوائرها لا تنفك تتناسل وتلد الحوادث والوقائع الجديدة. والحوادث والوقائع هذه لا تنفك، بدورها، من ملابسة المعاني والأفكار والصور والرغبات والكلمات. وهذه بنت الأخيلة والتشابه والجواز على قدر ما هي بنت الضرورة المُحْكمة. وإدراج هذا كله في الرواية والسيرة يضعف أواصر المرويين بالمثالات البطولية الفقيرة والثابتة. ولكنه يؤرخ لولادة متعثرة ومتعرجة وعسيرة هي ولادة المديني المدني، أو "ابن" المدينة المهجن واللقيط والعاق والمتقلب والموشى والمعاصر. وهو المهوِّم على الساحات والميادين والبوابات والمطوِّف بها.
[ السطور أعلاه تقديم لكتاب فاروق عيتاني: "البيروتي التائه"/ الصادر عن دار جداول/ بيروت/ 2011.

الأحد، 20 نوفمبر 2011

الخلاف على مسائل العنف والحماية الدولية والتمثيل الشعبي: هل الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية "ثورة مبكرة؟"

المستقبل - الاحد 20 /11/2011 


تتنازع الحركة الوطنية والديموقراطية السورية أضداد واختلافات هي مرآة نشأتها وبنائها وكيانها واشتداد عودها، على نحو ما هي مرآة "النظام" الأسدي الذي خرجت منه وانقلبت عليه، وتريد إسقاطه وبناء "ديموقراطية تعددية" على أنقاضه. وتدور معظم المناقشات على مسألتين هما سلمية الحركة في وجه عنف الجهاز البوليسي والعشائري المتعاظم والمتصل، ودعوة "الخارج" العربي والدولي إلى حماية المدنيين المتظاهرين والمعتقلين، والسكان المعتصمين في الأحياء والبلدات، من القتل والحصار والخطف والتعذيب. وتتناول المسألة الأولى حق الحركة المدنية في الرد على العدوان السافر على المتظاهرين والمعتصمين بواسطة سلاح المنشقين عن القوات المسلحة وأجهزة الأمن، وبعض السلاح الفردي المتبقي من أحوال سابقة أو المهرَّب والمتداول في السوق السوداء. وجزء من المسألة هذه ناجم عن سياسة الجهاز الحاكم، وبنيته العشائرية البيروقراطية، أي عن إرادته (ومصلحته في) اختصار الحركة الوطنية والديموقراطية المدنية السورية في "مجموعات مسلحة" ومنظمة مولودة من "الإخوان" والأصوليين ونفوذ مراكز قوى إقليمية ودولية "صهيونية أميركية" في نهاية المطاف.

امتياز العنف القدسي

وسياسة الجهاز الحاكم وبنيته خلفتا انشقاق مجموعات عسكرية وأمنية نظامية عنه، وارتدادها عليه، واضطرارها إلى حماية نفسها من الاغتيالات في أثناء العمليات التأديبية، وحماية السكان المتظاهرين والمعتصمين والمحتجزين من القتل والمهانة والتمثيل والتعذيب. ولا يسع الجموع المتظاهرة والمعتصمة التبرؤ من المنشقين، كما لا يسع المنشقين ترك الدفاع عن النفس، وعن الأهالي الذين يحضنونهم في الأحياء الداخلية وأزقتها وسراديبها الخفية. واستقلال المنشقين بـ "جيش حر"، وتكاثرهم وتواتر عملياتهم منذ الشهر العاشر، وهو شهر الحركة السابع، وتصديهم للإعلان عن أعمالهم باسمهم، هذه كلها لا تتستر ولا تتكتم فعلاً على انتسابهم إلى الحركة الوطنية العامة، ولا على مشايعتهم جماعاتها أو تياراتها القاطعة والمتضافرة (التنسيقيات والمجلس الوطني، وهما صلب الداخل وعموده الفقري).

وعلى قدر بلورة الجهاز الأسدي أدوات عنف أهلية، مذهبية و"رسمية" بيروقراطية، يسعى هو نفسه في استدراج الحركة الوطنية والمدنية إلى بلورة عنف أهلي ومذهبي نظير أدواته، وكفءاً لها. فالحرب الأهلية العامة كانت سلَّمه للاستيلاء على السلطة، وذريعته الى الاستقرار فيها، والانفراد بها وجمع مقاليدها وأزقتها في يد واحدة ساحقة. وهو يعول عليها اليوم تعويله عليها في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، في سبيل كسر الحركة الوطنية والمدنية، على ما أقر رأس الجهاز "الشاب"، والحؤول بينها وبين هيكلة كيان شعبي سياسي جامع لا قوام لدولة سورية وطنية إلا به. وجرُّ الجهاز الأسدي الحركة الوطنية الديموقراطية إلى العنف المسلح الأهلي يحقق، في حال نجاحه، شق الحركة، وحملها على جناحها أو تيارها الإسلامي (المسلم) المنظم والشعبي والممتحَن وعلى دائرته المذهبية والطائفية، وإلحاقها المعنوي والسياسي بماض أليم دامٍ وبأغراض وغايات حالية مدمرة.

ويقود هذا إلى المعادلة غير السرية ولا الخفية التي رهن بها الجهاز العشائري البيروقراطي "أبديته". وهي تقصر السوريين على "الاختيار" بين الحرب الأهلية العامة والمتطاولة ("اللبننة"، على مثال أسهم الجهاز في صنعه ورفض على الدوام اسمه واللفظة الدالة عليه) وبين دوامه في السلطة على النحو الذي يرتئي ويعرف، وهو لا يرتئي ولا يعرف غير هذا النحو. ولكن تمسك معظم الحركة الوطنية والمدنية السورية بسلمية تظاهراتها واعتصاماتها، واقتصار السلاح والتسلح على دفاع ذاتي ضيق على رغم توسعه النسبي، وامتناع أجنحة الحركة من التبرؤ ومن التبني على حد سواء، ومضي الجهاز على عنف هائل لا كفء له ولا نظير أبطلت هذه صيغة المعادلة "اللبنانية السورية"، وقلبتها الى صيغة مختلفة: إما الحرب الأهلية الدابة والمزمنة في قيادة عشائرية بيروقراطية وإما ذيول الحرب الأهلية المزمنة وتصفيتها "الأبدية" إلى ما شاء ربك. فأَسكت الإبطال أصوات المستكينين إلى دوام الجهاز لقاء سلم أهلي يحفظ الدماء ويحبسها من غير حرمة، ويبيح الأموال والكرامات من غير تعويض.

ويخشى الجهاز الأسدي، فوق خشيته أموراً أخرى كثيرة، التفريط باحتكاره العنف، وخسارته ذريعة القيام مقام الدولة ومشروعية انفرادها بتصريف العنف وتدبيره باسم مصلحة عامة هي وحدة الوطن، شعباً وأرضاً. ويتكئ احتكار العنف، على رغم صفة الجماعة الحاكمة الفئوية والأهلية وبعدها من العمومية السياسية والوطنية الجامعة، طاقماً وتصريفاً، يتكئ على غلو سيادي يلبس اللباس العروبي والفلسطيني و"العالم ثالثي" في صيغته المناوئة للاستعمار والإمبريالية والرأسمالية العالمية والاستكبار، وحواشيها "اليهودية والصلييبة" ضمناً. ويقود احتكار العنف، من غير كيان عام ومشترك يؤطره ومن غير تمثيل سياسي وتشريعي وإداري يقيده ويصوّب إعماله واستخدامه، إلى نصبه عنوان سيادة وولاية مطلقتين وساحقتين ولا راد لهما، على مثال رأي المجتهد ومرجع التقليد في بعض الفقه الإمامي. وحين ينكر الجهاز الأسدي، وأذرع إعلامه الدعاوي، على بعض جماعات الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية ردودها المسلحة الموضعية على عدوانه العام فهو إنما يخاف على المكانة التي أولاها ويوليها هو (إلى) استعمال العنف، وحمله على صلاحية قدسية تترتب على ولايته وأحقيته غير المقيدة بها. ويدعوه تعظيمه مكانة العنف في صيغه كلها من الحرب التقليدية إلى الصمود والتصدي، من التوازن الاستراتيجي، واللبننة، والتوسل بالخلافات الأهلية والنفخ فيها، وإلى إعمال الجماعات الجهادية وفِرَق الإرهاب وأوانيها الإقليمية المستطرقة على الجبهات الأوسطية الكثيرة، فالتحويم على البؤر النووية إلى سعي محموم في استئصال جذوة العنف الأهلية، والنفخ فيها، وإنكار "جدارة" الحركة الوطنية والمدنية بها، في آن.

الداخل/الخارج

وتتصل مسألة العنف، على وجهيها، بمسألة "التدخل الأجنبي". فالجهاز الأسدي نهض أولاً على معالجة ارتهان سوريا، دولة و(مجتمع) جماعات متفاوتة التماسك، للمنازعات الإقليمية والدولية، وطلبها "الوحدة" تفادياً للالتحاق بكيانات إقليمية هزيلة وتابعة. ولما كانت الجماعات الأهلية وانقساماتها وولاءاتها مطية الارتهان والتبعية والترجح، تصدى قائد "مخابرات" القوة الجوية في الجيش السوري مع أقرانه وزملائه البعثيين لجذور الارتهان. فمضى على قطع علاقات جهاز السلطة بالجماعات، وتحرير الجهاز من تبعيته للجماعات ومجتمعها، ومن روابطه التمثيلية والمعنوية بها، وإطلاق يده في خنقها وقمعها. وتصدرت الذريعة الاستقلالية عن القوى الإقليمية والقوى الأهلية، والذريعة العربية الفلسطينية، على النحو الذي دمجته عليه الحركة الفلسطينية ومنظماتها المسلحة، السياسات الأسدية. وفي نهاية المطاف، انتُزعت الدولة من شروطها وملابساتها المادية والاجتماعية والأهلية، وأوقفت وقفاً ذرياً على "القضية". فهي ليست دولة شعبها وجماعاتها ومجتمعها، بل "دولة قضية" و"وطن" هذه القضية. وأقامت الذريعتان المتصلتان على صدارتهما على رغم تبدل الأحوال.

والحق أن إرساء استقلال الجهاز الحاكم والمتسلط عن الجماعات الأهلية ومجتمعها على تربع عصبية جماعة أهلية ومواليها وصنائعها في قمة "دولة القضية" وفي قلب هيئاتها التشريعية والتنفيذية والأمنية، واحتكارها العقد والحل والمنافع من غير سبل مراجعة أو شراكة أو موازنة، الإرساء على هذه الشاكلة هو سمة حقبة مديدة من تاريخ نشوء الدولة في المجتمعات العربية، ومجتمعات الدول النامية ("المتخلفة" سابقاً) في العالم الثالث السابق، طوال نيف ونصف قرن. وتشهد المجتمعات العربية، اليوم، عن يد الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية والحركة السورية منها بمنزلة الاختبار الأغنى، طي هذه الحقبة على الارجح.

وإسناد السيادة غير المقيدة الى جهاز يتربع في سدته حاكم فرد تسوغه الاقامة على حال طوارئ استثنائية، داخلية وإقليمية. ولا ريب في أن اضطراب العلاقات الاقليمية المزمن في الشرق الاوسط، مشرقه ومغربه، وتمزق مجتمعاته الأهلي وقصورها عن التعاقد على بلورة دول وطنية متماسكة، وتقاسمها الدولي والمنافسة عليها تضافرت جميعها على اخراج الدولة، فكرة وهيئات ومباني، من المنازعات الداخلية وموازينها وسياقاتها، وتصنيمها فوق المنازعات نصاباً فوقياً وإقليمياً- دولياً. فالقضايا التي تشغل "سوريا"، على قول أحد أنصاب الجهاز الأسدي المتسلط السابقين في الثلث الاول من العقد الماضي، هي العراق ولبنان وفلسطين. ولا تشغل قضية سورية، غير "الوحدة" الداخلية والقسرية في قيادة الجهاز العشائري - البيروقراطي، "القيادة" المزعومة.

والمشاغل الاقليمية، شأن العنف ومباشرته من غير قيد، هي من "حقوق" القيادة ووقف عليها، وهي من "حقوق" السيادة والولاية القدسية، ولا شأن "للرعايا" فيها. والارجح أن الجهاز الأسدي، على غرار اجهزة متسلطة أخرى تهاوى بعضها وبعض آخر يوشك على لقاء المصير نفسه، استمد شطراً غالباً من إزمانه الخانق وتماسكه الصوري والظاهر من احتكاره التمثيل على السيادة على صورتيها: العنف (الداخلي والاقليمي) والمناعة من الخارج. وهو سعى جهده في نفي قوى الداخل وجماعاته من التأثير في السيادة أو التمثيل عليها، إما مباشرة من طريق هيئات الدولة، وإما غير مباشرة من طريق الانخراط في سياقات مشتركة، و"عابرة الحدود" (وعلى سبيل المثل، حين تآخى اللبنانيون والسوريون على جهتي الحدود رداً على قمع تلكلخ الدامي، كفوا عن رابطتهم المفترضة من قبل "شعباً واحداً في دولتين"، وألزموا قطع روابط الجوار والقرابة).

وما يستوقف السوريين وغير السوريين اليوم، ناشطين منخرطين ومراقبين، من ضعف الانشقاق عن النظام في المجالات والدوائر العسكرية والديبلوماسية والادارية والتقنية ليس مرده، على الارجح، الى تماسك كيان الدولة المعنوي، ولا الى فاعلية القمع وشبكة رهائن الاهل التي تطوق بها السلطة أعناق الناشطين وتغل أيديهم، ولا الى تقسيم التسليح والوظائف والمراتب العسكرية والأمنية تقسيماً مذهبياً، وحسب. فهذه، وغيرها مثلها، لكانت تفتقر الى الفاعلية لولا استماتة الجهاز في تعظيم مثال العزلة السورية و"مقاومتها" التأثير والنفوذ "الاجنبيين" و"لعبة الامم"، ولولا صوغ السياسة ومقوماتها وعواملها على صورة البراءة من التلوث الاجنبي والأهلي معاً، ومن غير انفصال أو تمييز. واستفظاع بعض الوجوه العلنية من أهل الرأي والموقف المطالبة بالحماية الدولية والانسانية (من غير الاستهانة بتعقيدها في حال مثل حال سوريا)، وتهمة أصحابها والمحتاجين إليها بالانقياد "الاميركي"، هما صدى من أصداء المزاعم الجهازية والقومية الشعبوية في السيادة والدور والموقع والتأثير. وعلى الجهة المقابلة، يتورع معارضون آخرون من ادعاء تمثيل الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية، على رغم علاقتهم الوثيقة بموفديها وتنسيقياتها وناشطيها الميدانيين المولودين منها. ويقصرون دورهم على مساندتها ومناصرتها، وبناء جسرها الى المجتمعين الاقليمي والدولي. ويصدر التورع هذا عن تحفظ عن أركان السياسة الاسدية، من وجه، وعن "حياء" من التصدي للتمثيل والتكليف ولباس حلة السيادة، غداة نيف ونصف قرن من مصادرته على السوريين، واستبعادهم منه، والتهويل عليهم به وبقدسيته، من وجه آخر.

فيخلص معظم الحركة السورية ربما، وعلى الخصوص "ممثلوها" وأهل الرأي والاعلام فيها من دون ناشطين ميدانيين كثر، الى عسر صوغ مشروعية سورية مدنية وديموقراطية مستأنفة بمعزل من الجهاز المتسلط، و"محاورته" على الانتقال. ويبلغ العسر حد الاستحالة والامتناع. وهذا الرأي يستقوي بتكلفة حرب أهلية باهظة. ويحسب أن "الحوار" على الانتقال يقلصها اذا هو لم يجنب السوريين ويلاتها. وينبغي ألا يشك أحد في رجاحة الحجة وقوتها واستقامة منطقها. والحق أن التلويح بتكلفة حرب أهلية ثقيلة ليس الداعي الوحيد أو الاول الى تصور الانتقال الى دولة سورية ومجتمع تعددين على صورة تسليم وتسلم، ولو بعد فصل دامٍ نجم عن المفاجأة واختبار ميزان القوة "الضروري". فالحركة السورية، شأن الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية العربية التي سبقتها، وفوقها أو أكثر منها، ثورة مبكرة، إذا جازت العبارة، وسابقة أوانها، على افتراض أوان للثورات أو للانعطافات السياسية الحادة.

ووقوفها أي ترددها في الحسم في أصول الدولة والولاية، أي في العنف المشروع، وحد الداخل والخارج، والتمثيل (أو لبس أعباء الولاية)، هو صدى التبكير هذا. وتعليل الوقوف أو التردد في المسائل الجوهرية هذه بإعمال الطغيان الاسدي أركان انسلاخ الدولة عن المجتمع ومفارقتها الجماعات الأهلية، ودمجه سلاح الدولة بقضية من غير شعب مادي وبجماعة أهلية معاً، هذا التعليل لا يفتئت على الوقائع، ولا يفتعل رواية مغرضة. ويقوي التعليل، على زعمي، تقدم الحركات الاخوانية، على هذا القدر أو ذاك، على غيرها من الحركات السياسية أو الأهلية العربية في مضمار الاضطلاع بكيان الدولة السيادي، والتصدي لهذا الاضطلاع، وتصديقها حين تتصدى له. وتقدمها هو ثمرة خبرتها التنظيمية المديدة، ونضالها الطويل في أوساط اجتماعية وشعبية عريضة مدت لها يد العون، ومعارضتها الانظمة الحاكمة والقاهرة، وصدورها عن اسلام بعضه مشترك ومتعارف وبعضه الآخر "ثقافي" واجتماعي إرادي ومجتهَد، الى آخر العوامل التي يحصيها الباحثون في السياسيات والاجتماعيات، ولا ينكرها الحركيون. ولكن هذه العوامل مجتمعة لا تبعث على القبول والتصديق لولا مزاعم الحركات الاخوانية في أحقيتها بحكم الدولة، ويقينها العميق عموماً بجدارتها بالحكم. فهي لا يصدق الرأي فيها، في "ثورتها"، بالتبكير وسبق الاوان.

ولا تنكر قوة هذه المزاعم في وجه صلف الاجهزة العشائرية- البيروقراطية، وعدوانها المستميت والمزمن على روابط الاجتماع السياسي، وعالم الحياة السائر والمتقاسَم. وقلما ينهض في مقابل عصبية القوم الأهلية العربية، الحقيقية أو الوهمية الصناعية، ويقوى على مكافأتها، غير اللحمة الدينية. ولم يخفَ على المراقبين اليسر الذي طبع اقدام قدامى الجهاديين الليبيين على الفتوى بجواز الاستعانة بقوات الاطلسي، والاحتماء بها من عدوان الجماهيرية القذافية. ولم يفق المراقبون بعد من اجتهاد راشد الغنوشي في "اسلام" الدولة البورقيبية (والكمالية، على لسان أردوغان التركي) وضرورات السياحة بتونس وإباحتها المحظورات، والكلام في الخلافة السادسة في اليوم التالي. وهذا ما لم يكن ليتجرأ عليه مدني ديموقراطي عامي. وليس هذا دعوة الى الاقبال على المزاعم، ولو مستحقة ومصدقة. فالتحفظ السوري عنها قرينة نضوج، وآية فعل مديد وخفي في أركان الاجتماع السياسي الوطني وأبنيته التحتية. وما لا نعلمه الى اليوم هو ما قد تصنعه الحركة الوطنية المدنية والديموقراطية السورية بهذا التحفظ، وفي أي نهح قد تستثمره، وتخرج به من منطق الحرب الرأسية الذي يريد النظام حبس الحركة بين جدرانه العقيمة. فإذا آذن التحفظ فعلاً باختطاط نهج جديد بَطُل الحكم بالتبكير، وحق فيه انه استعجال ونفاد صبر، على ما يحصل للمتوجس خيفة ويقع له.

الاثنين، 7 نوفمبر 2011

تعليقة ثانية مستأنفة على حنا بطاطو في ضوء "المشاهد" العربية المعاصرة: دولة الاستبداد المديدة ثمرة الجمع بين خنادق الجماعات ووحدتها الآلية

6/11/2011 المستقبل--

حين ولي فيصل الأول ملكاً على العراق، غداة هزيمة جيشه "العربي" بميسلون في ضاحية دمشق، واستقر ببغداد بعد تردد، لم يغفل الشاب الحجازي، والعثماني إلى بارحة قريبة، أن ولايته إنما هي على "كتل بشرية خالية من أي فكرة وطنية (و) لا تجمع بينهم جامعة" (عطفاً على تمهيد تناول كتاب حنا بطاطو الكبير العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام "الجمهورية"، ونشر في "نوافذ "المستقبل"، في 22/10/2011). والعراقيون، على قول مليكهم الجديد الذي لم يختاروه ولم يخترهم في مذكرة سرية استخرجها حنا بطاطو من محفوظات بريطانية لا تحصى وثائقها كثرة وعدداً، العراقيون ليسوا "شعباً عراقياً بعد". و"الكتل البشرية" المتفرقة التي آل إليه حكمها، أو حكم "دولتها" المفترضة، "متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية". وأهلها أو أهاليها سريعون الى "الانتفاض على أي حكومة كانت". ويصف الشريف الحجازي الهاشمي ابن الشريف الهاشمي نقائض الاجتماع العراقي السياسي والأهلي وقصوره قياساً على مثال يتخيله ويحسب أنه حقيقة وواقع معياريان. ويحسب الأمير الجديد أن لا مناص من إيجاب الحقيقة والواقع المعيارين هذين قبل جواز الكلام على شعب عراقي، ودولة عراقية، وقبل استوائه هو ملكاً أو حاكماً فعلياً. وليس أضعف المفارقات ولا أقلها دلالة إقبال الشريف الحجازي والهاشمي على التملك على شعب "لا وجود" له، على قوله كذلك، على المثال المرتجى، الوطني والسياسي المجتمع، وليس على الشاكلة المشرذمة (القبلية العشائرية والقومية) والخرافية (الدينية والمذهبية).

وعلى هذا، عزم العاهل "العراقي"، ومعه رهط الضباط العثمانيين الشريفيين من أنصار ثورة أبيه على جيش السلطنة العلية والمسلمة المرابط في الولايات العربية، بين حلب شمالاً والمدينة المنورة جنوباً والسويس غرباً والبصرة شرقاً، ومن ورائهم ضباط الامبراطورية البريطانية وموظفوها، عزموا جميعاً على "بناء" أو إنشاء الدولة والشعب الوطنيين والعتيدين. ويقتضي هذا، على المعنى المضمر في شكوى الامير، توليد أو استيلاد "الفكرة الوطنية" الجامعة من "الكتل" الأهلية المتفرقة، وإرساء الحكومة أو الدولة ودالتها على ولاء المواطنين الطوعي (في وقت ثان) ورضاهم ولايتها عليهم باسم الرابطة المعنوية والرمزية المنشودة، والتدبير العادل، والمساواة في توزيع المصالح ("المناصب"، على قول ذلك الوقت، والاصول المعنوية والمادية وعوائدها من صنفيها).

"الفكرة الوطنية"

واضطلاع فيصل بـ"الفكرة الوطنية" العراقية- وهو الوافد على جماعات ما بين النهرين وقماشتها الاقليمية، من خارج مثلث: مراتب السلطنة والخلافة السابقة، والعروبة السلالية والتاريخية الملتبسة بالاسلام، والامبراطورية البريطانية وحراسة طرق مواصلاتها-، مفارقة أخرى من المفارقات التي لم ينفك منها نشوء الدول والامم في وقت وعالم خَلَفَا انهيار أبنية امبراطورية قديمة (التركية والنمساوية والروسية) ودوام أخرى (الروسية "السوفياتية" والبريطانية والتركية والايرانية)، وولادة كيانات "وطنية" هشة وضعيفة. وهو يطلب ملكاً وولاية على جماعات تقوم، أول ما تقوم وتتماسك، برئاساتها التي تتربع في ذرى أجسام عصبية منكفئة على نفسها، على رغم علاقاتها القوية والحيوية بأشباهها ونظائرها، وبنقائضها أو أضدادها، من الأجسام العصبية الأخرى. وطالبُ الملك والولاية، على خلاف من يطلب الملك عليهم من جماعات بين النهرين، ليس رأس عصبية قوية ومتغلبة على شاكلة تلك التي جمعت تحت سلطانها، الى الجنوب، ديرات القبائل، ومدن الأهل. فكسرت شوكة الحرب في القبائل من طريق التوطين في الهجر، وتوزيع عوائد الغلبة على الرؤساء والمشايخ لقاء استتباعهم، على المعنى الحرفي (إلحاقهم سيوفاً وجنداً ومقاتلة في أمرة العصبية المتغلبة).

ومن يتصدرهم فيصل ويتقدم عليهم من ضباط عراقيين وسوريين وكرد محليين شايعوه (شايعوا أباه أولاً) على السلطنة، ثم على فرنسا، قبل أن تنصبهم الادارة البريطانية على الجماعات "العراقية"، هؤلاء ليسوا أحسن منه حالاً في ميزان العصبيات والشكيمة والمرتبة. فهم طارئون على الجماعات الأهلية، ومولودون من مراتب ومكانات متوسطة. وهذه ارتقت من طريق بيروقراطية السلطنة المركزية، وحازت النفوذ بواسطة مراتبها الجديدة في الأسلاك العسكرية والادارية والمالية والدينية. وهذه الأسلاك، بدورها، تنامت عدداً ودوراً ونفوذاً تحت عباءة الدول الاوروبية "الكبرى"، وتنافسها على اصلاح السلطنة، أو تحديثها السياسي الوطني والتقني، وتقاسم النفوذ عليها وتوزيع عوائدها، وتقييد تفككها ورعايته، معاً وفي آن. فكانت البيروقراطية أداة من أدوات تجديد أبنية السيطرة المركزية المتآكلة على الولايات، وفي الداخل الأناضولي، وباعثاً على نشأة مجتمع سياسي ضيق اضطلع بتقييد سلطة السلطان وأركان نفوذه (مشيخة الاسلام والجيش القديم ونظام مِلك الارض وتلزيم الوظائف) وسعى في إضعاف هذه وتلك.

وكانت "الوطنية" أو "القومية"، فكرة ورابطة ودولة وجسماً سياسياً وحقوقياً، مطلباً أو غاية متناقضة أو متدافعة. فهي من بنات تحديث السلطنة، وإرادة حمل الشعوب والأقوام المغلوبة على الانخراط في كنف سلطان "دستوري" ما أمكن. ولكن "الفكرة" هذه كانت، في وقت واحد، نهجاً لمنازع أهلية وجزئية وفرعية، من وجه، وطُعمة لمصالح امبراطورية، دينية مذهبية أو عرقية، من وجه آخر. وإذا كان استقلال الولايات الذاتي، أو توسيع صلاحيات ادارتها الذاتية، خطوة على طريق تمدْين سياسي واجتماعي ("ديموقراطي"، على تحفظ شديد)، فلا ريب في أن تولي ولائد البيروقراطية السلطانية، من أهل الولايات المقيمين غالباً باستانبول و"المصعدين" إليها، طبع هذا التمدين بطابع التسلط والتوحيد الفوقي والعمودي الحاد.

ولم يشذ العراق، أي جماعات ما بين النهرين، عن التنازعات هذه وتدافع عواملها. فكان الملك الوافد، والقادم محمولاً على أسنة الجيش البريطاني (سلف "الدبابات الاميركية" المخيفة و"الضرورية") غداة فراغ القوات الغازية من اخماد "ثورة العشرين" الوطنية الجزئية والعشائرية الدينية، أداة رغبة القوة المحتلة في تدبير مجتمع "منظم" على مثال دولة- أمة، آمنة ومن غير منازعات أهلية باهظة الأكلاف (على المحتل والرعايا). والمثال نفسه مناط رغبة "الطبقة الحاكمة" الجديدة والمزمعة، من باب أول. وبينما يملك الاحتلال قوة قسر الجماعات على الرضا بالدولة الوطنية، الخلو من المنازعات الأهلية العصبية والمراتب الوسيطة (بين السلطة المركزية غير القائمة وبين المواطنين المفترضين)، لا تملك "الطبقة الحاكمة" المتحدرة من البيروقراطية العثمانية القوة هذه، وهي عالة على القوة الفاتحة والمستعمرة. وتجتمع القوة الفاتحة والمستعمرة و"الطبقة الحاكمة" المزمعة على مصلحة مشتركة هي إخلاء المجتمع "الوطني" المرجو من منازعاته الأهلية المدمرة، وتوحيده أو جمعه على "حكومة" تدبير وإدارة وانتاج منقادة، ومن غير هوى ولا مصلحة ذاتيين.

وهذا يتناقض ويتدافع. فالباعث على الوحدة لا يتأتى إلا من مصلحة وهوى ذاتيين. ويقتضي تغليبيهم على المصالح والأهواء الاهلية والجزئية المتدافعة والمحتربة تحطيم اللحمات العصبية التي تغذي المصالح والاهواء هذه وتغتذي منها، أو استتباعها. وتتولى الاستتباع جماعة قوية ذات شوكة ومتغلبة. فترسي غلبتها وسلطتها على تحالف يقيد العصبيات، ويرتبها على مراتب تحفظ لحماتها، وتلحقها بالجماعة المتغلبة إما مباشرة وإما من طريق مراتب وسيطة، محلية أو اقليمية، على ما حصل الى الجنوب من العراق في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين. وينشأ عن الاستتباع، إذا افلح، إطار سلطاني رخو أو مرن يرعى مساكنة العصبيات ومراتبها معاً. فإذا ضعفت العصبية المتغلبة، وقصرت عن التحكيم والتوزيع "العادلين"، استيقظت العصبيات المغلوبة، أو بعض فروعها، وخرجت على "النظام" باسم روابط عامة ومشتركة، دينية في الغالب. وأما التحطيم فتتولاه جماعة قوية أو تحالف جماعات قوي. ولا تستقر غلبتها إلا إذا هي أتمت تحطيم الابنية العصبية كلها، وفيها أبينة عصبيتها هي، وتبددت أركان الغلبة الخاصة. فتنحل السيطرة في أبنية الدولة السياسية، ويقوم الشعب السياسي، المؤتلف من ارادات فريدة وأهواء ومصالح "نووية"، مقام مصدر السيادة أو الولاية. وهذه السيرورة، سيرورة تولي الجماعة المتغلبة استتمام تدمير أبنية غلبتها وإرساء السيطرة على قواعد غير مرتبية أو فئوية، فردية، هي ما سماه نوربرت إلياس، الألماني فالبريطاني، "دينامية الغرب"، الليبرالية والديموقراطية في آخر مطافها أو مطافاتها.

إلزام الدولة

ولم يكن ثمة ما يدعو قوة الاحتلال البريطانية بالعراق الى تحطيم الأبنية العصبية الأهلية. ويقتضي العمل قوة كبيرة ووقتاً طويلاً، بينما تستعجل القوة المستعمرة العالمية اجلاء معظم قواتها العسكرية وطاقمها الإداري غداة الحرب الأولى وذيولها (التركية والهندية والقارية الاوروبية) المعقدة والباهظة. وهي لا تجهل أن تصديها لهذه "المهمة" يبعث اضطرابات وثورات وانتفاضات لا حصر لها، ويتهدد الممتلكات الامبراطورية كلها بالتصدع من طريق العدوى. وهي تحتاج الى تعاون "طبقات" وجماعات أهلية، على أن تجزى على تعاونها، في كنف البنية السياسية والاجتماعية الجديدة، ورعاية السيطرة البريطانية، فوائد ومنافع مادية ومعنوية رمزية، من غير انفصال. وانتهجت السياسة الامبراطورية نهجاً متنازعاً ومتعرجاً خَطَّ تنازعَه وتعرجه "تناقضُ" المشروع الاستعماري، الغربي عموماً والبريطاني على وجه التخصيص. فالدولة، أو الدولة الامة على مثالها الاوروبي، لا تقوم الا بولاية ذاتية هي شرط ضبط المنازعات المتفرقة في اطار يرعى تضافرها، في نهاية المطاف، على تمكين تماسكها (على نحو احتساب إعمال قوتين في حركة جسم واحد). ويفترض هذا، فيما يفترض، نازعاً تلقائياً وداخلياً الى السيادة في اطار بنية "وطنية". وهذا معناه ان تضطلع القوة المستعمِرة بإعداد البلد المستعمَر الى الاستقلال والانفصال من الامبراطورية التي استعمرته تلبية لمصالحها الذاتية واحتياجاتها، على ما استنت مبادئ ويلسون في شأن الانتدابات. ولا يسوغ المبادرة الى "التأهيل"، حين تنهب المنازعات والتفاوتات داخلاً هلامياً ومتفرقاً وآن قوة المراقبة الدولة المعيارية لا تزال هزيلة ومتعثرة، مسوغٌ يتغلب على الارجاء لا الى غاية.

والحال أن "الحكومة" أي أجهزة الحكم الادارية والعسكرية والبوليسية والتقنية والمالية والتعليمية والقضائية، الى "الجهاز" المعنوي الذي يمثل عليه محلُ الحاكم أو "واسطة العقد" (الوكالة الدينية أو القومية السلالية والنسبية...) كانت "أضعف بكثير من "الشعب" في العقد الرابع من القرن العشرين، على قول حنا بطاطو. وهذا لا جدال فيه، إذا قيس على معايير مادية وكمية مباشرة، وإذا جمع في "الشعب" الواحد والمتجانس جماعات متفرقة ومتناحرة لا يدعوها الى التكتل والتكاتف داع قوي وثابت. وتحقق القول المتقدم المقارنةُ بين 100 ألف بندقية أهلية، تملكها العشائر مجتمعة أو متفرقة ومتقاتلة ويعود معظمها الى بطانات مشايخ العشائر، وبين 15 ألف بندقية حكومية يكاد يقتصر عليها تسليح الجيش العراقي والقوة الامنية. وكان الجيش العراقي يعد، قبل 1933 (عام سيطرة الحكومة الوطنية على الشؤون الداخلية)، 7500 عسكري. وعد غداة إقرار السيطرة 11500. وبعد 3 أعوام على ارتقاء غازي بن فيصل العرش، قفز عديد الجيش الى 19500 جندي في امرة 800 ضابط. وفي الاثناء، وسع غازي ما عجز عنه فيصل وهو سَنُّ التجنيد الالزامي (1934) وهذا اجراء على طريق دمج ابناء العشائر وأبناء المدن، وهما "جماعتان" متنافرتان الى فُرقة داخلية حادة، في "حياة وطنية" تتراءى أفقاً فوق ما هي حقيقة.

وتوسعُ الجيش الوطني، عديداً وتسلحاً ومصادر اجتماعية واقليمية مذهبية وطبقية، هو من الزامات بناء الدولة في مجتمع دول معاصر لا يطيق ما لم يكن سماه بعد "الدول الفاشلة"، وخلائفها هي الحروب الاهلية والحركات الانفصالية والقرصنة والتهريب والارهاب والتجارات غير القانونية وتهديد الاطراف والمراكز معاً. وتقدم الدولة المستعمرة على تلبية هذا الإلزام مكرهة، على رغم يقينها باستحالة التخفف منه، وذلك بموجب مصالحها. وعاندت بريطانيا طوال عقد ونصف العقد تقريباً الحاح فيصل في بناء نواة عسكرية وإدارية وتربوية وقضائية عراقية يستقوي بها على العشائر والطوائف والديرات والاقوام العراقية، وعلى الادارة البريطانية وقوتها العسكرية، في آن. وإلى اليوم، يعزى مقتل غازي في حادثة "غامضة" الى اصراره على بناء النواة الذاتية هذه. ومضى الطاقم الحاكم، وهو القصر وحلقة الأنصار الشريفيين المختلطة (من عسكريين وسياسيين)، على تقوية الجيش، بعد مقتل غازي وانتقال الحكم الى قرب المقربين من السلطة المستعمرة، الوصي عبد الإله ونوري السعيد. فبلغ عديده، في 1941- 1942، نحو 45 ألف جندي و1745 ضابطاً.

ولكن الزام الدولة، وبناءُ القوة المسلحة التي يفترض فيها "احتكار العنف المشروع" ليستقيم دورها الوطني والجامع فرعٌ على الالزام هذا، لا يقوم بنفسه ولا بمنأى من علاقات "الجماعات الأهلية وتكتلاتها ومنازعاتها. فمجتمع الجماعات المنقسم على نفسه انقساماً قريباً من الشرخ العميق والمزمن ليس في وسعه أن يستخرج من جماعاته، ومن منازعاتها، وشقاقها، جسماً متماسكاً ومتعالياً عن الشقاق. فمن هم في موقع الحكم والأمر، شأن نوري السعيد وعبد الإله، المتحدرون من النواة الشريفية الأولى والأضيق، انتابتهم الخشية من قوة الجيش المسلح. فعمدوا الى شقه حزبين: واحداً يناصرهم على صفتهم الشخصية والعصبية، تولوا السلطة أم خرجوا من ولايتها، وآخر يوالي ياسين الهاشمي، الضابط والسياسي الشريفي والعروبي. وإلى هذا، لم يلبث الجيش أن بلور عصبية سلكية حملته على طلب السلطة والمنافسة على امتيازاتها. وتغذت العصبية السلكية من مصادر الضباط الاجتماعية الجديدة، ومن دخولهم وأهاليهم دائرة التداول والتوزيع والعوائد المتسعة، وذلك من باب تقسيم عمل اجتماعي متعاظم ورأسمالوي (نظير "كابيتاليستيك" التي ذهب إليها مكسيم رودنسون في "الاسلام والرأسمالية")، ومن أبواب التعليم والوظيفة الادارية والحيازة الزراعية الصغيرة والحرفة المحدَّثة والاقامة في المدينة. وهذه من مرافق الدولة وأبنيتها.

وقادت العصبية السلكية، وهي في الوقت نفسه عصبية على كتلة الحكم المؤتلفة (على منازعة) من الادارة الاستعمارية والملك وكبار الضباط الشريفيين وكبار ملاك الارض من رؤساء العشائر وأعيان المدن، قادت قيادات الجيش المتوسطة والجديدة الى الانقلاب على كتلة الحكم، والاستيلاء عليه في الاعوام الخمسة التي تلت اغتيال غازي (1937 1941). وأفلت الجيش من يد "الدولة"، فتوسل البريطانيون بالجيش "العربي" في شرق الاردن الى اعادة عبد الإله بالقوة وصياً على العرش. ونهض هذا قرينة على شقاق اجتماعي بين جيش تغلب عليه مصادره القبلية، وقيادته الأجنبية، وبين جيش يغلب على ضباطه تحدرهم من أصول مدينية متوسطة. وصحبت الأصول المدينية والمتوسطة منازع "قومية" عروبية استقاها فريق أكثري من الضباط من المنابع الشريفية الأولى ومن روابط الشمال الغربي العراقي (الموصل والأنبار) بسوريا وفلسطين وشرق الاردن. فثنى الفريق هذا بخلاف سياسي و"قومي" على خلاف اجتماعي قديم. ولكن الحسبان أن كثرة عوامل الخلاف ينبغي أن تؤول الى كثرة عوامل التماسك وتضافرها داخل السلك الواحد، في غير محله. ففي 1943، غداة عودة الوصي وإخفاق حركة رشيد علي كيلاني (وهذا "قناع" فريق من الضباط) وانقلاب ميزان القوة العسكري الدولي، فرّ 20 ألف جندي عراقي من الخدمة. وهم ثلثا العديد الذي بلغ يومها 30 ألفاً. وآذن تفكك الجيش بانهيار اجتماعي عام بدت طلائعه في اضطرابات كردستان، وفشو التضخم، وجفاف الترع في دجلة الاسفل وتعاظم الري بالمضخات، والامعان في انفراد مشايخ العشائر بالأرض وتردي حال الفلاحين...

محاكاة المفارقة

وحالُ الجيش ليست فريدة في بابها. ومسوغ تخصيصه ببعض التطويل هو دوره الظاهر والبارز في مراحل التاريخ العراقي الحديث كلها، من الدور المملوكي الى تولي نوري المالكي اليوم، الى رئاسة الحكومة، أي الدولة في الدستور العراقي الجديد، وزارتي الدفاع والداخلية بالوكالة منذ نيف وسنة على تأليف الحكومة الائتلافية بعد انتخابات 2010 المزعومة حاسمة. وبين الدورين الانقلاب على الملكية، ثم الانقلاب على الانقلاب فيما يشبه حرباً أهلية دابة ومتطاولة لم تنفك تتخلل فصول التاريخ العراقي في نصف القرن الاخير، وتجيِّش الطوائف والمذاهب والأقوام والعشائر و"المحافظات" أو الأقاليم والمناطق والأسلاك والأحزاب والطبقات. ولا تبين حال الجيش من احوال أسلاك وأجسام ومؤسسات الدولة الوطنية الأخرى وأبنيتها، شأن القضاء (استقلال الملل والمذاهب وقتاً طويلاً بأحكام أحوالها الشخصية، "دساتير" الأحياء الجنائية وقوانين السواني العشائرية في الديرات والمدن بعد عقود من الاستقرار في المدن...)، أو التعليم وتنازعه بين ثقافة رسمية موحدة وفقيرة وبين روافد أهلية و"شعبية" قصصية (أسطورية) وصورية محافظة وجامدة.

وعلى هذا، فأركان الدولة العراقية و"مداميكها الفولاذية" المفترضة على قول القنصل أمير الجيوش فالامبراطور الفاتح نابوليون في الجيش والبوليس والقضاء والادارات والتعليم وفصل الكنيسة من الدولة، وهو داعية "استقلال" الدولة عن المجتمع وجماعاته الأهلية والطبقية ومنازعاتها- الاركان هذه ضعيفة المناعة والحصانة وهي من فعل الجماعات المتفرقة وتأثيرها ونازعها الى التفتيت. ولعل حنا بطاطو أكثر الباحثين حدة نظر في تمييز الفروق الاجتماعية التي تجاذبت مجتمعات الجماعات العربية المشرقية. وجرت عليه حدة نظره التهمة الاستخبارية والبوليسية، والذريعة التافهة هي توسله تقارير الموظفين البريطانيين. واتفق صدور كتابه الكبير الاول، في 1978 (في اعقاب بحث وتقص دؤوبين داما ربع قرن)، مع نشر "بيان"الفلسطيني الآخر ادوارد سعيد في "الاستشراق". واستقبل الكتاب الفاحص و"البيان" الخفيف على نحوين وشيا، ولا يزالان يشيان بتفاوت عميق في نوازع "الثقافة" العربية العقلانية والاجتماعية التاريخية، وفي الطاقة على احتمال الفحص الناقد في التواريخ الوطنية ونتائجها.

ولا يقتصر نظر بطاطو على احصاء الفروق وتعقب آثارها في (الحؤول دون) إرساء صروح الدولة على مداميك قوية تحصنها من التقلبات والانقسامات الاجتماعية الحادة. فينبه على تخندق الجماعات داخل أسوار منيعة وسميكة تحول دون تخليص الجماعات قواسم مشتركة، لا مناص منها في بناء دوائر عمل ونظر و"تجارة" (مبادلة) متصلة، على نحو ما ينبه الى تناقض السياسات، البريطانية والملكية وسياسة الطبقات المسيطرة والحزبية "الشعبية"، الساعية في انشاء الدولة. وعلى سبيل المثل، يحمل الكتاب الشقاق المدني/ العشائري- أي الخلاف بين عمرانين ومعاشين وميزاني معايير وأحكام ينجم عن (الخلاف) حصار العشائر المدنَ، وقطع طرق أهلها منها وإليها، ونهب تجاراتهم وتجويعهم، على قدر ما ينجم عنه استدخال العشائر وأهل الزرع منهم المدن بالهجرة والاقامة في "مدن" عشوائية تضرب على المدن حصاراً لا يقل قسوة وإحكاماً عن حصار العشائر من قبل يحمله على عامل أساسي في المنازعات الاجتماعية والسياسية والثقافية الوطنية. وهو شأن عوامل أخرى مثل الشقاق المذهبي والأقوامي والاقليمي المحلي والعشائري والمرتبي الطبقي. وعلى رغم ثبات وجوه الشقاق هذه، واتصالها الزمني، يتناول بطاطو أطوارها وتحولاتها، قوة وضعفاً وترجحاً. فليس الشقاق المدني/العشائري بعد سن الاحتلال البريطاني أنظمة التحكيم في المنازعات العشائرية (1925)، وإقراره تقديم الأعراف العشائرية المتفرقة على قوانين القضاء المشتركة، هو نفسه قبل سنها.

فالأنظمة الجديدة لم تثبِّت الشقاق على حاله، بل قوته ورفدت سيطرة شيوخ العشائر على أهل عشائرهم بروافد جديدة ليست من نسيج السيطرة السابقة: فالمشايخ "الجدد" هم أسياد الأرض قانوناً، وفي وسعهم بعد ضم المشاعات بيعها وشراؤها وجمعها وتبديدها، وتقييد الزراع بإجارتها وجبايتها، ومقايضة اقتراع المزارعين بقيمة الإجارة وتعجيل الجباية أو تأخيرها. فلا يركن التأريخ الاجتماعي إلى "بنيوية" العوامل، ولا يصدق اقامتها على حال واحدة. ولكنه لا يغفل كذلك عن سعي الجماعات في تأبيد هوياتها المتفرقة. فالعشيرة الدموية والنسبية لا تتبدد لحمتها تحت وطأة الهجرة الداخلية والتفاوت المرتبي والطبقي المتعاظم وغلبة العوائد النقدية السوقية على المداخيل. فالرابطة العتيدة، ويُقوي لحمتها المذهبُ الديني ومعمموه ومساجده، هي "دواء" كثير من العلل الاجتماعية الناجمة عن عوامل التفريق والمنازعة: فالزواج يمتنع في اطار اقتصاد سوقي وسلعي ونقدي (على هذا القدر أو ذاك) من غير طريق الأهل، والاقامة في المدينة كذلك، ومثلهما العمل أو بعضه، وبعض المؤونة من طعام ولباس... فما يطرأ ويجد، ويقتضي ربما روابط وخلافات من نمط جديد، تستجيب الأبنية الموروثة في حلة جديدة بعض مترتباته ومقتضياته.

و"تجاوزُ" الباحث هذه الأبنية، على خلاف موجبات أو دواعي التقصي التاريخي المتنبه الى المنازعات وصورها وأزمانها وأوقاتها ومضامينها، باسم تاريخانية مبدئية ومنهجية، يغفل عن "مقاصد" المجتمعات المضمرة، وعن سياقتها (أو سوقها) حوادث تاريخها صوب غايات دون أخرى، وليس على الباحث البت فيها، ونصب ميزانها. فإنشاء "المجتمع" العراقي خنادق وأسواراً من طينة النسب الدموي والقومي والاعتقاد الديني والتديّر البلداني والاقليمي، وتسويره جماعاته وأفراده بها، ليس ثباتاً أو تحجراً أعمى على أبنية "مؤبدة"، عفواً أو عمداً. فالأنساب والاقوام والمعتقدات والبلدان أركان الاجتماع، وقوتها على الزمن وتقادمه في بلاد ما بين النهرين ليست ثمرة ملاحظة تميل مع الهوى. وتقديم الجماعات العراقية هذه الأركان على عوامل تحول أخرى، وتحويرها احتساباً للعوامل الطارئة، "يقصد" بهما مدافعة نصاب الدولة السياسية "المفارقة"، وتقييد مفاعيله الهائلة في لحمات الجماعات وتحطيمها في سبيل "استخراج" الأفراد منها وصناعتهم، ونصب معايير الائتلاف والخلاف، وأحكام العمل والاعتقاد، والأبنية الاجتماعية والسياسية والثقافية بناء على المعيار الجديد.

وهذا ما تتردد على عتبته الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية الجديدة، وتدخل دائرتَه متلعثمة وظهرها إليه. وهو معين مقاومة أنظمة الاستبداد، الصلبة أو الرخوة. فالاستبداد، على صوره العراقية (السعيدية والقاسمية والصدامية، والمالكية؟)، والسورية (الاسدية) والليبية (القذافية) والمصرية (الناصرية والمباركية)، صاغ الدولة الجديدة واللازمة، على ما تقدم القول، على مثال يجمع مدافعة الدولة، ورفض مفارقتها الجماعات وانفصالها منها، الى احتساب العوامل الاقتصادية والتقنية والنفسية "الجديدة". ولعل انكفاء الحكام الطغاة، وجماعاتهم المذهبية أو العشائرية الاقليمية (على المثال القذافي) والعصبية المصلحية المولَّدة (على مثال مبارك) والقومية العامية (على المثال الناصري)، على عصبية أهلية و"مقاومة" مناوئة "للامبريالية"- والرأسمالية والليبرالية والديموقراطية المدنية و"الأنوار" الفردية والعقلانية معاً لعل الانكفاء هذا قرينة على رفض التجريد والعموم السياسيين والحقوقيين اللذين تفرضهما الدولة المحدثة. ولا يسع الدولة، والحال هذه، وهي حال محافظة جماعات المجتمع على خنادقها وأسوارها، الاضطلاع بوحدة مجتمع الجماعات الوطني إلا من خارج هذه الجماعات و"فوقها"، ومن طريق تحاجزها، ومحاكاة وظائف الدولة الادارية والاجتماعية محاكاة صورية، على ما تختبر الحركات الوطنية والمدنية في أرجاء العالم العربي كل يوم.