الأحد، 18 مارس 2012

هانس بلومينبيرغ و"ضحكة الخادمة التراقية... التراث يصنعه إثبات المتأخرين البدايات في حاضرهم


يبدو التراث الاسطوري مفطوراً على كثرة الصيغ وتناسلها عبارةً عن طبيعة قاعها الخصب، على نحو قبول الجملة الموسيقية وجوه التقليب الى حين انقلابها جملة أخرى.


هانس بلومينبيرغ: عقل الاسطورة


المستقبل 18/3/2012

تلابس مسألة "التراث"، على معنى النقل (أو المنقولات أو النقليات وعلى خلاف العقل العام المشترك أو الرأي والنظر الفرديين)، وجوه الحياة كلها في المجتمعات العربية والإسلامية. وتتناول دوائر الاعتقاد والتقاليد والمحافظة، مثل التدين والشعائر والقوانين والقيم الاجتماعية والأخلاق، على قدر ما تتناول دوائر العمل أو المعاملات الظرفية مثل السياسة والتربية والثقافة. ولابست مسألة "التراث" دوائر الحياة هذه منذ التنبه على تباين موازين القوة، بعد التنبه بوقت طويل على فروق "رسوم" أهالي البلدان المتفرقة، على قول المقدسي، ووصفها وصفاً بلدانياً أو جغرافياً وقومياً (نسبة الى القوم أو الجماعة أو اللون أو العرق). واتصال "التراث" بسلم القوة والسلطة والغلبة، وبمواردها، أحله محل الركن من الهوية. ووصفت هذه بالتاريخية، أو أضيفت الى التاريخ بينما المعنى المضمر والمنشود هو إضافة التاريخ الى ثباتها ودوامها المتعالي على حوادث التاريخ ووقائعه الكثيرة والمبهمة.

"ابتكار التراث"

وعلى هذا فـ "التراث"، وهو ديني وقومي من غير مناقشة ولا تفريق، مرجع أو مناط الهوية، والقوة تالياً. ويحسن به أن يكون واحداً وثابتاً، لا فرق في معانيه المجتمعة "في صدر (أمة واحدة)" – ("رجل واحد" على قول المبرد صاحب "الكامل في اللغة والأدب" في نعيه الاضطراب، و"التقديم والتأخير"، على مقالة يطعن عليها). ومن زعم أن التراث الإسلامي "كثير" نصب تراثاً واحداً وثابتاً آخر بإزاء التراث الواحد والثابت الأول، وقوَّله قولاً يخالف قول الأول: فإذا قال هذا في معنى اللفظة أو الجملة أنه "واحد"، قال الآخر أنه "كثير"، وإذا قال الأول انه "خاتم" قال الآخر بل "مستمر"، وإذا قال "دولة" أجيب "رسالة"... وهكذا دواليك. وبعضهم، من المعاصرين، وصل التراث بالحداثة وبـ "الثورة" السياسية والاجتماعية المفترضة ذروة الحداثة، ولو تصورت في صور لينين ستالين ماو غيفارا أنور خوجة كيم إيل سونغ (والسلالة). ووسّط في الوصل تراثاً غير منقطع من الإحيائيين الإسلاميين. وأوتي هؤلاء فضيلة العود على البدء من غير ثغرة أو تفاوت أو انحراف أو غلط، من وجه، وأوتوا فضيلة الاستئناف من غير انقطاع ولا خسارة.

والحق أن "الأعمال" المجددة والمستأنفة والإحيائية، والأمينة على "التراث" الواحد أو الكثير، معاً، غالباً ما تعد القارئ، ومن ورائه الأمة، على شاكلة ابراهيم في بعض التنزيل، بمعاني لفظة الإحياء. وهي، في الدين، صنو البعث في السياسة ونظيره. وقد لا يصح قياس إنجازَيْ الوعدين. ولكن الإحياء "العملي" – عن يد أو أيدي جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وحسن البنا وسيد قطب وعبدالله عزام ومصطفى نبوي وروح الله خميني ومريديه على رأس "الحرس" ووزارة الاستخبارات و "فيلق القدس" و "مكتب حركات التحرر في العالم" (تحت عباءة الفقيه محمد منتظري المستخلف السابق على ولاية الفقيه) – هذا الإحياء أفضى، على ما هو معلوم وغير منكر إلا إنكاراً خفيفاً إلى "الشيخ" أسامة بن لادن، على ما كان يقول "الشيخ" عصام العريان في بعض مسامراته على "الجزيرة" الفضائية غداة "الغزوتين المباركتين". وما صنعه "الشيخ" الأول لاقى، ميدانياً و (لمَ لا) فكرياً صنيع البعث في السياسة. والإثنان يتشاركان اعتقادَ التوسط في النشور. وهو اعتقاد يشبِّه لصاحبه، وهو ليس إلا وسيطاً، القيام مقام القطب الأول والركن. ويقود هذا لا محالة، على ما نبه أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين"، لا محالة الى الغلو. فينسى الوسيط وساطته، وباسم من يخطب على المنبر، خشباً كان المنبر أو "باقة" لايزرية، وينسب الابتداء والقصد إلى نفسه، ويفتح "بالحق" بين جماعة مريديه وبين العصر وأهله، وبينهم وبين تراثهم.

وانتبه مؤرخون منذ بعض الوقت الى ان الجماعات ومجتمعاتها تجدد تراثها، وتبتكره. فتوجبه على أنحاء وصور ومثالات لا عهد للأزمنة التي نشأت فيها "وقائع" التراث ومروياته ومعانيه، بها، ولا يعقل ان يكون أهل هذه الأزمنة ذهبوا الى الأنحاء والصور والمثالات هذه، وهم من هم، وثقافتهم هي ثقافتهم. فلا يعقل، على سبيل المثل، أن يكون أحد كتّاب القرن السادس عشر الفرنسي ملحداً أو اعتنق الإلحاد، على ما زعم ماركسيون راغبون في اتصال نسبهم الفكري الى بدايات عصر النهضة الأوروبي. فالإلحاد يفترض، على ما احتج لوسيان فيفر، تاريخاً طبيعياً ذاتياً ومنتجاً ليس في متناول أهل العصر. واقتضى بلوغه أو صوغه حلقات وسيطة تولاها أهل قرن كامل في أعقاب منتصف القرن السادس عشر. وهذا شأن الحركات القومية أو الوطنية، على المعنى الذي ينسب إليها إنشاء دول – أمم سياسية، ومساواة الرجال والنساء في الحقوق والقدرات، على معنى يحل تقسيم العمل الاجتماعي في القلب من تاريخ المعتقدات ومعايير العمل وتصاريفه.

ويضيِّق هذا النحو في النظر على "ابتكار التراث" (أو التقليد، إمعاناً في الطباق والمفارقة) جولاته وصولاته، المقيدة اصلاً بدواعٍ وشروط صارمة يتصدرها أفول التقاليد وسطوة حداثة ركنها الإنشاء الذاتي والقيام بالنفس. ومن وجه آخر، يتغذى الابتكار من الأفول، ومن حمل الحداثة، وأطوارها المحدثة، المجتمعات كلَّها، من غير استثناء، على الإنشاء الذاتي والقيام بالنفس. و "حروب الآلهة"، على ما سمى أحد أعلام الاجتماعيات الألمانية في مطلع القرن العشرين نزاع الإمبرياليات القديمة والمحدثة (اليابانية والروسية والألمانية والعثمانية الإسلامية والأميركية، إلى الفرنسية والبريطانية)، هي بعض مرايا الحمل هذا، والإلحاح فيه. وخشية هينتنغتون "حرب حضارات"، غداة حرب الإيديولوجيات الباردة، تصدر عن التنبه إلى قوة التراثات ومقاومتها الاندماج في المجتمعات المتعولمة، وإلى قصور هذه عن حمل المهاجرين إليها على الانخراط في ثقافاتها الفردية والليبرالية.

رواية البدايات

وبعيداً جداً، والحق يقال، من هذا النحو العملي والسياسي والاجتماعي من المشاغل، كتب الألماني هانس بلومينبيرغ (1920 – 1996) كتاباً مختصراً، قياساً على أعمال أخرى له، فيما بين النظر (النظرية) والعمل ("التطبيق") من صيغ اتصال متفرقة، وسمه بـ "ضحكة الخادمة التراقية" (1987) أو من تراقيا، من بلاد اليونان يومها. وخص به بدايات النظر الفلسفي و "العلمي" والتشاغل به. وذريعته هي خبر، أو أثر أو قَصَص، يزعم رواية البدايات. وينسب الخبر البداية الى طاليس، من مدينة ميليه التراقية. وطاليس هو، على ما تعلم تواريخ الفلسفة (الغربية)، صاحب مقالتين: 1) الآلهة تملأ المحال والأشياء كلها، 2) الماء أصل كل شيء و(كل شيء) قار على الماء. وبينما كان طاليس، وهو صاحب فرضية هندسية وحسابية من الأصول الإقليدية احتسبت علو الأهرامات، يراقب نجوم السماء ليلاً، ونظره إليها، وقع في حفرة لم يرها. فرأته خادمة أضحكتها عثرته، وقالت له: هذا جزاء من يمعن النظر في البعيد ويغفل عن شؤون الأرض القريبة. وتتمة الأثر أن طاليس "رد" على ضحك الخادمة فاستبق كسوف الشمس، وقدَّر خصوبة موسم الزيتون فضمن معاصره وجنى ربحاً كبيراً. ويتابع بلومينبيرغ آثار نواة الخبر أو الأثر هذا من أفلاطون، ومعاصره ديوجين لاويرس، أحد أوائل الرواة وأصحاب الأخبار، إلى نيتشه وهايدغير وغادامير. وبين الأوليْن والآخرِين بضعة عشر فيلسوفاً.

وموضوع المقالة هو تواتر النقل وإعماله "التحريف" فيما ينقل. ولو اقتصر تعقب التواتر و "التحريف" على تدوين صيغهما لدخل في باب الأخبار وجوامعها الموسوعية وطبقات أصحابها، على مثال اسلامي وعربي شائع. وهذا، أي تدوين الصيغ وتعقب الأخبار وترتيب الطبقات، ما لا يأنف بلومينبيرغ منه، ويقوم به على وجه مدهش. ولكنه يُعمل في تدوينه وتعقبه وترتيبه سؤالاً مزدوجاً عن أطوار الصيغ وتحولاتها وصورها، من جهة، وعن اتصالها وترديدها عناصر "مشتركة" أو تجديدها وحملها العناصر على معانٍ مبتكرة، من جهة أخرى. وهو، إلى هذا، يصل ما بين أطوار الصيغ وعلاقتها الداخلية الواحدة بالأخرى (بالأخريات)، وبين حال المسألة الأم، النظر (النظرية) ومعارضته بالعمل ومقاصده، في ثقافة العصر أو الوقت.

وفي سياقة المقالة تبرز معالم الخروج إلى كثرة المعاني وتوليدها، من غير افتراض وحدة أو واحدٍ "أصلاً"، أو في محل الأصل الكثير، على معنى مباشر وبسيط هو كثرة الروايات الأولى. وعلى خلاف النهج البنيوي، اللغوي والإناسي (الأنتروبولوجي)، الذي عاصر صاحبُ المقالة شيوعه في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، لا تقيد المقالة التوليدَ والتداول والتناقل بعدد محدود من الاحتمالات، محتسبٍ على قاعدة تبديل المنازل الأولى المستقلة وقرانها. ويدعو هذا بلومينبيرغ الى تقويم التراث، وتقويم تناقله الآثار وتحريفها. فهو ليس على سوية واحدة، غنىً وابتكاراً وتجديداً. وهذا يخالف كذلك التناول البنيوي المحايد والخارجي وافتراضه فهم الروايات الأسطورية أو تأويلها من موضع غفل وعارٍ من التعيين الزمني والثقافي.

فأول ما يصنعه "ضحكة الخادمة التراقية" هو تعيينه الموضع الذي يَتناول منه، ومن ملابسته، الأثر اليوناني. فينوه في سطوره الأولى بغموض النظريات المعاصرة، واستتارها بحُجُب رياضية ومختبرية متعاظمة التجريد والاختصاص. وأدرك عصر "الأنوار" اتساع الفجوة بين العلم النظري والتقني وبين ذهنية المعاملات اليومية، فأرسلت بعضُ قصصه الى الأرض زواراً من كواكب أخرى، على شاكلة زوار سواحٍ قدموا من بلدان غريبة "شرقية" (على مثال "الرسائل الفارسية")، أوكل القصص إليهم وصف غرابة الغرب أو غرائبه (على قول محمد كردعلي مطلع القرن العشرين) وحداثته. ويمثل بلومينبيرغ على انكفاء النظرية وأصحابها وهيئاتها، وانفصالها من عالم عمل اليوم والليلة، بترك بعض الباحثين في الرياضيات العمليات الحسابية الأولية، واستعانتهم بالآلات الحاسبة، أو بعجز بعض دارسي الفلك عن تعرف الكواكب المشهورة ومنظوماتها بالعين المجردة. ويترتب على هذه الحال تواري العالِم الباحث وتواري عمله النظري وراء الآلات التي تصنعها علومه، ووراء البيروقراطي الذي يدبر شؤون شركة ذرية أو ميكانيكية أو كيميائية أو جوية كبيرة، ويوقع عقوداً بمئات ملايين الدولارات أو بملياراتها. وتتحدر هذه الحال من "بدايات" يونانية، فلسفية – "علمية"، لا تزال خصبة الى اليوم، على شرط اتصال وسائطها وتوارثها في حاضر لا يهدأ ولا يفتر، على قول إسلامي في انقطاع الأنبياء. فيسع فيلسوف اليوم (بلومينبيرغ) القول إن لقاء الفيلسوف الجنيني، على التأريخ السائر وتمييزه "الحكماء" قبل سقراط من الفلاسفة بعده، بالخادمة التراقية لم يكن الاستباق المديد لمنازعات عالم الحياة وعالم النظر، والتباسات علاقاتهما الواحد بالآخر. فهو (اللقاء) صار هذا الاستباقَ، وأمسى هذا الاستباق من بعد. فليس في التاريخ بدايات توجب نفسها بنفسها، أو يوجبها صاحب بدايات في بداية أولى، بل يثبت المتأخرون البدايات ويوجبونها ويصنعونها في حاضرهم. وهذا ما تمثل عليه مقالة بلومينبيرغ، وتتعمد التمثيل عليه.

وثمة وجد آخر لحمل البدايات على مصائر الحاضر ونفي الابتداء عنها. فهي لا تبدا فعلاً حيث يزعم ابتداؤها. وقولة طاليس أن الآلهة تملأ المحال والأشياء كلها كانت شائعة في مدينة ميليه، وجوارها مدينة ديديم المشهورة بعرافها. والمدينتان التراقيتان كانتا تحتفلان، في أيار من كل عام، على "الدرب المقدسة" التي تصلهما الواحدة بالأخرى، بأنصاب كثيرة على جانبي الطريق البالغة 16 كلم. فـ "الامتلاء" بالآلهة لم يكن مجازاً. وقولته في الماء وعمومه وطوف الأكوان عليه ليست بدعة قاطعة، وهي تستأنف ما ذهب إليه هوميروس في "الإلياذة" من أن إله الأنهر، أوقيانوس، هو "اصل" الآلهة، بل هو "أصل الكل". وتعالق القولين ليس ابتداء العقل. ولعله أقرب الى شرح نص أو "كتاب" من كتب الأوائل، على قول إسلامي شائع.

والجدَّة القاطعة هي تقدم طاليس من اليونان، هو من تحوم شبهة فينيقية على أصله، بحَساب علمي دقيق لكسوف الشمس. وهذا وحده "أورد إليه المعاني"، كما تورد الإبل الماء، ولكنه ترك موقوفة مسألة المادة الخبرية الأولى والإضافة الثانية. وتصدُّرُ طاليس الفلكي الأثر للدلالة على معنى اضطلاع الفلسفة بالنظر ودورها في تخفيف حمل القلق والحصر عن البشر. وما رأته الخادمة بينما عينا طاليس مشدودتان الى النجوم، وفهمته من رفعه رأسه وليّه عنقه، أولته على الأرجح عبادةً لآلهته. فلا غرو إذا هو تعثر، ولم تسعفه آلهته المصطنعة والكاذبة. ولا ريب في أن انفراد طاليس، أو غيره، بآلهته، من دون الناس، غير مستحب أو هو مكروه.

من الضحكة الى الكراهية القاتلة

وغداة نحو قرنين على "الحادثة"، شبَّه أفلاطون مصير معلمه سقراط بمصير طاليس، الفيلسوف الجنيني. وكان الخبر شائعاً بأثينا في صيغة حكاية "نظمها" شاعر الحكايا الأخلاقية، أو القَصَص، إيزوبي، وحفظها الأثينيون، وكان ديوان إيزوبي في متناول سقراط بزنزانته قبيل شربه السم. وتقول الحكاية أن فلكياً، أو منجماً (يتعاطى "صناعة" النجوم وعلم الأفلاك) كان يتأمل السماء في ظاهر المدينة حين سقط في بئر، وصرخ من الألم، فمر به رجل علم بما وقع للفلكي – المنجم فقال له مؤنباً: تريد فهم أحوال السماء وأحوال الأرض لا تراها. وهذه الحكايا – المثل يرويها سقراط، في إحدى محاورات أفلاطون، ويسمي الفلكيَّ الغفل طاليس الميلي، أول الفلاسفة، والشاهدَ الغفل أمةً رقيقاً من تراقيا. ويبلور التعيين الحكاية، ويجلوها في حلة زمنية واجتماعية موصوفة، ويخلص منها الى "درسها" فيقول: والسخرية نفسها تصلح في من يصرفون العمر الى الفلسفة (التفلسف). والحكمة هذه، أو "الدرس"، ليست روايةً عن الخبر "الأول"، وهي تعليقة أو حاشية، متأخرة زمناً، عليه. وموضوع الحاشية الحكمية ليس الإنسان عموماً بل غرابة الفيلسوف على التخصيص.

ويقود تخصيص الفيلسوف إلى سقراط. وحين كتابة المحاورة كان سقراط دين بالموت، جزاء تعكيره صفو أثينا وأمنها ودعتها الأخلاقية وتوهينه عزيمة فتيانها وشبانها. فما ابتدأته ضحكة الخادمة كانت خاتمته كراهية قاتلة. وسقراط المحاورة لم يكن يحدس بعد في الحكم القضائي (الفتوى) الآتي، ولا في إدانته وموته. وهو يسخر من نفسه، ومن "واقعية" الفلسفة التي يزاولها، ويدعو إليها. وأما أفلاطون فيجلو النظرَ في صورة مصير يجمع معاً المثال الطاليسي وسقراط الذي ينهض عَلَماً على ذروة فهم عالم الحياة الإنسية. والمقارنة بين المثالين الفلسفيين، ومآليهما، تكشف تقابلَ مفهومات مختلفة عن الواقع يقود استغلاقها الواحد على الآخر إما الى التضاحك الساخر وإما الى القتل. وكان سقراط، في محاورة سبقت تلك التي ساق فيها حكاية طاليس، انتهى إلى نصب الحيرة الساخرة تتويجاً لكل جدل، وجسَّدها في شخص يقول: "أنتما، بروتاغوراس وسقراط، امرآن غريبان حقاً!".

ويروي سقراط، في محاورة "غورجياس"، كيف أثار ارتباكه، وهو يحصي أصوات المقترعين في محكمة جلس للحكم فيها مع مندوبي ناحيته، ضحك الجمهور الصاخب وقهقهاته. فنبهه ذلك منذ وقت بعيد الى ان تناوله المسائل لا يتفق وتناول الجمهور. وكان كيركيغارد لاحظ، في أطروحته التي عالجت مفهوم السخرية، أن أريستوفان لم يجاف الحقيقة حين أدخل سقراط في عداد من أضحك الجمهور منهم في كوميديا "السُّحب". ولكن سقراط "السحب" كان لا يزال تلميذ طاليس وفلاسفة الطبيعة، ولم ينصرف بعد الى الحكميات الإنسية، على ما روى في محاورة "فيدون". وفي كلتا الحالين موضوع السخرية واحد، وهو انتفاء المتشاغل بالنظر، المنظر أو النَظَّار، من دائرة معاملات عالم الحياة، تشاغل بالنجوم ومواد الكون الأولى أم تشاغل بفضائل المواطن وشروط العدل في المدينة. وعلى هذا، فالبعد أو القرب ليسا، في حديهما، معيار غرابة المتشاغل بالنظر (الفلسفي)، وإنما هما القرينة عليها. فالنظر في العمل وأحكامه ليس أقل نظراً، أو نظرية أو تنظيراً، من النظر في النجوم. والسؤال عما يكونه إنسان، وعما يليق به فعله أو تفاديه ويبين به من غيره، لم يحد قيد شعرة عن التنظير. وقصاراه أنه نفض عن موضوعه إلفته اليومية المباشرة وأبعده إلى المجاهل التي تسبح فيها النجوم. فأثار الصنيع حفيظة المدينة، ونبهها إلى غربة فيلسوفها عنها بالروح والعقل، واقتصار إقامته بين أظهرها على الجسد. ولكن الجمهور الذي يسعه إدراك الأمر، وفهم هذا الضرب من الغربة أو الفرادة، ليس جمهور الخادمات الإماء أو غيرهن من الرقيق، بل هو جمهور متعلمين صقلت السفسطة التي شاعت في أثينا القرن الرابع (ق. م.) أذهانهم ومداركهم، ودربتهم على تشخيص الثغر وإعمال الازدراء. فخلافُ تربية العبيد وضدها هو عثرةُ الفيلسوف المميتة. فإذا تعثر هذا بضحكة الأَمَة الرقيق، أو بسخرية المرأة التراقية، أمعن الضحك في توسيع الهوة بين جد الفيلسوف وبين هزل الخادمة. والخادمة التراقية، بحكم نسبها ومدينتها، تصدر عن عالم آلهة أجنبية وأنثوية ليلية وأرضية معاً. ويدعو هذا القارئ الى احتساب تفكير الخادمة بآلهتها تلك حين رأت الأرض تبتلع طاليس. وفي فاتحة محاورة "الجمهورية" يروي سقراط أنه عائد للتو من احتفال البيريه، مرفأ أثينا، بعيد الإلهة التراقية بينديس لأول مرة – وهذا بمنزلة تأريخ – وشارك التراقيين، وهم طائفة تجار نافذين بأثينا، عبادتهم. ويتحدر أرسطو وأنتيستين (الطاغية المشرع) وتوقيديديس (المؤرخ) من نسب تراقي. فلم يغرب عن بال الأثينيين ما ربما دار في خلد الخادمة التراقية قبل قرنين وهي ترى طاليس يسقط في البئر، وتضحك من الرجل الذي حط من قدر آلهتها. وأهل أثينا لا ريب فكروا في آلهة دولتهم وفي ما يصيبها من تعليم يزعم ان الفضيلة علم، وأن الفضيلة تعلم علماً يقول أنه لا يعلم إلا جهله. وضحك الخادمة، وأفلاطون هو مبتكره وراويه الأول، قريب من الحكم بالقتل، على ما فهم جمهور أفلاطون حين قرأ المحاورات أو قُرئت عليه. وهو فهم، أعواماً بعد الاغتيال الرسمي، الوجه المأساوي من الشخصية الهزلية من غير عون خطابي. وسقراط المحاورات يترك الآلهة في الظل ويبرز تنازع المفهومات عن الواقع، واستحالة التوفيق بينها. ومرآة الاستحالة هي الضحك هناك والحكم بالقتل هنا، على رغم ان مكافأة أو مساواة الحكم بالقتل الضحكَ تبددت في سياقة تناقل الخبر وتراويه، وبقي التباس المضحك بالمأساة.

العقل والمدينة

وعلى هذا المنوال من الفحص ينقِّل هانس بلومينبيرغ الأثر أو الخبر بين المؤولين والرواة الفلاسفة الذين تناولوه وذيلوه بحاشية أو تعليقة جهاراً أو كناية، الى "يومنا" (النيتشوي فالهايدغري). ومن فلاسفة اليونان الى فلاسفة الرومان فالمتكلمين القروسطيين في الإلهيات، فأصحاب النظر النقدي و "التنويري" (بايل وفولتير وقبلهما فرنسيس بايكون)، يتقصى صاحب المقالة ما يسميه "شرائط الورود"، على مثال أفلاطون الذي تقدم إيجازه. والمحل المتبقي من العجالة يضيق على ما يتجاوز بعض ملاحظات بلومينبيرغ على نيتشه. وتطرق هذا الى أول أهل الحرفة من صنفه أو طائفته (الحرفية)، في 1875، فسأل: "كيف وسع طاليس التحلل من الأسطورة! طاليس، رجل دولة! ينبغي ان يكون حصل أمر ما". وكان نيتشه، في 1872، التفت الى آخر الفلاسفة، هيغيل، وخلف مكانه أسطورة جديدة في الفن. وطاليس هذا أراد، من طريق الماء الكوني، الانقطاع من الأسطورة، وجهر خروجه عليها، فوق ما رمى الى الحصافة والإصابة. فإذا به، في عين الخادمة، يقاضى باسم واقعية عملية استغلق مفهومها عن الواقع على الخادمة. فلم يسعها فهم "الدلالة العميقة" التي يفترضها الانقطاع الحاد من "العالم الأكبر" والسقوط في المادة الكونية الأولى.

وكان نيتشه، في محاضرة من كرسي الدراسات الفيلولوجية (1872)، جزم بأن طاليس كان من أعيان قومه. واستدل على مكانته بنصيحته إلى أهل الجزر الإيونية، القريبة من بر الأناضول، بالاتحاد في دولة فيديرالية تُقْدرهم على مدافعة التهديد الفارسي. ويعزو نيتشه نازع طاليس الى التجريد، وإلى مخالفة الأسطورة ومخالفة التمثيل (ضرب الأمثال)، الى تضلعه من الرياضيات. فمن الغريب، والحال هذه، انه حُمل على الحكمة وعُد في الحكماء الكهان في الهيكل الديلفي. وعاد نيتشه الى طاليس في 1882، بصقلية، حيث كتب "مفاتحة عاشق"، وطبعت هذه ملحقاً بكتابه "العلم الفرِحان". وفي "المفاتحة" فقرة شعرية لا لبس في ردها الى طاليس: "ارتفع إلى الذروة. السماء بنفسها/ تحمل الآن الطائر المنتصر/ وهو يسكن ويحلق/ ناسياً النصر والمنتصر". وشطب نيتشه الفقرة، وذيل عنوان الكتاب "العلم الفرحان" بذيل يقول أن العنوان "رمى بالشاعر في حفرة". وجعل محل الفقرة فقرة أخرى: "مثل النجم والأزل/ يقيم الآن في علياء تخافها الحياة/ حانياً حتى على الحسد./ ومن يراه محلقاً، يطير كذلك عالياً".

ويصل نيتشه في محاضرته الأولى، حين يتناول "شقاق" طاليس، إشارتين الواحدة بالأخرى: افتراض اسكندراني يزعم أن اصل الفلسفة فينيقي، وأثر يروي أن طاليس سافر الى مصر. فمن أين إنكار طاليس على الأسطورة وطعنه عليها؟ هل المنكِر الطاعن هو الرياضي (التعاليمي، في مصطلح عربي إسلامي) أم هو السياسي الذي أراد محو مفعول الخصوصية الناجم عن الأساطير المحلية و "القومية" (نسبة الى القوم أو الأهل) وتقديم مواضعات جزئية على مسائل أعرض؟ ومهما كان من أمر الداعي الى الطعن، فقولته في الماء تحتمل تأويلها أسطورةً عامة اقترحها طاليس على مدن الساحل الإيوني، وناشدها الاتحاد عليها. ويمدح نيتشه مقالة الميلي في الماء وعقلانيتها. ويذهب إلى أن الوقائع حققت فرض طاليس. فالعوالم الصلبة التي نعرفها ونختبرها سبقتها على الأرجح أحوال أقل صلابة وتماسكاً، أشبه بالغاز، بحسب افتراض كانط ولابلاس. وحمل الكون كله، وهو المشعث والمتفاوت، على أطوار مادة أصلية واحدة، قرينة على إقدام لا يصدق ولا ثاني له من بعده. ويعارض إثبات الماء أصلاً عاماً وواحداً امتلاء العالم بالآلهة، عَلَم الخصوصيات الكثيرة والمنيعة، والحاجز بين المدن وبين الاتحاد. ولكن المدينة، وهي بؤرة الإرادة الإغريقية وعصارتها، نهضت على الأسطورة، فترك الأسطورة يقود حتماً إلى ترك مفهوم المدينة. ويفوق هذا طاقة الفلسفة على العمومية. وقوة العمومية إما أن تخلف على الأسطورة الضعيفة، على مثال روما، وإما أن تنشأ عن الديانات الكبيرة ومعتقدها الذي يخولها التوحيد من طريق الإكراه وبواسطته. وبإزاء القوتين العموميتين هاتين يكني انصراف طاليس الى مراقبة ليل النجوم عن الرضوخ. فالتجأ الى الفلسفة وباشر مناقشة الاسطورة، الحصينة في وقت أول. وحين حيّا أفلاطون طاليس، وأثبته صنواً لسقراط "الافلاطوني"، كانت الحروب الفارسية – اليونانية وضعت أوزارها، وأرهق أثينا عبء هيمنتها، وأخفقت الفلسفة في الاضطلاع بدور سياسي في شخص أفلاطون نفسه (ومحاولته نصيحة الطاغية الصقلي). وينسب نيتشه الى طاليس تأويلاً نيتشوياً لمقالته في الآلهة: فمعناها، على زعمه، هو أن الطبيعة لا قوام ولا حقيقة لها من نفسها، فهي خلق انساني، وعلى هذا حلول (ثمرة حلول التصورات الانسانية فيها) خالص. والتأويل النيتشوي صدى للأساطير اليونانية نفسها ولاستمرار فلسفتهم عليها، لا يستثني ذلك برمينيديس نفسه وهو من نفى حقيقة كل ما عدا وحدة المكون، وحصَّل الباقي من طريق الظن.

غير أن اخفاق النقض على الاسطورة ليس محنة طاليس الخاصة إلا ظاهراً. فهو الشاهد على أيلولة الاخفاق، والصمم عن النقض على الاسطورة وخصوصياتها "القومية" الاهلية، الى استعباد المدن الايونية. وهذه محنة عامة، بديهة. والمحنة العامة الاخرى هي محنة الفلسفة اليونانية ومأساتها، ربما الوحيدة، على قول نيشه. فطاليس، و"طبقة" الفلاسفة من بعده حذت حذوه، أرسى السؤال الفلسفي على معالجة المسألة الام: هل في وسع العقل الواحد الانتصار على كثرة الأساطير؟ وهو حدس في ضعف الباعث على تنكب العمل إذا هو اقتصر على العقل. وكان بقاء المدن اليونانية ونجاتها من الاسترقاق السياسي الذي يتهددها به الفتح الفارسي، عضداً قوياً لوحدة العقل. لذا، ليست غرابة النظر الفلسفي، قياساً على إلفة عالم الحياة، على ما تبدو عليه في حسبان الغريبة القادمة من تراقيا. فأهل اليونان أنفسهم لم يفهموا ما ظن الآخرون أن في مستطاعهم فهمه، وما أتاحه الظرف والوقت لهم. ومأساة الفلسفة متأتية من أن أحوال ابتدائها، وملابسات الابتداء، محال تكرارها. والاستنتاج، أو القياس التوليدي المتصل، عاجز عن الالمام أو الاحاطة بالصدع أو الفطور الذي ينهض عليه فعل انسان فرد في لحظة فريدة. وقد ينهض بالأمر مشهد أو خبر أو صورة.

وهذا ما أراد نيتشه تزكيته، والانتصار له، حين انتصر للغويات الفيلولوجية في محاضرته الافتتاحية ببازل، في 1869. واحتج لها على المنزع الرومنطيقي الذي مال الى نسبة الملاحم الهوميرية الى "الشعب" وشعره "التلقائي"، وأراد انتزاعها من الشاعر الفرد، ومن مدرسة الشعراء المحترفين. وعلى المثال نفسه، نافح نيتشه عن "تاريخية" ثورة طاليس على الاسطورة، وإخفاقه في كسر سطوتها، وسقوطه في البئر أمام شاهد غافل عن معنى ما يرى ويحضر. فالاثر هذا ينبغي ألا يطيحه "النقد التاريخي". وطاليس هو الواقعي، وداعية النظر في أعماق الطبيعة، من غير قصص سحري أو "عبقري" سبيلاً الى بقاء المدينة. ومن يرَ الى العقل محجة تجاوز الأسطورة يقرأ قولة طاليس أن الآلهة تملأ المحال كلها على معنى يخالف المعنى الذي يذهب إليه من يحسب أن العقل هو دواء تفريق الاسطورة حلفَ المدن وتصديعَه. فكان ينبغي لهذه القولة أن تقود الاسطورة الى خاتمتها، وترعى الانتقال الى ما يقوم مقامها. والحال أنها ابتدأت سلسلة لا تنتهي من المقالات غير المقيدة بقيد التعيين القاطع، الظرفي والوظيفي الفريد. وهذه المقالات تقلِّب "الكل" (المحال كلها، كل شيء) على معانٍ ووجوه لا تحصى.

ولم يقتصر نيتشه، في تناوله المدونة اليونانية ومحل الأثر الطاليسي منها، على تقرير التقليب، وإرساله لا إلى غاية. فاختبر في مقالاته أثر الكثرة والارسال، أو أثر "الكتابة" وعملها، على قول المحدثين. فهو لا يَغفل عن أن سقراط "أتم" تدمير الاسطورة الذي نشده طاليس، وسعى فيه. فأرسى الفلسفة على ركن ظاهر، وكان العِلم من ذريتها البعيدة. وأنزل سقراط الفلسفة من المبادئ والأصول الأولى و"العالية" الى دائرة عالم الحياة والمعاملات البورجوازي، المديني والذُري (على معنى الوقف) والحربي. فخصخص روحها العامة، وطواها على مشاغلها الخاصة، وأعدها، على أمد بعيد، الى استقبال المسيحية التي يحملها نيتشه التبعة الأولى، عن قتل المأساة، والتخلق بأخلاق العبيد، وإحلال سلب الضغينة محل فرح الايجاب. وطاليس، من وجه آخر، هو مبتدئ العلم، وعماه الذي يحمله على مساواة الأشياء بعضها ببعض، ويصرف عن ترتيبها بحسب طبقتها وشأنها. وتقرير تسوية العلوم والمعارف يتجاهل، على قول بلومينبيرغ، انطواء المجهول، قبل العلم به، على مكنونه. فلا يسبق العلم بالمرتبة المعلوم نفسه. ونيتشه يدعو الفلسفة الى النظر في المراتب والمكانات والمقادير أولاً، وينعى على العلم تشاغله بما لا قيمة له، وبحال الانسان الحيوانية والدودية. وحري بالفلسفة، على هذا، أن تعنى بغايتها الجمالية، المعيارية، فوق العناية بغايتها السياسية الظرفية التي أخفقت في بلوغها.

الأحد، 12 فبراير 2012

من 2 شباط 1982 (حماة) إلى 3 شباط 2012 (سوريا) عشرة آلاف يوم ومئة وثلاثة أيام ويوم واحد

 "عذراً حماة"، كان وسم الجمعة السورية (الواقعة) في 3 شباط 2012. وصادف اليومُ انقضاءَ 30 سنة تامة ويوم على – والمرء في حيرة من تسمية هذا اليوم وحوادثه، جميعا أم فرادى، مجزرة   مذبحة  ملحمة  مقتلة، من غير قيد غير ذاك الذي تقيد التسميةَ به أصداء الاسم وترجيعاته، وقربه أو بعده من أسماء حوادث "تشبه" الحادثة التي يسميها الاسم: مجزرة  مذبحة  ملحمة  مقتلة –. ويضيف: حماة. ولا بأس بالاقرار بأن اسم جمعة التذكر، مرة أخرى "عذراً حماة"، استغلق فهمه، على بداهته. فمتظاهرو اليوم يعتذرون من قتلى مجزرة  مذبحة  ملحمة  مقتلة حماة، بعد – قبل، على ما كان ليكتب باول تسيلان (نوافذ- المستقبل 5 أيار 2011، ص 14، التصفح على مدونة الكاتب waddah-charara.blogspot.com)، ثلاثين سنة. فعمَّ يعتذرون؟ عن أنهم لم يقتلوا  يذبحوا  يجزروا  يلحموا معهم؟ وهم، معظمهم الساحق، لم يكن ولد في عام الشؤم ذاك؟ وبعضهم من أولاد من قتلوا  ذبحوا  لحموا ورمى آباؤهم بأنفسهم على الموت- القتل تفادياً لموتهم – قتلهم هم. أم يعتذرون عن نسيانهم المقتولين المذبوحين المجزورين الملحومين، وعن توسيدهم الغيم (تسيلان) الخفيف والبعيد، وعن سكوتهم المتمادي عنهم ومجاراتهم القتلة  الجزارين  الذباحين  اللحامين على انكار الحادثة واستحقاقها التذكر فيمر الثالث من شهر شباط في 1983 1984 1985 1986... وحتى في 2011 من غير أن يرفع أحد من الذين شهدوا – سمعوا يومها أم من بعد صوته أو صمته أو دمعه أو دقات قلبه في هيكل صدره العريض الخاوي الموحش، وينعطف إلى اطياف المتدافعين من غير وجه مضرج رأس مضرجة دماغ مضرج عين مضرجة خد مضرج كتف مضرجة رئة مضرجة ذراع مضرجة يد مضرجة حوض مضرج بطن مضرجة ذكر مضرج حر مضرج فخذ مضرج ركبة مضرجة عقب مضرجة اصبع مضرج، على بوابة دار الموت، ويسألهم عن أسمائهم اسماً اسماً: حمزة  رؤى هيثم عليا ابراهم أسماء اسامة جمانة أحمد حسانة؟ أم يعتذرون عن ترك حمزة رؤى هيثم عليا ابراهيم أسماء جمانة أحمد حسانة في عراء عام الشؤم "يحفرون، يحفرون، على هذا (يـ)مضي يومهم، ليلهم – (...) يحمدون الله الذي – فهموا- شاء هذا كله، الذي – فهموا- علم هذا كله" (تسيلان – "كان فيهم تراب و/كانوا يحفرون.)؟ يعتذرون عن طاعة الجزار اللحام القاتل الذباح طوال ثلاثين سنة شباط 1982 – شباط 1983 1983- 1984 1984 -1985 2010 -2011 في أثنائها أمر الجزار اللحام القاتل الذباح من اتخذهم التراب بيتاً – مسكناً منسىً- منفى بحفر قبور أهل -  حماة في جبانات عام الشؤم؟ فكيف رجع المقتولون المذبوحون الملحومون المجزورون واجتمعوا على بوابات أيام الوقفة الكثيرة، وعلى وجوههم وجباههم المغسولة أسماء من غير أكفان ولا تراب؟
  "كانوا يحفرون، ولم يفهموا من بعد شيئاً" (تسيلان). من يحفرون، جباناتهم الفسيحة تملأ الارض، والتراب فيهم وهم "يحفرون، يحفرون،" لا يفضي بهم حفرهم الى الفهم أو الحكمة أو ابتكار اغنية أو تخيل صنف واحد من اللغات. وفي وسع الهدوء والعاصفة والبحار كلها المجيء والتعاقب والرواح، فلا تنم صدىً أو معنىً غير الحفر. وهذا حال الدودة، الموقوفة على دورٍ يدور، ولا يصنع فعلاً ولا عملاً. والدور يدور، و"يفضي... لا إلى جهة". وصاحبه، أي دودته، يَعرى من الجهات، ويخرج من التعريف والماهية الى النفاية والاغفال.
 وفي مراثينا (من تكون "نا" هو السؤال أو المسألة)، وتآبين موتانا وقتلانا، وأسفار محننا ونكباتنا، لا يرضى الشاعر المنشد المغني المقرئ الجالس المحنةَ التي يصفها الشاعر الروماني – الألماني – اليهودي – الكتابي، محنةَ الدودة. بلاء الدور من غير جهة ولا حكمة ولا لغة ولا توقيع ولا فرقٍ ("وما يغنّي هناك يقول: إنهم يحفرون"). فيسرع المعنى، وفي ركابه وموكبه المَلَكيّيْن الحكمة واللغة والتوقيع والفرق، الى القتل والموتى، والى القتلة والموت. ويحسب المنشد المغني المقرئ الجالس أن الحكمة واللغة والعلم والفهم والغناء هي التراب الذي ينبغي أن يواري مقتولينا مجزورينا ملحومينا مذبوحينا. وهي ما يليق بهم وبنا.
 وهذا إنكار لدور الدودة – القتل ودورانه لا إلى جهة. فنكاد نصدق صاحب القتل أو "رجله" حين يزعم – وهو لم ينفك يزعم هذا منذ استوائه قتّالاً جزّاراً ذبّاحاً لحاماً – أن مقاتله مذابحه مجازره ملاحمه ليست حفر دودة، بل هي ثمرة حكمة وفهم وعلم ولغة وغناء. ونصدق هذا، أو نكاد (هل نكاد وحسب؟)، لأن حمل صاحب القتل، فرداً فرداً وجماعة أو جميعاً، على غير الدودة يجنب مقتولينا وموتانا محنة الدودة، على وجهها السالب، أو يخيل لنا ذلك. فهم كذلك خاضوا في حكمة وفهم وعلم ولغة وغناء، تفوق تلك التي يزعمها صاحب القتل لنفسه، فرداً فرداً وجماعة أو جميعاً، حقيقة وصدقاً. فتخليص من قضوا – من غير وجه مضرج رأس مضرجة دماغ مضرج – من حَفر أو قتل لا ينتج فهماً ولا استواء على كرسي الحكمة، يدعو الشاعر المنشد المغني المقرئ الجالسَ الى تنكب محنة الدودة، وإثبات نقيضها وخلافها. ولم يمسك تسيلان نفسَه عن إثبات النقيض والخلاف. فيكتب بعد "آه":" أنت تحفر وأنا أحفر". والحفار الجديد هو غير الحفارين القدامى. فهم "أنا"، ويسعه قولها وتدبرها واختبارها ما شاء وأراد. وهو يحفر في نفسه. "أحفر فيَّ". ويحفر على قصد غاية يقصد إليها، ويريد بلوغها، هي أنت. والحفر، اللفظة، يقال على وجه الاشتراك. فالحفر في النفس، والقول أنا، وقصد الغير، وجواز بلوغه، تؤول الى تتويج: "على إصبعنا الخاتم يستفيق." والاصبع في الخاتم او التختم بالخاتم، علامة، في القول العامي، على قران وعهد، وعلى اجتماع "نحن" من أنا وأنت. وإفاقة الخاتم والعهد والنحن ابتداء عالم واحد هو عالم اليقظة، على قول الحكيم اليوناني، أو عالم "الشريعة" وعروتها والاجتماع عليها، على القول النبوي.
 والليل، قبل الافاقة على التعاهد وخاتمه، كان بهيماً. وتحوم البهيمة حول المدينة، وتستدخلها وتُعمل فيها، وفي أطفالها ونسائها وشيوخها وشبانها العزَّل وغير المسلحين، السيف الذابح والقنابل الجزارة واللحامة والكذب القتَّال. وتجدد عملَ الدودة وحفرها الأعمى. وتحمل هذا على السياسة، وتدعو الى حمله على السياسة، والمجادلة فيها. والتسليم للاشتباه، أو للتشابه ولتطاوله الى اختلاط  رعاية خاتم التعاهد بعمل الدودة القتّال الجزّار الذبَّاح، من مراوغة الدودة الآمرة بالحفر. ويغزو التشابهُ النفيُ الإغفالُ الحكمةَ الفهمَ الاغنيةَ اللغةَ. ويجرها الى محاكاته المقلوبة والمعكوسة، ويكرهها على ترك إيجاب الفهم، وإيقاع الغناء والانشاد والرقص، الى الرد الواحد والسوي، على سوية واحدة، إلى نفي النفي وإغفال الاغفال وحفر الحفر.
 وكتابة تسيلان الشعرية، على مثال أو شاكلة لحن الاوغاد والشطار الذي غناه أمبريه بونتواز بباريس (على مسمع) باول تسيلان، من تشيرنوفيتش بساديغور، على مثال أو شاكلة كتابة هنري هاينه، في أوقات مظلمة، بآدوم، تقترح على حماة حمص درعا ادلب بانياس الزبداني بنش الرستن دوما ريف ريف ريف ابتكارَ أغنيةٍ لغةٍ فهمٍ حكمة. وليس "فناً شعرياً". والحق ان المغنين الراقصين العازفين الاوغاد والشطار بحماة حمص درعا ادلب، وبعضهم استعجل القتَّالون الجزارون الذبَّاحون اللحامون الحفارون على أبواب المدن على باب الليل البهيم ذبحهم من غير كناية ولا استعارة ولا طباق ولا جناس- المغنون الاوغاد الشطار والراقصون ابتكروا الاقتراح الآتي من بعيد وقديم. فهم التمسوا وحدهم "خروجاً من نفسهم"، "مؤتلفاً"، وسألوا: "ألم يكن ذلك/ إذا جاز القول اسماً؟" -ابراهيم – حمزة- هيثم-.
 والاسماء، أسماء المغنين الشطار الراقصين الاوغاد، مؤتلفة ومركبة ومفردة. وهي، في أحيان كثيرة، أضداد، ومؤتلفة من أضداد وأفراد آحاد. "الطفل – العين" ("جليد، عدن"). "البعيد – القريب" ("والنبيذ والخسارة، و") "الصحراء – السموات" ("مزمار") المضيَّع القريب ("كيميائية"). ولكل مركب حكاية. وحكاية "الطفل – العين" تبدأ ببلد: "هناك بلد"، أو كان يا ما كان كان "في" (هناك) بلد. والبلد كان "ضائعاً" . ومن أمارات ضياعه أن "قمر(ه) يطلع في القصب"، على ضفاف نهر، ربما وحول نواعير ربما. والبلد "ميت من البرد"، "معنا"، مثلنا، من عدوى البرد في السهول الداخلية؟ أم مؤاخاةً وتقرباً وتدويناً ونماً "بأنيننا"/ في واحدة/ من لغتهم ذات الصور")؟ والبلد ضياعه وقمره وقصبه وبرده ومعيته، "يشع في الجوار" العريض: بين ماردين وحوران، وبين الجزيرة والمتوسط، و"يرى" وعيونه الكثيرة (هي) "أراضيه المضيئة". المضيئة في "الليل، الليل". الليل الأليل، الليل الذي "يقلي" (بالسمن الحموي؟ بالنار السماقية؟) أرض الضوء والقصب والضياع والموت والبرد. و"الطفل – العين" هو هذه جميعاً من غير كيف. و"الطفل – العين" هو هذا في هذه الحكاية، هذا البلد، البرد، الجوار، الارض، الليل. وهو في بلد غيره، وبرد وليل وجوار وأرض، "طفل- عين" (مفقؤة)، "طفل – أنف" (مجدوع)، "طفل – ذَكَر" (مكلوم)، "طفل – قصبة هوائية" (مقصبة)، "طفل- اصابع" (مجرومة)، طفل – قلب، طفل – بطن...

الجمعة، 3 فبراير 2012

اتحاد الأمة وشرعها بالدولة يشقّ الأمة والدولة ويسلّط عليهما قانون «الحربين

المستقبل، 29/1/2012  
تتردد في مقالات الاسلاميين السياسيين المعاصرين، إخوانيين وسلفيين و»جهاديين» وخمينيين وأصوليين ومعتدلين ...، أصداء مناقشات فقهية قديمة أو أقل قِدَماً. وإلى اليوم لم يتولَّ اسلاميون الحكم. ولكن مثال الحزب الدولة الاسلامي يرتسم في ثنايا مقالاتهم، من حيث أرادوا أو جهلوا (عطفاً على «نوافذ» المستقبل، في 7/1/2012). والحق أن المثال هذا يبدو طوراً من مثال سابق هو مثال الأمة الدولة، على صورة تناولها قاضي القضاة الحنفي ببغداد في بعض عهد هارون الرشيد، أبو يوسف (ت 176هـ)، في «كتاب الخراج». ويدور الكتاب على الاقتطاع. ويربط ربطاً جلياً ووثيقاً بين الاقتطاع (والخَراج من وجوهه ليس إلا)، وبين عدل الامام. وهو يؤرخ للعدل، أي ينسبه، بتعقب آثاره صعوداً الى حلقاته الاولى أو أجداده الأُول، الرسول وخلفاء الصدر الاول وبعض أبرار الصدر الثاني ومهرة إدارييه ومنظميه. ولا شك أن ما يكفل العدل ويسن قواعده هو الاسلام. ولا ينفصل الاسلام عن نظام الجماعة واجتماعها، أي عن وحدتها، وما يحفظ نظام الاجتماع هو الحق، والحق هو ما يحفظ نظام الاجتماع. أي ان المسألة السياسية، إذا جازت العبارة، تحمل على الصلة بين الاقتطاع وبين السلطة وما يترتب على هذه الاخيرة من عدل وابتاع وتوحيد (موضوعه الجماعة او الأمة).

قد يسارع قارئ الخراج الى وصم الكاتب بالاقتصادوية، أي برد المسألة السياسية الى الاقتصاد وأوالياته. وقد يهلل لما يبدو له استباقاً لمنحى مادي في تناول التنظيم الاجتماعي. غير أن تناولاً متأنياً لنسق الكتاب في معالجة موضوعه يبعد الوصم والتهليل معاً ويمهد، ربما، لنظر في «عمل الأثر» (كلود لوفور).

لماذا يدور حفظ اجتماع الامة وعدل الامام على الخراج (وهو التسمية العامة للاقتطاع)؟ أو لماذا يمثل تدبير الخراج شرطاً أول من شرائط الامة وعدل الإمام؟

ينطوي كتاب أبي يوسف على جواب قد يبعث على الاستغراب إن لم يبعث على الانكار. يقول أبو يوسف، وهو يقول ما أضعه على لسانه بتطويل وتعرج لا يحجبان فحوى قوله، يقول: يقوم نظام الامة بأمرين متلازمين هما الحرب (مصدر الغنم) والمراتب (قواعد القَسْم). ويعمد القاضي الحنفي الى رصد تاريخ الامة، منذ تأسيسها الى عصره، من زاوية هذين الامرين وعلاقاتهما المعقدة في آن. فإذا هو تاريخ حرب أو تاريخ استقرار تولد عن الحرب وتبلور مراتب وطبقات تسوس ثمار الحرب وريعها.

لم تعرف الامة، في رواية أبي يوسف، حالاً إلا وبينها وبين الحرب سبب. فصيرورة الامة أمةً تتلازم مع مصائرها في القتال. ويرتسم هذا التقرير في حديث المغيرة بن شعبة الى رستم، كبير الفرس، عشية القادسية، في شأن مجيء العرب المسلمين الى العراق، يقول المغيرة:» كنا قوماً في شقاء وضلالة، فبعث الله فينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه فكان فيما رزقنا حبة زعموا انها تنبت في هذه الارض فلما أكلنا منها وأطعمنا أهلينا قالوا لا صبر لنا حتى تنزلونا هذه البلاد فنأكل هذه الحبة». فالهداية التي يدل بها الفاتح على خصمه تنطوي على خبر «طيب» ينجم عنه خروج الذين يتلقونه من دارهم أو بلادهم الى دار غيرهم حيث تستنبت الحبة التي لا صبر لآكليها عنها. وما يستوقف في جواب أحد فرسان القادسية وأبطالها أن الحبة المشتهاة والتي يتكلم عليها إنما هي حبة «تنبت»، أي أنها ثمرة برية لا يتعهدها أحد ولا يستنبتها «علوج» و»رجال» و»فلاحون» كما كان عمر بن الخطاب مثلاً يعرف حق العلم. لذا، فالمغيرة لا يرتاب في ما ينبغي أن تعود به عليه الهداية التي يدل بها: الخروج بالاهل الى حيث الحبة وأكلها. إلا أن الخروج والاكل هذين يستحيلان طبعاً من غير حرب واستيلاء وملك. فمعشر العرب بعث الله منهم نبياً أخبرهم بأشياء ووعدهم فيما وعدهم أن سيملكون «ما ها هنا (ويغلبون) عليه»، بحسب خطاب المغيرة الى ملك نهاوند الفارسي.

فتوح «الحبة»

إلا أن الخروج من الجزيرة طلباً للحبة وسعياً وراءها ونشراً للهداية لا ينفصل عن الحروب الداخلية التي كانت الجزيرة مسرحها وكنفها. ولم يكن هذا الكنف انطواء مكانياً وزمانياً عارضاً، أي لا يحتم نتائج في المسار اللاحق، بل كان وقت التأسيس الذي أرسى قواعد الوجهة التي تحدرت منها ونجمت عنه. فالجماعة التي يجعل الحديث من مفارقتها بمثابة نزع ربقة الاسلام، هذه الجماعة لم تجتمع ولم تأتلف إلا في سياق الحرب وبالحرب. فالمرجع القرآني الثابت الذي يرد اليه الخراج هو الآية الواحدة والاربعون من سورة الانفال، والتي يربط التفسير بينها ويبن قسمة الرسول غنائم بدر. ويتألف الاجتماع الاسلامي، في ضوء الآية المذكورة، من فئتين كبيرتين: الله والرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ومن الجند الذين أصابوا المغنم. وتجمع الفئة الكبيرة الاولى فئات متباينة ساوى بينها الرسول فكان لله وللرسول سهم، ولذي القربى سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم. وإذا كان ما يجمع بين أصحاب الاسهم الثلاثة الاخيرة جلياً، وهو العجز والعالة، فإن وضع الله والرسول وذوي القربى الذين يتبعون الرسول معهم أمر يدعو للمسألة.

فالله والرسول شرط المقاتلة، أي شرط قتالهم وشرط اجتماعهم. والراية التي يقاتل تحتها رايتهما. وكل قتال ليس تحتها اقتتال وتظالم، لأنه قتال في صفوف الجماعة التي طردت العنف من داخلها منذ ان صدعت بالحق واجتمعت كلمتها عليه. إلا أن العنف الذي طرد الى خارج الجماعة لم يلغَ طبعاً بل نقل نقلاً وأنيط به اختطاط حدود الجماعة: حيث العنف مشروع يبدأ الخارج ومعه الآخر الذي يقيم فيه ويقطنه. ولكن هل يسوّي اجتماع الجماعة، وإصلاؤها الخارج الحرب، الداخل؟ وهل يمحو الفوارق والمراتب؟ تنبه قواعد الاقتطاع والتوزيع الى قوة الفرق بين القادرين على الحرب وبين العاجزين عنها. وإذ يطلق الاسلام إرادة الحرب على غير المسلمين، ويجعل من دعوتهم إليه (هدايتهم) فرضاً وركناً، فإنه يميز تمييزاً لا لبس فيه الحرب التي تنجم عن التفاوت في القوة من تلك التي تنجم عن الحظ في الهداية. فالاولى (الحرب التي تنجم عن التفاوت في القوة) لا يرمي الاسلام الحرم عليها فحسب، وذلك في آيات معروفة، بل يقلبها ويستل منها نقيضها جاعلاً من رعاية اليتيم والمسكين وابن السبيل (من مال الصدقة ومن فيء الخراج اللذين ينبغي فصلهما) فرضاً على الجماعة وعلى إمامها، بل أن التوزيع الذي يعود على اليتامى والمساكين وابن السبيل بالحصة التي يعود عليهم بها إنما هو تطهير للحرب الاخرى وانتزاع لها من براثن القتل والعنف «الطبيعيين« (الجاهليين في الرواية الاسلامية).

ويفرق التوزيع، أو القسم الاسلامي بين ضروب العنف. فالعنف الذي يحمل الجماعة على حرب غير المسلمين من أهل الكتاب ومن كفرة يجد نظيره المعكوس في تخميس الغنائم، أي في رعاية مستضعفي الجماعة وفي الجمع بين هؤلاء وبين النصر على العدو وسببه الله والرسول. أي ان الجماعة تعمد في الآن الذي تمثل فيه ثمرة العنف عارية، عند جمع الأسلاب والغنائم، إلى نزع الصفة الطبيعية العارية عن العنف. فيحصل التوزيع على المقاتلة، ليس تبعاً لما غنموا فرداً فرداً، بل تبعاً لقاعدة عامة تساوي فيما بينهم ولا تبقي من الفروق إلا على فرق عام يقبل بدوره التجريد وهو ارتباط الخيل.

وتتضمن قاعدة التوزيع على الاسهم مكافأة عامة بين المقاتلة، بما هم صورة الجماعة، وبين الحرب، بما هي امتحان للجماعة ووحدتها. لذا، فإن ما يعود للمقاتل مهما بلغ بلاؤه، ينبغي ألا يتعدى السهم الواحد، أو الحصة الواحدة. الامر الذي يعينه جزءاً من كل الجماعة أو عنصراً ملحقاً بهيئتها التي أتاحت لها الحرب الاستواء والتألف. والامر الذي ينفي من الجماعة نفسها التباين والتفاوت والمراتب البارزة يحيل سهم الخيل المضاف الى جزاء على الرغبة في ارتباطها «في سبيل الله». ولكن ما أن تستوي الجماعة، من طريق المقاتلة، كلاً متجانساً ونافياً طبيعة العنف وجسمانيته وفرديته، حتى تستحضر غائباً اساسياً وتضع جانباً الخمس الذي يعود إليه حكماً وشرعاً. ويتيح استحضار الغائب هذا توكيد نفي طبيعية العنف. فالخمس المذكور لا يعود فحسب لمن لم يقاتلوا، لغير المقاتلة، بل يعود لمن يملي منطق الحرب الخالص، لو أن للحرب منطقاً خالصاً لا يلجمه حدّ، الظهور عليهم وسبيهم وفرض الخراج عليهم. فاليتامى والمساكين وابن السبيل هم الشطر المستضعف من الجماعة، الشطر الذي كان ضعفه وضعه خارج الجماعة لو كانت الجماعة مجتمع حرب أو مسرحاً لعنف الداخل. وهم الشطر الذي لا يشترك في الحرب اشتراكاً مباشراً في حين تبدو الحرب فيه عامل توحيد للجماعة وتحقيق عيني لتكاتفها واجتماعها وتآلفها. ولذا، تبدو وظيفة الخمس مزدوجة: فهو من جهة قرينة على استبعاد العنف من علاقات الجماعة الداخلية وعلى ادراج المستضعفين في الجماعة، وهو من جهة أخرى يشرك الضعفاء في الحرب بحل الحرب في ثمريها، ويؤلف بين الجماعة على رغم التفاوت الجلي بين المقاتلة وبين غير المقاتلة.

الحرب العادلة

والحرب التي ينصر الله بها دينه وتجتمع بها الامة هي الحرب التي تقوم بها أمة مجتمعة. فالحرب تجمع الامة إلا أن أمة غير مجتمعة هل بوسعها أن تقوم بحرب لا تقع في مهاوي العنف والفرقة والظلم؟ فكما أن الحرب التي ينصر الله بها دينه تساوي بين الذين يشتركون فيها وتجعل من الواحد منهم سهماً فتمثل الجماعة على صورة الحد والحق، كذلك فإن «امر الامة» (السياسة أو الامامة أو الخلافة) لا يستقيم إلا بتواري متقلد الامر وامحائه في ضوء الحدّ أو الدين. وكتب أبو يوسف يقول إن عمر كان إذا استعمل رجلاً اشترط عليه أربعاً: أن لا يركب برذوْناً، ولا يلبس ثوباً رقيقاً، ولا يأكل نقياً، ولا يغلق باباً دون حوائج الناس ولا يتخذ حاجباً. ومن الجلي أن لاءات عمر ترمي الى الحؤول بين عامله وبين «فِراق» الجماعة أو الامة، ليس بمعنى الفرقة السياسية بل بمعنى الانسلاخ عن الجماعة.

فمآل الانسلاخ، فيما يرى عمر، في مرأة الشرائط التي كان يشترطها، تبلور الامر (تقلده) في طرف مستقل ووضعي. فالبرذون يرفع راكبه فوق الناس، والثوب الرقيق يميز لابسه ويدل عليه، والنقي ترف لا يقدر عليه الجميع، أما إغلاق الباب واتخاذ الحاجب فيجسمان من غير لبس ليس الانفصال فحسب، بل عدم اجتماع الجماعة أيضاً. إن ارتكاب الامور التي يمنع التقليد العمري منها لا ترفع بشراً فوق بشر فحسب، أو توسع الشقة بين الجماعة وبين نفسها، بل يلحق الحد بصاحب الامر أو متقلده. فالحد ينفك من القيام بنفسه، غير مدين بقوامه لسواه. وإذ انفك الحد من ذلك، فإنه يحمل حملاً على أن يدين بفعله وأثره الى ما عداه، إلى صاحب الامر أو الى الامر، والى القوة التي تتخايل وراءهما.

وتتدرج أحكام الحرب من الحرب الضيقة التي يعود الدور الاول فيها الى قرشيين، الى مقابلة عامة بين «العرب» و»الارض العربية» من جهة وبين «غير» الحكم فيه خلاف الحكم في العرب وأرضهم ولا يعرِّفه سوى اختلافه. ولا يسعى الاسلام في طي الاختلاف أو في استدراكه. بل إن الاسلام يشرِّع للاختلاف ويرسيه على الحرب، اي على توزيع غنائمها، وذلك باستبعاده القاطع لتخيير العرب بين الاسلام وبين البقاء على دين غير الاسلام. «إلا ما كان من أرض الحجاز والمدينة ومكة واليمن» (ص 6) بوسع أهل الارض أن يختاروا بين أن يسْلموا على أنفسهم وعلى أرضهم. فإن فعلوا «فإن دماءهم حرام وما أسلموا عليه من أموالهم فلهم وكذلك أرضوهم لهم وهي أرض عشر» وبين أن تفتح بلادهم عنوة. فإن لم ير الامام قسمتها ورأى إقرارها في أيدي أهلها فهي أرض خراج وإن قَسَمتها بين الذي افتتحوها فهي أرض عُشر وحرية الاختيار بين الاسلام وبين الخراج (والجزية التي تتبع الخراج) حرية تحدها أرض ويحدها عرق.

فعرب الارض العربية، أي عرب شبه الجزيرة ليس بوسعم أن يتوزعوا على فئتين أو إلى طبقتين: فئة أهل العشر من الفاتحين من جهة، وفئة أهل الخراج والجزية من جهة ثانية. وبعبارة أخرى، يمنع الاسلام على العرب وعلى المسلمين أن يغلبوا عرباً وأن يجعلوا من غلبهم هذا حالاً يقيم عليها الغالبون والمغلوبون. أي ان القول: العرب من عبدة الاوثان حكمهم الاسلام أو القتل، يعني أن لا مغلوبين بين العرب، لا الآن، مع قيام الاسلام، ولا لاحقاً. وينحو التدبير في صيغته العامة، نحو حل مشكلة التمييز بين عرب مغلوبين وبين عرب غالبين باللجوء إلى إفراغ الارض العربية من الاول، إما بطردهم أو بقتلهم أو باسترقاقهم كما حدث فعلاً وعملاً باليهود.

وتكمن وحدة الاجراءات هذه، مجتمعة أو متعاقبة، في الحؤول بين عرب وبين تكوين اجتماع مغلوب أو مجتمع مستتبع. فالرقيق مباح، والسّبي مباح، والقتل مباح، والعُشر الذي يخرج الارض من بين يدي الغالبين بما هم أفراد مباح. ومآل هذه التدابير جميعاً حل الجماعة المغلوبة ومنعها من أن تحفظ فيما بينها علاقات اجتماع تشدّ بين أقسامها وتضعها بمنأى من تدخل الغالب المباشر. ولا شك، من جهة ثانية، في أن مآل التدابير المذكورة دمج العرب «المغلوبين» في قوام العرب الغالبين بل وحملهم على اقتسام الغنم الذي يتحصّل عن الغلبة «ليبلغنّ الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه». غير أن ما يفترضه مثل الدمج والاقتسام هذين هو التخلي عن قوام استقلال الجماعة والتنكب لما يقيها التفكك والانصهار في الجماعة الاوسع. ذلك أن ما ينزع إليه الدمج والاقتسام، في المقابل، هو تحقيق تطابق كامل بين الارض والاهل والحدّ، أي بين أرض العرب والعرب والاسلام. فالتطابق المذكور وحده يجعل من أرض الاسلام الأولى ومن أهلها حصناً حصيناً لا يُدرك ولا يُطال.

مراتب التوزيع

والفروق التي يجعل منها توزيع عمر بين الخطاب مراتب لا تصدر عن الحرب المعلنة وحدها، أي عن بدر في المصاف الاول: «لمن شهد بدراً... ولمن لم يشهد بدراً... لمن كان له اسلام كإسلام أهل بدر...». فأزواج النبي اللواتي فرض عمر لهن عشرة آلاف عشرة آلاف، وخص عائشة من بينهن بإثني عشر ألفاً، فقدَّمهن على أهل السوابق والقدم من المهاجرين والانصار ممن شهد بدراً، أزواج النبي لم يشهدن بدراً، طبعاً. كذلك، فإن عمر لم يجعل أهل بدر طبقات في البلاء بل جعلهم طبقات في القرب الى النبي «الأقرب فالأقرب الى بني هاشمَ...». أي ان الفروق في التوزيع من معين القرابة معيارها. فالقرابة مرجع. وإذ يدعو عمر باللوح ليكتب أسماء أصحاب أعطيات يسأل: «بمن أبدأ؟» فيقول له عبد الرحمن بن عوف:»إبدأ بنفسك». فيستنكر عمرالامر، ويقول:» لا والله ولكن أبدأ ببني هاشم رهط النبي». ثم يتدرج الى الاقرب فالأقرب.

والقرابة العربية ليست مرجعاً للتعريف فحسب، أو بعبارة أدق لا يقتصر التعريف بوساطة القرابة على توزيع علاقمات نَسبية (من نسب) مجردة. فالله لم يبعث من معشر العرب نبياً من عامتهم بل بعثه «في شرف من أوسطهم حَسَباً»، بحسب المغيرة بن شعبة في خطابه الى ملك نهاوند الفارسي. والحسب منعة وقوة، أي أنه عامل من عوامل الحد من تصاعد العنف الذي يعصف بجماعة من الجماعات، ويهدد بأن يتطاول الى مراتبها العليا. فالمراتب، في تصاعدها وتساميها، لا تضع بشراً فوق بشر ولا تسخر بشراً لبشر فحسب، بل ترفع دية العنف وذلك بإيلائها ثمناً كبيراً ومرتفعاً للقتلى المحتملين الذين يتربعون في رأس الهرم الاجتماعي. ولما كانت دية القتيل المنيع قتيلاً من مرتبته، وليس عدداً من النوق ولو كانت عُمانية، نجم عن ذلك حرص عام على الحؤول بين الحرب (الداخلية) وبين أن تتخطى حداً معيناً.

فالحرب مصدر هذه المراتب وأمها. إلا أن ما يحد من مصدريتها ومن أمومتها، أي من اطلاقهما، فينتصب في مقابلها معياراً آخر أو مصدر آخر للتغيير هو القرابة ودرجاتها. ولا شك في أن المصدريْن يردان في نهاية المطاف الى بؤرة واحدة هي محمد، نبي الدعوة، إلا أن نبّي الدعوة في المنظور العمري غدا مُركباً يتألف من عناصر غير متجانسة وإن لم تكن متنافرة. فالحسب الوسط، رهط بني هاشم، لا يدين لنبي الدعوة بمكانته ومرتبه، بل إن المسلمين لم يروا غضاضة، من عمر الى ابن خلدون مروراً بالمغيرة، في الاقرار بما تدين به النبوة من مناعة لحسب النبي في قومه وشرفه بينهم. والحَسب ذو قوام خاص لا يتضمنه الاسلام ولا يصدر عن الاسلام على رغم أنه لعب دوراً في منع الاسلام وحفظه. وهذا الحسب، المستقل، يرد إليه توزيع عمر الجديد ويدرجه معياراً من معياريْه. الامر الذي يتيح لعمر، بين أمور أخرى يتيحها، تقريب بني أمية بن عبد شمس وإيلاء عائشة مكانة فريدة، إلى جنب مكانة العباس بن عبد المطلب. فينتقل من إسلام الحرب، الذي تتنكب مساواته الحادة للمراتب السابقة، إلى اسلام مستقر يستعيد بعضاً من المراتب السابقة هذه ويدمجها في صلبه. وقد تلازم هذا الانتقال مع مصالحة قرشية من جهة، ومع مطابقة صارمة بين العروبة (شبكة القرابة الاوسع) وبين الاسلام في الجزيرة.

وفي الاحوال هذه كلها تقوم الامامة مقام الخازن. إنها خازن التاريخ والزمن والأمة والمعاش. فهي المؤرخ والمستبق والناشر والجامع. غير انها عاجزة عن القيام بمهامها هذه، وهي كلها مهام تراكم، إن لم تمسك بناصية الحرب وزمامها. بل إن سطوتها تنبثق من إمساكها بناصية الحرب، الماضية والمقبلة. لذا، فهي تؤرخ بالحرب كما تؤرخ للحرب، وتستبق الحرب إذ ترمي بنظرها الى الآتي، وتبسط الاسلام بالفتوح، وتعد بخزن الخراج وجمعه لحروب الحدود الخارجية (المدن العظيمة) وحروب الثنايا (الثغور)، وتمنع الحرب الداخلية والاقتتال بحبس الارض وفلاحيها وخراجها، وبإخراجها من الغنائم، وتقيم الفروق والطبقات بين الامة الواحدة بنسبتها الى حروب الاسلام وإلى كتل القوة السابقة عليه. فما اجتمع اجتمع بالحرب، وما اختلف وتباين اختلف وتباين بها. ولا تستقيم إقامة الحدود ورد الحقوق على أهلها إلا إذا مثلت الحرب، وما تجمعه وما تفرقه، في الافق، وكتاب الفقيه الحنفي نفسه علام يدور؟ على ثمرة الحرب طبعاً.

الجماعة و«سرها»

ولا تقتصر الحرب على الحرب. وما يسعى أبو يوسف إلى فقهه والالمام به، ومتقفياً خطى الاوائل الكبار، هو الاحاطة بنظام الجماعة من جهة الحرب وبما هي سر هذا النظام ومرجعه. فالحرب هي ما يعقل به نظام الجماعة أو تعقل به الجماعة على هيئة نظام، تاريخاً وزمناً ووحدة وامتداداً وفروقاً. والخراج يتخلف عن الحرب الفعلية وقد وضعت أوزارها. غير أن الخراج ينصب الحرب في قلب نظام الجماعة وبؤرته. فالحرب التي تقوم بها الامامة باسم الاسلام لا تنحل في توزيع الغنائم ولا تنتهي عنده. فالامامة خازن الحرب وراعي ريعها. ولا تخلف الحرب أموالاً، أو ما هو بمنزلة الاموال فحسب. بل تخلف بشراً يملكون أرضاً كما يملكون سواعد وحاجات ومراتب ومعتقدات وثقافة، أي أنها تخلف شعوباً يعيش بعضها في جوار العرب المسلمين الفاتحين، ويعيش بعضها الآخر بينهم. وفي كلتا الحالين تعيش هذه الشعوب تحت الفاتحين الجدد، في ذمتهم وعهدهم. والشعوب المغلوبة، أكانت علوج السواد أم أهل الذمة وأهل الكتاب، «مادة المسلمين»، بحسب قول علي بن ابي طالب. وهم أصحاب «الحبة» (المغيرة بن شعبة). وهم «الجماجم» التي احصاها عيّاض بن غنم و»جعلهم جميعاً طبقة واحدة» ثم أحصاها الضاحك بن عبد الرحمن الاشعري في عهد عبد الملك بن مروان وجعل الناس «كلهم عمالاً بأيديهم» (أي طبقة واحدة متجانسة). وهم «الرؤوس» و»الرقاب» التي يجب ختمها في وقت جباية الجزية. كما فعل بهم عثمان بن ضيف. وهم «أهل السواد» الذين أرسل علي مائة فارس في شكوى لهم فرجع قائد المائد يقول: «لله عليّ أن لا أرجع الى السواد أبداً»، فيعقب أبو يوسف شارحاً: «لما رأى فيه من الشر«.

المادة والجمجمة والرأس والرقبة، عدا الفلاح والعامل والعلج، كلها تسميات تبيح المساواة في طبقة واحدة، حين كانت الادارة العمرية تقيم المراتب بين المسلمين العرب، وبخاصة بين الاوائل منهم. وذلك أن السلطة تنزع الى تنظيم مادة متجانسة قدر الامكان وتجعل من التجانس والتمهيد شرطاً من شروط فعلها الناجع.

وكان الجوار الذمي والمشرك، في الرساتيق والمدائن والامصار على حد سواء، من عناصر نظام الجماعة البارزة، بالمعنى الحرفي للصفة. وكان الجوار هذا ذا أوجه. ففي حال بني تغلب، في العقود الاولى للاسلام، طغى الوجه العسكري. فصالحهم عمر بن الخطاب على «أن لا يغمسوا أحداً من أولادهم في النصرانية ويضاعف عليهم الصدقة ويسقط الجزية عن رؤوسهم. وصاغ أبو يوسف القاعدة والاستثناء وحدود الاستثناء فقال: «والجزية واجبة على جميع أهل الذمة ممن في السواد وغيرهم من أهل الحيرة وسائر البلدان من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والسامرة ما خلا نصارى بني تغلب وأهل نجران خاصة». وأما في المدن فطغى على الجوار الذمي الوجه السكني والتجاري. ويفتي أبو يوسف بجواره صراحة:» ... ويُتركون يسكنون في أمصار المسملين وأسواقهم ويبيعون ويشترون...». ويرسم القاضي باقتضاب لوحة مهنية للذميين ويصنفهم طبقات بحسب ثرائهم ودخلهم.

وطرح الجوار الذمي مشكلة صعبة. فالذميون، مغلوبون، أغلبوا في حرب دارت دوائرها عليهم أم غلبوا حين أحجموا عن خوض غمار الحرب حباً بالحياة وخوفاً من الموت، بحسب قول خالد بن الوليد. ولم يشك المسلمون، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب مرة أخرى، في أن الفتوح والانتصارات أمارة قاطعة على علو كلمة الاسلام، دين الله الحق. فالحرب حجة تفوق الحجة الميتافيزيقية قطعاً وجلاء. ولم تقتحم الحجة الميتافيزيقية، أو الخوض في علم الكلام كما قيل عندما آن أوان الحجة هذه، لم تقتحم مضمار المقال إلا عندما انكفأت الحرب أو جلت عن الموضع الذي احتلته طويلاً.

وكان الخراج ترجمة سياسية و»اقتصادية» للغلبة التي تمخضت عنها الحرب. فهو الدليل الماثل على أن الذمي، الميقم على «اعتقاد الذمة» من الفاتح المسلم (خالد بن الوليد)، «مادة» المسلم. وهو الدليل على ان الحق غالب، كما الله نفسه، بالاسلام والمسلمين والامام. ولكن الخراج، والذمّي معه، دليل ملتبس لأنه مزدوج ومتناقض. فهو من جهة علامة على العلو والرفعة والشوكة و»الوطء» (المغيرة بن شعبة). وهو من جهة ثانية، أمارة مقيمة وحية على المقاومة التي تجبه الاسلام وسلطانه على العقول والاجتماع. وذلك أن الخراج لم يوضع، والجزية معه، إلا في أعقاب تخيير صريح: إما الجزية وإما الاسلام. وحكم أهل الذمة، وأهل الحرب عموماً من غير عبدة الاوثان العرب قبل أن يدخلوا في ذمة المسلمين ويعاهدوهم، حكمهم إذا أسلموا على انفسهم وأرضهم «فإن دماءهم حرام وما أسلموا عليه من أموالهم فلهم وكذلك ارضهوهم لهم وهي أرض عشر ... لا يخرجون عنها فيما بعد ويتوارثونها ويتبايعونها وكذلك كل بلاد أسلم أهلها فهي لهم وما فيها...» وهو حكم سمح من دون ريب، بل هو حكم يستدرج أهل الذمة الى الاسلام ويحدوهم على اعتناقه متوسلاً إلى ذلك برفع عنت رمزي ومالي كبير.

وعلى رغم ذلك، فإن أهل الذمة مقيمون على إيمانهم وثقافتهم، أي على فراقهم جماعة تعرف اجتماعها، في وجه من وجوهه، بغلبتها على أهل الذمة. ولذا عمدت الجماعة، أي أئمتها وعمال إمامتها، الى تنظيم الجوار الذمي على نحو متعارض. ففرض الائمة وعمال الأئمة على الذميين ضرباً من الخفاء والستر. وهو ما يشهد عليه قسم قائد المائة الذي سبق ذكره، وحلف ألا يعود الى السّواد لما رأى فيه من الشر. وما يشهد عليه أيضاً اشتراط عمر على بني تغلب أن لا ينصِّروا أولادهم، وصلح أبي عبيدة بن الجراح أهل الذمة بالشام على «أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة... ولا يرفعوا في نادي أهل الاسلام صليباً ولا يخرجوا خنزيراً من منازلهم إلى أفنية المسلمين... ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذان المسلمين ولا في أوقات آذانهم ولا يخرجوا الرايات في أيام عيدهم...». وقد أفتى ابن عباس في إحداث العجم بيعة أو كنيسة في أمصار المسلمين بمثل ما ورد في عهد أبي عبيدة. وكتب عمر بن عبد العزيز الى عامل له في هذا الشأن فقال بحزمٍ: «أما بعد، فلا تدعن صليباً ظاهراً إلا كسر ومحق...».

وتنم هذه الامثلة، والتي تراوح بين رد فعل ذاتي وبين تنظيم مؤسسي، بإرادة وأد ثقافي. فعمر الذي منع قسمة السواد على المقاتلة الذين شهدوا وحضروا، وذلك باسم ذريتهم هو من اشترط على بني تغلب مقايضة رفع الجزية بمضاعفة الصدقة وبالكف عن تنصير أولادهم. والشرط الثاني، وهو غاب من عهد أبي عبيدة وكتاب ابن عبد العزيز الى عامله كما غاب من فتوى ابن عباس وفتوى أبي يوسف نفسه، هذا الشرط مفاده العملي استئصال المعتقد التغلبي وقصره على أحياء بني تغلب الحاضرين والشاهدين دون ذراريهم. وما الممنوعات المفصَّلة في النصوص إلا تنظيم للصمت والخفاء اللذين ينبغي أن يلفّا علامات اجتماع أهل الذمة، من أماكن عبادة وشعائر وشارات. أي أن الذمي المقبول هو الذمي الذي تحرر من كل ما يشهر، أمام أنظار المسلمين، علاماته الفارقة.

والممنوعات كأنها تقول إنه لا بأس من استمرار المعتقد، ومن الاقامة على الايمان شريطة أن يغيبهما البيت والصدر، كما يطوي السّواد العلوج وشرهم المستفحل وكدهم وعرقهم. فالحرب، في عرف الامامة، لم تعد سلاحاً على سلاح أو شوكة على شوكة، بل نزعت من «الجماعة» العدوة مدار اجتماعها وآصرته، وأحالتها الى جماجم وأعناق وسواعد وعدد، وإلى مصدر ريع. وكما أن الخراج استمرار للحرب بوسائل أخرى، تعرف الحرب المغلوب بالانتاج والاقتطاع وتحيله الى مادة. كذلك فأن محق ما يتحلق اهل الذمة حوله استمرار للحرب عينها بوسائل ترمي الى تصديع قوام اجتماعهم الرمزي والتاريخي.

إلا أن الامامة بقدر ما سعت الى حجب شارات المفارقة الاجتماعية (نسبة الى الاجتماع) الذمية، سعت أيضاً الى اظهار شارات هزيمة هذا الاجتماع والتحاقه ودونيته. فالتغلبي المعاهد نفسه تلحقه مضاعفة الصدقة كما تلحقه مضاعفة العشر إن هو اشترى أرضاً من أرض العشر. ورقاب أهل الذمة في وقت جباية الجزية تختم «ثم تكسر الخواتيم... إن سألوا كسرها» من العلامات الفارقة التي يلزم بها أهل الذمة (أن) لا يترك أحد منهم يتشبّه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه ولا في هيئته ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ يعقده في وسطه كل واحد منهم وبأن تكون قلانسهم مضربة، وأن يتخذوا على سروجهم في موضع القرابيس مثل الرمانة من خشب، وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية، ولا يحذوا على حذو المسلمين، وتمنع نساؤهم من ركوب الرحائل ... ولتكن قلانسهم طوالاً مضربة». ويصدق الامر بنسبته الى عمر بن الخطاب: «هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر عماله أن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي وقال: حتى يعرف زيهم من زي المسلمين«.

فعلى الفوارق أن تخرج أهل الذمة إخراجاً ظاهراً ومرئياً من الجماعة ومن هيئتها. وينجم عن تلوين التفاصيل بروز الاجتماع الذمي الملحق بروزاً نافراً. وكأن ما رمى إليه المشرعون هو الحؤول بين الناظر وبين السهو عن انطواء المجتمع الاسلامي على غير مسلمين. ويرسم المركب واللباس والحذاء والشعر والسلاح صورة محسوسة لمجتمع ثنائي مؤلف من طبقتين او من كتلتين لا يؤول تداخلهما أو اختلاطهما الى الامتزاج بينهما أو الانصهار. ومفاد الصورة المذكورة إبراز الفارق بين الاسياد والمسودين إذا ما اختلطت الكُتلتان. وهو فرْق تخلف، طبعاً، عن الحرب. فالذمي منزوع السلاح والشوكة (وينبغي حمل العبارة على وجهها الحرفي كما ينص شرط أبي عبيدة في صلحه العتيد). وينبغي أن لا ينسى الذمي ذلك، كما ينزع إلى النسيان المزدوج ضعف السلطة، وارثة الحرب، وعجزها

الأربعاء، 11 يناير 2012

الحزب ـ الدولة الإسلامي يهدم ركن المساواة الديموقراطي

المستقبل - الاحد 8-1- 2012
  
يثير انخراط منظمات وأحزاب كثيرة في الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية العربية، تعبئة ثم اقتراعاً وانتخاباً، آمالاً حارة في اعتناق المنظمات والأحزاب "العقيدةَ" الديموقراطية، والإخلاص لها. ويسرع مراقبون وسياسيون الى تشخيص "حقبة ما بعد إسلاموية" أو "وسطية" معتدلة تطوي الحقبة الأصولية أو الجهادية والبنلادنية وربما الخمينية التي غلبت على بعض تيارات الإسلام السياسي منذ ثمانينات القرن العشرين. وهذا التشخيص، ومراقبون وسياسيون آخرون يرونه وهماً وتمنياً، يستقوي ببروز سمات جديدة متفرقة لا عهد للتيارات الأصولية الجهادية بها، وكانت تنكرها هذه التيارات إنكاراً حاداً. ومن السمات البارزة الجديدة تثبيت التخلي عن العنف في العمل السياسي العلني، والاحتكام الى الانتخابات، والاندراج في إطار الحياة السياسية المشتركة والوطنية من غير امتياز الانتساب الى الدين والوصاية عليه، ومن غير ما يستتبع الانتساب والوصاية من إخراج أهل التيارات والجماعات المخالفة من "الدين"، ومن تبديع وتجهيل وتصنيف وترتيب على مراتب. وبعض الحركات الإسلامية يجهر قبوله دولة مدنية تساوي بين الكثرة المسلمة والأقليات غير المسلمة، ولا يرى اشتراطه النص على مرجعية التشريع الإسلامي قيداً أو تمييزاً أو تخصيصاً. وطمأنت منظمات إسلامية، صارت في الأثناء برلمانية وتشترك في الحكم (تونس) أو هي موشكة على الاشتراك (المغرب ومصر)، سواد مواطنيها وأجهزة الحكم والإدارة في بلدانها إلى أنها لا تنوي الرجوع في إباحة السياحة ولباسها ومشروبها وطعامها، ولا في الأعمال المالية المصرفية والتجارية وأعرافها وقوانينها السائرة، ولا تسعى في الهيمنة وحدها على التشريع ومراكز القرار.
وتشمل سياسة الطمأنة المتعمدة والحثيثة أموراً إعلانية أخرى تتفاوت مكانتها ودلالتها، منها العودة عن تبديع "الديموقراطية" (اللفظة والمعنى المفترض) والمدنية، وترجمتها الى العدل والإحسان والكرامة والنهضة والتنمية والعمل والتجمع... ومنها التزام المعاهدات الدولية المعقودة على رغم معارضة المنظمات والتيارات، المعارضة يومها، عقدتها حين عقدتها الأنظمة التي ذهبت بها الحركات المنتصرة، وأبرزها كامب ديفيد، أو (التزام) علاقات الصداقة الاقتصادية والمالية أولاً بالدول الغربية، وهي كانت الى الأمس القريب العدو البعيد و "الاستعمار" الذي حرفت علمانيته الأمة عن طبعها ودينها، وبث في عقول أبنائها السموم، على ما ذهب إليه قبل عقود محمد البهي (المصري) مرهصاً بالتكفير والجهاد القطبيين وفروعهما الإخوانية المضمرة غالباً، والصريحة أحياناً.
وشيئاً فشيئاً، دعت حوادث 2011 المتدافعة واللجبة وانعطافاتها المفاجئة، الحركات والتيارات الإسلامية الى انتخاب عناصر من الديموقراطية يقول الداعية السلفي المصري ياسر برهامي، مستشهداً برنامج حزب النور، أن "آلياتها منضبطة بضوابط الشريعة". وبدا أن احتكام الإسلاميين إخوانيين وسلفيين ووسطيين، مثل حزب الوسط المصري والإخواني القيادة قبل انفصالها الى الاقتراع العام في الاستفتاءات الدستورية وفي الانتخابات النيابية هو لب التسليم الديموقراطي الى اليوم. والحق ان مماشاة الاقتراع والمقترعين شعارات وبرامج المنظمات والتيارات الإسلامية ومصالحها، مثل المرجعية الدستورية والتشريعية أو مثل اختيار غالبية نيابية من صفوفهم، أصاب هذه المنظمات والتيارات، قبل الامتحان الجدي والمرجأ، بما يشبه الحمى "الديموقراطية". ولعل إقرار الإعلان الدستوري (المصري) بثلثي أصوات المقترعين وبلغ هؤلاء فوق الـ40 في المئة من ناخبي اللوائح أي أضعاف متوسط المقترعين في الانتخابات المصرية السابقة كان الإيذان، قبل الانتخابات التونسية وانتصار الليبيين على نظام القذافي وقبل الانتخابات المغربية والانتخابات المصرية نفسها بالأحرى، ببروز العامل الانتخابي مرجحاً حاسماً لكفة الإسلاميين.
وصف الإرادة الشعبية
ويوافق الترجيح نزعة غالبة وملتبسة تحمل الديموقراطية على صورة مؤسساتها وهيئاتها السائرة والمتعارفة، وأولها من غير منازع المؤسسة الانتخابية والاستفتائية. فهي المؤسسة أو الممارسة التي يدعو المجتمع الدولي، الغربي الديموقراطي، الى احترامها ومزاولتها بحسب معايير انتدب إلى مراقبتها اللجان والجمعيات المأذونة. وهذه اجمعت تقريباً على نزاهة الانتخابات التونسية والمغربية والمرحلتين الأوليين من الانتخابات المصرية. وأشادت من غير تحفظ بالإقبال الطوعي والتلقائي العريض على إدلاء المقترعين بأصواتهم. وفي المشادة المصرية على المبادئ الدستورية ("الحاكمة الدستور")، بعد الإعلان الدستوري الذي اقتصر على إقرار المادة الثانية (المرجعية التشريعية) وعلى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية "الهمايونية" السابقة، وفي الخلاف على اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، بعد الفراغ من مراحل الانتخابات الثلاث، ومشاطرة اللجنة الإستشارية (قبل الاستقالات) وتصريحات ألوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة صلاحياتها المزمعة، في هذا كله تتمسك فرق الإسلاميين المصريين بحاكمية الاقتراع الشعبي، ومرجعيته الحاسمة، وديموقراطيته في المطاف الأخير.
وحجتها الدامغة هي ان الشعب هو صاحب الكلمة الفصل في الديموقراطية ومؤسستها الانتخابية والاستفتائية. والديموقراطية، تعريفاً وبديهة، على ما يقول الإسلاميون العرب اليوم في أعقاب كثر سبقوهم، هي النظام الذي يدلي فيه الشعب المتحرر من الرقابة البوليسية والإكراه الأمني والمنفعي، برأيه ويعلن إرادته. فوظيفة المؤسسة النيابية المنتخبة هي وصف الإرادة الشعبية، وتصويرها أو التعبير عنها، وتجسيدها تالياً. وفي صدد الإعلان الدستوري المصري، يرى الإسلاميون أن "الشعب" حسم مسألة المبادئ الحاكمة حين أقرت كثرة شعبية راجحة وموصوفة، تفوق الثلثين، المرجعية التشريعية.
وكان أحد وجوه جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية، علي بلحاج، ندد بحمل الاقتراع الشعبي على الكلمة الفصل في الشأن التشريعي والسياسي، في 1991، غداة انتصار الجبهة في الانتخابات البلدية والمحلية (في 1990) ثم في الانتخابات النيابية (في أواخر 1991). وقال: إذا اقترع الشعب على خلاف شريعة الله عد هذا كفراً، ويجب قتل الكفار الذين يريدون إحلال سلطتهم محل سلطة الله تعالى. وآذن هذا "الرأي"، وهو نهج سياسي، بالحرب الأهلية التي قُتل فيها ما بين 150 ألفاً الى 200 ألف جزائري. ويشرح الداعية السلفي المصري ياسر برهامي ما يترتب على ضبط ديموقراطية السلفيين (وحدهم؟) بضوابط الشريعة، فيقول: "إن السلفيين لا يقبلون الحكم لغير الله". وكان هذا ما ذهب إليه سيد قطب، الإخواني في وقت أول، على خطى المودودي ملهمه الباكستاني وملهم عدد من الحركات الجهادية التالية، السنية والشيعية. ويعود بعضها، في مصر نفسها، في حلة قد لا يصح القول في معظم عناصرها أنها جديدة (ما عدا إعلان نوايا بترك العنف في الدعوة العامة).
الناخب الديموقراطي
وفيما يتعدى المواطأة القائمة بين الإرادة الشعبية على صورتها وصفتها الانتخابية، وبين نهج الإسلاميين العرب المعلن غداة سقوط عدد من الطغاة المستميتين، ينهض الرأي الإخواني الغالب، والسلفي المتحفظ، في الديموقراطية ومؤسستها الانتخابية، على التباسات كثيرة. وإذا صدق حمل الاقتراع الشعبي العام على ركن المؤسسة النيابية، وعلى قرينة لا جدال في وصفها إرادة المقترعين وتكليفهم من يكلفون وينتدبون الى تسيير شؤونهم، وجب التدقيق في صيغة وصف الانتخابات الإرادة الشعبية، ومعنى هذا الوصف. فالناخبون المقترعون في انتخابات عامة ونيابية "كيانات" أو وحدات مجردة تختصرها العملية الانتخابية أو الاستفتائية في صوت أو اقتراع، أي في اختيار وترجيح. وعلى هذا فليس الناخب "الديموقراطي"، إذا صح جمع الموصوف والصفة، المرء المقترعَ كله، بمتعلقاته الاجتماعية ومنازعه ومعتقداته الدينية وأحكامه الأخلاقية والذوقية والجمالية وروابطه المهنية ومؤهلاته التربوية والعلمية وأواصره العصبية والنسبية وغيرها. والدليل على هذا هو ان الصوت الانتخابي أو الاستفتائي يقتصر في الصندوقة والاحتساب على العدد أو الرقم. وفي وحدة الصوت أو الورقة تتبدد الفروق المُعْلِمة كلها: الجنس والسن والنسب والعمر والمهنة والدخل والعلم والعقل والقلب والمكانة. وتستوي كلها على كعب واحد، ومستوى واحد.
والانتزاع من المتعلقات الفعلية والاخترال في وحدة إحصائية أو عددية هما في صلب العملية السياسية الديموقراطية، وليسا عرضاً نافلاً. فمن يُدعون الى اختيار من ينوب عنهم في التشريع ومراقبة التنفيذ في إطار قانون أساسي، ينص في الديموقراطيات على استقلال القضاء والفصل بين السلطات ويكفل حقوق المواطنين وحرياتهم ولا يجرم منازعاتهم وانقساماتهم...، يُفترضون مواطنين يجمع بينهم القانون الأساسي على اختلاف أحوالهم وأهوائهم ومصالحهم. وهذا الافتراض يخالف مخالفة صريحة حقيقة تفرق الأحوال والأهواء والمصالح. فهو يستبدل الروابط والأواصر الفعلية والقائمة برابطة صناعية وإرادية متخيلة أو متوهمة، هي رابطة المواطنة (المواطنية) الدستورية. وإثبات يورغين هابيرماز "وطنية دستورية" لا يخلو من المخالفة أو المفارقة: فالمذهب الدستوري، على الصورة التي دعا إليها راولز، يسدل ستارة أو حجاباً أسود (صفيقاً) على هوية الجماعات القائمة "خارج" الدستور. فكأن المواطنين الناخبين، ولا ينتخب غير المواطنين بديهة، خرجوا على علائقهم الأخرى، الدموية والاعتقادية والتقليدية... كلها، وانقطعوا منها وقطعوها، وانفكوا من جماعاتهم "الطبيعية" وأطر حياتهم، واقتصروا على الكيان الذاتي والفرد (أو المفرد) الذي يجمعهم الى أمثالهم، وهم كيانات ذاتية ومفردة كذلك.
ووصف العملية الانتخابية والاقتراعية على هذا النحو يجلو افتعالها وتجريدها ومفارقتها الحادة. وهو يجلو كذلك انقطاع القصد الديموقراطي من أشكال السياسة التاريخية المعروفة والسابقة. وحملت جدة القصد الديموقراطي وغرابتها الديموقراطيين الفرنسيين الأوائل إبان الثورة "الكبرى" على اقتراح حظر الاقتراع على الخدم في بيوت الميسورين ورهبان الجمعيات الكهنوتية. فالخدم والرهبان تابعون وغير مستقلين بآرائهم وإرادتهم، وهم عالة في معاشهم ومعتقدهم على مخدوميهم وأسلاكهم. ودعا هذا السلطة الثورية، في 1793 (قانون لوشابيلييه)، الى حل طوائف الحرف والأصناف والنقابات. وحملت السلطة الجديدة روابط الصناع و "الخلان"، على ما كان يسمى أعضاء النقابات العاملون، على تضامن طبيعي أو فطري يتوارثه اصحاب الحرف على اختلاف مراتبهم وطبقاتهم.
وهذا، أي الروابط الطبيعية أو الفطرية التي تسبق التطبع والاكتساب والاستقلال بالنفس والرأي والقيام بالمعاش وحاجاته (على ما اشترط في وقت أول من تاريخ العملية الانتخابية الاقتراع الضريبي الذي رهن الحق في الاقتراع بتسديد مبلغ من الضريبة على العائد)، هو ما يرمي الاقتراع، والمؤسسة الانتخابية والنيابية من بعد، الى تعليقه في الوقت الانتخابي والمواطني المصطنع الذي تنشأ عنه جماعة المواطنين في اللحظة الانتخابية الخاطفة والمتوارية. وعليه، فالقول ان الانتخابات الحرة، في إشراف القضاء النزيه وإطار الضوابط القانونية، هي مرآة المجتمع وجماعاته وصورة هذه وذاك، على ما يردد الإخوانيون العرب وفروعهم وأصولهم منذ قيام الحركات المدنية والديموقراطية وسريانها في الهشيم الاستبدادي العسكري والعصبي، هذا القول يخالف القصد الديموقراطي ومنطقه ومحركه.
الأفراد والمساواة
فمحرّك الثورة الديموقراطية، وهي ثورة على "النظام القديم" وتفاوت مراتبه الثابتة وتوزيعه الحقوق على أهل المراتب والجماعات والبلدان وتوريثه إياها وقسمتها منذ الولادة، محركها هو هوى المساواة، على قول توكفيل. والمساواة الديموقراطية ليست الأسوة "العادلة" والمنصفة، بل النازع إلى فك العلاقة السببية بين الأحوال الأولى، حين الولادة، وبين مصائر الأفراد التالية وأفعالهم وعوائد هذه الأفعال في دوائر السعي المتفرقة. ويقتضي فك العلاقة هذا استخراج الأفراد من اجسام الجماعات، أو تذرير الجماعات ذرات وأفراداً وآحاداً، ونصب الفرد صاحب حق ("ذاتاً حقوقياً") مساوياً لأصحاب حق وأقران على حدٍ واحد، بقطع النظر عن متعلقاته المتوارثة، ومكانة عاقلته وجماعته، وموارده. واستخراج الأفراد ليس معناه الإماطة عن كيانهم الفردي الكامن في ثنايا الجماعات، والمتحفز للخروج أو التجلي في جهازه الكامل. فاستخراجهم هو إنشاؤهم وإيجابهم إنشاءً وإيجاباً دؤوبين وعسيرين وعنيفين. وما يتصور في البديهة أو الثقافة الديموقراطية المعاصرة والمعولمة، في أعقاب نحو ثلاثة قرون من المسير العنيد، في صورة عملية تلقائية وطوعية تسلِّم بحقوق لا تزعم أشرس الأنظمة إنكارها مبدئياً هو ثمرة انقلابات وثورات تاريخية، حقوقية وإنتاجية وعلمية، تتوالى فصولاً وتتجدد لا إلى ختام أو نهاية. (ولعل من مفارقاتها جمعها بين حمل التاريخ على صنيع ينجز ويبلغ تمامه، وليس على أقدار ومصائر تقسم فيمن يتولونها، وبين بث فكرة المرسل، أو ما لا حد ينتهي إليه، في الزمن الكوني ثم في الزمن الإنساني).
والثورة الديموقراطية تحت لواء المساواة في الأحوال والشرائط نزعت، منذ بداياتها الأوروبية، الى إنكار «حقيقة» الفروق الاجتماعية والسياسية التي تقوم بها مجتمعات المراتب وتنهض عليها جماعاتها. وما بلغته هذه الثورة اليوم في ميادين وحقول مثل حقوق النساء والأولاد والمرضى والمثليين والحيوان والطبيعة والشواهد هذه يجمع بينها ويميزها تأخر حركاتها ومنظماتها وقتاً وزمناً، وملابستها الطبائع و «الطبيعة» على انحاء متفرقة قرينة على مخزون نازع المساواة الديموقراطي، وعلى ضربه صفحاً عن نتوءات الأبنية الراسخة، والفروق المتعارَفة من غير ريب ولا تشكك: فالأنثى غير الذكر طبعاً وشكلاً ومعنى، والولد قاصر والوصاية عليه حق للوالدين، والمثليون شاذون عن الطبع السوي، والطبيعة مادة للبشر... ويصدر نازع المساواة الديموقراطي عن سائقين أو أصلين يلازمانه هما سائقَيْن تمهيد دوائر السعي الإنساني وإحالتها كلها الى مادة اجتماعية لا تعصى الإعمال والفعل ولا يحصنها قصد أو إيجاب سابق ومفارق، وسائق توسع امبريالي يقود نازع المساواة الديموقراطي الى الانقلاب أو الانتقال مثل العدوى من دائرة من دوائر السعي الى دائرة أخرى قريبة او بعيدة.
ولا تستقيم هذه الحال، على وجهيها، إلا من طريق إقرار الفصل بين الدولة وسلطانها المتخلف عن إرادات المواطنين الناخبين وبين المجتمع المسمى مدنياً، كناية عن اشتراكه أو اشتراك افراده في السعي في حاجات معاشهم الدنيوي والزمني من غير معوقات أو ضوابط غير تلك المتأتية من عوائد هذا السعي والحؤول دون انكماشها أو ترديها (على خلاف «قانون» العوائد القصوى المقارنة)، أولاً، وكناية، ثانياً، عن تمييز الحياة العامة، السياسية والعلنية، من الحياة الخاصة ودوائرها المعاشية الحياتية والتناسلية والاعتقادية والأخلاقية والحميمة والذوقية. ورفد مذهب الحق الطبيعي، الفردي، ونصبُه الأفراد المستقلين بمِلكهم ودارهم وحصانتهم واعتقادهم آحاداً، ومرجعاً وميزاناً، الفصل بين الدولة وبين المجتمع. فضمن الحقُ الطبيعي وهو حق ينازع السلطان، صدر عن المُلك المطلق أم عن الجمهورية قيامَ المجتمع بإزاء السلطان، ومنازعته في التزامه العقد الذي لا طاعة حرة إلا بالتقيد به، وإلا حل القيام على السلطان، وجاز عزله. ولم تلغِ الديموقراطية ولا الأنظمة الجمهورية أو الملكية الدستورية والمقيدة هذا الفصل أو التمييز، على رغم استحالة إرسائهما على ركن مكين وجلي. ولكن افتراض المواطن الحر والمتعاقد والند المتساوي، وهو ركن الديموقراطية ومفتاح بنيانها وراعي «ابتكارها»، لا يستقيم من غير ازدواج الإنسان الديموقراطي: مواطناً عاماً وصاحب حاجات ومصالح ساعياً في هذه وتلك.
والحق ان الفصل والتمييز هذين ينقضان ركن «النظام القديم» المرتبي «الإقطاعي» والملكي المطلق. فالسلطان يعود في «النظام القديم» الى طبقة، هي مرتبة مغلقة مبدئياً ونظرياً، تجمع في آن السلطان (الحكم) والقوة (المسلحة) ومِلك عامل الإنتاج الأول (الأرض والعاملين فيها في وقت أول) أو التصرف فيه. وعلى هذا، فهي طبقة اجتماعية وسياسية معاً. ولا فصل بين تربعها في سدة الحكم، وقيادتها القوة المسلحة، وبين توارثها حقوق المِلك والكلمة الفصل في العوائد وتوزيعها. والثورات الديموقراطية على الأنظمة القديمة، المرتبية، لا تصدق تسميتها أو نعتها بالبورجوازية إلا على سبيل التورية والمجاز. فلو كانت بورجوازية، أو اجتماعية وطبقية، على معنى دقيق، لأحلت دولتها المرتبية، أو طائفتها (على المعنى الحرفي) وصنفها، محل الدولة القديمة. ولبدت أركان الدولة الديموقراطية، المواطنة والمساواة والولاية والحق الطبيعي والانتخابات والحريات والفصل بين السلطات، نافلة على صعيد الإجراء وعلى صعيد الخطابة أو الإيديولوجيّة.
وأخذُ الماركسيين وشطر من الحركات الاجتماعية الراديكالية بهذا الرأي أو المقالة، وحملُهم الدولة الديموقراطية عموماً، على دولة طبقية بورجوازية مقنعة أو سافرة أو أوليغارشية، قادهم، ويقود أمثالهم، إلى نفي السياسة والتدبير والفعل السياسيين، وترجيح كفة الاستيلاء على السلطان واحتكار السلطة، وطلب بسطها من غير معوق أو حاجز على المجتمع، وإنكار حق المنازعة (بإزاء الدولة) على المجتمع كلاً وأجزاءً أو قطاعات وعندما استقلت حركات شيوعية بسياستها، فأنشأت حزبها الثوري وطليعتها «العمالية» المحترفة، أو «أميرها» الحديث نصبت فوق المجتمع مرتبة آمرة ومستبدة، وسعت في ابتلاع المجتمع وتحطيم قواه، وأنكرت على القوى الاجتماعية معارضتها ومقاومتها.
تقدمية وحداثة عصبيتان
وبعض القرينة أو الحجة على حقيقة ما تقدم للتو هو أحوال أنظمة الحكم العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وما آلت إليه منذ بعض الوقت، وقبيل القيام عليها أو على معظمها في العام الموشك على الانصرام. فالتوريث، واحتكار مقاليد القوة والإدارة والموارد في «عصبية»، وعموم الفساد والتواطؤ عليه، والحجر على الانتخابات والاقتراع الحر وتداول المعلومات، وتسلط الحكم على المجتمع، وتربع جزء من المجتمع (الطائفي والطبقي والسلكي والبلدي) في قمة الحكم وبقاء الجزء على صفته الجزئية هذه الإواليات أو العمليات، وليس السمات وحسب، انتهت الأنظمة العصبية والبيروقراطية العربية إليها، على رغم اختلاف قوي بين مجتمعاتها، من طريق إنشاء وتثبيت بنية مرتبية وصنفية لمجتمع الدولة، والنقض أو الحجر على نازع المساواة الفردي والحقوقي، وفصل الدولة من المجتمع وتمييز المجتمع من الدولة، على المعنى الذي تقدم. فالتقدمية والحداثة المزعومتان اقتصرتا على شجب المراتب والجماعات العصبية «القديمة» أو السابقة وغلقها دوائر السلطة والقوة والإدارة والموارد على أهل المراتب والجماعات الدنيا أو الضعيفة وهي دنيا أو ضعيفة بحسب نظام المراتب السابق أو «القديم»، الأهلي العصبي. فهما تقدمية وحداثة غير ديموقراطيتين، ومناهضتان شديدتان ولئيمتان للديموقراطية وهواها ونازعها الى المساواة.
ويستعيد وصف الانتخابات الإرادة الشعبية، وتصويرها الحصص أو الكتل الاجتماعية (عامل، فلاح، فئات...) أو الكتل المذهبية والعقدية (من عقيدة او عقائد) المقنعة بأسماء «بيضاء» لا تحجب ملمحاً ولا سمة، يستعيد الوصف بنية مرتبية وصنفية ترعى الفروق التي يودي بها نازع المساواة الديموقراطي، وتجددها على اركان إسلامية أو فقهية. والنازع المرتبي ليس جديداً ولا طارئاً على حركات الإسلام السياسي المعاصرة (ولا على الحركات الصوفية، ولا على بعض الفرق). فدعوة صاحب جمعية الإخوان المسلمين الأول، حسن البنا («الشيخ» أو «الإمام»)، وسَّطت بين الأمة الإسلامية الناجزة أو فكرتها وبين المسلمين وأحوالهم السائرة والغالبة اليوم، حين نشأة الدعوة في بلدانها وأوقاتها، طبقة «الإخوان» الدعاة، خميرة الانقلاب من هؤلاء وأحوالهم إلى تلك وفكرتها. و»الإخوان»، وهم على وجه الدقة إخوانيون نسبةً وتثنية واختصاصاً مفارقاً، جماعة أو مرتبة تريد الجمع بين صفتها المرتبية وبين الاستواء في السلطة من طريق الدعوة والمجادلة والمَثَل الحسن وهيئات التعاون والتراحم والمؤاخاة، وبواسطة الانتخابات النيابية أو من طريق الاستيلاء والوثوب والحرب على ما ذهبت إليه جماعات «متطرفة» أو طرفية. ولم يشتط بعض أعلام السلفيين المصريين، راغب السرجاني ومحمد اسماعيل المقدم وأحمد النقيب حين أثبتوا وجوه الشبه بين الإخوانيين والسلفيين المعاصرين وبين «مدرسة الرأي والاجتهاد» (وهؤلاء هم إخوانيو عصور الخلافة) و «مدرسة أهل الحديث» (وهؤلاء هم سلفيوها).
وإرساء أبنية السلطان السياسية على أجسام أو أسلاك وظيفية، والتسليم بلحمة هذه الأجسام على المثال المرتبي والجمعي (والأدق: الجميعي على خلاف الفردي)، يقود لا محالة الى تحجير المجتمع والدولة على مراتب، وإلى تخصيص بعض المراتب الاجتماعية أو الأهلية هذه بـ «وظيفة» السلطة والحكم، أو بـ «وظيفة» السلاح، أو بالعمل و»الحرث» والطاعة. والمثال الإيراني الخميني، وفروعه، قريب وجلي. فتولية فقيه «عادل« الولاية على أجهزة السلطة والإدارة، وعلى المؤمنين ورعيتهم، وتصديه لإمامتهم في أحكام دمائهم وأموالهم وذراريهم إلى معتقدهم، انتهى الى تسليط المجالس (الخبراء، التشخيص، الأمن القومي...) المنتخبة على مرتبتين، على غرار مجلس الشيوخ المحافظ تعريفاً في بعض الأنظمة الديموقراطية، أو غير المنتخبة، على الهيئات المنتخبة، وإلحاقها جميعاً بـ «مرشد» يجسد وحده كيان الأمة. وانتهى الى استباق الانتخابات الشوروية والبلدية والمحلية، واطراح من لا يؤاتي رأيه أو هواه سياسة المرشد والأجهزة التي تحوطه وتمتنع من أي مراقبة أو ملاحظة أو حسبة.
وانتصبت أجهزة القوة والأمن والقضاء حارساً على باب «الخليفة الإمام»، وبلورت بدورها أسلاكاً وأجساماً متماسكة وقائمة بنفسها وحاجاتها ومصالحها. ويقتصر دور الولي منذ وفاة الولي الأول على ضمانها ودوامها وربما التحكيم في خلافات أصحابها. فلا يشبكها بعضها ببعض إلا ولاؤها المفترض لولي أمرٍ مهيمن على أحد مصدري مشروعيته، وهو أقرانه ومبايعوه، فيما المصدر الآخر، «الإلهي»، كوكب لا يبلغ نوره الأرض إلا بعد مليارات السنين الضوئية.
والفرع الحزب اللهي والحرسي للولي الإيراني الإمامي حصحص على المثال المرتبي نفسه. فأنشأ خارج أبنية الدولة والمجتمع اللبنانيين ولاية أهلية مسلحة تتقاسم، لفظياً، مع الدولة الوطنية «الجامعة» السيادة على الشعب والأرض، وتبت في شؤون الحكم والإدارة وأجهزتهما، ويعود إليها إعلان حال الطوارئ (حقيقة ومجازاً) وتمييز الصديق من العدو، في الداخل والخارج معاً وعلى وجه واحد. وهما، الاعلان والتمييز، القرينة على مناط السلطان وصاحبه وجسده. وفي الاثناء، يخوض «الحزب» المزعوم الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية، ويتولى «المراقبة«، وهي حراسة وخبرة وتشخيص (على أسماء المجالس في النظام الخميني الايراني)، على اختيار النواب الجهاز الوزاري التنفيذي، وعلى (بعض) القضاء، و(بعض) الادارة، و(معظم) الديبلوماسية، ويخرّب التعليم والاقتصاد (على قدر الاستطاعة). والركن في «الدستور» الفعلي هذا هو تسلط شطر من المجتمع، متماسك وملتحم بلحمته الأهلية، على الدولة وجماعاتها، بالسلاح هذه المرة، ولكن الانتخابات التمثيلية أو التصويرية قد تكون آلة تسلط الحزب الدولة في مرات أخرى. ونظام المراتب، «الاسلامي» أو «العلماني» (في صيغته الأسدية السورية)، يتيح على الدوام تفريع شطر من السكان او الرعية فيضطلع بدور الجماعات المتفلتة والرثة، الخارجة على القانون (شأن «القيادة» نفسها أو أجهزة الحكم القانونية والدستورية، ولكن على وجه عملي مختلف) رسمياً، إذا جازت العبارة. و»عصائب أهل الحق» و»كتائب اليوم الموعود» و»جيش المهدي»، والجماعات المسلحة العراقية هذه «تأتمر» بمرجعها العاجل أو الآجل، السيد مقتدى الصدر ومن ورائه السيد الشهرودي.
والمقارنات هذه بفروع الإخوانيين المصريين والتونسيين والمغربيين... ليست افتئاتاً عليهم ولا تخرصاً أو استباقاً أو كهانة. فجمعهم بين مفهومهم عن حزبهم ومفهومهم عن الدولة ومرجعيتها التشريعية، وبين دمجهم الاقتراع والتجسيد الكياني في واحد، تترتب عليه نتائج. فهو يقود أصحابه الى نصب أبنية الحزب الدولة، وسيطرة الدولة على المجتمع من طريق تثبيت الفروق والتفاوت بين الإخوانيين المهديين وبين المنافقين، وبين عامة المسلمين وبين الذميين، وبين النساء وبين الرجال... فتنبعث «الخلافة السادسة» على قول حمادي الجبالي، رئيس الوزراء التونسي المكلف وركن «النهضة»، غداة فوز حزبه بنحو 30 في المئة من أصوات التونسيين. فتدور النزاعات السياسية والاجتماعية على اللحمات العصبية، وتقوي تماسكها، وترجح كفتها على كفة التكتلات التعاقدية المرنة والمتجددة والمتغيرة. ولا ريب في أن إنزال العلاقة بـ»الغرب» منزلة الضدية الجهادية والمميتة، بإزاء «صليبيين ويهود» مفترضين وأبديين، يضمر الحربَ الحضارية أفقاً سياسياً وتاريخياً «أخيراً»، ويسوغ إرهاب الدولة الاهلي والخارجي وانكفاءها على عصبياتها.
وسبق أن أراد أنطونيو غرامشي، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الايطالي، تأصيل صيغة الحزب اللينيني في التراث السياسي الاوروبي والإيطالي، فدعا إلى حمل الحزب على «الامير الحديث»، كناية عن استحواذ القوة السياسية المرصوصة والمتماسكة على الدولة باسم مجتمع مدني يسوس نفسه بنفسه، ويقوم الحزب منه مقام الوسيط والعبارة والعقل. ونبه «ماكيافيليون» معاصرون الى خلط غرامشي اللينيني في هذا المعرض بين تولي الأمير ضبط الطبقات الحاكمة، وتقييد تنافسها، والحؤول دون تعصيب العامة واقتتالها المزمن، وبين استقلال المجتمع (العامّة) بنفسه والمحاماة عنها من ظلم الأسياد المتناحرين. واليوم، قد ينزع إسلاميون متجددون إلى إقامة «خليفة جديد»، هو «الحزب الإسلامي»، محل الدولة. وعدتهم انتخابات وصفية تمثيلية تكتل الناخبين جماعات وأهلاً ومدارس، وترتبهم على مراتبهم الطبيعية

الجمعة، 23 ديسمبر 2011

فاروق عيتاني راوياً بعض أحوال التيه البيروتي: طيّ الفولكلور والذكريات يمهّد طرق الرواية والبطولة الضعيفة


المستقبل، 11/12/2011
تملأ صفحات "الكتاب" الذي بين يدي القارئ أسماء علم، أو أعلام، كثيرة، وأسماء أمكنة ومواضع تفوق الأولى عدداً وكثرة. والأسماء هذه مقترنة على الدوام بأوقاتها وتواريخها، في السنة والشهر واليوم والساعة ما وسع كاتبها توقيتها أو تأريخها على هذا النحو، أو تخيلها، إذا ولدتها أخيلته على ما يحصل في غير موضع. وأسماء الأعلام، أسماء الناس وبعض الحيوان، وأسماء المواضع والأمكنة والمباني، ومواقيت الحوادث والأفعال والسكنات والغيبات، لا تُقصد لنفسها، ولا يثبتها فهرست ولا جدول، على رغم قرابة ظاهرة بينها وبين سيمياء الفهارس والجداول والمعاجم أو القواميس. فهي، على الدوام كذلك، حلقة من حلقات أنساب متشابكة تشابكَ خطوط أحجية أو طلاسم مستغلقة. وهذا من مفارقات الأنساب عامة، وأنساب العامة أو العوام على الخصوص: فما وُضع على قصد التمييز والتفريق والترتيب والصراحة والتعيين يقود لا محالة إلى التخليط والالتباس، أو التلبيس، على وصف معروف لفعل إبليس الغامض والمُلْبِس.

وتنسب الأخبار البيروتية الأهل والصحب والمواضع والحوادث معاً، مَنْ تتناولُ، وما تتناوله، نسبة "عالية" أو شريفة. وحفظ الأسماء وتدوينها، وتناقلها، تالياً، تشريف. فالاسم من السمو والتسامي، على قول الزمخشري النحوي والمفسر. ولا يشترك في الشرف المفترض الوضعاء الغفل الوجوه والأسماء، والأعيان الوجهاء و"المصيتون" (أصحاب الصيت الذائع). ويلم علم الأنساب هذا بالحجر والطرق والمسالك والأبواب والثياب والأصوات والخطوط والآلات القليلة وبعض الحيوان والنبات، على ما مر. فيتحدر الناس، على "مراتبهم" المتفرقة، والمفترضة على زعم الكاتب، من أصلاب أجدادهم و(أسماء) آبائهم على نحو ما تتحدر المواضع والمباني والطرق والشعاب من معالم سبقتها، ومبانٍ قامت بها، وطرق وشعاب وصلت بينها، وحكايات وروايات مدونة أو متخيلة. وتميل الأخبار والروايات البيروتية التي يجمعها "الكتاب" إلى تقديم أخبار العوام والسواد ومنقطعي النسب ومختلطيه على أخبار الخواص والأعيان وأهل المرتبة. وقد يكون مرد الميل والتقديم هذين الى إرادة جمع وإحاطة. فلا تترك ارادة الجمع والاحاطة خارج مدونة الأخبار والأسماء "فرداً" بينه وبين "الجماعة" أو "الأمة" - على قول فاروق عيتاني ساخراً وممجداً وحائراً وشامتاً وراثياً معاً أو على التوالي- خيط أو سبب.

وقد يكون مرد الميل والتقديم الى ترتيب معياري يوجب التذكر والحفظ والخلاص، ومكانةَ هذه، للمساكين والضعفاء والمبتلين. وليس ارتقاء التذكر والحفظ والخلاص من غير لقاء او ثمن. فحنيفة شاتيلا، زوجة محمد علي عيتاني ووالدة توفيق عيتاني (والد فاروق) وجدة فاروق، صاحب الأخبار، "استحقت" رواية خبرها ("الأهل والمسوخ") على قدر استحقاق الآخيين اليونان، من أمراء وملوك وأصحاب جيوش وأساطيل ومقاتلة، روايات الهوميريين (جماعة رواة الأخبار والمحدثين المنسوبين إلى هوميروس) أخبار انتصاراتهم ومصارعهم. ورحلة السيدة وولدها - في أواخر 1915، غداة معركة "ترعة" السويس التي قتل فيها محمد علي وهو يتسلل الى مرابض المدفعية البريطانية غرب القناة إنفاذاً لخطة رسمها قائد الجيش الرابع جمال باشا، ويتتبع حفيد محمد علي عيتاني وحنيفة شاتيلا في موضع آخر من أخباره هرب جمال إلى افغانستان ومصرعه بباريس، و"يهمل" على غير اعتياد "مقارنة" حملة الخيالة على الحامية البريطانية بعبور الجند المصريين في قيادة الشاذلي والجمسي الترعة "نفسها" في غرة يوم السبت الواقع فيه اليوم السادس من تشرين الأول 1973...- رحلةُ السيدة وولدها من بيروت إلى صيدا وبيدها وصلٌ حرره قلم الولاية بصرف شوال طحين لها كل أربعة أشهر تعويضاً عن مصادرة القلم بقرتي السيدة وحليبها لحاجات المستشفى العسكري، في مدرسة عبد القادر قباني ببرج أبي حيدر، (الرحلة، إذاً) فصلٌ من ملحمة.

وفي الفصل الملحمي "العامي" والنسائي، وليس الوجه هذا مصادفة ولا اتفاقاً، من آيات الثبات والعناد والطلب والإقدام والتسامي على الخوف والألم واليأس ما يتقدم بطولة "أشباه الآلهة" الإلياذيين ومن خلفهم الى يومنا. أو هو يستن سنن بطولة من ضرب غير ضرب السيوف وثلمها و"اشتهائها"، على قول القاعدي غير التائب لقضاته بالرياض في منتصف تشرين الأول 2011. ويحصي الكاتب في "أبطاله" وملاحمه ركابَ سيارة السرفيس (وهو سواقها وصاحبها) الصباحيين والمعتادين، وطلبة التوجيهية اللبنانيين بمصر صباح اليوم الخامس من حزيران في سنة 1975 الميلادية الميمونة، ومعيِّدي رأس السنة 1973 بطريق الجديدة، ومضيفة الطيران الفنلدنية السائحة في ليلة رأس سنة سابقة، وموظفي السفارة الليبية في مستهل الحروب الوليدة والآتية على "طبقاتهم"، والألمانية اليهودية ابنة الحاخام وزوج ابن المدور بالتبني القادم من أسرة حلبية من طريق امرأتين نوريتين خطفتاه واضطرتا الى رميه في هربهما فحلّ ببيت "أبيه" حلول رومي الدوشرمة في ثكنة الانكشارية وربما، من بعد، في ديوان السراي...

وإنما يكتب النسّابةُ صاحبُ الأخبار، الحقيقية والمتخيلة، ما يكتب، روايةً وتقصياً واقتفاءً، وهو يريد بعث الآثار المهملة والدارسة. فينيط بالكتابة ورسومها و"وحيها" أو أثرها المزمن، على شرح أبي عبيدة اللفظة، إحياءَ الأنساب المهملة والدارسة كذلك، وأصحابِها الذين عفَّت الأخبار والتواريخ "الشريفة" على أنسابهم، وتركتهم هباءً. فالخلاص، على مذهب صاحبنا، هو القيامة في القول وبه، واجتماع من تروى أخبارهم إلى رواة هذه الاخبار وقرائها بعد أجيال ليس مهماً عددها، ولحاق زمانهم بزماننا، ودخولهم فيه، واجتماع الرغبات في رغبة متوهجة مقيمة. فلا يفصل الزمانين، والأزمان التي تتوسطهما، إلا غلالة القول والنَفَس الرقيقة والصلبة معاً. وعلى هذا تتولى الرواية والكتابة ترصُّد الأصداء والأطياف المتجاوبة (تلك التي يجيب بعضها بعضاً) والمتداعية (تلك التي يدعو بعضها بعضاً). فلا يحول تباعد الأوقات، من منتصف القرن التاسع عشر العثماني "اللبناني" إلى 7 أيار 2008 وفروعه ونفثه، بين محاورة الطيف الطيفَ والصدى الأصداء.

ولا تبرأ الطبيعة من المجاوبة والتداعي والمحاورة. ويكلم صفيرُ الريح المولود في أرحام خليج عين المريسة عواءَ الذئاب النازلة من أحراج منحدرات "الغرب"، على ما يسمي دروز الشحار والبنَّيه وشانيه حرف جبلهم المشرف على "قرى" بيروت إلى خلدة وعقدة طرقها. ويجيب البشرُ، أجداد فاروق عيتاني وجداته وآباؤه وأمهاته النازلون "التلال" و"الرؤوس" المطلة على البحر، الصفيرَ والعواءَ فيصنعون من طينة الأخيلة و"الرواية" مسوخاً وبشراً ليسوا كالبشر يُسكنونهم السراديب، ويحتمون منهم بالمواقد والحجرات الضيقة والسقوف الواطئة. ويغذون السير، إذا أوشك المساء، تفادياً للقائهم أو لقاء الذئاب، على ما صنعت حنيفة شاتيلا في مسراها من الأوزاعي الى تلة الخياط قافلةً من صيدا، وعلى ظهرها شوال الطحين، وتجر بيدها توفيق المتعثر والمتشقق القدمين.

ويفارق الكاتب مفارقةً أخرى قصده الأول. فهو توسل بالأنساب وروايتها الى تفريق الناس وتمييزهم، فوقع على أوقات مختلطة وأمكنة "أثرية" ودارسة، وعلى عوام نصفهم من لحم ودم ونصفهم من أخبار وأسماء وأطياف. وها هو يقصد استنطاق الهويات والأعلام، ووراء الهوية والأعلام أو فوقها هوية بيروت وعلمها، لعلها تقول "الاسم" الذي يرعى دوامها وتناقلها، على قول بعض الصوفيين. فيقع على هجنة وتوليد "لبنانيين"، "لا دين" لهم و"لا أصل ولا فصل"، على قول عامي سائر. ويعاصر سعي فاروق عيتاني، وإفضاؤه الى كتابة هذه الفصول، جلاء شطر غالب من الشيعة اللبنانيين بظواهر بيروت القريبة، و"قراها" الجنوبية وضواحيها، هوية عصبية، نسبية ومذهبية، "ناصعة"، لا هجنة فيها ولا تخليط، على زعم أعيانها ورؤسائها الملهمين وربما "المعصومين". ونصب هؤلاء هويتهم المسكوكة 24 قيراطاً (والذهب يحتاج الى بعض المعدن الخسيس أي المختلط ليتماسك قطعة واحدة) بإزاء بيروت "السنية"، وضدها.

فـ"يرد" البيروتي اللبناني، و"الكتاب" على وجه من وجوهه هو سيرة الطبقة أو الحلقة الأخيرة من النسب، بحمل "الأصل" الأول على الاختلاط والهجنة: لا شك في أن كنيسة سيدة النياح الأرثوذكسية براس بيروت أنشئت في 1860، مع عمارة الكلية الانجيلية (الأميركية) السورية (والمقصود غير العربية ولا الإسلامية، على ما ينوه الكاتب)، وألحق بها مقبرة، وتعهد البناء والإنشاء، وجوه البخعازيين والربيزيين من رعية المطران اليوناني والروسي القيصري الولاء إيروتيوس، الحسن التسمية، ولكن الكنيسة قامت في أرض اشترك في ملكها، وربما في هبتها، بعض آل دندن وقمورية واللاذقي وحطب، وكلهم من أقحاح أهل الملة السَّنية والسُّنية. ولا تستوفي سنة 1860 الدلالة على علو النسب المختلط: ففي 1843م، الموافق 1259هـ، وعلى وجه الدقة في 8 صفر، باع خطار الرجي، بأصالته عن نفسه ووكالته عنها وعن والدته محبة بنت منصور تابت وإخوته، الى حسين صالح العيتاني أرضاً تنبت أغراس توت بري وإجاص، وتقع في وسط أرض بملك حسين الغالي وبعض العياتنة و("بيت القصيد") وقف كنيسة الموارنة (من فصل "رجع وردح بيروتيان").

والرد على الهوية بالهويات المهجنة والمولَّدة، وعلى النسب الصريح والقح بالأنساب المختلطة والملتبسة، يؤدي إن لم يُودِ بصاحبه إلى إنكار الولاء الواحد والمقيم والمزمن لـ"مسلَّط"، واحد، على قول النؤاسي، أي "سيد" واحد. وتشد مريدي "السيد" وجنده الى سيدهم وأميرهم عبوديةٌ لا ينفع في تجميلها، وصقل نتوئها، رفعها الى سيد "السيد" "رب العالمين"، وقصر "السيد" على الكناية والتمثيل والتوسط. وبين الأمة الواحدة والسيد الواحد خيوط وجسور لا يفتأ الكاتب يحصيها ويصفها، ويروي اختباراتها وتقليبها على أوجهها، في كثير من أخباره وسيره وحواشيه. ولعل خبر الاعداد لعملية انتحارية أو استشهادية، يبلِّغ بها "مرجعيته" المقيمة بباريس، على قوله - وهو على يقين من أن مرجعه لن يتردد في نسبتها إلى نفسه، وإزجائها إلى ولي نعمة ينوب مناب الأمة بدوره - لعل الخبر هذا هو ذروة الاختبارات "الأمية". فإذا قارن اختباره هذا، في صيف 1990، غداة احتلال صدام حسين الكويت ومرابطة الطائرات الأميركية (وغيرها) ببعض مطارات الخليج القريبة، بما رآه وسمعه ولم ينفك مذذاك يراه ويسمعه من "المشاهد" الخُمينية - وخميني "سيد"، وخالفه سيد ووكيل خالفه وعامله (على بيروت ولبنان) سيد- لم يشك في فضائل التهجين والاختلاط، وتفوقهما، معنى وتوليداً واستقامةً واضطلاعاً بالمسؤولية وتحملاً للأمانة، على أخلاق العبودية.

ولعل هذا ما قاد الكاتب- والكاتب هو، في آن، المرء على وجوهه الكثيرة والمتفرقة (الكائن الحي والمتعضي، والانسان الحي و"الجمالي"، والمتحدر من أنساب ومرجع نسب)، والواحد في جماعة، والمواطن في "مدينة" أو دولة وطنية - إلى البحث عن المباني التي تتيح له تصريف نفسه على وجوه النفس الكثيرة والمتشابكة والمتنازعة، على ألا ينفي منها وجهاً، أو ينزل عن نازع. وهذا على خلاف منطق الواحد، أو المنطق الواحد، ودعوته ("المرابطية" الأهلية أو الخمينية الضاحوية) إلى اختصار النفس في طاعة ولي الأمر، الوكيل عن الأمة، وإنفاذ أمره بالموت حين يأمر بالموت ويراه ضرورة لا بقاء للأمة إلا به.

ويتتبع الكاتب، تارة ساخراً وتارة ثانية متألماً وثالثة متأسياً ورابعة غاضباً ثائراً، بعض أحوال المنقادين إلى أولي الأمر ونواب الأمة ووكلائها. ولوحاته "الليبية" البيروتية، وشخوصها من موظفين وصحافيين وسياسيين، مثل على التتبع الساخر. وذلك شأن اللوحة القاهرية و"الناصرية" في الخامس من حزيران العتيد، يوم ظن الشبان البيروتيون الأربعة أو الخمسة أنهم عائدون من طريق فلسطين المحررة الى بيروت، ولا حاجة بهم لا إلى طريق البحر الاسكندرانية ولا إلى الطائرة والمطار. فعفَّرهم التراب والغبار، و"سرق" بعضهم بعضاً، ورجعوا أو رجع واحدهم بأقل من خفي حنين. وحين يروي فاروق عيتاني مصائر صحبه هؤلاء، ومآل بعضهم الى القتل والاغتيال بيد وكلاء آخرين عن الأمة الواحدة نفسها، يأخذه الأسى، شأنه حين يكتب أن صاحباً آخر، من شلة فتيان أخرى ندبت نفسها الى المحاماة عن الشرف القومي، "مات" قبل خمسين سنة، ولا يزال يسعى في الأرض تائهاً وزائغاً.

فالملاحم بين يدي الأمة- وأمة "القوميين" هذه يُستدل عليها بأنبيائها وأئمتها ومرشديها القوامين عليها حين لا تتولى حركات سياسية شعبية ومدنية واجتماعية إيجابها أمماً وشعوباً ودولاً - تقود حكماً إلى مقاتل الأهل ومصارعهم وهم يضرب بعضهم بالسيف وجوه بعضهم الآخر، أو يغتال الأخَ والشقيقَ بكاتم صوت أو عبوة مدمرة من التي. إن. تي. أو السيمتيكس التشيكي (وخزن منه العقيد القائد، مرجعية الكاتب في بعض أيامه الخوالي، مؤونة تكفي 200 سنة من الاستهلاك والإهلاك).

ويفضي إنكار الأمة على صورتها الواحدة، الجامعة والثابتة والمتجسدة والآمرة والمميتة، إلى سيرة ذاتية وخاصة هي سيرة صاحب اسم العلم، وإلى تراجم الأهل والأصحاب والجيران والمسافرين والبلاد والأمكنة. وتبسط التراجم العامية، على خلاف تواريخ "الرسل والملوك" والمرشدين وكتب "الفتوح" و"المغازي" والسرح في "مروج الذهب"، وجوهَ السير المتنازعة والمتناقضة والمخرَّقة. فـ"البطل" العامي، شأن الكاتب صاحب السيرة الذاتية، يتقلب بين دفتي عالم يصنع الناس فيه، فرداً فرداً وعلى غير مثال، مصائرهم وهم لا يعلمون ما يصنعون، ولا كيف يصنعون، على قول سائر. وذلك أن مصادر هذا العالم، أو العوالم و"الأجرام" الصغيرة والعظمى، لا تحصى، ودوائره أو دوائرها لا تنفك تتناسل وتلد الحوادث والوقائع الجديدة. والحوادث والوقائع هذه لا تنفك، بدورها، من ملابسة المعاني والأفكار والصور والرغبات والكلمات. وهذه بنت الأخيلة والتشابه والجواز على قدر ما هي بنت الضرورة المُحْكمة. وإدراج هذا كله في الرواية والسيرة يضعف أواصر المرويين بالمثالات البطولية الفقيرة والثابتة. ولكنه يؤرخ لولادة متعثرة ومتعرجة وعسيرة هي ولادة المديني المدني، أو "ابن" المدينة المهجن واللقيط والعاق والمتقلب والموشى والمعاصر. وهو المهوِّم على الساحات والميادين والبوابات والمطوِّف بها.
[ السطور أعلاه تقديم لكتاب فاروق عيتاني: "البيروتي التائه"/ الصادر عن دار جداول/ بيروت/ 2011.