السبت، 25 أبريل 2015

وقوف على أنقاض "13 نيسان"... وأوقافه الذُرّية

(المستقبل، نوافذ، 26/4/2015)
  بين وقت وآخر يركب المتنقل في سيارة أجرة عمومية الى جنب سواق "عمومي" (بدوره)، ويلاحظ بعد ثوانٍ من ركوبه وجه السواق الساهم والمنقبض. وتسنح فرصة الحديث أو الكلام، على غير توقع ولا تمهيد. فينظر الرجل الساهم والغائر العينين الى بناء مشرف على الطريق، يدل حَجَره المرصوص والمقصَّب وزجاج نوافذه الواسعة والمظللة على ثراء ونعمة، ويسرُّ لنفسه، من غير مقدمة، ويكاد الصوت لا يسمع:" كان لازم هالبناية تتهدم وما تتعمر". فيسأل الراكب جاره الذي لم يَخْتره وجعله كلامه طرفاً في محادثة لم يردها، ولم يتوقعها: "بتعرف حدا فيها؟". فلا يعير الرجل الثلاثيني أو الاربعيني الجالس وراء المقود، والمتجهم العينين السوداوين والقسمات والخَلِق القميص، الراكب السائل نظرة أو التفاتة، ويقول من غير انقطاع:" ليش لازم الواحد يعرف، كلهم مثل بعضهن، كلهن حراميي ومصاصين دم". وقبل أن يعد الراكب جواباً او سؤالاً أو كلاماً يداري به دهشته وخوفه من الهاوية التي فتحتها نقمة المحدث الباردة والقاطعة، ختم الرجل تأمله: "الحرب كانت أحسن. ما حدا كان يجوع".
حرب غير منكرة




  والحرب الحسنة التي يقصدها السواق، ويراها كافية من جوع ومقتصة من فرق مكانة وطبقة لا يطاق، هي "الحرب" التي مضى قبل أيام على ابتدائها أو انفجارها أربعون سنة تامة، وأحسب ان الشوفير الناقم دخلها وهو في العاشرة من العمر. وبعض الذين احتفلوا بمضي الاعوام الاربعين، أو تذكروا استهلالها المتعارَف والمكرس، شهدوا الاستهلال أو روي لهم، استعجلوا الاحتفال أو التذكر، وطووا هذا أو ذاك. وبعض من كتبوا أو تكلموا (على شاشة صغيرة) في 13 نيسان (1975) العتيد، بدوا أقرب الى التخفف من ثقل الحادثة، وقيامها معلماً على تاريخ لاحق كانت فاتحته أو أرهصت به، منهم الى استعادتها، والتأريخ لها، والتفكير فيها أو تدبرها. وذهب بعضهم (معظمهم؟) الى ان الحادثة المفترضة معلماً او مفترقاً فاصلاً لم تنصَّب على هذه الصفة إلا اصطلاحاً وتعسفاً. فهي، على زعمهم، لم تفتتح زمناً أو حالاً- فـ"الحرب" كانت على قدم وساق، قائمة وقاعدة-، ولم تستبق ختام زمن أو حال- فهي لا تزال مقيمة ومزمنة. وعلى هذا، فليس ثمة ما ينتطح فيه عنزان. وإذا أصرا على الانتطاح أو التناطح فليس ثمة ما... ويمر هذا لا إلى غاية أو نهاية. وفي ميزان الامد الطويل يبطل احتساب النتائج، وليس بين الاحياء من يسعه الشهادة على صواب التوقع أو خطئه، على ما نبه كِيْنز، صاحب الاقتصاديات الاشهر.

 فهل مضت "الحرب" – والمفرد الغريب كناية مغرضة عن كثرة مهملة- وانصرمت وتبددت ولم تخلف أثراً لا في حساب الزمن ووقائعه وحوادثه؟ ولا في حساب المشاعر والاحاسيس والافكار والصور، وما نسميه حياة ونعني به، إذا وسعنا إيجاب معنى، خضماً متلاطماً ولا تسبر قيعانه من الاحتمالات الهاربة والمتجددة؟ وهل انسلت، من غير ان ننتبه او ندري، من خيطان ثوب قديم ومهترئ، فتقطعت نتفاً وذرات وتخفت بين طيات "أثواب" أخرى لا تشبه الثوب القديم ولا تتشارك وإياه معالم تُتعرَّف؟ ولا يقصد بمضي "الحرب" أو تبددها غيبتها عن الحساب والتدبر السياسيين الراهنين، ولا انكماش ظلها عن حوادث الحاضر المديد والمترجح بين دفتي عقد من السنين. فهذا ظاهر. وهو لا يقتصر على 13 نيسان أو "حرب السنتين"، الى "حرب" 1982 التي أجلت المنظمات الفلسطينية المسلحة و"حركتها الوطنية"، وولدت الجماعة الخمينية المسلحة. فسؤال بعض المحاربين القدامى، من الكتّاب على وجه التخصيص، عن رأيهم اليوم في خوضهم حرب البارحة، وانخراطهم المحموم فيها، (وجواب شطر منهم، معظمهم؟ أنهم لا ينكرون حربهم هذه ويرون انخراطهم سائغاً)، هذا السؤال بدوره فقد مسوغه والداعي إليه، ولا يلتفت أحد إليه منذ أعوام طويلة. وهو شأن بوسطة عين الرمان، كفت الصحف عن إثبات صورتها، ما خلا بعض الصحف الاجنبية.

 والقول ان "الحرب" لم تمضِ، وأن معاصريها، على أنحاء المُعاصرة وأوجهها، يحملون ندوبها وأنقاضها الكثيرة، ليس جواباً شافياً (كيف الحكم في الجواب الشافي، والسؤال وصاحبه على هذا الابهام؟). فالحادثة الفاصلة، شأن التقاليد والتراث، وشأن المواضي، ليست شيئاً قائماً في نفسه وبنفسه. فلا تدوم وتبقى وتفعل، على مقادير متفاوتة، إلا من طريق معانيها، وملابسة هذه المعاني توجهات الناس في حاضرهم (حواضرهم)، وعلاقاتهم وأواصرهم ومنازعاتهم. ومن اليسير علينا، نحن المتخلفين والمتحدرين من هذه المواضي، وصل الخيوط التي تربطنا بحوادث ترقى تدريجاً الى 13 نيسان (1975). فالهجرات والأسفار والمَقاتل والمصارع والأتراح والخسائر والولادات والفرص واللقاءات والرجعات، وكلها وغيرها خيوط تعقد بين المصائر والمآلات وبين عللها وأسبابها. والفجوات بين هذه وبين تلك تملأها المصادفات وحرية الاختيار والآراء التي يراها أصحابها إذا لم يكونوا مكرهين على رأي لا يرونه أو على عمل يضطرون إليه.

ذراري اليوم



 ولكنه وصْل، إذا أراده مريد وتكلف مشقته، لا يصل اهل مجتمع بمواضيهم المشتركة أو المفردة وصلاً حياً يتداولونه، ويديرون عليه بعض حواضرهم وعلاقاتهم ومسالكهم الى آتيهم. فبعض من يحاولون الوصْل، ويعلنون محاولتهم أو محاولاتهم، يقولون اليوم أنهم لا يذكرون كيف انقلبوا من عشية "الحرب" الى غداتها، ولم يبق في ذاكراتهم ما يسعفهم على تعقب أثر أو اقتفائه وقراءته. وبعض آخر يحمل أعقاب "الحرب" وذراريها على أوائلها، ويرى حوادث اليوم ترديداً لحوادث بارحات تردد المرسوم الماضية. فكتبت وداد حلواني (رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وهي ملهمة حملة "حقنا نعرف" وقبلها حملة "تنذكر وما تنعاد" وبعدها حملة "40 الحرب"- فهي على هذا نصب ذاكرة "الحرب" الحي)، كتبت تقول:" أما اليوم، وبعد مرور 15 سنة (...) صار الوطن أرضاً خصبة لتفريخ الحروب، لتأييدها وخندقتها، لتعليقها على حروب الآخرين، تتغذى منها وتغذيها، كأننا أمام تجسيد مذهل لقانون الأوعية المتواصلة...". وتخلص الى ان "المطلوب أصبح أكثر من وقفة رمزية في 13 نيسان. صار المطلوب جردة وطن (...) جردة لما حصل خلال 40 سنة...".

 وفي كلتا الحالين، حال من تبددت "حربه" هباءً يعصى الرسم والجمع والاستدلال وحال من يراها متناسلة في ذراري لا تحصى ولا تنقطع، تتصور "الحرب" في صورة (طارئ) دخيل وغريب حل بنا على رغم منا وكراهة، وقلب أحوالنا رأساً على عقب، ولم يخلف ما نستدل به على إطافته ونزوله وأثره. والحق أن تناول الحروب المتطاولة والمتعرجة التي تنقلنا بواسطتها ومن طريقها بين أظهر أنواع المعضلات والازمات والمنازعات، الوطنية والمحلية والاجتماعية والثقافية والدولية والحقوقية والعسكرية والعصبية والانفعالية واللغوية...، لم يكن يوماً في متناولنا أو متناول مجتمع جماعاتنا، ولم نسعَ يوماً في جعله في متناولنا. وإذا صدق الزعم أن معرفة الافعال الانسانية أيسر على أصحابها وفاعليها من معرفة حوادث الطبيعة المستقلة عن الفاعلين، وجب الاستدراك على القول، والتنبيه الى  ان افعال الناس المشتركة تكاد تكون ولا فاعل لها أو فاعلين معروفين، يعرفون أنفسهم وما فعلوا ويعرفهم غيرهم.

 والذين تبنوا "13 نيسان" ونسبوه، ونسبوا آله (ذريته) الى أبوتهم وأمومتهم، وفاخروا بذريتهم هذه، كثر. وساندت التبني وأيدته كوكبة من الشارات البهية والمعاني السامية. فوعد أصحابُ اليوم العتيد وعداً قاطعاً وملزماً، إلهياً قبل ابتذال الصفة الحسنى والمصونة، بتبديد الغبن، أو بالمساواة الحقيقية و"الاجتماعية"  غير الشكلية والقانونية وحسب. وتوحدوا على مداواة الخوف من طريق إحقاق الحق وإلغاء التفاوت والظلم. وقدموا وطنية صافية- عروبية منفتحة، وحضارية وفلسطينية ديموقراطية قالوا، أممية سمحاء سبق أن حضنت شعوب القوقاز المسلمة برفق، على مذهبية عصبية ودموية فائتة وضيقة. وأوكلوا الى الشعب، المسلح والقوي، وجماهيره المنظمة واليقظة، خوض حروب جميلة تحرر الشعب، وهو يخوضها من تلقائه سيداً متآخياً ومميزاً ببديهته وقريحته العدو من الصديق، من رهاب العدو الكولونيالي والامبريالي والصهيوني.

 فيستعيد صورته عن نفسه، وهويته على الوجه التاريخي الاصيل، والشرعي من بعد، وليس على الوجه المستعار والمزيف، الكفري من بعد. ومضت الوعود والعهود الهاذية والمتعاظمة على نفخها في الشارات والمعاني. واختلطت بالثارات للأرض المغتصبة، والدم المسفوح (والحسيني من بعد) ظلماً، وبانجاز عودة المشردين والمعذبين واللاجئين، المستضعفين من بعد، الى الفردوس المفقود أو الضائع الواحد والموحد. وانتصب البطل (-الشعب) المهدي أو الخراساني من بعد، فوق الجماهير الغفل، وخرج منها خروج الزهرة من الكم، وصرع الكولونيالي الامبريالي، السفياني والاعور الدجال. فلا فقر ولا استلاب ولا تخلف بعد اليوم، ولا عملاء ولا زبائن أو مشايخ نفط ولا كومبرادور.

 فهل صدَّق "الناس" – على المعنى القرآني، أي ملأ القبائل- الوعود والعهود هذه؟ وقد يكون السؤال الوجيه، على خلاف سؤال لا حجة على صدق جوابه، هو التالي: بماذا ملأ "الناس" الوعود والعهود هذه؟ وما هي الاعيان، أو المادة العينية والحسية الملموسة على قول "الجبهة الديموقراطية" يومذاك، التي أدخلوها تحت الشارات والاعلام، وحملوا هذه عليها؟ ويسع من يهمه الجواب جمع بعض القرائن، وتناولها بتعليل أو تأويل لا يقتصر على الرجم. فما أن رفعت "المقاومة"، وهذا اسم ثابت على مر السلالات والسلطنات القاهرة، شارة الحرب المديدة والزاحفة حتى أعربت جماهيرها ومنظماتها عن المادة العينية والحسية الملموسة التي تحسبها مناسبة أو مطابقةً معنى العهد أو التاريخ الجديد والموعود. فإذا بها، المادة العينية، قريبة من نبؤة شوفير السيارة العمومية: "كان لازم هالبلد (وليس البناية) يتهدم وما يتعمر، ليش لازم الواحد يعرف، كلهم مثل بعضهن، كلهن حراميي ومصاصين دم، الحرب (دايماً) أحسن، ما حد بيجوع (فيها)".

 وليس كلام شاهد اليوم استرجاعاً متعسفاً واعتباطياً. ففي أثناء حدوث الحوادث، ووقوع الوقائع، هالت الحوادث والوقائع بعض المعاصرين. فلم تمض اسابيع قليلة على اليوم العتيد، وقبل رفع المتاريس وحفر الخنادق واستقرار الخطوط أو الجبهات، حتى عمت بعض أحياء المدينة (بيروت) وأسواقها المتفجرات، وقطعت بعض الحواجز طرقات الوصل العريضة، واعتلى قناصة بعض السطوح العالية والمشرفة على طرقات الاحياء الداخلية. وحالت دوريات مسلحة مسائية مرتجلة الطرقات والمداخل والمخارج، ودققت في الاوراق الثبوتية، ووضع بعضُها شارات مُعْلَمة على أبواب مبانٍ يقيم بها سكان "مختلطون" (من طوائف دينية غير الطوائف الغالبة في الحي أو الشارع أو المنطقة، على ما أخذ القول يدرج).



الجائزة الكبرى



 وهذه المقدمات مهدت الطريق الى بيت القصيد أو صلب الأمر. فاجتاح اهل الضعف، وعوام الجماعات العصبية وشبانها ("صبيتها"، على قول منظر مكتهل وناضج)، الاحياء والشوارع، و"أطروها" بالحواجز والخنادق والمكاتب والدوريات والقنص، وفتشوا الدور والبيوت، وأنزلوا السكان المشبوهين من غير الملة وأحرجوهم على رجاء إخراجهم الذي لم يتأخر، وأوقفوا الجواسيس المحتملين، وصادروهم على وسائل الاتصال وعلى غيرها، وتحرشوا بالبنات... وهذه الافعال توسعت شيئاً فشيئاً: فاجتازت الفرق الصغيرة والمحلية حدود حاراتها وشوارعها، وانتصبت لتطهير الحارات والشوارع المجاورة والبعيدة. فأغارت على بعضها، وتحللت في غاراتها من قيود الجوار وبعض الإلفة ومن الحياء الذي يصاحبهما. فاحتلت مباني كاملة، وأجلت عنها سكانها الميسورين والاقل يسراً أو يساراً، ونهبت أثاث المنازل، وأجهزة المكاتب والآلات، وسلع المحال.

 وتخطت أجزاءَ الاحياء المتوسطة بين حارات الاهل وبين شريط الساحل والمرفأ والأسواق، حيث الجائزة الكبرى الى المخازن والمصارف. وخطف كثيرون في الاثناء، وأطلقوا بعد وساطة وصفقة، أو قتلوا ثأراً. وأحاطت بأحياء الأهل أحزمة وفسحات أخليت للقتال. والقنص، قبل أن يخلفه القصف بالهواوين وبالمضادات والغراد والكاتيوشا، هو سلاح القتال الاثير. وتبادلت المناطق المهجرين. فتولى المسلحون إسكانها في الشقق المصادرة. واستدعى الاسكان التوسع في المصادرة. واقتضت "الهجرات" العريضة مصادرات نظيرها عرضاً، فنشأ الجناح (على الجهة الجنوبية الغربية من ساحل بيروت، وهي منطقة "البلاجات")، على سبيل المثل، عن هذه المصادرات، ويعزوها رواة شهود عيان الى بعض كبراء حركة التحرير الوطني العروبي والقومي والاممي.

 ودارت "السياسة" في الاثناء على دوام هذه الحال، والمضي على تقويض "تجدد الاجتماع" و"الاندماج الاجتماعي" (في مصطلح الاجتماعيات الهابيرماسية، وليس في المصطلح الحزبي الشيوعي والعالمثالثي الذي سوغ التقويض باسم الثورة على "الدولة" ونظام السيطرة والقمع والاستغلال والتبعية). وحلت هسترة الجسم الاجتماعي والسياسي محل إواليات السلطة والمفاوضة والوساطة والتحكيم والتمثيل والمساومة. فهذه كلها بدت تزويراً لعلاقات قوة متفاوتة وعارية، وإرجاء لحسم مباشر وباليد: فالسطو والسرقة والمصادرة والترهيب والطرد والقتل حق أو حقوق لا تحتاج الى وساطة هيئات أو مؤسسات او قواعد وقوانين. وكل توسيط هو قناع ميزان مائل لا تقوِّمه إلا الحرب الكلية والمطلقة، وعدالتها القاطعة.

 ولكن أحداً لم يقل هذه المقالة التي عصيت القول، وتعصاه اليوم في سوريا والعراق واليمن وبعض لبنان وليبيا و"الدولة" المزعومة، وفي إيران. و"الجماهير" التي تصدرت مصالحها وأهواؤها وثقافتها مسارح الاجتماع (المتنازع) المشتركة، تولت ومنظماتها وقياداتها ونخبها السلطة، وأنفذت أحكامها في أنحاء مسارح الاجتماع كلها. وتكشفت المقالات والبرامج السياسية، المرحلية والاستراتيجية، ومصطلحاتها الوطنية والديموقراطية والاصلاحية والشعبية والوحدوية، عن رغبات لا قاع لبؤسها وتفاهتها وعماها ومباشرتها وأنانيتها وسذاجتها. فهجم أهل الضعف والعوام وسواقط الجماعات ونخبها، تتقدمهم قيادات ومشيخات من الوكلاء وأشباه الوجهاء المحدثين وأنصافهم، على مرافق الاجتماع، وقسَّموها غنيمة فيما بينهم ونفَّلوها، واقتتلوا على تقسيمها ونهبها وخزنها وتوريثها. وتواطأت "طبقات وسطى" متعلمة مفترضة، على الهجوم والنهب والقسمة. ولم يرعها أن 370 ألفاً من فئاتها "العليا"، تعليماً وتأهيلاً، والشابة هربوا الى الخارج، في 1975-1979، ومعظمهم يحمل سمة هجرة دائمة. وهؤلاء كانوا بؤرة نزيف لم ينقطع، حمله العوام وسواقط الجماعات وبعض نخبها على رحيل طابور خامس تخلص الشعب الصميم والمصابر والمرابط في الثغور منه، ومن مفاسده وغربته.

 وما كان لبنية الاقتتال والتناثر أو التشظي التحتية التي رعتها حركات التحرير الفلسطينية في المرتبة الاولى، ووقعت هي من بعد ضحيتها، أن تتعهد تجديد لحمة سياسية واجتماعية وطنية أو أن تؤازر انبعاثها، على افتراض ان ثمة من يجد في نفسه القوة على التجديد والعزيمة عليه. فما تصدع وانهار وهوى في الاعوام القليلة التي أعقبت 13 نيسان 1975، وآذن على أنحاء كثيرة بالشقوق والتصدعات العربية المتناسلة والمتعاظمة، يتصل من طرق كثيرة بنواة السعي "العربي" المتثاقل والمتعثر في اطراح العلاقات العصبية والريعية السائدة والساحقة، وفي إنشاء أبنية عامة ومشتركة محلها. وهذا ما سبق لميشيل عفلق أن سماه، في التماعة حدس فريدة، مسألة "تقدمية العروبة" ("إن معركة عروبة لبنان هي معركة تقدمية العروبة"، على قوله في عبارة نضالية وعسكرية غالبة مذ ذاك).

 وهلل أهل الضعف وعوام الجماعات وسواقطها ونخبها للتصدع والانهيار، ولانتصار بنية الاقتتال والتناثر التحتية وثباتها. فالأبنية العامة والمشتركة، الوظيفية (الانتاجية والاقتصادية والادارية) والرمزية (الاعتقادية والثقافية والتواصلية)، عبء ثقيل على كاهل جماعات تنزع بكليتها وجماعها، اي برسوم اجتماعها وأبنيته، الى الانكفاء على هوياتها والاعتيال من ريوع مكاناتها وولاياتها وحروبها. وحملَ الجماعات إقرارُها بعجزها عن تجديد اللحمة أو استئنافها، وتسلميها بالأمر، الى توكيل من يتولى الامر بالوسائل المتاحة. وتولى الامر، بالوكالة والنيابة من يملك تحريك 30 ألف جندي، وألف دبابة، وآلاف المدافع الى لبنان "المشترك" مذذاك (الفلسطيني - اللبناني  ثم السوري- اللبناني فالايراني – اللبناني أخيراً وليس آخراً)، من غير حساب من رعية السلطان الصاغرة.


 وعلى خلاف تراث عامي لبناني دؤوب نجح في غضون قرنين وبعض القرن في قلب علاقات السيطرة العثمانية العقيمة وإصدار السلطة من تحتٍ مجتمِعٍ ومشترك، صادر الجماعات على السلطة والولاية جهازُ قوة خالصة، تربع في رأس جماعاته الوطنية المتناحرة المنقسمة، وتذرع بتناحرها وانقساماتها الى توحيدها الاداري والقومي قسراً ومن خارج. وها هي تنتضي تناحرها وانقساماتها سلاحاً مدمراً تُعمله في تقطيع "دولتها" ونفسها (أنفسها)، بعد أن رعت في بلاد "13 نيسان" مسخاً على شاكلتها، وعلى شاكلة الحال التي اسهمت في صناعتها. ولكن المسخ يفوقها قوة تدمير ومراوغة، هو المولود من ذرية هذا "اليوم"، ومن ذراريه المتقطعة والمهجَّرة وثاراتها وشهواتها المرسلة. وما يقوله السواق الساهم والمرير يقوله المسخ بملء الفم: "مجتمع الحرب" قَدَر جميل لا راد له الى فَرَج إمام الزمان وقيام الساعة.    

السبت، 11 أبريل 2015

السياسات الوطنية والعربية والدولية ترقص في أعراس دامية كثيرة: كيف بناء الاستراتيجيات في خضم شرق أوسط متهافت؟

12/4/2015

أصاب اجتماع مواقف سياسة أميركية في المرتبة الأولى، وأوروبية من بعد، في وقت قصير، هلعاً في أوساط عربية، سياسية وإعلامية متداخلة. فمنذ أيلول إلى نيسان (2015)، عاقبت سياسة أوباما جون كيري بين 1) قصر تدخلها العسكري في سوريا على حماية كوباني (عين العرب) الكردية من السقوط بيد «الدولة الاسلامية»، وتجنب الاشتباك مع قوات بشار الاسد في شمال شرق البلد؛ و2) مضيّها في الوسط والشمال العراقيين على حماية مواقع البيشمركة الغربية على الحدود بين الانبار ونينوى وسنجار وبين كردستان، وعلى إنجادها حملة استعادة تكريت المتعثرة بصدارة «الحشد الشعبي» الشيعي والحرسي الايراني و»بمظلومية» العشائر السنية الاهلية؛ و3) سكوتها عن استيلاء الحوثيين المتواطئين مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح على صنعاء بالخديعة، ثم بالقوة «الثورية» والعسكرية، أو مغمغتها الكلام ودعوتها الاطراف إلى استئناف الحوار، قبل إجلائها خبراء سلاح الطائرات من غير طيارين من قاعدة العند في وسط اليمن حين توجه الحلف الحوثي الصالحي إلى محافظات الغرب والوسط والجنوب؛ و4) اجتهادها الديبلوماسي الملحوظ في مفاوضة الفريق الايراني على بنود اتفاق نووي «تاريخي» يقر بحيازة النظام المذهبي والبوليسي الخميني مؤهلات تقنية وصناعية تخول تعريفه بقوة العتبة (النووية)، ويسعى (الاتفاق) في تقييد النظام أو تثبيته عند هذه العتبة.

فلما اندلعت عمليات «عاصفة الحزم»، وأبدت الولايات المتحدة رغبتها في المشاركة من خلف، اختلطت عناصر هذه السياسة، ودخل بعضها بعضها الآخر. وبدا أن باراك أوباما يرقص في ثلاثة أعراس وليس في عرسين وحسب. فهو دان اقتصار رد بشار الأسد على باكورة حركة أهل الضعف السوريين، على القمع والاعتقال والخطف والاغتيال، وأسهم في إقرار بيان جنيف، ودعوته إلى مرحلة انتقالية تتولى فيها الحكم الفعلي هيئة مشتركة من النظام والمعارضة، فتمهد لإخراج طاقم الأسد الأمني والعسكري من السلطة، وتحفظ تماسك هذه وأجهزتها، وتحول بينها وبين الانهيار، وتطمئن الشطر العلوي من السكان و»القيادة» إلى بعض الحصانة من تصفية الحساب، في آن واحد. ولكنه رضي، في صيف 2013، وبعد ارتكاب قيادة النظام جريمة الغوطة الشرقية، بمراقبة البرنامج الكيميائي الاسدي، وتعاون شعبة الصناعة الكيميائية مع موظفي الامم المتحدة. وفي الاثناء، أي في غضون 2012 وأوائل 2013، أشرف الجيش السوري على الانهيار، وخسر عشرات الآلاف من الجنود والضباط الذين أبوا الانقياد إلى أوامر القتل وقنص الأهالي والفرز المذهبي، من غير أن ينشأ في المقابل قطب سياسي وعسكري متماسك. فيرد (القطب الجديد) على تفكك القوات المسلحة الوطنية المعنوي والمادي والاخلاقي وعلى عنفها وتمييزها الأهليَّيْن والجهازييْن الاخرقين، بمثال يخالف تقاليد هذه القوات وولوغها الطويل في طاعة عمياء وخرساء.

والحق أن نكوص الحركة العامية السورية عن بلورة مثال سياسي وعسكري ومعنوي رادع، ولا يحاكي البنية العصبية والبيروقراطية القمعية التي أرستها الانقلابات الناصرية والبعثية العلوية طوال نصف قرن سوري مظلم، هو ثمرة عوامل وتيارات ثقيلة أخذت بخناق المعارضات الكثيرة والمتفرقة، «الشعبية» والاهلية التحتية وكذلك «النخبوية» المنبرية المنظمة والمجربة على حد سواء. فالخلافات والفروق ذرت وتشعبت فلم يبق موضوع لم تصبه الخلافات والفروق هذه: من تعريف هوية الحركة العامة (إسلامية أو عروبية أو سورية) ومقاصدها وغاياتها (مدنية وطنية أو شرعية دينية) إلى برنامجها (مرحلي واصلاحي حوكمي أو بنيوي وسياسي شامل) ونهجها (سلمي أو عنيف وصدامي) وصداقاتها وأحلافها (الداخلية والاقليمية والخارجية). وعجزت الحركات المحلية والمتناثرة عن ايجاب معايير القيادة، على معنى مؤهلات الحكومة، من الدالة إلى التحكيم إلى التأليف والحسم. وهذه المعايير، وهي أقرب إلى الفن منها إلى التقنية، لا تخترع ولا ترتجل فجأة، ويقتضي نضوجها سنوات طويلة من التجريب والتعميم وصوغ ثقافة مشتركة تصبغ بصبغتها وجوه التدبير والانفعالات.

ولم يمهل القمع الساحق والمتحدر من عقود من الاستبداد والاذعان الحركة الوليدة. فتفرقت مئات الفرق والجماعات، وتناثرت شراذم وفتاتاً. وضوت أخلاطاً متشابهة من العصبيات والاهواء والمصالح والاحلاف والولاءات والامزجة. وغلبت عليها العداوات، وعداوتها الاولى للأجنبي الغربي أو الاميركي والاوروبي، بعد عداوتها للنصيري الرافضي الصفوي، فوق القرابات. وتصدرت الفرق والجماعات السورية، المعارضة والمتحاربة، أشرسها وأقربها إلى تجسيد نقيض النظام ونظيره وصنوه الشبيه، أي الجماعة التي ولدت الجماعتين التوأمين والمتقاتلين، «النصرة» و»الدولة الاسلامية» («داعش« سابقاً). وكان على الرئيس الاميركي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن يحسم، في خضم هذا الوضع المبهم المعاني، أمرَ عملية عسكرية تؤدي حتماً، بحسب رئيس هيئة أركان جيوشه، إلى تهافت بنيان «الدولة» الاسدية المترنحة والمتصدعة، من غير ان يسع «قطب» المعارضات وشراذمها المتناحرة والمتقاتلة الخلافةَ على بنيان الدولة، والاضطلاع بالانتقال إلى كيان غير متشظ. ويُلاحظ من غير شك أن «الدولة» الاسدية المفترضة لم تحل دون اشتداد عود الدولة الاسلامية في العراق والشام، في غضون السنة الفاصلة بين جريمة «القيادة» في الغوطة وبين إعلان البغدادي المزعوم خلافته الموصلية، وإطاحة الخليفة «الراشد» الاول والجديد حدود الدولتين الوطنيتين. ولم تحل، كذلك، دون سطو الفصيل «الجهادي» الارهابي والمسلح على مرافق نفط ومواصلات وجمرك وتجارة وصناعة وتهريب في الدولتين الوطنيتين الجارتين، ولا دون عموم القتل والاقتتال والسلب والدمار والتهجير مسارح «الدولة» الرسمية ولا مسارح «الدولة« الاسلامية. واستوت «الدولتان» في توحشهما وانقلابهما أرض سيبة أو سباء.

فيجوز أن يخلص المرء إلى ان خشية أوباما، ومعه ديمبسي رئيس أركانه وجون كيري وزير خارجيته وهاغل وزير دفاعه يومها، من انهيار «الدولة» السورية الرسمية تحت وقع الضربة المزمعة، وإمساكه عنها جراء احتسابه مآلها المروع، لم يكونا (الخشية والامساك) ملائمين. وهما لم يحميا «الدولة» الرسمية من التصدع، ولا رعيا السوريين وكيانهم من السباء، ولا حملا «القيادة» الكيماوية على المفاوضة مفاوضة جادة على «الانتقال» إلى دولة «عادية». ولكن هل يُخلص من هذا إلى ان الضربة الاميركية، لو حصلت وصدعت الاسد ونظامه، لكانت وقعت برداً وسلاماً على «سوريا»، وألفت بين الجماعات المتقاتلة، ونصبت المعارضة المدنية والديموقراطية في سدة دولة متآخية الجماعات؟ أو هل يخلص من هذا، بعبارة خالية من المجازات، إلى ان انهيار الاسد لكان ابتدأ مرحلة انتقالية منضبطة على معيار مدني وسياسي وطني معقول؟

والظاهر أن الامساك الاوباموي أخطأ الحساب، فلا هو حَصَر الاقتتال والعنف، ولا حملت القيادةُ العصبية (ولا الجهاز الحرسي الخميني ولا قيصر عموم روسيا) الامتناعَ من إسقاطها على دعوة إلى تقليص القتل المستشري والسعي في لجم سلطان شرس وتمدينه بعض الشيء- وغذت عودة جون كيري إلى الكلام اليائس على «مفاوضة بشار الاسد «في نهاية المطاف»، بعد اعتبار دي مستورا أن الاسد «جزء من الحل (على طريق تجاوز العنف وإنهائه)»- وأراد طرفا الحل المفترض ألا يسمعا الجزء الثاني من الجملة الطوباوية في الاحوال كلها-، غذت العودةُ الافتراضية شكوكاً هوجاء في غايات أوباما الاميركية ونهجه وكلبيته. وتبددت الوقائع السورية والاقليمية والعربية، والتباساتُها التي لا تحصى، ولم يبقَ من الاعوام الاربعة المنصرمة إلا أوباما ذو الوجهين (اختصاراً وكناية) والجلدين واللونين واللسانين... فهو رقص في العرس (الدامي) السوري دورين أو دبكتين: واحدة مع «دولة» الاسد وثانية مع المعارضات التي استثنى منها «الدولة» و»النصرة»، وهما يكادان يختصران ما بقي من «الثورة« أو الخروج على السلطان الارهابي.

ويصدق هذا على سياسة الرجل، ودولته، في المسارح الاخرى، ولو على وجوه مختلفة. فهو غادر العراق لما رفض نوري المالكي - ومن ورائه هذه المرة المرجعية والفِرق «المهدية» أصولاً وفروعاً وآية «فيلق القدس»، والملجأ السوري الذي يأوي إليه عزت الدوري ونقباء النقشبندية - إحصان الجنود الاميركيين من الملاحقة القضائية العراقية واستثناءهم من القانون العام. فجمعَ تحت راية الكرامة والاستقلال الوطنيين الفرق الشيعية المتناحرة. وتخفف هو، أوباما، من أثقال حملة عسكرية برية باهظة التكلفة، على الوجوه كلها، أرادها سلفه حرباً، بل «صليبية» في سبيل «حرية لا متناهية». وانقلبت احتلالاً غريباً وعجيباً: فهذا الاحتلال حرر العراقيين، أو الشطر الاعظم منهم، من استرقاق صدام حسين وعشيرته وحزبه و»دولته» لهم؛ ودان له بالاستيلاء على السلطة، وقهر «العدو» السني قهراً لا دولة من بعده، الفريقُ الذي انحاز جزء منه إلى محاربته جنباً إلى جنب «المقاومة» القاعدية والبعثية ورفع لواء إجلائه بالقوة والمتفجرات المصنعة محلياً عن العراق «المحتل». فبقي من هذا، و»هذا» لا يزال سائق المنازعات العراقية الداخلية وملابساتها الاقليمية في كنف المرجعية والمهدية والحرسية، بقي الاجفالُ الشديد والمتحفظ من العمليات البرية على مسرح حرب خُلْوٍ من دولة وطنية تضبط ملاحمه وإحنه وحزازاته على مصالح تقبل التعريف.

فلا سبيل إلى صوغ «عقيدة» منهجية في السياسة الخارجية (الاوسطية)، على قول أوباما في أوائل الاسبوع المنصرم، بهذه الحال إلا بالتعويل على تعريف المصلحة الوطنية (القومية) الاميركية تعريفاً ضيقاً ومنزلياً، واستبعاد «القيم»، على قول هنري كيسينجير، وزير الخارجية إبان الانسحاب في فيتنام والاعتراف بالصين القارية والشيوعية (وتقويض كمبوديا ورعاية بينوشيه والانسحاب من «بريتون - وودز»...)، لائماً ومندداً. وعلى هذا، قدّمت السياسةُ الاوباومية محاربةَ «الدولة الاسلامية» وإرهابها المتفشي والباهر على إسقاط «الدولة» الأسدية، وإرهابها «المقتصر» على بعض الاراضي الوطنية وبعض الارض اللبنانية. وهذا التعريف ظالم وأناني ومجحف و»لاإنساني» على ما وصفه سوريون وغير سوريين كثر. وهو قد يلد فوضى اقليمية عميمة فوق ما يلد ضبطاً دولياً. ولكنه، رغم ذلك، يستقوي بمعيار يلجم التمادي مع جموح العنف إلى الاقاصي المرسلة. وإذا جاز العيب على الرئيس الاميركي قوله أنه لا يرى مسوغ تقديم نجدة الضحايا السوريين على ضحايا حروب الكونغو الاهلية والاقليمية ( وسقط منهم في 1998-2003 نحو 3 ملايين ضحية، 145 ألفاً من المقاتلين، ومذ ذاك لم ينفكوا عن التعاظم)، لا مناص من الاقرار بـ»عقلانية» مقالته المكيافيلية. وتقضي هذه بحكمٍ أو رأي في مادة لا يحصر التباسها واختلاطها، بينما موارد الدولة المدعوة إلى التحكيم والتدخل والانقاذ المفترض محصورة وفي الامكان إحصاؤها.

وفي أحوال العراق وسوريا ولبنان وإيران (النووية والاقليمية)، وعلى قدر أقل في مصر وليبيا وتونس من قبل وفي اليمن اليوم، وعلى رغم التشابه غير المحكم الذي يصبغ السياسات الاميركية، يُرجح أوباما كفةَ «الدول» ، القريبة من الفشل والمروق أو الموشكة على الوقوع فيهما، على كفة الحركات الاهلية المعارضة والموشكة على الوقوع في أحضان الحروب الاهلية والميممة شطر الارهاب «الجهادي» عن قصد وتصميم. فبعض التحفظ عن الانخراط في إدانة أنظمة بوليسية ومتسلطة إدانة رأسية، قد تقود إلى عمليات عسكرية، قد يكون مصدره هذا الترجيح، والمقارنة بين هذه «الدول» وبين الحركات الاهلية المتمادية في عنفها، والخالية الوفاض من عوامل ضبط العنف. فـ»الدول»، ولو كانت على مثال إيران الخمينية وانقيادها الأعمى والمدمر إلى المثال الامبراطوري والسلطاني، تتمتع بحدٍ أدنى من التماسك «يؤهلها» إلى الحصار والقصاص والحساب والعزل، وإلى الضربة المركزية القاضية في نهاية المطاف. وبعض الميل إلى المنظمات الإخوانية، والأدق القول: بعض التردد في إدانتها ابتداءً ومبدئياً، وربما إلى الجماعات الاهلية الحرسية مثل «حزب الله» لبنان و»أنصار الله» اليمن و»الدعوة» العراقية، وهي نشأت قبيل الوصاية والقيادة الايرانيتين، مرده كذلك إلى تماسكها المركزي وقابليتها للمفاوضة العملية والارتداع. ويدعو هذا إلى التقليل من «سذاجة» ميل أوباما إلى الشيعة أو ثقته «فيهم» على ما حسب معلقون غربيون.

ولا يصنع باراك أوباما، حين يزجي بعض المديح (لـ) علي خامنئي، وإجازتِه موافقةَ الوفد الايراني المفاوضة على «معايير» اتفاق نووي، إلا الاقرارَ ببعض بنود «عقيدته». وهذا شأنه حين يدعو الحكومات العربية إلى «تعزيز الحياة السياسية في بلدانها» ومجتمعاتها، وإلى محاربة «الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان (وقتال) الاسد وأفاعيله». وتترتب مواد «العقيدة» على تشخيص مضمر يحمل الأبنية السياسية والاجتماعية العربية، والشرق أوسطية من غير شك، التبعات الاولى عن مصائرها إلى الحروب الاهلية والمذهبية، وإلى الارهاب وصنوفه (وفيه الارهاب الأهلي والاجتماعي الحرسي الذي مهد الطريق إلى الارهاب «الجهادي»)، والحروب الاقليمية و»الفتوحات» بواسطة العصابات و»القبائل»). ويحجم أوباما عن اجتياز العتبة التي اجتازها جورج بوش الابن، لفظياً وكلامياً حين دعا إلى «بناء» «شرق أوسط كبير»، وعملياً حين بادر إلى ابتداء طريقه ببغداد ومنها. فغزا عراق صدام حسين، وكسر صندوق الشرور الذي حسب قراقوشات المنطقة أنهم أغلقوه على الحروب الاهلية، وصنوف الارهاب والعداوات الوطنية والاقليمية والتاريخية والثورات المجهضة.


و»الحل» الآخر كان ترك صدام حسين مستوياً على عرش العراق، ومعه السادة النجب الآخرون، وذراريهم وحواشيهم وموظفوهم «إلى الأبد». هل قال أحدهم: إنها حال موقوفة لا يقطع فيها برأي من رأيين مخالفين وقاتلين؟ ويقال أن من جملة ما غلط فيه أبو بكر البغدادي (ابراهيم عواد ابراهيم بوبدري بن عرموش من عشيرة البوعباس من سامراء)، أو أبو حمزة المهاجر، جزمَه في 2012 بأن «المهدي سيظهر في أقل من عام... ما دعاه إلى القول بأننا سنملك الارض كاملة في أرض الرافدين في غضون ثلاثة أشهر، فأصدر أمراً بالنزول في الساحات وعدم الانسحاب لمدة أسبوع...» (عن قاضي «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» وقاضي «الدولة الاسلامية في العراق»، المعتصم بالله أبي سليمان العتيبي)

الأحد، 29 مارس 2015

اجتماعيات النزاعات السورية قبل انفجاراتها العصبية المستولية تدمّر مقومات «الدولة ـ الأمّة» السوري


(المستقبل، 29/3/2015)
قبل نيف وستين عاماً انقضت على محاولة بلورة أو صوغ دولة ـ أمة «وطنية» سورية، ينسبها عامة السوريين إلى القومية وإلى العروبة، تعهد حكم البعثيين ثلثيها أو فوق الثلثين بقليل (انظر «نوافذ» في 25/11/2007، عجالة الكاتب في «سوريا حاضراً، ظلال مجتمع في المرآة»، 2005). ولم يقتصر الحكم على سوس الدولة، على معناها العثماني، وجني ثمار الاستيلاء والفتح، فتعداه إلى تنظيم الإقليم، والأراضي الإقليمية الوطنية، على صورة الجماعة المستولية. ويلاحظ مريم عبابسة وسيريل روسّيل ومحمد الدّبيّات أن السياسات البعثية أولت عنايتها المحافظات الساحلية، ومحافظات الجزيرة، وقدمتها على المحور التاريخي الذي يتوسط سوريا، من دمشق جنوباً إلى حلب شمالاً وبينهما حمص، وعلى النخب المدينية القديمة. فنشأت مدن جديدة بظواهر دمشق وحلب وضواحيها، وعلى ضفاف الفرات. واقتسمت الإقليم السوري ثلاثة محاور. الأول هو المحور التقليدي والتاريخي، والثاني يصل اللاذقية بطرطوس. والثالث يجمع الرّقة ودير الزور إلى الحسكة. وتغلب الصفة الطائفية المذهبية على المحاور الثلاثة. وغداة الاستقلال، في 1946، رعى الحكم دمج المحافظات، وربطها بعضها ببعض، اقتصاداً ومواصلات وإدارة وخدمات (إنارة، صحة، تعليم)، وضواها إلى المحور الوسطي السني، في المرتبة الأولى. ولكنه غذى كذلك ازدهاراً ساحلياً، وتولى استصلاح اراض زراعية في الجزيرة. وانتهج الحكم الاستقلالي سياسة زراعية حمائية بإزاء الخارج، ودعم المنتجات من الداخل. فلم تزدهر الزراعة وحسب، بل أقام نصف السكان السوريين بأريافهم، وبقوا فيها، ولم ينزحوا عنها شأن معظم السكان في البلدان الأخرى القريبة. فلم تزد نسبة سكان المدن عن 52 في المئة، في 2004. ويعود بعض السبب في انكماش المدن السورية، قياساً على حركة التمدين العامة، إلى عزلة الاقتصاد السوري وانغلاقه، وإلى ضعف الاندماج الاقتصادي في الشرقين الأدنى والأوسط.

المدن والأرياف

وتولى التأميم في 1963 إضعاف المدن السنية الكبيرة، حلب ودمشق وحمص وحماه واللاذقية، وشرذم بورجوازيتها وملاكيها ونخبها «الحرة». وأرسى الانقلاب البعثي الأول حكم الفريق الحزبي الجديد على محازبين وأنصار وناشطين معظمهم من جبل العلويين، ومن الجزيرة، إقليمَيْ المحورين الآتيين. وحملت تأميمات الصناعات والأعمال الصناعية المتوسطة، ثم مصادرة الأراضي الزراعية وتوزيعها على المزارعين والفلاحين، عامةَ المدن والأرياف على «مبايعة» الحكام الجدد. وأقوى روابط العامة المدينية والريفية بالفريق الحزبي الحاكم ليست اجتماعية في المرتبة الأولى بل عصبية، مذهبية ومحلية وأهلية. وتضافر على تقوية اللحمة العصبية هذه توزيع عوائد الدولة توزيعاً ريعياً على الأنصار الأهليين. فكان التوزيع المركزي هذا، على وجهيه: الأرض والوظيفة (في الإدارة والمرافق المؤممة)، ركن التوحيد والولاء «الوطنيين»، وهو كذلك ركن المراقبة والإلحاق. وعمدت السلطات الحزبية إلى توسيع التأطير الإداري، وتكثير المناطق والمراكز، وتذرّعت بهذا إلى زيادة عدد الوظائف وشراء ولاء الموظفين.

وخالف ضمور المدن الاجتماعي والاقتصادي المنزع الغالب إلى ترك الريف والنزوح إليها. وفاقمت صبغة النازحين المذهبية المشكلة. فالنازحون من الريف وقراه وأرضه إلى اللاذقية وطرطوس وحمص ودمشق والسويداء، أو إلى السلمية، هم علويون ودروز وإسماعيليون. ويقْدم هؤلاء على مدن، أي على أهالي مدن يتمتعون بزيادة سكانية، أو بـ»دينامية ديموغرافية» على ما يقال، تفوق متوسط زيادة القادمين، وتضيِّق عليهم نزولهم. ويأوي الوافدون إلى مناطق سكن تفتقر إلى تجهيزات الإقامة المتوسطة والمقبولة، وتنتهك الشرائط القانونية. فربع سكان دمشق وحلب، ونصف سكان الرقة ودير الزور، ينزلون محال أو مناطق «غير صالحة للسكن» العادي، وتفتقر إلى معظم مواصفاته او شرائطه. وفي السنوات 19981 ـ 1994، بلغ البناء غير المجاز قانوناً 66 في المئة من جملة أعمال البناء بدمشق، و75 في المئة بحلب. وفي الأثناء نشأت مناطق صناعية بجوار المدن هذه. فتعد منطقة الشيخ نجار 200 مصنع، ومنطقة دمشق 105، وتنتظر دير الزور ودرعا وحماه واللاذقية الواحدة منطقتها. ولكن المدن هذه تنفك تدريجاً، وينفك نموها الاقتصادي والسكاني من دوائرها المحلية وجوارها وريفها، وتنخرط في شبكات استثمار إقليمية وشرق أوسطية هي من ثمرات العولمة ودوائرها الموضعية وحواضرها المعلقة. فيؤدي الانفكاك والانخراط والجديدان والناشئان إلى تقطع أواصر المدن والأرياف بعضها ببعض، وإلى تصدع مسكتها ولحمتها. وقوة الأواصر هذه ومتانتها كانتا سمة التاريخ الإقليمي والاجتماعي السوري الثابتة والفارقة، ومعينه طوال القرن العشرين.

وعلى هذا، يجتمع ثلث الإنتاج الصناعي بدمشق، وشطر غالب من الخدمات والتجارة. وتتولى ثلاث مناطق حرة خدمة المركَّب الصناعي والتجاري والخدمي هذا. وفي الأثناء تعاظم عدد سكان دمشق وحزامها أربعة أضعاف في نصف قرن (1960 ـ 2004)، فبلغ 4 ملايين. ودمر اراضي الغوطة. فنزل المهاجرون من القلمون منحدر قاسيون. وانتشر مهاجرون آخرون، أقليات مذهبية أو قومية، على جهتي الطريق العريضة إلى عمان، والطريق إلى المطار، والطريق إلى حلب، وحاطوا «الحاضرة» جنوباً وشمالاً وشرقاً. وشفعت إحاطتهم هذه بإحاطة الفلسطينيين السابقة، ونزولهم مخيم اليرموك ومخيم فلسطين، وبينهما «مدن» تبالة ودويلة وجرمانة وغيرها. وتتخلل عشوائيات الهجرة والنزوح والمخالفة، بين قاسيون والغوطة، أحياء متوسطة الحال إلى ميسورة في المزة الجديدة ومساكن برزة. وفي قلب المدينة، ترسم شبكة الطرق الجديدة، ومجموعة الفنادق الفخمة، ومحطة سكة الحجاز، وأشغال تجديد معرض دمشق الدولي، وجهاً مختلفاً للمدينة الإقليمية.

ولا يقتصر التقطع الإقليمي الداخلي على دمشق وجوارها. فإلى الجنوب، حيث محافظات القنيطرة (الجولان) ودرعا (حوران) والسويداء (جبل الدروز أو العرب)، يقيم المزارعون والفلاحون السنّة، والمزارعون والفلاحون الدروز، بـ «بلادهم» وبضواحي دمشق وبدمشق نفسها، من غير ان يخالط بعضهم بعضاً أو يطووا خلافات الماضي القريب والبعيد ومنازعاته الطائفية والمذهبية، والقومية العرقية (الشركس و «العرب»)، والاجتماعية (التجار والزراع). وثأر البعثيون من «خانجية» حلب، تجار الحنطة والحبوب وأصحاب الأرض في سهلي انطاكية (قبل انتزاع «اللواء») وحلب ومزارعو القطن بأراضي الجزيرة المروية، فصادروا الأرض وقسموها، وانتزعوا معامل النسيج والدباغة والتبغ والمطاحن من ايدي اصحابها. وإلى اليوم، لم تلحظ خطط الأشغال العامة، وشق الطرق، وصل حلب بميناء اللاذقية، رئة سوريا الشمالية المتوسطية. فحلب لا تزال عقدة الطرق البرية التركية والعراقية والسورية، ومن ورائها اسواق جنوب أوروبا وحوض البحر الأسود والقوقاز، والساحة المالية الأقدر على المفاوضة مع أوروبا والخليج. واستعادت المدينة، واستعاد «خانجيتها» في حلة جديدة، مكانتها الصناعية في غضون سنوات قليلة أعقبت القانون 10/1991، خطوة «الانفتاح» الأولى. وتقيد نمو حلب عوامل بعضها طارئ مثل منافسة المنسوجات الصينية، وبعضها من صنع البعثيين وضعف تدبيرهم، مثل هزال العمل المصرفي، ودور السيولة في المعاملات المالية، وارتفاع الفوائد جراء ذلك وفشو الاحتيال. وشأن دمشق، يقتصر البناء القانوني على 25 في المئة من أعماله. وفيما شرق المدينة متروك لإقامة البدو المتحضرين، ينضبط غربها «الجديد» على مخطط مدني.

تغذية الضغائن

ونزل العلويون من جبلهم، في العقود الأربعة المنصرمة، إلى الساحل، بل الساحلين السوري واللبناني بين بانياس وطرابلس. وهم كانوا يتركونه للعمل في السهل الساحلي، والسهل الداخلي، وإلى الشرق من حماه على حدود بادية الشام وطريق قوافلها، ويعودون إليه في ختام المواسم الزراعية. ونزولهم «الجديد»، في عهد سطوتهم واستيلائهم، يتصل بإقامة دائمة. ومهد تجهيز خدمي يفوق المتوسط الوطني، لهذا الضرب من التوطن. فوصل الساحل الزراعي والصناعي والتجاري بالجبل، وأنشأ منهما وحدة حصينة وعلى حدة. وتقصد الاستثمارات الأوروبية والخليجية، التجهيزية والسياحية، هذه الجهة من البلاد السورية. وغلب العلويون على السنّة، وحلوا محلهم في المدن. وفي السهل الداخلي، أفلت حماه، «كرسي» أصحاب الأرض السنة، أفولاً لم يعقبه انبعاث على شاكلة حلب. وأجهز على المدينة خروجها، في 1982، على البعثيين «الجبليين»، وقمع هذا الخروج. فحرمت مصنع صلب أوكل إليه البعثيون إنشاء «طبقة عاملة» تقارع «البورجوازية» و»الإقطاعية» المحليتين، وتخضعهما. وسطعت حمص، القريبة والمختلطة. وجزيت ببناء مجمع صناعي بتروكيميائي، ومحطة تكرير للنفط، ومدينة صناعية (في 2002)، إلى طريق عريضة وواسعة (في 1992) ربطت السهل الداخلي بالجزيرة.

ولازم ضمّ الجزيرة ومحافظاتها الثلاث (الرقة ودير الزور والحسكة)، إلى «بلاد الشام»، وحدودها الاصطلاحية الفرات أو ضفته الغربية، تعريبُها. فهي بلاد الكرد أولاً، ثم الشركس الذين جنّدهم العثمانيون، وبلاد الأرمن الهاربين من الإبادة والقتل في 1915، والأشوريين العراقيين الناجين من مذابح الضباط العروبيين والمسلمين في 1932. فأقطع شيوخ العشائر أراضي نزلتها عشائرهم، وشيدت حصون و «قصور» عسكرية، أو كركولات، في قلب الديرات الكردية، ونشأت «المدن» الثلاث حول الحصون هذه، وفي ظلها. ولم يغلب التوطن على الجماعات المترحلة الكردية والعربية، إلا في اثناء الجفاف الكبير الذي اصاب أطراف البادية (1951 ـ 1954)، وصحبه ثم خلفه ازدهار زراعة القطن، وارتفاع اسعار محاصيله. فمال الشاوية، وهم بدو يترجحون بين العمل في الأرض وبين العودة إلى البداوة، إلى التوطن الثابت. ونجم عن ارتفاع أسعار القطن، واتساع الأراضي المزروعة والجديدة، ثراء بعض اهل العشائر وقيامهم على الشيوخ، ومنازعتهم المشيخة والصدارة الاجتماعية. وجمع حافظ الأسد في سياسة واحدة استيلاء الحزبيين البعثيين، ومعظمهم من الشاوية، على المواقع الإدارية والسياسية في محافظتي الرقة ودير الزور، من وجه، وطمأنة كبار الملاكين إلى دوام حالهم، وإلى وراثة أولادهم المواقع الإدارية والسياسية التي تحفظ المقامات والوجاهات، من وجه آخر. فأقام القديم على قدمه، والجديد على جديده، والضغائن والمنازعات على حالها. وعندما أغرق سد الأسد، بعد 1973، أراضي قبيلة الولدة قرى مجرى الفرات، تولى الحكم البعثي إنشاء 41 قرية عربية، انتظم منها «حزام عربي»، على الحدود التركية في بلاد كردية في معظمها، وعلى أرض يعود ملكها إلى ملاكين كرد. وتضافر الفساد الحكومي الحزبي والأهلي، وإرث المنازعات والخلافات القبلية الثقيل، على خنق تعاونيات مشروع الفرات، قبل ان يقضي بشار الأسد بطي المشروع بعد نزع دام ربع قرن. وعظم مكانة الجزيرة و»عروبتها»، وهي مصدر ثلثي إنتاج الحنطة، اكتشاف النفط، وابتداء استثماره في 1984. فلما أطلت، في 2004 غداة عام على سقوط صدام حسين واضطراب العراق، حركة كردية ومحلية برأسها، خاف الحزبيون «العرب»، وقتلوا عشرات المتظاهرين، وطاردوهم إلى حلب وجامعتها.

مرآة الصدوع والمنازعات

وعلى مثال الإقليم وأقسامه وموازناته واختلالاته يقرأ الباحث في السكانيات السورية، أو سكانيات السوريين، «يقين» المجتمع، و «تردده ومنازعاته وصدوعه» (على قول يوسف كرباج، كاتب مقدمة الباب السكاني أو الديموغرافي). فوفيات الأولاد العالية مرآة حال البلد الصحية، وتفاوت متوسطاتها بحسب الجماعات الأهلية مرآة تباين أحوال الجماعات واختلافها، من وجه أول، وتفاوت المتوسطات، من وجه آخر، قرينة على حال التماسك الوطني وحدوده وضعفه، وعلى تهميش بعض الجماعات بإزاء أخرى وأفولها. وإذا كان السكان السوريون لم يتردوا إلى الحال التي تنم بهشاشة التماسك الوطني وتصدعه، فحالهم لا تدل على التجانس السكاني المتوقع في مجتمع متماسك، وقليل التفاوت. ولا ينكر ان السوريين يسيرون بخطو بطيء على طريق «المرحلة السكانية (الديموغرافية) الانتقالية»، وهي مرحلة انتقال مستويات الوفيات والولادات من 45 إلى 50 في الألف إلى مستويات قريبة من 10 في الألف. وكانت النساء السوريات، إلى منتصف الثمانينات، مفرطات الخصوبة، وتلد واحدتهن، متوسطاً، 7.8 أولاد. وفي عقدين من الزمن نزلت الخصوبة المفرطة إلى النصف. ولكنها لا تزال بعيدة من التوسط العالمي، وهو «ختام» المرحلة الانتقالية، ويبلغ 2.1 ولدين متوسطاً (على ما هي الحال في المغرب والصين وتونس). والمتوسط المتواضع هذا ثمرة عولمة سكانية، على مثال وجوه العولمة الأخرى، والإحجام عنها. والإحجام ليس وليد «قرار» مدرك بل صدى معقد لأحوال كثيرة، وهو صورة ربما من صور التحفظ عن العولمة والحداثة والمعاصرة.

ولم يعدم السوريون تحصيل منافع الحداثة، في الأثناء. فمتوسط السن التي يسع السوري بلوغها قبل الوفاة، في 2004، هي 75 عاماً. ويفوق المتوسط هذا متوسط سن الآباء والأمهات 15 عاماً، و30 عاماً متوسط سن الأجداد. وكان ربع الأطفال يقضون قبل سن الخامسة، غداة الحرب الثانية. ويقضي اليوم 1.8 في المئة قبل السن هذه. وكان يفترض في السكان السوريين ان يتموا «انتقالهم» في ربع القرن الأخير. فسن النساء (الإناث) حين الزواج ارتفع تدريجاً، والأمية نزعت إلى الانحسار، ونزل الريف عن شطر متعاظم من سكانه للمدينة، وتحسنت صحة الأولاد وضاقت شقة التفاوت بين النساء والرجال. فلم يبق على هذا، إلا ان يلحق متوسط عدد الأولاد بالركب، وينزل إلى الرقم المتوقع والمرجو. وتخلف المتوسط عن الركب لعلة ثقيلة هي تخلف النساء عن دخول سوق العمل والإسهام فيه إسهاماً نشطاً، وعلى حين كانت النساء العاملات 10 في المئة من جملة النساء في سن العمل، في 1960.، رجعت نسبتهن إلى 7.9 نساء في 1981، واستقر متوسط عدد الأولاد الذين تنجبهم المرأة الواحدة على 4.4 أي ضعفي العدد «المناسب».

وقد يعزى العامل المعوق إلى حال سوريا الاقتصادية في منتصف ثمانينات القرن الماضي. فبعد عقد من الزمن بلغ متوسط النمو السنوي 9.4 في المئة، وغذت الخزينة السورية الهبات العربية وعوائد العاملين السوريين المهاجرين إلى الخليج، أدى تردي سعر النفط، في 1986، إلى تقلص سوق العمل، وأدت نهاية حرب الخليج، في 1988، إلى ضمور «الوساطة» السورية. وتعاظمت مديونية دول الخليج غداة حرب الخليج الثانية. وعلى رغم تأنيث شطر من اليد العاملة السورية، نزولاً عند الضرورة الطارئة، لم ينخفض متوسط عدد الأولاد، بين 1991 و2004 إلا من 4.20 أولاد إلى 3.58. ولم ينفع كثيراً في معالجة الحال هذه ارتفاع متوسط سن الإناث عند الزواج إلى 25.6 سنة (في 2001)، ولا إقبالهن على التعليم، وتمدينهن وإرسال أولادهن إلى المدرسة. فإذا بنخبة النساء، تعليماً وعملاً ويسراً، ينجبن، في 2001، أولاداً فوق ما كن ينجبن في 1991 (2.60 ولدين نظير 2.56 ولدين). والعلة هي نفسها، أي اقتصار عمل النساء على سُبع عمل الرجال، وعزلة المجتمع السوري السكانية.

والمقارنةُ بين انجاب الطوائف والأقوام مرآةُ علاقاتها. فسنّة سورية تعاظمت حصتهم من السكان عموماً من نحو 62 في المئة (1953) إلى نحو 72 في المئة (2004) في نصف القرن المنصرم. وينافس الكرد العلويين على المحل السكاني الثاني (8.1 في المئة و10.9 في المئة). وتقهقر المسيحيون من 13 في المئة إلى 5، جراء «سبقهم» وإدراكهم، مبكرين، تمام «المرحلة الانتقالية» العتيدة. وحملهم على هذا سلوكهم طريق الهجرة منذ منتصف القرن التاسع عشر العثماني، وهم عقدوا قبل الجماعات السورية الأخرى علاقات قوية بالغرب ومهاجره، ثم التأميمات الناصرية فالبعثية التي أجلت بورجوازيتهم عن مواطنها. ولا يبعد الدروز من العلويين، والجماعتان تتشاركان «امتلاك» بلاد هي وقف عليهما ولا يشاركهما فيها جماعة أخرى، ثباتاً على نسبة من السكان (3.1 في المئة فيما يعود إلى الدروز). والجماعتان تقتسمان المحافظات الأربع، اللاذقية وطرطوس والسويداء والقنيطرة، التي تشهد «انتقالاً» سكانياً متوسطاً أو طبيعياً. ولكن جملة سكانها تكاد لا تبلغ المليوني نفس، أو 11 في المئة من السوريين. وإلى السمتين هاتين، تشترك الجماعتان في هجرة عريضة إلى دمشق. فالعاصمة السياسية والإدارية هي عاصمة الجماعتين السكانية، وحاضرتهما، من غير ان تؤدي الحال هذه إلى انفكاك الجماعتين الرمزي من «بلادهما». ويلاحظ احد الباحثين، فابريس بالانش، ان علاقة العلويين بجبلهم لم تبق العلاقة الإقليمية الوحيدة، ولا الغالبة. وخروجهم من الجبل، وانتشارهم في المدن الساحلية وبعض المدن الداخلية (حمص ودمشق) يضطلع بدور «توحيدي» يتخطى البعثرة الغالبة إلى اليوم. وعلى قدر ما يتقلص ثقل السنة في المدن الساحلية، تقوى روابطهم بمدن الداخل. وعلى قدر ما يتدنى ثقل العلويين في دمشق، جراء الإجراءات الليبرالية الاقتصادية، تشتد أواصرهم بقراهم في جبلهم. فالمهد، أو محل الولادة على قول تذكرة الهوية اللبنانية، هو قوام الهوية العميقة.

ويبدو ان الجماعة العلوية ليست بمنجى من التقلص السكاني. ولعل السبب في استطالة حكمها، أو بعض السبب، هو طاقتها على «مفاوضة» الجماعات الأخرى على الصعيد السكاني، مصاهرة وجواراً واستدخالاً وشراكة. ووسعها التمدد في الجبل المطل على الساحل. فريف الجبل الساحلي أو الغربي علوي كله، إلى بعض الجزر أو الجيوب السنية والمسيحية. وكانت مدن الساحل، في عهد الانتداب، سنية (78 في المئة) ومسيحية (20 في المئة). فغلب العلويون على المدن: طرطوس (70 في المئة، في 1990)، وبانياس وجبلة (65 في المئة)، واللاذقية (55 في المئة). ويرجح ان يكونوا اليوم، في أعقاب 16 عاماً على الإحصاء هذا، بلغوا 80 في المئة. وعليه، ينزل 70 في المئة من جملتهم او مجموعهم في سوريا كلها، الجبل الذي اشتق اسمه منهم، والمدن التي استدخلوها وغلبوا عليها. فإذا جُمع إلى هذا تفوق تجهيز البلاد المتصلة هذه (على خلاف بلاد الدروز بدرعا وحوران) على غيرها من المحافظات السورية، لم يبعد ان يكون إنشاءُ معقل أو حمى أهلي سائق سياسة متماسكة الحلقات وبعيدة النظر (أو ضريرة، على حسب الوجه الذي يراها الواحد عليه).

«علة» النساء

وتنكص المدرسة نكوصاً فاضحاً عن توحيد البلاد السورية وجموع سكانها ومحافظاتهم وطوائفهم على نسبة تعلم متجانسة أو متقاربة. فثلث نساء الشمال أميات، شأن نصف نساء (إناث) الرقة. ولم يبلغ المرحلة الثانوية أو الجامعية من رجال (ذكور) حلب إلا 12 في المئة منهم، نظير 24 في المئة من رجال دمشق، مدينة وريفاً. ومن نساء حلب، 8 في المئة بلغن إحدى المرحلتين، نظير 23 في المئة من نساء دمشق. و10.4 في المئة من الإناث لم يجتزن عتبة مدرسة. وتبلغ نسبة من «لفظهم» أو لم يشرع الجهاز المدرسي أبوابه بوجههم، من اهل حلب، إناثاً وذكوراً، 11.4 في المئة، أي عشرة أضعاف نظرائهم بدمشق، ونصف نظرائهم بدير الزور 22.6 في المئة). ويجر تردي التعلم اقتصار عمل النساء بحلب على 6 في المئة من اللواتي هن في سن العمل، بينما تبلغ نسبة نساء جبل العلويين وجبل الدروز العاملات 20 إلى 30 في المئة من جملتهن. والشمال (السني) أضعف تجهيزاً بالماء والكهرباء والصرف الصحي من غيره من البلاد السورية. فنحو 20 في المئة من مساكن الحلبيين لا تبلغها مياه الشفه. وهذه لا تبلغ 1.4 في المئة من مساكن اهالي مدينة دمشق، و8 في المئة من مساكن ضاحية العاصمة. وتجري على نحو قريب من هذا فروق المداخيل.

وتتولى علاقات القرابة والإقامة إي الزواج والصهر والتوريث والحلف، الإقامة على الأبنية والمراتب، واستئنافها استئنافاً يحفظها على حالها ما أمكن، وتقييد جديدها بقديمها وإنزاله على حكم القديم. فإلى اليوم، وعلى رغم انقلاب الحياة المادية رأساً على عقب، لا يزال 40.4 في المئة من النساء السوريات يتزوجن في بني اعمامهن وأخوالهن ومن هؤلاء وأولئك، ولا يتعدينهم إلى دائرة قرابة او جوار أو «معرفة» وعمل أوسع. وتبلغ النسبة هذه في الريف 47.4 في المئة. وإلى اليوم، لا يزال زواج الأبناء الذكور، وفيئهم إلى «جناح» آبائهم، الطريق إلى توسيع العائلة. وبعض فرادة الجماعة العلوية يتأتى من إقامة الأزواج الذكور ببيوت زوجاتهم (8 في المئة بطرطوس و16 في المئة باللاذقية)، على خلاف التقليد الغالب على السنة (2 في المئة بحلب). وهذا كذلك فرق من الفروق التي ينكرها «السياسيون»، في العلن، على الجماعات التي يأتلف منها المجتمع ويتقطع، ويماشونها، ويماشون تقاليدها ومصالحها في «السر»، أي في القوانين والتشريع والسياسة الفعلية والبعيدة المدى. فلا غرو إذا كانت «المراوغة، وكان «التكتم» (ليلى هودسون)، من طريق الحجاب أو من طريق المحادثة الإلكترونية والرسائل المختصرة، بابي الشباب السوري إلى العلائق الشخصية والعامة.

ولا يشك المراقب، بعد الباحث «الحقلي» ومؤرخ الأربعين عاماً المنصرمة على وجوه التأريخ المتفرقة، في ان منزع الكتلة السورية الحاكمة والمتسلطة إلى «الأبدية» («إلى الأبد مع...»)، وإلى «تجديد» الرئاسات والولايات و»تمديدها» إلى رمق الرؤساء والموالي الأخير، على ما يعلم اللبنانيون علماً أليماً ومريراً ـ لا يشك في ان المنزع هذا يترتب على جمود المباني الاجتماعية، وتحجر الجماعات على مخاوفها وتحفظاتها والقلق الذي يبعثه فيها مستقبل غريب لم تعد العدة لاستقباله ومفاوضته ومحاورته. فتباعد الجماعات بعضها من بعض، وتحاجزها، واستيلاء بعضها على مقدرات بعض بالقوة والقسر. واتساع الفروق الأساسية بينها، والحؤول بينها وبين جهر خلافاتها وإدارة العلاقات السياسية على الخلافات وتدبرها وحلها، والاستعاضة عن هذا بالخطابة القومية والاستراتيجية وبالكذب الصريح، هذا كله، وغيره مثله، لا يعد ضحاياه إلى استباق تحولات العالم. فإذا اضطر «مجتمع» الجماعات هذه، وهو مجتمع على معنى الغلاف الخارجي وليس على معنى التفاعل والتواشج والتوارد، إلى السير في وجهة غير الوجهة التي سار فيها إلى يومه لم يدر اهله لِمَ اضطروا إلى هذا، ولم قدم هذا النهج على غيره.

طبابة الانهيار

ولعل الأعوام 1979ـ 1986 قرينة على صدق الزعم هذا. ففي غضونها انهار الناتج الداخلي (الإجمالي) السوري، وفقدت السوق سلعاً أساسية وحيوية، وتهدد الإفلاس الخزينة التي عجزت عن ايفاء الديون والقروض وخدمتها. وترتب هذا على انحياز حافظ الأسد إلى الحكم الخميني وسياسته الثورية، بإيران والمشرق الغربي. فانكفأ الدعم العربي الخليجي، وظهر على الملأ ان «ازدهار» السبعينات كان صدى من اصداء تعاظم الريع النفطي، وعوائد العمالة السورية في بلدان الخليج. ولم تنتج العوائد في الداخل أثراً دائماً وطويلاً يغذي بدوره تحسيناً بنيوياً. فالاقتصاد السوري، في عهده الكتلة العسكرية والأمنية والحزبية، «عالة» على البلدان العربية، وعلى اللبنانيين خصوصاً، على قول فيليب دروز ـ فانسان في فصله الذي وقفه على السياسة السورية الإقليمية. واعتياله هذا ليس مرده إلى فقر الموارد وشحها، بل إلى ضعف تثميرها وسوء إعمال علاقتها بالخارج وعلاقة الخارج بها (وضعف تدبير التفاعل، أو العلاقة بالخارج، لازمة فصول «سوريا حاضراً» ومباحثه).

وآذن بالانكفاء والتردي هذين قمع الحكم حركة مدنية داخلية نواتها المحامون ونقابات المهن، ودخول القوات السورية لبنان (وقمعها اللبنانيين «العروبيين» والفلسطينيين المسلحين ليس وجهاً من «عداء الديموقراطية»، على قول بعض المعارضة السورية، فالقول هذا قراءة «قومية» و»سوفياتية» أو تقدمية تشترك مع السياسة الأسدية في تناول الكيانات الوطنية تناولاً يغفل ديناميتها وبنيتها الداخليتين على ما مر وصفه، ويقدم عليهما، شأن التدبير الأسدي، القومي والاستراتيجي، معياري الانقياد والتراص). وتبعهما الدخول في الركب الإيراني، والمشي فيه. وتوج قمع انتفاضة حماه، في 1982، هذا الجزء أو الجملة من الوقائع والحوادث السورية. فلما انكمشت المساعدات العربية، وبعض انكماشها كان جراء أحكام الضرورة المالية، بادر الحكم إلى إجراءات «ليبرالية» في الزراعة. فأباح الاتجار الخاص بالمنتجات الزراعية وأولها القطن والقمح، وكان الاتجار بها حكراً على أجهزة الحكم. ورضي تسديد أثمانها بسعر السوق، وليس بالسعر الذي يعود على الأجهزة بعوائد تتصرف فيها على ما تشاء ويحلو لها. والإقرار بسعر تجاري مستقل عن احتياجات الإنفاق العسكري والأمني والمذهبي «الزبائني»، من أقسى الأمور على كتلة متسلطة لا تقر للمصالح الاجتماعية المخالفة بحقها في الاحتكام إلى معايير غير معيار الكتلة المتسلطة. ودعي القطاع الخاص إلى زيادة الصادرات. واستقبلت شركات النفط العالمية بالترحيب، وكانت إلى أمس قريب موضع تهمة محققة وأثيمة.

وتوج حافظ الأسد هذا الجزء من الحوادث والوقائع بانخراطه في التحالف الدولي الذي تصدرته الولايات المتحدة، وتولى إخراج صدام حسين من الكويت. وغداة الانخراط هذا صدر القانون رقم 10/1991. فـ «حرر» الاستثمار الخاص في ميادين اقتصادية ثانوية تعود على اصحابها بأرباح سريعة، ولا يصعب جعلها مواقع ريعية. واستأنفت المصادر الخليجية بعض مساعداتها وهباتها. وهاجرت العمالة السورية إلى بلدان الخليج، وإلى لبنان، بأعداد كبيرة. وكان «حل» المسألة اللبنانية، في 1989 ـ 1992 (1990)، من ثمرات «المرحلة الجديدة»، على قول سوفياتي وشيوعي سائر. فشهد الاقتصاد السوري غداة الانعطاف الاقتصادي والسياسي الضعيف هذا «طفرة» قوية رفعت متوسط النمو السنوي إلى 10 في المئة. ويسترسل بعض الباحثين، شأن سمير عيطة كاتب الفصل الاقتصادي العام من «سوريا حاضراً»، مع أحلامهم «الصينية»، وهي أحلام الكتلة المتسلطة. فيرون فيما يرى الرائي في المنام حافظ الأسد في صورة دينغ هسياو ـ بينغ، باني الرأسمالية الصينية المحدثة، فاتحاً باب السوق الداخلية بوجه المستثمرين السوريين والأجانب. وتغفل الرؤيا هذه، على معنى حلم المنام، الفرق بين كتلة حاكمة (سورية) عصبية وأهلية وبين كتلة (صينية) ضيقت الدائرة الأهلية للحمتها، وقصرتها على أقرب الحلقات. وتغفل الفرق بين سياسة (سورية) ترسي سلطتها على تضييق دائرة المنتفعين، وحصرهم في المقربين والخواص ونفي من عداهم من الدائرة هذه، وبين سياسة (صينية) لا تخشى ضم منتفعين جدد إلى دائرة تنزع إلى التوسع من طريق الأحلاف، وتقبل اقتسام العوائد.

فنجم عن القانون العتيد تراكم رأسمالي وخاص خطا خطواته الأولى، واقتصر على خواص أهل «الدولة» وعصبيتها، وعلى بعض من لا غنى عن وساطتهم وخدماتهم وعلاقاتهم بالمراكز الأجنبية. فلم يلبث الاستثمار ان ضمر، وتبدد شطر منه في فضائح مالية ذاع بعضها، وكتم بعضها الآخر. وتجددت دورة التردي في 1996. وآلت، في 1999، إلى نمو سالب. وبلغت البطالة مستوى بعث الخوف في الكتلة الحاكمة. واختصرت الموازنة العامة إلى 50 في المئة من حاصلها، ومعها رواتب الموظفين ونفقات الصحة والتعليم والخدمات العامة الأخرى. وكان على الإصلاحات التشريعية والبنيوية أن تنتظر عام 2004، وتسلك طريقها إلى الإنفاذ البطيء والمتردد. فعقدت اتفاقات تحرير المبادلات مع البلدان العربية، ومع تركيا، قبل إعداد الصناعات السورية للمنافسة. ورفع احتكار الدولة العمل المصرفي في 2001 ثم في 2004. وعهد إلى مصارف لبنانية برعاية خطوات الوليد الجديد والضعيف. وحرر التأمين في السنة التالية. ويعود حبو الحركة الاقتصادية، في المرتبة الأولى، إلى الفرق العظيم بين ثقل الأجهزة المركزية الساحق والمهيمن وبين ضآلة اداء هذه الأجهزة الحقيقي. فالمصرف الزراعي، على رغم شبكة وكالاته وفروعه المحلية الكثيرة (وهي وكالات توظيف وتنفيع)، وتكلفته الباهظة، لم يزد حجم قروضه وتسليفاته، في 2003، عن 135 مليون دولار. وتساوي القيمة هذه 1.7 في المئة من قيمة الناتج الزراعي الإجمالية. وكانت قيمة الصادرات الزراعية بلغت، في 2002، مليار دولار، وحصة الزراعة من الناتج الإجمالي 25 في المئة. وكان 65 في المئة من قيمة التسليف الرسمي الضئيل عينياً، قوامه الأسمدة والبذور.

شق «الشعب» على نفسه

وتوسلت الكتلة العصبية المتسلطة بالأرض، وبالإصلاح الزراعي، إلى استمالة الموالين والزبائن، وإلحاقهم بها واستتباعهم (جعلهم اتباعاً وموالي وخواصاً)، وحرفت الإصلاح عن غرضه، وهو إنشاء طبقة من صغار المزارعين المنتجين ومتوسطيهم. فملكت اقل من ثلث الأرض المصادرة (466 ألف هكتار من 1.5 مليون) 52 ألف عائلة، قيدت ملكيتها بـ8 هكتارات (80 دونماً). وأجرت 712 ألف هكتار إيجاراً استنسابياً من 24 ألف مستفيد، متوسط المساحة المؤجرة إلى المستفيد 30 دونماً (3.7 اضعاف متوسط حصة المالكين). والباقي ضم إلى ديوان «الدولة» الخاص، وباعته «الدولة» من خواصها. فالتوزيع والإيجار والبيع ادوات سياسية، أي عصبية وأهلية، خالصة. وخريطة الانتشار المذهبي الجديدة مرد شطر منها إلى السياسة الزراعية العصبية والأهلية هذه. وتنتخب السياسة هذه كتلة قليلة، ترصها رصاً، وتربطها بها ربط المدين بالدائن، والقن بالسيد، وتسلطها، من وجه آخر، على الكثرة الغالبة عدداً، والخاوية الوفاض، على الصورة الهرمية والمرتبية التي تنم بها اعداد المستفيدين من «الإصلاح» الزراعي وقاعدة الهرم المغيبة هي نحو 150 ـ 200 ألف عائلة (مليون نفس) لم تنتفع من التمليك، ولا من الإيجار، ولا الشراء، هي معين يد «عاملة» تصدّر إلى حيث تدعو الحاجة إلى شق الطرق والبناء وأعمال البنى التحتية، لقاء أجور زهيدة.


ويكاد هذا ان يكون غيضاً من فيض التحجير والتسلط العصبيين وشق «الشعب» على نفسه. ففي حقول أخرى مثل «السياسة الدينية»، أو التشريع المدني والتجاري، أو الثقافة والإعلام، إلى الإدارة والقوات المسلحة وأجهزة الأمن والجريمة والسجون والتربية والتعليم والمرأة والحياة المحلية والأسرة (على وجه الاختبار الشخصي) التي لم تتناولها مباحث «سوريا حاضراً»، تلبس «الأمة ـ الدولة» المفترضة، القومية والاشتراكية على الزعم الرسمي منذ 40 عاماً، مرقَّعة، أي لباساً ممزقاً ورثاً، مجموعاً قسراً وغصباً من رقع مختلفة النسيج واللون والمصدر، ويخاط بعضها إلى بعض عنوة، ويتستر خياطها على تمييزها وتلصيقها. ويدعو «الخياط» إلى الغفلة عن تولي «حزبه» أو فريقه السلطان المركزي كله، وانفراده به دون الجماعات السورية الأخرى، وتسويغه الانفراد هذا بذريعة بناء «أمة ـ دولة»، أو «شعب» متماسك وواحد من جماعات قومية ومذهبية ومحلية متفرقة وغالباً متنازعة. وطلب السلطان هذا تصريف الموارد على هواه تلافياً، على زعمه، لتمزق «الأمة» وتنازعها، وميلها مع أهواء جماعاتها ومصالحهم الضيقة والصغيرة. فإذا بهن في أعقاب 40 سنة من ولايته المطلقة، يباعد الشقة بين الجماعات، ويزرع بذور خلافات عميقة و»حيوية» أو عضوية بينها، ويرتبها «طبقات» على معيار الولاء الأعمى له، ويستبيح مشتركها. فتتطاول الخلافات والفروق إلى اركان الحياة البيولوجية، وإلى ثناياها وحظوظها، وإنتاج الموارد وتداولها وتوزيعها، وإلى الأماكن والإقامة بها وما بينها من مواصلات وجسور وقرب وبعد. وتتطاول أول ما تتطاول ربما إلى اللغة. وهذا عود على بدء.