الاثنين، 29 أبريل 2019

سجون "داعش" لا تترك آثاراً ولا أطلالاً


المدن، 24/4/2019
 
ميناء غزة (رويترز)
في معرض بحث اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن لويزا أكافي، الممرضة النيوزيلاندية، وعلاء رجب ونبيل بقدونس، السائقين السوريين- والثلاثة خطفوا في 13/10/2013 في طريقهم إلى إدلب في قافلة إنسانية ويرجح أن "داعش" هو الخاطف والسجان- ناشد مدير عمليات اللجنة، دومينيك شتيلهارت، من يعلم شيئاً عن الثلاثة إبلاغهم ما يعلم. وكان شتيهارت أمل أن تتكشف هزيمة التنظيم الارهابي، وانحسار سيطرته على آخر جيوب كان يسيطر عليها، في الرقة وهجين والسوسة والباغوز الفوقاني، عن الأسرى والرهائن والمخطوفين، أو عن آثار تقود إليهم أو إلى معرفة مصيرهم.
 فالأسرى يسجنون أو يحبسون في محبس أو حبس. ويفترض أن يكون سجنهم مغلقاً، ويعزل المسجونين عن الخارج بجدران وسقوف.  وحين طردت "قوات سوريا الديموقراطية" ("العربية- الكردية المدعومة من تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الاميركية"، في تعريف سائر) التنظيم الارهابي من معاقله السورية كلها، بحثت في سجونه، بين الرقة والباغوز، عن آثار خلفها المسجونون وراءهم، في معتقلاتهم. وهذا البحث يصدر عن تجربة تكاد تكون عامة. فحيث يلفي ناس محبوسون قسراً أنفسهم في مكان مسور، منقطعين من تواصل العالم المشترك، ومن علامات استدلاله في المكان والزمان، يلجأون إلى نظام تعارف وتعريف بديل يدرجهم في عالم مشترك، ويسعف قراء الآثار على تعقب أحوالهم وأطوارهم.
 وإذا وسع الناس وهم أحرار التصرف، كتابة وتصويراً وتاغاً، بالجدران ومساحات الكتابة المتاحة في جوانب مستطيلات الحجارة (ميناء غزة على سبيل المثل)، لم يتركوا سنتيمتراً واحداً لم يسطروا عليه سطورهم. فكتبوا مناشداتهم ("كوني لي وطن أكن لك...") ورؤاهم ("يرتسم أمامي محياك") ومواعيدهم ("لموش" 4/12) وهواتفهم، وعهودهم ("الدنيا التي تخلو منك... تخلو مني 21/10/2017")، وتهانيهم ("عقبال 120...")، وأيامهم ("one day we will be، وقلوبهم أو صورها، وأسماءهم المرمزة... وتظلل سماء يلعب الغيم في ملعبها الفسيح محاورةَ "الكتّاب"، الشبان على الارجح، بعضهم بعضاً وقراءهم العابرين، وشركاءهم في أمور معلومة وأخرى مجهولة. وتظلل السماء الطلقة معالم تاريخ قريب وأطلاله الاسمنتية.
 وإنسان العصر الحجري رسم على جدران المغاور، في لاسكو الفرنسية وغيرها، مشاهد من صيد الثيران، المقدسة ربما، وركضها. وأراد الرسامون أم لم يريدوا، "تقول" رسومهم مواد ألوانهم وصناعتها وحفظها ومصادرها النباتية والمعدنية وبعض دلالاتها، وتقول خطوطهم بعض وجوه تناولهم عالمهم وأشياءه. ومن مغاور لاسكو إلى مراحيض المقاهي والمطاعم والمدارس والحانات ومحطات السفر، في أنحاء العالم كله، أقام البشر على تدوين أسمائهم، وأرقام هواتفهم، وتاريخ اعتقالهم وأهومتهم ودعواتهم على الجدران والحيطان النظيفة والوسخة، الخفية والظاهرة، المصنوعة من السيراميك أو من الاسمنت العاري، المطلية بالدهان أو بالكلس. وقد يطبعون عليها آثار الشفاه أو يمرغون لعابهم أو منيهم أو غائطهم. فالأثر، أيُّ أثر، خير ألف مرة من إغفال العدم والغياب والصمت.
فماذا فعل "داعش"– وهو أسر الآلاف من أهل البلاد التي حكمها "بالسيف" على قوله، وبنار المدافع والمتفجرات والبنادق وحديد المدرعات وناقلات الجند، وبـ"إيمان" المتطوعين والمرتزقين الانغماسيين واحتياط المصارف، فعلاً-، حين نفذت كلمته و"شريعته" في أسراه وسباياه ورقيقه؟ صنع "سجوناً ومعتقلات ومنفردات" (محابس انفرادية)، على قول عسكري من "قسد". وهذا "طبيعي". فأهل السلطان في الحضارات كلها، والثقافات على أنواعها، الغربية الملعونة الآفلة والشرقية المشرقة الوارفة، عزلت في أماكن محكمة الغلق من تحملهم على الانتهاك أو التمرد أو الخروج.
 وأدرك أبوبكر البغدادي و"نخبته"، وربما سبقه الظواهري أو بن لادن إلى إدراكه النافذ و"العبقري" هذا، أن الحبس، والحجز بين المحبوسين وبين عالمهم المعتاد والمشترك، يقصِّر عن قطع الروابط والأواصر التي تشد المسجونين إلى الاجتماع والعمران. فما يجدر بالمعتقل الداعشي (وهو مرفق من مرافق "الدولة الاسلامية" على زعمه أي إنه صيدناياها – المعتقل الأسدي السوري- وإيفينها- المعتقل الخميني الايراني- وقصر نهايتها- المعتقل الصدّامي العراقي، وأبوغريبها الاميركي الاحتلالي...) أن ينجزه، وينفخ فيه روح ثقافته وحضارته المشرقيتين هو قطع دابر المسجونين بعد إخلائهم سجنهم وجلائهم عنه إلى حيث يعلم أحد أو لا يعلم.
فـ"داعش"، ومن لف على غرار لفِّه أو قريباً منه، لا يقتصر على العزل والقطع والقتل حاضراً، بل ينظر إلى أبعد، إلى مصير الآثار التي قد يخلفها أسير الحرب، وقد تكون اسمه وحده ليس إلا، فتشي بفعل "الخليفة"، وتنشئ رابطة بين الرهيبنة وبين متعقبي الآثار وقرائها. ومن طريق هذه الآثار القليلة والغامضة يعود الرهائن الى عالم الأحياء ولغته ويدخلون مداولاته وأحكامه ومنازعاته. وعلى قدرٍ ما، يحيون. وينهض هذا دليلاً على ضعف "داعش": فهو إذا أراد موت أسيره وجَبّ أثره، أخفقت أو حبطت إرادته.
 فعمد إلى "تلبين (تطيين) جدران السجون والمعتقلات والمنفردات" وذلك سعياً في "مسح الأسماء والذكريات المنقوشة على حيطانه"، قال عسكري من "قسد". وبعد التلبين (باللِّبن) "دَهَن (داعش) المهاجع الكبيرة باللون الأبيض لإخفاء ما تبقى من ذاكرة المعتقلين". ويشرح الرجل السبب في المرحلة الثالثة، بعد التلبين والتبييض، وهي التحريق: "كان عناصر (داعش) يقومون بحرق وتلبين (و) دهان مقراته وسجونه السرية لعدم معرفة شيءعنهم" (عن المعتَقلين وعن المعتقِلين، معاً وجميعاً). وعلى هذا، يطلي السجانون ثلاث طبقات على بقية المسجونين: طبقة اللبن، وطبقة الدهان، وطبقة (الحرق بـ) النار. وفي آخر المطاف "أسمي غياباً الوجه الذي كنته، صمتاً صوتك" (رينيه شار في مقالة سجّاني المجانين وحرسهم، والسجانون والحرس ليسوا أصحاب الوظيفة المرسومة وحدها، فهم منطق المعاملات والأحكام، والمعارف التي تسوغ الوظيفة وتدخلها في شبكة وظائف متماسكة).
 فالمعتقل الداعشي لا يقنع بالعزل اقتصاصاً أو منعاً لضرر قائم أو مؤجل، ولا بالقتل ثأراً أو جزاءً أو رداً، ولا بالاستئصال إرهاباً وترويعاً. فهذه كلها تتناول الكيان المادي وحدوده العملية وتحتسب عمليات قانونية وجزائية، منحرفة من غير شك ولكنها تحتكم إلى عقلانية حسابية، ولا تخلو من التبديد الفظيع، ربما على مثال الحرب عموماً والحروب المقدسة والأهلية على وجه الخصوص. فلا يقتصر المحو على الرمي في العدم، على نحو ما يرمى المكبل بالحديد في البحر أو النهر، فيطويه الماء وقاعه العميق.  ويتطاول الاعتقال الداعشي، أو هو يريد التطاول إلى المعاني التي يبسطها جدار ميناء غزة على الملأ، وتقيم في الظل على جدران السجون والمستشفيات وغرف الانتظار والمقاصف وغيرها مثلها. وتفترض هذه المعاني مخاطَبين إنساً (يأنسون، وإذا ازدوجوا صاروا "انسان"، على زعم كمال يوسف الحاج نقلاً ربما عن مارتن بوبر، الألماني- "الفلسطيني" وجامع "أنا وأنت" في تضايف وتلازم لا فكاك منه لواحدهما من الآخر).
وينبغي أن يحرم إعدام الآثار ثلاثاً (التلبين والتبييض والتحريق) المسجونين والمعتقلين والموقوفين من القيام في زمن حاضر أو ماض، وفي زمن آتٍ من بعد. ونظير الحرمان يتمتع جند "داعش" بسلطان يعصى التصور، وينشئون نظاماً يوكل إليهم إخراج البشر من إنسانيتهم ونفيهم منها، ويبرر سؤال بريمو ليفي: "أيكون هذا إنساناً؟". ويكاد يضارع هذا ما سماه علماء الكلام الوسطي (القرون الوسطى) الاوروبيون " ظل السلطان" (الإلهي) أو ظل "القدرة". فهم سألوا: هل في سلطان الخالق ألا يكون ما كان؟ وبعضهم أجاب، على شاكلة "داعش"، بالإيجاب. والسؤال والجواب حديثان. ففي رواية أورويل، 1984، ينصرف طاقم عريض من الموظفين إلى محو الآخبار والوقائع التي لا تتفق مع مصائر أصحابها الحالية، على غرار محو صورة تروتسكي القريب من لينين بعد خلافه مع ستالين. وقبل أقل من عقدين دمر "طالبان" الأفغاني تماثيل بوذا في باميان، وهي نحتت قبل نيف وألفي عام، في "جاهلية" القوم. واحتذى "داعش" في الموصل وتدمر، ونظيره في تومبوكتو، أثر "الدولة" الطالبانية. فينبغي أن تضمّ مقابر الجثامين مواضي أصحابها الأحياء.

"مجتمع جديد" في ساحة اعتصام الخرطوم؟



المدن، 29/4/2019


 يتظاهر السودانيون في شوارع الخرطوم وساحاتها وهم ينتسبون إلى بلدان وجماعات وهيئات واسعة تعرّفهم ويصدرون عنها. فبعضهم يقيم في حي الرياض، بشمال الخرطوم الشرقي، ويتظاهرون على هذه الصفة أو النسبة. وبعض آخر من السبط، على النيل الابيض وإلى الغرب الشمالي على حدود أم درمان. وبعض ثالث من طيبة الحسناب، جنوب الخرطوم وعلى النيل كذلك. وحين يعلن أهل عطبرة، "مهد" حركة الاحتجاج رغبتهم في المجيء الى الخرطوم والمشاركة في الاعتصام بساحة أمام مقر القيادة العسكرية، يستقبلهم وفد الأهالي عند نزولهم من القطار المليء والطافح إلى سطحه بالركاب الضيوف. وهذه، أي الاعلان عن صفة المتظاهرين المؤيدين، شأن القضاة والأطباء والمحامين والاساتذة الجامعيين، والطلاب، والعاملين في شركات الكهرباء والطيران والتأمين والكيمياء، والهيئة الجامعة التي تتولى دعوة الأهالي الى التجمع والمسير تسمي نفسها "تجمع المهنيين السودانيين". وهي عرفت بهذا الاسم قبل أن تشاركها "قوى إعلان الحرية والتغيير" الحزبية والسياسية الكلام باسم المتظاهرين المعتصمين.
"الشمّاسة"
ويكتب محمد أمين ياسين، من الخرطوم (الشرق الاوسط، في 24/4/2019) ان ثمة مئات "يجوبون شوارع الخرطوم، يتسولون، يقتاتون من براميل القمامة، يبيتون في مجاري الصرف الصحي وأطراف الطرقات... فاقدي السند..."، انضموا بدورهم إلى المعتصمين وساحتهم وأمسوا رافداً من روافد الساحة "العسكرية" وجماعة من جماعاتها. ويُسمى الهامشيون المشردون هؤلاء، على ما يروي ياسين، الشمّاسة "أو أولاد الشمس". ويخمِّن أن اسمهم مشتق من "كونهم يعيشون من دون سقف يحميهم من الشمس". وسبق لهم أن اضطلعوا بدور بارز في القيام على جعفر النميري، في 1985، فسمى أنصار العسكري قيام بعض "الشارع" السوداني عليه "ثورة الشماسة"، تصغيراً وازدراءً. وبعض الشماسة يتعاطون "السلسيون": "وهي مادة لاصقة تستخدم في رقع إطارات السيارات والدراجات"، ويتعاطاها هؤلاء مخدراً رخيصاً ومدمراً. وشطر منهم في سن لا تزيد عن 7 أعوام ولا تتجاوز الـ15 سنة، وهم الغالبية، وفيهن طفلات أمهات وأطفالهن".
 وفي ضوء صفتهم التي تقدمت، يجمع الشماسة سمات الهامش، أو القاع الاجتماعي والمديني. فهم فتيان أو فتيات دون سن "الرشد"، ولا مهنة لهم ولا حرفة. والمهنة الوحيدة والموصوفة التي تنسب إليهم هي "تلميع الأحذية". وهذه المهنة شارة على دنو المرتبة، وعلى الاستعاضة عن البطالة الصريحة بعمل يصم صاحبه بوصمة "الصغار". وهم "منحرفون"، يدمن بعضهم المخدر المتاح والبالغ الضرر. وتناول مادة الغري، على ما يسميها اللبنانيون وربما المشرقيون عموماً، يصنف المتناولين في أسفل درجات المدمنين، ويخرجهم من مراتب هؤلاء الداخلية والمتعارفة. وتنتهك "الطفلات الأمهات" مرتين أعراف "النكاح" (الزواج، العلاقة الجنسية) الاجتماعية والشرعية، سناً وإطاراً، أو فقهاً وحكماً.
 وعلى هذا، "ينبغي" للمجتمع السوداني وهيئاته وروافده التي تصب في ساحة الاعتصام منذ 4 نيسان (أبريل)، وتنقل معها على الأرجح "مواد" مجتمعها ومصادرها العملية والمعنوية والذهنية والأخلاقية، أن يلفظ أهل "القيعان" هذه، على تسمية مكسيم غوركي. ويُنتظر أن يتبرأ من مخالطتهم،  ويقسرهم على التزام حدوده، والبقاء في العراء، أو في دوائر مسورة وموصومة على شاكلة المجذومين والغجر والمجرمين والبغايا وأهل "الحارات" وأقوامها. وكانت هذه حالهم قبل ما يسميه السودانيون اليوم "الثورة"، وهو الفصل الأخير منها، فصل الاعتصام والجلوس، على قول الصوفية وطلاب الجامعات الأميركية، في الساحة أمام مقر قيادة الجيش السوداني العامة بالخرطوم، وتجديد الرابطة التي تجمع إيجاب أنفسهم واجتماعهم مصدراً لتدبير أمرهم المشترك، علانية وأحراراً متساوين وراشدين.
الضيافة
 وعلى خلاف التوقع، المترتب، ربما على تصديق مزاعم سياسية محلية شاعت في نصف القرن العربي والإسلامي الأخير، لم يوصد المجتمع السوداني المعتصم والجاهر فروقه البلدانية والقومية والمهنية والاعتقادية أبوابه في وجه هذه الجماعة من جماعاته. فيروي الجزولي عمر، "أحد شباب المعتصمين الذين يعملون في تأمين وحراسة الحواجز والمتاريس، على تعريف المراسل محمد أمين ياسين به، أن "العشرات من هؤلاء الأطفال" الشماسة "وصلوا (إلى) القيادة العامة"، أي ساحتها. "وتزايدت أعدادهم باطراد، وعلى باب الساحة، و"المجتمع الجديد" الذي حضنته، اشترط عليهم حرس الحواجز والمتاريس التخلي عن السكاكين التي يحملها بعضهم، وترك "السلسيون". و"تجاوبهم الكبير" ساواهم بالمعتصمين الآخرين، و"دمجهم" في مجتمعهم.
 فهم يشتركون في تنظيف الساحة، وفي نقل المؤونة وتوزيع مياه الشرب والطعام على المعتصمين، وفي حراسة المكان. ونصبت اللجان القائمة على رعاية الاعتصام "خيمتين في وسط الساحة (...) واحدة يهجع (الشماسة أو أبطال الشوارع) إليها ليلاً للنوم، وأخرى (يتعلمون) في فصلها المدرسي الحروف والأرقام". ومن أراد إعمال "موهبته" في الرسم أو الغناء أو المسرح وسعه ذلك. ويقول عبدالعزيز كناري، من جمعية "مجددون" المدنية، أن الجمعية "وفر (ت) لهؤلاء أطباء متخصصين في علم النفس ليتحدثوا معهم عن حياتهم وكيفية مساعدة أنفسهم، فضلاً عن التثقيف الصحي وسلوك النظافة العامة". ويخلص الطبيب النفسي مصطفى آدم سليمان إلى أن هؤلاء المنفيين من المجتمع السوداني القديم "أحسوا بآدميتهم وقيمتهم..."، وأقبلوا على "الاندماج المجتمعي (الحادث) بشكل غير مقصود"، على قول الطبيب. وكيفما فُهم القصد أو خلافه، فما أنجزه مجتمع السودانيين "الجديد"، في هذا الوقت وبهذا المكان وعلى شروطه، هو مساواة قاعه وهامشه، بعض قيعانه وبعض هوامشه، بصفحته ومتنه (ببعض صفحاته ومتونه). فأنشأ هؤلاء مواطنين أكفياء وأسوة وأخوة وشركاء "في البلد"، على قولهم.
 يشبه خبر مراسل الصحيفة قصَصَ القصّاصين (الوعاظ) وحكاياتهم التي تنتهي بأن من يقصون حكايتهم "عاشوا في ثبات ونبات وولدوا صبياناً وبنات". والفرق هو أن سياقة الحكاية السودانية الراهنة هي الديموقراطية المعاصرة ومعاييرها ووسائلها وغاياتها، وليس نماء الحرث والنسل. ولا شك في جزئية الحكاية وضيق نطاق من تتناولهم، وقلة عددهم، وفي قصر وقت الاختبار واستثنائية ظرفه. فالمجتمع الذي تصفه المراسَلة يشبه تظاهرات المؤاخاة التي سيرتها الجماعات الثورية الفرنسية، في 1789-1793، وكتلت متظاهريها كتلة مرصوصة و"أذابتهم"، على وصف جان – بول سارتر "الجماعة الذائبة" الثورية، وصهرتهم روحاً واحدة متماسكة ومتجانسة. فلا ينبغي لآحادها وأفرادها أن يتميز واحدهم من الجمع بما يفرده من الآخرين، وإلا صدقت فيه وصمة "الفردية" وخيانتها وخروجها على الجماعة.
فروق غير ذائبة
 وحين يمدح الطبيب النفسي مصطفى آدم سليمان ساحة الاعتصام، ويقول إنها "ذوبت كل الطبقات وأزالت الفوارق المجتمعية بشكل مدهش" يخالف مديحه سمة بارزة وسمت الحركة السودانية بميسمها منذ خطواتها الأولى.
 فالحركة لم تتكتم على مصادر جماعاتها وكثرة هذه المصادر وتفرقها، وروافدها، وأعربت عنها من غير لبس، ولوحت بها علماً على الفروق بينها وعلى ائتلاف "الثورة" منها، وحرصها على الإقرار بها. والحق أن المسار البياني لحركة "الحرية والتغيير" السودانية فريد في بابه، إذا قرن بأمثاله وأشباهه العربية والمعاصرة.
 فالحركة خرجت من النسيج الاجتماعي والسياسي والجغرافي، على تفرقه الكثير الوجوه والمنازع وبقيت لصيقة به، ولم تنكر توشية خيوط هذا النسيج. فلم تصدر، على خلاف الانقلابات العسكرية والحزبية والمختلطة (على شاكلة انقلاب حسن الترابي الحزبي- العسكري قبل 30 سنة)، عن مركز واحد يزعم تمثيل "الأمة" و"الدولة" تمثيلاً مسبقاً ناجزاً ومستوفياً. فالأمة السودانية مشروع أو أفق على الحركة، في صورها اليوم وفي مراحلها الآتية، إذا أخفقت القوى والمنازع المناهضة في تطويقها، أن تسير على هديه، وهي تقر باستحالة بلوغه والإحاطة به. وترفض إمكان الأمرين: البلوغ والإحاطة، وما يترتب عليهما من مزاعم التمثيل والتجسيد والوصاية التامة وغير المقيدة بأجل.
 ودعا اعتراف "الاعتصام" السوداني، وكيانه المعنوي والمادي، بالعناصر الاجتماعية المتفرقة والمتباينة وفيها أو منها المغرقة في الهامشية والطرفية على أشكالها، (دعا) معظمَ الحركات الانفصالية أو الاستقلالية أو "الائتلافية" الفدرالية، في دارفور وكردفان والنيل الازرق، إلى تعليق قتالها الخرطوم في انتظار بلورة مثال جديد ائتلافي للولاية أو السيادة. ولا مناص للمثال الجديد من الإقرار بانقسام الدولة والمجتمع، وباختلاف عللهما وقيام كلاهما الواحد بإزاء الآخر من غير ابتلاع أو التهام. فإذا أثمر الاعتراف بالفروق الداخلية، وبتباين المصالح في "صفوف الشعب" وبينها (واستبعد مثال الشعب الواحد والمندمج في خدمة طغمة "قومية" مستبدة)، أبنية سياسية تحضنُ التنازع في إطار قواعد جامعة، فقد يضوي هذا الإطار إليه الجماعات المحلية والقومية والعرقية والدينية. وتتخلى هذه الجماعات عن سعيها في حماية نفسها من العدوان المركزي والعسكري، تارةً بالحرب "الأهلية" وتارةً بـ"العمالة" لقوى خارجية.

"تخصيص" الدولة
 وتسلط المركز الواحد والمتربع في قمة سلطة "فولاذية" (عصبية وأمنية غالباً) يلد انقسامات "يتحاور" أهلها وأصحابها من طريق القتال بين الجماعات الأهلية وداخل هذه الجماعات (فجنوب السودان مسرح اقتتال داخلي متجدد قبل الانفصال أو بعده، وحركات "تحرير" دارفور استقر نزاعها على ولاء مناطق وقبائل متحاجزة، و"حلف" الترابي - البشير قام على توزيع غنائم رجراج...). وزعم جماعة من الجماعات المُركبة - من جسم عسكري وجماعة أهلية وكتلة حزبية- الاستيلاء على الدولة الوطنية ومرافقها، والاضطلاع بدورها الجامع مع الاحتفاظ بروابط الجماعة الخاصة وتماسكها ومراتبها، يفضي إلى "تخصيص" الدولة وتصديعها، وإلى إحلال منطق الأهل العصبي فيها، على ما حصل في "سوريا الأسد" و"عراق صدام" و"إيران خامنئي والحرس" و"لبنان نصرالله وعون"... على درجات متفاوتة.
 وهذا ما أدركته الشركات الأمنية التي تستشيرها حكومات تهب عليها معارضات شعبية غير متوقعة، شأن الحكومة السودانية "السابقة" (حكومة البشير)، على زعم محطة "سي إن إن". فالمحطة نشرت مراسلات حكومية سودانية تلتمس من شركة روسية امنية، "كونكورد مانجمانت"، يملكها "طباخ" بوتين ومعد طعام الكرملين ودوائره، يفغيني بريغوجين، إعداد خطة تتولى إحباط الحركة السودانية. فاقترحت الشركة نشر "أخبار" عن مهاجمة المحتجين مساجد ومستشفيات وإعدادهم للحرب الأهلية، ووصمهم بعداء الاسلام والقيم الاسلامية، وبمحاباة المثليين وتأييد اسرائيل...
 وهذا "المركب" هو ظل الانظمة العصبية والبوليسية "العربية" والاقليمية، وسياساتها القومية والدينية. وهو صورة معكوسة عن الأنظمة "المثالية" التي تزعم بعض الطبقات الحاكمة إنشاءها وحراستها: أنظمة لا تصيبها الحرب الأهلية إلا بسبب العصابات المأجورة (وليس جراء الاستبداد والظلم والإقصاء والإدارة الفاسدة والخرقاء)، وتتذرع بالجهاز الديني إلى تسويغ محافظة اجتماعية وثقافية عقيمة، وتنصب اسرائيل مصدراً أوحد لشر ميتافيزيقي. وساحة الاعتصام السوداني هي نقيض هذا، سكتت عن بعض المسائل أو خاضت فيها.

الخميس، 28 فبراير 2019

جورج البطل وحزبه... حصاد المحاكاة والعبث


المدن، 26/2/2018
جورج بطل (الصورة عن مجلة "بدايات")

من مواقف محاوَرة جورج البطل (1930-2016)- الشيوعي الذي تولى العهدة عن علاقات حزبه الخارجية في إطارها السوفياتي طوال عقود- محاوره ورفيقه وشريكه الشيوعي الآخر ("المنظمة") في محاولة توحيد منظمتيهما في 1996، فواز طرابلسي، الموقف التالي (جورج البطل/ أنا الشيوعي الوحيد، دار المدى، بيروت، 2019): كان المحاوِر سأل صاحبه في مطلع الفصل التاسع، الموسوم بـ"الشيوعيون والحرب" عن عشية "الحرب" وسنواتها: مؤتمرات وحوادث و"دخول المقاومة الفلسطينية الأراضي اللبنانية"، و"بدء العسكرة" و"قيادة جديدة تسلمت المسؤولية بعد المؤتمر (الحزب الشيوعي) الثاني" (1998). فيتم جورج البطل إحصاء الوقائع الجديدة: إنشاء تنظيم عسكري سمي الحرس الشعبي بعد المؤتمر العتيد في إطار "العسكرة"، وأحد شروطها وربما عواملها تقوية العلاقة ببعث صلاح جديد الحاكم في سوريا (1966-1970) و"فتح" ياسر عرفات وصلاح خلف و"جبهة" جورج حبش "الشعبية" (ص 241-245).
 و"الحرس الشعبي ليس إلا الحلقة اللبنانية، المحلية من عقد عربي يفترض أن يطوق حبله الكامل، فيحمل اسم الأنصار، أعناق البلدان العربية، القريبة ("بلدان الطوق") والبعيدة، إذا جاز البعد في المسألة الفلسطينية، مثل السودان. وعلة إنشاء الأنصار على قول لا جدال في بداهته، أن "الشيوعيين، ينبغي أن يكونوا جزءاً من المعركة المصيرية"، وهم فطروا بطبعهم وسليقتهم ونحيزتهم على أن يكونوا "دوماً في الطليعة". وجراء أمور غامضة أو مخالفة لطبيعة القوم ودورهم المركوز فيهم بالضرورة "لم يستمر تنظيم (الأنصار) لأكثر من شهر: "سُفِّر" عبدالخالق محجوب رأس الحزب الشيوعي السوداني إلى القاهرة، الأردنيون (الشيوعيون هم استعارتهم) فوتحوا بالأمر ولا يعلم القارئ جوابهم، والعراقيون "بدوا" جديين وقرينة جدهم (جديتهم) إيفادهم مندوبين "جديين"، والسوريون أو حزبهم "أَفشل المشروع نتيجة صراعاتهم... الداخلية (التي لم تسمح لـ(رياض الترك) بأن يتفرغ للمهمة أو أن ينجز أي إنجاز". ويخلص "القيادي" التاريخي إلى نتيجة لا تترتب على المقدمة الطليعية والمصيرية الجامعة (السودان والأردن والعراق...): "في الحقيقة وبإيجاز شارك الجميع ثم هربوا".
"الحركة الثورية العالمية"؟
 وعلى الضد من التهافت العربي، والشيوعي الطليعي وجه منه وجزء، ولد الحرس الشعبي، إذاً اللبناني، مخلوقاً كاملاً وسوياً، و"استقر وأقام قواعد في الجنوب، وبدأ عملاً عسكرياً جدياً، شكل لنا بنية تحتية جاهزة للحرب من  وسلاح وأشخاص مدربة (كذا!) على السلاح. واستفدنا من مجموعة رفاق تقاعدت من الجيش (...). امتلكنا قاعدة كبيرة في قبريخا ووادي الحجير". ويبقى سراً في ضمير الكتمان وأرشيف الحزب، غير المحفوظ على أرجح الظن، عدد المقاتلين ونوع الأسلحة وكمية الذخيرة ومساحة القاعدة ومستوى التدريب ومصدر التمويل وأكلاف "القاعدة" المفترضة وعملياتها غير السرية.
 وتتضاءل هذه الأمور بإزاء الخبر الذي يزفه "المؤرخ" الظرفي إلى محاوره، وإلى قارئه من بعد :" خلال الفترة الواقعة بين عامي 1970 و1975م، خضنا معارك في الحركة الثورية العالمية". ويتردد القارئ في شأن ما يُقصد به الاسم الطنان. فهل هو ذيول حروب الاستقلال والتوحيد والاستيلاء على فيتنام وكمبوديا ولاوس؟ أم هو حركات الطياحة والغوار والعصابات في بعض بلدان جنوب أميركا الكبيرة والصغيرة وفي بلدان إفريقية كثيرة؟ أو هو ذيول ربيع 1968 الداب بين اليابان شرقاً وبين الحصن الامبريالي غرباً (و"الشيوعية الأوروبية" من ثمراته) وبينهما الثورة الثقافية الكبرى، في حقبة ماو تسي تونغ الأخيرة وحرب الأرياف على الحواضر وتوسع الظل السوفياتي في شرق إفريقيا ووسطها وفي وسط آسيا.
 لا هذه ولا تلك ولا هاتيك، لا خيَّب الله لك يا من قد يسأل ولا يتذكر ظناً ولا تخميناً! "الحركة الثورية العالمية"- وهي جماع ندوات مؤتمرات و"كونفرانس" ولقاءات الأمناء العامين في الأنظمة الشيوعية والسوفياتية الحاكمة ومندوبي أجهزتها الديوانية المتخلفة عن كومنفورم (هيئة تخابر) ستالين وكومنترن (الأممية الثالثة) لينين وزينوفييف وتروتسكي و... ستالين، وبعض الدوريات التي لم تمت معها، وعمل جورج البطل "مسؤولاً عن العلاقات الخارجية" في إحداها- هي منظمات يمولها "مال موسكو"، على قول أقحاح الرجعيين مثل حركة السلم (دفاعاً عن التسلح النووي الروسي) وحركة التضامن الإفريقي - الأسيوي (انتصاراً لبريجنيف وسوسلوف و"التطور اللا رأسمالي" على "الكتاب الأحمر" وحروب البؤر الغيفارية المغامرة). وهذه المنظمات تعقد مؤتمرات وقد لا تصنع شيئاً آخر، في ضوء أخبار صاحبنا ومحاور. ويحضر المؤتمرات الجوالة في عواصم العالم اختصاصيون عالمون بما ينبغي أن يقال وبما يحسن السكوت عنه، إلى أن تنزل الفتوى، وينزل القول الفصل، فلا يبقى ما يماحك به ويَلغي فيه اللاغون.
 و"الحركة الثورية" هذه، وعلى خلاف كل منطق وعقل ثوريين "ترددت في موقفها من نضال الفلسطينيين" (يوم ضلعت منظمات هؤلاء المسلحة والسياسية في منازعات أهلية متصلة وحملت "الثورة" على القيام محل "الشعوب" الوطنية وجماعاتها السياسية والأهلية والتحكيم في خلافاتها وحسمها باسم ميزانها الأعلى ووحدة معركتها...). و"ربط السوفيات بين الارهاب والعمل الفلسطيني"، بل كانوا على رأس دعاة الربط الفظيع هذا. ويقول الشيوعي الوحيد، متواضعاً للثورة والثوار والأجيال الآتية :"وقد شاركت في هيئات قيادية داخل تلك المؤسسات"، ومن غير أداة وصل أو عطف يقول: "صدح صوتنا الفلسطيني عالياً".
 و"الصوت الفلسطيني"- وهو إذا عطف على ما سبق وعلى ما يلحق صوت المصير (المعركة الموصوفة) وصوت الثورة أولاً وأخيراً، وصوت الطليعة طبعاً، وصوت الدور التاريخي المتوقع والمأمول، وصوت السلاح ("السلاح أيضاً نضال")... إلى أصوات عظيمة أخرى: الجماهير وحزبها وقائدها "الاستثنائي" (جورج حاوي) و"قرينه" السياسي- انتصر في الحركة الثورية العالمية، وثنّى فانتصر عليها :"بذلنا جهداً استثنائياً حتى أدخلنا ياسر عرفات للمرة الأولى إلى اوروبا تحديداً الى الاتحاد السوفياتي في مهرجان الشباب العالمي في العام 1973م وقد اقتضى هذا معركة مع الاتحاد السوفياتي وقبولاً من ألمانيا الشرقية...". وتجشّم مناصب المكتب السياسي "السفر أكثر من عشر مرات" إلى برلين (وراء السور) قبل الغنيمة الكبرى بدخول الزعيم الفلسطيني أوروبا وليس أوراسيا مثلاً، "رسمياً وليس تهريباً أو حضوراً ثانوياً".
 "البناء الفوقي" والضباط
 ويمهد هذا الشطر الثمين من محاورات  موظف الاستعلامات والاتصالات والوساطات  السوفياتي- وأثبت هذا الشطر بحرفه وحلقاته مرآة أراها أمينة لبعض الأبنية والأمثلة والعوامل التي أنشأت الحركات الشيوعية واليسارية على نطاق أوسع ومتصل، "عالمها" وتصورات هذا العالم ولغته ومترتباته العملية- يمهد للأفعال الحاسمة. ومن التمهيد هذا فصول السلاح، و"التدريب في أكاديمية سوفياتية مهمة"، والنقل من اللاذقية، وزيارة حافظ الأسد، والثياب "الشبيبية" من ألمانيا، والسترات الواقية "للرصاص" (كذا!)، والمطابخ، والحفلات في رئاسة الدولة "الديموقراطية". والمحصلة :"دربنا ضباطاً لقيادة جيش جرار". فاحتاج الضباط إلى "عشرات الآلاف من العساكر ليقودوهم، على عكس الشائع والمعروف: يُدرب الضباط ويُعدون تلبية لاحتياج الجيش وعملياته ومهماته وجبهاته وحربه. وبداهة قول جورج البطل المعكوس والمخالف تدل دلالة ساطعة على النهج الشيوعي السوفياتي: "البناء الفوقي" ومرافقه وأجهزته أولاً، ثم يُبت في الأمور الملحقة والثانوية: المقاتلين و"الرتش". ويذكر المذهب بـ"الدور الذي يبحث عن بطل"، وهو دور رسمت النظرية ملامحه وعوامله، وما على البطل إلا أداؤه. وعليه، فـ"الثورة" هي ما يقوم به "الثوريون". وتعريفُهم من أنفسهم وتلقائهم، ومن نسبهم إلى جهازهم، وليس من صنيعهم وعملهم في وقت وفي مكان، واضطلاعهم بمهمات وتمهيدهم لأخرى في ضوء معايير تنحو إلى العمومية الجامعة والمشتركة (في الحقوق، في الحريات، في الطاقات...).
 وينتقل المتحاوران من التمهيد التقني (السلاح، التدريب، المال...) إلى التمهيد السياسي. فيفصل جورج البطل بين بعدين في الحروب المتناسلة غداة 1967: بُعد فلسطيني وبُعد داخلي. ولكنه يترك البعد الفلسطيني من دون وصف ولا تعليل، ويقصره على إقامة المنظمات الفلسطينية "الدويلة". وهذه الدويلة لا تاريخ لها، ولا سوابق، لا في لبنان ولا في الجوار العربي، ولم ترتب نتائج حيث أقامت (في الأردن) أو مرت (في سوريا). ولم يتنازعها متنازعون وأوصياء، ولا أعملها أصحاب مصالح وأهواء متقلبون في أغراضهم ومقاصدهم، إلخ. فهي هي: مصير وطليعة وجد وثورة. (أنظر أعلاه). ويلخص الرجل البعد الداخلي بـ"استعدادات (عسكرية) في المنطقة الشرقية". فهذه سبقت "كل القوى في المنطقة الغربية فيما يتعلق بالإعداد والسيطرة على منطقة وإقامة كيان أو شبه كيان" (ص246-249).
 ويخيل للرجل أن فصله اللفظي البعدَ الداخلي من البعد الفلسطيني يفك الواحد من الآخر. فإذا تأخر الإعداد العسكري "الغربي" (نسّبه إلى المنطقة الغربية، العروبية والإسلامية هوىً وسكاناً) عن نظيره الشرقي (المسيحي "اللبناني-اللبناني" على قول صحيفة العمل قبلها) - وهو تأريخ أو تحقيب مبتسر ومموه-. فالبؤرة العسكرية الفلسطينية كانت السباقة إلى النشوء والعمل. واستمالت "البعد" الداخلي، العروبي والإسلامي الأهلي والحزبي الإقليمي واليساري، في وقت مبكر، واستتبعته وألحقته في خدمتها من دون بقية استقلال بـ"داخل" مفترض أو مزعوم. فتحالفت الكتلة الفلسطينية- العربية، وهي قوى متقاتلة ومتناحرة ومتنافسة على الولاءات الأهلية والإقليمية المشرذمة، مع "جبهة أحزاب وقوى وشخصيات (وطنية)" لا تحصى خلافاتها، ولا يجمعها غير تشاركها الطمع في السيطرة على "الموقع" أو المفترق الاستراتيجي اللبناني، واقتسام ريوعه الفلسطينية والعربية المنتظرة والمتوهمة تحت قناع حرب تحرر مثلثة القارات.

"المافيا اللينينية"
وعلى هذا، انقلبت المنظمات العروبية- الإسلامية، في غضون سنة، أجهزة مرتبية المستويات والصلاحيات والوظائف والرواتب والخدمات (السيارات والشقق وجماعات المرافقين وصفوف الداخلين إلى المصاعد، على ما يروي الراوي من غير مواربة، ص 266 وص269-273 وص280، وغيرها). واحتذت على مثال الكتلة الغالبة. وهذه لم تلبث القوات المسلحة السورية أن تغلبت عليها. وانصرف "الثالوث" السوري-اللبناني- الفلسطيني إلى تصديع البلد المضيف ودولته و"مجتمعه" وجماعاته إلى حين إنجاز أتم الشبه بأرض سباء أو "ساحة" أو "ملعب".
 ويقول الرجل أن جورج حاوي، شيخ "المافيا" اللينينية (ص280 وص 104 في صيغة أخرى)، دعا المؤتمر الثالث إلى تبني "شعار" الرد على عنف الرجعية بالعنف الثوري"، في ضوء تمييز البعد الداخلي من البعد الفلسطيني. وعلى زعمه أن نقاشاً جدياً تفحص "طبيعة الحرب"، وتساءل أطرافه: "هل ستكون حرباً طويلة المدى أم إن البورجوازية أعقل من أن تدمر البلد وهي تعيش حالة انتعاش، لا سيما أن موسم الصيف على الأبواب؟". واختيار "البورجوازية" ("وكلاء الشركات وأصحاب المعامل والمصارف" و"في قلبها المسيحيون"، ص248) أو انتخابها، في خضم حوادث تتزاحم فيها بالمناكب أزمات الدول والكيانات، والإخفاقات في إرساء أركان اقتصادات متوازنة ونامية، وتقتتل أجنحة الأحزاب العسكرية والمدنية المستولية على السلطات وعلى امتلاك وكلاء وعملاء مسلحين في الدول القريبة- هذا الانتخاب قرينة صارخة على سقوط المتحاورين في حفرة "ماركسية" كاريكاتورية.
 فهما يفترضان كتلة اجتماعية وسياسية واحدة ومركزية، لا تشوبها ولا تعكر تراصها أواصر عصبية وأهلية ووطنية وطائفية متفرقة ومتنازعة، تتولى "قرار" الحرب، وتمولها. وهما يحسبان أن الشق المسيحي من "البورجوازية" هو الآمر الناهي في أجنحتها الاقتصادية والأهلية كلها، وفي الطبقات الاجتماعية "الشرقية" (المسيحية) من غير تمييز، وفي الهيئات والمؤسسات والتكتلات السياسية والدينية والثقافية. ويخالف التقدير الفظ والضرير هذا الوقائع المشهودة، وتدل كلها على انقسامات ومنازعات كثيرة دلالتها على تأثير الظروف والحوادث ومعانيها في تحريك الخطوط السياسية. ويتذرع التبوييب الطبقي بدور "البورجوازية" الحزبي إلى نصب عدو طبقي لها، لا يقتل افتراضاً وكاريكاتورية عنها، هو "حزب(جماهير) المثقفين والفنانين والشعراء والنخب في البلد" وأولاد العائلات، الحزب الشيوعي (ويسهو "القيادي" اللينيني عن ... العمال والفلاحين، أصحاب المطرقة والمنجل وأهلهما!).
 ويسأل المحاور، وهو لا يقل قيادية ولا لينينية عن صاحبه، الرجل سؤالاً شيوعياً نموذجياً وينتمي إلى باب التمارين على "النقد" (الذاتي، وهو المفضل) والاعتراف بعد خراب البصرة وبيروت وحلب وصنعاء وبغداد والقدس... بالهفوات والأخطاء، فيقول:"ألم يكن لنا تصور حداثي طبقوي مبالغ فيه حول عقلانية البورجوازية وقوتها؟ (...) كان هناك وهم مشترك أن قليلاً من الضغط العسكري يجعلهم يتنازلون للإصلاح.". وأناقة "التصور الحداثوي الطبقي"، ومسحة النقد الذاتي في حلة إطراء النفس وكيل المديح لها ("العيب" المعاب هو إسباغ حزب "الإصلاح" على العدود الركيك والمتهافت و"الغبي"، على وصف حاوي النبيه والذكي، قواماً متماسكاً لا شأن للعدو به)، تقصران التوهم على العدو. أما "نحن"، كتلة "الإصلاح" و"التحول الديموقراطي" فالعقلانية والحداثة والطبقة الطبقية هي الميزان الذي نزن به وحدنا أفعال الآخرين، ولا يزننا غيرنا، وهو حكماً لا عقلاني ولا حداثوي ولا طبقوي، به.
 فلا عقلانية العدو الطبقي هي نظير عقلانيتنا "الشيوعية" الصارمة. وهذا على نقيض سرد "القيادي" ملاحظاته على مشاهداته. فينقل عن كمال جنبلاط عتبه على وفد الشيوعيين: "يا عمي، عم تخربطوا البلد. ما لحقنا أيمتى إجا رشيد الصلح وعندنا وزيرين... في شوية خدمات وتوظيفات بدنا نعملها لأهل المنطقة" (ص 249). وحاوي "اندفع في (الحرب) بسبب تقديره أنها ستكون طويلة. بدت قراءته للحرب أصدق وأصح من قراءات آخرين... وبالتالي دَعَم العسكرة. وللأسف الشديد... خسرنا الكثير من الكوادر الواعدة التي تبعثرت حول العالم... لأنهم لا يريدون الانخراط في الحرب..." (ص250). وبعد "بدءٍ نظيف" بدأته الحرب "واكبنا على الفور لصوص بيروت كلهم، وبدأت عمليات النهب والسرقة" (ص255)... عقلانياً وطبقوياً وحداثوياً، طبعاً.
 وغياب طبقة بورجوازية وطنية وتقدمية تمول الحرب الثورية، بديلاً ربما من طبقة عاملة "واعية"، أوجب على الحركة الثورية الوطنية (الحزب الشيوعي وحليفه القريب) انتظار "الكرم" الليبي القذافي "المتأخر" (ص 257)، ومجيء "المبالغ الأولى المنتظمة من العراقيين"  الصداميين وذباحي الشيوعيين العراقيين و"دفع حصصنا" (نفسه). وفي لقائه حافظ الأسد (صيف 1976 "حمل" كمال جنبلاط "أحقاد العائلة الجنبلاطية (على) الأمراء المسيحيين و(على) الأمراء الدروز الذي تنصروا" (ص 261). وهذا غيض من فيض العلامات والقرائن على العقلانية والحداثة الثوريتين اللتين لبستا حزب الإصلاح والتحول الديموقراطي، وعوَّل عليهما القادة حين دخلوا الحرب، وحين أعدوا العدة لها واستعجلوا قدومها.
انعطاف في فنجان
ودعت إلى الوقوف عند الفصل اللبناني من الحروب الأهلية الإقليمية الواسعة في مذكرات الرجل مكانة الفصل والحروب من وجه، ودلالتها على "خفة" الحركات اليسارية والعروبية وأجهزتها القيادية العسكرية والحزبية (وهي موضوع الكتاب). وعادت الخفة هذه على المجتمعات والدول وأهلها ببعض ما لم تنهض منه، على أضعف تقدير. ويصل الراوي فصل الحروب المحلية بفصل آخر سبقه يتناول مؤتمر الحزب الشيوعي اللبناني الثاني (1968). والفصول الثلاثة التي عقدها الكتاب للمؤتمر نفسه، السادس (ص 133-156) والسابع (ص157-186) - والثامن (ص 187-240)، لا تستوفي الحوادث التي تتعلق بالمؤتمر، تمهيداً ومجرى وذيولاً. فهذه تتغلغل في أوردة الرواية وتظلل وقائعها. وهي ألصق بالراوي من الوقائع الأخرى. وذلك لأن المؤتمر العتيد هو الفصل الذي يوحد السيرة الشخصية بالسيرة السياسية من غير فرق أو تمييز، ويجلو شلة الرفاق والأصحاب والأصدقاء في صورة قيادة حزبية "تاريخية" و"استثنائية"، على ما بقي أفرادها يحسبون. ولا يقتصر الدور القيادي على لبنان وبلدان الجوار العربي، فيتعدى الدائرتين إلى "المستوى" العالمي. فلا يشك جورج البطل، "المسؤول" عن كتلة بلدان في جهاز مطبوعة "قضايا السلم والاشتراكية"، في انتصاب شلته الحزبية التي تغلبت على "شلة حسن (قريطم) وصوايا (صوايا)"، وشريكهما الباهت نقولا الشاوي، مثالاً احتذى عليه وجوه ربيع براغ في 1968. فهو يردد أن دوبتشيك وأصحابه يصنعون "ما نصنعه نحن" (يومها)، ويعزو إلى أصحابه تعريف الكتلة السوفياتية بياسر عرفات...
 وحمل شلة "الشباب" في أواسط العقد السابع من القرن العشرين، على خلع الثلاثي "الهرم" ("الخيول الهرمة"، على قول الشاعر ميشال سليمان المعاصر) والانقلاب عليه عوامل كثيرة لعل أرجحها تركة 1958 ("الحوادث" الأهلية اللبنانية)، وعزلة الحزب الشيوعي بين الجماعات الاهلية والسياسية الناصرية و"الوحدوية". وهذه الجماعات مسلمة في معظمها. أما الجماعات المسيحية فـ"النظام" اللبناني، الاجتماعي قبل السياسي، استمالها، وأوحت التيارات الإصلاحية الدينية (فاتيكان-2) بجواز صيغ وطنية تؤلف بين النزعات الاجتماعية وبين الديموقراطية التمثيلية. ونجمت العزلة، على ما رأى شطر من الحزبيين، عن نهج خالد بكداش، وتحفظه الشديد عن الوحدة المصرية - السورية. وجدد ما أثاره التحفظ من تنديد قومي وعروبي حاد بعض الإدانة التي بعث عليها اعتراف موسكو في 1948 بالدولة العبرية. فخلص جيل من الشيوعيين لم يشهد "النكبة"، ولا خاض فعلاً في 1958، ولكنه ورث ذيولهما وآثارهما في أواخر ومستهل عقدين قوميين، إلى أن علاج القضايا الكبيرة والصغيرة هو "السباحة" مع التيارات القومية  وفي مياهها العميقة والموّارة.
 ولم يكن أثر الغيفارية والكاستراوية الرومنطيقيتين، والماوية على نحو أضعف، ضئيلاً. ومن وجه آخر، لم "يجحد" الشيوعيون الشباب- وهم كانوا خالي الوفاض من أي تراث سياسي وتاريخي يتعدى الشعارات الظرفية- التراث الجهازي والإداري الذي تحدر إليهم ولا علم لهم بغيره، وكان ذريعتهم ووسيلتهم إلى تعريفهم أنفسَهم وشق طريقهم إلى دورهم وإلى معاشهم. وأقنعتهم الانقلابات الحزبية، العسكرية والتنظيمية، والحركات المسلحة في العالم الثالث، بتخطي الإمساك و"التواضع" اللذين قيدا الأحزاب الشيوعية العربية إلى يومها، وصرفاها عن الاستيلاء على السلطة، بينما تمكنت أحزاب قومية، هزيلة القوام و"الفكر"، من الاستواء أحزاباً حاكمة. وقد يكون جورج حاوي خير تمثيل علىى مزيج هذه النزعات والدواعي والحسابات والأبنية.
 وما يصوره الراوي انعطافاً تاريخياً، يرويه فعلاً على شاكلة "انقلاب قصر" (والقصر في هذا المعرض حوش عشائري). وحصة التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية منه لا ترى بالعين المجردة ولا بالمجهر المكبر. فالنقابات، على سبيل المثل، ظلال باهتة. والحركة الطلابية خيال بعيد. ومحاولات تجديد التحركات والبرامج "الشعبية" لم تبلغ أصداؤها آذاناً "قيادية" صماء. وهذا ثمرة قران الانحطاط السوفياتي والاستتباع "العربي" في منتصف الحرب الباردة.




 
 

السبت، 2 يناير 2016

اليسار الأعمى ونكوص الشيعة وتيه الحراك اللبناني

هنا نص الحوار في جزئه الثاني، ونشدد على أن أجوبته هنا أتت شفاهية، وتم في ما بعد التدقيق في إملائها وتحريرها من غير تعديل:
(أجرى المقابلة يوسف بزي)

*
في معظم مقالاتك عن الثورات العربية، شددت على المسألة الدستورية.. وأنجزت مراجعة مستفيضة للتجربة الدستورية العثمانية، بوصفها لحظة تاريخية متعثرة لا تزال آثارها وتداعياتها مؤثرة؟

- أثناء المتابعة، اليومية تقريباً، لوقائع ومجريات الحركة المدنية والديموقراطية المصرية، عُقد عدد من النقاشات في التلفزيونات المصرية، دُعي إلى الكلام فيها بعض من سُمّوا شباب الثورة. ونوقشت في تلك الحوارات مسألة التشريع، أي مسألة حق جماعة "الثورة" في التشريع وفي إبطال قوانين وقواعد وأعراف، ويوجبون قوانين وقواعد وأعراف جديدة. وظهرت في صورة واضحة حيرتهم حول مسألة جدارة حركة سياسية بإملاء قواعد وقوانين وإجراءات. وبدا أن فكرة مصدر السلطات ليست فقط غائمة وإنما محيرة، وأشبه بتربيع الدائرة. ولما بدأ المصريون، على اختلاف تياراتهم، يصدرون فعلاً تعديلات دستورية أو وثائق دستورية، مثل التي وضعها "الإخوان المسلمون" أوائل العام 2012، وصدرت الصياغة الأولى للدستور، ثم الصيغة "الإخوانية"- أي، عملياً، ثلاث صيغ دستورية بين أوائل 2012 وربيع 2013- وفي ضوء قراءة الوثائق هذه، وعطفاً على البند الدستوري المُشكل، الذي ينص على أن الإسلام مصدر التشريع وأن إجماع الفقهاء على المسائل الأساسية هو سند التشريع ومصدره، بدا أن هاتين المسألتين، الدستور ومصدر التشريع، نبّهتا إلى مركزية أو محورية الدستور. والمسألة المرافقة لها هي: يُفترض أن الدستور يصوغ ويقدم ويبلور القواعد التي تحكم علاقات المؤسسات ببعضها، وهو في الوقت نفسه ناظم لعلاقة أجزاء المجتمع بعضه ببعض، وعنصر أساسي في تعريف أدوار هذه الأجزاء.

وإذا كان هذا هو دور الدستور، فله صفة زمنية، إلى حد بعيد مستقبلية. فهو صادر عن جماعات من مجتمع. ولهذه الجماعات ولهوياتها ولعلاقاتها تاريخ، وثمة ضرورة اعتبار ما يتماشى مع هذه الاعتبارات. وعليه، من الممكن القول أن دستوراً لبلد ومجتمع يتناول مسألة ما، كالملكية أو الجمهورية، أو علاقة مجلس عموم بمجلس شيوخ.. إلخ، أو يعرف طبيعة التمثيل في ما يسمى "الغرفتين" (الشيوخ والعموم)، عليه أن يلحظ صلة هذه المسائل الوثيقة الصلة بتقاليد وعادات وتراث البلد (الدولة) الذي وضع هذا الدستور له.

وحين تستولي على السلطة ديكتاتوريات فاشية أو شيوعية أو حتى ديكتاتوريات عسكرية عادية (ليست توتاليتارية)، فأول أمر تفعله هو إلغاء الدستور السابق. وتعتبر هذا الصلب الذي تتحدر منه الأحكام غير صالح وغير جائز. وهذه السياسة، أو هذا القطع، هو دائماً علامة على "ثورية" قد تكون يمينية أو يسارية، وعلامة عجز عن الاضطلاع بتاريخ المجتمع الذي تطمع هذه السياسة إلى حكمه وتدبير شؤونه. وثمرة هذا القطع، أو هذا "الجبّ" ("الإسلام يجبّ ما قبله")، والانسلاخ عن تاريخ وتقاليد مجتمعات، يؤذن بالانقلاب على المجتمعات هذه، وإجبارها وقسرها على تحقيق صورة عن المجتمع لم تخترها (في حال الانقلاب العسكري).

الحيرة أو التخبط المصري في النقاشات، قبل الوثائق، وفي الوثائق بعد المناقشات، دليل على إشكال الصورة التي يقدمها الدستور عن الجماعة الوطنية، ويُفترض أن تعمل حقوق وعلاقات اجزائها وأجزاء السلطات بهذا الدستور. ولكن التخبط الدستوري، والحيرة الحادة في ما ينبغي أن ينص عليه الدستور، وفي ما لا يحتاج دستور إلى نص عليه، هو على الأغلب صورة أو نتيجة لحيرة سياسية أعمق. وهي، حقيقة، حيرة تاريخية. فالجماعات التي أصرّت على نص مصدرية التشريع الإسلامي - في صيغه المختلفة – من الواضح أنها ترى هذه المصدرية ضمانة تحول دون أي تغيير عميق في المجتمع وفي الدولة، وباباً مسدوداً بوجهه. هذا الباب موصد بوجه تغيير رأسمالي من طريق المصارف والتسليف والاستثمار والتجارة إلخ، وباب موصد بوجه تغييرات اجتماعية جذرية تتناول الجنسين وعلاقاتهما، والأسرة والميراث والتعليم والإعلام... وكل هذه المسائل التي لها دور في تحول المجتمع من حال إلى حال.

فلما نص الدستور المصري الأول، وهو غير الوثيقة الدستورية، على دور الأزهر، خلط خلطاً كاملاً بين هيئة أو بنية من مباني المجتمع الأهلي وبين سلطات الدولة، وألحقَ هذه السلطات بتلك البنية الأهلية الجزئية (الأزهر). وهذا الخلط، إلى الخلط السابق الذي يطاول زمنية الدستور، قرينتان على هجنة الصياغة الدستورية والعملية الدستورية المتوقعة. فكيف، بعد هذا، يُتصور أن هذه الوثيقة قادرة على ضبط التحول الأساسي في قوام السياسة، وفي الإرادات والحاجات والتطلعات الشعبية والوطنية والقطاعية ورسوها على قوانين وقواعد وتحكيم... تتولى بلورة معنى واختطاط طريق.

في قلب الدساتير "النموذجية"، وهي صاغتها غالباً ثورات اجتماعية وسياسية عريضة وطويلة زمناً، من أبرزها الأميركية والفرنسية، هوامش واسعة تستقبل التعديلات العميقة غالباً، أو تلحظ الاستثناءات الكبيرة التي يمكن أن تطرأ في أحوال غير متوقعة، مثل الحروب والثورات والنزاعات الطويلة. فيما يلاحظ في الصيغ الدستورية العربية، ومنها تلك التي دُبّجت في السنين الثلاث أي أثناء "النزاع المثمر" (2011 – 2013)، يلاحظ فيها غياب أبواب أساسية هي أبواب التعديل والاستثناء و"الطوارئ" (القانونية). وهذا ربما علامة، أظنها قاطعة، على وقوف الثقافة الدستورية، وعلى التباسها وشللها.

ولا شك في أن هذا التخبط يردّ المراقب "المؤرخ" إلى السابقة العثمانية الدستورية. فالدستور العثماني الأول (1876) كان المرحلة الثالثة من "التنظيمات": بدأت هذه بخط كولخانه 1839، ونص على المساواة بين رعايا السلطان من الملل المختلفة، ثم قضى النص الثاني الكبير 1858 بتخصيص الملكية وتمليك المزارعين جزءاً من أراضيهم، وألغى الإقطاعات والمصادرات و(بعض) جباية الالتزام، وختم النص الثالث الكبير، أي الدستور، هذه التنظيمات بتشريع مجلس منتخب، قليل الصلاحيات نسبياً وعريض التمثيل (الأقوام والأديان والمهن...). وكان الدستور، إلى التنظيمات الأخرى، آية إرادة الانتقال من النظام السلطاني الامبراطوري إلى إطار الدولة "الوطنية" أو "القومية"، وأداة الإقرار بحقوق المواطنة والمساواة بين الجماعات التي أُلحقت بالسلطنة في أوقات متفرقة. وحسم إخفاق هذه المحاولة عودة السلطان عبد الحميد عن الدستور. والأرجح، أن الإخفاق العثماني في التحول من السلطنة ومراتبها وجمعها المتسلط لرعاياها، إلى أصل أو مبدأ "صاحب الحق"، أي المواطن الكامل المواطنة، ومستودع المبادرة ومراقبة السلطة ومساءلتها وتقييدها... هذه المسألة عادت وبرزت على نحو صارخ في مسألة مرجع التشريع وسنده أبان الحركات العربية.

*
من نقدك لأيديولوجيا اليمين اللبناني، إلى خصومتك لليسار اللبناني والعربي، عدا عن غربتك عن الأيديولوجيا القومية والبعثية، وعدم صلتك بما يسمى "الممانعة".. أين تجد نفسك؟ أو بالأحرى أين نجد أنفسنا؟ أين أنت الآن؟ هل يعني لك اليسار اليوم شيئاً؟ هل تنحاز إلى صفة "الديموقراطي"؟ هل ترى نفسك في الليبرالية اللبنانية؟

- يجب أن أعترف لك. تساورني شكوك عادمة في كل التعريفات أو الأوصاف المعرِّفة للألفاظ. اليمين اللبناني؟ الجماعات والأفراد التي حملت في تاريخها عملياً كل الجوانب الحياتية والفكرية والذوقية والجمالية، التي نعرّف أنفسنا تلقائياً بها، ونطمئن إلى هذا التعريف، ونراه علامات على الأشياء التي نتبنّاها ونطمح إلى تحسينها ومشاركتها، من ملكية الأرض الخاصة، إلى الحريات الفردية وحرية الاعتقاد والصلة بالغرب الأوروبي والأميركي وثقافته وتراثه وأعماله، والإقرار بحقوق المنازعة والإختلاف وبالتحكيم.. كل هذا ندين به، اليوم وبالأمس، من يُقصدون بلفظة اليمين المهينة. وعندما يُقال اليمين اللبناني ينبغي الاعتراف بأنه في اللغة اليسارية و"الاسلامية" الدارجة: المسيحية اللبنانية.

اليسار اللبناني والعربي؟ أي العمى، الذي يكاد يكون مطلقاً، عن الوقائع والرغبات والحاجات والتوقعات والنزاعات.. التي اعتملت وتعتمل في أحشاء المجتمعات العربية والإسلامية، فضلاً عن جهل مطبق بأحوال العالم عموماً. وهذا اليسار، في شقيه اللبناني والعربي، كان على الدوام نافخاً في الحروب الأهلية التي لازم انفجارها، أو دبيبها قبل الانفجار، تاريخنا المعاصر منذ استقرارنا على "دول وطنية".

أما الأيديولوجيا القومية والبعثية، فمن بطنها ولدت روائع نشهد فصولها الإنتحارية الأخيرة. وهي فاجأت ضامري الذاكرة منا، فنسوا إنجازات الانقلابات العسكرية القومية في أرجاء العوالم العربية والإسلامية الميمونة: ضباط المخابرات، سجّان قصور النهاية، والمزّات، والمطامير الأفريقية، ومصاقيع الشعراء والخطباء وأمناء روابط الكتّاب العامين ومدّاحو الصدّامين والأبديين وملك الملوك وملوك ملوك الأدغال القاحلة والمحيطات.

وأرى أن الكلام على ديموقراطية في مسبعة أو منمرة الأمراء والملوك والقادة والأبطال والسماحات والرعايا والزلم والحواشي والأشياع والتابعين والجماهير وأهل الغنيمة والريوع والأخرجة والأعشار.. ضرب من الهزل والمازوشية المسترسلة لا إلى غاية. وهذا سؤال يُشكر عليه السائل ويُعذر.

ويفترض السؤال عن الليبرالية اللبنانية أن هذه الليبرالية مرآة يتراءى الناس فيها. والحق أن هذه الليبرالية المزعومة يصدق فيها ما قاله ماكس فيبر في روح الرأسمالية، عندما نبّه إلى أن الرأسمالية، وبعضها استوى في ضوء الأخلاقيات البروتستانتية، هي خلاف "رأسمالية قطّاع الطرق" الذين استولدوا أموالهم من المصادرة وانتهاز الفرص والمضاربة والسطو.. فالرأسماليون الذين ولدتهم رأسمالية ثورية، استحقت مديح كارل ماركس ومن بعده ماكس فيبر، هؤلاء من العسير جداً على أشد الناس تسامحاً أن يروا شبهاً لهم ولو بعيداً في "نظرائهم" اللبنانيين.

*
كتبت "الأمة القلقة" ثم "دولة حزب الله".. كتابان يتمحوران على تاريخ الشيعة اللبنانيين وأطوار هذا التاريخ وتحولاته. اليوم، كيف يمكن "مخاطبة" الشيعة، سعياً لإنجاز تفاهم وطني جديد؟

- ربما يعود الاهتمام بتاريخ وأحوال شيعة لبنان إلى ما لا أنكر أنه تجربة شخصية. فأنا قدمت على شيعة جبل عامل، وأعني بهم "أهلي" في بنت جبيل، بعدما نشأت في أعوامي الأولى في بيت شيعي في "التذكرة". فأهلي الصيداويون هم شيعة، ولكنهم في المرتبة الأولى أهل مدينة على النحو الذي خبرتُ عليه المدينة الأوروبية الجميلة، وخبرتُ بعض بيروت في السنوات العشر التي سبقت انفجار الحروب الملبننة. غلبت على هؤلاء، وهم نساء، أرواح المدينة (من رياح)، بكلامهن ولباسهن وتعلمهن وميولهن وحبهن وقيامهن بأنفسهن واعتدادهن بها. وكان هذا جلياً في زيجاتهن وعملهن ورعايتهن لأولادهن، وعلى رأسهن أمهن، جدتي لوالدتي.

وفي بنت جبيل اختبرت أمرين مختلفين. الأمر الأول هو حرارة الحياة التي يحياها أهل البلدة. فأول ما يطالع القادم إلى بنت جبيل كان إقبال أهلها على حياة حسّية كثيرة الوجوه، وعلى استعمال للغة ينشد الجرس والوقع وزواج الأصوات. وكانت الخطابة الوجه القبيح من الاحتفال باللغة والاستمتاع بها، كما كانت "المرجلة" هي الصورة القبيحة للاحتفاء بالجسد، وحركاته وانثناءاته.

الأمر الثاني كان النازع الحاد والمستميت إلى التفاوت والتعالي والإذلال والتجبّر والاستقواء بالنسب أو الجاه أو المال أو الخيزرانة أو بندقية الصيد أو المسدس. وبعض هذا النازع كان يتجلى في المناسبات الانتخابية، وفي إحياء مجالس العزاء، وفي عاشوراء والأعراس.

وأخال أن تشيّع هؤلاء الأهل، أهل بنت جبيل وأهل العائلة التي ولدت لأحد أبنائها، يجمع النازعين اللذين تقدما، وذلك على مثال ربما يصح وصفه على الصورة التالية: مزج النازع إلى الحياة بالتكالب على المراتب والمكانات والأنساب.

وأحسب أن قلق هذه الأمة يضرب بجذوره وأصوله في هذه التربة الخصبة. وحين خالطت، يومها ومن بعد، أهلي هؤلاء، تنازعني في شأنهم نازعان، نازع إلى الإعجاب والقبول والانخراط والتبني، وآخر إلى النفور والاستنكار والشفقة. ولعلي لا أُلبّس على نفسي، ولا على الآخرين، بقولي أنني حين راقبت نشأة "حركة المحرومين"، قبل "حركة أمل"، ثم الخطوات الأولى لما استقر على "حزب الله"، خالجني الشعور نفسه حين تعرّفت، متأخراً بعض الشيء، إلى أهلي. ولا أزال عند الشعور والرأي هذين.

ويبدو لي أن ما سمّي "الشيعية السياسية"، على مثال "المارونية السياسية" (والحق أن المارونية اجتماعية في المرتبة الأولى على خلاف جماعات وعصبيات السنّة والشيعة والدروز)، هو ثمرة انشقاقٍ أهليٍ قد يكون من غير سابقة. فالانشقاق الشيعي اللبناني أخرج كتلة كبيرة من اللبنانيين من مسعى طويل وشاق في سبيل تثبيت ميزان وطني وسياسي واجتماعي وثقافي يستقبل، من غير غلبة ساحقة أو مفتعلة ومتخيلة، روافد اجتماع تربط بين أجزائه روابط الجوار وبعض روابط التاريخ المتشابك. فالدعوى اللبنانية كانت أقرب إلى الاقتراح منها إلى الصيغة المغلقة أو النظام المحكم. وقلما خالطها عنف قاهر. ويبدو لي أن الاقتراح اللبناني يخالف مخالفة حادة الصيغ العصبية العروبية أو الإسلامية أو المسيحية. وخروج اللبنانيين المسيحيين من الوصاية الانتدابية (الفرنسية)، في ما سماه جورج نقّاش "ثورة 1943"، كان جزءاً من صيغة الاقتراح هذه. والميثاق الوطني، على خلاف الأمم أو الشعوب الملتحمة التي زعمت أنها مرجع "الكيانات المصطنعة" أو الدول الوطنية، هو صورة إرساء السياسة على التعاقد وعلى التحكيم، وعلى الخلاف والمساومة تالياً. وبدا، زمناً طويلاً، أن في وسع الشيعة اللبنانيين - وهم يدينون إلى لبنان وإلى مواطنتهم بأثقال وأطنان من المزايا - حمل المقترح على محمل الجد، والإسهام في إثرائه، وفي استيلاده مؤسسات ورسوماً اجتماعية وثقافية متنوعة.

ونكوصهم هذا لا يُعدم مسوغات كثيرة: من الهامشية المؤقتة، والتشكيك في علاقتهم الرحمية بالفكرة "اللبنانوية"، إلى قسوة الفلسطينيين والإسرائيليين وقوميي العرب عليهم. فخبروا التهجير والتشرد والتقطع والضعف. ولكن نكوصهم المديد الذي أثمر ثمرات مسمومة مشهودة تحول دون عودة الميزان إلى بعض استوائه، لا يعود شطر راجح منه إلى تجربتهم المريرة ولا نسيانهم نصف القرن الذي قضوه في الخيمة اللبنانية. فلا شك أن ما أدى إليه هذا النكوص يتجاوز بمراحل لا تقاس علل النكوص الأولى. وعليه، ربما دواء هذا الداء أقسى من علاج الشيعة المزعوم لمظلوميتهم، على وجهيها الفعلي والاستيهامي.

*
في الجوار، كانت الثورة السورية وتحولاتها الدموية، كيف كانت نظرتك إلى هذا المشهد الكارثي؟

- حالت أمور محددة دون تجاوز تحفظي الأول والمستمر عن الحركة المدنية والديموقراطية السورية في مطلعها. فالحبكة العائلية الأسرية والقبلية التي رويت الحوادث السورية من طريقها، وأعني الخبر عن الأطفال السوريين في درعا الذين استُدعي هم وأهلهم إلى أقسام المباحث، وطُلب إلى أهلهم نسيانهم وولادة غيرهم محلهم، والتلويح بأن رجال الأمن قادرون على إنجاب أمثال هؤلاء الأولاد إذا عجز أباؤهم عن الإنجاب.. هذه الحبكة شخّصت بواعث على الاحتجاج والاستنكار والتمرد من نمط مغرق في عشائريته ودمويته العائلية.

وأظن أن هذا يفوق خروج المتظاهرين من المساجد أثراً ودلالة. وتدعو العصبية الدموية إلى التحفظ والحذر فوق ما تدعو إليهما العصبية المسجدية. وفي الأيام الأولى للحركة، خرج إلى الكلام باسمها، والتولّي عليها، "مثقفون" كان دأبهم الأول إنكار قابلية السوريين إلى الانقياد للطائفية، واحتجوا لإنكارهم بالإختلاف العميق والغريزي بين "طائفية اللبنانيين" وبين "وطنية السوريين" الصافية. فهؤلاء "المثقفون" احتاروا في الموقف الذي يليق بهم، اتخاذه، وبمكانتهم ودورهم المرجو، فوق ما احتاروا في الموقف الذي يليق اتخاذه بالحركة الوليدة ومعانيها ومكانها في سياق الأحداث الجارية. وعندما توالت انشقاقات الجيش السوري الحر، وسنحت فرص مشاهدة بعض قادته المنشقين، وسماع مقالاتهم، لم يخفِ على النظر الادعاء المفرط والخداع والتشاوف وضيق النظر، والعمى عن المعضلات والحواجز المتخلفة عن نصف قرن من الظلم والاستبداد والطغيان وسوء الإدارة، وتخليق الناس بأخلاق القهر والتعسف والمذلة.

ولكن هؤلاء كانوا، وغيرهم مثلهم، الوجه المنفّر مما سمي "ثورة". وسرعان ما ولد القمع المسلح والمدمِّر "شعباً" سورياً آخر، ارتسمت قسماته في خضم الحوادث المروعة التي أصابت السوريين ولا تزال تصيبهم.

والارتماء في العنف وفي الإقتتال قد يبعث عليه الهرب من دوام العيش والحياة في خضم الكذب والأسطرة والروايات المختلقة. فأجيال السوريين الذين قضوا أعماراً وعقوداً من السنين، وهم يحسبون أنهم نبض الشارع العربي وطليعة الأمة العربية الواحدة والخالدة، وأنهم الرد على الانحطاط العربي وعلى التجزئة والفقر، وأنهم قبلة أقطار العرب وأنبياء مواعيدهم .. فهم، على هذا، ليسوا فقراء ولا عمالاً ولا تجاراً ولا حرفيين ولا فلاحين، ولا علويين ولا سنّة ولا شيعة ولا اسماعليين ولا كرداً ولا قبائل ولا شركس ولا تركمان... فلا يجوز فيهم التعريف الاجتماعي ولا التعريف الاهلي أو الأقوامي أو الجغرافي. وإنما هم روح العروبة الأثيرية والمصفاة، وتعريفها هو مرتبتها ومحلها الأرفع. فكيف يسعهم بهذه الحال معاملة العالم وحوادثه ووقائعه ومشكلاته وحلوله ونثراته وإبداعاته، وهم على هذا الإبهام والإغفال والإعجاز؟!

قد يكون العنف المدمّر، ومسوّي الهويات، هو جواب هذه الترهة العظيمة التي أناخت بكلكلها على العقول والصدور والأحاسيس والأنفاس السورية قرناً من الزمن المدرك.

*
في مقابل كوارث "الربيع العربي"، هناك من يطرح فكرة "الثورات الصغيرة"، ثورة بالتقسيط، ثورات مطلبية، احتجاجات موضعية بعناوين محددة: البيئة، الفساد، التعليم، محاربة البطالة، الحركات النسوية، الإصلاح القضائي، ..إلخ، هل هذا ممكن وعملي وأجدى؟ هل بشائرها هي الحراك اللبناني الأخير؟

- في تاريخ العمل المطلبي - أكان مطلبياً أو أقل بلورة من الشكل والتنظيم المطلبي - غالباً ما تكون مسألة برامج التحركات مثار أسئلة وملاحظات تتناول الصلة بين أهل المطالب، وأهل الحاجات المفترضة من ناحية، وبين هيئات كانت على الدوام تنسب لنفسها دوراً قيادياً، من ناحية ثانية. والزعم هذا، وهو رافقه على الدوام ادعاء صلة متميزة وعالية الكعب، بأحوال وأوضاع الجماعات والفئات التي تتحرك، وتخرج إلى العلن بمطالبها، وبشكاويها.. هذه "العلاقة"، وأظن أنها مزعومة، كانت تؤدي إلى اختلاق أدوار. وهذه الأدوار تبرر نفسها بتجربة التنظيم من ناحية، وبـ"معرفة" بالحاجات والأوضاع والإمكانات تتفوق - حسب زعم هذه الهيئات - على معرفة المعنيين أنفسهم والمتحركين. فكان ينتهي الأمر بالحركة وأصحابها إلى أن يكونوا "موضوع" التحرك، بينما هم أصحابه وذواته. ويستكمل الدور القيادي هذا مكانته ووظيفته، فيعمد إلى حشر المطالب في ما يقدمه على أنه برنامجه. وتكاد تجمع التنظيمات التي تنتهج هذه السياسة على أن أفق هذه التحركات والحركات هو قلب النظام السياسي والاجتماعي القائم، أو إصلاحه إصلاحاً عميقاً. وفي كل الأحوال تحتسب في حصادها المكاسب، التي تُحصّل أحياناً، صغيرة أو كبيرة.

وأظن أن ما يسمى ثورات صغيرة يحاول أن يطوي صفحة هذه المزاعم، المتوهمة أو المزعومة إلى حد بعيد. فهذه الفكرة (الثورات الصغيرة) لا تطعن في الثورة الكبيرة المزعومة أو المفترضة فقط، بل أظن أنها في المرتبة الأولى تطعن في كل المسرحية التي تَقَدم وصفها السريع. فهي تطمح إلى رد الحركة إلى أصحابها، تصوراً وتنظيماً، وتتفادى ادعاء رابطة مباشرة وعضوية بغاية كبيرة وغائمة. وقلما تربط الحركات الجزئية بينها وبين قلب النظام، أو حتى بينها وبين إصلاحه إصلاحاً عميقاً يستشعره مواطنون كثر.

ولكن قد تنزع الحركات الموضعية والجزئية إلى المبالغة في تصور رابطة مباشرة وملموسة بين الأوضاع المتردية، المشكو منها، وبين إدارة المعنيين الفعلية للحركة. وليس من اليسير على الحركات الجزئية والموضعية ألّا تنساق وراء وهمٍ موروث من الأحزاب التي تحترف التنظيم والبرمجة. وقد تكون المسألة الأبرز هي مبادرة المعنيين بالمسائل المطروحة إلى تدبير حركتهم بأيديهم. فهذا لا يستدعي مستوى "وعي" عالياً، على ما يزعم محترفو التنظيم والبرمجة، بل يستدعي في المرتبة الأولى المثابرة والتكاتف والتقدير المتزن لملابسات الحركة وميدانها، ويستدعي الجمع بين الانضباط الطوعي وبين الابتكار على وجهيه، وجه المواقف والشعارات ووجه التنظيم في معناه المباشر والعملي.

وهذه الشروط هي وليدة تجربة طويلة، مشتركة ومُدرَكة، على معنى: المداومة على مناقشة ظروف المسألة. ومن الأمثلة ربما القديمة على هذا المسار، ذاك الإضراب العمالي الطويل الذي قاده عمال مصنع ساعات "ليب" في فرنسا، أوائل السبعينات، وتكلم باسمه شارل بياجيه. وكان سابقة لمثال آخر هو إضراب غدانسك لعمال أحواض السفن، تقدمه ليخ فوينسا ("ليش فاليسا" كما شاع)، وولد نقابة "تضامن" (سوليدارنوسك). وآذن هذا الإضراب في 1981، في الانعطاف الذي نجم عنه انهيار النظام الشيوعي في شرق أوروبا.. وعندما استنكر القضاة الإيطاليون، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، تواطؤ الدولة الإيطالية - وعلى رأسها الديموقراطيون المسيحيون والإشتراكيون - مع الجريمة المنظمة، المعروفة باسم "المافيا"، لم يقتصر استنكارهم على انتقاد إجراءات بعينها في قضايا معروفة، بل أظهروا إرادتهم بالمشاركة الفاعلة، والمحفوفة بالمخاطر، في قيادة تحقيقات ومحاكمات صارمة لجرائم من النمط نفسه. وكان حصاد الإرادة الشجاعة اغتيال بعض أبرز قضاة ومحققي المحاكم الجزائية الإيطالية. وقُتل مع القضاة بعض كبار ضباط الأمن الداخلي. وتولى فريق من القضاة إنشاء رابطة قضائية سميت "الأيدي النظيفة"، اضطلع بعض أعضائها، بعد استقالتهم من سلك القضاء، بدور سياسي برلماني.

وأسفرت هذه الحركات الموضعية عن صورة شديدة التعقيد للدوائر التي حصلت فيها. وأبرزت مسألة سياسية حاسمة، هي دور ما يصح أن يسمى تسييراً ذاتياً لهذه الدوائر. فالحركات التي تقصر فعلها على دائرة مستقلة بنفسها أو بذاتها إلى حد ما، تُعمِل في دوائرها صفات تنظيمية وبرنامجية وإنسانية لا تتوافر غالباً إلا في أصحاب تجربة طويلة ومشتركة ومُدرَكة. فالتخفف من تنظيم مركزي، ومن برنامج مسبق، يقتضي موارد عملية وفكرية وإنسانية تفوق كثيراً الموارد التي تزعم الأحزاب المنظمة والمحترفة توفيرها على المعنيين.

*
ألاحظ أنك هنا تتجنب كلياً استعمال مصطلح "مجتمع مدني"؟

- هذه الدوائر، من صحة وتعليم وبيئة وفساد.. إلخ، هي على حدود إدارات الدولة المركزية وحاجات المواطنين ومبادراتهم. وإذا صح هذا الوصف، فمفهوم أو إطار "المجتمع المدني" قد يوهم بأن عنصر المبادرة، أو الماء التي تسبح فيها المبادرة، يستبعد العلاقات النزاعية والخلافية بين السلطات وبين عامة الناس. ثم يُحمّل "المجتمع المدني" عملياً كل شيء، أي نوع من الأفكار والآراء والنزعات... فيبدو هذا وكأن نسبة الحركات أو المبادرات إلى "المجتمع المدني" هو استباق لمضمون هذه الحركات ولصدقيتها ولمشروعيتها. فكل ما يصدر عن "المجتمع المدني" يُصوَّر في صورة زاهية، وينفي عنه الحاجة إلى إثبات جدارتها أو حملها لمطاليب لها جدوى.

واستكمالاً للسؤال السابق، أقول: لا شك عندي إطلاقاً في اختزان التحرك المدني اللبناني قوة على التعبير عن حاجات أساسية، وبلورة مسائل قد يكون مستحيلاً على بنية العلاقات السياسية في لبنان، وربما في المشرق العربي، أن يجلوها أو أن يعالجها.

*
في الحراك اللبناني أيضاً: معظم النخبة الثقافية انتقلت من الحماسة إلى الحذر إلى النقد، ثم إلى الاختلاف وربما الإحباط. هل هي مسألة سوء تفاهم بين الأجيال؟ هل هي مسألة الغموض السياسي أو حتى التناقضات السياسية بين جماعات الحراك؟

- ما يستوقف في تناول الحراك اللبناني الأخير هو إغفال وصفه وصفاً اجتماعياً ومرحلياً. فلم يُسأل: من أين خرج هؤلاء الناس؟ ولماذا خرجوا في هذا الوقت وفي هذا الموضع؟ وما علاقتهم بأقطاب الحياة السياسية الآخرين (وهم قطب ناشئ من هذه الأقطاب). وأرى أنه استُسهلت إحالتهم إلى موضوع أو مسألة النفايات والتقصير في جمعها.

قد يكون الحراك جواباً عن انغلاق العلاقات السياسية في لبنان منذ الجلاء السوري. فهذه العلاقات استقرت على نوعين من التمثيل والتعبير السياسيَين. النوع الأول، الموروث جزئياً من الحياة السياسية التي سبقت انفجار الحروب الملبننة في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، يقوم على التكتل والتمثيل الأهليَين (الطائفية والإقليمية المحلية والريعية الزبائنية.. هي وجوه من التكتل والتمثيل هذين). وغلب هذا النوع على الحياة السياسية البرلمانية النيابية، وعلى مراتب الدولة الأخرى، من الإدارة إلى السلطة التنفيذية إلى رئاسة الجمهورية. ونشأ نوع ثان، واشتدّ عوده في سياق الاقتتال الداخلي والحروب التي خاضها اللبنانيون بعضهم على بعض، بالأصالة أو بالإنابة. فجمعت التكتلاتُ الجديدة والقوية قوامَ الجماعات الأهلية، ودمجتها في منظمات عسكرية وعصبية متماسكة، وبعض هذه المنظمات غلب غلبة ساحقة على الجماعات الأهلية. فتولى قيادتها واستتباعها ومقارعة الجماعات الأخرى بسلاحها. ولا شك في أن الذريعة الإسرائيلية، شأن الذريعة الفلسطينية من قبل، أدّت دوراً راجحاً وقوياً في بلورة هذه المنظمات وفي سطوتها على الدولة وعلى الحياة السياسية، وتقدمت على الأبنية التقليدية الأهلية. وعلى رغم الصفة التمثيلية التي لا تنكر ويتمتع بها هذان النوعان من البناء السياسي المزدوج... بقيت "مساحة" قد تكون واسعة لفئات يحجز بينها وبين تمثيلها في هذين الموقعين حاجز حقيقي. فثمة فئات وشرائح عريضة، ينضوي بعضها في النوع الأول من البنى السياسية، وبعض ثانٍ ينضوي في أبنية النوع الثاني، وهؤلاء هم نتاج مرافق جديدة وكثيرة، ولدها تعقيد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والخدمات واطوار الإعلام والثقافة والتكنولوجيا الجديدة.

هذه الفئات والشرائح هي ما يسمى بالطبقات المتوسطة الجديدة، وفيها الفنيون والمهنيون المؤهلون والمهن الجامعية والأطر الإدارية وشطر من الإعلاميين والمثقفين والمدرسين... يتسم تمثيلها السياسي في الأطر اللبنانية المعروفة بقدر لابأس به من القلق والتحفظ. وهؤلاء تكاثروا في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. ووَلَدوا جيلاً من الشباب، بعضهم صار في مقتبل الكهولة، شطر منه نشأ إما على هوامش المجتمعات المحلية أو خارج لبنان، في مهاجر خليجية وأوروبية وأميركية وكندية وأسترالية. ولعل اجتماع هذه الروافد المتحدرة من هذه الأحوال الاجتماعية، ومن هذه البيئات والمنابت، عامل فاعل ونافذ في بلورة "المساحة" التي سبقت الإشارة إليها. فالأفراد الذين شاركوا في مراحل التحرك المدني الناشئ وفي خطواته الأولى، ينتسبون سناً وثقافة واجتماعاً إلى ذلك الجيل. وهذا ظاهر في فرديتهم ("الحسنة"، على ما يقال في "البدع") وفي شعاراتهم وفي تفرقهم وفي العسر الذي يجدونه في التنسيق بينهم، وفي بلورة تيار يتصف ببعض الثبات والانسجام.

وابتداء الحراك من مسألة مثل مسألة النفايات، لم يُتِح له التركيز على جمهور محدد، ولا العمل في دائرة واضحة القسمات والملامح، فكان على مجموعات من أصحاب الحراك والمبادرين إليه أن ينتشروا في أرجاء ميادين المدن وساحاتها، من غير قوام متماسك. فالنبتة الغضة باشرت عملها من غير عُدّة تدبير، ومن غير اتكاء على بعض التجربة المتراكمة، فانتحلت قواماً تنظيمياً خلوياً قوي الشبه بالمنظمات السرية، وبعض آخر اقتفى أثر أحزاب سياسية مركزية متداعية، وبعض ثالث قنع من العمل بمقابلات تلفزيونية وبتعليقات وسائط الاتصال الاجتماعية.

وقد يبدو مدهشاً نسيان جماعات التحرك صيغة الجمعيات العمومية، التي تناقش وترسم وتنتخب وتقيل، وتدعو المواطنين إلى تمثيل أنفسهم بأنفسهم، وإلى تقييد خطواتهم وأفكارهم بمناقشاتهم.

ولا بد من الإقرار بجدّة هذا التحرك، وبخوضه معتركاً سياسياً واجتماعياً لم يرث من ماضينا النقابي والحزبي إلا ما يحول بين الحراك وبين استقراءِ مسيرٍ مجزٍ. وما كان ربما يُتوقع من "المثقفين"، الرعاة والأوصياء والمشيرين، من إسهام في جلاء ملابسات هذا الحراك وشروطه والعقبات في وجهه... استبدل به هؤلاء الخطب الحماسية، والنصائح التنظيمية والبرنامجية البائتة والنافلة. وكانوا طليعة الإخفاق والتيه والمبالغة في تقويم قوى الحراك وغاياته.

*
نشرت قبل شهر تقريباً، مع مهرجان "أشغال داخلية"، كتيباً عن تحولات العمران في بيروت... وأنت مشّاء المدينة، هل لا تزال بيروت كما وصفتها قبل أكثر من عقدين "مدينة موقوفة"؟

- الكرّاسة التي تشير إليها في السؤال تتناول ما أرى أنه ورم في جسم المدينة، أخشى أن يكون قضى قضاء مبرماً على تناسبها في حده الأدنى. فالأبراج والجنائن المعلّقة و"السماوات" (كما لا تخشى شركات البناء تسمية فعلاتها)، تقتطع من المكان المديني، ومن أفقه ومن موارده، شطراً قد يستحيل على بيروت بعد اقتطاعه أن تتماسك إطاراً ومساحةً ودوائرَ حياة وعمل ولهو. فسطو هذه الأبنية على شطر هو بمثابة الرئة من المدينة، به تتنفس وتطل على البحر وعلى الجبل، واكتظاظ هذا الشطر بجماعة من السكان يعزلها انشقاقها السكني عن عموم المدينة، وعن خدماتها ومواصلاتها ومرافقها العامة والمشتركة. فبدلاً من أن تستقبل المدينة خليطاً من السكان، ومن مراتبهم وطبقاتهم ومهنهم وعاداتهم وثقافاتهم، وبدلاً من أن تكون المصهر الذي من طريقه أو بواسطته تتصل الجماعات المتفرقة والمختلفة، تنصب العمارة الفاخرة، والمتحررة من سلّم المناسبة (التناسب)، جدراناً يستحيل اختراقها، ويستحيل كذلك الرسم عليها، على طريقة بانكسي أو على طريقة تاغ في محطات مترو الأنفاق بنيويورك ولندن وباريس وبوينس آيريس والقاهرة واسطنبول.

*
أنت مثابر على التواصل مع الفنون الجديدة وشبانها، الفيديو آرت، الأنستلايشن، السينما، المعارض التشكيلية، البرفورمانس.. إلخ، كيف ترى مشهد الثقافة اللبنانية في السنوات الأخيرة؟

- أهذا سؤال يُسأل؟ الحق أن محاولة تألُّف الأشكال التي أحصيت بعضها، ومنزلة السينما منها رفيعة ومحورية، هو محاولة للبحث عما يقوم مقام ثقافة مكتوبة، أرى أنها بلغت قعر التفاهة والكذب والتشبيه والكسل. فمعظم ما يتوسل بالكتابة إلى تناول "الواقع" (الحوادث والوقائع والظواهر والأفكار والمشاعر..) مُلزم بمعالجة ما ترسّب في حياة اللغة من تزوير ونمطية وافتعال ورقابة وكبت. فنحن نتخاطب ونفكر ونروي، وربما نحلم، بلغات "عربية" توالى عليها عتاة التعمية والصمم والانقطاع من كل شيء حيّ. ومن سوء طالعنا، وطالع لغاتنا، وراثتها المقدسات على أنواعها. وهذه المقدسات تلزمنا بولادة واحدة من رحم واحدة وعلى مثال لا يحول، ويفترض أنه لا يزول.

وأظن أن الأحمال التي تنوء بها مناكب هذه اللغات، الميت جلها أو معظمها، لا ينوء بها عاتق الفنون والأشكال الجديدة. وهذا طبعاً تقدير نسبي، فسينما الشباب اللبنانيين (نساء ورجالاً) ومسرحهم ونتاجهم الفوتوغرافي و"التجهيزي"، يلتمع بتوليفات وتراكيب بالغة التعقيد والشمول والجدّة. وامتياز هذه الأعمال يحررها مما علق ويعلق بلغاتنا المكتوبة من قيود، ومن أكمام تكمّ الأفواه وتَعْقِل الألسنة.

*
رغم صلتك اليومية بالإنترنت، أنت ممتنع عن اقتناء هاتف نقال (موبايل)، كما أنك لست متصلاً بـ"فايسبوك" أو"تويتر".. لماذا؟

- ما قد أقوله في هذا الموضوع هو من باب التبرير والاعتذار والتستر على ضروب من العجز والكسل وضعف الحيلة. وإلى هذا، يخالجني شعور حاد بأن هذه المطية لا تفضي إلا إلى ياجوج وماجوج من الإستعراض والاستظهار والاسترسال والاستدراج.. وأنا لا أملك قرينة قاطعة على ما تقدم من الزعم، ولكن بعض الجوس في هذه الأدغال القاحلة وخلائها، لم يحملني على تجديد النظر في هذا المذهب. ولا أكتمك أن مرتع الخصوصيات والحميميات والنميمة العميقة لم يلمس مني وتراً رناناً في عود. فعلى مثال قديم وفائت، لا أزال أحسب أن خاصّي يخصني وحدي، وأن خاص الآخرين يخصهم وحدهم. ولا أرغب في مشاركة هذا الخاص، على وجهيه، إلا من أختارهم ويختارونني طوعاً وتخصيصاً. وربما حملني على هذا الرأي شيوع كتابة تتستر بالرواية وبالشعر وبالمقالة الصحافية (المدعوة نصاً أو نصوصاً) على إفشاء صغائر ركيكة، يحسب أصحابها أنها صيدُ غوصٍ على أعماق الذات، وربما الكائن. ومن وجه أخير، أنا لا أحسب الناس عموماً، ومن أعرف منهم على وجه الخصوص، "أصدقاء" أو أنصاراً فضوليين. وأما التغريد، وأنا المبتلى بالتطويل في شهادة هذه المحاورة وجنايتها على القراء، فما لا طاقة لي به.