الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

الميجر" نضال مالك حسن الفلسطيني – الفرجيني... علماً على يقظة الهوية بين يدي الموت

المستقبل، 22/11/2009،
انقسمت آراء الذين سبقت لهم معرفة وبعض إلفة بالرائد الأميركي، الفلسطيني النسب والأهل، نضال مالك حسن، قاتل قاعدة فورت هود
العسكرية بتكساس. فقال بعضهم ان تحفظه عن حربي العراق وأفغانستان لم يدعهم الى توقع إقدامه على ما أقدم عليه، صباح الخميس في اليوم الخامس من تشرين الثاني، وقتله 13 جندياً، وجرحه 31، كانوا يعدون العدة للرواح الى العراق. وقال أهله وأقرباؤه انه طبيب ملتزم آداب الطبابة ومسلم ورع. وذهب شقيقه الى ان شقيقه المظنون، على ما عرفه، "مسالم ومشفق، وانصرف الى التطبيب ومساعدة الآخرين، ولم يرتكب يوماً عملاً عنيفاً، وعُرف مواطناً صالحاً وملتزماً القانون". وأعلن جد الرائد والطبيب النفسي من البيرة الفلسطينية، اسماعيل مصطفى حمد (88 عاماً) ان حفيده الطبيب "يحب اميركا"، و "الفضل" في تحصيله علم الطب، وبلوغه رتبة ميجور في الجيش، "يعود الى الولايات المتحدة". فليس من علة للعمل المميت والغادر غير الجنون، أو ما يعلمه "إلا الله". وهو، في الأحوال كلها، ليس "السياسة". والسياسة، في المعرض هذا، هي "الإسلام". وحسم إمام مركز الاتصال الإسلامي في سيلفر سبرينغ بميريلاند، الشيخ محمد عبدالله، مسألة المسؤولية المعنوية عن فتح النار على جمع آمن من الزملاء، فقال في مسلمين أمّهم في صلاتهم: "الإسلام ليس مسؤولاً".
وقال آخرون، فيهم زملاء دراسة وخدمة عسكرية وفيهم مسلمون ناشطون، ان عنف الرائد الطبيب والمسلم لم يفاجئهم. فروى عثمان دنكاش، وهو أسهم في إنشاء مركز ميريلاند الإسلامي، ان نضال مالك حسن انتقل من طور كان فيه هادئاً ومسالماً الى طور لاحق "لم يكن فيه على طبيعته". فنعى على المسلمين "قتال بعضهم بعضاً بأفغانستان وباكستان وفلسطين". وهي مسارح حروب "اميركية"، على وجه أو آخر، على قول "إسلامي" غالب ورائج. وطلب لنفسه، ولمن هم مثله، الحق في رفض الخدمة في مسارح الحروب هذه وميادينها، في صفوف القوات الأميركية وتحت لوائها. والتمس من عثمان دنكاش تزكيته الى "إمامة" الصلاة في القاعد العسكرية بفورت هود. ولكن اضطرابه وقلقه الباديين حملا الشيخ النافذ على الطعن في ترشحه إلى الإمامة. وهذا قرينة على حدس في عنف الرجل.

هوية اثنينية
وزملاؤه أقوى قطعاً وتهمة. فأخبر بعضهم ان القاتل المظنون كان يرى الحربين الأميركيتين بالعراق وأفغانستان "حرباً على الإسلام". وهو ما يراه ربما معظم المسلمين. وقد لا يراه مسلمون وغير مسلمين على هذا النحو، أي "حرباً على الإسلام"، ويطعنون في صوابه، وحقيقة الذرائع التي تذرع بها السياسيون الأميركيون وغيرهم من سياسيي أوروبا وآسيا الى خوض "الحروب" على الجماعات الإرهابية. وقد ينكرون سياسة "الحروب" ونهجها وأسلحتها وكلفتها وارتجالها وبعض مفهوماتها. وخلص المظنون من رأيه في الحرب، ومن جمعه بينها وبين اقتتال المسلمين، الى تعريف نفسه، أو هويته، "مسلماً أولاً وأميركياً ثانياً"، على قول زميل طبيب.
ومعضلة هوية المهاجرين من الجنوب، وقاراته، وأقوامه، الى الغرب الأوروبي – الأطلسي (أو حوض المحيط الهادئ شأن استراليا ونيوزيلندا)، باعث قوي على اضطراب علاقة المهاجرين هؤلاء ببلدان المقصد المضيفة، وسبب في التباس علاقة مجتمعات هذه البلدان ودولها بالمهاجرين. ولم يعدم مهاجرون كثر، في فرنسا وغيرها، فرصاً انتهزوها وتذرعوا بها الى إعلان تنصلهم من البلد المضيف. فعلا صفير شطر غير قليل من جمهور كرة قدم جزائري حين عزف النشيد الوطني الفرنسي بعد النشيد الوطني الجزائري في لقاء رياضي بين فريقي البلدين، قبل أعوام قليلة. وحين قتل مسلم هولندي المخرج فان غوغ جزاء ما حمله القاتل على "إساءة" الى "الإسلام"، استظهر على القانون الهولندي الوطني بالشريعة، وبعقوبة القذف، على زعمه. والقاتل مولود بهولندا، شأن الميجر نضال مالك حسن.
وتقديم رابطة الاعتقاد، وأحكام الشرع في الدماء وغيرها من فروعها، على رابطة الدولة الوطنية والسياسية، والتزام القوانين من مترتباتها، يقود على الأغلب الى التنصل من الدولة الوطنية والسياسية، والانحياز الى "الملة"، اعتقادية أم عرقية أم أهلية. فالرياضيون السود الذين فازوا في مباريات دورة الألعاب الأولمبية بمكسيكو (1968)، واعتلوا منصات الفائزين، ورفعوا قبضاتهم حين عزف النشيد الوطني ونكسوا رؤوسهم، أرادوا التنديد بشعائر اللحمة الوطنية المشتركة، وهم لا يرونها مشتركة، وإعلان انتسابهم الى رابطة أخرى، وأمة أخرى هي "أمة السود" المضطهدة والمظلومة والأجنبية.
وقد يقود ترتيب الهوية، وترتيب وجوهها على هذا النحو، الى "الحرب"، مجازاً وحقيقة. فالقاتل المظنون – وهو قضى سنوات يعالج جرحى الحربين، وبعضهم اصيب إصابات ثخينة اقتطعت منهم اجزاء جعلتهم عالة عاجزة وقلبت موازين حياتهم – مزج (احتمال) إرساله الى القتال بأفغانستان أو العراق، حيث عليه ان يقاتل "إخوة إيمانه" وشركاء هويته الأولى ويقتلهم على غرار ما يفعلون في انفسهم نزولاً على داع أجنبي أميركي، مزج هذا بجواز موته وهو على حاله هذه. ويقول ابن عمه برام الله، نادر حسن، ان نضال قضى الأعوام الخمسة المنصرمة تحت وطأة "كابوس مزعج" مصدره احتمال إرساله الى أحد الميدانين "المسلمَيْن"، واضطراره الى الإسهام في قتال يراه كفراً، وقتلاً للنفس وتغريراً بها. وإلى هذا، يقول ابن عم آخر نقلاً عن الضابط الطبيب، انه لم يحظ بإقرار زملائه وأقرانه به نداً "أميركياً" ومواطناً مساوياً.
وإذا صح انه لم يطلب التسريح من الجيش إلا قبل اسبوع واحد من الحادثة الفاجعة، فقد يكون تأويل طلب التسريح المتأخر إيقانه بوقوع الواقعة، على أوجه الواقعة المخيفة كلها: احتمال الموت او الإصابة الثخينة وهو يقاتل "إخوة" مسلمين يحملهم "الأميركان" على القتال والاقتتال، وفي صفوف رفاق سلاح يشاركهم هويته الثانوية ولا يقرون له بنديته وإسوته بهم. وما يذهب إليه محققون في الحادثة من ان جهازه الإلكتروني حفظ آثار رسائل كتبها الى "متطرفين"، وآثار تصفح مواقع إسلاميين، ومسودات مقالات تحض على عمليات انتحارية – إلى ما ذهب إليه عثمان دنكاش من قبل وما نقل من بعد عن مديح الشيخ الداعية القاعدي أنور العولقي اليمني "بطولة" الميجور المظنون-، قد يكون قرينة أولى على ازدواج الرجل، وترجحه بين هويتين متنازعتين في معرض شديد التأزم والاحتداد.
وهو، في ما قد يبدو إخراجاً مسرحياً للازدواج هذا، ذهب الى محل تسوق في القاعدة صباح المقتلة لابساً "دشداشة" بيضاء، ومعتمراً قلنسوة، وتبضع، وقفل عائداً الى مهجعه، وراح الى القاعدة العسكرية الكبيرة، وفتح النار من مسدسين على جنود مجتمعين في قاعة تجهيز، ثم على جمع يحضر توزيع شهادات. وروى شهود ان الضابط الطبيب كبّر وهو يفتح النار على ضحاياه. ولكن الجزء هذا من الخبر غير ثابت ولا محقق، شأن جزء آخر حسب ان مصدر النيران ليس واحداً بل ثلاثة أو اثنين، قبل ان يقر الرأي والشهود على ان لا شريك لنضال مالك حسن في ما ارتكب.
وتكاد قصة الضابط الأميركي المتحدر من عائلة فلسطينية ومسلمة مهاجرة الى الولايات المتحدة منذ نيف وأربعة عقود (هي سن الرجل)، أو ما هو معروف منها الى اليوم قبل استجوابه، تكاد تكون كناية تعليمية عن أحوال الغلاة من دعاة "جهاد" أهل الكفر والنفاق والاستكبار والخلاف والظلم، وقتال الأهل هؤلاء كلهم. ولعل نواة هذه الكناية، وهي نواة "وقائع" القصة في آن، هي ازدواج الهوية والخشية المرعبة من غلبة الهوية الظرفية والثانوية المدنية والوطنية، على الهوية الدينية الجوهرية. وأشد ما يرعب اثنينيُ الهوية هو تمكن الهوية المدنية والوطنية، واستقواؤها بذراع القوة القاهرة، والقوانين "الوضعية"، وبالميل الأكثري الى سياسة ملزمة لا رجوع عنها إلا بميل أكثري آخر. فإذا حصل هذا، وهي حال الولايات المتحدة وسياستها في العراق وأفغانستان، وفي "حروب الإسلام والمسلمين"، لم يجد اثنينيي الهوية بداً من مكابدة أزمة وتنازع حادين.
فهو ميدان قتال داخلي على صورة القتال الدائر، على ما يحسب، بين أهله وإخوة إيمانه "المسلمين" الذين يقتلون ظلماً وعدواناً ويقتتلون، وبين أعدائهم وقتلتهم ومفرّقيهم "الأميركان". والكفتان غير متكافئتين ولا متساويتين. فتشده الى هويته الإسلامية روابط الأخوة والأصل والحياة والمصير والكيان العام، بينما تقتصر روابطه الوطنية، في أضعف الأحوال، على "المواطنة الصالحة والتزام القانون"، على قول شقيقه اياد في بيانه، وعلى دَيْنه بـ "فضل" الولايات المتحدة عليه في "ما هو عليه"، على قول جده الفلسطيني المسن، في أحسنها وأقواها. فإذا أنكر عليه أهل رابطته المدنية والوطنية الحق الأول الذي تمنحه الرابطة هذه المرتبطين بها، وهو "الحق في المساواة"، وأثبتوه (على حسبانه) مواطناً ثانوياً فيما هم يدعونه، من طريق الدولة، الى التعرض للموت دفاعاً عن الأمة الأميركية وأمنها، ويقرونه على قتال "إخوته" في هذا السبيل، فلا عجب إذا وجد الرجل انهم يكلفونه ما لا يحتمل ويشتطون.

الجالية والمَهاجر
وليس معنى رصف حلقات المعاني هذه وسلسلتها، ان ما فعله الضابط الفلسطيني – الأميركي "مفهوم". فما يوكل الجد "علمـ(ـه) إلى الله"، او يحمله على "الجنون" أو "الأعصاب" ثم على "الاستحالة"، وهو الفرق بين العلل المتضافرة وبين ما لا يتصور في صورة نتيجةِ العلل إلا بعد حصوله ووقوعه، هذا الفرق لا قاع له، ولا يسبر غوره وعمقه. وفي كل مرة يصل امرؤ (أو امرأة) ضفة العلل والأسباب بضفة النتيجة، ويَقتل ويُقتل، فمرد الأمر الى "المرء"، أي الى "مفترق الأشياء الفريد" (انطونان آرتو) الذي كانه أو كان المفترق هذا.
والقول بالفرادة لا يضعف القول الآخر بالكناية ولا تجريدها وعمومها، وتالياً عقلها. فمن حالهم حال الفلسطيني – الأميركي المظنون، ومن يذهبون مذهبه في اثنينية الهوية وترتيب وجهيها او مستوييها، هؤلاء (وهم كثرة أهل المجتمعات العربية – الإسلامية) يرون الى انفسهم جماعة أو أمة من الضحايا والمستضعفين وأهل الذمة. وواحدهم يرى انه يكني كناية حادة ووافية عن صليب الازدواج أو الاثنينية، وما يترتب عليه من استضعاف وذمية. ولا تقود الحال هذه الى القتل، ولا الى العمليات الانتحارية، ولا الى الانتصاب للدعوة، إلا في أندر الأحوال. وهذه تكاد تكون صفراً في ميزان العدد والإحصاء. ولكن اعتقاد الاثنينية، والبناء عليها وليس على اعتقادها المكتوم وربما المكبوت وحسب، يقودان الى حال اجتماعية عريضة هي حال الجالية. والجالية هي الجماعة المهاجرة الى بلد اجنبي وغريب، والنازلة بأهل البلد ودولته وأعرافه وسننه، والمقيمة على معتقداتها وسننها وأعرافها ومراتبها وذاكرتها، ولحمتها ما وسعها الأمر، وتدبير هذه اللحمة أي سياستها.
وتبرز جاليات المهاجرين الكبيرة والمحدثة في المَهاجر الغربية وحواضرها المشكلات الناجمة عن جمع المهاجرين الانخراط الاضطراري في المجتمعات الجديدة الى رغبتهم القوية في الحفاظ على تقاليدهم وانتسابهم الى امة اعتقاد ومعاملات معاً. وهذه المشكلات بعيدة من النزوع منزعاً واحداً والدخول تحت باب مشترك ومتصل. ولا ريب في ان اتساع الهجرة من شرق آسيا وجنوبها ومن الشرق الأوسط وشمال افريقيا العربيين والإسلاميين في العقود الثلاثة الأخيرة، المضطربة والمنقلبة سياسة واقتصاداً، الى مجتمعات يشكو معظمها قصوراً سكانياً حاداً ومزمناً، وتشعر بتردي مكانتها وضعف تماسكها – عظَّم الاتساعُ وجه الجالية أو حالها، وأظهر قسماته ناتئة وفي الأثناء اتخذ بعض افراد أو آحاد هذه الجاليات الولايات المتحدة وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا من قبل على نحو مختلف، وهولندا، مسارح اعمال إرهابية واغتيال فاقعة. وكانت البلدان هذه مصدر أعداد كبيرة من الانتحاريين المتطوعين الذين هجموا على ميادين الحروب المشتعلة بأفغانستان وباكستان والعراق، وعلى مقادير أقل بكثير بلبنان وفلسطين. وشطر آخر قدم من البلدان المجاورة القريبة ودخل ميادين الحروب هذه، وصب بعض الزيت على نارها الأكول.
ولكن التمثيل العنيف والمسرحي الفاجع على محنة حال الجالية المسلمة في المهاجر الغربية، وشبك بعض أفراد الجاليات وآحادها "يقظتهم" على هويتهم بطلبهم الموت والقتل طوعاً واختياراً، لا يقصر حال الجالية، ومحنتها، على جاليات المَهاجر الأجنبية، الغربية و "المسيحية". فجماعات (أو افراد) من المسلمين حسبت نفسها غريبة في بلاد كفر وحرب "علمانية"، "تعبد" وثن الدولة الوطنية، وتحكم مجالسها التشريعية وحكوماتها بغير "شرع الله"، منذ استقرار الاحتلال الاستعماري في الهند (الجزء الباكستاني لاحقاً) وأطراف الجزيرة العربية وما لم يكن يعرف بعد بالشرق الأوسط الضيق ولا العريض. وعاد الى سيد قطب، الإخواني المصري الراديكالي، في مصر الناصرية، تسمية ما عليه "المسلمون" في عهد "فرعون" المستأنف الأول بالأسماء التي تقدمت (بلاد الكفر الجاهلية، ووثن الدولة، وحاكمية الشرع الإلهي...). وقطب هو وارث منازع إخوانية وأصولية سلفية سبقته بعقود. والمنازع هذه بدورها نشأت في جماعات وبيئات اهلية ومحلية كان التدين بدين الهجرة والجالية، أو دين المفاصلة، سلمها وطريقها الى تحصين هويتها. فوصلت هذه الهوية بنسب أصيل، وعلقتها على جذع النسب وألحقتها بجذوره. وهي، أي الهوية الفرعية، على حالها من الانتحاء والانكفاء.
ويجمع بين الجماعات والبيئات الأهلية والمحلية، المتدينة بدين الهجرة والجالية والمفاصلة، إقامتها في مَهاجر. فهي تحمل أوطانها ومواطنها على مَهاجر أو دار هجرة، وهي (وآباؤها) راسخة في الأوطان هذه منذ قرون. فدار الأطهار أو الأنقياء، أي باكستان، نشأت دولة إسلامية في قلب الهند. وهي اقتطعت من الهند الهندوسية وأخرجت من دولتها وأقاليمها واتحاد أقوامها، لتكون مقصداً أو مثابة يقصدها مسلمو أقاليم الهند الأخرى. فيحلون بين أهاليها، "مهاجرين" (على ما يسمى اهل البنجاب الى اليوم) إلى دار إيمان ومعاهدة. والهجرة هي "الى الله ورسوله"، بحسب العبارة السائرة والمرضية. ويترك المهاجر داراً هي دار غير المؤمنين، ويفزع الى حيث "لا يُفتن عن دينه". و "المهجر" الباكستاني هذا هو مختبر دعوة المفاصلة، وتركِ المجتمع المختلط ودولته الوثنية الى الحاكمية الإلهية وولايتها المطلقة.
والمدرس الشاب في الإسماعيلية اواخر عشرينات القرن العشرين، حسن البنا، صاحب "جمعية الإخوان المسلمين" ودعوتها الى حمل المجتمع على الإسلام، حين حل الإسماعيلية يومها حلَّ مدينة من مدن قناة السويس وشركتها "الدولية" ورأسمالها "الكوسموبوليتي"، تسود أهلها أحكام ليست أحكام دولة الإسلام وداره، على ما قال. فدعا مؤمني مصر، والإسماعيلية "البريطانية" استعارة لمصر الغريبة قسراً عن هويتها ورسوم إيمانها، الى "مغادرة" الدار الفاسدة والمفسدة الى دار الإيمان الصادق وأخوّته وصحنه. والمغادرة هذه قد لا تكون انتقالاً من محل الى محل. وهي ربما عنت تبديل المرء المؤمن جلده، على ما ذهب إليه سيد قطب غداة رحلته الأميركية، على مثال بروتستانتي وصوفي (على غرابة المثالين في هذا المعرض). ويقود تبديل الجلد الى وحدة النفس، وقرارها على هويتها المجتمعة والعميقة، وعلى جوهرها الصافي.
ولا يبلغ المؤمن محجته هذه فرداً أو واحداً، بل جماعة أو جمعية تمثل على الأمة، وتندب نفسها الى القيام مقامها، إذا رأت داعياً الى ذلك. ودعوات الهجرة الكبيرة هي دعوات "سياسية"، وفي مبتدئها دعوات اجتماعية وأهلية. وصفتاها هاتان، إذا صحت التثنية، تستبطنان التدبير العام والمشترك، وتوزيع الأمر والقوة والمراتب والمصالح، أي انهما تستبطنان "السياسة" وتصريفها. ويجمع اصحاب "الجمعية الإسلامية" الباكستانيون، ودعاة التيارات الإخوانية العربية، والخمينيون في إيران و "ولاياتها" العربية، و "الجهاديون" على اختلاف فرقهم وبلادهم ومَهاجرهم، يجمعون على توحيد سياستهم ودينهم، وواحدهما في الآخر، على قولهم. (ويلتحق بهم "القوميون" العروبيون وغيرهم، على اختلاف نحلهم. والحق ان حركاتهم ومنظماتهم تكونت كلها تقريباً في غضون حرب الثلاثين عاماً الأوروبية، 1914 – 1945، من القرن العشرين، وهي العقود التي حضنت المنازع القومية والاجتماعية والامبريالية المتطرفة وحروبها).

تبديد الواسطة
والانشقاقات الأهلية الدينية أو المذهبية والطائفية، وحروبها أو "فتنها"، تنزع لا محالة الى إنشاء مَهاجر تستقر فيها جاليات من المؤمنين المتآخين والمرابطين في ثغورهم، والمقاتلين دون دارهم او "مدينتهم". ولعل الجماعة الحوثية بشمال اليمن، المترجحة بين الزيدية وبين الإمامية الإثني عشرية، من آخر ولائد هذا النازع على المسرح السياسي والعسكري العربي. فيذهب عبدالملك بدر الدين الحوثي، قائد الجماعة الأهلية، البلدية والمذهبية والقرابية اليمنية الشمالية، جواباً عن سؤال أبو بكر عبدالله (النهار اللبنانية، 11 تشرين الثاني 2009) لماذا لا ينشئ حزباً سياسياً، الى ان "المشروع الذي (ينادي) به، سلمياً هو العودة الى ثقافة القرآن الكريم وتعاليمه وعطائه التربوي والروحي والسياسي والشامل لكل مناحي الحياة". فـ "سياسة" الجماعة الأهلية المقاتلة أبعد من السياسة، وأشمل منها و "أعمق".
وهي تصدر عن ركن كلي، كياني إذا جازت العبارة أو وجودي وإنشائي. وهذا يسبق السياسة، على معنى جزئي يتناول تدبير جماعة من الجماعات في إطار كيان سياسي مختلط ومتنازع على هذا القدر أو ذاك. ويشرح "الشيخ"، وهو داعية ومرجع فتوى ومقدَّم القوم وعقيد قتالهم ولسانهم، ما يريده بـ "ثقافة القرآن الكريم"، فيقول إن الكتاب "ليس مشروعاً لحزب، ولا فكرة لفئة، ولا رؤية لجماعة، وإنما هو هدى الله للعالمين، ولهذا يستحيل تأطيره في مشروع حزبي". وحمل الكتاب على ما يحمله عليه المقاتل الحوثي "القرآني"، من غير وسائط دنيوية وعينية بينه هو وقومه وبين التنزيل، يبدد الوسائط السياسية ويلغيها. فلا تتماسك عوامل مثل الجسم القبلي أو "القومي" (من قوم)، والنسبة الى موضع وبلد، والمعتقدات التي تنسب القوم الى تاريخ وروابط وعداوات، والمصالح التي تقرب من جماعات أو تبعد من أخرى. ولا تحتسب هذه العوامل في ميزان الوسائط والوسائل ولا في ميزان المقاصد والغايات. وعلى مثال ثابت وعام يترتب على نصب "المرجع الإلهي" حاكماً مباشراً في الطبائع والشؤون كلها. وينيط القائد الأهلي بالحاكمية معالجة شؤون الدنيا والآخرة تلقائياً، ومن غير تدبّر ولا نظر ولا اجتهاد ولا خلاف ولا تردد أو اختبار: "ونرى ان كل شؤون الحياة لا تصلح ولا تستقيم إلا باتباع تعاليم الله التي هي منطلق رحمته وحكمته وعلمه، وهو ملك السموات والأرض. ومع اختلاف الأمة الثقافي، فإن ما يحل هذا الاختلاف (...) هو العودة الى القرآن الكريم، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".
ويتضافر القول بعصمة "القرآنيين" المفترضين – وهم، في قول يضمره عبدالملك الحوثي، "المعصومون" المتحدرون من خلق نوراني وغير طيني وهذه صفة ائمة الشيعة الإمامية- مع نقد سياسي دنيوي وعملي: "... السلطة لن تسمح نهائياً بنشاط حزبي جدي وفاعل يصل الى نتيجة صحيحة". والنعوت التي يغدقها المتكلم على "حزبه"، وهي الجدية والفاعلية والصحة، تجعل "الحزب" صنواً لـ "ثقافة القرآن"، وللدعوة الإمامية في عصر ما بعد الغيبة وظهور "إمام الزمان". فالحزب ليس حزباً سياسياً، على معنى الجزء السياسي والاجتماعي من مجتمع شامل ودولة وطنية، بل هو أمة، أي جماعة دينية اعتقادية وسياسية و "أخوية" أو طريقة، على المعنى الصوفي، وعشيرة. ويسوغ ما يذهب إليه عبدالملك الحوثي اليوم، تأريخ أبو بكر عبدالله (النهار، 12 تشرين الثاني 2009) لخلاف والده وجماعته، مطلع ثمانينات القرن الماضي، على الدولة والحكم اليمنيين. فالشيخ الزيدي أنكر على الحكم اليمني الجديد، غداة استيلاء العقيد علي عبدالله صالح على الحكم بصنعاء وإطاحة روح الله خميني الشاه وانتصار "الثورة الإسلامية"، دعوته علماء الزيدية ومراجعها الى التخلي عن "شروط الولاية" ونصها على الإمام بـ "الاسم" أو النسب، وهي شروط الولاء للحاكم والدولة تالياً. ويترتب على التخلي هذا توحيد الهوية السياسية الوطنية، وتقديم تعريفها بالدولة وكيانها المعنوي والتاريخي والحقوقي، ومن طريقها، على تعريفها بواسطة الجماعات الجزئية أو الفرعية، القومية النسبية أو الاعتقادية أو المحلية، أو هذه مجتمعة في هوية أهلية متضافرة.
وعلى هذا، يصدق في حركة آل الحوثي بصعدة اليمنية وجوارها فوق ما قاله نضال مالك حسن الى زميل دراسته الضابط الطبيب بفرجينيا من انه "مسلم أولاً وأميركي ثانياً". فمقاتلو الحركة "مسلمون (إماميون) أولاً وأخيراً". وأخرج اضطرار الضابط الفلسطيني (المسلم) – الأميركي الى ترتيب هويتيه، أو وجهي هويته، تحت طائلة السفر الوشيك الى مسرح حرب لا مناص له فيها من ان يكون "عبدالله القاتل" أو "عبدالله المقتول"، أخرجه من ترجحه بين الوجهين. فحسم صدارة الوجه غير المركب، الإسلامي الفلسطيني كلاً وجميعاً، في حربه على الوجه المركب، السياسي الوطني الذي يتشارك فيه مع مواطنين كثيري المصادر الاعتقادية و "العرقية". وهو أقدم على الحسم في "ثورة" لا ندري بعد عواملها ولا مقوماتها الشعورية والذهنية، ولا تُبلغ إلا من طريق الرجل نفسه. وتشترط معرفتها كلامه، وعودته الى نفسه، وتذكره ما صنع. وهذه، الكلام والعودة والتذكر، قد تكون "ذهبت"، على معنى قول العربية في المجنون انه مذهوب العقل، وتقوضت في الفعل، وهوت كسراتها ونتفها البكماء والضريرة في لجة الاختلاط الماحقة.
ويقيد المقارنة، المضمرة أو المعلنة، بين فعل "الميجر" نضال مالك حسن، وبين قتال الحركة الحوثية، وبين حسم الضابط الفلسطيني – الأميركي ازدواج هويته وبين حسم الحوثيين الإماميين واليمنيين نسبتهم السياسية والاعتقادية، حملُها على واحد فرد في حال وعلى جماعة وقوم في حال أخرى. وهذا يبطل المقارنة، على المعنى الدقيق. وما يودي بصاحبه في حال الواحد الفرد الى الانهيار والتصدع، يجلو الجماعة حركة سياسية وطائفية مقاتلة ومجاهدة، ويبلو أفرادها، وقد يوجب واقعاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً يفضي الى انتصاب كيان "وطني" مستقل أو "سلطة ذاتية" يقر مجتمع الدول بحقيقتها. وإلى هذا، أو ما يشبهه، أفضت حركات أو منظمات أهلية سبقت "نادي الشباب المؤمن" (الحوثي) الى النشاط مثل "حزب الله" في لبنان وحركة المقاومة الإسلامية ("حماس") في فلسطين. وحاول "جيش المهدي" الصدري في العراق، وربما "المجلس الأعلى الإسلامي" في العراق كذلك، بلوغ هذه الحال. فما كان، ابتداءً، "هذياناً" أو أشبه بالهذيان، لم يمتنع انقلابه واقعاً وحقيقة حين أخذت به جماعة، واستدلت به، وقاتلت دونه وقتل بعضها عليه.
وما ينأى بالأفراد، أو بجماعتهم، من الهذيان، ويجمعهم على "السياسة" والشقاق الأهلي، وربما على تولي الحكم، يقودهم إذا هم بقوا افراداً، وأقاموا على حالهم هذه، إلى ما قاد إليه العسكري الفلسطيني - الأميركي، ولا نعلم الى اليوم على وجه الدقة والضبط ما هو وما يكون. ويجوز ربما القول، من غير تعليل وظيفي وغائي، ان الحركات الأهلية الانفصالية والاستقلالية الأهلية، على شاكلة تلك التي مر إحصاء بعضها، "تنقذ" الأفراد الآحاد من المصير الذي صار إليه قاتل فورت هود، وتؤمّنهم من اثنينية الهوية وتنازعها المدمر. وفي مستطاع الحركات الأهلية الاضطلاع بهذا طالما لم تحل المجتمعات السياسية الشاملة بين الجماعات والحركات وبين حسم اثنينية الهوية من طريق ترجيح هوية الجماعة الأهلية على الهوية الوطنية. فتنزع الجماعات وحركاتها الأهلية الى الغلبة، وتخرج تعريف هوية الأفراد الآحاد من الترجح، وتدمجهم في هوية واحدة "قوية" يدل بها أعيان الجماعة الجدد والشبان (فيقول واحدهم: "نحن الأقوى"، مادحاً ومنتشياً).
وإذا حال المجتمع السياسي الشامل، والدولة المدنية راعيته، دون الاثنينية، لم يلغِ الهوية الدينية أو الثقافية أو "العرقية"، بل فصلها من التعريف السياسي المشترك، وخصها بدائرة على حدة. وكان الإقرار بـ "حرية الضمير" الديني والاعتقادي غداة الحروب الدينية والأهلية الأوروبية والحق يقال، الإيذان بالفصل والتخصيص هذين. وترتيب المعتقد الديني أولاً والوطنية الأميركية (أو غيرها، بديهة) ثانية، والبناء على هذا الترتيب وتحكيمه في واجبات المواطن وحقوقه، ينتهك الفصل والتخصيص. وإذا صادف الانتهاك سياقة مأزومة، وامتحنت السياقة هذه الأفراد الآحاد امتحاناً عسيراً يتطاول الى معاني حياتهم وموتهم، فالأرجح ان يخلخل الامتحان الأفراد، ويهزهم هزاً عنيفاً ينجم عنه قصف بعضهم وتصديعه.

"الذوات"
وترتيب وجوه الهوية على مرتبتين، واحدة سياسية غالبة ومشتركة وأخرى "ضميرية" أو "وجدانية" نفسية وذاتية يفترض "تبلور" الوجدان "الداخلي" والذاتي، وحِدَته (أو قيامه على حدة) من الهوية الجماعية بعض الشيء، واستقلاله عنها. وهو ما تكني عنه الفردية، أو نصب الأفراد الآحاد "ذواتاً" حقوقية وسياسية ونفسية واقتصادية مجردة، وقائمة بنفسها، ويأتلف المجتمع وإرادته العامة من تعاقدها الحر، ويدوم مؤتلفاً ما أوجبت إرادته العامة، المستفتاة في الأمر، دوامه. ويجعل هذا الأفرادَ في اصل الدولة – الأمة. فلا تسبق "الأمة"، على المعنى القبلي الأهلي ولا على المعنى الاعتقادي العضوي والهلامي، الإرادات الحرة والمتعاقدة التي أنشأتها. وإرساء الدولة – الأمة، وليس الأمة التي تسبق أواصرها وروابطها الرحمية والفطرية استواءها اجتماعاً سياسياً، إرساؤها على المثال الفردي، افتراضي وتقديري، تترتب عليه نتائج إجرائية هي الحقوق الشخصية والفردية (في الحصانة والأمن والحياة الخاصة والتملك والاعتقاد والتنقل والقول...) والحقوق السياسية (في الولاية والتشريع وانتداب ولاة الأمر والمدبرين والنقض عليهم...) والحقوق الاقتصادية والاجتماعية أخيراً (زمناً).
وليس هذا الإرساء تاريخياً ولا "واقعياً" تقريرياً أو وصفياً: فالأفراد، على المعنى الحقوقي وبما هم "ذوات"، لا أثر لهم في المحفوظات والأخبار. وهم ثمرة إنشاء وإيجاب اجتماعيين وثقافيين تاريخيين ومحدثين. وافتراضهم في اصل الاجتماع، وهم محصلة متأخرة من محصلاته المتفرقة والمتباينة، يدعو إليه ويسوغه إرساء حقوقهم وإجراء هذه الحقوق والتزامها، على ركن منطقي متماسك ومنسجم. فالفروع العملية والإجرائية التي تنص على حقوق الإفراد وحرياتهم وتضمنها، وترعى أحوالهم ومعاملاتهم، ويُجتهد في توسيعها، ويقترع عليها، لا تقوم (أو هي لم تقم الى اليوم) إلا على تقدير أصول فردية مفترضة و "متخيلة". وتترتب على الأصول الجماعية و "التاريخية"، على المثالين الإيراني "الإمامي" والسوري "القومي" والعراقي من قبل، تترتب على مثاليهما الجماعيين والتاريخيين في الولاية "السياسية" (والاجتماعية والثقافية والأمنية والشخصية...) النتائج المشهودة والمعروفة. وتنكر الأصول الجماعية على الأفراد الآحاد الحق في حقوق ثابتة تنهض بإزاء "حقوق" السلطان الجماعي المتجسد أو الحال في "أولي الأمر" "المكتَشفين" أو الإلهيين، على قول الأولياء الفقهاء في انفسهم، أو على ظن عبدالملك الحوثي في نفسه وفي والده. والمجالس الإيرانية المتفرقة (مجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس الأمن القومي)، ومرشد الثورة في وسطها او القلب منها، تهيمن على المراتب المنتخبة، وتقيدها وتعطلها، وتبطل نتائج الانتخاب والاقتراع الإراديين والحرين.
ومن ثمرات تقدير "الذوات" الأفراد وافتراضهم اصلاً حقوقياً، ومصدراً تشريعياً وسنداً اجتهادياً ومسوغاً إجرائياً، "تحريرهم" من التقليد الذي يسري في السرائر والطوايا والجوارح على نحو ما يسري في العبارة (اللغة) والتأويل ووصل الحوادث وحلقاتها على شاكلة تأريخ عام أو سيرة فردية. فتجري رواية السير الفردية، ومصائر الأفراد الآحاد، على مثالات أو رسوم وأنحاء غير متوقعة، وتتفتق عن معان غير معروفة ولا مسبوقة. و "الذات" التي تتعقبها الرواية، أو يتعقبها التأريخ وتقوم به، تتربع ذاتاً فردية وروائية أو مروية، فتجري على رسوم غير متوقعة ولا معروفة وإنما مفهومة ومتماسكة معاً، على ما هي الحال في العمل الروائي و "فنه" وهذه "الذات" هي وليدة ذوات متفرقة ومتنازعة أو منقسمة، أو هي انا قلقة (على المعنى المكاني) مجتمعة من أنوات كثيرة، ومن معان وأوقات يتغير ترتيبها واختلاطها على الدوام. ويضبط النفسَ "الشعاع" (على قول قيس بن الملوح العامري) أي المتصدعة والمتفرقة خيوطاً في اتجاهات مبعثرة، مبان مرصوصة وجامعة تتولى الضبط والتوحيد على مقادير متفاوتة. ولكنها تقر للنفس، و "للذوات"، بكثرتها وانقساماتها وتنازعها وجري حوادثها على رسوم ومثالات غير محسوبة ولا مقيدة سلفاً وبالسلف.
ونضال مالك حسن رتب "نفسه" المتنازعة والمنقسمة ترتيباً قدم اعتقاده الجماعي والملزم، وأخَّر علاقته الوطنية والسياسية التعاقدية، والملزمة من طريق التعاقد وليس من طريق الأمر والنهي والصدوع بهما. ويقضي هذا الترتيب الناجم عن الهجرة، وعن الإقامة على الجالية وآصرتها و "ثقافتها"، بإبطال الكثرة والمنازعة، وإنكار حقهما في العمل في "الذات" وصوغها. وعلى حين ان صدارة المعنى الوطني السياسي، أو المعنى "الجمهوري المدني والوطني"، لا ترتب إلغاء المعنى الاعتقادي والديني بل تثبته معياراً مقبولاً تتفرع عنه الخدمة المدنية أو يتفرع عنه "اعتراض الضمير"، تلزم صدارة المعنى الاعتقادي والديني بإبطال وجوه النفس الأخرى، و "طبقات" تاريخها، وجواز كثرتها واختلاطها.
فيسوغ الزعيم الدرزي (اللبناني) وليد جنبلاط خروجه من الوطنية اللبنانية بالتزامه العروبة وفلسطين واليسار. وهي أسماء مسمى مضمر هو الجماعة الأهلية المهددة. وينكر أحد مساعدي الزعيم الدرزي على الصف السياسي الوطني والمختلط الذي كان جزءاً منه (أي على "14 آذار") "تدخله" في شؤون الجماعة الأهلية، ومناقشة أنصار زعيمها الرأي في مسائل اختُلف فيها. فالوطنية اللبنانية، في صيغتها الجمهورية المدنية والوطنية الناشئة، لا تنكر على الجماعات الأهلية، درزية أو مارونية أو شيعية او سنية... تواريخها وكثرة طبقات هذا التاريخ وتنازعها في "نفوس" أهل الجماعات وهوياتهم، تنكر الآصرةُ الأهلية على اللبنانيين التواريخ هذه، وتعيب عليهم كثرتها وتنازعها فيما هي تنصب "الوطنية" فكرة خاوية ومن غير يد (أو يدين) أو موجبات غير يد السلاح "الإلهي" (أو "القرآني"، في لغة عبدالملك بدر الدين الحوثي) وموجباته العسكرية والأمنية والاستخبارية والذرية.
وعلى هذا، ينادي الحوثي الابن، وخالفُ والده على جماعته وأهله، بـ "مشروع ثقافي شامل على ضوء القرآن الكريم (...) نقدمه ضمن دروس ومحاضرات مع خطوات عملية سلمية منها شعار (الله أكبر – الموت لأميركا – الموت لإسرائيل – اللعنة على اليهود – النصر للإسلام)، والدعوة الى مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية، والتوعية النشطة في مواجهة التضليل الإعلامي، والتسمم الثقافي، والمسخ الأخلاقي، والفساد الاقتصادي الذي يشنه اعداء الأمة عليها". والبرنامج الجامع هذا، يسع جماعات اهلية مشرقية الأخذ به، وتعليق برامجها على أغصانه الوارفة. وسذاجة البرنامج وصراحته لا تتستران على "تقدمية" المطالبة بكتاب تاريخ وتربية مدنية واحد يسمي الانعزاليين بالاسم والصفة، ولا على راديكالية ثورة على الفساد تنصب جنرالاً وعماداً أسبق رئيساً مسيحياً حقيقياً، ولا على مصالح قومية استراتيجية تقضي باستتباع سلطان أهلي وأمني قاهر دولة ومجتمعاً مدنيين. فهذه كلها، وغيرها مثلها، تكرر الرسم المميت الذي صدر عنه "الميجر" الفلسطيني (المسلم) – الأميركي نضال مالك حسن.

الجمعة، 20 نوفمبر 2009

السياسات اللبنانية وقد تحولت إقطاعات مستقلة

الحياة 20 نوفمبر 2009
تتوج «حكومة كل لبنان» الائتلافية في ختام مخاض طويل و «فودفيلي»، على شاكلة مسرح البولفار الشعبي أو العامي والبورجوازي، مساعي حثيثة ومحمومة في تجزئة الحياة السياسية والوطنية اللبنانية، وتقطيعها إرباً وقطعاً تحول دون لحمها من جديد في معنى وطني جامع ومشترك. ويتصدر المساعي هذه فك الطاقم الحكومي والوزاري، أي التأليف السياسي والتمثيلي، من الانتخابات النيابية العامة القريبة. ورُبط التأليف أو التشكيل بإنكار فوز تكتل سياسي معلن، هو تكتل قوى «14 آذار» (مارس)، بأغلبية المقاعد النيابية. وأبطل تكتلُ قوى الأقلية الغلبة العددية الانتخابية، ونتائجها الحكومية، من طريق رجحان قوة التكتل «الواقعية»، اي المستمدة من «أمر واقع» ينتهك انظمة الدولة المدونة والثابتة. و «الأمر الواقع»، في لغة التداول والاقتتال السياسية والمحكية، هو السلاح والمال الحزب اللهيان، ركنا دولته ومجتمعه النقيضين، أو «ولايته» المستقلة بحبل سرتها، ومصادر غذائها وتسويغها.

وعلى هذا، فالحكومة العتيدة هي ثمرة تنازع غالبية نيابية صريحة، وإن لم تكن «كاسحة» أو «ساحقة»، و «أكثرية وطنية» (على قول «الرئيس» القومي السوري والاجتماعي) أو «شعبية»(على قول الخطيب الحزب اللهي الأول). وفي التنازع بين تكتل رخو المفاصل واللحمة، على شاكلة العلاقات السياسية «الفيديرالية» او الائتلافية المحلية والوطنية، وبين تكتل مرصوص بني على شاكلة معسكر حربي أو خندق حصين ومعاد، يستقوي التكتل المرصوص، النيابي الأقلي، بـ «حق» نقض يستمده من لحمته الأهلية، ومن حبل سرته الطائفية والإقليمية.

وهو لا يُعمل النقض في الهيئات والمؤسسات العامة والرسمية وحدها، بل يعمله كذلك في الجماعات والدوائر الأهلية التي يصدر الناخبون عنها، وتتقيد كثرتهم بميولها وأهوائها. فإذا خاف الزعيم الدرزي الهجمات المسلحة، في مناطق السكن المختلطة ببيروت وساحل بعبدا وعاليه، على قومه وأهله، وأخافهم على أنفسهم، مال من جديد الى «العلاقات المميزة» بالجهاز السوري الحاكم، وجدد النفخ في الانقسام الأهلي والوطني على «القوات المشتركة» (الفلسطينية واللبنانية) وفتوحها ومغازيها. وكانت الغالبية السابقة، المولودة من انتخابات صيف 2005، شُلت وعلقت بواسطة حروب طياحة وقتل وحجر ومقاومة، شعبية ونيابية عامة، أفضت الى الدوحة، وإلى رئيس الجمهورية المولود منها.

و «اتفاق» الدوحة كرس تقطيع السياسة، أو السياسات الوطنية اللبنانية، قطعاً كثيرة. فاستقلت القطعة منها، النيابية و «الرئاسية» والحكومية والوزارية والإدارية والعسكرية والأمنية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية، بأحكام وموازين ومعايير ظرفية تخصها. وما بدا تهافتاً محموماً على الاستيزار عموماً وعلى الوزارات، وزارة وزارة وبالاسم، وعلى الوزراء، بالاسم كذلك، لم يكن ثمرة شهوات أنانية و«حزبية» وحسب. فنظام التجزئة والتقطيع، أو «نظام السَّلامي» على التسمية الأجنبية، استدرج الشهوات وغذّاها. وبنى النظامُ هذا على «فضائل» سبق استغلالها في زيادة عدد النواب من 108 الى 128، وفي الحمل على الإقرار بـ 30 وزيراً عدداً «قانونياً» لا رجوع عنه في تأليف الحكومات. وفصّل النظام «السوري - اللبناني» نفسُه الوزارات على مقاس كتل النواب وغرضياتها أو ولاءاتها وحظواتها، وعلى مقاس احتياجاتها الانتخابية والخدمية والمالية، واحتياجات «العروبة السياسية» وجهازها السوري، في إطار توزيع عام للحصص والشطور. وما يحسبه ميشال عون، اليوم، إنجازاً واستعادة حقوق مهدورة في القطاعات المتفرقة (المالية والاقتصادية «الإنتاجية»)، إنما هو تثمير للميراث «السوري - اللبناني»، واستئناف لميزانه ومنطقه التجزيئيين.

وتُبخس قيمةُ النظام التمثيلي والانتخابي وتهدر من طريق أخرى. فالقوة الأهلية والعسكرية الأمنية الأولى، وهي الكتلة الشيعية المسلحة، تقصر تمثيلها النيابي طوعاً على أقل من دزينة من النواب، وتختصر حصتها الوزارية في وزيرين معلنين. ولكنها، وراء القناع الناعم والمراوغ هذا، تغرز أظافرها وأنيابها في أجزاء الجسم اللبناني، وتقيده وتعطله وترهقه وتعتاش عليه كيفما ارتأت، وارتأى حلفاؤها والمشيرون عليها. والانكفاء الظاهر هذا هو بعض الإخراج المسرحي الذي يوزع على اللبنانيين، دولة ومجتمعاً، الخسائر الفادحة التي تعود عليهم بها، بالعدل والقسطاس، سياسةُ الحزب الخيمني الداخلية والخارجية، السياسية والعسكرية، معاً. فيورط الحزب الشيعي المسلح اللبنانيين في عوائد الخسارة، ويحمي نفسه، وسيطرته على الأهل غير المواطنين، وجهازه العسكري الأمني من طريق توزيع عوائد الربح وريع «المقاومة» العيني على أهل عصبيته الراضين. وهو، في هذا كله، جزء من 11 جزءاً نيابياً، وواحداً من 15 جزءاً وزارياً. فإذا وقعت الواقعة، على مثال حرب صيف 2006، لبس الحزب المسلح الدولة والمجتمع اللبنانيين درعاً واقية وذريعة «شعبية» سائغة، وتخندق فيهما جسدياً ومعنوياً، وعرّضهما للتصدع، وللازدراء والاستضعاف الدوليين. وخرج مزهواً، ومحكماً خبيراً في «فن» الحكم.

وأرسى ما كانت سياسة القسر السورية فرضته بالقوة والتفريق والحوادث الأمنية والسنن الانتخابية والإعلام المزور، وهو إخراج العمل المسلح من الأبنية السياسية الوطنية، أرساه على قواعد وأسس مضمرة. فحمى قواته العسكرية والأمنية بعصبية اهلية ومذهبية مرصوصة ومقاتلة. وربط حمايتها ببنود سياسة إقليمية تستظل، من «حماس» وبعض التيارات «الإخوانية» الى سورية وايران، لواء «المقاومة» العروبي والإسلامي، ويتولى هؤلاء البت في مطالب هذه السياسة وبرنامجها. وترجمة الإخراج من الأبنية السياسية والحماية بالعصبية المرصوصة والربط ببنود السياسة الإقليمية وحاجاتها، قضت باطراح المسألة السيادية الأم من الحكم والحكومة والإدارة. ومهد الحزب الشيعي المسلح للاقتطاع هذا، على خطى السلف السوري (والفلسطيني قبله)، فقبل إجراء انتخابات «هادئة» و «منفتحة»، على رغم التمهيد لها بأربع سنوات مضطربة وعاصفة، كان جلاء القوات السورية عن الأراضي الوطنية الإيذان ببدء اضطراباتها وعواصفها.

وفُصلت «مناقشة» (واللفظة قرينة على افق لا يطال ولا يبلغ) السلاح والحزبين الخارجية والأهلية، من السياسة العامة التي تتولاها الحكومة. وعُلقت المناقشة العتيدة بخيط «طاولة حوار» أوكل امرها الى أضعف زوايا الحكم صفة سياسية وتقريرية وقوة أهلية. ويدعو الحزب المسلح اليوم الى فصل السلاح من «المقاومة»، والبناء على إقرار «ميثاقي» بـ «المقاومة»، وقصر المناقشة، إياها، على السلاح وحده. وقد يكون هذا «اعتذاراً» حيياً عن فعلة 7 ايار (مايو) 2008 وفعلات أخرى من قبل، على شاكلة اعتذار سابق عن الجهل بنتائج «الوعد الصادق» - والاعتذار هذا لم يلبث ان تبدد في إغضاء ومديح وعجرفة تتردد اصداؤها الى يوم غير معلوم. ولكن الإلماح الخجول لا يتطاول الى طرق السلاح المتعرجة والخفية، وإلى المضي على انتهاك القرارين الدوليين الكبيرين 1559 وتتمته 1701. وتزعم الردود السورية المتواترة ان العلاقات الفلسطينية (منظمة أحمد جبريل في المرتبة الأولى) - اللبنانية ينظمها اتفاق (القاهرة في) 1969. وهو ألغاه المجلس النيابي وأبرم إلغاءه. ودعته السياسة السورية الى إلغائه. ولا تحور وزارة الخارجية جواباً.

ويتعدى التجزيء والتقطيع اركان السيادة الى السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية. فتُعزل السياسة النقدية، وتناط بهيئة مصرف لبنان المستقلة. وذريعة عزلها واستقلالها هي «نجاح» الهيئة في حماية المصارف من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وارتداداتها، وتعاظم الاحتياطات والفوائض بالنقد الأجنبي، وبلوغ النمو 7- 8 في المئة.

وتطمئن المؤشرات هذه اصحاب «الملاحة القريبة النظر» والظرفية. وتترك معلقة مسائل نمو عوامل الإنتاج وتنويعها، وتوسيع شبكة الضمانات الاجتماعية، والإعداد لمشكلة تعويضات نهاية الخدمة ومرتباتها، ومكافحة تردي التعليم على مستوياته، وتقليص الجهاز الإداري و «الوظيفي» المتورم والمعطّل.

وعلى شاكلة النقض السيادي على وحدة الدولة، يلوح التكتل الأهلي الاتحادي والمسلح بنقض اقتصادي واجتماعي. فينتضي مسألة الخصخصة «سلاحاً». وهي قناع لمسألة حقيقية تتناول حماية الفئات الاجتماعية الضعيفة، ورعاية تأهيلها الى المشاركة في دورة اقتصادية فاعلة. والفئات هذه معظمها اصابتها الحروب الملبننة الطويلة ثم الرعاية السورية المتعنتة بنكسة اجتماعية وسياسية قاسية، وقلصت دور «المصعد» اللبناني في حراكها. وهي القاعدة الاجتماعية العريضة لناخبي المنظمات الأهلية المسلحة الباقية، وللكتل المذهبية والعصبية المتماسكة. وهي تحسب ان «دورها جاء»، على قول ميشال عون في أنصاره.

وتتولى الزعامات المذهبية، من طريق «الدولة» أو الإدارة وحصصها، إعالة ضعفاء الكتل المذهبية، من وجه، وتوزيع عوائد المناقصات والوكالات ومجالس الإدارات والوساطات ومكاتب الاستشارة على «طبقة» من رجال الأعمال والوسطاء والفنيين والإداريين (ينزل لبنان المرتبة 130 من سلم الفساد)، ومن وجه آخر. وجزء من الإعالة مصدره الإعفاء من الجبايات. وأولها تسديد ثمن التيار الكهربائي (30 في المئة من الثمن لا يسدد). فتتصدى الزعامات المذهبية للرعاية المزدوجة هذه. وتتولى تقوية تحالف «الطبقتين» الاجتماعيتين داخل جماعاتها المذهبية، وتدعو هذه الجماعات الى الانكفاء، وإلى الإدلال بحقوقها المهضومة على الدوام. وهذا وجه من وجوه «تفاهم» عون - نصر الله «الفيديرالي» والعامي الشعبوي و «المعارض». وهو، كذلك، وجه من وجوه انكفاء الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ودفاعه عن الإعالة والغوث المركزيين و «اليساريين»، على ما يحسب ومعه تراث لبناني وعربي، ناصري ونفطي، عريض ومختلط. وعلى هذا، اصطفت جبهة من الكتل المذهبية يجمعها الى محور «المقاومة» الإقليمي (على تفاوت وربما اختلاف في المقاصد والبرامج والمخارج)، نازع قوي الى الاعتيال على المال العام، وعلى عوائد المجتمع.

وتأخذ الدهشة بعض المراقبين وهم يشاهدون الهدوء اللبناني «النسبي»، على قول المسرحي اللبناني «اليساري»، قياساً على تقلبات المناخ الإقليمي واحتمالاته المقلقة. والحق ان الهدوء هذا هو ثمرة تقطيع السياسات اللبنانية، ومرتكزاتها الأهلية والاجتماعية، على ما دأبت عليه حركات «المقاومة» منذ نحو أربعة عقود. ومصادر «المقاومة» هذه عروبية وعصبية محلية، على حد متفاوت. ويؤاخي التقطيع بين الكتل المتنافسة، متحالفة أم متنابذة، ويرسي بينها علاقات جوار ريعية. والتسليم بالدوائر المرسومة والإقطاعات قد يحمل، على ما تعول الكتل «الفيديرالية»، على رعاية المسرح الاحتياطي (اللبناني) الإقليمي، المعد لجولات إقليمية تحت الطلب وإحاطته، بمساكنة تحول دون نشوب نزاع سياسي لا يؤمن انقلابه نزاعاً أهلياً مسلحاً. وتستتبع الحال هذه دوراناً في حلقات مفرغة، وترجحاً لا الى غاية، ومناقشات متناسلة. وتضطلع «الحيوية» الاجتماعية اللبنانية المشهودة بدور فاعل في تغذية العطالة والإجهاض السياسيين. وليس معنى هذا انه ليس للحيوية العتيدة منطقاً سياسياً يزري بضآلة «السياسات» المنتصرة. ولكنه المنطق هذا «يبحث» عن أهله وأصحابه.

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

الإرهاب في العراق وأفغانستان وباكستان وجه من حروب أهلية وإقليمية ودولية «مشتركة»

الحياة 6/11/2009

بينما تبذل حكومات محلية، وقوى دولية مساندة وحليفة، وسعها في سبيل السيطرة السياسية والأمنية على أجزاء من بلادها، ترد قوى معارضة مسلحة على المحاولات المتفرقة هذه بهجمات إرهابية دامية «ناجحة». ففي العراق وأفغانستان وباكستان، وعلى وجهين مختلفين في إيران ولبنان، تشن منظمات مسلحة حرباً على حلفائها ورعاتها. ولكنها تستهدف في المرتبة الاولى الأهالي المدنيين، وتوقع فيهم الشطر الأكبر من الخسائر. والإرهاب هذا ليس أعمى، على خلاف بعض المزاعم. والأدقُ القولُ ان عماه المزعوم اي ضربه المدنيين، جزء من سياسة بصيرة وحادة النظر.

ففي البلدان الثلاثة الكبيرة، اي العراق وأفغانستان وباكستان، وهي الساحات البارزة، تتصل الهجمات بثلاث عمليات سياسية واضحة الدلالة والمترتبات. فمنتصف الشهر الأول من 2010 هو موعد أول انتخابات عامة عراقية، جامعة وفعلية. وعلى خلاف الدورة السابقة، قبل 5 أعوام، تشارك في الدورة المقبلة والوشيكة أحزاب وجبهات وكيانات لا تستثني جماعة أهلية أو سياسية واحدة من الجماعات العراقية المتنافسة والمتآلفة، ما عدا البعثيين المتمسكين بـ «شهيدهم» وتاريخه وإنجازاته. والانتخابات القريبة - بعد توقيع الحكومة العراقية الاتفاقين الأمني والعسكري الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وإقرار انسحاب القوات الأميركية من المدن تمهيداً لانسحاب شامل في غضون اقل من عامين - هي مفتاح استقرار دولة وطنية عراقية واحدة ومستقلة اختارها شطر غالب من مواطنيها، وقواهم السياسية الكثيرة والمتنوعة والمتنافسة، اختياراً قريباً من التزام معايير الحريات السياسية والعامة.

وعلى هذا، تتهدد الانتخابات الوشيكة، إذا جرت في إطار موازين القوى القائمة منذ منعطف 2007 مصالح إقليمية وعراقية داخلية قوية. فالإطار نجم عن تسلم نوري المالكي رئاسة الحكومة وأجهزة الدولة الناشئة، وكسر شوكة منظمات «القاعدة» والبعث السري و «جيش» مقتدى الصدر، واستمالة «الصحوات» السنية القبلية، وإضعاف «المجلس الأعلى» الشيعي الاتحادي، وتثبيت كرد العراق على حكمهم الذاتي. والإنجازات هذه، على التباسها العميق، تضع العراق، دولة ومجتمعاً (أو مجتمعات)، على مفترق طرق قد تؤدي إحداها الى استتمام نظام سياسي اتحادي وانتخابي متعدد القوى في قيادة أهلية وطائفية شيعية، وإلى وضعه على طريق استعادة موارد طبيعية واقتصادية غنية، في رعاية أمنية أميركية. ويخالف هذا، مجتمِعاً أو متفرقاً الى عناصر منفردة، سياسات جوار كثيرة. وتناصر السياسات هذه، على تنازعها في أوقات كثيرة، نزعات وتيارات داخلية تحاول إرجاء استتمام النظام السياسي واستقراره على أركانه القلقة. فإذا أقرت الانتخابات المزمعة هذه الإركان، وهي تخالف أركان معظم أنظمة الجوار، برز العراق قوة متماسكة، وربما رائدة، في الإطار الإقليمي الممزق، المضطرب والمتنازع.

وبروزه على هذا النحو، وهو الخارج من أربعة عقود من استبداد حزبي وقومي وأمني مدمر، ومن حربين إقليميتين ثقيلتين، وعزلة دولية كان ختامها اجتياحاً عسكرياً واحتلالاً أجنبيين «استعماريين»، و «مقاومات» غلب عليها الإرهاب وصدعت بقايا المقومات الوطنية الجامعة وعصفت بها - يمهد البروز ربما لأداء العراق أدواراً سياسية ترجح كفة القوى المعتدلة والمتماسكة في المنطقة، ومنها تركيا، على بعض التخبط والتعرج. وهذا يعني ان الاحتلال ليس آخر المطاف، وأن قتال المحتل قتالاً مستميتاً ومن غير احتساب «التناقضات في صفوف الشعب» ليس مفتاح الحل الناجز، ولا ينطوي على الأبنية السياسية الناجعة. وينبغي التذكير، في خضم المدائح التي تكال اليوم الى السياسة التركية الخارجية وبعضها مصطنع ومحابٍ، بأن السعي التركي في إخماد بعض بؤر الإرهاب «القومي» حاربته أنظمة تناصب اليوم العراق «المدوّل» (على قول الرئيس السوري) العداء الشديد، وتؤوي مهاجري نظامه السابق وأموالهم وإعلامهم وبعض شبكاتهم.

وتقاوم طالبان الأفغانية والباكستانية، وتؤيدهما «القاعدة» العربية والأوزبكية والشيشانية، محاولة الحكومتين بسط سلطة الدولة وسيادتها على مناطق وأقاليم تحظى باستقلال ذاتي اهلي وأمني سياسي قديم. ويتصل بعض المناطق والأقاليم ببعضها الآخر، ويغذي استقلاله وخروجه على سلطة «مركزية» متهاوية وهزيلة تنخرها العصبيات، ويعزلها الفساد عن جمهور مواطنيها وعامتهم، ويشل خططها المدنية وخطط حلفائها ورعاتها الدوليين والإقليميين. وأدى تقاسم السلطة والصراع عليها في كابول، والتنازع على عوائد الرعاية والوصاية الأجنبيتين، وإحجام السلطات الباكستانية عن مطاردة قادة «القاعدة» والطالبانيين المحليين واللاجئين من افغانستان وقطع مواردهم، الى انبعاث حلف المنظمتين أو الشبكتين.

ويتذرع الطالبانيون وقادة شبكة «القاعدة» ومقاتلو عشائر المناطق القبلية بحرب القوات الدولية والأطلسية والأميركية على قواعدهم المتغلغلة في أوساط الأهالي، الى تعبئة الجماعات الأهلية على الأجانب «الكفار»، وعلى «التنظيمات» الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية التي يراها الأجانب علاجاً للإرهاب واحتضانه. فكانت الدعوة الى انتخابات رئاسية بأفغانستان، وقبلها مساندة السياسة الأميركية تحولاً باكستانياً عميقاً يقدم اجتثاث القواعد الطالبانية من الأقاليم القبلية والحدودية على النزاع «القومي» والديني مع الهند، غداة عملية مومباي الدامــية، كانا (الدعوة والمساندة) داعيين قويين الى شن الجماعات والشبكات الباكستانية والأفغانية المتحالفة هجماتها في روالبندي ولاهور وكابول وقندهار وخيبر وبيشاور.

وتستهدف الهجمات الطالبانية والقاعدية الهيئات الأمنية والعسكرية والإدارية، الوطنية والأجنبية، على قدر ما تستهدف الأسواق والمصارف ومفترقات الطرق والمدارس والأعيان المستقلين أو الموالين للحكومة. وتجمع العمليات الإرهابية الطالبانية، بباكستان وأفغانستان، مدارس البنات (ومدرساتها) وبيوت ضيافة الأمم المتحدة ودوريات قوات الأمن المحلية والقواعد العسكرية ومراكز الاقتراع، في هدف مشترك. وتستعمل في تفجيراتها هذه، في وسط المدنيين وفي الهجوم على دوريات القوات العسكرية وعلى مقر الأركان، عبوات محلية تبلغ زنتها طناً أو أقل بقليل. والجمع بين الأهداف هذه، على تفاوتها واختلافها الظاهرين والفعليين، قرينة على مراد الجماعات والشبكات الإرهابية، وهو الحؤول دون تولي «الدولة» المركزية إدارة مرافق عامة، من التعليم الى المواصلات والبلديات، ومنعها من السيطرة على الأقاليم الوطنية ومن انتهاج سياسة وطنية وخارجية تقدم مصالح إقليمية مشتركة ودولية على منازعات الجماعات الأهلية و «القومية» الدينية، الموروثة والقديمة.

ولا تفتقر الجماعات والشبكات هذه، لا في باكستان وأفغانستان ولا في العراق (أو فلسطين ولبنان استطراداً)، الى حلفاء اقوياء في أجهزة الدولة التي تصليها الجماعات والشبكات الحرب. ولعل الحلف المتين، العصبي والسياسي الإيديولوجي، بين الجماعات والشبكات وبين أجزاء من الأجهزة العسكرية والأمنية والإدارية، عامل راجح في اختراق المقاتلين الانتحاريين اجراءات الأمن والحماية الحكومية. وفي الأحوال هذه كلها، الآسيوية والشرق أوسطية، تتمتع الشبكات الإرهابية بملاجئ وقواعد خلفية، أقاليمَ ومناطقَ وأحياء مدن أو دولاً مساندة. فيستحيل عليها إعداد هجماتها من دون الملاجئ والقواعد الخلفية هذه وهي تحصن ملاجئها وقواعدها، في الداخل، بواسطة عصبيات وروابط اهلية تنفخ في النزعات الاستقلالية المعادية للدولة، على اشكالها، والمناوئة للأحلاف السياسية التي تؤلف بين الجماعات، وتشترط المساومات، وتقدم الدولة على الجماعات. وتحصن الجماعات والشبكات ملاجئها وقواعدها في الخارج، وهو غالباً جوار قريب ومتصل جغرافياً بمسرح القتال، بالانخراط في سياسة دول اللجوء، أو بعض اجهزتها الغالبة. وتنقاد الى خطط الأجهزة الإقليمية، وإلى حربها (أو حروبها) على قوة دولية كبيرة، أو دول إقليمية مخالفة، او على جماعات أهلية أو سياسية داخل الدولة نفسها. وتؤدي الولايات المتحدة والهند وإسرائيل وبعض الدول العربية «القطبية»، والغرب عموماً (على رغم الهند) أو فروعه المفترضة، أدواراً ثابتة وناتئة في الصراع الدامي هذا.

ويبرر الجمع بين العصبيات الضيقة والنواتية وبين الاستراتيجيات الوطنية والإقليمية والدولية العريضة في كتلة واحدة ومتصلة (من رهط آل محسود في كانيغورام وساراروغا الى حلف جماعات من البشتون في وزيرستان فإلى حلف من القوم نفسهم في شبه القارة بين الهند وآسيا الوسطى فإلى الانقسام القومي والديني الإقليمي والنووي بشرق آسيا...) يبرر صبَّ عنف متماد ومدمر على المدنيين العزل الذين ينتظرون حافلة نقل أو صادف مرورهم بالطريق. فالقتل، في هذه الحال، جزء من صرف العملة «الجهادية» على الكفر والغزو والعنف، ومن النضال ضد الاستكبار والصهيونية.

و«يجوز»، على هذا، قتل رفيق الحريري، أو اغتيال فتحاويين، أو خوض انتخابات عامة طوال 4 سنوات بواسطة القتل والترويع، أو الاستدراج الى حرب أو عملية أمنية باهظة، في إطار الجمع بين عصبية مذهبية ومحلية وبين استراتيجية إقليمية ودولية يتربع السلاح النووي، و«إصلاح» المجتمع الدولي على قول أحمدي نجاد، في ذروتها. فالجغرافية السياسية التي يتولى سياسيون أتراك الترويج لها، ويهتف لها ساسة سوريون، وقد تبطن نزعة شعبوية وقومية ثأرية، تحتمل تأويلاً كثير الوجوه والمعاني. والتأويل على معنى السلطنة، أو الامبراطورية والاستتباع بالقوة والولاء العصبي، يقود الى إجهاض الدولة، وقطع علاقاتها بمجتمع الدول، وإلى إذكاء منازعات حادة لا يتماسك معنى عام (قانوناً أو هيئة أو عرفاً) في وجه عصفها. والتأويل هذا، على رغم استقطابه حوادث وحروباً وسياسات «كبيرة»، لا يشق طريقاً الى مناقشة سياسية ودولية كتلك التي بعثها «تقرير» غولدستون. وهذا نصر آخر تحرزه السياسات الأهلية والإقليمية على المجتمع الدولي.

تاريخ المنزع الزمني والأرضي الدنيوي ديني من ألفه الى يائه

المستقبل - الاحد 8 تشرين الثاني 2009

فيما قد يبدو مفارقة غريبة، قياساً على فرق ما بين نظام البشر وبين ركنه، وقياساً على فرق مراتب البشر وانقسامهم على أنفسهم على قدر ما يتعالى الآلهة ويتعاظمون يتحرر البشر من قيود النواميس والتقليد والسنن والأوامر والنواهي. وتضعف، على خلاف المنطق وبحسب الملاحظة، إلزامات الشريعة المتنزلة من فوق. فالألوهة الواحدة والمحدثة والمستوية فوق خلقها، لا تحول ولا تزول، تتوجه على خلقها العاقل بالكلام، ويتوجه عليها خلقها بعقلهم وتأويلهم. ونظير تعاليها عن خلقها، وقيامها منه مقام المصدر و«السبب»، ينقسم مخلوقها الإنسي على نفسه، ويبعد من هذه النفس المزدوجة ومن العالم الذي ينزله. ويدلف المخلوق الى الخالق من طريق النفس «المطوية» على نفسها، وعلى دواخلها العميقة والبعيدة الغور.
ويزدوج تناول (عالم) الخلق. فالخلق، على وجه أول، حادث عن محدِث أراده على ما هو عليه منذ الأزل. وهو، على وجه آخر، يُعقل في نفسه من غير حمل على علة أو على خارج. والمعنى، إذ ذاك، ليس منزّلاً، ولا نقلاً خالصاً أو ذكراً، بل هو محتجب وراء حجب، ويبلغ من طريق النظر وإعداد النفس. ويترتب على تعالي الألوهة الفرقُ بين النقل والعقل، على نحو ما يترتب عليه الفرق بين ذات النفس وبين الشيء أو الموضوع. و«موضوعية» الظواهر، أو استواؤها في نفسها، تفترض (أو يفترضها) تنزيه الألوهة عن الحلول في الخلق ومخالطته، وانطواؤها على نفسها. وهذا التنزيه هو ركن قيام الأنا المحض والواقع المحض واحدهما بإزاء الآخر وتلقاءه. ولا تقدح عظمة الخالق التي لا يحاط بها، ولا تدرك، بقيام العقل بنفسه واستقلاله بعلله. فالفرق الإلهي هو رحم صور الفكر المتمدنة، ولغو الفلسفة المبتدئ، والانقلاب من الأسطورة الى المعارف الوضعية، من طريق اللاهوت وكلامه. وما كان «انطباعاً» جعله الفرق الأعظم والأول «فهماً»، وما كان عطاء او فيضاً صار في الوسع تملكه. وفي الأثناء حالت أو تبدلت طبيعة العلل وطبيعة العلاقة بها، وحال ما يوجَب موضوعاً للتفكر وموارد المفكر. وطرأ على تناول الخلق أو الكون، وعلى الاندراج في أحواله ومراتبه (جواز) حمله على وحدة جامعة. فجمع المخلوقات أو المَكُونات إنما يعرفه انضباط المخلوقات أو المكونات هذه على رابطة عامة، أو عروة تلم شتاتها، وتحملها على ضرورة لا عيب فيها. والموجودات هي اجزاء كل وجميع علته التامة والمستوفية من نفسه.
[ الواحد مسرحاً
والحق ان العبارة عن الحال الجديدة مشتبهة. فالخلق، أو الإحداث، يتصور في صورة البدء الأول الأسطوري، ويجدد الوحي صورة الفيض والعطاء. فما على المخلوقات إلا الصدوع والذكر. ولكن الوحي، على خلاف اتصال الحاضر والأزمان الخالية اتصالاً لا شق فيه، حادثة «تاريخية» أو زمنية تقطع الاتصال الأسطوري، وترتب الأزمان على قبل وبعد متباينين. وإلى هذا، فرب الوحي يوحي في زمان ومكان، ولا يقتصر على الخلق مرة واحدة. والوحي، اخيراً، هو فعل عقل «يريد» ان يُعرف ويعقل، ويدعو إليهما، فلا يقتصر على الانطباع في مخلوقات ذاهلة وبكماء. فما يتعالى عن الفهم والإحاطة، ويتنزه عن الشبه والنظير، هو معنى يُكتنه من داخل، ويسع العقل اكتناهه. ويترجح العقل (البشري)، لا إلى غاية أو قرار، بين دعاة قوة العقل على التوحيد وبين القول بتعالي العقل الإلهي من غير قياس.
والمثنوية العرفانية او الغنوصية تضمر الواحد مسرحاً لنزاع الأصلين المفترضين وحربهما. وعلى خلاف مذهب المسيحية في وحدانية الذات الإلهية المطلقة، ترتب المثنوية الكون والمَكُونات على مراتب، من أعلى عليين الى أسفل سافلين. ويتصل التراث العرفاني بالمذاهب الروحانية الشرقية من غير ان ينقطع من التاريخ الديني الأوروبي. فهو مفترق ديني تاريخي عظيم المكانة والدلالة. فمن المثنوية المانوية الى الهرمسية الصوفية، فهرطقة الألفية الأولى، فالكاتارية، تعاقبت حركات دينية هي بمنزلة ردود (اجوبة) على انفكاك الشاهد المرئي، او دنيا الأنس، من الغيب، وخروجها من سلطانه. وترجحُ تاريخ الغرب الأوروبي على المفترق الديني هذا معلمٌ يستدِل به تأريخ الخروج من التدين، وتبديد السحر ورفعه من العالم.
فنزعَ اللاهوت العقلاني، أو الكلام المتفلسف، الى استقراء الألوهة في مرآة خلق بديع النظم والترتيب، ومن طريق النظم والترتيب هذين. وهذان هما البرهان على استيفاء الخلق أو العالم علته. وهما، في الآن نفسه، الحجة على بلوغ الذات الإلهية تمامها في الخلق، ومن طريقه. و«البرهان» على حقيقة الخالق ووجوده هو، في هذا المعرض، اتفاق المعقولات والمخلوقات أو الكائنات، وصدور صفحتيهما أو لوحيهما عن رسم أو خط واحد. فيسع العقل، من غير إكراه من خارج أو وازع، التزام نواميسه، وبلوغ علل الموجودات وإدراكها، معاً. وليس هذا إلا صورة وحدة الذات الإلهية (وعظمتها) على وجهيها، المعقول والإنّي، وتواردهما. وبعض اللاهوت هذا تتردد اصداؤه في الفلسفة العقلانية الحديثة، من ديكارت الى هيغيل وبينهما كانط: فخلق الحقائق الأزلية، وبلوغ العقل المطلق تمامه في صورة العارف، والحدس العقلي، هي من اصداء الواحد في الإثنينية الحديثة.
وتطاولَ افتراق الترتيبين، ترتيب المعقولات وترتيب الموجودات، الى العمران البشري وهيئته. فالملك، أو ولي الأمر، طلّق تمثيل المحسوس والشاهد على الغيب، على رغم استظهاره بـ «حق إلهي» يوهم بدوام حلول الغيب في الشهود. والحق أنه أمارة افتراقهما، والقرينة على ترك الله الإنس الى أنفسهم، يدبرون اجتماعهم وعمرانهم من تلقائهم. والأنظمة الملكية المطلقة،الأوروبية، وجه من دينامية «علمانية» وديموقراطية على قول مارسيل غوشيه على خطى ألكسيس دو توكفيل ومقالته في «الثورة الديموقراطية». فهي، الأنظمة المطلقة، خلعت نفسها من الرسامة العلوية، وأرست سلطانها على حرية الأفراد الميتافيزيقية، وعلى إجماعهم. وارتضت الصدور عن الإجماع محل الأسماء القدسية وتوارثها في الأصلاب النورانية و «الممسوحة».
ويلاحظ ان نظريات العقد الاجتماعية الحديثة، أي الفردية، صيغت إبان ظهور الأنظمة المطلقة. وما دعت النظريات هذه الى تفكره وتعقله، وهو ولاية الاجتماع على نفسه واستبطانه هذه الولاية، ينبغي حمله على الدولة المطلقة (السيادة والولاية)، وفهمه في ضوء قيامها واستتباب الأمر لها. وهذه الدولة تتولى تماسك الجماعة (الأمة) والحق العام في التدبير «الأرضي»، أي تدبير الشؤون الدنيوية والزمنية. ويسوغ اضطلاع الدولة بالحق في التدبير العام قيامُ الدائرة الدنيوية والزمنية بنفسها، واستقلالها بأودها. والدولة، أي السلطان العام، هي صورة الهوية التي يتماسك بها، من داخل، جسم الأمة. وانقلاب السلطان من التمثيل على رابط الأرض بالسماء الى تجسيد هوية الجماعة المتماسكة، لم يلبث ان أوهن البناء المرتبي والهرمي الذي تتربع السموات في ذروته بينما تقوم الأرض منه مقام الحضيض، وصدعه.
فعلى قدر بسط صاحب الولاية والسلطان ولايته وسلطانه على الاجتماع ومرافقه ووجوهه، يضعف صورة استواء هيئة الاجتماع سابقة (على) الذين تأتلف منهم الهيئة (وهم، لاحقاً، الأفراد المواطنون و «كانوا» رعية المملكة وحكامها)، وفوق الذين تأتلف منهم. فتبدو هيئة الاجتماع، على خلاف ما بدت عليه في الطور السابق، صنيع إرادات الأفراد، من وجه أول، ومتأخرة زمناً عن الإرادات هذه، من وجه آخر. ويقضي سبق الأفراد، وقيامهم بأنفسهم، وعزلتهم، وتقضي هذه مجتمعة بمساواتهم بعضهم بعضاً، وواحدهم الآخرين كلهم. ويستوي النصاب السياسي، أو نشأته المُعْلَمة والحادثة، ركناً تصدر عنه الجماعة، وعَلَماً تسعى في تحقيقه الفعلي، ومثالاً لا ينفك يسري في عروق هيئاتها ومؤسساتها. وفي آخر هذا المطاف، يبسط البشر (أي جماعاتهم و«اممهم») سلطانهم على آصرة اجتماعهم، وعروة هذا الاجتماع، ويتولون هم صنع الآصرة أو العروة هذه. والتاريخ الغربي فريد في هذا الباب. فهو المسرح الذي بلغت عليه اثنينية الإلهية و «الإنسانيات»، وهذه طبيعيات وأناسيات...، آماداً بعيدة. واقتضى استيعاب الفرق الإلهي نحو عشرين قرناً من الزمن.
[ الاثنان... الشاهد والغيب
والتاريخ المديد هذا ديني من أدناه الى أقصاه، على خلاف مذهب من يذهبون الى ان مقصدي العقل والحرية لابسا، في ابتداء أمريهما، الاعتقاد والتصديق، ثم انقلبا على لتدين وخرجا من سرحه، وعادا فأجهزا عليه. والحق ان المنزع الزمني والأرضي الدنيوي (الطبيعي والإنسي) اغتذى من ضرع التدين وحليبه، وبسط جائزاً من جوازاته الجوهرية وأظهره. وهو أعمل في هذا السبيل، على المنوال الديني «الرسمي» أو الكنسي، براهين الاعتقاد وحججه سواء بسواء. فخرج المنزع هذا من رحم تأويلات متباينة ومختلفة تناولت الفرق الإلهي. ولم تلده «شعبة» عقلانية وديموقراطية مادية قامت بإزاء التاريخ الديني، وبمنأى منه، ولم تلبث ان تغلبت عليه. وتاريخ الخروج (الغربي) من التدين، من طريق الديانة وأدوارها وصراعاتها وتأويلاتها، هو تاريخ ديني على معنى يفيض عن تاريخ الديانة أو الديانات. فهو ليس تاريخ «الأفكار» أو «المعتقدات» بل تاريخ إنشاء أواصر الجماعات والهيئات في سياقة بناء تأويلها وتعقلها والنظر فيها. فالعقلانية والفردية، والحرية وتملك العالم الطبيعي من طريق التقنية والعلم إنما شرطها جميعاً، وأصلها الذي تفرعت عليه وعنه، هو الانتقال من الواحد الأحد الى الاثنين المنفصلين والمنفكين واحدهما (الشاهد) من الآخر (الغيب).
ولعل حمل الألوهة على ذات، وعلى صفات الذات، العلم والإرادة والرحمة...، هو ابتداء تصدع رؤيا الخليقة على صورة كون مرتب على مراتب ودرجات، ومباشرة تناول الظاهرات على مثال علّي أو سببي. وأفضى انفكاك الكون ومكوناته من الوحدة و «سلسلتها» الى فك الشاهد (الطبيعي)من الغيب (العلوي)، وإلى كثرة الوجوه التي يجوز تناول الخلق ودوائره عليها، والفحص في نسيج الدوائر هذه عن ضروب العلل الموضعية والمحلية التي تخص الدوائر، دائرة دائرة، من غير توارد بين الدوائر ولا شبه. وعلى هذا، قام الى جنب المرء الاجتماعي على النحو الذي أنشأته عليه نسبته الى الجماعة، وإطاعته السلطان (القيصر)، أو تحت هذا المرء، قام إنسان صاحبُ طوية لا يملك أحد غيره من أمر علاقته بخالقه شيئاً. وجرد التزامُ الإنسان الآخرة من تبعاته وروابطه في الدنيا. وعلى قدر تعالي إله التوحيد (المسيحي)، وإمعانه في السمو، نحت العلاقة به الى التخفف من الوساطة، وبنيانها الكنسي والإكليركي، وإلى الرسو على رابطة ذاتية محض. فليس من «نظير» للذات الإلهية، على معنى التضايف والمحاورة أو المخاطبة، غير الحضور في النفس. فصارت الطوية فرداً أو شخصاً دينياً، على حدة من أواصر المراتب ودرجات الخلق. وتصدعت الأواصر هذه حين خسرت واسطة عقدها.
وباشرت الدولة، مستظهرة بعبارتها عن الجماعة وضويها الجماعة في إهابها، بسط سلطانها داخل الجماعة من طريق فك الأفراد من روابطهم العصبية، وتصديع سبق القانون إرادات الأفراد، وإنكار هذا السبق أو الأسبقية. فإذا تقدم الأفراد، وإراداتهم، على الرابطة العصبية الجمعية وفرائضها وموجباتها، انحلت الرابطة العصبية الجمعية وفرائضها وموجباتها، وتضعضعت. وصدرت الرابطة عن (اصحاب) إرادات حرة يلون أمرهم بأنفسهم. فلا سلطان إلا بتكليف صريح من أحرار، ولا ولاية إلا بندب إليها. وآخر المطاف الديموقراطي هذا يتوّج سيرورةَ تعاظم السلطان الناجم عن الانتحاء الإلهي، وعن تولي السلطان، أي نصاب السياسة والدولة، أعباء المُسكة الجماعية. ووحده السلطان المولود من المجتمع في مقدوره تولي الأعمال والولايات التي ندبه إليها انفكاك ملكوت الأرض من ملكوت السماء. وتربع الفردُ صاحب الطوية في ملك نفسه، وقام بها. وصحب ذلك خلعَ الفرد من تبعات الانتساب العصبي، ونقلَ البعد الجماعي بقضه وقضيضه الى بنيان الدولة ودائرتها. وخلفت مدينة الأسوة والأنداد (الديموقراطية) أمة «أولياء الله».
وعلاقة البشر بالأشياء وطبائعها، وبالبيئة الطبيعية التي تحفهم وتحوطهم، ترسمها وتحدها علائقهم بعضهم ببعض. فما كان «في البدء»، وجرى عليه السلف الأول، وصار عرفاً وشريعة لا يجوز الحياد عنهما، يسري على الليل والنهار، وعلى الفصول والقمر والشمس والحيوان والنبات... ويصدق تنزيه احوال البشر عن إعمال الرأي والهوى على أحوال طبائع الأشياء الصماء والحيوانات غير العاقلة. وليست علة التنزيه، أو التزام ترك الأشياء «تسير» على حالها «وعين الله ترعاها»، هي القصور عن إعمال العلم والتقنية، بدائيين ام متقدمين، أو تأخرهما قياساً على حال (غربية) لاحقة. فالـ «التطور» ليس متصلاً، وعوامل الطور من الأطوار ليست واحدة في كلا الطورين الأول والآخر (وليس الأول فالثاني)، وهي لا تأتلف على صورة واحدة تجوز مقارنتها بالصورة الأخرى. وما ينزع إليه نظم العوامل وترتيبها في طور هو ما يريد نظمها وترتيبها في الطور الآخر تحاشيه، والحؤول دون بلوغه.
فما ناطه القرن التاسع عشر الأوروبي بـ «العمل» الصناعي والتقني من إنزال البشر منزلاً في الأرض جديداً، يخالف مخالفة رأسية «إنشاء» المجتمعات والشعوب عالمَ أو عوالم الخلق من قبل، ويخالف «إنشاءها» دواخل مجتمعاتها وجماعاتها، وترتيبَ علائقها الاجتماعية والسياسية في داخلها. والحق ان تناول الأشياء، على وجوه التناول الإنسي كلها، يوسّط على الدوام «تناول» البشر بعضهم بعضاً أو عروة اجتماعهم. وعمدت «آلة» الاستبداد «العظمى»، على قول لويس مومفورد، الى إعمال التغيير في الأشياء من طريق استعباد البشر وجعلهم اشياء. وعلى طرف آخر ونقيض، أنجز الأفراد الأحرار، ونظام الحرية السياسي، الإطباق الصناعي والآلي على عالم الأشياء وطبائعها. والسلطان العظيم الذي يفترضه الاستبداد، ويُعمله في «الأهرامات» والأنصاب والري والحرب، لا يضطلع بتعظيم الموارد وتكثيرها على قدر ما يماشي منزعه الى تعاظمه هو، وتفاخمه ومد جذوره.
ولا ريب في ان الاقتصادات الزراعية القديمة أعملت آلات وتقنيات زراعية جديدة. ويذهب الدارسون الى ان معظمها يتحدر من اقتصاد الكفاف الذي صُنعت في إطاره، واستعملت فيه زمناً طويلاً من غير انتهاك حدوده وضوابطه. وما أخرجها من إطارها القديم والثابت هو صناعة السلطان السياسي الفلاحَ ودوره الاجتماعي. فالفلاح هو المسترق المنتج. وهو اضطلع بتوسيع دائرة العالم المادي، وركن ما يسميه المحدثون والمعاصرون تاريخاً، على معنى دقيق. وبقي داعي الاضطلاع هذا، والباعث عليه، من خارج المبنى الاجتماعي نفسه. فهو إما داع من فوق، من السلطان واحتياجاته، وإما داع من تحت، من عدد الأفواه التي ينبغي إطعامها. وأما داعي «الإنتاج» نفسه فكان فعله محالاً قبل الخروج من انطواء «العالم الأكبر» على «أجرامه» (على قول المعري)، وفك الطبيعة من تبعيتها للعروة الاجتماعية، والتخلية بينها وبين الفحص عن مبانيها. وكان التوحيد، ودياناته، الفصل الأول من فصول الخروج والفك هذين.
[ الحرز الحريز
فحمل الخلق (الكون او العالم) على محدِث أو ذات إلهية مفارقة يجيز فك الإنسان من النظام الكوني وتمييزه منه. ولكن الجواز هذا يبقى معلقاً ما أقامت الذات الإلهية على قربها من الكون، وما أقامت الكائنات على وحدتها وتماسكها. وتوجّهُ الفعل البشري على «الدنيا»، وإعماله فيها وفي تملكها، سبقهما ابتعاد الآخرة، جراء الانسحاب الإلهي، أو تصور الطريق إليها مشروطاً بآداب الدنيا وأحكام عملها. فانقلبت الآصرة بالطبيعة تملكاً وحيازة، وصار الامتثال للمقسوم والمقدر منزعاً الى التغيير والاستيعاب. ولعل مبتدأ الانقلاب هذا هو قيام وجوب الخلق، أو واجب الإنشاء (الإنسي)، محل الدَّين الديني الى الخليقة وخالقها، وحمل البشرية على التقيد بدَينها هذا، وإلزامها تبعات المدين، وأولها الحفظ والإحجام عن مد اليد والإمساك عن التبديد والاستعمال والتبديل... فالتوحيد وحده، على المثال الإسلامي، من غير تصديع «وحدة الوجود» العضوية ومن غير إنكار انطواء الدنيا على العدل والطهارة، هذا التوحيد لا يوجب الخلق، ولا يبعث عليه أو يبيحه، محل حفظ الدَّين والتزام حرماته.
وما لم يجر طلب الآخرة ونشدانها مجرى الطعن في الدنيا، والإزراء بها وبخسها «حقها»، قصَّر التوحيد عن الانقطاع من دائرة الدَّين، وأقام على محافظته، وعلى اعتقاد «وحدة الوجود» وامتناع الخليقة من «التبديل» والانتهاك. وانتهى التوحيد المسيحي الى الانقطاع من دائرة الدَّين، والى الفروع التي ترتبت عليه، من طريق متعرجة وملتوية. فالحط من الدنيا، وحرثها ونسلها ومالها وبنيها وطيبات رزقها، ومن عالم المحسوس، إنما كان فصلاً من فصول سعي متجدد في تحصيل «وحدة الوجود»، وبعثها. وافتُرض ان الواحد الأحد، من غير اثنينية الشاهد (الدنيوي الطبيعي) والغيب (الإلهي)، يُبلغ من جديد، ويستوي على عرشه غير منازع ولا منقوص، إذا انتقص من (قدر) الشاهد وحط من معناه، وبُلغ به حد الذواء والملاشاة. فإذا ردمت الهوة لم يبق إلا الحق كله، ونفي منه ما يقدح في وحدانيته وأحديته. ولعل البوذية هي الصورة التامة عن نفي الدنيا في دائرة العدم، وعن بعث الواحد في «التعالي» وتبديد وهم الفرادة والذاتية. وتردم الهوة، على نحو آخر، إذا أجري الخلق إجراء صارماً على إرادة الخالق وإيجابه.
وتفادت المسيحية «الحلّين» هذين او المخرجين، وجمعت بينهما، معاً. ففكرة ذات خالقة تستبعد رمي الخلق في لجة الذواء والبَدَد، من وجه أول. ولا يستقيم، من وجه آخر، نداء الحياة الحق في «ملكوت السماء»، وتوجهه على نفس المؤمن على حدة من الجماعة والعصب ودعوة المؤمن الى وقف طاقته وجهاده على تلبية النداء، لا يستقيم هذا وإثباتَ تأويل مباشر ويقيني لحكمة الخالق في خلقه، ولا يتفق واستواءَ أمة من المؤمنين على صدوع تام بالشريعة التي أنزلت عليهم وختمت بها الرسالات والشرائع. فثمة وصلة بين الإقرار ببعض المُسكة لدنيا الشاهد والتقلب بين أظهرها وبين انكار قبولها على حالها والرضا بها. و «سر» التجسد هو مناط الوصلة هذه. فهو القرينة الحية على فرق ما بين الشهود والغياب، وعلى مُسْكة كلتا الحقيقتين، الواحدة الأخرى في نفسها. ومسكة الحقيقة الأرضية والدنيوية، على رغم مرتبتها المتأخرة والسفلية، تجعلها اهلاً لاستقبال الكلمة، ولا تطعن في جواز الاستقبال.
ومذذاك، توسط عقد الإيمان والتصديق «سر» التحام الانتحاء (والفرق) بالمباينة (الغيرية) وجمعهما في صورة المخلص. فلا مناص من مكابدة الحياة الدنيا، وهي يزكيها ويدعو الى ارتضاء فقرها وبؤسها استحقاقها شرف بشرية المسيح وشحمانيته. ولا سبيل كذلك، الى الخلود الى حرف الشريعة، وأوامرها ونواهيها، والرضا بها. فتحصن «الأب السماوي» في حرزه يمنع من تصوره، ويحجز بينه وبين الأفهام، ويحول دون اكتناه مقاصده ومراده على وجه اليقين، ويجلل حقيقته بغموض لا يستوفي تأويله. وهو يحول، في آن، دون إقرار اجتماع المؤمنين على أمة لا يأتيها الباطل من قدام ولا من خلف. والغيرية الإلهية في إطار التجسد تجمع ضدين: فهي تعظم نداء الخارج، وتغذي المجاهدة في سبيل الخلاص، وتَنهى عن الاعتزال والهرب والصرم، معاً. وهي بهذه الحال، تدعو الى تألف الفرق وقبوله حين تباعد بين شقيه وحديه. وعلى هذا، فالاضطلاع اضطلاعاً تاماً بالدائرة الأرضية الدنيوية، واحتمال البشر أعباءها وتصديهم لتثميرها وعمارتها، هي السبيل الوحيد الى مضاهاة المطلق المفارق.
وهذا الذي قد يبدو استباقاً لمنطق الإصلاح البروتستانتي ومذهبه، غداة 15 قرناً على ولادة المسيح ونحو 10 قرون على بيانه اللاهوتي، يبسط عوامل المنازعات والخلافات والمساومات والصيغ الوسيطة التي حبلت بها القرون هذه. فالإصلاح البروتستانتي إنما جاهر بمضمر منطق المباينة الغيرية (الإلهية)، ومضى به على حد المحال من غير ان يخرج عن جادته أو يتنكبها ويحيد عنها. وليس «روح الرأسمالية»، على قول ماكس فيبير، إلا عبارة «جزئية جداً» (م. غوشيه) عن المنطق هذا. والمسيحية، منذ ابتدائها، قبلت احتمال الناسوت الدنيوي، وشحمانية الدنيا، على نحو غير مسبوق. فكانت حادي منهاج تمدين وعمارة زمنيين ومكانيين لا نظير له. وخُلُقُ الفعل المديد والمتزامن في أمكنة ومحال كثيرة، ونظام العمل الاجتماعي والمتماسك، على مثال ابتدأته القرون الوسطى الأوروبية وجلته، لا يعقلان إلا في ضوء إقرار المسيحية الشاهد (الجسدي) على مكانته العالية، وإعمالها فيه وجوه صنع مبتكرة ومتجددة.
والجسد، في المعرض اللاهوتي هذا، ليس عيناً ماثلاً متمكناً ومستوفياً احتمالاته، بل هو تمثيل على معنى يسبق إدراك الفاعلين. وهو باعثهم على الفعل على خلاف إرادتهم في أوقات كثيرة. والحال هذه، يخلّف «سر التجلي» قلقاً وانتظاراً لا تلبي الشعائر ولا يلبي التقليد إلحاحهما وانشدادهما الى الآتي المجهول ووعوده، وطلبهما معنى حياً ووَلوداً. وهذا تلبيه العقيدة (الكنسية). وهي تشارك في الحقيقة من طريق دالة (سلطان) وسيط. وتجدد العقيدة، وشروطها، منازعة التجسد: فالإيمان يفيء الى طوية النفس حين العقيدة سندها دالة مطاعة. وما يدعو الى تثبيت اركان اعتقاد تقطع دابر تأويل هائم وضابط، لا ينكر على النفس (القلب) «حديثها عن ربها»، على قول صوفي مشهور وعلى معنى غير معناه المأثور. فيصل الاعتقاد القويم والصحيح، على مثال كنسي وإكليركي، بالانحراف عنه الى الهرطقة، أو الانحياز الى ايمان يحتكم الى يقين المؤمن وحده. وهذا «ديانة الهرطقة». وهي تجمع جواز الانحياز الماثل والمقيم الى تدبير النفوس بواسطة بيروقراطية تسوس المعنى والفهم. ويتصور الحق في ما يلي العقل، ووراء حجاب اللغة فلا يبلغ إلا من طريق «القلب». وعلى القدر نفسه تشتد وطأة التدبير البيروقراطي على سياسة المعاني.
[ شقة الملكوتين
فأنشأ الإصلاح الغريغوري أول بيروقراطية غربية، في القرن العاشر الميلادي. وأُلزمت أداء عملها، والانضباط على القصد المرسوم لها، من غير اعتبار معايير المجتمع الذي يحوطها وموازينه القرابية والمرتبية الإقطاعية. وجمعت شرائط تعهد العالم الدنيوي تعهداً مستقلاً، وقائماً بنفسه، الى شرائط الديانة الشخصية والفردية. ولكن انتصاب الجسم الكنسي قوّاماً على فهم الغيب والسماء والآخرة، والعلاقة بها، وإقراره بجواز ايمان قلبي، حررا الدائرة الدنيوية والأرضية من سطوة الغيب المقتصر على عليائه، والمتربع في سدتها. وتوسل السلطان الزمني والأرضي بهذه الثغرة او الفسحة الى تسويغ استقلاله بعمله وولايته عن الملكية الروحانية وسلطانها، وإلى السعي في بسط سلطان تام وغير منازع، على ملكه. وتولت حركات الإصلاح، في السياقة عينها، بلورة الإيمان الذاتي والقلبي، بمنأى من المنطق الثيوقراطي، وتوحيده الأرض بالسماء، الذي نزعت البابوية الى تغليبه. فجاءت ثمرة تضافر الحركات الثلاث هذه، الكنسية والملكية والإصلاحية، على الضد من المنزع الوحدوي الثيوقراطي. فباعدت الشقة بين الملكوتين، الأرضي والسماوي، وقسمت التدبير شطرين: أوكلت بالأول رعاية النفوس والضمائر، وبالثاني حكومة البشر وعلائقهم.
ومَعين السيرورة الغربية هذه ومصدرها، على ما يذهب إليه مارسيل غوشيه مقارناً مقارنة مفصلة بين ديانتي التوحيد الكبيرتين، هو لاهوت التجسد، و«اقتصاده» (على معنى المباني) السياسي والاجتماعي والفكري التاريخي، وتمهيده الطريق الى حل العلاقة المرتبية التي تجدد، من طرق مواربة، «توحيد الوجود» وربط الموجودات بسلسلة متصلة يلم الواحد الأحد فرقها وشتاتها الظاهرين. ويحول دون التئام الواحد حمل الكلمة المتجسدة على حادثة، و «ليس على بنية». وتكرار مجيء المخلص في القربان الأفخاريستي إنما هو احتفال بغياب، وتجديد لفعل مضى وانصرم. وما يدعو القداس إليه هو تأمل الحادثة والواقعة الحقيقية، على وجهها هذا وليس على وجه حلول الغيب في الشاهد حلولاً مادياً، على طعن الإصلاحيين في عقيدة الأفخارستية الكاثوليكية. وربوبية المسيح ركن ضروري ينهض عليه معنى الحادثة (على خلاف البنية أو المبنى الثابت). فإذا اقتصر المسيح على رسول عُهد إليه بأداء رسالة، لزم عن هذه الحال استيفاءُ تبليغ الرسالة معنى المجيء، وامحاء المعنى في حرف الرسالة، وشفُّ الرسول عن مرسله ومصدره (وإلى هذا ذهب النساطرة وغلب مذهبهم على معظم الكنائس المشرقية الى القرن السابع ب.م.).
وعلى خلاف البلاغ أو التبليغ تنم الكلمة المتجسدة ببعض معنى غير المخلوق، وتحمل المخلوق على اختبار قصوره وعالته. فليس الله من يكلم بني الإنسان في الكلمة المتجسدة وإنما «ابن الإنسان» هو المتكلم والوسيط. والإصعاد من الابن الى الأب معراج لا يسع الآدميين اجتيازه. فلا قياس بين البلاغ وبين من يبلّغ عنه. وما يبلغ البشر من الله صيغ في لغة البشر، وهو يفيض عن اللغة فيضاً لا تتسع له اللغة. وهذا معين تأويل مستفيض. وجواز التأويل يفترض حرية الضمير. وهو يوجب الحرية هذه الى إيجابه صدق العقيدة الصحيحة معاً.
والترجح لا إلى نهاية أو مستقر يقوم بالمحل الوسط الذي تنزله الكلمة المتجسدة. فهي من طبيعة بشرية حقيقية، ومن طبيعة إلهية لا شائبة فيها. وشبكُ الطبيعتين على هذا النحو يفتح على التأويل والمسألة المرسلين، فلا يقيدهما «حرف» الرسول ووساطته وذواؤه في تبليغه. ويتوجه التأويل والمسألة على الغيب الإلهي من غير قيام الطبيعة البشرية منهما مقام الجواب الجامع والمانع او مقام الختام. فالغيب هذا ليس في نفسه عظيماً لا يسع البشر تصور عظمته قياساً على الشاهد، بل هو غيرٌ. وعلى هذا فغيريته أو مباينته غير المرتبية، وغير القياسية (على حرية البشر وولايتهم على انفسهم)، هي شرط حل البنية المرتبية التي حمل البشر عليها، وعلى حكمها، تاريخهم المديد قبل «ثورة المساواة».
واعتقاد غيرية «الأب السماوي» يلزم المؤمن بالصدوع بما بينه وبين «أبيه» من فرق لا قاع له، ويقسره على قبول مُسكة الدائرة الأرضية. ويترتب على هذا تمجيد الخالق بواسطة عمارة خليقته وأرضه. وحال طويلاً دون فعل «المفصل» الإلهي والبشري، وبسطه، تأويله على معنى مرتبي يشد الأدنى الى الأعلى، وينتهي الى إلحاق الأدنى بالأعلى، ويمحو الفروق بين الدرجات، ويذيبها في توارد وتناظر عقيمين ودائريين. فينبغي ان ينحو الفرق الإلهي نحواً قاطعاً، وأن تتقطع العرى المرتبية والدرجات المتصلة في إطار «وحدة الوجود» و«سلسلته الكبرى»، لكي يضطلع البشر بعمارة الأرض ويصوغوا ايمانهم صوغاً فردياً وشخصياً من غير وساطة جسم أو سلك يتولى الخلاص. وينتسب المقاول الرأسمالي الى الناسك المتأمل والمترهب، والمؤمن في كنف الكنيسة الى صاحب الطوية والقلب، من طريق فك المراتب والدرجات وحلها.

تاريخ المنزع الزمني والأرضي الدنيوي ديني من ألفه الى يائه

المستقبل - الاحد 8 تشرين الثاني 2009

فيما قد يبدو مفارقة غريبة، قياساً على فرق ما بين نظام البشر وبين ركنه، وقياساً على فرق مراتب البشر وانقسامهم على أنفسهم على قدر ما يتعالى الآلهة ويتعاظمون يتحرر البشر من قيود النواميس والتقليد والسنن والأوامر والنواهي. وتضعف، على خلاف المنطق وبحسب الملاحظة، إلزامات الشريعة المتنزلة من فوق. فالألوهة الواحدة والمحدثة والمستوية فوق خلقها، لا تحول ولا تزول، تتوجه على خلقها العاقل بالكلام، ويتوجه عليها خلقها بعقلهم وتأويلهم. ونظير تعاليها عن خلقها، وقيامها منه مقام المصدر و«السبب»، ينقسم مخلوقها الإنسي على نفسه، ويبعد من هذه النفس المزدوجة ومن العالم الذي ينزله. ويدلف المخلوق الى الخالق من طريق النفس «المطوية» على نفسها، وعلى دواخلها العميقة والبعيدة الغور.
ويزدوج تناول (عالم) الخلق. فالخلق، على وجه أول، حادث عن محدِث أراده على ما هو عليه منذ الأزل. وهو، على وجه آخر، يُعقل في نفسه من غير حمل على علة أو على خارج. والمعنى، إذ ذاك، ليس منزّلاً، ولا نقلاً خالصاً أو ذكراً، بل هو محتجب وراء حجب، ويبلغ من طريق النظر وإعداد النفس. ويترتب على تعالي الألوهة الفرقُ بين النقل والعقل، على نحو ما يترتب عليه الفرق بين ذات النفس وبين الشيء أو الموضوع. و«موضوعية» الظواهر، أو استواؤها في نفسها، تفترض (أو يفترضها) تنزيه الألوهة عن الحلول في الخلق ومخالطته، وانطواؤها على نفسها. وهذا التنزيه هو ركن قيام الأنا المحض والواقع المحض واحدهما بإزاء الآخر وتلقاءه. ولا تقدح عظمة الخالق التي لا يحاط بها، ولا تدرك، بقيام العقل بنفسه واستقلاله بعلله. فالفرق الإلهي هو رحم صور الفكر المتمدنة، ولغو الفلسفة المبتدئ، والانقلاب من الأسطورة الى المعارف الوضعية، من طريق اللاهوت وكلامه. وما كان «انطباعاً» جعله الفرق الأعظم والأول «فهماً»، وما كان عطاء او فيضاً صار في الوسع تملكه. وفي الأثناء حالت أو تبدلت طبيعة العلل وطبيعة العلاقة بها، وحال ما يوجَب موضوعاً للتفكر وموارد المفكر. وطرأ على تناول الخلق أو الكون، وعلى الاندراج في أحواله ومراتبه (جواز) حمله على وحدة جامعة. فجمع المخلوقات أو المَكُونات إنما يعرفه انضباط المخلوقات أو المكونات هذه على رابطة عامة، أو عروة تلم شتاتها، وتحملها على ضرورة لا عيب فيها. والموجودات هي اجزاء كل وجميع علته التامة والمستوفية من نفسه.
[ الواحد مسرحاً
والحق ان العبارة عن الحال الجديدة مشتبهة. فالخلق، أو الإحداث، يتصور في صورة البدء الأول الأسطوري، ويجدد الوحي صورة الفيض والعطاء. فما على المخلوقات إلا الصدوع والذكر. ولكن الوحي، على خلاف اتصال الحاضر والأزمان الخالية اتصالاً لا شق فيه، حادثة «تاريخية» أو زمنية تقطع الاتصال الأسطوري، وترتب الأزمان على قبل وبعد متباينين. وإلى هذا، فرب الوحي يوحي في زمان ومكان، ولا يقتصر على الخلق مرة واحدة. والوحي، اخيراً، هو فعل عقل «يريد» ان يُعرف ويعقل، ويدعو إليهما، فلا يقتصر على الانطباع في مخلوقات ذاهلة وبكماء. فما يتعالى عن الفهم والإحاطة، ويتنزه عن الشبه والنظير، هو معنى يُكتنه من داخل، ويسع العقل اكتناهه. ويترجح العقل (البشري)، لا إلى غاية أو قرار، بين دعاة قوة العقل على التوحيد وبين القول بتعالي العقل الإلهي من غير قياس.
والمثنوية العرفانية او الغنوصية تضمر الواحد مسرحاً لنزاع الأصلين المفترضين وحربهما. وعلى خلاف مذهب المسيحية في وحدانية الذات الإلهية المطلقة، ترتب المثنوية الكون والمَكُونات على مراتب، من أعلى عليين الى أسفل سافلين. ويتصل التراث العرفاني بالمذاهب الروحانية الشرقية من غير ان ينقطع من التاريخ الديني الأوروبي. فهو مفترق ديني تاريخي عظيم المكانة والدلالة. فمن المثنوية المانوية الى الهرمسية الصوفية، فهرطقة الألفية الأولى، فالكاتارية، تعاقبت حركات دينية هي بمنزلة ردود (اجوبة) على انفكاك الشاهد المرئي، او دنيا الأنس، من الغيب، وخروجها من سلطانه. وترجحُ تاريخ الغرب الأوروبي على المفترق الديني هذا معلمٌ يستدِل به تأريخ الخروج من التدين، وتبديد السحر ورفعه من العالم.
فنزعَ اللاهوت العقلاني، أو الكلام المتفلسف، الى استقراء الألوهة في مرآة خلق بديع النظم والترتيب، ومن طريق النظم والترتيب هذين. وهذان هما البرهان على استيفاء الخلق أو العالم علته. وهما، في الآن نفسه، الحجة على بلوغ الذات الإلهية تمامها في الخلق، ومن طريقه. و«البرهان» على حقيقة الخالق ووجوده هو، في هذا المعرض، اتفاق المعقولات والمخلوقات أو الكائنات، وصدور صفحتيهما أو لوحيهما عن رسم أو خط واحد. فيسع العقل، من غير إكراه من خارج أو وازع، التزام نواميسه، وبلوغ علل الموجودات وإدراكها، معاً. وليس هذا إلا صورة وحدة الذات الإلهية (وعظمتها) على وجهيها، المعقول والإنّي، وتواردهما. وبعض اللاهوت هذا تتردد اصداؤه في الفلسفة العقلانية الحديثة، من ديكارت الى هيغيل وبينهما كانط: فخلق الحقائق الأزلية، وبلوغ العقل المطلق تمامه في صورة العارف، والحدس العقلي، هي من اصداء الواحد في الإثنينية الحديثة.
وتطاولَ افتراق الترتيبين، ترتيب المعقولات وترتيب الموجودات، الى العمران البشري وهيئته. فالملك، أو ولي الأمر، طلّق تمثيل المحسوس والشاهد على الغيب، على رغم استظهاره بـ «حق إلهي» يوهم بدوام حلول الغيب في الشهود. والحق أنه أمارة افتراقهما، والقرينة على ترك الله الإنس الى أنفسهم، يدبرون اجتماعهم وعمرانهم من تلقائهم. والأنظمة الملكية المطلقة،الأوروبية، وجه من دينامية «علمانية» وديموقراطية على قول مارسيل غوشيه على خطى ألكسيس دو توكفيل ومقالته في «الثورة الديموقراطية». فهي، الأنظمة المطلقة، خلعت نفسها من الرسامة العلوية، وأرست سلطانها على حرية الأفراد الميتافيزيقية، وعلى إجماعهم. وارتضت الصدور عن الإجماع محل الأسماء القدسية وتوارثها في الأصلاب النورانية و «الممسوحة».
ويلاحظ ان نظريات العقد الاجتماعية الحديثة، أي الفردية، صيغت إبان ظهور الأنظمة المطلقة. وما دعت النظريات هذه الى تفكره وتعقله، وهو ولاية الاجتماع على نفسه واستبطانه هذه الولاية، ينبغي حمله على الدولة المطلقة (السيادة والولاية)، وفهمه في ضوء قيامها واستتباب الأمر لها. وهذه الدولة تتولى تماسك الجماعة (الأمة) والحق العام في التدبير «الأرضي»، أي تدبير الشؤون الدنيوية والزمنية. ويسوغ اضطلاع الدولة بالحق في التدبير العام قيامُ الدائرة الدنيوية والزمنية بنفسها، واستقلالها بأودها. والدولة، أي السلطان العام، هي صورة الهوية التي يتماسك بها، من داخل، جسم الأمة. وانقلاب السلطان من التمثيل على رابط الأرض بالسماء الى تجسيد هوية الجماعة المتماسكة، لم يلبث ان أوهن البناء المرتبي والهرمي الذي تتربع السموات في ذروته بينما تقوم الأرض منه مقام الحضيض، وصدعه.
فعلى قدر بسط صاحب الولاية والسلطان ولايته وسلطانه على الاجتماع ومرافقه ووجوهه، يضعف صورة استواء هيئة الاجتماع سابقة (على) الذين تأتلف منهم الهيئة (وهم، لاحقاً، الأفراد المواطنون و «كانوا» رعية المملكة وحكامها)، وفوق الذين تأتلف منهم. فتبدو هيئة الاجتماع، على خلاف ما بدت عليه في الطور السابق، صنيع إرادات الأفراد، من وجه أول، ومتأخرة زمناً عن الإرادات هذه، من وجه آخر. ويقضي سبق الأفراد، وقيامهم بأنفسهم، وعزلتهم، وتقضي هذه مجتمعة بمساواتهم بعضهم بعضاً، وواحدهم الآخرين كلهم. ويستوي النصاب السياسي، أو نشأته المُعْلَمة والحادثة، ركناً تصدر عنه الجماعة، وعَلَماً تسعى في تحقيقه الفعلي، ومثالاً لا ينفك يسري في عروق هيئاتها ومؤسساتها. وفي آخر هذا المطاف، يبسط البشر (أي جماعاتهم و«اممهم») سلطانهم على آصرة اجتماعهم، وعروة هذا الاجتماع، ويتولون هم صنع الآصرة أو العروة هذه. والتاريخ الغربي فريد في هذا الباب. فهو المسرح الذي بلغت عليه اثنينية الإلهية و «الإنسانيات»، وهذه طبيعيات وأناسيات...، آماداً بعيدة. واقتضى استيعاب الفرق الإلهي نحو عشرين قرناً من الزمن.
[ الاثنان... الشاهد والغيب
والتاريخ المديد هذا ديني من أدناه الى أقصاه، على خلاف مذهب من يذهبون الى ان مقصدي العقل والحرية لابسا، في ابتداء أمريهما، الاعتقاد والتصديق، ثم انقلبا على لتدين وخرجا من سرحه، وعادا فأجهزا عليه. والحق ان المنزع الزمني والأرضي الدنيوي (الطبيعي والإنسي) اغتذى من ضرع التدين وحليبه، وبسط جائزاً من جوازاته الجوهرية وأظهره. وهو أعمل في هذا السبيل، على المنوال الديني «الرسمي» أو الكنسي، براهين الاعتقاد وحججه سواء بسواء. فخرج المنزع هذا من رحم تأويلات متباينة ومختلفة تناولت الفرق الإلهي. ولم تلده «شعبة» عقلانية وديموقراطية مادية قامت بإزاء التاريخ الديني، وبمنأى منه، ولم تلبث ان تغلبت عليه. وتاريخ الخروج (الغربي) من التدين، من طريق الديانة وأدوارها وصراعاتها وتأويلاتها، هو تاريخ ديني على معنى يفيض عن تاريخ الديانة أو الديانات. فهو ليس تاريخ «الأفكار» أو «المعتقدات» بل تاريخ إنشاء أواصر الجماعات والهيئات في سياقة بناء تأويلها وتعقلها والنظر فيها. فالعقلانية والفردية، والحرية وتملك العالم الطبيعي من طريق التقنية والعلم إنما شرطها جميعاً، وأصلها الذي تفرعت عليه وعنه، هو الانتقال من الواحد الأحد الى الاثنين المنفصلين والمنفكين واحدهما (الشاهد) من الآخر (الغيب).
ولعل حمل الألوهة على ذات، وعلى صفات الذات، العلم والإرادة والرحمة...، هو ابتداء تصدع رؤيا الخليقة على صورة كون مرتب على مراتب ودرجات، ومباشرة تناول الظاهرات على مثال علّي أو سببي. وأفضى انفكاك الكون ومكوناته من الوحدة و «سلسلتها» الى فك الشاهد (الطبيعي)من الغيب (العلوي)، وإلى كثرة الوجوه التي يجوز تناول الخلق ودوائره عليها، والفحص في نسيج الدوائر هذه عن ضروب العلل الموضعية والمحلية التي تخص الدوائر، دائرة دائرة، من غير توارد بين الدوائر ولا شبه. وعلى هذا، قام الى جنب المرء الاجتماعي على النحو الذي أنشأته عليه نسبته الى الجماعة، وإطاعته السلطان (القيصر)، أو تحت هذا المرء، قام إنسان صاحبُ طوية لا يملك أحد غيره من أمر علاقته بخالقه شيئاً. وجرد التزامُ الإنسان الآخرة من تبعاته وروابطه في الدنيا. وعلى قدر تعالي إله التوحيد (المسيحي)، وإمعانه في السمو، نحت العلاقة به الى التخفف من الوساطة، وبنيانها الكنسي والإكليركي، وإلى الرسو على رابطة ذاتية محض. فليس من «نظير» للذات الإلهية، على معنى التضايف والمحاورة أو المخاطبة، غير الحضور في النفس. فصارت الطوية فرداً أو شخصاً دينياً، على حدة من أواصر المراتب ودرجات الخلق. وتصدعت الأواصر هذه حين خسرت واسطة عقدها.
وباشرت الدولة، مستظهرة بعبارتها عن الجماعة وضويها الجماعة في إهابها، بسط سلطانها داخل الجماعة من طريق فك الأفراد من روابطهم العصبية، وتصديع سبق القانون إرادات الأفراد، وإنكار هذا السبق أو الأسبقية. فإذا تقدم الأفراد، وإراداتهم، على الرابطة العصبية الجمعية وفرائضها وموجباتها، انحلت الرابطة العصبية الجمعية وفرائضها وموجباتها، وتضعضعت. وصدرت الرابطة عن (اصحاب) إرادات حرة يلون أمرهم بأنفسهم. فلا سلطان إلا بتكليف صريح من أحرار، ولا ولاية إلا بندب إليها. وآخر المطاف الديموقراطي هذا يتوّج سيرورةَ تعاظم السلطان الناجم عن الانتحاء الإلهي، وعن تولي السلطان، أي نصاب السياسة والدولة، أعباء المُسكة الجماعية. ووحده السلطان المولود من المجتمع في مقدوره تولي الأعمال والولايات التي ندبه إليها انفكاك ملكوت الأرض من ملكوت السماء. وتربع الفردُ صاحب الطوية في ملك نفسه، وقام بها. وصحب ذلك خلعَ الفرد من تبعات الانتساب العصبي، ونقلَ البعد الجماعي بقضه وقضيضه الى بنيان الدولة ودائرتها. وخلفت مدينة الأسوة والأنداد (الديموقراطية) أمة «أولياء الله».
وعلاقة البشر بالأشياء وطبائعها، وبالبيئة الطبيعية التي تحفهم وتحوطهم، ترسمها وتحدها علائقهم بعضهم ببعض. فما كان «في البدء»، وجرى عليه السلف الأول، وصار عرفاً وشريعة لا يجوز الحياد عنهما، يسري على الليل والنهار، وعلى الفصول والقمر والشمس والحيوان والنبات... ويصدق تنزيه احوال البشر عن إعمال الرأي والهوى على أحوال طبائع الأشياء الصماء والحيوانات غير العاقلة. وليست علة التنزيه، أو التزام ترك الأشياء «تسير» على حالها «وعين الله ترعاها»، هي القصور عن إعمال العلم والتقنية، بدائيين ام متقدمين، أو تأخرهما قياساً على حال (غربية) لاحقة. فالـ «التطور» ليس متصلاً، وعوامل الطور من الأطوار ليست واحدة في كلا الطورين الأول والآخر (وليس الأول فالثاني)، وهي لا تأتلف على صورة واحدة تجوز مقارنتها بالصورة الأخرى. وما ينزع إليه نظم العوامل وترتيبها في طور هو ما يريد نظمها وترتيبها في الطور الآخر تحاشيه، والحؤول دون بلوغه.
فما ناطه القرن التاسع عشر الأوروبي بـ «العمل» الصناعي والتقني من إنزال البشر منزلاً في الأرض جديداً، يخالف مخالفة رأسية «إنشاء» المجتمعات والشعوب عالمَ أو عوالم الخلق من قبل، ويخالف «إنشاءها» دواخل مجتمعاتها وجماعاتها، وترتيبَ علائقها الاجتماعية والسياسية في داخلها. والحق ان تناول الأشياء، على وجوه التناول الإنسي كلها، يوسّط على الدوام «تناول» البشر بعضهم بعضاً أو عروة اجتماعهم. وعمدت «آلة» الاستبداد «العظمى»، على قول لويس مومفورد، الى إعمال التغيير في الأشياء من طريق استعباد البشر وجعلهم اشياء. وعلى طرف آخر ونقيض، أنجز الأفراد الأحرار، ونظام الحرية السياسي، الإطباق الصناعي والآلي على عالم الأشياء وطبائعها. والسلطان العظيم الذي يفترضه الاستبداد، ويُعمله في «الأهرامات» والأنصاب والري والحرب، لا يضطلع بتعظيم الموارد وتكثيرها على قدر ما يماشي منزعه الى تعاظمه هو، وتفاخمه ومد جذوره.
ولا ريب في ان الاقتصادات الزراعية القديمة أعملت آلات وتقنيات زراعية جديدة. ويذهب الدارسون الى ان معظمها يتحدر من اقتصاد الكفاف الذي صُنعت في إطاره، واستعملت فيه زمناً طويلاً من غير انتهاك حدوده وضوابطه. وما أخرجها من إطارها القديم والثابت هو صناعة السلطان السياسي الفلاحَ ودوره الاجتماعي. فالفلاح هو المسترق المنتج. وهو اضطلع بتوسيع دائرة العالم المادي، وركن ما يسميه المحدثون والمعاصرون تاريخاً، على معنى دقيق. وبقي داعي الاضطلاع هذا، والباعث عليه، من خارج المبنى الاجتماعي نفسه. فهو إما داع من فوق، من السلطان واحتياجاته، وإما داع من تحت، من عدد الأفواه التي ينبغي إطعامها. وأما داعي «الإنتاج» نفسه فكان فعله محالاً قبل الخروج من انطواء «العالم الأكبر» على «أجرامه» (على قول المعري)، وفك الطبيعة من تبعيتها للعروة الاجتماعية، والتخلية بينها وبين الفحص عن مبانيها. وكان التوحيد، ودياناته، الفصل الأول من فصول الخروج والفك هذين.
[ الحرز الحريز
فحمل الخلق (الكون او العالم) على محدِث أو ذات إلهية مفارقة يجيز فك الإنسان من النظام الكوني وتمييزه منه. ولكن الجواز هذا يبقى معلقاً ما أقامت الذات الإلهية على قربها من الكون، وما أقامت الكائنات على وحدتها وتماسكها. وتوجّهُ الفعل البشري على «الدنيا»، وإعماله فيها وفي تملكها، سبقهما ابتعاد الآخرة، جراء الانسحاب الإلهي، أو تصور الطريق إليها مشروطاً بآداب الدنيا وأحكام عملها. فانقلبت الآصرة بالطبيعة تملكاً وحيازة، وصار الامتثال للمقسوم والمقدر منزعاً الى التغيير والاستيعاب. ولعل مبتدأ الانقلاب هذا هو قيام وجوب الخلق، أو واجب الإنشاء (الإنسي)، محل الدَّين الديني الى الخليقة وخالقها، وحمل البشرية على التقيد بدَينها هذا، وإلزامها تبعات المدين، وأولها الحفظ والإحجام عن مد اليد والإمساك عن التبديد والاستعمال والتبديل... فالتوحيد وحده، على المثال الإسلامي، من غير تصديع «وحدة الوجود» العضوية ومن غير إنكار انطواء الدنيا على العدل والطهارة، هذا التوحيد لا يوجب الخلق، ولا يبعث عليه أو يبيحه، محل حفظ الدَّين والتزام حرماته.
وما لم يجر طلب الآخرة ونشدانها مجرى الطعن في الدنيا، والإزراء بها وبخسها «حقها»، قصَّر التوحيد عن الانقطاع من دائرة الدَّين، وأقام على محافظته، وعلى اعتقاد «وحدة الوجود» وامتناع الخليقة من «التبديل» والانتهاك. وانتهى التوحيد المسيحي الى الانقطاع من دائرة الدَّين، والى الفروع التي ترتبت عليه، من طريق متعرجة وملتوية. فالحط من الدنيا، وحرثها ونسلها ومالها وبنيها وطيبات رزقها، ومن عالم المحسوس، إنما كان فصلاً من فصول سعي متجدد في تحصيل «وحدة الوجود»، وبعثها. وافتُرض ان الواحد الأحد، من غير اثنينية الشاهد (الدنيوي الطبيعي) والغيب (الإلهي)، يُبلغ من جديد، ويستوي على عرشه غير منازع ولا منقوص، إذا انتقص من (قدر) الشاهد وحط من معناه، وبُلغ به حد الذواء والملاشاة. فإذا ردمت الهوة لم يبق إلا الحق كله، ونفي منه ما يقدح في وحدانيته وأحديته. ولعل البوذية هي الصورة التامة عن نفي الدنيا في دائرة العدم، وعن بعث الواحد في «التعالي» وتبديد وهم الفرادة والذاتية. وتردم الهوة، على نحو آخر، إذا أجري الخلق إجراء صارماً على إرادة الخالق وإيجابه.
وتفادت المسيحية «الحلّين» هذين او المخرجين، وجمعت بينهما، معاً. ففكرة ذات خالقة تستبعد رمي الخلق في لجة الذواء والبَدَد، من وجه أول. ولا يستقيم، من وجه آخر، نداء الحياة الحق في «ملكوت السماء»، وتوجهه على نفس المؤمن على حدة من الجماعة والعصب ودعوة المؤمن الى وقف طاقته وجهاده على تلبية النداء، لا يستقيم هذا وإثباتَ تأويل مباشر ويقيني لحكمة الخالق في خلقه، ولا يتفق واستواءَ أمة من المؤمنين على صدوع تام بالشريعة التي أنزلت عليهم وختمت بها الرسالات والشرائع. فثمة وصلة بين الإقرار ببعض المُسكة لدنيا الشاهد والتقلب بين أظهرها وبين انكار قبولها على حالها والرضا بها. و «سر» التجسد هو مناط الوصلة هذه. فهو القرينة الحية على فرق ما بين الشهود والغياب، وعلى مُسْكة كلتا الحقيقتين، الواحدة الأخرى في نفسها. ومسكة الحقيقة الأرضية والدنيوية، على رغم مرتبتها المتأخرة والسفلية، تجعلها اهلاً لاستقبال الكلمة، ولا تطعن في جواز الاستقبال.
ومذذاك، توسط عقد الإيمان والتصديق «سر» التحام الانتحاء (والفرق) بالمباينة (الغيرية) وجمعهما في صورة المخلص. فلا مناص من مكابدة الحياة الدنيا، وهي يزكيها ويدعو الى ارتضاء فقرها وبؤسها استحقاقها شرف بشرية المسيح وشحمانيته. ولا سبيل كذلك، الى الخلود الى حرف الشريعة، وأوامرها ونواهيها، والرضا بها. فتحصن «الأب السماوي» في حرزه يمنع من تصوره، ويحجز بينه وبين الأفهام، ويحول دون اكتناه مقاصده ومراده على وجه اليقين، ويجلل حقيقته بغموض لا يستوفي تأويله. وهو يحول، في آن، دون إقرار اجتماع المؤمنين على أمة لا يأتيها الباطل من قدام ولا من خلف. والغيرية الإلهية في إطار التجسد تجمع ضدين: فهي تعظم نداء الخارج، وتغذي المجاهدة في سبيل الخلاص، وتَنهى عن الاعتزال والهرب والصرم، معاً. وهي بهذه الحال، تدعو الى تألف الفرق وقبوله حين تباعد بين شقيه وحديه. وعلى هذا، فالاضطلاع اضطلاعاً تاماً بالدائرة الأرضية الدنيوية، واحتمال البشر أعباءها وتصديهم لتثميرها وعمارتها، هي السبيل الوحيد الى مضاهاة المطلق المفارق.
وهذا الذي قد يبدو استباقاً لمنطق الإصلاح البروتستانتي ومذهبه، غداة 15 قرناً على ولادة المسيح ونحو 10 قرون على بيانه اللاهوتي، يبسط عوامل المنازعات والخلافات والمساومات والصيغ الوسيطة التي حبلت بها القرون هذه. فالإصلاح البروتستانتي إنما جاهر بمضمر منطق المباينة الغيرية (الإلهية)، ومضى به على حد المحال من غير ان يخرج عن جادته أو يتنكبها ويحيد عنها. وليس «روح الرأسمالية»، على قول ماكس فيبير، إلا عبارة «جزئية جداً» (م. غوشيه) عن المنطق هذا. والمسيحية، منذ ابتدائها، قبلت احتمال الناسوت الدنيوي، وشحمانية الدنيا، على نحو غير مسبوق. فكانت حادي منهاج تمدين وعمارة زمنيين ومكانيين لا نظير له. وخُلُقُ الفعل المديد والمتزامن في أمكنة ومحال كثيرة، ونظام العمل الاجتماعي والمتماسك، على مثال ابتدأته القرون الوسطى الأوروبية وجلته، لا يعقلان إلا في ضوء إقرار المسيحية الشاهد (الجسدي) على مكانته العالية، وإعمالها فيه وجوه صنع مبتكرة ومتجددة.
والجسد، في المعرض اللاهوتي هذا، ليس عيناً ماثلاً متمكناً ومستوفياً احتمالاته، بل هو تمثيل على معنى يسبق إدراك الفاعلين. وهو باعثهم على الفعل على خلاف إرادتهم في أوقات كثيرة. والحال هذه، يخلّف «سر التجلي» قلقاً وانتظاراً لا تلبي الشعائر ولا يلبي التقليد إلحاحهما وانشدادهما الى الآتي المجهول ووعوده، وطلبهما معنى حياً ووَلوداً. وهذا تلبيه العقيدة (الكنسية). وهي تشارك في الحقيقة من طريق دالة (سلطان) وسيط. وتجدد العقيدة، وشروطها، منازعة التجسد: فالإيمان يفيء الى طوية النفس حين العقيدة سندها دالة مطاعة. وما يدعو الى تثبيت اركان اعتقاد تقطع دابر تأويل هائم وضابط، لا ينكر على النفس (القلب) «حديثها عن ربها»، على قول صوفي مشهور وعلى معنى غير معناه المأثور. فيصل الاعتقاد القويم والصحيح، على مثال كنسي وإكليركي، بالانحراف عنه الى الهرطقة، أو الانحياز الى ايمان يحتكم الى يقين المؤمن وحده. وهذا «ديانة الهرطقة». وهي تجمع جواز الانحياز الماثل والمقيم الى تدبير النفوس بواسطة بيروقراطية تسوس المعنى والفهم. ويتصور الحق في ما يلي العقل، ووراء حجاب اللغة فلا يبلغ إلا من طريق «القلب». وعلى القدر نفسه تشتد وطأة التدبير البيروقراطي على سياسة المعاني.
[ شقة الملكوتين
فأنشأ الإصلاح الغريغوري أول بيروقراطية غربية، في القرن العاشر الميلادي. وأُلزمت أداء عملها، والانضباط على القصد المرسوم لها، من غير اعتبار معايير المجتمع الذي يحوطها وموازينه القرابية والمرتبية الإقطاعية. وجمعت شرائط تعهد العالم الدنيوي تعهداً مستقلاً، وقائماً بنفسه، الى شرائط الديانة الشخصية والفردية. ولكن انتصاب الجسم الكنسي قوّاماً على فهم الغيب والسماء والآخرة، والعلاقة بها، وإقراره بجواز ايمان قلبي، حررا الدائرة الدنيوية والأرضية من سطوة الغيب المقتصر على عليائه، والمتربع في سدتها. وتوسل السلطان الزمني والأرضي بهذه الثغرة او الفسحة الى تسويغ استقلاله بعمله وولايته عن الملكية الروحانية وسلطانها، وإلى السعي في بسط سلطان تام وغير منازع، على ملكه. وتولت حركات الإصلاح، في السياقة عينها، بلورة الإيمان الذاتي والقلبي، بمنأى من المنطق الثيوقراطي، وتوحيده الأرض بالسماء، الذي نزعت البابوية الى تغليبه. فجاءت ثمرة تضافر الحركات الثلاث هذه، الكنسية والملكية والإصلاحية، على الضد من المنزع الوحدوي الثيوقراطي. فباعدت الشقة بين الملكوتين، الأرضي والسماوي، وقسمت التدبير شطرين: أوكلت بالأول رعاية النفوس والضمائر، وبالثاني حكومة البشر وعلائقهم.
ومَعين السيرورة الغربية هذه ومصدرها، على ما يذهب إليه مارسيل غوشيه مقارناً مقارنة مفصلة بين ديانتي التوحيد الكبيرتين، هو لاهوت التجسد، و«اقتصاده» (على معنى المباني) السياسي والاجتماعي والفكري التاريخي، وتمهيده الطريق الى حل العلاقة المرتبية التي تجدد، من طرق مواربة، «توحيد الوجود» وربط الموجودات بسلسلة متصلة يلم الواحد الأحد فرقها وشتاتها الظاهرين. ويحول دون التئام الواحد حمل الكلمة المتجسدة على حادثة، و «ليس على بنية». وتكرار مجيء المخلص في القربان الأفخاريستي إنما هو احتفال بغياب، وتجديد لفعل مضى وانصرم. وما يدعو القداس إليه هو تأمل الحادثة والواقعة الحقيقية، على وجهها هذا وليس على وجه حلول الغيب في الشاهد حلولاً مادياً، على طعن الإصلاحيين في عقيدة الأفخارستية الكاثوليكية. وربوبية المسيح ركن ضروري ينهض عليه معنى الحادثة (على خلاف البنية أو المبنى الثابت). فإذا اقتصر المسيح على رسول عُهد إليه بأداء رسالة، لزم عن هذه الحال استيفاءُ تبليغ الرسالة معنى المجيء، وامحاء المعنى في حرف الرسالة، وشفُّ الرسول عن مرسله ومصدره (وإلى هذا ذهب النساطرة وغلب مذهبهم على معظم الكنائس المشرقية الى القرن السابع ب.م.).
وعلى خلاف البلاغ أو التبليغ تنم الكلمة المتجسدة ببعض معنى غير المخلوق، وتحمل المخلوق على اختبار قصوره وعالته. فليس الله من يكلم بني الإنسان في الكلمة المتجسدة وإنما «ابن الإنسان» هو المتكلم والوسيط. والإصعاد من الابن الى الأب معراج لا يسع الآدميين اجتيازه. فلا قياس بين البلاغ وبين من يبلّغ عنه. وما يبلغ البشر من الله صيغ في لغة البشر، وهو يفيض عن اللغة فيضاً لا تتسع له اللغة. وهذا معين تأويل مستفيض. وجواز التأويل يفترض حرية الضمير. وهو يوجب الحرية هذه الى إيجابه صدق العقيدة الصحيحة معاً.
والترجح لا إلى نهاية أو مستقر يقوم بالمحل الوسط الذي تنزله الكلمة المتجسدة. فهي من طبيعة بشرية حقيقية، ومن طبيعة إلهية لا شائبة فيها. وشبكُ الطبيعتين على هذا النحو يفتح على التأويل والمسألة المرسلين، فلا يقيدهما «حرف» الرسول ووساطته وذواؤه في تبليغه. ويتوجه التأويل والمسألة على الغيب الإلهي من غير قيام الطبيعة البشرية منهما مقام الجواب الجامع والمانع او مقام الختام. فالغيب هذا ليس في نفسه عظيماً لا يسع البشر تصور عظمته قياساً على الشاهد، بل هو غيرٌ. وعلى هذا فغيريته أو مباينته غير المرتبية، وغير القياسية (على حرية البشر وولايتهم على انفسهم)، هي شرط حل البنية المرتبية التي حمل البشر عليها، وعلى حكمها، تاريخهم المديد قبل «ثورة المساواة».
واعتقاد غيرية «الأب السماوي» يلزم المؤمن بالصدوع بما بينه وبين «أبيه» من فرق لا قاع له، ويقسره على قبول مُسكة الدائرة الأرضية. ويترتب على هذا تمجيد الخالق بواسطة عمارة خليقته وأرضه. وحال طويلاً دون فعل «المفصل» الإلهي والبشري، وبسطه، تأويله على معنى مرتبي يشد الأدنى الى الأعلى، وينتهي الى إلحاق الأدنى بالأعلى، ويمحو الفروق بين الدرجات، ويذيبها في توارد وتناظر عقيمين ودائريين. فينبغي ان ينحو الفرق الإلهي نحواً قاطعاً، وأن تتقطع العرى المرتبية والدرجات المتصلة في إطار «وحدة الوجود» و«سلسلته الكبرى»، لكي يضطلع البشر بعمارة الأرض ويصوغوا ايمانهم صوغاً فردياً وشخصياً من غير وساطة جسم أو سلك يتولى الخلاص. وينتسب المقاول الرأسمالي الى الناسك المتأمل والمترهب، والمؤمن في كنف الكنيسة الى صاحب الطوية والقلب، من طريق فك المراتب والدرجات وحلها.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2009

استيلاء «الحرس الثوري» على الدولة في ايران يزج بها في منطق امبراطوري متصلب


الحياة 27 /10/ 2009
ضمَّنت الحركة البلوشية، «جند الله»، عمليتها الإرهابية الأخيرة، في 18 تشرين الأول (أوكتوبر)، بإيران «رسالة» سياسية تتصل بأحوال إيران العامة، الداخلية والخارجية. ففي أعقاب 5 أشهر على عملية المسجد الشيعي بزاهدان، في 28 أيار (مايو) من العام الجاري، وهي قتلت نحو 30 مصلياً من الجمهور، اختار الانتحاري البلوشي عبدالوهاب محمدي ساراواني تجمعاً لقادة الحرس الثوري والباسيج (الأمن «الشعبي») ورؤساء عشائر محليين، من السنّة البلوش والشيعة، وأودى بنفسه وبعشرات من هؤلاء. والذين قتلهم الانتحاري البلوشي اختارهم، أو اختارتهم قيادة «جند الله» التي يتربع عبدالمالك ريغي في مشيختها وقيادتها. فغداة الانتخابات الرئاسية في الوقت الفاصل بين عمل مسجد زاهدان الإرهابي وبين العملية الانتحارية في مدينة بيشين، أوكلت الحكومة الإيرانية الى الحرس الثوري إدارة محافظة سيستان - بلوشستان وحكمها مباشرة.
وعسكرة الإدارة المدنية الحكومية في المحافظة الحدودية، المتاخمة بلدين خطرين هما باكستان وأفغانستان المضطربتان،جزء من بسط الحرس الثوري نفوذه المحلي، بعد خروجه «منتصراً» من المعركة الرئاسية التي خاضها على النحو الذي خاضها عليه، تهديداً وترهيباً وانتهاكاً وتزويراً. ومشاركة عدد من أعلى ضباط الحرس رتبة، على الصعيدين الإيراني الوطني والمحلي، في مصالحة مذهبية، أهلية وعشائرية، قرينة على الدور الجديد الذي يضطلع به ضباط الباسدران في الإدارة المحلية والمدنية. وقرينة أخرى، أمنية وقبيحة على دور الحرس في المحافظة الحدودية، هي عدد القتلى المحليين الذي خلفه تدخل الإدارة الحرسية فيها. ففي البيان الذي أذاعه موقع «إسلامي» غداة العمل الإرهابي، أحصى «جند الله»، في أثناء العام الجاري، مقتل «مئات من شباب محافظة (سيستان - بلوشستان) في غارات أو تحت التعذيب أو إعداماً». و «جريمة» مئات القتلى هؤلاء هي «أنهم من السنّة والبلوش»، على قول البيان، والاغتيال والإعدام والتعذيب من وسائل الجهاز الأمني الأثيرة.
ويتولى الحرس في المحافظة السنية، الى مهمات «سياسية» وإدارية وأمنية، مهمات اقتصادية. ففي أثناء تعزيته أهالي الضحايا ذهب علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى ومنافس محمود أحمدي نجاد سابقاً وشقيق رئيس السلطة القضائية الجديد الذي ناصر السلطة الحرسية النجادية بعد تحفظ قصير، ذهب الى أن «هدف الإرهابيين الإخلال بالأمن والاستقرار» في المحافظة الشرقية الجنوبية. وهذا لهجت به ألسنة القيادات الحرسية والسياسية كلها. ولكن لاريجاني زاد على التعليق الشائع ملاحظة انفرد بها، فقال: «وهذا يدل على انهم لا يريدون أن تتطور المحافظة على الصعيد الاقتصادي». وخلص من هذا الى أن «الحرس الثوري سيرد، ويفرض الأمن في المنطقة بقوة أكبر من القوة السابقة». ويكاد يكون تصريح رئيس مجلس الشورى «وشاية» مزدوجة، أمنية واقتصادية. وتولي الحرس الثوري، وهو قوة عسكرية وأمنية استخباراتية وسياسية حاكمة، وظيفة اقتصادية في محافظة تقطنها أقلية قومية ومذهبية مقهورة وفقيرة، وهي باب واسع من أبواب تهريب المخدرات من البلدين الجارين المضطربين، قد يكون التولي هذا إجراءً يعظِّم ثقل الحرس في السيطرة على المحافظة وأهلها، ويجمع في يده مقاليد الأمر كلها. ويتفق هذا وتعاظم ثقل الحرس الاقتصادي على صعيد إيران كلها، ووضع يده على مرافق وموارد عامة أهمها مناقصات القطاع العقاري والبناء والمنشآت والنقل، الى قطاع الصناعات الحربية.
وحال وقوع العملية الإرهابية لم يتستر الحرس الثوري على صدارته الأمنية والديبلوماسية السياسية. فأذاعت وزارة الداخلية الخبر، واقتصرت على وصف الحادثة، وإحصاء عدد الضحايا، ووعدت بالقبض على «منفذي العمل الإرهابي». ولم يذهب الرئيس الإيراني نفسه أبعد من تقرير وزارة الداخلية. فطلب الى «السلطات الإيرانية (...) ضبط المسؤولين عن الهجوم ومعاقبتهم (على ارتكابهم) جرائم في حق الإنسانية». واعتدال أحمدي نجاد الحقوقي والقانوني مدعاة دهشة. ففي الأثناء كان الحرس الثوري يذيع بياناً ينسب الى «قوى الاستكبار العالمية»، أي الولايات المتحدة وبريطانيا، «تحريض عملائها» على المقتلة. وثنَّت قيادة القوات المسلحة، فحمَّلت «إرهابيين يساندهم الشيطان الأكبر أميركا وحليفتها بريطانيا»، بالاسم، المسؤولية عن الواقعة. واقتفى «السياسيون» آثار البيانين العسكريين. فسمى علاء الدين بُروجردي، رئيس لجنة الشؤون الخارجية الشوروية النافذ، الولايات المتحدة. و «اعتدل» علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى، فاقتصر على تحميل «نتيجة أعمال الولايات المتحدة» التبعة. وانتهز الفرصة ليزين كلامه بصورة خطابية حاسمة، فقال: «أوباما قال إنه يرغب في مد يده الى إيران، وها هو يحرقها في العمل الإرهابي هذا».
وغفل قادة إيران الحرسيون، ورجالها السياسيون، في نشوة انتقامهم اللفظي من «الشياطين» التقليديين، والتنديد بهم، عن محل التهمة الأول والبارز، وهو الجار الباكستاني، على وجوهِ جوارهِ الكثيرة، الجغرافية والمذهبية والقومية والأمنية الاستخبارية. فلم ينتبهوا الى مترتبات الجوار الكثيرة، وذرائعه، إلا تالي يوم العمل الإرهابي. ودار على مستوى الرئيسين، الباكستاني والإيراني، حوار حاكى «الحوار» السوري - العراقي غداة «الأربعاء الأسود» ببغداد في 19 آب (أغسطس)، وقبل «الأحد الأسود» في 25 تشرين الأول. فقال أحمدي نجاد ان «إقامة عناصر إرهابية معادية لإيران بباكستان لا مسوغ له ولا مبرر». وشأن نوري المالكي، طالب الرئيس الإيراني زميله الباكساني باسترداد البلوش الإيرانيين المقيمين بباكستان. وسكت أحمدي نجاد عن أفغانستان، وعن طالبان وزيرستان وقندهار الذين جردت عليهم إسلام آباد قبل يوم واحد حملتها الكبيرة والحاسمة. وبدا، في اليوم الثاني على الهجوم الانتحاري، أن سفير باكستان بطهران لم يعد الى سفارته منذ ان اضطر الى تركها، ومغادرة طهران الى بلاده، غداة جريمة زاهدان ومسجدها في 28 أيار. وآذن هذا طبعاً بالشك في مسؤولية «عناصر» باكستانية.
ولكن قادة الحرس، على مراتبهم، وأنصارهم المباشرين من الساسة، عوضوا الغفلة عن إسلام آباد في اليوم الأول، فزعموا، على شاكلة محمد علي جعفري، جنرالهم العام، أن في حوزتهم «وثائق» تثبت تنسيقاً بين «جند الله» وبين أجهزة استخبارات أميركية وبريطانية وباكستانية. ووعد بإرسال «أدلة» على مسؤولية عبدالمالك ريغي، قائد «جند الله»، عن الهجوم. وهو قال لتوه انه يملك «وثائق» تدين من هم وراء ريغي وفوقه. فإذا به يتواضع في الجزء التالي من مهمته، ويقصر «أدلته» على الرجل الذي أعلنت منظمته فور ارتكابها المقتلة مسؤوليتها عنها. وكرر قائد قوات الحرس البري، محمد باكبور (وهو خسر نائبه في التفجير الانتحاري، الجنرال شوشتري)، تهمة قائده العام. وأضاف إشارة سياسية لم يسبقه أحد اليها، ولم يكررها أحد بعده. فقال ان «أعداء الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يمكنهم قبول الوحدة في البلاد». وهذا تعليق أو ذيل على الانتخابات الرئاسية التي شقت الإيرانيين وفرَّقتهم، وقسمتهم على دور الباسدران، واستيلائهم على الجمهورية، واستتباعهم المرشد «الفقيه». فتوسل القائد الحرسي بالمجزرة التي أصابت سلكه العسكري والأمني الى تنصيب السلك ولياً على الإيرانيين الذين قسمهم سلكه.
وعقّب بيجان فروزشي، نائب سيستان - بلوشستان في مجلس الشورى، على تلويح باكبور بـ «رد ساحق قاس ومدمر» على المنظمة البلوشية المذهبية والقومية الإرهابية. فزعم انعقاد «إجماع» على تولي قوات الحرس الثوري والباسيج الرد هذا، وعلى «إجراء عمليات (الرد) في الأراضي الباكستانية». ويتخطى التصريح المرتجل والمهوِّل «صلاحيات» وزراء الخارجية والحرب (الدفاع) والاستخبارات والأمن القومي، الى «صلاحيات» رئيسهم وهو رئيس الجمهورية، في نظام تختلط فيه الصلاحيات اختلاطاً ذريعاً. ويسع فروزش قول ما قال، وتوريط النظام في مزاعم ونوايا وخطط تصمه بالخفة في أحسن الأحوال وبالعدوانية الخطرة في شرها، بينما الوزراء ساكتون. وبعضهم منشغل بمفاوضات فيينا في رعاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحفز سكوت السياسيين المفترضين، وهم ظهروا في المناسبة موظفين في مراتب ثانوية يتولى مراتبها الأولى لفيف ضباط وقادة أجهزة لا يُسألون، حفز الضباط على الكلام على المثال غير المسؤول نفسه.
فتوالى على الكلام قائد القوات المسلحة حسن فيروزآبادي، وقائد «قوة القدس» في الحرس الثوري (وهي صاحبة اليد العليا في العراق ولبنان وغزة وربما في اليمن) قاسم سليماني، ونائب القائد العام لقوات الحرس حسين سلامي، ويد الله جواني، رئيس المكتب السياسي في الحرس، ومحسن رضائي، أحد آباء الحرس، ومسعود جزائري، مساعد رئيس هيئة أركان القوات المسلحة. وحين خرج وزير الخارجية منوشهر متكي عن صمته، في اليوم الثالث على الحادثة، نوه بـ «حدود الصداقة» التي تجمع باكستان وإيران. ولكن قادة الحرس عادوا، في الأثناء، الى التنديد بـ «ملف الولايات المتحدة وإسرائيل الإرهابي» (فيروزآبادي) و «أعداء الأمة الإيرانية» (سلامي)، بينما كان مندوب إيران الدائم الى الأمم المتحدة يطلب الى الهيئة الدولية إدانة الهجوم. وهذا ما بادر اليه مجلس الأمن، مجمعاً، بعد يومين.
وحمل قادة الحرس بعض الجمهور الإيراني من أنصارهم الخلَّص - وهؤلاء شيعوا قتلى الهجوم في الزي العسكري فحيوا في الذين سقطوا المقاتلين المحترفين وليس المواطنين - حملوهم على تحقيق تهمتهم، وتوسيعها جزافاً. فتظاهر مئات من الطلاب الجامعيين في 20 تشرين الأول إنكاراً، على قولهم، «للأعمال الإرهابية في محافظة سيستان - بلوشستان والاعتداءات المتواصلة على المسلمين (الزيديين الحوثيين) في اليمن»، على مقربة من سفارة المملكة العربية السعودية بطهران. وجمعوا الولايات المتحدة وبريطانيا والمملكة و «الكيان الصهيوني» و «الإرهابيين» في حزمة واحدة. ونسوا باكستان وأفغانستان وطالبان والبلوش والأحوازيين (جبهة تحرير الأحواز) العرب والأكراد من أنصار «بيجي» الذين يقاتلونهم في شمال العراق الشرقي. وصادف «النسيان» هذا، شأن الغفلة عن باكستان وأفغانستان في اليوم الأول، اغتيال شرطيين في مدينة إيرانشهر بمحافظة سيستان - بلوشستان إياها، يوم التظاهر. والاغتيال هذا هو الحلقة الثانية - من اضطرابات المحافظة. وفي 25 من الشهر نفسه، اغتال مسلحون محافظ المحافظة العتيدة بباكستان. والحرسيون والباسيج ينددون بمفاوضيهم، ويسكتون عن أعدائهم المباشرين.
واستوقف الشطط والتخبط هذان بعض الصحافة التركية. فطهران تنتظر زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قبل نهاية تشرين الأول. وعلق أردوغان على الحادثة تعليقاً قريباً من تعليق الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف. فدعا الى التعاون على مكافحة الإرهاب. وربطت «يني شفق» «الإدعاءات» الإيرانية في «تورط أجهزة استخبارات غربية وأميركية» في العمل الإرهابي البلوشي، بمسعى (حرسي) يرمي الى عرقلة التقارب التركي - الإيراني. ونوهت الصحيفة بعدد الاتفاقات الكبير الذي تؤذن زيارة أردوغان بتوقيعه، ويترتب عليه خطو إيران خطوات على طريق «الاندماج في المجتمع الدولي» من طريق تركيا، وعلاقاتها الدولية ومكانتها، على قول الصحيفة. وتستدل الصحيفة على صدق رأيها في المسعى الحرسي الموارب بالقول إن إلقاء الشبهة على الأجهزة الغربية والأميركية يصيب دولاً، منها تركيا بل أولها تركيا، تربطها علاقات متينة بالولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل.
وسبق للحرس الثوري أن ألغى، عنوة، عقد بناء مطار رسا على شركة تركية في نهاية ولاية خاتمي الثانية، وتولى هو، عنوة كذلك، إنشاء المطار. وتذرع بالعلاقات التركية الإسرائيلية الى تسويغ الإلغاء، والى الاستيلاء على المرفق. وعلى هذا، فالتهمة الأمنية التي يلوح بها الحرس الثوري الحاكم في الشاردة والواردة، ويرفعها وكلاؤه في «حركات التحرر» العربية الى مرتبة العقيدة السياسية و «الدينية»، حجر أساس في بنيان السياسة الإيرانية، الداخلية والخارجية، التي تقودها دوائر الحرس وقياداته المستولية الكثيرة. ويصيب الدوائر هذه عَرَض التسلط الإمبراطوري. ويقود العَرَض «أمراء» الجيش العقائدي الحاكم وموظفيه الى جمع حروب الاستيلاء والسيطرة التي يخوضها على جبهات داخلية وإقليمية كثيرة في جبهة واحدة يتولى «الأمراء» قيادتها. فالمسألة البلوشية جزء من المسائل القومية والمحلية المتخلفة عن شكل «الدولة»، وهو السلطنة الجامعة ولايات شبه مستقلة. والولايات هذه، وبالأحرى المتطرف منها شأن بلوشستان، تربطها ببعض ولايات الدول المجاورة، حيث يقيم قوم واحد ومتصل، روابط أقوى من روابطها الوطنية والسياسية المفترضة.
والحق أن «جند الله» ليسوا منظمة انفصالية، ولا استقلالية ذاتية، على خلاف نظيرها البلوشي الباكستاني العلماني. وهي حركة طائفية ومذهبية أولاً، وتطالب بالمساواة القانونية والأمنية بين السنّة (وهم بلوش في الولاية الحدودية هذه) وبين الشيعة. وهؤلاء بعضهم سكان محليون، وبعضهم الآخر من الغالبية، وعلى وجه الخصوص الموظفون الكثر. وتستمد الحركة الأهلية المحلية من التربة البلوشية عوامل تنشيطها وتجديدها. فهم قوم (شعب عرقي) مقسَّم بين ثلاثة كيانات سياسية متنازعة على مقادير متفاوتة، ومنذ زمن سحيق. وتُعمِل السياسة الإيرانية شيعةَ قوم الهزارة، حول مدينتي فرح وشنداند، في أغراضها الأفغانية، على نحو ما تعمل شيعةَ باكستان في أغراضها الباكستانية. والإعمال هذا أهلي وانفصالي، وتقايض به طهران حصص نفوذ حيث تسنح لها الفرصة. وهذه تسنح حين ترتخي الدولة الوطنية، وحيث ترتخي. وتوازن السلطنة الإيرانية الحرسية بين مضار ارتخاء الدول الجارة، وارتداد فوضاها عليها حركة انفصالية وإرهاباً متفشياً وتهريباً وفساداً، وبين فوائدها، نفوذاً وصفقات وفساداً.
ويقيم بلوش إيران (وباكستان وأفغانستان) في بلاد متصلة تجمع الصحراء، الفقيرة بالاتصالات في البلدان الثلاثة، الى تضاريس الجبال. ففي معظم بلوشستان، على جهتي خطوط الحدود، يبلغ علو السهوب الصحراوية 500 متر الى 3 آلاف متر. وتغذي الأرض ونتؤها المنازع الاستقلالية، وتزيد عاملاً جغرافياً قوياً الى عوامل الهويتين، القومية والطائفية، والقهر الأقلوي والفقر والتهميش. ويتشارك البلوش الأحوال هذه مع أقوام رقعة جغرافية شاسعة يختلط فيها الطاجيك بالهزارة والبشتون، ويحفها شمالاً الأوزبك والتركمان. وانتشار الحركات «الطالبانية» في الدائرة هذه يتغذى من روافد مشتركة لا تعف عن البلوش، وتخلط البنية القبلية والقروية والقومية والطائفية بالعزلة والطرفية الجغرافيتين ومقاومة السلطة المركزية وقهرها «الأجنبي».
فتهمة الحرس الثوري الدولة الباكستانية، أو بعض أجهزتها الاستخبارية العسكرية المتواطئة مع طالبان الأفغانية على محاربة كابول ورعاتها الأطلسيين والأميركيين، تهمتها بتدريب «جند الله» وتمويلهم وتسليحهم (على قول الخبير حسن رضائي) وقيادتهم، جائزة ومتناقضة معاً. ومصدر جوازها هو تصدع الدولة الباكستانية وضعف تماسكها. والتهويل على باكستان (وليس على أفغانستان) بالحرب، وإعمال «حق الملاحقة» والمطاردة داخل أراضيها، ضرب من هذيان العظمة وفصامها، وعرض من أعراض الداء الحرسي.
وهذه الأعراض تتفرع عن أصل امبراطوري مشترك. فتُحمل المسائل الناجمة عن نزاعات كتل السلطة، والخلاف السياسي الأهلي، وسوء الإدارة السياسية العامة، والتلكؤ في التصدي لمخلفات السلطنة في سوس الأقليات، والانخراط في تطييف القضايا الإقليمية وإنشاء الولايات في قلب الدول الوطنية، الى التدبير الاقتصادي البائس - تحمل المسائل هذه كلها على مسألة واحدة هي صدارة الحرس الثوري النظام السياسي والأمني والعسكري الإيراني. وينزع الحرس الى اختزال سياسة بلد كبير ومعقد ومحوري مثل إيران في قيامه على «الاستكبار»، وبسط قبضته الفظة على دوائر الدولة والمجتمع الإيرانيين. والانتخابات الإيرانية الأخيرة أثبتت أن القبضة هذه أصابها التآكل إصابة قاتلة.

هاني درويش... من الفحص عن أسباب فشل اليسار المصري الى كتابة الكارثة

المستقبل - الاحد 25 /10/ 2009
يكتب هاني درويش، من القاهرة، مرثية مزدوجة في والدين أو أبوين: واحد "مات منذ أشهر دون صخب" هو والده الطبيعي، وآخر هو "رئيس تحرير(ه)" على رأس صحيفة "البديل"، محمد السيد سعيد، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ("نوافذ" عدد "المستقبل" في 18/10). ويجمع الكاتب وفاة الاثنين في باب مشترك، عضوي وجارح، هو باب "المجزرة"، كناية عن وفاة الاثنين بمرضين قاتلين في مستشفيين حكوميين قاصرين، تجهيزاً وطاقماً معالجاً، عن تولي علاج مثل الأمراض المعقدة هذه. وباب مشترك آخر يجمع بين الرجلين الراحلين هو "رومانتيكيتهما". وهذه تكني عن معانٍ كثيرة يحصي ابن الوالدين، المتنازع بين الإكبار والتعظيم وبين الاستضعاف والنقمة، حباتها عند منعطفات روايته، ومقارنته ومرثاته الراحلين وابنهما المتيتم والمتروك على ترجحه وحيرته.[بطن مصرومقال هاني درويش هذا حلقة في مقالات له أقرأها في "نوافذ" منذ بعض الوقت. وقد يكون لقاؤنا في لبنان، في اثناء زيارته بيروت قبل نحو عامين، من دواعي القراءة المتصلة والمواظبة. ولكن الداعي الأقوى، على ما أحسب، هو تناوله أحوال المصريين المعاصرين، على اختلاطها وعشوائها وتشظيها وأطوارها، من غير خشية المراكمة المطنبة ولا النثرية المسترسلة في اللحن المعنوي قبل اللغوي وفوقه، أمكنَةُ سَلْكُ الأحوال في خيوط ووجوه وأنحاء أم عصاه السلك واستحال عليه. ويصدر الكاتب المصري في ما يكتب، في ملحق "المستقبل" الأحدي، عن هوى إحصائي ملحمي وهوميري، على شاكلة لوائح ما تحويه بطون المراكب الكبيرة والراسية على شاطئ طروادة "الحسنة التحصين". والمركب الكبير والعظيم الذي يجول صاحبنا في بطنه، ويكتب لوائح "موجوداته" هو مصر، أو القاهرة، قاهرة المعز التي جاءها والده في منتصف ستينات القرن الماضي، على وجه التخصيص.و"الموجودات" التي يحصيها، مُلحّاً وقلقاً وخائفاً ان يفوته شيء منها أو ان يغفل عن بعض معانيها، هي الأشياء والسلع والماركات والاستعمالات والصور والإيقاعات وحركات الأجساد والأوقات والطرق والمهن والقيافات والأفكار والرغبات، ما حصحص منها وما لا يزال في الأرحام وما ذبل وذوى، والحسرات والمخاوف والحسابات والكلمات، وغيرها. ولوائح الكاتب المصري، والكاتب هو غير "المثقف" صغيراً ام كبيراً، تتعقب بلهف بوليسي (على معنى تعهد الحياة المدنية، وهو معنى اللفظة في أوروبا القرن السابع عشر) أحوال "الموجودات" المصرية، وظهورها وأفولها وما بين الظهور والأفول من حياة قليلة وضئيلة، على الأغلب. وهو لا تثنيه الضآلة عن التعقب المحموم، بل تبعثه على العناد والإمعان. وكأن هوى التعقب والإحصاء انفك من موضوعاته وذرائعه، وجرى على غاربه وحده لا يلوي.وهذا أقرب الى ظاهر الأمر، ويغفل عن باعث الهوى ومحركه، عن هوى الهوى، على قول فلاديمير يانكيليفيتش. ولا يترك الكاتب قارئه الى عناء السؤال المبهم والغامض. فيكتب، في مرثية الأبوين، ان السؤال الجامع الذي يبحث عن اجوبته هو: "ما أسباب فشل اليسار (المصري؟) التاريخية". والسؤال، معنى وألفاظاً، يطلب بل يشترط، جواباً عنه وتحقيقاً، روايةً. وتنم صيغة السؤال "التقليدية" بشكل الرواية المتوقعة وصورتها. فيتبادر الى ذهن قارئ السؤال ان على الجواب الشافي سرد أو تركيب السياقات التي تضافرت افكارها وأبنيتها وقواها الاجتماعية ومواقفها وأوقاتها ومنازعاتها ومقالاتها ووجوهها الفردية أو الشخصية وأخلاقها، على إخفاق طائفة من الناس، وموقع وقوام، في تصدر حوادث حاسمة، واستثمارها في "نصرة المستضعفين"، على ما يلخص راثي الأبوين "القيمة البسيطة" والجامعة التي ينتهي إليها، على ما يرى، "كل رصيد الإبداع البشري"، وينبغي ان "يحوَّل" إليها، وإلى حسابها.وأحسب، أنا قارئ مقالات هاني درويش على صفحات الصحيفة منذ نحو عامين، ان جوابه لم ينتظر خياطه حلة السؤال المعلنة والأخيرة. والجواب المتوقع ليس نهراً هادئاً يجري من منبعه الى مصبه. فهو أقرب الى عود على بدء لا يكف عن التنقيب عن البدايات الكثيرة، المظنونة وغير الثابتة، والحاسر بعضها عن بدايات كاذبة أو منحولة وعقيمة. والعود هذا عود من حاضر مضطرب ومتعثر، ينوء تحت عبء اسئلة أقوى إلحاحاً من إثبات البدايات المفترضة، ويجدد الطرق الى البدايات، ويتوه في شبكتها، ويقف في بعضها.ولعل "فضيلة" صاحبنا هي التي تدعوه الى مغالبة الإحباط، والمضي على أعماله الهرقلية والمتناسلة، وعلى التصدي الجزئي والمبعثر لسؤاله الأوديبي النسبي والتاريخي. والإحصاء المحموم، أو كتابته على النحو الذي يكتبه صاحبه عليه، وجه بارز من وجوه مغالبة الكاتب الإحباط، وعامل راجح من عوامل حمل القارئ على تصديق السؤال، والاقتناع بجديته وجدواه. وقد لا يكون سؤال هاني درويش وصحبه سؤالي (وهي حاله)، ولا أشاركه في وضع "نصرة المستضعفين" المحل الذي يضعها به، من غير ان يضعف هذا الإقبال على قراءته، ولا حمل السؤال على محمل الجد. وهذا ربما قرينة تخطي الكتابة المعاني التي تطفو عليها، او تتلألأ، وبرهان على إعمالها في المعاني هدماً وإنشاء وتسويغاً وإضعافاً، فتخرج (المعاني) مخرجاً لا يشبه كثيراً إرادة المعنى التي نفخت فيها، ويلوِّح بها الكتّاب، أو بالأحرى المثقفون، عادةً على رؤوس الأشهاد، ويتداعون الى الاصطفاف والحرب تحت ألويتها. و "اليساريون" هم اساطين تجريد المعاني من الكتابة والرواية، والمقاصد من السيرورات.ويرد هذا الى جمع صاحبنا بين كتابة لوائحه المحمومة وبين ثقافته" اليسارية. فيحسب القارئ (وهو انا في المعرض هذا) ان الصفات التي يصف بها الكاتب "بطليه" اليساريين دليل أو مرشد واف الى المحجة المنشودة. فهما كانا "نقيين"، وكانا "ضعيفين" وبطَّنا ضعفهما بالنقاء، وجمعا "ليبرالية لا شك فيها" الى تحرر من الإسار "الستاليني"، واصطبغا بـ "صبغة" إنسانية"، وطابقا بين "النظرية والسلوك الشخصي"، وخجل الاثنان خجلاً "مشبعاً بعدم مسايرة الحياة الواقعية"، وانتصرا للمستضعفين، واعتقلا، وأحبا "تراب" مصر، وتخلت عنهما "الدولة" ولم يتخليا عن "أوهامها" وأوهام "حماها" و "ميريها"، واعتصما بـ "خيلاء الفئة الناجية" اليسارية قبل خلعها وتركها، وقبلا الخلاف العائلي والمهني. والاثنان، على هذا، ضحيتان وأبوان ونبيان ضعيفان ألهمهما الأبناء الضعف والتمرد عليه.وبعض قسمات محمد السيد سعيد أقرب الى مهنة الابن الصحافي من الوقائع الأبوية، وأدعى الى التمثيل والاقتداء والإعجاب، مثل "تحمله تناقضات كل الطرق المؤدية الى مفترق طرق يساري بامتياز"، ووقوفه "موقفاً أسطورياً مصدقاً نظرية غرامشي في المثقف العضوي"، و "انتحاره بين يدي الرئيس" المصري حين رفع صوته بالدعوة الى "تحول ديموقراطي"، وخروجه من "حضانة" النظام وإعلانه "معارضته الإله"، إلخ، ولا يطعن هذا في الشبه القوي بين الأبوين، ولا في رغبة الابن في شبههما.[ المثقف والكاتبفهل تقود الصفات هذه، صفات الرجلين وصفات أفعالهما، "ابنهما" الى محجة أو غاية يرتضيها؟ ومن أي طريق؟ويضمر السؤال شقاً روائياً، إذا جازت العبارة. فالغاية المرضية والطريق إليها يكنيان عن الحبكة التي قد يتراءى للراوي الكاتب، ولغيره، ان رسومها وصورها تصلح منوالاً مثالياً (يتمثل في الذهن) ينسج عليه خيوط حياته وسيرته ويشبكها، ويروي في ضوئها (ضوء الرسوم) حوادث حياته ويعقلها. وأدخل هاني دوريش الحبكة المرجوة في باب سؤاله عن "أسباب فشل اليسار التاريخية". وهو يكتب ما يكتب، إصعاداً من مرثاته هذه الى مراثيه في أذواق المصريين الموسيقية وأزيائهم وأثاثهم ومدارسهم وأمراضهم ومساكنهم ومنتجعاتهم السياحية... وعلى النحو الذي يكتب، تحقيقلً للسؤال، وتقليباً للأسباب على وجوهها. وتناول "غيبوبات" الوالد الراحل، وصحواته ليلاً "في عنابر مستشفى صيدناوي للتأمين الصحي"، وخطبته المرضى والممرضين، وتحريضه إياهم على طلب حقوقهم المهضومة في وسط سحب التبغ وأصداء نشيج المرضى، وحداء المريض في نزعه الأخير وبين شدقي الغيبوبة "للسد العالي وحائط الصواريخ (على القنال) والانفتاح" - تناول هذا كله جزء أو بعض من بسط السؤال، ومن تعقب الأجوبة.ولكن بسط السؤال وتعقب الأجوبة على هذا النحو، إذا صدق ان ما يرويه الكاتب هو جزء منهما، لا يدخلان في باب الحبكة أو تحته. والرواية الإحصائية والمحمومة، وهي تحاكي حمى الناس والأفعال والأقوال والتصورات، تخرج من الحبكات كلها، وعليها، وتخلط الرسوم والسياقات بعضها ببعض. فماذا يزن "التحول الديموقراطي" وأوراقه، بقيت في جيب محمد السيد سعيد، على ما أمر الرئيس مبارك، أم حشرها الرئيس في جيبه أو جيب أحد مرافقيه - في كفة نزع الوالد في عنابر مستشفى صيدناوي، و "تخريفه"، و "نسل بوله من قسطرة في ممرات المستشفى"، وشرائه حذاء "كلاركس" لابنه بـ 400 جنيه فيما هو "يوفر ثمن الأوتوبيس بالمشي نحو ساعة بين مباني القاهرة العتيقة"؟وكيف قياس "تناقضات كل الطرق المؤدية الى مفترق طرق يساري بامتياز" في صدد إخفاق "البديل" "اليومية اليسارية المصرية" التي روى هاني درويش في مقال سابق نزعها وانهيارها المأسويين والتافهين - على حال محمد السيد سعيد، و "نقائه" و "ضعفه" و "معادلته الصعبة" و "انتحاره" و "نفيه" وراتبه الضئيل و "خجله"، وقبوله "حصاره" بأسئلة الصحافيين ومطالبتهم لأنفسهم بـ "أسعار" مناسبة، وفوق هذا كله قياساً على تركه السفر الى العاصمة الفرنسية، وطلب العلاج الناجع ربما فيها، دفعاً للوحدة ("مينفعش أبقى لوحدي") وترفعاً عن التماس إعالة من لا يطيق السفر والعلاج إلا معهم؟ففي الحوادث هذه كلها تظلل المعاني الواضحة والناتئة والمتداولة مثل اليسار والصحيفة اليومية و "أسعار" الصحافيين وأنواعهم والفساد والمثقف العضوي والنقاء والرومنتيكية والأبوة والناصرية وعمال سكك الحديد والزنازين والنقد الثقافي المتحرر من النزعة الإيديولوجية وديموقراطية التعليم الجامعي و "ببغاوات" تعليم الدول "القومية القوية"، والإحصاء هذا من مقال واحد إحصاء ناقص تظللها ظلال كثيرة وكثيفة مصدرها قاع "روسي" دوستويفسكيّ أو أميركي فولكنري (فوكنري). والظلال هذه، على شاكلة السحب الحبلى بالبروق والرعود والأعاصير والفيضانات، تنقلب من وسائل ايضاح بيانية، تُظهر القناعة بالانزواء في هامش الرواية أو الصورة، الى موجة متدفقة تجتاح متن المقالة العقلاني والمتماسك، وتتخلل شقوقه الكثيرة وثناياه العميقة.وترتسم "مصر" هاني درويش في الشقوق والثنايا هذه، أو هي تخرج منها، من الشقوق والثنايا، شخوصاً ووجوهاً يولد بعضها من بعض ولا تستقر على سمت، وأجساداً مبرحة وملتوية قوضها التعذيب والتجاذب، وأصواتاً ناشزة، ورغبات بائسة تترجح بين طلب الأهرامات "الخالدة" وبين بلوغ منيتها واستيفائها في مضغ علكة أو تعليق "بوستر". ومزيج المعاني "اليسارية" الواضحة وكتابة الظلال السحابية، لا يقر على قرار. وهو يقضي في مقالات الكاتب الى "نوافذ" بـ "طياحة"، على ما سمى العامليون (اللبنانيون من بعد) حربهم على والي عكا الظالم في أوائل القرن التاسع عشر، يقضي فيها بطياحة مترنحة ومحمومة.فإذا تناول الكاتب موضوعه، ونوى معالجته معالجة ثقافية ("يسارية")، وأراد تغليب المعاني المضبوطة والمنقادة على صخب الشياطين المحبوسة في القماقم، لم يأمن خروج الشياطين وعبثها في المعاني فساداً وتحويراً وتكذيباً. فالأسئلة "اليسارية" والنقدية تفترض قعراَ قريباً في متناول النظر والقلم والفهم والعلاج (وقول هذا ليس من باب الاستخفاف ولا المديح بل من باب التقرير). وقد يكون دخول تلاميذ مصر، وهم يعدون عدد "الشعب العراقي"، المدارس في وقت تشغل فيه مسألةُ وباء "اتش واحد" ("انفلونزا الخنازير" التي حمل اسمها الجهاز الإداري المصري على استئصال الحيوان البريء من مصر) وانتشاره البالَ، وتمتحن الجهاز الإداري الوطني الواقعة هذه قد تكون مثالاً على طياحة الكاتب. فلا يكاد التشخيص يخطو خطواته الأولى، ويتكئ على بعض الأرقام، وعلى مذكرات إدارية، حتى تتلبد السماء المدرسية المصرية بغيوم آتية من سراديب العدد والعادات والعاهات الأصيلة والزمانات البيروقراطية والنفعية القديمة والمحدثة. فتسد الأفق وتحجبه. وإذا بالمسألة المدرسية والصحية نذير بقيام الساعة عن يد المسيح الدجال والسفياني الأعور واليماني الأعرج، مجتمعين. وما هذا شأنه، ومن هذا شأنه (على شاكلة الأبوين الراحلين)، لا علاج لأمراضه وأحواله، ولا طريق الى العلاج، وربما الى التشخيص.ولعل المزيج هذا، او الانقلاب الكارثي من حال الى حال، قرينة على "مشكلة" كتابة ومشكلة كتّاب ومجتمعهم معهم. فكأن كاتب المقالة الصحافية، التشخيصية والتقريرية والعلاجية، لا يسعه الاقتصار على مقالته هذه إلا إذا حجز بينها وبين ملابسات موضوعه بحاجز "يساري" مصري، على المعنى الذي تقدم. فيدعوه اقتصاره، والكاتب (أي هاني درويش في المعرض هذا) يراه قصوراً أو كسلاً، الى معالجة صحافية لا يرضاها إلا إذا رضي بموقع الداعية، العضوي على طريقته. وإذا هدم هذا الحاجز ورفضه، لم يتصل بحال "عضوية" أعمق أو بموقع عضوي أقوى كشفاً.ففي روايات درويش، أو اخباره في مقالته وآخرها مقاله في "ابويه" ومرثيته فيهما، قد يكون الفرق بين "المثقف العضوي" وبين المثقف التقني والتنفيذي عظيمة على الوجه الأخلاقي ولكنه ضئيل على الوجه العملي. وهو يميل الى تقديم التقويم الأخلاقي على التقويم العملي. ويسكت ربما عن أمرين هما في صلب مقالاته وكتابتها: الأمر الأول هو إفضاء المعيار الأخلاقي الى "رومنتيكية" لازمة، أحسب انه يقصد بها دونكيشوتية متخلفة عن فروسية كتبية وانصرافاً عن تناول الطور الحالي للسؤال الأخلاقي. والأمر الثاني الذي يشيح الكاتب عن فحصه هو ارتماء كتابته في الطياحة المحمومة، وتخطيها المعاني الى لجة لا قرار لها، ولا شراكة عضوية أو تاريخية فيها. فإما عقلانية دونكيشوتية وأخلاقية من غير يد، وإما الطياحة المحمومة و "ليل النقع". أهي حال مصر؟ وحالنا؟