السبت، 22 يونيو 2013

ربيع مروة وياسر مروة وسرمد لويس... "يمتطون غيمة"


 المستقبل 16/6/2013
بينما تضطلع الشاشة العريضة المعلقة والمشرفة على الخشبات وعلى الصالة، من علٍ ومن عرض، بقص سيرة ياسر مروة المهلهل- على المعنى البطولي الشعبي ومن غير زعم أنه "اول" من هلهل امتطاء الخشبات وغيم الخَلق-،  (وبينما) تحكي الاشرطة والاقراص المدمجة المسجلة بلسان المتكلم فصولاً من هذه السيرة. فتتواطأ مع صور الفيديو على تحقيق الحكاية وإثباتها، أو تسعى في شأن آخر مثل الإلمام بجسد صاحب السيرة و"مسح" الجسد المضطجع – في الاثناء الطويلة هذه، وهي وقت التجهيز المسرحي والسينمائي كله، يتشاغل ياسر مروة، الحاكي (الحكواتي) والمدلِّل وصاحب السيرة وبطلها والمعلق الحواشي عليها، والمراجع نفسه في مرآة الحكاية، وهو جالس على كرسيه الى طاولة عليها ركام من علب الاقراص المدمجة، بالعلب هذه.
 فهو يفتحها ويغلقها، ويخرج منها القرص ويعيده إليها، ويرتب الركام وينقِّل بعض أجزائه بين وحداته. ويرافق صورته وكلامه بعض الفقرات المسجلة، فيشخص الى الجمهور، ويشبِّه مكالمته ومخاطبته. أو يحجم عن المكالمة، ويمسك عن المخاطبة، فيبدو "جمهوراً" أو كالجمهور. ويستمع الى بعض (معظم) فصول السيرة أو الحكاية، شأننا نحن، ويكف عن تقليب علب الاسطوانات. ويعرض جسده، جالساً وغير نائم في ضوء تكتنفه ظلال تقيد العرض، ورأس ياسر المتصدعة على الخصوص، على الجمهور، وتدعوه تورية الى ملء الظل والصمت والإيماء بالصور والاشارات والكلمات والتوريات "المناسبة"، على قول تمرين مدرسي شائع أو كان شائعاً.
 النتاج
 والتمرين، على أشكاله ووجوهه، لا يقحمه المشاهد على "أمتطي غيمة" (عمل ربيع مروة "مع" ياسر مروة وسرمد لويس، 26 أيار، من اعمال "اشغال داخلية"، دورة اشكال ألوان الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية في 2013). فهو في صلبه أو هو منه صليبة، على قول عربي في النسب القوي والصريح. وياسر مروة، و"معه"، على معنى السند والعضد والاستجابة والاقتراح وربما الترجمة الى لغات وتقاليد قد لا يجيدها، صاحباه، يتمرن على سرد سيرته وحوادثها وسلك متفرقها وفتاتها في خيط يوده جامعاً، ربما ولا يرى، في أوقات أخرى، ما يحول بينه وبين تركه على بعثرته وجواره لعلهما ينتجان أو يلدان توليفاً و"مونتاجاً".
 ويقرأ المشاهد "رغبة" ياسر مروة في رواية سيرة، هي على وجه التأكيد من أجزاء سيرته الموثقة في ملف عائلي ومدرسي وطبي و... مسرحي شاهد معاً، على الشاشة المشرفة على الخشبات بأحرف ملونة، حمر إذا لم تخطئ الذاكرة، تركض ركض أحرف الآلة الكاتبة على الورقة الضوئية وصفحتها. فيقول ياسر لربيع، في احد المشاهد المكتوبة والبصرية الاخيرة، أنه يود أن يصنع معه "شيئاً"، "أي شيء". واستيضاح الثاني الاول ما عسي يكون الأي شيء هذا، من غير جواب شاف، يحمل المستوضِح على اقتراح "موضوع" هو "نفس" صاحب الرغبة، أو صاحب الرغبة نفسه، أي رغبته التي يقوم بها ويتماسك، على قدر، أو آخر، نفساً وسيرة وسعياً، وتجمع آثاره و"ملفاته" في مدونة تشبِّه السِّلك أو السَّلك (الواحد أو في خيط واحد).
ويحضر صاحب السيرة، ممتطي الغيمة (كناية عن خبط وقائع سيرته على غير هدى ولا إلى غاية، وكناية عن الخفة والهشاشة، وكناية أخيراً على وجه السخرية عن اتحاد الفارس ومطيته في فرِّ السير البطولية وكرِّها)، وقائع سيرته ومروياتها حضوراً كثير الوجوه ومضطرباً ومتفاوتاً. وهو في احواله كلها ليس حضور التجسد والحلول والتجلي. وذلك على خلاف الاستعارات الصوفية الطاغية التي يُمثّل بعضُها ("في حضرة الغياب" الدرويشية "الفلسطينية") على قوة الصور الاتحادية والفيضية والجميعية والحلولية وأصدائها الدموية والعصبية في العبارات العربية والاسلامية المتداولة والرائجة. ويتخفف مسرح المرُوِّيين ولويس من التجسيد والتمثيل والحلول، على رغم قرابة المسرح الوثيقة بها، وهو يبلغ قصده هذا من طرق مسرحة تتقاسمها "آلات" الاستعادة والسرد والترجيع والتوقيع، وتحفظ شتاتها (شتات المسرحة) من غير تسليم بها أو لها إلا لماماً، وعلى سبيل الطبابة.
البؤرة
 فمن وجه أو ناحية، يحضر صاحب السيرة، وراوي آثارها وحوادثها ومستودَع بعض الآثار الظاهرة ومتذكر ملفاتها ومدونها، (أمام) الجمهور، ويؤدي حضورَه ومثوله أداء قوياً ويكاد يكون طاغياً. فجسد ياسر مروة، جالساً الى الطاولة وواقفاً ومقلباً علب الاقراص والتسجيلات فتحاً وغلقاً ومحاكياً المخاطَبة ومنصرفاً عن الجمهور، ومعرِّضاً رأسه وجبهته الى الضوء، يملأ فضاء الخشبات وعيني المشاهد(ين) على نحو لا تحتمل وطأته. فهلهلة الجسد الجريح والمصاب والمكلوم هي تحقيق بعض أخبار السيرة ومصدقها. وتكاد هذه، التحقيق والتصديق والهلهلة، تبعث "بطل" السيرة في صورة ضحية أو أضحية تنوب عن القبيل (أو المدينة)، وتسدد الحساب عن خطيئته أو ضلاله وغوايته. ولو انفرد ياسر مروة بالمسرح، أو افرد به، وصال على الخشبات على "طريقة" منير أبو دبس وتقمص "الملك يموت" التي أبكت الجمهور وكاتبها يونيسكو (على ما يروي معرِّبها أو ملبننها المزهو بصنيعه، اليوم) على نحو ما تقمص دور الملك فيها انطوان كرباج، لما وسعه ربما التماسك والترفع عن الحلولية البطولية وتصوفها الشعاري والاعلامي الفعلي المميت والكاذب والمرقع (نسبة الى مرقعة الصوفي المجتمعة من خِرق متفرقة خيط بعضها الى بعض).
فالمسرح، في "أمتطي غيمة"، ليس مطية تجلٍ، ولا مجلى فيض رسولي الى الينابيع ولا منها. وهو أقرب الى مختبر أو مشغل "يحرتق" فيه العاملون فيه، والمترددون اليه بين الوقت والوقت، رواياتهم وأخبارهم ويجربونها ويتمرنون على ترتيبها وسلكها. وليس هذا ما يوحي به جلوس ياسر مروة الى أشرطته المسجلة والاقراص المدمجة وحده. فالجالس الى الاشرطة والاقراص، في ظل الشاشة المهيمنة وأغصانها، لا يصنع سيرته، ولا يستقيها من معين أو مصدر ثقة. وهو لا يتعدى "محاولتها"، على شاكلة الشاعر الضليل وصاحبه الباكي (على غير الاطلال هذه المرة).
 وتخرج أجزاء السيرة وبعض أوقاتها وفصولها، من شذرات الصور والاقوال والاوراق. وصاحبها المفترض، والشاهد على حقيقتها، الى جانبها، وعلى مقربة منها، بيننا نحن الجمهور وواحداً منا، منصرفاً في الظاهر الى صنعها وتأليف (ما بين) أجزائها وفتاتها. وهذا الصنع يشبِّه الحاضر، حاضر العرض، ولا يدلِّس التشبيه ولا ينكره. فالصنع سبق العرض، والعرض أثر من آثاره المتأخرة، ورجع صداه المتردد. ولكن المسرح، مضمار السَّرح أو الرعي والبسط والانتشار، لا يتستر على الصنع، ولا يتكتم عليه، ولا يطوي التماسه التماسك، والقرار على معنى جامع، في سيرة بطولية أو مأساوية أو كوميدية غنائية متصلة. والوسائط، الآلية والصناعية، التي يتوسل بها صنع السيرة تبدد وحدة صاحب السيرة وسيرته أو اتحاده فيها، ورغبته في صدورها عنه وصدوره هو عنها، وعن نواتها أو نطفتها المبهمة والفاهرة. ويبقى حضور ياسر مروة، ولو على وجه المتمرن والمحرتق والمختبر والمنسق، على وحدة البؤرة واجتماعها. والبؤرة "أمر متوهم"، ولا قوام أو حقيقة له من نفسه. فهو ما يتحصل من التقاء الاشعة أو الخطوط أو الطرق أو المنازع أو العزائم، وما شابه. وكان انطونان أرتو ذهب، وهو يدري معنى قوله ومذهبه، الى ان صاحب أنا، أو أنا التي يزعمها قائلها إنما هي "مفترق (أو ملتقى) أشياء فريد" (لا يُرجع فيه الى ما قبله).  
 وحال أنا هذه، أي ائتلافها من التقاء "الاشياء" وافتراقها، تدعو "صاحبها"، وصاحبها هو استعارة وكثرة، الى استئناف التأليف والاستعارة، والعودة على بدئهما، المستأنف بدوره لا إلى أول. فالجالس الى رواية سيرته، شأن صاحبنا، أو أصحابنا الثلاثة، ومباشر سيرته من غير أن يدري سيرة من هذه الى ان يحين أجله، شأن سواد الخلق، مدعو الى السؤال عمن يكون، وعمَّ يصنع بحوادث ترجمته ووقائعها وأخبارها وآثارها وندوبها. والحق أن الامر ليس من البدائه (أو بدهياً)، ولا هو مقضي من تلقاء نفسه أو تلقاء صدقه وبكارة أحاسيسه ومشاعره الطافحة. والثلاثة، أصحاب "امتطي غيمة" على مقادير متفاوتة ربما، بدوا في ثلث الساعة الاول من العرض معولين على البديهة وصدق الاحاسيس ومفارقات القول وتداعياته. وهذه من فن "المونولوجيست" وارتجاله الساعي في القفشة التي تذهب رسماً، ويركن إليها التجريب السائر وحكمته المتناقلة والمتضاربة.
 وعلى هذا النحو يروي ياسر مروة جزءاً من طفولته البيتية والمدرسية. ولا يدفع التجهيز أو التخريج، وتوزيعه وسائط القص ومصادره وتوقيعه إياها الانقياد الى سهولة الذاكرة وخلبها "العاطفي". فيري الفيديو الجمهورَ وقتاً طويلاً قياساً على محل المروي من السيرة وعمله فيها، شجرة الاسرة، وعينة من سجل الولد المدرسي والمسلكي. فيخشى المشاهد، لبعض الوقت، أن تبهر الورقة القديمة، وحروف الكتابة المليئة والمترددة، وإنشاء السيدة فاخوري المعلمة، تذكر ياسر وتستبقيه مائلاً على صفحة غديره الراكد، محدقاً في صورته.

 وهذا ما لم يدم. فنفض صاحب السيرة عن سيرته وحوادثها المصبَّرة نازعها الى الصمدة النرجسية، والهدهدة الآسية. وخاض في دوامة الاختبارات المتقاسمة والجارحة، المترددة بين حد الانكفاء الأليم والعقيم على النفس وبين التبدد في عام " سياسي" وحكائي خارجي. فألبسَ الجسد المهشم والمصاب حلة رواية ساخرة، قربتها دقتها الوصفية وفجاجة لغتها من قتامة (حوادث) المتفرقات وبابها، وأدرجتها ملحميتها غير المظفرة في زمن متمطٍّ الى يوم آتٍ يليه يوم آت... 

إسلام الشرع وإسلام الدولة دعوى الإحياء وحربها على «التنظيم»

 المستقبل - 2/6/2013

1- إسلاما الحداثة
أول الإصلاح
في الثالث من تشرين الثاني أبلغ السلطان عبد المجيد الأول سفراء «ممالك» أوروبا في الآستانة ترجمة رسمية عن خط شريف، أو إرادة سلطانية تتمتع حكماً بقوة القانون، عرف بخط كولخانة. ونص الخط على اجراءات تناولت أبواب: ) ضمانات أمن الرعايا على «حياتهم وكرامتهم وأموالهم»، ) إقرار نهج ثابت في احتساب الضرائب وجبايتها، ) انتظام تعبئة الجند وخدمتهم العسكرية ومدة هذه الخدمة. ويسوغ الخط الشريف الإجراء القانوني الموعود بتأملات أو خواطر فلسفية وشخصية، أسلوباً وإنشاء، في مكانة الحياة والكرامة والشرف من خيرات الخلق وعطاياه. ويعلل «العنف» الذي قد يلجأ إليه المرء أو «الإنسان» (رعية الحاكم)، البعيد بطبعه عن العنف، والاذى الذي قد يتعمد إنزاله بـ»الحكومة»، أو الدولة، وبالبلد، أو الوطن، يعللهما بانتهاك حياته وكرامته أو امنه وسلامته. فالخواطر الشخصية والفلسفية تقود إلى السياسة والحكومة من غير إبطاء.
ويقارن السلطان، أو كبار حاشيته وكتّاب خطه، «الإنسان» هذا في حال أمنه على حياته «أمناً تاماً». فيذهب إلى ان (الإنسان) المطمئن إلى حصانة أمنه وماله لن ينحرف عن سبيل الولاء (للدولة) ولن يألو جهداً في التعاون على ما فيه خير الحكومة و»إخوته». ويعذر السلطان من يصمون آذانهم من الرعايا عن سماع صوت الحاكم (« الأمير») و»الوطن»، وهما واحد، وينفضون اليد من الإسهام في «الخير العام»، بانشغالهم بشؤونهم الخاصة وقلقهم جراء ما يتهددها من انتهاك. ويعارض حال المهموم بخاصِّه، والقَلِق على ماله وحياته، بحال «المواطن» الواثق والمطمئن إلى امن ما يملك «من كل نوع». فيرى أن الأمن يبعث صاحبه على توسيع دائرة «متعه وملذاته» وتلبية حاجاته المتكاثرة، ويحس في صدره تعاظم حبه «للأمير والوطن»، وإخلاصه لبلده، على ما تتوقع نظرية «اليد غير المرئية» الليبرالية البريطانية، من تضافر افعال الافراد على استقرار اسعار السوق العامة على احسن حال. وهذه المشاعر هي جذوة أفعال تستحق المديح والثناء، على ما ذهب اليه كذلك آدم سميث في كتابه الآخر، «نظرية المشاعر الأخلاقية»، الذي أجمع على الثناء عليه أمارتيا سن ووِن جياباو، رئيس الحكومة الصينية لأسابيع خلت.
وأما الضرائب والرسوم فلا غنى للدولة، القائمة بالدفاع عن أراضيها والملزمة به وبـ»خدمات أخرى» عن جبايتها من «رعاياها». ومنذ اليوم، على كل «عضو (فرد) في المجتمع العثماني» أن يؤدي حصته من الضرائب والرسوم المحتسبة على مقدار ماله وطاقته، على ألا تتجاوز الجباية أبداً المقدار المعلوم. ويقتضي الأمر أن تحدد قوانين خاصة «نفقات جيوشنا براً وبحراً»، وأن تنص على عديد الرجال من كل ناحية وبلد، وعلى تقييد الخدمة العسكرية بـ أو أعوام. وعملاً بالقوانين الجديدة، ولا قوة للسلطنة ولا موارد ولا سعادة ولا طمأنينة إلا بها، ينبغي منذ اليوم مقاضاة المظنون علناً، وبحسب «الشريعة الالهية»، بعد التحقيق والفحص. وما لم يصدر حكم «نظامي» مستوفي الشروط القانونية، لا يحق لأحد، في السر والعلن، أن ينزل الموت في احد بالسم أو بوسيلة أخرى. ولا يحق لأحد ان ينال من كرامة أحد «كائناً من كان». وفي وسع الواحد الاطمئنان إلى كل ما يملك، والتصرف به حراً وعلى نحو ما يشاء، من غير ان يعترضه معترض. فلا يحرم ورثة مجرم من حقوقهم المشروعة في الإرث، ولا يصادر مال المجرم. وتشمل «الإنعامات السلطانية»، على معنى نزول السلطان على ما هو حق ثابت له ولمرتبته، «عموم الرعايا»، ولا يستثنى منها أهل دين أو فرقة، على ما نصت «شريعتنا المقدسة». وغاية هذه «التنظيمات» هي «إحياء الدين والحكومة والأمة والسلطنة». وقرينة على ذلك تودع في حجرة كسوة النبي الشريفة، ويحضر العلماء والأعيان. ويحظر الإتجار بالحظوة والوظائف والولايات، وهو ما تنهى عنه الشريعة الالهية، وهو (الإتجار) من اعظم الأسباب في «انحطاط السلطنة».
الخصوصي والعمومي
ولا يحتاج قارئ الخط أو المرسوم العتيد إلى قراءة بين السطور، أو خلفها ووراءها، ليفهم من غير إبهام أو غموض أن مدار الإجراءات والالتزامات، أو «الانعامات«، إنما هو على «تنظيم»، وليس على فكرة أو رأي يوجب المساواة بين الرعايا أو المواطنين، على ما جاء في المتن من غير تمييز أو حتى ترجيح. واللفظة أو الكلمة، «المساواة»، ليست في ديباجة الخط. واللفظة التي تحل محلها هي «العموم». ويقوم مقامها نفي الاستثناء من الإجراءات كلها: إحصان الحياة (الدماء) والممتلكات (الاموال)، وقلبه أو ترجمته، حقوقاً موجبة ومشروعة، على معنيي الشريعة الدينية وأحكامها، والحق الطبيعي (بحسب ما يخلص إليه النظر العقلاني في السياسة المدنية و»الحكومة» أو الدولة)، و) قوانينَ. والموجبات الجديدة، أو احكام التنظيم، وهي تتناول أمن المواطنين (- الرعايا)، على ترجح وتردد لا تنفك صيغة المرسوم فيهما، وحصانتهم من عدوان «الأمير» («ولي الأمر») والحكومة على دمائهم وأبدانهم وكرامتهم، وعلى أموالهم وممتلكاتهم، من طريق المصادرة أو من طريق الجباية. وتترتب المساواة على لجم تعدي السلطة، وتجاوزها حدها، وتقييدها بالقوانين والإقرار بالحقوق. ويبرر السلطان إنعاماته، ونزوله عن حقه في ولاية من غير قيد غير قيد العلماء والأعيان، أي الشريعة والأعراف، بتردي أحوال السلطنة وضعفها، قياساً على ما كانت عليه في زمن فتوحها، وبانحراف بعض رعاياها عن موالاتها، وقعودهم عن خدمتها والإسهام في رخائها. ويتقدم التعويلَ على تجدد القوة والولاء وتعاظم الموارد والجباية، من طريق المساواة وعمومية الحقوق والقوانين، تعليلُ الانحطاط والانكفاء بترك القرآن و»أحكامه العظيمة» و»قوانين السلطنة»، على ما جاء في مقدمة الخط. فالمساواة والعمومية هما (هي) مفتاح انقلاب أو تحويل عمل الفرد، الآمن على نفسه ومِلكه وداره ومعتقده، عوائد عمومية (قوة ورخاءً) على الأمير والحكومة والجماعة، بحسب الاعتقاد الليبرالي السائر. وهذا يشفّ عنه الإلماح الصريح إلى تضافر السعي الفردي في المنافع الخصوصية وثمراتها المشتركة والعامة. فيبلغ العمومي، أو قوة السلطنة ورخاءها، من طريق الخصوصي الآمن والمنصرف إلى تدبير «ملذاته» وطلب غاياته.
ويفترض انقلاب الخصوصي الفردي عمومياً سلطانياً أو حكومياً انفكاك الأفراد من الجماعات، أو الملل والشعوب (الأقوام)، وقيامهم بأنفسهم على شاكلة أصحاب حقوق: في الأمن (على حياتهم الحيوانية العضوية)، وعلى ممتلكاتهم وروابطهم وغاياتهم أو مقاصدهم ومصالحهم وملذاتهم، لقاء ولائهم للسلطان والسلطنة وأدائهم حصتهم العادلة من الضريبة على الثروة وعلى الدم. ويقر السلطان - من باب لا خفاء فيه ولا مواربة، ولكن من غير إلحاح ولا افراط في الادلال بإسلامه وبسند مملكته القرآني، من وجه، والعثماني التركي السلطاني، من وجه آخر. وتكاد هذه المترتبات على أصل المساواة أن تكون معلنة وصريحة، من غير الإسم.
المساواة السياسية والدهرية الفلسفية
وسبق لفقيه و»مؤرخ» مسلم ومصري، هو عبد الرحمن الجبرتي (-)، صاحب عجائب الآثار في التراجم والاخبار ومعاصر نهاية عصر المماليك عن يد بونابرت ومحمد علي باشا الارناؤوطي (الألباني)، أن علم بالمساواة وبلغته الفكرة واللفظة من طريق منشور بالعربية، وزعه على أهل ثغر الاسكندرية وفسطاط القاهرة حين رست مراكبه، في أيلول ، بميناء الأولى، وبلغ العاصمة وأهراماتها بعد أيام من نزوله بر مصر. وكتب بونابرت في منشوره، وهو يدعو المصريين إلى الخروج على حكامهم المماليك، انهم لا يدينون بالطاعة لأحد: «ان جميع الناس متساوون عند الله تعالى». واحتج لاعتقاد «الفرنساوية» المساواة، ولانتصارهم للمسلمين على دعاة حزبهم من «النصارى»، على قول المنشور، بتنويهه بنزولهم «في رومية الكبرى و(تخريبهم) كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصارى على محاربة الإسلام». ولم يتأخر رد الجبرتي على المنشور. فعقب عليه مكذباً دعوى المساواة: «هذا كذب وجهل وحماقة، كيف وقد فضل الله بعض (الناس) على بعض، وشهد بذلك أهل السموات والأرض». وهم طبقتان كبيرتان. ولم يبالِ المدونِّ المسلم بنسبة «التساوي» إلى «الله تعالى»، وليس إلى الطبائع أو إلى المدنية والتعاقد. وهو يعلل حربهم على رومية وحبرها بـ»(مخالفتهم) النصارى والمسلمين، ولم يتمسكوا من الأديان بدين. فتراهم دهرية، معطلون وللمعاد والحشر منكرون، وللنبوة والرسالة جاحدون». ويختم بنقض جامع على أصل جامع: «عقيدتهم تحكيم العقل وما تستحسنه النفوس بحسب الشهوات، لا يبالون بكشف العورات، يمسحون محل (الغائط) ولو بورقة مكتوبة، ويطأون ما تيسر من النساء، ويحلقون لحاهم وشواربهم معاً، ولا يخلعون نعالهم، ويتمخطون ويبصقون على الفراش».
فترتسم في مرآة المحاورة المتخيَّلة، والمستأنفة في أعقاب نحو قرنين مديدين من الزمن، بين مدرس علوم الدين برواق الجبرتية والمدوَّن الإخباري الأزهري المصري (-الصومالي) وبين السلطان عبد المجيد، خاقان البرين والبحرين، ووارث ممالك السلاجقة و»ملوك» بني العباس وبني أمية وخلفاء نبي الإسلام ترتسم قسمات إسلامين متباينين أو مختلفين ومتنازعين. وهذان الإسلامان، على وجه العموم والإجمال، هما إسلام «الامة» والجماعة والدين، إسلام الاختلاف والفَرْق والخروج والسنن وإسلام «الدولة» والسياسة والمشترك و»الدنيا». ولا يغفل، أو ينبغي ألا يَغفل الاختصارُ هذا، وتنميطه الجهتين والقطبين، عن استدخال الجهةِ الجهةَ الاخرى، وتشاركهما، في أوقات كثيرة، وعلى مقادير متفاوتة، أحوالاً متقاربة إذا لم تكن واحدة. ولكن التحفظ هذا لا يميِّع، على ما يقال، ولا ينبغي له أن يميِّع توجه الإسلاميين على وجهين أو منقلبين هما، في لغتنا المعاصرة، منقلب المجتمع ومنقلب الدولة، وما بينهما من فرق واشتراك.
فتلهج المقالة الجبرتية، العامية الشعبية و«التحتية»، بما لن تنفك دعوات الدعاة المسلمين «الإسلاميين» (على معنى أبي موسى الأشعري، أي أصحاب المقالات والنظر والكلام) عن التنديد به والرد عليه ونقضه، وإبراز الخلاف فيه بين الإسلام وبين عقائد غير المسلمين من «الفرنسيس» وغيرهم من أمم الفرنج. ويحمل شيخ علوم الدين الازهري الاخباري الفرق والخلاف على كل شيء: على ترتيب صورة الخلق والمفاضلة بين مراتبه، وعلى خلق العالم وقدمه أو حدوثه، والعقل والنقل، والاباحة والنهي، والأخلاق والأعراف، ورسوم الاجتماع والسنن والعادات، وعلى أحكام الفقه في أبواب الطهارة والنجاسة والنكاح والوطء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... إلى أبواب أخرى مضمرة أوكل الحكم فيها إلى أعراف متعارفة ولا تحتاج إلى نص وتخصيص.
سلسلة الإحيائيين: إغفال الدولة ومفاجأة الحكم
فالفرق والخلاف، على هذا، يؤذنان بما تسميه رطانة العصر «صدام حضارات» أو «حرب حضارات». وهما يحملان حملاً على خطابة إنكار وطعن وثلب لا توسط فيها ولا هوادة. وذرية هذه الخطابة، إلى يومنا، هي قمم الإحياء الإسلامي، على ما يسمى ويقال فيه. وحلقاته المتصلة تبدو متماسكة: من «رد» السيد (جمال الدين الافغاني «على الدهرية»)، وتوحيده التنويرَ والثورة السياسية والمساواة الديموقراطية في «الدهرية» العقلانية الآيلة إلى وهن الأمم العلمانية وانكسارها أمام الأمم «المتدينة»؛ ومن بعثِ الشيخ حسن البنا الأمر بالمعروف وعلى الخصوص النهي عن المنكر البريطاني والغربي وفشوه في المستعمرة المصرية ومدن قنالها، على طريق تجديد صبغ المجتمع بصبغة الإسلام (الأسلمة) الاجتماعية واستئناف رسو مجتمعات المسلمين وبلادهم و»الأمة» على أركان الدعوة وأحكامها في العقائد أو المعاملات؛ إلى تصوير شكيب ارسلان «تأخر» المسلمين عن الغرب وتوهمهم ان الإسلام هو السبب في تأخرهم، في صورة «موتهم» وتبددهم عن وجه الأرض؛ وإلى تبديع سيد قطب، على خطى استاذه المودودي الباكستاني، جاهلية التشريع العقلي الطبيعي والوضعي ودهريته الدنيوية والزمنية التي تحل محل المقاصد الالهية غايات بشرية وضيعة ومنحلة؛ ونبذِ روح الله خميني من الإسلام وتاريخ المسلمين آثار «المُلك» و»عبادة الاصنام« وتحكيم المسلمين إراداتهم ورأيهم في «الشأن العظيم» أو الإمامة، وهذه الآثار هي معظم هذا التاريخ على ما يرى فقيه قم، وحلِّه العبادة والدين في سياسة الدولة أو السلطنة وإمامهاوحربها على «الطاغوت»؛ واستنفار علي شرعتي روح الثورة الكامنة على الاستعمار والجبرية والظلم وأغلالها، وتوحيد كل تاريخ غير تاريخ الثورات والخروج في الظلم الصريح ومهادنته؛ وإصلاء أسامة بن لادن «الصليبيين واليهود»، وصنائعهم الغالبين على العالم الحديث والمعاصر، جهاداً مدمراً ومُثْخناً في الأرض...
وجمعُ هؤلاء، ومريديهم وفِرَق المريد والمجتهدين، في باب واحد أو حلقات سلسة متصلة لا يخلو من التعسف والغرض. وبعض هؤلاء قاتل بعضهم بعضاً، وخالف واحدهم معظمهم، وبعضهم ربما لم يبالِ بالآخرين، ولم يَعْنِه ولا أهمَّه ما قالوا ولا الرد عليهم. وهذا وغيره مثله صحيح، ولكنه لا يَنقض علة الجمع التي مرت، وسوغت تسويغاً خطابياً نسبتهم أو جمعهم على نسب واحد يصلهم، على سبيل القص «العائلي» وليس النوعي (على قول فيتغينشتاين)، بمدرس علوم الدين المصري الأزهري ومعاصر الحملة الفرنسية على مصر واستيلاء محمد علي باشا على مصر. فالقاسم المشترك والمتصل بين هؤلاء جميعاً وأمثالهم هو حملهم الإسلام على دين دعوة عامة وكلية تنفي ما عداها وينفيها ما عداها، ولا تشترك مع ما ومن عداها في عموم أو عمومية جامعة. فالحرب هي ميزان العلاقة الوحيد بالدهريين والعقلانيين والإباحيين الشهوانيين. و»الإصلاح» الوحيد المعقول، والحال هذه، وعلى افتراض معنى للكلمة، هو الثبات والرسوخ في الإسلام وفضله، وفي خلافه مع «الديانات» أو المذاهب والعقائد غير الإسلامية. فالإسلام هو نفسه، ولا يجوز أن يبعَّض (أبعاضاً وأجزاءً) ولا أن يقارن بغيره، ولا أن يقاس عليه. والإحياء من داخل هو التجدد الذي يغرف من معين الأصل، ويطرح الدخيل والهجين. ومقالات الدعاة هؤلاء وخطابتهم، في معظمها، هي مقالات جَرح، على قول علماء الحديث والرجال المحِّدثين، وتجوير وتبديع وتفريق وحرابة، مادية أو معنوية.
ولا صورة في مقالات الدعاة «للدولة»، أو للسلطة، ولا لمجتمع الجماعات والأقوام والطبقات، ولا لعلاقة هذا بتلك ونزاعهما وتعالقهما. والسكوت عن المسألة السياسية، على معنى نظام إعمال السلطة في الاجتماع وتصريف القوة والأمر فيه، وفي التأليف بين جماعاته وحدود الإعمال وسبل تقييده وموازنته، السكوت هذا من خصائص الدعاة وفرقهم وأحزابهم وجمعياتهم. وانقلابهم من الدعوة إلى الحكم، أو من المعارضة إلى الحكومة، على ما يحصل تحت أنظارنا اليوم، وعلى ما حصل قبل ثلاثة عقود وبعض العقد في إيران، يباغت (وباغت) حركات الدعاة وفرقهم، ويمتحن (وامتحن) مزاعمهم الإسلامية في قيام الأمة بنفسها وبوحدتها من غير حاجة إلى هيئات منفصلة ومقيدة ومركبة. ويفاقم نتائج السكوت السالبة أن الأمم والشعوب والأقوام التي توصف بالإسلامية، وتُدرج في كيان مثالي وحضاري واحد، من جماعات وأقوام وبلاد وطبقات اجتماعية مؤتلفة أو مركبة ومصالح متنازعة. وغالباً ما حُكمت الأمم والشعوب والأقوام هذه في إطار امبراطوريات أو سلطنات ائتلافية (كونفيديرالية) أو اتحادية (فيديرالية) قيَّد استقلال جماعاتها الأهلية والعصبية الذاتي سلطة «المركز»، و»أهل» المركز الغالبين، وحدَّه ووازنه وردعه. فالسكوت عن المسألة السياسية في صورة الدولة أو «الامبراطورية» السلطنة المركبة، الكونفيديرالية أو الفيديرالية، بذريعة حل الجماعات والأقوام والمذاهب و»الأعمال» في فكرة الإسلام ورسومه التاريخية الموروثة، يوقع فرق الدعاة المستولية، حين خروجها من مقالات التجريح والتبديع ومغادرتها الاحتجاج والإنكار العاميين والكليين، في أحوال خُلف أو تناقض لا تحصى. فتباشر السلطةَ والحكومةَ على شاكلة أفعال قوة وأمر واقع فظة وتحمل انتدابها أو انتخابها الجزئي والظرفي والمقيد على تكليف وتوكيل مطلقين. وتنسب الفروق والخلافات والتباينات إلى عقائد و»ديانات» أهلية ومتحاربة، والى خارج متربص وعدواني.
والحق ان الدعاة وفرقهم وأنصارهم، على شاكلة عبد الرحمن الجبرتي (القصصي والمجازي) لا يصدرون عن «أعيان»، أي عن مصالح متعينة، ومسؤوليات أو تبعات معروفة أو مقدرة، ولا عن وسائل وآلات وقوى متاحة. فهم، على ما يقولون في أنفسهم، لسان حال كيان مثالي (متخيل) منكفئ على عاداته وسننه ومعاييره ومراتبه. وهم يعولون على تجدد الداخل وانبعاثه التلقائي على صورته الحرفية والدعاوية، وينيطون التجدد والانبعاث، والقوة القاهرة والموعودة ثمرتهما، بالاستماتة المعنوية والمادية في إنكار السياسة. فهم إما يحلونها في ثلب النساء الحاسرات، والنعي على «كشف العورات» والوجوه والأجساد، والطعن على «حلق اللحى والشوارب معاً»، وفي الفتوى باستحسان قسر المرأة على مضاجعة زوجها شرعاً، وبجواز إرضاع الكبير والزواج العرفي والمتعة من الصغيرة والكبيرة، والتنديد بالسخرية والضحك... أو يحلونها في القوة الماحقة، وخدمتها التمكين والسلطان إلى قيام الساعة. فالوجهان يحيلان جهاز الدعاة إلى نقابة مقاومة حِرَفية تختص شعبة منها بأحكام ما سماه خميني «فقه الحيض والنفاس»، وتختص الثانية بالقنبلة الذرية كناية عن سلطان الحياة والموت. فإحياء إسلام أحكام العبادات و»الأحوال الشخصية» وأحوال المرأة على الخصوص، وبعض المعاملات الفارقة مثل الفائدة والحسم على الودائع والاستثمارات والاستعمال، يقود إلى نصب هذا الإسلام علماً على الرابطة أو اللحمة التي تتماسك بها جماعة المسلمين السياسية أو أمتهم الواحدة، على قولهم. وتنديد روح الله خميني باقتصار بعض فقهاء الإمامية على أحكام «فقه الحيض والنفاس» ودعوته فقهاء المسلمين إلى القتال والموت في سبيل الإمامة والولاية على الناس وانتزاع السلطة من أيدي «الطاغوت» غير المسلم، لا يخرجه من باب هؤلاء الفقهاء، ولا يدخله في باب سياسة الدولة. وهو لم يستقر، ورهطه، على رأس الدولة الايرانية إلا من طريق الحرب الأهلية البوليسية، والحرب الخارجية الإقليمية والدولية، والنفخ في النزاعات المذهبية الباردة أو الحارة داخل إيران وخارجها. و»جمعيات» الإخوانيين في تونس ومصر وليبيا، في انتظار السودان واليمن وسوريا وغيرها ربما، قرينة متجددة على الإسلام النقابي في شقيه، الشرعي والسياسي.
ـ موجبات «التنظيم»
الإصلاح الثاني
وبينما مضت الدعوات الاحيائية، الفكرية والحزبية والعسكرية (الجهادية) المتفرعة عنها، على تعبئتها وتجريحها ونقابيتها الشرعية ومرتبيتها، تدرجت السياسات التنظيمية على طريق التوسع في تناول المسائل الإدارية والمالية والعسكرية والقانونية التي تعترض إجماع الرعايا على رابطة عثمانية، سلطانية وأهلية وأسرية وشعبية، على قول غيب وبوون مؤرخَّيْ السلطنة، يشتركون فيها سواسية. والتفكير السياسي التنظيمي مداره ومبناه على دوام الدولة وتماسكها وقوتها، وعلى مكانتها في بيئة دول. وهو لا يسعه الاستغراق في الإنكار والجرح، ولا في نشدان التحام الرعية (المركبة) على شريعة العلماء وأحكام فقههم، إذا شاء دوام الدولة، ومعالجة أزماتها، سلطةً حاكمة وجماعات محكومين. وبسطت التنظيمات السياسية (والمالية والعسكرية والقانونية) اللاحقة ما كان بعضه مضمراً في الخط الإصلاحي الأول. فتناول خط شباط على وجه التفصيل والتعيين ما بقي مجملاً في سابقه. فسمى في بنده الأول، من بنداً، ما عناه بالمساواة قبل عاماً: المساواة بين رعايا السلطنة، على اختلاف طبقاتهم ( أي مكاناتهم وأعراقهم) ومللهم، في الأمن على أنفسهم وممتلكاتهم وكرامتهم.
وجدد البند الثاني تعهد السلطان ضمان أسلافه حقوق الملل أو الطوائف «النصرانية» وغير المسيحية المقيمة «في سلطنتنا». وتناول الحقوق في انتخاب البطاركة والمتروبوليت والوكلاء والاساقفة، والاعتراف ببراءات التعيين والتثبيت، وإدارة الاملاك، وحرية بناء «اماكن العبادة» والمدارس والمستشفيات والجبانات وترميمها. ويتصدى البند السابع، من غير مواربة، إلى مسألة تمييز الطبقات والملل والأعراف واللغات، بعضها من بعض، وترتيبها على مراتب متفاوتة في اثناء الاحتفالات العامة والمراسم والتعيينات الإدارية، فيصرح بحظرها. ويخلص إلى إباحة حرية الاديان والشعائر، ومنع الإكراه على تغيير الدين، فإلى إلغاء التمييز في التعليم المدني والعسكري. ويسوي البند بين المسلمين والمسيحيين وغير المسلمين عموماً في الضريبة والولايات (الوظائف)، ويبني المساواة في الولايات والتجنيد على المساواة في الضريبة. ويعد البند الأخير بتقويم سبل جباية الضرائب، ويخص الفردة (على الرأس) بالتنويه، وبإحلال الجباية المباشرة محل الالتزام في مرافق الدولة كلها.
عود الرأي العام على الدولة
وبعد عامين، صدر قانون الطابو أو الملكية العقارية والزراعية العثماني. ولابست تطبيقه مظالم كثيرة. ولكنه أقر عدداً كبيراً من المزارعين الشركاء والفلاحين على مِلكهم أرضهم، واستثمارها آمنين، وتوريثهم أولادهم ما تملكوه. وأسهم في احتساب الضريبة على الأرض على معايير معروفة ومعلنة. وولدت الإدارة الجديدة في غضون عقد واحد من السنين () معارضتها الإصلاحية و»نواة العثمانيين الجدد» و»الأفكار العمومية»، على ما سمى أصحاب نامق كمال الرأي العام الوليد. فكتب الأمير مصطفى فاضل باشا، أخو الخديوي المصري اسماعيل وأحد أعيان استانبول والسلطنة، من باريس كتاباً إلى السلطان عبد العزيز والى نابليون الثالث، نشرته صحيفة «ليبرتيه». والأمير كتب كتابه باسم أصحاب نامق كمال. فانتقد التنظيمات متذرعاً برغبته في «مداواة» الدولة من عللها. ورأى ان انتفاضات الشعوب المسيحية في البلدان التي فتحها العثمانيون على السلطنة هي من عمل أعداء الخارج في المرتبة الأولى. ولكنها، من وجه آخر، «عَرَض حال عامة» تصيب شعوب السلطنة وأقوامها من «كل عرق ودين». وتبعة الاستبداد والجهل والفقر والفساد يتحملها «نظام حكم» يفتقر اليوم إلى ما ربما سوغه بالأمس. وأوروبا تخطئ الظن والتقدير حين تحسب ان المسيحيين وحدهم يسامون الخضوع والتعسف والإذلال والألم في تركيا. فالمسلمون يُصادَرون وتلوى رقابهم فوق ما يُصنع بغير المحمديين. وتمنعهم كبرياؤهم، وتعظيمهم العرش، واشتراكهم مع أسرة السلطان في دم واحد، وإسلامهم، من الثورة. وحكمهم بسنة بلاد الفتوح يكسر شوكتهم، ويميت عزة نفوسهم، ويدعو الموظفين إلى الاستقلال بدوائر نفوذهم وولاياتهم و«أكلها». ولا يسع السلطان العلم بما يفعله ولاة السؤ في المواطنين لأن تركيا تفتقر إلى «أفكار عمومية»، والموظفين لا يدينون بالمسؤولية لا للرأي العام ولا للسلطان. وتتمتع طبقة المستبدين ، في ملل السلطنة كلها، بسلطة لا قيد لها، مثالها السلطة التي يتمتع بها السلطان. والرعايا المحكومون يحط بهم الاستبداد إلى ادنى درجات الفساد الأخلاقي والجبن والانهيار المعنوي والروحي. فلا يبالون بجهلهم ولا بحقوقهم. وتشكو خزينة السلطان الضمور لأن الضريبة تجبى من اعنف الطرق، والسكان لا يعملون، وهم غارقون في الجهل والفقر. وعلى خلاف مزاعم أوروبا في تسليم «عرقنا وديننا»، وقدريتهما، النظام السياسي هو السبب الأول في انصرافنا عن مباشرة الصناعة والانتاج والاستثمار. فالحرية وحدها هي الأرض التي تثمر فيها الصناعات والفنون والعلوم. والدستور الذي ينص على المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين المسلمين والمسيحيين ويقيد الاستبداد هو ضمان هذه الحرية، ورادع دول أوروبا عن التدخل في شؤوننا...
وعلى رغم انتقاد الكِتاب «التنظيمات» انتقاداً مزدوجاً: - فهي لم تف بوعودها (في) الإصلاح وتقييد يد السلطان المطلقة، وعممت الفساد على الموظفين والجهاز التنفيذي وصغار الأعيان المحليين (وهذا ما سماه برنارد لويس «طبقة الملتزمين») فهو يستلهم روحَ «التنظيمات»، إذا جازت العبارة، ونازعها إلى محاسبة الوقائع السياسية والاجتماعية والعسكرية في ضوء مقدماتها وإيظافها ونتائجها، وليس في ضوء ماهياتها المفترضة وخروجها عليها. فينعي عليها انحرافها الفادح عن المساواة، وتعميقها التفاوت بين طبقتي المتنفذين والمنقادين في الجماعات والأقوام العثمانية كلها. ويحملها التبعة عن تخلي العامة و»طبقة» المحكومين عن تقييد المتنفذين والطفيليين الجدد بواسطة الرأي العام، وعن عزوفها هي عن حلفها، حلف «الأمير»، مع العامة، وإعماله في ضبط الكبراء ولجم ميولهم إلى الاستقلال بعصبياتهم ومصالحهم والثورة على الدولة «المشتركة» وتجزئتها. والدستور هو شرعة عمل هذا البنيان المعقد الذي يحاكي تعقيد الأبنية الاجتماعية الفعلية. ولا تستقيم حكومة أو إدارة سياسية إذا هي لم تحتسب كثرة المصادر والمصالح والمقاصد، واختلافها ومنازعاتها، وإذا هي لم تحرص على موازنتها بعضها ببعض، وحملها على الرضا بالتحكيم في خلافاتها، ودمجها كلها ما أمكن في مؤسسات الدولة وهيئاتها، من غير إبطال واحدة الاخرى باسم معيار يعلو العقد الدستوري ويفوقه قوة نفاذ وترجيح.
وإرادة خير الدين التونسي (-)، المملوك المولى و»الجنرال» والوزير الأول (بتونس) والصدر الأعظم (باستانبول)، استلهامَ الشورى والمشورة والخلافة الراشدة وطلبها إلى الرعية تقويم تدبير الخلافة ولو بالسيف والسيرَ على هدي الفقه «السياسي- الديني» في الإمامة، على قوله، لم تحل هذه الارادة بين رجل الدولة والسياسة المسلم وبين الاحتجاج القوي لتقييد سلطان «الإمام» بما يحار خير الدين في تسميته: «تنظيمات» وهيئات ومجالس و»معارضة» حكيمة وأهل مشورة متنورين وصحافة... فهؤلاء كلهم، وهذه كلها، يقصد بهم وبها إخراج قوة الأمر، ومن يتولونها ويتصرفون بها، من استبداد الواحد الخاص والمطلق اليد فيها إلى نظام مركب يُلزم وليَّ الأمر، فرداً أو طبقة من الناس، باقتسام النظر في الشؤون والمصالح العامة والمشتركة، وبتها، ومراقبة سياستها وتدبيرها وعوائدها وأداء الحساب عن أعمال الحكومة. وعلى هذا، فمسألة السياسة إجرائية، على رغم جوهرية قضية العدالة. وموضوع «التنظيمات»، أو الهيئات التمثيلية والرقابية والمشاركة والمبطلة، هو إرساء اقتسام قوة الأمر، على وجوهه ومراحله، على الإلزام. ومفارقة هذا الإلزام هي أنه يصدر عن تعاقد أو تعاهد هو الدستور. وبموجب الدستور، وإلزامه، يسع «عبداً أجدع»، على كناية تنسب إلى الحديث ويؤوَّلها المولى السابق عبودية للأهواء والجهل، ولاية السلطة ووراثتها وتوريثها. فالدستور وتقسيمه السلطة ومصدرها على العموم، هو علاج الاستبداد وتعسفه، ودواء المصادفة وعماها وخبطها. والإسلام، في معرض احتجاج التونسي لقسمة السلطة وإرسائها على ركني الايجاب والقيد عليه، يدعو رجل الدولة إلى تسويغ تقسيم السلطة وإبطال وحدانية ولايتها. فهو من موارد الإلزام بالعقد الدستوري ودواعيه، على نحو ما هو مصدر من مصادر المثالات التاريخية التي يحمل ألقُها على طلب الاقتداء بها واستلهامها. وفي الحالين، لا يطلب صاحب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك () من الإسلام، وتاريخه، وتراثه، أحكاماً بعينها أو مضامين تتعدى المعاني الأخلاقية وتحسين المثالات المقترحة على من يدينون بالإسلام.
ويندرج رجل الدولة التونسي، والعثماني من قبل وبعد، في السياقة «التنظيمية» الإصلاحية من وجوه جلية وبيّنة لعل أبرزها حمل السياسة على تدبير السلطة وآثارها في بنيان الدولة، وعلاقات جماعاتها وطبقاتها بعضها ببعض، وفي مواردها واقتسام هذه الموارد وتجديدها. وهو يتصل بالتراث المحدث والقريب، ويمهد لحلقات آتية ووشيكة، الدستور العثماني الأول (في ) أعلاها مكانة. وتنص مواد إساسية في الدستور على خلافة السلطان، وتنسب ولايته إلى العناية الالهية وتحوط شخصه بها وترفعه فوق مرتبة العالمين. وهذه عودة على «لاهوت» سياسي تخفف منها الإسلام السياسي، التنظيمي والإصلاحي، ولم تعرفه المقالات المعروفة والرائجة في «فن» الحكم وتسييره. ولكن الدستور العثماني الأول، وهو اقتصر عمره على شهراً ونصف الشهر، استأنف في فذلكته، أو الكتاب الذي كلف السلطان بموجبه مدحت باشا، الصدر الأعظم، نشر الدستور، وفي عدد من مواده نهجَ التنظيم. فأقر بضعف السلطنة وأفولها، ونفى مسؤولية الخارج عن الأفول وأقر بمسؤولية فساد السياسة وخسارة ثقة الرعية، عنه. وجدد تعهد أمن الرعايا على أنفسهم وممتلكاتهم وكرامتهم، ورفعها إلى مرتبة الحقوق، شأن مساواة الملل والجماعات في العدالة والحرية وحصانة مصالحها. ومدح التنظيمات التي باشرها السلطان عبد المجيد، والد السلطان الخليفة عبد الحميد، ونصب والده راعياً للدستور، وملهماً له. وأرسى «القانون العام»، وهو اسم السياسة الجديد، على «نظام شوروي ودستوري» يقتضي، بدوره، انشاء برلمان. وعهد إلى البرلمان، والدستور في عهدته، بالسهر على تقسيم السلطات، ومساواة العثمانيين السياسية والمدنية أمام القانون، ومراقبة الوزراء والولاة (الموظفين)، وحفظ استقلال القضاء، والسعي في توازن المالية العامة، وتحقيق اللامركزية الإدارية في الولايات من غير التفريط بقوة قرار الحكومة المركزية.
ذرية «التنظيمات»
والدستور العثماني الأول ليس خاتمة مطاف الإسلام السياسي أو إسلام التنظيمات وحركته. فهو حلقة من حلقات بداياته. والحركة التنظيمية لم تستمر وحسب، بل كانت محرك قوى سياسية فاعلة، بعضها تولى قيادة دول وطنية في ظروف اختلفت اختلافاً عميقاً عن تلك التي شهدت خطوات «التنظيمات» الأولى، وبعضها أسهم، في صفوف الحركات السياسية الاستقلالية ثم في إطار الحياة البرلمانية والوطنية اللاحقة، في اقتراح أو إقرار إجراءات إصلاحية في ميادين متفرقة. وقد تكون حركة الإتحاديين العثمانية وليدة الحركة التنظيمية الأقرب والأقوى نسباً بها. والحركة الدستورية الإيرانية نسبت نفسها إليها. والحركة الكمالية الأتاتوركية تتحدر من الحركة التنظيمية السياسية. وترددت اصداؤها القوية في سياسة رضا ميرزا (بهلوي)، ومحمد مصدق. وأثرت أثراً عميقاً في القادة السياسيين، العرب والمسلمين، الذين سعوا في بناء دول وطنية متماسكة مثل سعد زغلول وجمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة، وغيرهم، قبل أن تذرر رياح التوسع والنزعات الامبراطورية أو السلطانية بنيان دولهم. وعلى حين اخفقت تيارات إسلام الدعوة والشرع والهوية، في السلطنة نفسها ثم تركيا وفي ولايات السلطنة السابقة بعد استقلالها، في انشاء كيانات سياسية، أو في مد هذه الكيانات، حين نشأتها أو بعدها، بحركات سياسية داخلية فاعلة أدت دوراً في إغناء هذه الكيانات، أخفقت حركات إسلام الدعوة والشرع والهوية في ما ندبت نفسها له: من مقاومة تسلط قوى استعمارية على بلادها إلى إصلاح الكيانات السياسية التي نشأت وتمكنت. وفي رأس ما أخفقت فيه هو إرساء معارضة فاعلة في قلب دول هذه الكيانات. وفي الأحوال كلها، مضى إسلام الدعوة وحركاته، وهي لم تلبث ان استولت على «الإسلام كله»، على تفريق مجتمعات المسلمين ودولهم، وترتيبهم على مرتبتين أو طبقتين من العسير جمعهما في كيان سياسي ووطني مشترك. وتولى إسلام الشرع التفريق أو الترتيب هذا. وتوسلت حركاته بالتفريق والترتيب إلى إرساء العلاقة أو الآصرة السياسية على هوية جوهرية توجب التكتل الجميعي ودمج وجوه الاجتماع في ترتيب واحد، كما توجب تقدم الكل على أجزائه، ونفي الشقاق والنزاع منه، وحلول هذا الكل في إنسان وإسم ووجه ينهض علماً على الجماعة وانتخابها أو اصطفائها ويترأس «دولتها».
أهل الدعوة
فإسلام الدعوة والهوية المعاصر مرتبي ونخبوي، من وجه، يرتب جماعات المجتمع الوطني على مراتب يتصدرها، ويحكمه من وجه آخر نازع كلي أو كلياني إلى االإحاطة المعيارية بجهات الوجود الاجتماعي كلها. وهو يصدر عن فئات ودوائر اجتماعية ضعيفة (أهل الضعف، على تسمية عربية وإسلامية عباسية) وهامشية، فاقمت السيطرة الرأسمالية طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ضعفها وهامشيتها، وليس فقرها وحسب. فأحكام الشرع في الشعائر والعبادات و»الأحوال الشخصية» وأعراف الجماعة الأهلية، المهنية والمحلية والقرابية إلى المذهبية، الملتبسة التباساً حميماً ووثيقاً بأحكام الشعائر والعبادات، هي (معاً) معظم هويتها وشارات هذه الهوية. فيجمع «نقابيو» الإسلام الشرعي والعرفي، ومحترفو دعوته، رغبة أهل الضعف في ألا يُقهروا، على قول ميكيافيلي، إلى خوفهم الشديد من خسارة شارات اعتقادهم ومُسكتهم ولحمتهم واصطفائهم. وذلك تحت وطأة السيطرة الأوروبية، «الصليبية» أو النصرانية وقياساً على انخراط فئات محلية، بعضها من غير المسلمين وشطرها الآخر من الميسورين، في سيرورتي الارتقاء الاجتماعي والفتور الديني.
واضطلع حلف الدعاة المعممين والمتعلمين المتفقهين والمهنيين الجامعيين المهاجرين («المستلبين») مع عوام المهجرين والنازحين والمتساقطين من الأبنية الأهلية المضطربة والممتحنة، بمعارضة الدولة الوطنية والخليط الأهلي والاجتماعي الذي غلب عليها، وتسلط على مجتمعها، وغلب على أبنيته السياسية المحدثة والدستورية غلبة ثقيلة في معظم الأحيان. واتخذ الخليط الأهلي والاجتماعي الغالب من السيطرة الاجنبية متكأ وسنداً، على نحو ما توسلت السيطرة الاجنبية به إلى دوامها واستقرارها ولباسها حلة قانونية ومشروعة. ولم يسعَ الخليط الغالب في توسيع قاعدته الاجتماعية والسياسية، من طريق ضم الفئات العامية والمدينية المتعاظمة إلى أجهزة الحكم وليس الإدارة وحسب، وهو حسب أنه لا يحتاج إلى هذا التوسيع. فيممت الفئات العامية شطر الحركات «القومية»، والتيارات المنظمة والانقلابية. وتبددت دستورية الحركات السياسية الإصلاحية والوطنية التنظيمية في لغو حركي وذاتي لا يقل صورية وحَرْفية عن نظيره أو صنوه الإسلامي.
فاستقرت النزاعات السياسية والاجتماعية و»الثقافية» في المجتمعات والدول الوطنية العربية على الأركان المتخلخلة هذه: خليط أهلي واجتماعي حاكم في إطار أبنية دولة انتقلت السيطرة عليها، وعلى مجتمعها من حلف جماعات أو طبقات ريعية رقيقة إلى «جيوش» من الموظفين العاميين والريعيين يترجح تعريف تكتلها السياسي بين الإطار الأهلي وبين الفضاء القومي والّإقليمي الهلامي، وحلف «نقابيي» إسلام شرعي وعرفي وقومي مع عوام مهجّرين ومهاجرين ونازحين. واللحمة بين الجهتين المتشابكتين تتولاها «بنية جانبية جرّارة من الإداريين والعسكريين والتقنيين من كل «الاختصاصات»؛ وكتلة اجتماعية، قليلة نسبياً ومتنافرة أو مشرذمة، من الطبقات الوسطى المتصلة بعضها بالمبادلات العالمية ودوائرها ومنازعاتها، والمتعيش بعض آخر منها في الداخل على ركاكة أبنية التجهيز والتوزيع والربط وفوتها؛ وبعض ثالث على عوائد ملكية متآكلة، من غير روابط سياسية أو ثقافية متجددة وحيّة بين الأبعاض الثلاثة. وحال جموح منازعات هذه الكتل إلى الاستيلاء الأهلي الكامل، وضعف تجانسها الداخلي، إلى رجحان دور الريوع في بلورة مراتبها وعلاقاتها حالت هذه مجتمعةً دون المضي على جلاء بابي عمومية الحقوق المدنية والسياسية وإرساء السلطة على أصل التقسيم والتقييد. والبابان هما ركنا الدستور أو الدستورية.
مصادفة؟

ولا يريد الكاتب، وهو آل في نهاية مطاف مقالته إلى مسألة الدستورية، أن يصطنع العجب والسرور لغرابة «المصادفة» التي قادته إلى هذه المسألة، ووصلت خاتمة مقالته بمطلعها. فتحقق له وعنده، للقارئ الذي ربما رافقه، ان مراحل احتجاجه وبرهانه قادته، من تلقاء منطقها، إلى بؤرة الوقائع والحوادث الحارة ومُنعقد معانيها ودلالالتها. والحق أن المصادفة المزعومة لا يد لها في بلوغ مسألة الدستورية الراهنة. فالمسألة هذه هي التي أخذت بيد الكاتب وذهنه، ودعته إلى تعقب بعض علامات الطريق المفضية إليها منذ ابتدائها، ابتداء الطريق على وجه التقريب. فهذه الطريق رجعت من المطارحات المصرية على الدستور «الإخواني»، على ما يصفه بعضهم، وافتقار مواده الأساسية إلى صيغة العمومية التعاقدية والإجرائية، وخلوه من النص على قواعد العقد والأعيان التي يتناولها، وتمييزه مرتبة جماعات وهيئات من أخرى - وإخراج الإخوانيين أنفسهم من عموم المصريين ونصبهم جماعتهم أولياء على الدولة والمجتمع المصريين- رجعت الطريق من هذا إلى الأصول التنظيمية في أوائل الثلث الثاني من القرن التاسع عشر، والى الأصول الدعوية والشرعية والإسلامية في أواخر القرن الذي سبقه. وهي رجعت إلى الأصول المزدوجة هذه من خلاف الحركات السياسية التونسية على مسودة الدستور وافتقاره إلى النص على مرجعية حقوق الإنسان وكونيتها، وعلى إلحاح حركة النهضة الإخوانية في ألا تتقدم مرجعية الحقوق سلطة التشريعات التونسية، وسندها الإسلامي ضمناً. وحين عقد رئيس الوزراء التركي محمد رجب أردوغان، ركن حزب العدالة والتنمية الإخواني المنشأ، الاتفاق مع أوجلان على الإقرار بالجماعة الكردية والمواطنين الكرد جزءاً من الدولة التركية، ترتب على الإتفاق إجراء تعديلات دستورية تتناول تعريف مواطنة الدولة، والرجوع عن إذابة النص الأتاتوركي الأعراق كلها في العرق أو القوم التركي. ووصف المراقبون الأمر بـ«تغيير ضخم يطاول هوية الجمهورية التركية». ولا ريب في ان النص «الدستوري» الايراني على المذهب التشريعي، وعلى إسلامه ودمج الإسلام في المذهب، علامة قاطعة، على ما يبدو للكاتب، على دلالة المسألة الدستورية، ومسألة الدستورية، القاطعة، ومكانتها الحاسمة.

الأحد، 19 مايو 2013

تبديد السوريين وحركتهم في وجوه خارج متناسل


المستقبل، 12/5/2013
في عود على بدء أو تكرار تجيده عادة أجهزة الدعوة والتحريض في الانظمة المحاربة والأحزاب المناضلة، استقرت بعض المقالات التي تعقبت أحوال الحركة السورية على "دولة" الاسد على تشخيص مادي واجتماعي للحركة لم تنفع سنتان وبعض السنة، وحوادثها العاصفة، في تغييره. فالحركة، على ما ترى هذه المقالات، "حراك" في الريف الكردي والعشائري البلدي، و"أرياف" دمشق وحمص وحماة في الوسط. ويقتضي التبويب او التصنيف هذا استثناء مدن أو مدائن درعا وحمص وحماة، من غير تعليل مادي واجتماعي، ولا تعليل سياسي، ظرفي أو تاريخي أو بنيوي يرجع الى مسألة عامة عالقة، أو عامل ناجم عن عمل المؤسسات أو كبحها، ولا ينفك يغذي النزاع ويجدده. والسبب في اقتصار مسرح حركة الاحتجاج السورية والقيام على نظام راسخ منذ أقل من نصف قرن بقليل، على الارياف هو "تدهور الزراعة" جراء "ليبرالية" الاجراءات الاقتصادية منذ العام الثاني لولاية الاسد السلالي الثاني الى أواخر العقد الاول. والسبب في إمساك مدن مثل دمشق وحلب عن الانخراط في حركة الاحتجاج، فالانتفاضة على الحكم البيروقراطي والعشائري الريعي، هو كذلك "الاقتصاد"، على قول بعضهم ملمعاً إلماعاً لا يحتاج الى تعليل والى طول شرح.
أرياف
ومعنى "تدهور الزراعة" هو قدوم الحراك المسلح من الارياف، ودخوله على المدن الساكنة سكون الرضا، والمنقادة الى قيادة بشار الاسد والى طبقاتها الاجتماعية المسيطرة، طائعة ومختارة. وحمل "الحراك المسلح" على أرياف بعض المدن الكبيرة، دون نواتها المدينية الاصلية، يقصد به التنويه باصطناع الحركة، ونزولها على اهل المدن نزول عامل خارجي ومقحم عليها. ولا ريب في ان وصف أحوال الارياف السورية بـ"التدهور" دلالةً على فظاظة الواقعة، يناسب فظاظة الليبرالية "المتوحشة" ويكافئها. وبعض من يذهبون هذا المذهب يعللون "حوادث" حلب وحماه، على ما يقولون في حرب أهلية دابة ومتقطعة قبل ان تنقلب مجزرة أو مقتلة ارهابية جماعية، بحراك "فئات وسطى مدينية". وهؤلاء مقيمون على أمانتهم لمعالجة "اجتماعية" وطبقية لا تغني عن السياسي وحسب، بل في مستطاع صاحبها إعمالها في نقد السياسة، والتنبيه الى افتعالها وتخلفها وتأخرها، وذلك في مرآة السلاح الفلاحي أو الزراعي الناجم عن سبب كدر وغير صاف هو الريف. فكيف به إذا كان ريفاً متدهوراً، ومتحدراً من ليبرالية لا جدال في عكرها، زيتاً وماء؟ ومدينية "حوادث" حلب وحماه وجسر الشغور (ادلب) إذا كانت تعليلاً اجتماعياً وافياً لخروج بعض "الاخوان" على حافظ الاسد، فما هو تعليل عنف القمع وعنف الانتفاض؟ أم أن عنف القمع في غنى عن التعليل؟ ولو الاجتماعي "الطبقي"؟ إن في الامر لبساً، ولأمر ما جدع أنفه قصير (وهو غير القصير التي "حامت" عنها كتائب قاسم سليماني اللبنانية وقلبت السحر على الساحر)، على ما كانت الزباء قالت.
والارياف التي تحمل على مصدر السلاح المقحم على المدن الكبيرة والناعمة باقتصاد غير ليبرالي، تُجمع في باب مشترك وواحد. وبعض المراقبين لا يقرون بهذا الرأي ولا يرونه. فالعسر الذي اصاب الريف السوري الشرقي، في طرف البادية السورية على الحدود العراقية، يعود في معظمه الى الجفاف الذي ضرب هذه الجبهة من البلاد، وليس الى اجراءات ليبرالية أو غير ليبرالية، وحمل شطراً من اهلها الى اللجوء الى طرف البادية الجنوبي والحوراني. ويزعم بعض المراقبين العاملين في مكاتب وكالات الامم المتحدة بالاردن أن ريف درعا لم يكن يشكو "التدهور"، بل ان توسع المبادلات مع الشمال الاردني، وزيادة حصة الزراعات التجارية منها، وتعاظم دور بعض الدرعاويين السنة في الادارة الاسدية (فاروق الشرع وفيصل المقداد درعاويان)، هذه العوامل حفزت اقتصاد الجنوب الزراعي، وصورت لأهله انهم يرتقون المراتب الاجتماعية. فكان وقع الإهانة "الامنية" عليهم جزاء كتابة بعض اولادهم على جدران درعا ما بدا استباقاً لرغبة شعبية وسورية عميقة، أليماً ومخيباً. وأرجعتهم الاهانة والتمثيل بأحد الاولاد، الى حقيقة المكانات والمراتب والكرامات في "دولة" عصبية وبوليسية.
والتردي الذي عانت منه بعض الفئات الاجتماعية السورية، أحدُ عوامله المنافسة الحادة التي أصلاها تحرير جزء من التجارة بين تركيا وسوريا. فظهرت هشاشة بعض الانتاج الحرفي والصناعي المحلي حين مقارنته بنظيره التركي. ولكن فئات اخرى عاد عليها تحرير التجارة الجزئي بمنافع ومزايا لا تنكر. وهذه الفئات في الحالين معظمها مديني. وأما أثر الازمة المالية والاقتصادية العالمية، منذ صيف 2007 ثم خريف 2008، في الاقتصاد السوري فغير مباشر، وحلقته الوسيطة هي اقتصادات المهاجر العربية والخليجية وانكماشها الجزئي، وأثر ذلك في العمالة السورية. ولا يفتأ حكام سوريا وموظفوهم الماليون يرددون، مزهوين، ان الاقتصاد السوري قليل الانفتاح (على المعنى الساداتي الاميركي)، ومعاملاته مع الخارج ضعيفة. وهذا من اسرار "مقاومته" آثار الحروب الاهلية التي تعصف بالبلد الآمن والمستقر والمختلف، واقتصار خسارة عملته طوال سنتين وقبل انهيارها الاخير الى 240 ليرة سورية لقاء دولار واحد، على نحو 120 في المئة من سعر صرفها الموحد.
وحملت الازمة العالمية وتضييقها على التسليف المصرفي، ولو كان متواضعاً على ما هي حاله في السوق السورية، مُلّاك الارض ومؤجريها الى مزارعين وفلاحين على زيادة ايجارها، واستعجال تحصيله. ولاحظ الامرَ صحافيون ومراسلون في اثناء تجوالهم في الجنوب، وفي ريف دمشق، وحول حمص وحماة ومدن الجزيرة والقامشلي المختلطة. ولا تبدو آثار فروق الحال هذه في توقيت الانخراط في الانتفاضة. وتشذ اراضي العلويين وأريافهم عن الرصد المادي الاجتماعي، وعن قوته التعليلية. فينبغي توقع انفجار الانتفاضة أولاً في ريف هؤلاء "المتدهور" لولا ان الانتفاضة حركة سياسية في المرتبة الاولى، ويتصدر الدواعي اليها داعي فك قبضة الطاقم الاستخباري والعسكري العلوي على السلطة والادارة والريوع والتمثيل. فكان من العسير على الارياف العلوية القيام على من يباشر السلطان باسم اهاليها منذ نحو نصف قرن، ورَفَعهم جماعةً فوق السوريين، وسودهم عليهم، على رغم حصر المنافع في قلة منهم، والاخفاق الذريع في انشاء "بورجوازية" من هذه القلة.
وحين يتطرق اصحاب المقالات المادية والاجتماعية الى اهل الارياف الذين ادخلو حراكهم المسلح على اهل المدن بينما هؤلاء متمسكون بالفرجة على الانتفاضة، ومراقبتها من بعيد، والاقتصار على تظاهرات طالبية أو "ثقافية" قليلة إسهاماً فيها، يختل الميزان الاجتماعي، والريفي. فالمسلمون الذين أقحموا العمل المسلح على دمشق وحلب وإدلب والرقة والطبقة بعد عامين كاملين من بدايات الانتفاضة، أو "الحراك" على ما يؤثر اصحابنا القول والكتابة، بعد أن مالوا الى قول "الازمة" ليسوا من ارياف هذه المدن، المتفاوتة كثيراً، بل هم، على قول القوم أنفسهم، "سلفيون مسلحون". وقدموا، شاكي السلاح وعظيمي الثراء، من "ارياف" نائية، بعضها باريسي وبعضها مدريدي وبرشلوني، وبعض ثالث تونسي ومغربي وخليجي، الخ. وعليه، فـ"التدهور الزراعي" والليبرالي قد لا يكون عاملاً نفاذاً في تعليل حرب هؤلاء على كتلة سوريا طهران الحرس الشيعي اللبناني عصائب اهل الحق العراقيين البطاطيين.
والحق ان التحليل المتعرج، والمليء بالمصادرات والقفزات البهلوانية والغاص بعرائش ودوالٍ من المسكوت، ليس لوجه الاجتماعيات المادية والطبقية. فهو ذريعة الى قصد معقد وعرائشي بدوره قد لا يستوفي اختصاره القولُ انه يرمي الى التشكيك في مكانة المجلس الوطني السوري التمثيلية والسياسية، سلف الائتلاف الوطني السوري ومكانته. وبعض وسائل التشكيك وآلاته، بعد حمل المعارضة المسلحة أو المعارضات على "ارياف" مختلطة ومبهمة موشومة بوشم ليبرالي، أشد بعض هذه الوسائل هو مقارنة القوى السياسية الظاهرة على مسارح التمثيل والمفاوضة والاتصال بقواعدها الاجتماعية المفترضة، وقياس الاحجام في ميزان هذه القواعد وكأنها معروفة. فإذا كانت قوى المعارضة المسلحة ريفية او حتى "أريافية"، وكانت قوى "الاخوان" مدينية تعريفاً، وإذا غلب "الاخوان" هؤلاء على تمثيل الثورة السورية، على رغم ضعف أوجها المديني واضطرارها الى استيراد قوى مقحمة على المدن من الارياف، فهذا، أي غلبة "الاخوان" على المجلس ثم على الائتلاف وتصدرهم تمثيل قوى الثورة السورية والسوريين المنتفضين على الاسد الثاني ورهطه الدموي، لم يجز ولم يفهم إلا من طريق عامل خارجي، على مثال اقتحام "الارياف" المتدهورة، وأهلها من فلاحين بدو أو بدو فلاحين، المدن العريقة والرافلة في تقاليد موروثة من الاعيان والتجار والفقهاء والقادة واهل الادارة و"ثقافتهم" الراسخة والمتينة.
الخارج
ولا يوصف "الاخوان" بصفات المدن الممتنعة منهم وعليهم، ولو بصفات اهلها الممتنعين من الثورة وعليها. فهم غاية طموحهم احتسابهم في "فئات وسطى مدينية في حلب وحماة واللاذقية" مع بعض بلدات محافظة ادلب، لا يتعدونها ولا يتخطونها، لا عراقة ولا ثقافة ولا وقتاً. فإذا بهم "يفاجئون" الجمهور أو الملأ بإعلان مراقبهم العام "خارج السياق"- على قول بعض كتاب من يسمون (كانوا؟) أنفسهم معارضة الداخل، وهذا يتفق وحال "الخارجية" التكوينية التي تصيب فريق التمثيل... الخارجي عن "دور فاعل في "الحراك السوري" يتولونه بعد أقل من اسبوعين على بدئه، "وهو الذي كان مثل السيل العفوي الذي اجتاح بشكل مفاجئ مجرى نهر قديم توقف عن السيلان تسعة وعشرين عاماً". فلا يعقل أن يصدق إعلان المراقب العام. ولا يعقل ألا يرتبك المهندس رياض الشقفة بينما هذا "الشيئ "يقصد الحراك" أربك وفاجأ السلطة والمعارضة معاً، من حيث كونه مجهولاً بملامحه ومحملاته ومساراته..." ، على قول كاتب الداخل نفسه. فلا ريب في ان الدور المزعوم لا يعدو الاعلان، على المعنى التجاري الرخيص. وهو دور مستحيل أو ممتنع، للعلل التي سلفت وتعددت الى ان بلغت مرحلة "المجهول". وما يقوله الكاتب السوري الفرد تورية، يقوله بيان إحدى الحركات اليسارية الجماعيرية العريضة في سورية صراحة: "... راحت الاموال التركية والقطرية والسعودية والاميركية تهطل زخاً على مختلف المناطق، وتسلمت جماعة الاخوان المسلمين دفة الاموال... أصبح الاخوان المسلمون طرفاً اساسياً (وكان تأثيرهم قبلها صفراً في الداخل السوري)... (افتتاحية "الآن"، لسان حزب العمل الشيوعي في سوريا، عن "الاخبار" البيروتية، 30 نيسان 2013).
فمن طريق حلقات "الارياف المتدهورة"، والاجراءات الليبرالية التي فاقمت تدهورها وأخرجت أهلها من ملاذاتهم الهانئة ورمت بهم، مدججين بالسلاح ومتخمي الجيوب بالمال وسلفيين ظلاميين، في شوارع المدن السورية العريقة والمحصنة من "الترييف" (على رغم ملاحظة صاحبهم وصاحبنا التي ترقى الى السبعينات على "ترييف المدينة" السورية في المرتبة الاولى)، وانقلاب "الاخوان المسلمين" بين فتحة عين وإغماضتها الى قوة مهيمنة على التمثيل "الديبلوماسي" في الخارج من طريق هذه الحلقات، وتقريرها الذي لا يعقل الشك فيه ولا سند له إلا التخمين والحدس النظريين، يفصل نقادُ "الثورة المضادة" في الداخل وثورة "فنادق الخمسة نجوم" في الخارج، التركي القطري- الاميركي أولاً، فصلاً قاطعاً ثورة هائمة بين الاقبر والانقاض والاشلاء الممزقة والراغية في الداخل وعلى الحدود السورية الكثيرة، من اطياف تمثيل خارجي، اخوانية أو سلفية. ولا يتنافس النقاد والمنكرون وأهل الداخل المديني، وخصومهم "القطريون" المفترضون والحالمون بتدخل خارجي على مثال مقاتلة "الارياف" السلفيين والمسوِّدين، على إثبات هوية لقوات الثورة في الداخل، وعلى إيجاب جسم متماسك لها تحله أو تحل فيه بعد تطوافها الأليم.
فهذا تنافس لا يطمع فيه اليساريون وأصحاب "التغيير الديموقراطي" في الداخل والمهجر، أو هم تخففوا من اعبائه: "(اليسار) لا يقبل ان يرتشي ويرتهن لأحد من جهة، ومن جهة أخرى إذا كان لا يملك الاموال فلا مكان له في مطبخ المجموعات المغزوة بالدولار الاخضر (...) فعلى أي جانبيه اليسار السوري- يميل!" (افتتاحية "الآن"). فهذا سرير بروكوست آخر ومحدث بعد سرير سابق، سوري كذلك، في السبعينات المنصرمة، خيَّر اليساريين بين الانخراط في معركة قومية فاسدة ومفسدة وبين اعتزالها والرضا بالشلل والعقم والنزاهة. والفصل، اليوم، بين ثورة من غير جسم ولا إسم وبين قوى مقاتلة صادرت الثورة المفترضة على أدوارها (وأولها قتال النظام العشائري والريعي والبيروقراطي وإسقاطه)، وعلى مسارحها وبلادها، لا يسد طريق البحث عن الثورة على اليسار واليمين والوسط، وحسب، ويبدد فكرة الثورة ومعناها في مثال ليس من هذا العالم ولا يبلغ، كذلك. فهذا الفصل، وعلى هذا النحو، يصم السوريين الذين يقاومون قوات الرهط الاسدي على وجوه ومقاومة كثيرة وباهظة ومريرة بالعدم واللاشيء (على خلاف "الشيء" الذي وصف بهم أحدهم حركة السوريين وقيامهم على "دولة" العصبية المستولية). ولا يبقي مجالاً للسعي السياسي ومضماراً إلا المنافسة على الخارج، الديبلوماسي والعسكري والمالي والإغاثي والسعي في استمالته، والمفاضلة بين أنواع هذا الخارج وصنوفه وسياساته، والانحياز الى خيرها وأفضلها، والاعتصام بخيره وفضله.
وهم يجدون من سبقهم الى طرق هذا الباب، والانتظار في أفنيته. وأول هؤلاء، من غير منازع، بشار الاسد نفسه وأجهزته الاستخبارية وآلة دعايته اللجبة، ثم حلفاؤه ورعاته الاقليميون والاهليون الذين انقلبوا تدريجاً الى أوصياء عليه، وعلى "دولته" ومواليه، ثم الرعاة الدوليون وهم مزيج من تجار سلاح وموظفي أجهزة. فهم أجمعوا، منذ اليوم الاول للانتفاض على العصبية المستبدة والثقيلة، على ان المطالبين بكرامتهم المهدورة منذ عقود، والبارحة القريبة، ليسوا إلا "مخربين" في لغة استخبارية اسرائيلية عريقة، وآلات طيعة بيد طائفية ومتحاملة على "القلعة" العروبية والمستقلة، وأهل ردة وفتنة يجوز قتلهم وسبيهم، الخ.، على فقه الشيخ البوطي والشيخ حسون ومشايخ كثر حليقين وغير معممين. ونحا هذا التشخيص الى نفي دواع داخلية لقيام بعض السوريين على العصبية المستولية وبيروقراطييها البوليسية الفظة. فالنظام العصبي والبوليسي الاسدي على زعمه وزعم "نخبه" لا داخل له، على معنى الداخل الذي يفترض كثرة القوى المتنازعة وخلافها على مصالح متفرقة وعلى حصتها من صورة الدولة والمجتمع الوطنيين والمشتركين. فهو كله، وفي اجزائه كلها، كتلة متصلة ومتجانسة ومتناغمة لحمتها الرابطة العصبية القومية والمذهبية ومقاومة الخارج (الاستعماري...) مقاومة جوهرية ووجودية تحت راية مقدسة (الاسلام، فلسطين، الشريعة، الحسينية، الارض والعرض، الامة وغيرها مثلها). ويتصدر "مبدأ القائد"، على مثال "مبدأ الفوهرر" أو المرشد الجامع شرائط الإمامة والقيادة في شخصه المقدس السر وفي طبعه، الرابطة المتماسكة والعضوية.
وعلى هذا، لا شقاق في الواحد، ولا كثرة، ولا فُرقة. ولا يجوز حمل الخلاف أو مناقشة الجزئيات والكليات على حد سواء، على غير المروق والعمالة، أو الحرابة والفتنة، في لغة القوم الآبدة وأحكامها القاطعة. وهذا الخارج الذي لا يستقيم تعليل خلاف أو انقسام داخلي إلا به، إذا لم يكن ماثلاً وملموساً في صورة سلاح أو مالٍ أو برقية ديبلوماسية مقرصنة، سعت العصبيات المستولية المتصل بعضها ببعض والمختلطة الرجال والسلاح والمال، في استحضاره، والاستدلال على فعله وإذيته من طريق صحافي ضل الطريق، أو صورة محملة على وسيلة اتصال، أو (لم لا) قتيل تحت التعذيب في معتقل ذراع أمنية فرعية وسرية "خفيت" عن عين القائد. ولكن التجربة أثبتت من غير لبس أن سياسة الارض السياسية والاجتماعية والثقافية المحروقة، سياسة البطش والافقار والبطالة وتجريم التضامن والتهمة المسلطة على الجميع من غير استثناء وإنكار جواز الحقوق في العلاقة بالسلطة هي مجتمعة، حيز تمهيد لتفشي التعصب: عصابات وانحيازاً الى أحكام حرفية وشعائرية وطاعة الامراء يؤمَّرون على العقول والدماء والاموال والفروج. وعلى هذا جرى النظام العصبي السوري قبل ولادة النظام الخميني بعقد وبعض العقد.
ومنذ خطو الحركة الديموقراطية السورية، بقضها وقضيضها "الاريافي" والاسلامي واليساري و"غير الحكومي" والشبابي والاقوامي والمدني والعسكري والاهلي والطفيلي والجانح، خشي فريق من المعارضة اليسارية والعروبية الفلسطينية السابقة مترتبات معارضة النظام العصبي والبوليسي الريعي معارضة رأسية والخروج عليه. ولا شك في ان هذه الخشية استقت مصدقاتها وحججها من تجربة قريبة وحميمة وقاسية بطاقم النظام البوليسي والاداري والحزبي الاعلامي. وهي استقتها كذلك، على زعمي، من مشاطرة طاقم النظام المستولي بعض أحكامه الجوهرية وآرائه في الدولة والقيادة والسيادة والقومية والوحدة الشعبية والاستعمار والغرب والرأسمالية. وهذه الاحكام والافكار هي من مخلفات و"ثوابت" ثقافة سياسية سورية، بطولية ونخبوية فوقية، لم تعف عن القلة القليلة من عقلاء السياسيين السوريين في عصور غابرة من امثال خالد العظم، ولم يتخفف منها حزبيون سابقون اختبروا سرير بروكست الذي مرت الاشارة اليه، ولم يخرجوا من الاختبار بفائدة (وهذا ما لا يلامون عليه، إذا شاء أحد الانتصاب للملامة!).
"الحل السياسي"
ولكن الخشية الحقيقية وغير المصطنعة من انفلات العنف من عقاله، وطاقم العصبية المستولية هو على ما هو عليه، ما كان لها ان تتحول عاملاً سياسياً، على ما أراد اصحابها، إلا إذا سعى الرهط الحاكم فعلاً في مخرج سياسي، ورضي النزول عن بعض امتيازاته وتقييدَها بحقوق "الشعب" السوري في المراقبة والتمثيل، وبحقوق الجماعات في الهوية والقرار. وخشي بدوره مآل انفجار العنف في سوريا. وهو، الرهط الحاكم، حسب انه سوّى سوريا على مشيئته، وأوهمته "هي" انها تشبه مثالها الاسدي: قطعاناً من الخائفين والجشعين الأنانيين. ولمَّا بدا ان "الجبنة" الاصلاحية التي يلوح بها الاسد (المزعوم) الثاني فاسدة وعفنة، لم ييأس الفريق اليساري من المعارضة. ومذ ذاك، اي منذ ابتداء القيام على الحكم، الى اليوم، وبين الوقتين محطة بيان جنيف في حزيران 2012، و"الحل السياسي" يبحث عن مضمون ومسار إجرائي، وعن أصحاب وأهل يتبنونه. وحسب الفريق اليساري انه هو صاحب الحل السياسي، وليس داعيته الخاوي الوفاض فحسب. فدعا الى اتفاق روسي اميركي، لعل العامل الروسي، وهو سند الرهط الاسدي المسلح والسياسي، يوازن العامل الاميركي والاقليمي الحليف، وهو سند مشتت ومتحفظ وحذر للمعارضة على اختلاف مشاربها، وعامل مؤثر في كثرة المشارب هذه وفي تنافسها واقتتالها على مكانة بارزة عسيرة.
وماشى الفريق النظام المستشرس، ضمناً، على حمله المعارضات المتفرقة، والمتقاتلة في بعض الاحيان والمتنافسة في الاوقات كلها، على معارضة واحدة، مسلحة وقاعدية وإرهابية. وعجز، شأن النظام وسنده الروسي والسند الايراني، الذي يسكت هذا الفريق من المعارضة عنه وعن تورطه المذهبي المباشر والمتعاظم في الميدان السوري اليومي، عجز عن جلاء أضعف معنى للحل السياسي: كيف يبدأ وقف القتال؟ وكيف يتزامن وقفه؟ ومن يتولى مراقبته؟ وتعثرت بالاجابة عن هذه الاسئلة الابتدائية "المبادرة" العربية، ثم مهمة أنان الدولية. وتعثرت مهمة الموفد الدولي والعربي الاخضر الابراهيمي بالاسئلة السياسية التي تقوم نظير الاسئلة الميدانية الاولى: كيف يعلن النظام الخروج من جلده وإهابه، ويخلع وهم إحاطته الشاملة بالدولة؟ وعلامة هذا الخروج أو أمارته الفارقة هي اسم العلم على المرحلة الانتقالية وطاقمها أو وزارتها والمفوض صلاحياتها. وحين يتطرق حسن عبد العظيم، رئيس هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديموقراطي ("الحياة"، 30 نيسان)، الى هذه المسائل من باب تناول المفاوضة الاميركية الروسية، عشية زيارة جون كيري موسكو، يرى 3 مشكلات تعترض طريق "الحل السياسي": 1- تعويل اميركي على تغيير ميزان القوى العسكري من طريق تسليح قوى المعارضة ("وترى موسكو أن هذا يعقد الحل" على قول عبد العظيم) 2- سعي اميركي في الاتفاق على تفاصيل المرحلة الانتقالية كلها وعلى الاسماء والمناصب ("فيما تريد موسكو اتفاقاً عاماً... وأن يترك للسوريين الاتفاق على المرحلة الانتقالية")، 3- زعم اميركي يقصر تمثيل الشعب السوري على "الائتلاف" (" في حين تدعم موسكو تعاوناً بين قوى المعارضة خصوصاً هيئة التنسيق ومؤتمر الانقاذ...").
وليس مصدر الكوميديا السوداء التي ينم بها كلام حسن عبد العظيم هو الجد الصارم والوديع الذي يتناول به الرجل الوقائع السورية المختلطة والمواقف المقنعة والمراوغة والمتجاذبة منها، وحده. فالأثقل وقعاً كوميدياً وأسود هو الغفلة المطبقة عن حوادث المسرح أو الميدان السوري وأطواره، وعن علاقة واشنطن وموسكو والنظام و"الائتلاف" و"هيئة التنسيق" بالحوادث ومسرحها وأطوارها. فالمسألة السورية يختصرها التسليح وأسماء وزراء المرحلة الانتقالية وحصة "هيئة التنسيق للتغيير الديموقراطي" من التمثيل، والخلاف الروسي والاميركي عليها. وهذا مآل من مآلات إنشاء سوريا والسوريين على المثال الاسدي، العصبي والبيروقراطي الأمري والريعي، واستئناف سوريين كثيرين هذا المثال "الخارجي" في تأويلهم الحوادث وتعاطيها. وهو تشترك فيه الانظمة المتسلطة المتحدرة من الخمسينات والانظمة الريعية والاسرية القديمة، معاً. فهو "عربي"، عميق العروبة أو العروبية. ويشترك في "لغته"، وتداوله في الامور وتخطيطه لحلولها والبت فيها، مع مثالات أخرى سائدة أو متخلفة عن مثالات متحللة مثل المثال الحرسي الايراني والمثال "السوفياتي" و"القيصري" البوتيني والمثال "الاخواني" والسلفي الحركي والاستيلائي. وترد هذه المثالات، أو بعض وجوهها، من طرق متعرجة وكثيرة الى مرجع كولونيالي وتوسعي قامت وتقوم سياسات غربية (الى وقت قريب) واسرائيلية علماً عليه.
فيعوَّل في "الانتقال" المفترض من السلاطة العصبية الاسدية وهذا ما لم يخطر ببال رهطه وأركانه، ولم يقر به بوتين وأعوانه، ويقول خلافه ونقيضه عشرات جنرالات الباسدرات البحريين والجويين والبريين صباحاً ومساءً الى ديموقراطية مدنية وتعددية، يتولاها الائتلاف الوطني السوري في عهدة أصفار "الاخوان" و"الأريافيين"، بعد أن يدعو هيئة التنسيق الى اعتلاء مكانتها الشاغرة ويقر لها بهذه المكانة. ووالدة هذه المعجزة هي المفاوضة الاميركية الروسية. ويعوَّل على "حل سياسي" ناصع، لم ينفك الائتلاف الايراني الحاكم، تحت عباءة الخامنئي القائد وفي ظل السلاح الصاروخي الحرسي والاذرع المحلية والمذهبية، يدعو اليه ويعمل في سبيله، من طريق "اصدقاء حقيقيين لسوريا في المنطقة والعالم لن يسمحوا ان تسقط بيد أميركا أو اسرائيل أو يد الجماعات التكفيرية"، على قول الخطيب الحرسي المحلي وناظر الاضرحة المقدسة الأمين. وهؤلاء قاموا مع "الجيش السوري واللجان الشعبية (و) المساعدة المناسبة بمواجهة المسلحين... وانقلب السحر على الساحر". وعلى المنوال نفسه، يهزم "الاصدقاء الحقيقيون" "كل الذين يقفون خلف الحرب في سوريا (وهدفهم) تدميرها كدولة وشعب ومجتمع وجيش"، وينجزون الحل السياسي المنتظر والمأمول. و"(تمسك) إيران وحزب الله بكامل القرار في الملف السوري"، وتنتقل "سلطة دمشق على الاسلحة الاستراتيجية الى أيدي إيران وحزب الله"، على ما يكتب مطمئناً الى بصيرته الاستراتيجية ، قبيل الغارات الاسرائيلية على قاسيون، معلق باسيجي. والخطيب الحرسي يقول قولته هذه، ويشكر الله على نعمه. ومنها انه "كمن يتكلم باسم حلفائه جميعاً، الاقليميين والدوليين، وهو الذي التقى... مبعوث الرئيس الروسي... ميخائيل بوغدانوف، وتعمد قبل أسبوعين نشر صورة له تظهره الى جانب مرشد الجمهورية الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي..." على قول الملحق الصحافي والاخباري الحرسي في لبنان. فالكتابة باللغة المسمارية، أو بالاشرطة المصورة، هي البلاغة ونهجها المعاصر الاسمى

الجمعة، 3 مايو 2013

سليمان تقي الدين حاكياً "اليسار اللبناني وتجربة الحرب/ منظمة العمل الشيوعي": بعض من سيرة بيروت لبنانية ومتوسطية وكوسموبوليتية ... منكرة وكريهة


 المستقبل - الأحد 28/4/ 2013

           على شاكلة سليمان تقي الدين (اليسار اللبناني وتجربة الحرب/ منظمة العمل الشيوعي اللحمة والتفكك- دار فارابي، بيروت، شباط 2013، 314 ص) ربما، أعتقد أن موضوع عمله، أو روايته ونقده، أي "منظمة العمل الشيوعي"، وروافدها وفروعها، "اعتصرت عمر مئات الشبان والشابات" كان منهم أو فيهم سليمان، كاتب العمل، وكاتب التعليق على عمل سليمان. وهو يذهب الى "استحقاق التجربة" الرواية، ويسوغ حقها هذا بقضاء بعض الشبان والشابات "مستشهداً تحت راية افكارها"، وبخيبة بعض آخر و"مرارته وتشرده ومعاناة حال التهميش والحصار وشظف العيش وعدم الاستقرار". وأحسب ان الشق الثاني من التجربة، على معنى الابتلاء، كان الانتساب الى المنظمة العتيدة هو السبب فيه، من غير ان يوضح الكاتب لقارئه لماذا ترتبت الخيبة والمرارة والمعاناة... على الانتساب هذا، واستوت و"الشهادة" جزءاً لازماً يجزي لا محالة الاشتراك في مثل هذا "العمل". وتنم الاشارات التي مرت، وغيرها مثلها كثير في مقدمة العمل، بتنبه كاتب العمل على قوة العامل الشخصي والذاتي "العاطفي" الذي لابس، على انحاء كثيرة، استواء اجتماع الشبان والشابات وتماسكهم على هذا المقدار أو ذاك، منظمة أو حركة سياسية يؤرخ الكاتب لولادتها والتحامها ولا يشك في تفككها منذ وقت طويل.
ويتوقع قارئ الكتاب، وهذه حالي، تولي المؤرخ "مهمة" عسيرة مأتى عسرها اضطرارها الى الجمع بين وجهين متفرقين وربما مختلفين: وجه العام السياسي ووجه الدواعي الشخصية، الثقافية والاجتماعية، الخاص والسيري (نسبة الى سيرة أو سير). فلما لم يفتتح المؤرخ تأريخه بالنبرة الذاتية التي تقدمت بعض عباراتها، والامثلة عليها، يحسب القارئ ان سليمان تقي الدين عازم على سرد حوادث سياسية وتنظيمية وفكرية على شاكلة تلك التي سردت مثلها مئات الاعمال التي تناولت حركات سياسية سابقة ولاحقة. فحين تناول محمد ابراهيم دكروب، مؤرخ الحزب الشيوعي اللبناني الرسمي، تدوين اخبار رفاقه ووقائعهم، لم يحمله الامر، على رغم غنائية وملحمية مظفرتين وموروثتين من "سقي الفولاذ" في السهول الاوكرانية والسهوب السبيرية واجتثاث الكولاك، على التنويه باعتصار العمر ولا على طلب الثأر للخائبين والمريرين والمهمشين. ولست أذكر أن مؤرخ حركة القوميين العرب أو أحد أواخر مؤرخيها، توسل بهذا النحو في الكتابة والإخبار.
وتقريب النحو من "أخبار" الجهاديين المحدثين، ومن مديحهم قتلاهم وإقدامهم وشجاعتهم وإيمانهم، ليس من قبيل الغمز ولا التحامل، بل هو (التقريب أو المقارنة) دلالة على ضرب من التناول والمعالجة يدير الظهر، عمداً او عفواً، لمعيار الانقطاع أو التعليق الذي يفترضه التأريخ. فالخوض في جملة من الحوادث والوقائع والاخبار يأتلف منها موضوع واحد، هو منظمة سياسية في هذا المعرض، يقتضي تمييز زمن الرواية من زمن الراوي، وبواعث "اصحاب" الحوادث من بواعث كاتب الرواية...
ولعل مزج الازمنة والاوقات والبواعث بعضها ببعض، والاحتجاج باللاحق منها على "خطأ" السابق أو "صدقه"، من عيوب التأريخ الفادحة. ولا يتفادى صاحبنا بعض هذه العيوب. فيكتب أنه "خرج" من منظمة العمل الشيوعي في 1982، وهو كان معارضاً في 1979 ومستقيلاً من "المسؤولية" ثم "منكفئاً" سنة كاملة. ولم يلبث "الحزب" ان "تلاشى" في 1983 1987، على قوله. فيخلص الى "عبرة" أظن أنها لا تتفق وعمل التأريخ الذي ينسب إليه الكاتب نفسه وكتابه، وهو ليس كتاب عبر، ويكتب:"... أي ان ذلك (التلاشي) يفسر موقفي عام 1982". فالعبر لا تستقيم، أي لا يستقيم استخراجها واستنباطها، إلا إذا حملت حوادث التاريخ على غاية لاهوتية أو قصداً أخروياً أو على "قوانين" يستشهدها مناضلو المنظمات والاحزاب اللينينية والستالينية، ويتواتر التذكير بها في بيانات منظمة العمل الشيوعي وتقاريرها الداخلية في اثناء الحروب اللبنانية الفلسطينية (العربية): قوانين العمل الجبهوي ص 143 ، قوانين الصراع السياسي والعسكري، وغيرها مثلها يقع عليها قارئ الوثائق في الكتاب.
الاسماء
وإذا ألمحت المقدمة الى ما يشبه سير الذين اشتركوا في هذا الضرب العام والمشترك من السياسة والعمل والتفكير، فمباشرة التأريخ والرواية انصرفت عن تناول السير على وجوهها كلها. فلم يبق من هذه إلا لائحة اسماء صماء وخرساء لا تنم بأضعف التعريف أو اقله. وانتزعت الاسماء من أبوابها المشتركة، تلك التي تصف أو تعرف "تاريخ الحياة"، على قول بعض الاجتماعيات، وتسرد سرداً جامعاً وضيقاً معاً بعض الحيوات وسيرها وتراجمها (وكتب "السير والتراجم" فن من فنون الاخبار وصنعة الإخباريين). فيبقى "الشبان والشبات" في سنهم الواحدة، لا يتقدمون فيها، ولا "تخني عليهم"، على قول شاعر ليس من الجهل في شيء، على رغم انقضاء الاعوام. والسن الجامعة في باب اجتماعي مشترك، وهي تصلح تعليلاً لتقاسم نازع متقارب يصل بين افراد معاصرين ويعاصرون بدورهم من ليسوا من جماعتهم ولا من دائرتهم، هذه السن تبقى في التأريخ المفترض من غير مضمون.
والسن باب مشترك، من وجه، وباب متجدد، من وجه آخر: فلا يبقى الشبان شباناً، بديهة، ويدخل فتيان مراهقون في سن الشباب وحدِّه تباعاً على شاكلة المدعوين الى الخدمة العسكرية وأفواجها، بديهة كذلك. ويفوق هذه البدائه معنى ومكانة ما تتيحه هذه السن لأصحابها في وقت من الاوقات، هو الثلث الثاني من الستينات المنصرمة، خيالاً وآلات وعملاً ورغبات ومواصلات، ولم تتحه لجيل أو نصف جيل سبق، في مطالع الخمسينات على وجه التقدير والتخمين. فما كان معنى او معاني الدخول في العقد الثالث، ومراحله ومحطاته المتفرقة، في ستينات القرن الماضي التي "يؤرخ" سليمان تقي الدين لها؟ ومن معاني الدخول الدراسة، وفروعها وحقولها وهيئاتها وبلدانها وجمهورها، والمهنة، ودوائرها وعلاقاتاتها ومحلها ومداخيلها وحراكها؛ والجنس، والاسرة، ومخلفاتها الكثيرة من ثقافية وطائفية ومادية ومحلية... والسكوت عن هذه، وبعضها معرفته متاحة وغير خافية، يقود التأريخ المفترض الى طريق ليس طريق "التجربة"، لا على المعنى "الرومانطيقي" الذي يضمر "المعاناة" ولا على المعنى الوصفي الذي تنشده الاجتماعيات. وهي ليست طريق فهم نشأة الجماعات السياسية، وما يكتنف نشأتها واستقرارها على هذه الصفة من عوامل ليست ابتداء أو مباشرة سياسية مثل الثقافة والسوابق العائلية والمحلية والجنس وغيرها.
فلما ترك الكاتب هذه الطريق، او هذه الوجهة، وهي بدت لوهلة أولى مناسبة لحال الذين يؤرخ لهم ولغلبة النزعات الثقافية و"الذاتية" على اجتماعهم، توجه وجهة سرد سياسي تقليدي وذهني، فافترض للحوادث والوقائع المروية على ابواب "صحافية" أو خطابية سائرة ومعروفة دلالات ومفاعيل متوقعة. فيكتب أن "لكل مهنة في العالم شكلاً تظهر به (و) على الحزبي اليساري ان يتخذ لنفسه علامة فارقة في الشكل ثم المضمون. عليه أن يتبع (الموضة) السائدة في وسط بيئته المحلية او العالمية. عليه أن يتصرف اقتداءً بأئمته..." (ص 59-60). وكان مهد الكاتب لبرهانه الاستدلالي والدائري بالقول: "اتخذ اليسار لنفسه (طريقة)، فهو بداية عمل سري يحتاج الى اقنعة كما يحتاج الى وسائل تواصل مخفية عن عيون الرقابة السلطوية، كما يحتاج الى ان يختبر تماسكه الداخلي قبل ان يطرح نفسه على الجمهور. كانت بدايات اليسار محاولة لتجريب فعالية الانتماء والالتزام والقدرة على الحركة" (ص 58 59). ويستخرج الكاتب سماتٍ وأفعالاً من لائحة "الحاجات" الرمزية هذه. وهي، في هذه الحال، رغبات وليست حاجات. ويقتضي تعليلها افتراض مبانٍ رمزية اجتماعية على شاكلة المبنى الحسيني الحزب اللهي، أو المبنى العصبي والتأويلي الحلولي التقدمي الاشتراكي الجنبلاطي، أو المبنى الامبراطوري البطولي والاسطوري والادونيسي القومي السوري... وهو يدمج الرغبات في الذرائع العملية والظرفية التي يحدس فيها: الاحتياج الى "احتكاك مادي جسداً الى جسد مع سلطة مادية أخرى لكي يستفز طاقاته الثورية" (ص 61). وصادفت تظاهرات 23 24 نيسان 1969، فكان "الاحتكاك"، و"الاستفزاز" و"الثورة"...
امتحان "الجماهير"
ويحصي "اليسار اللبناني وتجربة الحرب" مسارح تحريض مطلبي ومهني متفرقة جغرافياً واجتماعياً، ويرصفها رصفاً على شاكلة رصفه اسماء العلم عارية مما يُعلِمها ويدل عليها ويصفها ويدرجها في جُمَل و"عائلات" وروابط. وما يُعلم ويدل ويصف هو جملة الفروق التي تنعقد منها فرادة الحادثة أو الحوادث، من الدواعي الى النتائج الجزئية والظاهرة المقدرة. فيقص على القارئ أن حركة طالبية ناشطة نهضت في "اواسط الستينات" حيث "حضور (...) أحزاب اليمين الطائفي المسيحي... كثيف" (ص 162). وسليمان تقي الدين يكتب هذا او ينشره على الملأ في 2013، ولا يرى داعياً يحمله اليوم إما على نسبة الألفاظ ومعانيها الظرفية الى وقتها وإما على الاستدراك على هذه المعاني وتعريفها من جديد. فيخلص القارئ الى ان الجامعة اليسوعية ببيروت كانت "بيئة محافظة": على معنى "محافظة" التدريس الإمامي في النجف، على ما وصفه محسن الامين او محمد مهدي الجواهري؟ أم على المعنى التربوي والمنهجي الذي انتقدته حركات الشباب او الطلاب في 1968؟ أم على المعنى الاجتماعي والمعياري "الخلقي" الذي طعن فيه أو عليه تلامذة "اتحاد قوى الشعب العامل" الناصريين والثانويين يومها؟ أم على معنى الانطواء على (نفس) الجماعة، وعاداتها وتقاليدها ومهنها وبلادها، الذي بدا للطلاب اللبنانيين الشيعة المخلفين قبل نصف قرن من يومنا وراءهم مراقبة أهلهم في الضيعة أنه (الانطواء) صفة بارزة في السنة والدروز العروبيين والناصريين و"التقدميين" وفي "الثوريين" الشيوعيين العراقيين والسوريين والفلسطينيين؟
ونعتُ الطلاب الجامعيين المسيحيين، وعلى الاخص الكتائبيين منهم، باليمين الطائفي قصد به يساريون فرادى وطلاب، قوميون عروبيون أو سوريون، ومسلمون، وشبان عموماً، نسبة آرائهم أنفسهم، دون خصومهم، الى عمومية سياسية وغير أهلية، غافلين عن صدور عموميتهم المزعومة عن خصوصية أهلية، طائفية و"يمينية" من ضرب آخر، تفوق خصوصية الخصوم الاهلية. ويتصل التقسيم والتفاوت هذا الى دوائر الجماعات الأخرى: فـ"حركة الوعي" ضوت طلاباً في الجامعة اللبنانية، جاؤوا من "الارياف المسيحية المهمشة ومن البيئات الفقيرة"، أما حركة "كفاح الطلبة" فنشأت في الجامعة الاميركية و"ضمت أطيافاً مختلفة من شباب اليسار والقوميين العرب والبعثيين..." (ص 62). فيُعفى اليساريون والقوميون العرب والبعثيون، شأن من يمتون الى حركات أو جماعات تتستر على أهليتها الاسلامية أو المسلمة العميقة بعمومية جامعة صورية، إيديولوجية وذرائعية عملية، يعفون من نسبهم الأهلي. ويسكت عن تعليل عموميتهم السياسية المعلنة، هم المتحدرون تاريخاً وعصباً من جماعات غالبة وحاكمة في دول وسلطنات الاسلام أو احد مذاهبه دينُ طبقاتها الحاكمة، وسند مشروعيتها وحقها "الطبيعي" في الحكم. وعلى هذا، فالتنبيه الى مذاهب الحاكم، وأهله و"طبقته" أو أعوانه، يحسبه الحاكم طعناً في مشروعيته، وتمييزاً من الكثرة الغالبة وتفريقاً، وتأليباً عليه. والمثال السوري، العلوي، قرينة صارخة على هذا: فالاشارة الخفية أو الهامسة الى مذهب الحاكم وعسكره وأجهزة أمنه ومراقبته عدوان "طائفي"، ويميني، على قول صاحبنا، وقريباً، في بعض الصفحات اللاحقة حين يعالج مراحل انفجار الحروب المتناسلة، عدوان فاشي. وفي الاثناء حل نعت التكفيري محل الفاشي. ومن يطلق النعوت المعيارية، ويعفي نفسه من تقييد المعاني وتعريف المفهومات هو من يجلس في واهمته، على قول بعض الكتاب النهضويين، في كرسي "الدول" التقدمية. وحسبان "اليسار"، أو الجماعات (اللبنانية والعربية) التي تنسب نفسها الى تراث سياسي واجتماعي وفكري أوروبي قام على نقض المراتب في تثبيت شروط المساواة وعمومها، أنه فوق الفروق والحدود الطائفية والمذهبية امتحنه وقوضه خروج هذه الجماعات من المعارضة، ومن الدائرة الاجتماعية الضيقة والطالبيةعلى الاغلب، الى رحاب الساحة والخط الجماهيريين العريضين، والى التربع في السلطة من طريق الانقلاب.
وسبق الحركة "الوطنية" اللبنانية المزعومة، والعروبية العصبية والجهازية فعلاً، الى الولوغ في الصبغة الطائفية قبل ولادة حركات مذهبية متسلطة ومسلحة، إسفارُ البعث "العلماني" في سوريا والعراق عن نظامين اهليين علوي وسني، حال سطو الجهاز الحزبي العسكري أو الميليشياوي على السلطة، وسعيه في إرساء عصبية متماسكة يستمدها جيشَ أنصاره وموظفيه ومواليه والمقاتلين دونه إذا حم الخطب وفشت الحرب الاهلية، وهي أفق الانظمة العلمانية والتقدمية والقومية (العربية) الماثل على الدوام. فليست العلمانية أو العمومية السياسية التي تبيح للكاتب اليوم وأباحت لمن هم مثله في ايام سابقة، إعمال أبواب اليمين واليسار والطائفية والفاشية والوطنية والطبقية... في التأريخ والرواية إلا فضيلة قلة لم يمتحنها "خط الجماهير"، ولم يعركها الحكم وموازين القوة والنفوذ والتمثيل التي تلازمه.
وقد تبدو هذه الملاحظات استطراداً ينحرف بالتعليق على كتاب سليمان تقي الدين عن موضوعه وغرضه. والاستطراد لا شك فيه. ولكنه لا يخرج عن سويته وقصده. فالمسألة الراجحة في نهاية المطاف، وهي لا يسهم التاريخ المفترض في تناولها من قريب أو بعيد، تتناول تحول روافد حركة مدنية ووطنية وديموقراطية اجتماعية من سماتها هذه الى فصيل مقاتل على جبهات حروب عصبية وجهازية استخبارية وإقليمية لا يحيط (الفصيل) ولا يلم بأثخن حبالها فكيف بخيوطها الدقيقة. والحق ان ما جمع شتات الاشخاص والرغبات والحاجات والمصالح الذي ائتلفت منه المنظمة السياسية لاحقاً، وصدرت عنه روافدها، أو رافداها المتشابهان على رغم بعض الفروق، هو نقضان متلازمان: نقض على الحزب الشيوعي اللبناني ونهجه المحابي للثقافة السياسية السوفياتية وتسويغاتها الجهازية والقمعية في الداخل والخارج، ونقض على الناصرية وعروبيتها الفوقية والاهلية وإنكارها حقوق المعارضة والمنازعة ووصايتها على الحركات السياسية والاجتماعية الوطنية. وافترض النقض المزدوج أو المتصل جواز أو إمكان، وفي الاحوال كلها افترض ضرورة تلقائية اجتماعية داخلية أو وطنية تضع الامور في نصابها الحقيقي والصحيح. فتستقر النزاعات والتحالفات على مصالح معلنة ومفهومة؛ وتنكفئ الجماعات من هذه الطريق الى مسرح داخلي وطني ترسم حدوده الفاصلة وقواسمه المشتركة غير المنكرة مفاوضةٌ دائمة هي جزء من إعلان المصالح والحياة السياسية الوطنية داخل الهيئات الدستورية وخارجها؛ ويماشي الإقرار بانفصال المجتمع وحكم الدولة واحدهما من الآخر إقرار بمزاولة الحق في المعارضة والمنازعة بوسائل غير الانتخابات النيابية وتقوم على المواجهة والتأليب والخلاف وامتحان موازين القوى علناً.
وعول النقض المزدوج على هذه الوسائل في سبيل استرجاع "العائلتين" الشيوعية والناصرية الى دائرة سياسية لبنانية مركزها في داخلها. وراهن أصحابه على مفعول مراكمة الاختبارات و"وعيها" وتخزينها، إذا جاز القول. ولم يقتصر معنى "المركز في الداخل" على الاستقلال السياسي و"الامني" الوطني (كان الوقت وقت عبد الحميد السراج والمكتب الثاني...)، فتعدى السياسة والنفوذ الى الحركات الاجتماعية والثقافية، او الى الرأي والاسهام فيها. فلم يبدُ "اللعب" بالاعيان والاحزاب والوزراء وكبار الموظفين والضباط وقبضايات الاحياء ومدراء المصارف ومسؤولي النقابات وأصحاب الامتيازات الصحافية أشد فداحة ووطأة على نضوج "الثورة" أو "الحياة" الاجتماعية والديموقراطية من إقحام الشيوعيين والنصاريين وغيرهم أنصاراً ومحازبين كسالى ولا مبالين ومطيعين على الانتخابات النقابية الحركات المطلبية. وتصورت المواطأة العامة على إدارة مرافق الانتاج والعمل والامن والتأهيل والرأي والخلاف "حبياً"، على ما يقال، ومن وراء ظهر الجمهور أو اصحاب العلاقة، على ما كان اصحاب النقض المزدوج يفضلون القول، في صورة الفضيحة. فنازع أصحاب النقض المزدوج أو دعوتهم ودعواهم، كانت الى بلورة مصالح قاطعة، وناتئة القسمات، يحتكم أصحابها ومنظماتهم علناً الى منافشة لم تكن يومها تسمى هابيرمازية (نسبة الى هانس هابيرماز داعية اخلاقيات المناقشة في دائرة علانية عامة ومشتركة)، والى منازعة تستبعد العنف المباشر ما أمكن.
طبقات صريحة
وكان سائق هذا الرأي أو النازع هو إيقان "ماركسي" بميل الطبقات الحاكمة، وعلى رأسها البورجوازية طبعاً، الى "تغليف" سيطرتها ومصالحها الفظة بـ "مخلفات" أبنية السيطرة السابقة والآفلة وشاراتها، الدينية والقومية والاخلاقية والجمالية. ويقود "التغليف"، وخداعه، الى تضييع الادوات والهويات التاريخية المرسومة والمرجوة معاً، والى تبديد الطاقات في مسرح ظلال وأقنعة لا تتميز مداخله ومخارجه بعضها من بعض. فبورجوازية صريحة وسافرة خير ألف مرة من تكتل أعيان أهل وطوائف وتجار مهاجرين أثرياء وأصحاب مهن حرة بارزين يتسترون على "ديكتاتورية" البورجوازية فيما هم يسعون بين يديها وفي خدمتها لقاء مقايضات باهظة، سياسياً وتاريخياً. وعلى الجهة الاخرى من الصراع الاجتماعي والسياسي، لم يشك دعاة النقض المزدوج في اضطلاع "الوسطاء" بتغليف فادح لموارد "الطبقات الكادحة" النضالية التلقائية، وتزييف لقدرتها على صناعة مثالات اجتماعية وثقافية. واقتضى الامران، إعمال الموارد وصناعة المثالات، تولي من احتار أصحابنا في تسميتهم "بروليتاريا" عصية على الفهم الحسي، "طبقات كادحة ومستغلة" تنم بشكوى وظلامة لا تليقان بالدور الموعود، "طبقات شعبية" غائمة وعائمة، "شعب" يليق بالأعيان السابقين- التصدي لأدوارهم وقضاياهم بأنفسهم، ومن طريق اختباراتهم هم وليس من طريق قيادة بصيرة وعالمة، قوية الشبه بالإمامة المعصومة.
ولم يشك أحد من دعاة النقض المزدوج في "تناقض" هذه الطوبى- من "يوتوبيا" أو جزيرة الواق الواق المنفية من "البلدان" والمحال- وتداعيها. وهي كانت طوبى، أي رجاءً أخروياً وبلورياً كينونياً، تليق بالشبان العشرينيين (والشابات العشرينيات) الذين (واللواتي) طوى العقد الاول من تشاغلهم السياسي، بين الثلث الاول من الستينات ونظيره من السبعينات، صورة رجائهم، ما خلا شطراً راجحاً منهم مضى على بعض خطابة الطوبى وألبسها جسم الفصيل "الوطني" المقاتل تحت لواء "الشعب الفلسطيني اللبناني" و"قواته المشتركة" وفتوحها الدامورية والمتينية والعيشية والصنينية، و"كوادره" المجيدة التي ينشد البك الحاد البصر وجوق هوميرييه بطولاتهم العربية وفروسيتهم الخالدة على الدهر. ولم تكن الطوبى وليدة عمى عن الوقائع الاجتماعية والسياسية، أو جهل مدقع بها. ولا كانت ثمرة هوى بالأفكار و"النظريات" والمناقشة، على قول رائج، وهو هوى لا ينكر. فمصدر "التناقض"، على زعمي، أصلي وتاريخي: نُسبت الى القوى الاجتماعية والسياسية، والى الجماعات على قدر أقل، عقلانية باطنة وجوهرية، من جهة، ودعيت "طليعة" مفترضة، تستحي بطليعتها المدعاة، الى استخراج هذه العقلانية، وصوغ معاييرها، وخزنها وديعةً في متناول القوى الاجتماعية والسياسية، من جهة أخرى.
والعقلانية الباطنة، حين يتحقق وجودها وفعلها وتدرك على هذه الصفة، إنما هي صناعة وإيجاب لا يخلوان من التعسف أو الخلق "الشعري" (والروائي والموسيقي والتصويري...)، ولا تضمن "بنية" دوام فعلها ولا عموم هذا الفعل. فهي رهن الفاعلين: فالعمال قد لا يتماسكون طبقة أو في طبقة، ولا يدركون مصالح مشتركة غير قائمة والحال هذه، ولا يريدون ما يتجاوز تلبية احتياجات ملحة من أي طريق جاءت هذه التلبية. ومثل هذا يصدق في الطبقات الاخرى، وفي الجماعات المتفرقة. والغالب هو حمل القوى الاجتماعية والسياسية على اللحمة أو "الوحدة" أو الهوية من خارج، وفي ظروف تصاحبها الفرادة والاستثناء. فكان النقض المزدوج على الوصايات والرعايات الآمرة والمحرِّفة، وهو افترض قوة وتعبئة وإرادة فاقت بما لا يقاس طاقات المتجندين للمهمة، مقدمة سالبة نيط بها التمهيد لخروج الايجاب التاريخي والثوري الى العلانية والفعل. وأغفل التعويل الجدلي، فيما أغفل، على رغم ملابسته تجريباً ميدانياً أو حقلياً جزئياً، يبالغ سليمان تقي الدين كثيراً في وصفه وتثمينه، تاريخية الرغبات والاهواء والحاجات والاحوال التي تدلف منها القوى الاجتماعية الى الفعل على صوره المعروفة او المجهولة، أو تُسلِّطها على دفعه الفعل وعرقلته وكبحه.
فالمثال المتخيل للعمل السياسي والحياة الشخصية والمهنية والاجتماعية اثناء عقد الستينات اللبناني وافق ربما، لبعض الوقت، رغبات أفراد قليلين وأحوالهم وهم كانوا شطراً محلياً ومولَّداً من جيل "انفجار المواليد" ("بايبي بوم") العالمي في اثناء الحرب الثانية وغداتها مباشرة. وكانت بيروت الكوسموبوليتية، على قول طوني جو(د)ت وقبله جون دوس باسوس (روائي ثلاثية "يو إس إيْ")الاميركيين، والمتوسطية والعثمانية والغربية والاميركية الجنوبية كانت بيروت هذه حضن الرغبات والاهواء والحاجات التي شبهت لبعض شبانها طوباهم، واستدرجتهم اليها، وشاركوا فيها. والقول ان بيروت هذه عجزت عن القيام بأعباء كوسموبوليتها وتبعاتها، فأقام الشطر الغالب من أهلها داخل اسوار خططهم وضواحيهم وبوابات هذه وتلك، قد يكون منقاداً الى التسويغ والاعتذار. ودليلي على صدق هذا القول، أو برهاني، هو أن مناخ سموم الحروب الملبننة، حروب الجماعات والاهل والطوائف والاجهزة والدول والعصابات والشبكات، وطواعينها التي هبت على اللبنانيين، كانت بيروت اللبنانية والمتوسطية والكوسموبوليتية عدوها الكريه واللدود، ومسرحها الاثير