الاثنين، 5 أكتوبر 2009

تاريخ الديانات السياسي قرينة على تبديد السحرمن العالم... أم على عودة الدولة المقدسة؟


المستقبل - 4 /10/ 2009 -
حين زار البابا الكاثوليكي، يوحنا بولس الثاني، وهو الكاردينال كارول فويتيلا البولندي وحبر فرصوفيا (وارسو) الى حين انتخابه الى حبرية روما، بلده الأم، بولندا، في 1979، خرج الى استقباله، والترحيب به، نحو ثلث الشعب البولندي. وكان البولنديون ينعمون بـ «ديموقراطية شعبية» منذ 1945، يسوسها بيد غليظة شيوعيون محليون اشتركوا مع رفاق أماجد في تصفية المقاومة البولندية الداخلية، البورجوازية، «عميلة» لندن، حيث كان يقيم قادتها وديبلوماسيوها بعيداً من موسكو والوطن الاشتراكي، واستخباراته وقتلته. وهؤلاء اغتالوا، في غابة كاتين، القريبة من الحدود البولندية الألمانية، 12 ألف ضابط بولندي (في 1941). واستبقوا، في ذروة الموجة النازية والألمانية الكاسحة، انبعاث جيش وطني، بورجوازي وأوروبي، على حدودهم الغربية وخاصرتهم الطرية. فلم يأمنوا الانبعاث هذا، واغتالوا من طاولتهم أيديهم، في الحال، عسى ولعل. ولم يخرج المؤمنون وحدهم الى الاستقبال والتهليل بل خرج من توسموا في مواطنهم، أول بابا كاثوليكي غير ايطالي منذ أربعة قرون، القوة على إيقاظهم من الاستسلام لجبروت القهر والخوف واليأس. وكان سلاح فويتيلا كرازة ايمان عنيد وواثق، ومعرفة عميقة بركاكة الشيوعيين الحكام، وهزال معتقدهم، وتآكل دولتهم وسلطانهم.[«انبعاث» الدين؟ولم تلبث الزيارة ان أعقبتها زيارات. وسرعان ما أثمرت هذه، منذ الزيارة الأولى، ولادة اتحاد «التضامن» («سوليدارنوسك») النقابي، في 1980، في غدانسك، ميناء البلطيق. وقامت زهرة الطبقة العاملة وريحانتها في المراكز الصناعية الثقيلة والكثيفة، على «حزبها» الذي ندبته، موضوعياً وتاريخياً على ما يفترض، الى تمثيلها وإدارة مصالحها العامة والعليا، في تنسيق وثيق مع الفلاحين والأنتلجينتسيا. وأنكرت عليه سياسته ومزاعمه وجدارته. وطلبت، من غير التواء ولا تلعثم، تولي تمثيلها وحقوقها بيدها هي، من غير وساطة حزبية. ونصب المضربون الصلبان على أبواب المصانع، الى جنب المواقد. وصلوا راكعين خاشعين، في ظلها، تحت سماء غائمة ومكفهرة. فلم يرجع «التقدميون»، اشتراكيين أو غير اشتراكيين، من دهشتهم، وإنكارهم على طبقة عاملة صناعية، في بلد أوروبي متقدم، نكوصها الديني والغيبي هذا، وانحدارها على سلم التاريخ ومراحله.وكان سبق الزيارة البابوية الأولى الى بولندا، في صيف 1979، استقبال الإيرانيين، على نحو «بولندي»، عودة أحد مراجع تقليدهم الإمامي الإثني عشري من منفاه، في شباط 1979، الحاج آغا آية الله «عظمى» روح الله الخميني. وسبق هبوط طائرة المنفي، قادمة من باريس، بأيام قليلة إقلاع طائرة شاهنشاه ايران، محمد رضا بهلوي، الى غير عودة. واختلط في جموع المستقبلين الغفيرة المعممون على مراتبهم والعامة والطبقات الوسطى من تجار البازار والموظفين والمتعلمين والطلاب، وعمال النفط ومصافيه، والمهاجرون الجدد الى أحزمة طهران وغيرها. وحمل الناس القادم من المنفى على إمامهم العادل والمتواضع ومقدمهم، وصاحب جمهوريتهم الإيرانية (والإسلامية؟ تحوم شكوك على وصل الصفة الثانية)، جمهورية عدالة الإسلام، على ما حسبوا، والمساواة من غير قسر ولا «ثورة بيضاء» متعسفة ومستعجلة، ولا إذعان للمصالح الأجنبية الطاغية. فالحاج آغا هو وارث حركة المشروطة، أو الثورة الدستورية الأولى في العالم الإسلامي في 1905. وهو متمم محمد مصدق، مؤمم النفط الإيراني في 1951، وسنده (الموقت) آية الله الكاشاني. وقبل هذا وذاك وبعدهما، الفقيه هو نائب إمام الزمان، المهدي من آل محمد، المبعوث ليملأ الأرض عدلاً بعد ان ملئت جوراً وظلماً. وبين ليلة وضحاها، انقلب الإيرانيون على ما بدا ان إيران سائرة إليه، وميممة نحوه لا محالة، وهو «العلمانية»: مصادرة الأرض الزراعية على كبار ملاكيها (وفيهم بعض كبار العلماء المعممين والأوقاف التي تتولى نظارتها وإدارتها هيئات علماء مدرسين ومدبري أضرحة) وتوزيع بعضها على الفلاحين والمزارعين، ومساواة المرأة بالرجل في الأحوال الشخصية (إلغاء المحاكم الشرعية) والتعليم والعمل، وحظر الحجاب، والتشريع من غير قيد الاحتكام الى الشرع، الخ.ولا يعتد بالمتحفظين، على رغم عددهم ودورهم في إضعاف حكم الشاه وانفضاض الإيرانيين عنه. فهم ، المتحفظون، معظمهم الغالب من النخب الاجتماعية والثقافية المدينية. والثورة هي اولاً ثورة العامة المؤمنة والمحافظة والمشتكية قهر من ليسوا منها، وترى اختلافهم ومباينتهم انسلاخاً وارتداداً وعدواناً. وتديُّن العامة الحقيقي سوغ ظهور الإسلام الإمامي وبروزه من غير منازع، على نحو وقدر ما سوغ استيلاء الجهاز الإكليركي أو السلك العلمائي على مرافق الحكم والإدارة وموارد الثروة الوطنية. فلما آذن قائد الثورة بانعطافه «الإسلامي»، ورمى ورقة التين الوطنية والليبرالية والثورية (بازركان ويزدي وبني صدر و«مجاهدي خلق» وغيرهم)، خيّر المتحفظين والمترددين بين المشي في ركابه وبين نفيهم الى طبقة «المنافقين» العريضة. فرضخ شطر راجح للتخيير، وشطر عريض ممن لم يرضخوا كان نحو العقد من الحرب العراقية ـ الإيرانية ذريعة مديدة لتصفيتهم أو قمعهم وإسكاتهم أو انزوائهم في منفى داخلي واسع. فالحرب الإلهية، والشهادة سلاحُها غير المكافئ الأمضى، ورثت الثورة الإلهية المستمرة.[سلسلة الأسباب والمسبباتوعلى رغم الفروق العميقة بين حركة «التضامن» البولندية وانتفاضة الإيرانيين الخمينية، تشترك الحركتان في انضوائهما تحت رايتين دينيتين أو «روحانيتين»، على ما ذهب إليه أحد أبرز المثقفين الفرنسيين المعاصرين في تناوله قيام الإيرانيين على الشاه وسلطانه. والرايتان تلهمان دعوة الى «الخروج» على «سلسلة الأسباب والمسببات» وقيدها. وحال غزوِ القوات الروسية السوفياتية جار الامبراطورية الأفغاني في آسيا الوسطى، في العام نفسه 1979، اندلعت مقاومة أهلية رفعت، بدورها، لواء الجهاد الإسلامي. وليس ثمة ما يجمع قادة المقاتلين الأفغان السنّة والقبليين والقوميين، من باشتون وطاجيك وأوزبك وهزارة، الى أشباههم الإيرانيين، معممين وحاسرين، للوهلة الأولى أو الثانية أو الثالثة. فلا مصادر الإلهام واحدة أو مشتركة، ولا تاريخ الجماعات متقارب، ولا أبنية الجماعات وأغراضها وغاياتها ووسائلها. ولكن الداعي القوي الى طرد غزاة الشمال، وتطهير بلاد الأفغان من «رجسهم»، ولم شتات الأقوام والبطون والوديان وتعريف هوية تعلّق الاقتتال وتشبك المتقاتلين المقاتلين في حرب على «الكفار»، هذا الداعي والفيصل هو الإسلام. ومكانة الملالي و«العلماء» من اهل الحل والعقد والشورى متواضعة قياساً على نظيرها الإيراني، من غير شك. ولم يسع امراء الحرب وقادتها في رفع مكانة الملالي القلائل، غير ان «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، من طريق الملالي أو غيرهم، بدا ركناً من أركان حرب مديدة وقاسية. والإسلام، على صوره ورسومه، هو ركن هذا الركن ومعينه. فالجماعات تأتي نفسها، وتتعرفها، وتعرفها بواسطة ما يستوي مرجعاً قائماً بنفسه وبعيداً من الجماعات وخارجها. وعلى هذا، فالجهاد الأفغاني «إلهي» شأن «الجهاد» الإيراني، من غير النسبة والإضافة الإيرانيتين أو الجهر الإيراني.وقيام البولنديين على السلطان الشيوعي الزمني والعلماني القاهر، على بعد الشقة بينه وبين الخروج الإيراني وبينه وبين الجهاد الأفغاني، تماسك (قيامهم) بالتعويل على المرجع القائم بنفسه «هذا»، وعلى لائحته المسوِّغة كسر سلسلة الأسباب والمسببات والواعدة بكسرها وفكها وفضها. فإذا جمع الى هذا، وهو كثير، مضي الكاتب الروسي الأرثوذكسي ألكسندر سولجنتسين على «بشارته» بالخلاص من طريق «قديسيه»، إيفان دينيسوفيتش أو ماتريونا أو بعض مرضى جناح السرطان، بينما الجيش الأحمر يذر قرنه في أرجاء العالم (الثالث على الخصوص)، تحقق ما يشبه اليقين بانبعاث الدين، أو الديانات، في الهزيع الأخير من قرن صنع أهلوه بأنفسهم، وبعضهم ببعض، وفي أرضهم ودنياهم، ما لا يصنع، إبادة ودماراً وتحكماً وتفريقاً ونزفاً. وذهب كثر الى تصديق «نبوءة» كاتب فرنسي جهوري الصوت زعم ان القرن الواحد والعشرين لن يكون إلا دينياً («أو لا يكون»، على هوى اللغة الفرنسية واسترسالها اللذين لا يلزمان العربية نقلاً ولا ترجمة)، وما استهلته خاتمة السبعينات أتمته الثمانينات على نحو فاق وعود الأولى. فنهضت المجتمعات المدنية في دول شرق أوروبا ووسطها، وتخففت من نير بيروقراطيات كليانية زعمت لنفسها القوة على تدبير وجوه الاجتماع، وحياة الأفراد، كلها. وصمدت إيران الخمينية على جبهات القتال، وسلاحها القاطع فتيان وشبان يركضون على حقول الألغام وفي أعناقهم مفاتيح الجنان. وتوالت حملات الجيش الأحمر على الولايات الأفغانية من غير ثمرة إلا تعاظم قبضة المنظمات وأجهزة الاستخبارات الحزبية والإقليمية على الأهل في ديراتهم، أو في المهاجر وأحزمتها على الحدود الأفغانية ـ الباكستانية، والحدود الأفغانية ـ الإيرانية.وفي الأثناء، كان ينصرف مدرس وكاتب فرنسي، مارسيل غوشيه، من المتتلمذين على كلود لوفور، أحد رواد نقد الكليانية السوفياتية في ميزان الديموقراطية الليبرالية وتاريخها وأصولها (وليس في ميزان النقاء والإحياء الماركسيين والثوريين على مثال رائج)، الى التفكير في انصرام التدين، والاعتقاد الديني، وأفوله، على زعمه. ووسم كتابه في «المسألة» الدينية المعاصرة بميسم استعاره من احد آباء اجتماعيات الدين والتدين، الألماني ماكس فيبير. فحمل العصر على «تبدد السحر (الديني) من العالم»، وارتفاعه عنه. وعليه، يخلف عالم المؤمنين «المسحور»، على قول يرقى الى الفلاسفة الألمان في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، عالم صارم طلّق أهلوه الكنايات والمجازات، وقصروه على ما يسعهم معرفته واختباره واحتسابه منه ومن أحوالهم وأحوال دنياهم. فلم يبق العالم ولا دنيا الناس، على رغم قول الشاعر، «غابة من الرموز»، ولا كتاباً من العلامات المتصلة والمتواردة منذ البدء وأرحامه الى المنتهى وسدرته. والأغلب ان البشرية تجهل مسالك صنعها التاريخ ووجوه الصنع هذا، ولكنه صنيعها، وعليها تبعاته.[التعريف بالمفارقةوتاريخ الحداثة، وهو أوروبي في معظم فصوله المتأخرة، طويل ومديد. ومدار التاريخ الطويل والمديد. ومدار التاريخ الطويل والمديد هذا على «الخروج من التدين»، على قول مارسيل غوشيه الذي جرى مجرى الشعار في الخمس وعشر سنوات المنقضية، ودعا عدداً من الباحثين، فيهم لوك فيري وريجيس دوبريه وأوليفييه روا وآخرون، الى المناقشة والمجادلة. وتاريخ الحداثة، على الوجه المقترح، لا يقتصر على الأفكار والمعتقدات والمعارف والمباني السياسية والاجتماعية والمعاشية. والأدق القول انه لا يتناولها وهي على الحال الظاهرة هذه من البعثرة والرصف. فهو يتناول انعطافاً اناسياً عريضاً حدّاه الزمنيان القرن السادس عشر الى أواخر القرن العشرين. وذلك قياساً على تاريخ البشرية المديد منذ «الحقبة المحورية»، على قول كارل ياسبرز، في القرن السادس ـ القرن الرابع ق.م. الى «الثورة الديموقراطية» في العصر الحديث. ففي الحقبة المحورية أرست الأديان الكبيرة ومذاهب الحكمة، البوذية الكونفيشيوسية والزرادشتية واليونانية واليهودية، في بؤر التمدن الكبيرة وجوارها، علائق الجماعات بداخلها وخارجها، وتعريف الجماعات نفسها، ورسوم مصائرها، وتوقيع أزمانها وأوقاتها، على المفارقة. فالجماعات والنوع البشري من بعد، هويات ومباني ومصائر وأوقاتاً، لا تقوم بنفسها أو رأسها، أو أودها، على معنى القوَّامية والإعالة والتماسك واحتمال التبعة والصدور (عن مصدر) ـ وذلك على خلاف زعم مشترك وشائع منذ «الثورة الديموقراطية» على امتداد قرونها الخمسة ـ بل تقوم بغيرٍ مفارق على أنحاء كثيرة ومتفرقة. وعلى هذا، فمدار تاريخ الديانة السياسي، أو التاريخ السياسي للتدين، على ما يصرح العنوان الفرعي ويخصص، منذ الحقبة المحورية العتيدة الى الثورة الديموقراطية الحديثة والمعاصرة، إنما هو تاريخ الخروج من المفارقة، والتعويل على غير مفارق في تعريف «النفس» وفك علامات الكون والعالم، الى قيام «النفس» المحايثة هذه بأودها كله، أولاً وآخراً وما بينهما.وعموم الرسم التاريخي وعرضه، على ما هو جلي، لا ينفيان التعقب الدقيق والمرحلي، ولا التخصيص والتبيين. فهما، العموم والعرض، يقتضيان هذه، الدقة والمرحلة والتخصيص، من غير ان يشيح التأريخ عن نظم السياقات الجامعة وإرسائها على مقدمات وأصول «ضرورية»، ليس من تلقائها بل في ضوء بسط السياقات وتركيبها. ومن المقدمات والأصول هذه إيجاب مقاصد تسعى الجماعات (المجتمعات) في بلوغها، وترتب أجزاءها وعلاقات أجزائها بعضها ببعض ورسومها ومراتبها في ضوئها، منذ «القدم». فالقصد، وهو كفء المعنى، لم يطرأ تدريجاً على الإنسان «العاري» (كلود ليفي ـ ستروس) والرازح تحت أثقال الضرورة والعوز والقصور عن الفهم. والحق ان المحدثين والمتأخرين، ومتعقبي أخبار الأمم (الجماعات) وطبقاتها، لا علم لهم إلا بمجتمعات تتضافر مبانيها على أداء قصد، مضمر على الأرجح، يصل بين هذه المباني، ويسوقها سياقة متماسكة على نحو أو آخر. ولم يترتب على الضرورة والعوز والقصور، وهي حقائق استشعرها اهل المجتمعات هذه وليست وليدة أحكام متأخرة زمناً، ذمُها أو انكارها وحملها على مبدأ سالب خالص. فتألَّفت المجتمعات «الأولى»، على ما يقول متحف فرنسي في فنون الأقوام هذه، القصورَ والحاجة والضعف، وأدرجتها وجهاً حميماً من وجوه عقلها حالها، او كينتها وعالمها، وارتضائها هذه الحال. فتصوّر العالم ثابتاً ومرتباً على مراتب لا تحول ينزل من يتصورونه على هذا المثال منازل مناسبة، فلا يراها هؤلاء ضرباً لازباً وقاهراً، ولا يرون «حريتهم» قياماً على المثال الموروث وثورة وتقوضاً. وتعهد الشريعة، وأوامرها ونواهيها، دوام أحكام العمل ومعاييره لا تحول بين معتقديها وبين الصدوع بها صدوعاً لا يشوبه القسر الخارجي و«الآلي».ولعل تعريفَ الدينِ الجامعَ هو قبولُ بل اختيار الجمع، على قول غوشيه، بين مِلك النفس وبين خروجها من مِلك صاحبها معاً، وتركُ السعي في التغلب على الطبيعة والتشريع بحسب الرأي، في سبيل قصد آخر هو التمكين من هوية تامة التعريف ومنيعة من كل أطرافها. وعلى هذا، فالمجتمعات الآبدة هي مجتمعات كاملة المدنية. والفروق الظاهرة بين مجتمعاتنا «التاريخية» وبين المجتمعات الآبدة هي انتفاء الدولة وسر الهوية ودور الدين. فحيث يضطلع الدين بالأدوار كلها، وفيها (أو بينها) دور الدولة من بعد، تنهض علامة فارقة لا ريب فيها. والدولة هي مصدق العلامة هذه، والحادثة العظمى في تاريخ العمران البشري، والقرينة على إنشائه إنشاء جديداً من غير قياس. فثمة زمن ما قبل الدولة، وهو دام عشرات الألوف من السنين، وغلب عليه الدين، ودافعَ الدولةَ وقاومها وحال دون استقرارها، على ما ذهب إليه بيار كلاستر، الأنَّاس الذي يدين له صاحب «تبديد السحر من العالم» بنواة تاريخه هذا. وثمة زمن ما بعد الدولة، ويقتصر على نحو خمسة آلاف سنة، وفي غضونه قارعت السياسة (الدولة مدارها) الدين.[الأصل السابق والمنقطعوعلى الضد من ظن غالب، ليست الديانات «الكبيرة»، أو الديانات «المسكونية» والعالمية، المثال التام للدين وعنه. والأرجح أنها، في مرآة التأريخ المقترح وميزانه، المراحل التي قطعها التدين في مسيره الى الغروب والأفول. وأعظم ديانات التوحيد، وأوسعها انتشاراً، إنما هي ديانة الخروج من التدين، على ما مر القول، أي المسيحية. ووجها التدين والسياسة يُحملان على وجهي اختبار البشر الزمني. فالبشر إما يأتون بعد انقضاء الأمر، وقراره على حال لا يد لهم فيها، وقصاراهم القناعة والصدوع، وإما ينتصبون مصدراً وابتداءً و «منبعاً»، على قول الكاتب، فلا قَبْلَ لهم ولا سابق يدينون له بأنفسهم وبمعاني الخلق. ويدعوهم هذا الى الفعل، وإلى تغيير ما في أنفسهم وما يحوطهم. فإما التسليم بترتيب مقسوم ومقدر، هو دَيْن خالص، وإما الاضطلاع بالمسؤولية عن ترتيب هو ثمرة إرادة أفراد يُزعم سبقهم الآصرة التي تشد بينهم، ويقوم اجتماعهم بها. وما على البشر، في الحال الأولى، إلا اتباع التقليد الثابت رداً لدَيْن الأصل، والاقتصار على حفظه وذكره، وقيام النفس مقامها من الأوقات والمنازل. ويستتبع هذا ضرباً من الاجتماع يضمر، بدوره، علاقة بالزمن تتولاها النفس ولاية تخصصها، وتستوفي تخصيصها. ويأتلف الرسم الاجتماعي هذا من عمارة «الأرض» (الطبيعة)، وجمع الجماعات على عرى دون غيرها، ومن سوس الجماعات بسياسة تلابس رابطة اجتماعها، وسرح تفكير وتدبر تجيل فيه نظرها ورأيها ومقالاتها. ويقضي سبقُ أصلِ الترتيبِ الترتيبَ نفسه، وانقطاعه من الترتيب اللاحق، بغلبة الدين على صور الترتيب (الاجتماع) كلها. والدين هذا قوامه حمل مقادير الاجتماع والنص عليها وتصريفها على الغير (الأصل المفارق)، وإخراجها من يد أهل الاجتماع، وتوكيل التقليد الموروث والثابت بها وحده. وإذا استوى الأصل المفارق ذاتاً، واعتزل خليقته وتربع فوقه وتعالى، لم ينجم عن استوائه في ذاته وتعاليه تعاظم تمكينه وإطلاق هذا التمكين. فهذا أصل يكلم البشر، ويوحي إليهم، ويأمرهم وينهيهم، ويوكلهم بتأويل كلامه، ويجيز لهم تقدير المباحات والمحظورات ومناقشتها والاجتهاد فيها. وعلى هذا، فليست يد الدين مطلقة في تدبير البشر وتصريف شؤونهم، بل يعود شطر من التدبير والتصريف الى البشر أنفسهم، وإلى ولاية بعضهم على بعض. ولكن الطاعة لا تذهب الى أهل الولاية أو الولاة. ولا يسع هؤلاء طلب الطاعة لأنفسهم. فهم يتولون من الناس طاعتَهم الأصلَ، وخروج الناس من مِلك أنفسهم الى مِلك بارئهم، ولا يتولون الاضطلاع بالأمر، ولا يأمرون من تلقائهم.فإذا اضطلع وسيط بين الأصل وبين الخلق بالوساطة، وقام ناس من الأصل وشرائعه وناموسه مقام «الوكلاء»، انعقد الاجتماع في «طوره» هذا على وجهي الوساطة: وجه الاتصال بالأصل، وهو الدين، ووجه الانقطاع من الناس والعلو عليهم وحكمهم، وهو السياسة والدولة. والوجهان متنازعان، على خلاف «الطور» الأول وقراره على انقطاع من الأصل والابتداء لا وَصْلة بعده ولا التئام. فآصرة الحكم والسياسة والأمر تنهض على طرف يباين الصدور الخالص المفترض عن ماض وتقليد موجبين بنفسيهما ومن غير انتصاب وسيط قاهر. ويتصور نصاب الوسيط القاهر في صورة أنصاب وأشراف (نسباً وعترة)، أو في صورة شرائع وحكماء. وقدمت الديانات الشرقية الآسيوية مثال الكون المتصل الغفل والمنطوي على إغفاله وفراغه، فيما قدمت الديانات الأخرى، والديانة اليهودية العَلَم عليها، مثال حمل الألوهة على ذات، وشطر الكون مادة وروحاً. ويتحدر تاريخ الغرب وبلورة السياسة في صيغة المجتمع ـ الدولة، من طريق المسيحية والثقافة اليونانية، من الشعبة الثانية هذه.والرسم العام والعريض هذا، على مثال الرسوم المتزاحمة في أعمال مفكري القرنين الثامن وعشر والتاسع، لا ينكر ذهنيته، أو فكريته. وهو يترتب على فعل أول وموجب، ينزل على منطق متماسك الحلقات، ولا يدين للظروف والملابسات بأصوله. فالديانات الأولى، المنقطعة من الأصل من غير وصلة ولا وساطة، تتفرع على سمات أو مقتضيات محكمة التسلسل الداخلي. ولا فرق بيِّناً بين المجتمعات الأولى التي سبقت الحقبة النيوليتية، واتخاذ الزراعة معاشاً، وبين تلك التي جاءت بعد الحقبة. وتتوسط التسلسل الداخلي هذا حلقة الدَّيْن. ويحمل الدَّينُ الحاضر كله، وقتاً وحياة وكائنات، على هبة أو اعطية مصدرها ابتداء خارج الأوقات والأزمان. واعتقاد الابتداء والدَّين يحكم في المجتمعات الأولى بالثبات على حال لا تحول ولا تزول، وبمدافعة التحول والزوال عن حال الى حال، أي برفض التغير. وليس معنى إرادة الثبات على حال واحدة حقيقةَ هذا الثبات وصدقه، ولا جواز التخفف من التاريخ والبرء فيه. ولكن الإرادة هذه هي وليدة التدين، ومرآتها الصافية. وإنكار التاريخ، أي الانقلاب من حال الى حال وظهور فروق حقيقية بحسب الأحوال، هو جوهر البنيان الديني.ويضمن الانقطاع من الأصل والابتداء انقطاعاً تاماً ألا ينتصب أحد، فرد أو جماعة، بموجب صلة بالأصل أو وساطة مصدراً مستأنفاً للناموس أو الشريعة. فيستوي «الخلق» سواسية مثل أسنان المشط، من غير استثناء ولا شواذ. وتحول السواسية الصارمة دون علو ناس على ناس، وتبطل «المفاضلة» بين الناس، على قول بعض الأثر الإمامي، كما تبطل تصريف أهل الفضل فضلهم سلطاناً على العامة والجمهور وشرفاً. وإبطال السلطان، وانفصاله واختصاصه، وجه من وجوه مدافعة نشطة تتولاها المجتمعات الأولى من طريق مبانيها الاعتقادية والأسطورية والشعائرية والمعاشية التقنية. ولعل القرينة على تعمد الإبطال والمدافعة، من غير ان يستتبع تقرير التعمد غائية أو جهراً وقصداً مدركاً، هي الرئاسة أو المشيخة، وقصرها على القول والمكانة، وإخلاء وفاضها ويدها من قوة الابتداع، أمراً وإنفاذاً. ويحول دون الابتداع، من وجه آخر، إدخال عالم البشر الأحياء والأموات تحت الطبيعة، وباباً منها، من غير انقطاع ولا فرق. وتتولى الديانة، على أحد وجوهها، الإدخال هذا، وردم الفرق بين الكون الطبيعي وبين عالم الإنس، على رغم انسلاخ الآلة المصنوعة واللغة من الكون الطبيعي، وإضمارهما الانتحاء من الطبيعة، والخروج عنها.[التوقيف والاتّباع والحربويترتب على إخراج العلل المحدثة من الخلق وحوادثه إبطال المنازعة القاطعة بين «الخلائق»، وإنكار قيام المنازعة منهم مقام الركن والأساس. فاليقين بأن ما بين البشر ليس من صنعهم أو وضعهم، وبأن السنن التي يجرون عليها توقيف يُتعبدون به، على قول الغزالي، يجعل (اليقين) المنازعةَ محالاً وخُلفاً. والتدين أو التعبد حين يقضي بسبق أصل الجماعة، وبسمو مكانته، إنما يقضي، حكماً، بصدارة الأصل، واستقلاله بنفسه وبخلقه عن إرادات الأفراد الآحاد الذين تأتلف الجماعة ومجتمعها منهم. وسبق الجميع (الجمع أو الكل) الأفراد الآحاد، وتعاليه ومفارقته، يعرّف المجتمعات الجميعية، على الضد من المجتمعات الفردية (ومثالها المتطرف المجتمعات الغربية «الحديثة»)، على معنى فصله الفرنسي لوي (س) ديمون في أعمال تناولت المراتب والطبقات الهندية و «الإيديولوجية» الاقتصادية الأوروبية ومساواتها المنتجين بعضهم ببعض، معاً.وتقوم المجتمعات الجميعية بتبعيتها المطلقة لابتداء تدين له بخلقها، وباتباعها سنناً وتقاليد وسيراً غير مخلوقة، ولا تملك الحياد عنها. ولا يجوز الخلاف على الأمرين، لا على التبعية للابتداء ولا على اتباع السنن والتقاليد والسير المحفوظة. وإذا جازت الحرب بين الجماعات، وفيها، وجب ان تندرج كلها في الأوامر والنواهي الدينية، وأن تصدر عنها، وعن معيار مبادلة متكافئة. ومن هذه الطريق تتفادى الحرب «تمزق المعنى»، على قول الكاتب. وتحكم المبادلة المتكافئة، في هدأة السلم وحروب الثارات، الوفرة والتبديد، وتستأنف استواء الخلق على حاله السوية بعد انحراف مقدر ومعلوم، وتجدد ارتكانه الى علله الأولى والأخيرة، الدينية والاجتماعية معاً. ونظام الحياة، أو آدابها، في إطار يجمع وحدة الجماعة الى ثبات نظامها وقيام ركنها خارجها في واحد، هو نظام الجماعة وقانونها الذي يلابس معاملاتها من غير فرق بين المعيار وبين الوقائع أو الإنّيات. فلا صبوة الى مثال يُخرج الناس من إهابهم وصوابهم، أو عن طورهم، ولا يدعو داعٍ الجماعة الى الانحراف عن سنن السلف.[الدولة والانقسامفإذا انقلب المحدث أو الأصل المفارِق من خارجه ومفارقته وتعاليه الى وسط خلقه، ووسّط بينه، من غير ان يغادر «محله»، وبين خلقه وسائط هي جسره الى خلقه، أو سُلّمهم إليه، تفتق الانقلاب هذا عن بنية جديدة ومختلفة للاجتماع البشري. فالوسيط، وهو الملاك (من ملأكة أو رسالة، بحسب تفسير الطبري عن شيوخه)، ليس من طبائع الخلق، ولا من جبلتهم. وجبلته «النورانية»، بحسب الأثر المتشيع الإمامي في خلق الأئمة، أو «إنسيته الكاملة» بحسب التصوف السني، ترفعه فوق مرتبة البشر وسوادهم. وعلى هذا، فالانقسام الذي باعد الخلق من الأصل، وحفر هاوية بينهما، اغتنى (إذا جاز القول) بانقسام في الخلق نفسه. ونسبَ الانقسامُ بعض الخلق الى علو الأصل ومفارقته، فيما أبقى معظمه على مرتبته الدنيا. وتولت الديانات «الكبيرة»، «المحورية»، الأمرين المتدافعين: تنزيه الأصل عن ملابسة الخلق وتوسيط «ظل» الأصل بينه وبين الخلق معاً.ونشأت الدولة، أو السلطان المفارق، عن انقسام البشر أو الخلق، وترتيبهم على مرتبتين أو طبقتين مصدرهما ملابسة أو محايثة الأصل رابطة البشر وآصرتهم. فمذ ذاك، انتصب في قلب الشاهد المرئي والماثل، محلاً أم سلكاً وهيئة أم فرداً وصلباً، ما يَكْني عن الغيب، ويقوم منه مقام مجازه من غير شبه. والذين يكني بهم الغيب عن نفسه يفترقون عن أشباههم ظاهراً، ويبينون منهم، افتراقاً وبيناً من غير قياس، أي على قدر افتراق الأصل وبينه. ويُوكل الى هؤلاء دعوة الناس الى سلطان الحق، وإلزامهم بإقامته. وسندهم في الدعوة والإقامة هو انه هو الحق ومن عند الحق. ويضمر هذا انتقالاً من حق منزّل، أنزل على الناس ووجدوه ناجزاً، على ما حسب أهل الديانات الأولى، الى حقٍ مُرادٍ يدخل فيه الناس طوعاً أو كرهاً، وتقتضي إقامته دخولهم وصدوعهم وإيمانهم. ولا ينفك الانتقال هذا من تغيير يطرأ على الحق، أي من تاريخ يطاوله ويصيبه. وأول ما يتطاول إليه التغيير هو دائرة المؤمنين وعددهم، واتساع الدائرة وقتاً بعد وقت. فمع دولة الحق ينبسط أفق الفتوح الإمبريالي أو الامبراطوري، وينزع الى عمومية كونية تلم بالأرض وأقطارها. وسلطان الوسطاء، أو القلة المنتخبة، بالإنابة عن الآلهة (الأصل المفارق) هو ابتداء سلطان عموم الناس وسوادهم على الحق المنزّل والممتنع من متناولهم. فافتراض إرادة الدخول في الحق ودولته وسلطانه، أو احتساب هذه الإرادة لا يستقيم من غير حمله الحق على بواعث الإرادة و «أسبابها»، وعلى استجابتها وأوقات الاستجابة.ومذذاك، ومن غير رجوع، والناس على مراتب، شأنهم مع آلهتهم. والترتيبان متصلان ومتلازمان. والمراتب هي حلول الفرق بين الآلهة وبين البشر في قلب الآصرة الاجتماعية ونسيجها، وانتشاره في وجوه العمران كلها. وتكرر المراتب رابطة المجتمع بمبتدئه المنفصل ومحدثه حين يلتقيان، وحيث يلتقيان وينعقد الشاهد على الغيب، ويتربع السلطان. وتتولى المراتب عقل الجسم الاجتماعي الى علته وسببه، وتجديده وحفظه. وهذا ما كانت الشعائر تتولاه من الجسم الاجتماعي قبل الدولة وحدوثها. وعقل الجسم الاجتماعي إلى علته وسببه، وعطفه عليهما، لا ينتهي الى وصلة كاملة، ولا يردم الفرق، وإلا عادت الحال الى ما كانت عليه في الديانة الأولى. فعروة الشاهد المرئي والغيب الخفي مشكلة على الدوام، شأن علاقة المراتب بعضها ببعض. فما يتجسد من الأعلى في الأدنى يفيض عن الظاهر المرئي، وينم بقوة الغيب ودوام غيبه وإلحاحه. وهذه، فيض الغيب وقوته ودوامه، هي ذريعة لاهوت و (علم) كلام في الغيب، أي فيما يفيض منه عن التعيين الأسطوري والفهم البشري. وملابسة الغيب السلطان المنفصل والمفارق يترتب عليها، هذه المرة، جواز التفكير في الغيب وتعاليه، على خلاف حاله في البناء الديني الأول. والثورات الدينية التالية، على معنى الأطوار والأحوال، هي ثمرة جواز التفكر والتدبر والتصفح.ويجلو التفكر، أي جوازه، القطب الذاتي من آصرة المؤمن بالغيب، وآصرة الرعية بالسلطان (العبد بالسيد)، ويخرج القطبَ من سباته أو من إذعانه المسترسل. ولا يؤمَن إفضاء التفكر الذاتي الى دينامية ذاتية تقود بدورها الى التشكك في سلطان الحق على الهيئة التي يتصور عليها. ويدعو التشكك «صاحب» سلطان الحق، أو «نائبه» على القول الإمامي المعروف، الى إرساء فعله، أو «إرادته» و «خطوطه» على القول العثماني، على إرادة عالية وهمايونية تمسك البيت السماوي والأرضي ان «يتداعى» وينهار. ومن هذا الطريق، يبطل أو يقيد سلطان الماضي على الحاضر، ويتخصص الفاعلون، ويخرجون من إغفال أنصاف الآلهة أو الأبطال الذين يملأون أساطير الأولين وقصصهم الى ضوء التعريف والتسويغ. ويطاول التعريفُ الأصل المفارق، فيستقر على اسم وهوية وصفات. ويطاول التسويغ والتعليل إرادته وأفعاله وعلمه، واشتباك هذه بحوادث العالم. وتغلب الدينامية الذاتية على قطبي الانقسام السياسي الإلهي، وعلى مسالكهما، وتنقلب الديانة تاريخاً، أي تحل التاريخَ، فتمسي مادته مادتها، ومادتها مادته.وتتعهد الحرب (الأولى) تشطير المجتمعات. ويسوق مثالُ الوحدة الضاوية والتامة التشطير والانقسام المتصلين. فيقضي المثال بطرد أجزاء من المتجمعات المتحاربة، وقد يقضي بتدميرها، ولكنه لا يتولى ضمها أو دمجها واستيعابها. وهذا خلاف منطق الدولة ونازعها الأصيل والمتمكن الى التوسع والضم والتذويب. فعلاقة السلطة تحول دون استقرار قطبيها، الأعلى والأدنى، على حال ثابتة، وتحمل القطب المهيمن على طلب هيمنة أعلى وأعظم. والملك حقيقة وفعلاً هو ملك الملوك، والشيخ هو شيخ المشايخ، وآية الله ولو عظمى هو آية آيات الله العظمى (على ما قيل في محمد باقر الصدر أو في روح الله خميني). وعلى المنطق نفسه، يتسيد ملك الملوك، أو الخاقان، على المشرق والمغرب، وعلى البرين والبحرين، ويتوق الى جباية خراج السحابة أينما أمطرت. فالأرض كلها، أو «الأرضين» على قول عربي شاع الى منتصف القرن الماضي، هي حد فتوحه المترامية.والجامع (البشري) العام والكوني، وما يلم بـ «الناس كلهم»، طرأ على الفكر من باب الممالك «العظيمة». فكان منعطفاً إنسانياً وثقافياً، وميزاناً وُزن العالم، وحوادثه وجهاته واختباراته، في كفتيه. وحمل المنعطف هذا الديانات والأفكار على احتسابه، واحتساب عنفه وفتوحه ونازعه الى الجمع والتوحيد، في ثنايا مبانيها. والحق ان أفق الجامع العام والكوني، أي أفق السيطرة الامبريالية والكونية، شطر التجربة الدينية شطرين متباعدين: واحداً يومياً ومحلياً يُعنى بأحكام عمل اليوم والليلة ومثاله السنن والسير، وآخر عينه على ذرى الكون والعالم وتقلبات أحوالهما ومصائرهما. وانشغلت «الحياة الروحية»، وما يسمى الصوفية في أقاليمنا، بالتوفيق بين الشطرين، و«الإصعاد» من الأول الى الثاني، والتماس الإيذان بهذا في ذاك واحتجابه فيه. ويعول التدين على جمع الشطرين والوجهين في واحد، وهو يتولى الجمع هذا، على نحو ما يتولاه منطق الدولة وسريانه في مباني الاجتماع التي تضمره على انحاء متفرقة.ويتألق الجمع تألقاً مشهوداً في «الأنبياء» ودعاة الديانات الكبيرة و «المحوربة». ويدخل الأفراد، أي من هم على حدة من الجمع الغفل، تاريخ الحوادث وذاكرة المجتمعات، في معية ديانات الحقبة المحورية وظهورها وانتشارها. ويشتبك القديم والمحدث في التجديد الديني هذا اشتباكاً قوياً ومعقداً، ويلد في سياقة سيرورة واحدة انقسام الغيب والشاهد وحمل الألوهة على ذاته. ويضمر الانقسام والحمل هذان، وهما أفضيا الى مثال الواحد وفكرته، الجذور الروحية للعقل. فعلى خلاف الكثرة المرسلة والأسطورية، وعالمها الناجز والماثل كله، يفترض ازدواج الخلق، وتصور «صاحبه» في صورة مفردة، نظاماً تتماسك به المثنوية (الازدواج)، وتستدل به الأفهام الى مسالك الجمع بين دفتي الخلق. وهي مسالك المفارقة «الجديدة» والمفضية الى ولادة العالم التاريخي الحديث في غمرة مخاض دام 25 قرناً تقريباً.

ليست هناك تعليقات: