الاثنين، 5 أكتوبر 2009

تاريخ الديانات السياسي قرينة على تبديد السحرمن العالم... أم على عودة الدولة المقدسة؟


المستقبل - 4 /10/ 2009 -
حين زار البابا الكاثوليكي، يوحنا بولس الثاني، وهو الكاردينال كارول فويتيلا البولندي وحبر فرصوفيا (وارسو) الى حين انتخابه الى حبرية روما، بلده الأم، بولندا، في 1979، خرج الى استقباله، والترحيب به، نحو ثلث الشعب البولندي. وكان البولنديون ينعمون بـ «ديموقراطية شعبية» منذ 1945، يسوسها بيد غليظة شيوعيون محليون اشتركوا مع رفاق أماجد في تصفية المقاومة البولندية الداخلية، البورجوازية، «عميلة» لندن، حيث كان يقيم قادتها وديبلوماسيوها بعيداً من موسكو والوطن الاشتراكي، واستخباراته وقتلته. وهؤلاء اغتالوا، في غابة كاتين، القريبة من الحدود البولندية الألمانية، 12 ألف ضابط بولندي (في 1941). واستبقوا، في ذروة الموجة النازية والألمانية الكاسحة، انبعاث جيش وطني، بورجوازي وأوروبي، على حدودهم الغربية وخاصرتهم الطرية. فلم يأمنوا الانبعاث هذا، واغتالوا من طاولتهم أيديهم، في الحال، عسى ولعل. ولم يخرج المؤمنون وحدهم الى الاستقبال والتهليل بل خرج من توسموا في مواطنهم، أول بابا كاثوليكي غير ايطالي منذ أربعة قرون، القوة على إيقاظهم من الاستسلام لجبروت القهر والخوف واليأس. وكان سلاح فويتيلا كرازة ايمان عنيد وواثق، ومعرفة عميقة بركاكة الشيوعيين الحكام، وهزال معتقدهم، وتآكل دولتهم وسلطانهم.[«انبعاث» الدين؟ولم تلبث الزيارة ان أعقبتها زيارات. وسرعان ما أثمرت هذه، منذ الزيارة الأولى، ولادة اتحاد «التضامن» («سوليدارنوسك») النقابي، في 1980، في غدانسك، ميناء البلطيق. وقامت زهرة الطبقة العاملة وريحانتها في المراكز الصناعية الثقيلة والكثيفة، على «حزبها» الذي ندبته، موضوعياً وتاريخياً على ما يفترض، الى تمثيلها وإدارة مصالحها العامة والعليا، في تنسيق وثيق مع الفلاحين والأنتلجينتسيا. وأنكرت عليه سياسته ومزاعمه وجدارته. وطلبت، من غير التواء ولا تلعثم، تولي تمثيلها وحقوقها بيدها هي، من غير وساطة حزبية. ونصب المضربون الصلبان على أبواب المصانع، الى جنب المواقد. وصلوا راكعين خاشعين، في ظلها، تحت سماء غائمة ومكفهرة. فلم يرجع «التقدميون»، اشتراكيين أو غير اشتراكيين، من دهشتهم، وإنكارهم على طبقة عاملة صناعية، في بلد أوروبي متقدم، نكوصها الديني والغيبي هذا، وانحدارها على سلم التاريخ ومراحله.وكان سبق الزيارة البابوية الأولى الى بولندا، في صيف 1979، استقبال الإيرانيين، على نحو «بولندي»، عودة أحد مراجع تقليدهم الإمامي الإثني عشري من منفاه، في شباط 1979، الحاج آغا آية الله «عظمى» روح الله الخميني. وسبق هبوط طائرة المنفي، قادمة من باريس، بأيام قليلة إقلاع طائرة شاهنشاه ايران، محمد رضا بهلوي، الى غير عودة. واختلط في جموع المستقبلين الغفيرة المعممون على مراتبهم والعامة والطبقات الوسطى من تجار البازار والموظفين والمتعلمين والطلاب، وعمال النفط ومصافيه، والمهاجرون الجدد الى أحزمة طهران وغيرها. وحمل الناس القادم من المنفى على إمامهم العادل والمتواضع ومقدمهم، وصاحب جمهوريتهم الإيرانية (والإسلامية؟ تحوم شكوك على وصل الصفة الثانية)، جمهورية عدالة الإسلام، على ما حسبوا، والمساواة من غير قسر ولا «ثورة بيضاء» متعسفة ومستعجلة، ولا إذعان للمصالح الأجنبية الطاغية. فالحاج آغا هو وارث حركة المشروطة، أو الثورة الدستورية الأولى في العالم الإسلامي في 1905. وهو متمم محمد مصدق، مؤمم النفط الإيراني في 1951، وسنده (الموقت) آية الله الكاشاني. وقبل هذا وذاك وبعدهما، الفقيه هو نائب إمام الزمان، المهدي من آل محمد، المبعوث ليملأ الأرض عدلاً بعد ان ملئت جوراً وظلماً. وبين ليلة وضحاها، انقلب الإيرانيون على ما بدا ان إيران سائرة إليه، وميممة نحوه لا محالة، وهو «العلمانية»: مصادرة الأرض الزراعية على كبار ملاكيها (وفيهم بعض كبار العلماء المعممين والأوقاف التي تتولى نظارتها وإدارتها هيئات علماء مدرسين ومدبري أضرحة) وتوزيع بعضها على الفلاحين والمزارعين، ومساواة المرأة بالرجل في الأحوال الشخصية (إلغاء المحاكم الشرعية) والتعليم والعمل، وحظر الحجاب، والتشريع من غير قيد الاحتكام الى الشرع، الخ.ولا يعتد بالمتحفظين، على رغم عددهم ودورهم في إضعاف حكم الشاه وانفضاض الإيرانيين عنه. فهم ، المتحفظون، معظمهم الغالب من النخب الاجتماعية والثقافية المدينية. والثورة هي اولاً ثورة العامة المؤمنة والمحافظة والمشتكية قهر من ليسوا منها، وترى اختلافهم ومباينتهم انسلاخاً وارتداداً وعدواناً. وتديُّن العامة الحقيقي سوغ ظهور الإسلام الإمامي وبروزه من غير منازع، على نحو وقدر ما سوغ استيلاء الجهاز الإكليركي أو السلك العلمائي على مرافق الحكم والإدارة وموارد الثروة الوطنية. فلما آذن قائد الثورة بانعطافه «الإسلامي»، ورمى ورقة التين الوطنية والليبرالية والثورية (بازركان ويزدي وبني صدر و«مجاهدي خلق» وغيرهم)، خيّر المتحفظين والمترددين بين المشي في ركابه وبين نفيهم الى طبقة «المنافقين» العريضة. فرضخ شطر راجح للتخيير، وشطر عريض ممن لم يرضخوا كان نحو العقد من الحرب العراقية ـ الإيرانية ذريعة مديدة لتصفيتهم أو قمعهم وإسكاتهم أو انزوائهم في منفى داخلي واسع. فالحرب الإلهية، والشهادة سلاحُها غير المكافئ الأمضى، ورثت الثورة الإلهية المستمرة.[سلسلة الأسباب والمسبباتوعلى رغم الفروق العميقة بين حركة «التضامن» البولندية وانتفاضة الإيرانيين الخمينية، تشترك الحركتان في انضوائهما تحت رايتين دينيتين أو «روحانيتين»، على ما ذهب إليه أحد أبرز المثقفين الفرنسيين المعاصرين في تناوله قيام الإيرانيين على الشاه وسلطانه. والرايتان تلهمان دعوة الى «الخروج» على «سلسلة الأسباب والمسببات» وقيدها. وحال غزوِ القوات الروسية السوفياتية جار الامبراطورية الأفغاني في آسيا الوسطى، في العام نفسه 1979، اندلعت مقاومة أهلية رفعت، بدورها، لواء الجهاد الإسلامي. وليس ثمة ما يجمع قادة المقاتلين الأفغان السنّة والقبليين والقوميين، من باشتون وطاجيك وأوزبك وهزارة، الى أشباههم الإيرانيين، معممين وحاسرين، للوهلة الأولى أو الثانية أو الثالثة. فلا مصادر الإلهام واحدة أو مشتركة، ولا تاريخ الجماعات متقارب، ولا أبنية الجماعات وأغراضها وغاياتها ووسائلها. ولكن الداعي القوي الى طرد غزاة الشمال، وتطهير بلاد الأفغان من «رجسهم»، ولم شتات الأقوام والبطون والوديان وتعريف هوية تعلّق الاقتتال وتشبك المتقاتلين المقاتلين في حرب على «الكفار»، هذا الداعي والفيصل هو الإسلام. ومكانة الملالي و«العلماء» من اهل الحل والعقد والشورى متواضعة قياساً على نظيرها الإيراني، من غير شك. ولم يسع امراء الحرب وقادتها في رفع مكانة الملالي القلائل، غير ان «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، من طريق الملالي أو غيرهم، بدا ركناً من أركان حرب مديدة وقاسية. والإسلام، على صوره ورسومه، هو ركن هذا الركن ومعينه. فالجماعات تأتي نفسها، وتتعرفها، وتعرفها بواسطة ما يستوي مرجعاً قائماً بنفسه وبعيداً من الجماعات وخارجها. وعلى هذا، فالجهاد الأفغاني «إلهي» شأن «الجهاد» الإيراني، من غير النسبة والإضافة الإيرانيتين أو الجهر الإيراني.وقيام البولنديين على السلطان الشيوعي الزمني والعلماني القاهر، على بعد الشقة بينه وبين الخروج الإيراني وبينه وبين الجهاد الأفغاني، تماسك (قيامهم) بالتعويل على المرجع القائم بنفسه «هذا»، وعلى لائحته المسوِّغة كسر سلسلة الأسباب والمسببات والواعدة بكسرها وفكها وفضها. فإذا جمع الى هذا، وهو كثير، مضي الكاتب الروسي الأرثوذكسي ألكسندر سولجنتسين على «بشارته» بالخلاص من طريق «قديسيه»، إيفان دينيسوفيتش أو ماتريونا أو بعض مرضى جناح السرطان، بينما الجيش الأحمر يذر قرنه في أرجاء العالم (الثالث على الخصوص)، تحقق ما يشبه اليقين بانبعاث الدين، أو الديانات، في الهزيع الأخير من قرن صنع أهلوه بأنفسهم، وبعضهم ببعض، وفي أرضهم ودنياهم، ما لا يصنع، إبادة ودماراً وتحكماً وتفريقاً ونزفاً. وذهب كثر الى تصديق «نبوءة» كاتب فرنسي جهوري الصوت زعم ان القرن الواحد والعشرين لن يكون إلا دينياً («أو لا يكون»، على هوى اللغة الفرنسية واسترسالها اللذين لا يلزمان العربية نقلاً ولا ترجمة)، وما استهلته خاتمة السبعينات أتمته الثمانينات على نحو فاق وعود الأولى. فنهضت المجتمعات المدنية في دول شرق أوروبا ووسطها، وتخففت من نير بيروقراطيات كليانية زعمت لنفسها القوة على تدبير وجوه الاجتماع، وحياة الأفراد، كلها. وصمدت إيران الخمينية على جبهات القتال، وسلاحها القاطع فتيان وشبان يركضون على حقول الألغام وفي أعناقهم مفاتيح الجنان. وتوالت حملات الجيش الأحمر على الولايات الأفغانية من غير ثمرة إلا تعاظم قبضة المنظمات وأجهزة الاستخبارات الحزبية والإقليمية على الأهل في ديراتهم، أو في المهاجر وأحزمتها على الحدود الأفغانية ـ الباكستانية، والحدود الأفغانية ـ الإيرانية.وفي الأثناء، كان ينصرف مدرس وكاتب فرنسي، مارسيل غوشيه، من المتتلمذين على كلود لوفور، أحد رواد نقد الكليانية السوفياتية في ميزان الديموقراطية الليبرالية وتاريخها وأصولها (وليس في ميزان النقاء والإحياء الماركسيين والثوريين على مثال رائج)، الى التفكير في انصرام التدين، والاعتقاد الديني، وأفوله، على زعمه. ووسم كتابه في «المسألة» الدينية المعاصرة بميسم استعاره من احد آباء اجتماعيات الدين والتدين، الألماني ماكس فيبير. فحمل العصر على «تبدد السحر (الديني) من العالم»، وارتفاعه عنه. وعليه، يخلف عالم المؤمنين «المسحور»، على قول يرقى الى الفلاسفة الألمان في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، عالم صارم طلّق أهلوه الكنايات والمجازات، وقصروه على ما يسعهم معرفته واختباره واحتسابه منه ومن أحوالهم وأحوال دنياهم. فلم يبق العالم ولا دنيا الناس، على رغم قول الشاعر، «غابة من الرموز»، ولا كتاباً من العلامات المتصلة والمتواردة منذ البدء وأرحامه الى المنتهى وسدرته. والأغلب ان البشرية تجهل مسالك صنعها التاريخ ووجوه الصنع هذا، ولكنه صنيعها، وعليها تبعاته.[التعريف بالمفارقةوتاريخ الحداثة، وهو أوروبي في معظم فصوله المتأخرة، طويل ومديد. ومدار التاريخ الطويل والمديد. ومدار التاريخ الطويل والمديد هذا على «الخروج من التدين»، على قول مارسيل غوشيه الذي جرى مجرى الشعار في الخمس وعشر سنوات المنقضية، ودعا عدداً من الباحثين، فيهم لوك فيري وريجيس دوبريه وأوليفييه روا وآخرون، الى المناقشة والمجادلة. وتاريخ الحداثة، على الوجه المقترح، لا يقتصر على الأفكار والمعتقدات والمعارف والمباني السياسية والاجتماعية والمعاشية. والأدق القول انه لا يتناولها وهي على الحال الظاهرة هذه من البعثرة والرصف. فهو يتناول انعطافاً اناسياً عريضاً حدّاه الزمنيان القرن السادس عشر الى أواخر القرن العشرين. وذلك قياساً على تاريخ البشرية المديد منذ «الحقبة المحورية»، على قول كارل ياسبرز، في القرن السادس ـ القرن الرابع ق.م. الى «الثورة الديموقراطية» في العصر الحديث. ففي الحقبة المحورية أرست الأديان الكبيرة ومذاهب الحكمة، البوذية الكونفيشيوسية والزرادشتية واليونانية واليهودية، في بؤر التمدن الكبيرة وجوارها، علائق الجماعات بداخلها وخارجها، وتعريف الجماعات نفسها، ورسوم مصائرها، وتوقيع أزمانها وأوقاتها، على المفارقة. فالجماعات والنوع البشري من بعد، هويات ومباني ومصائر وأوقاتاً، لا تقوم بنفسها أو رأسها، أو أودها، على معنى القوَّامية والإعالة والتماسك واحتمال التبعة والصدور (عن مصدر) ـ وذلك على خلاف زعم مشترك وشائع منذ «الثورة الديموقراطية» على امتداد قرونها الخمسة ـ بل تقوم بغيرٍ مفارق على أنحاء كثيرة ومتفرقة. وعلى هذا، فمدار تاريخ الديانة السياسي، أو التاريخ السياسي للتدين، على ما يصرح العنوان الفرعي ويخصص، منذ الحقبة المحورية العتيدة الى الثورة الديموقراطية الحديثة والمعاصرة، إنما هو تاريخ الخروج من المفارقة، والتعويل على غير مفارق في تعريف «النفس» وفك علامات الكون والعالم، الى قيام «النفس» المحايثة هذه بأودها كله، أولاً وآخراً وما بينهما.وعموم الرسم التاريخي وعرضه، على ما هو جلي، لا ينفيان التعقب الدقيق والمرحلي، ولا التخصيص والتبيين. فهما، العموم والعرض، يقتضيان هذه، الدقة والمرحلة والتخصيص، من غير ان يشيح التأريخ عن نظم السياقات الجامعة وإرسائها على مقدمات وأصول «ضرورية»، ليس من تلقائها بل في ضوء بسط السياقات وتركيبها. ومن المقدمات والأصول هذه إيجاب مقاصد تسعى الجماعات (المجتمعات) في بلوغها، وترتب أجزاءها وعلاقات أجزائها بعضها ببعض ورسومها ومراتبها في ضوئها، منذ «القدم». فالقصد، وهو كفء المعنى، لم يطرأ تدريجاً على الإنسان «العاري» (كلود ليفي ـ ستروس) والرازح تحت أثقال الضرورة والعوز والقصور عن الفهم. والحق ان المحدثين والمتأخرين، ومتعقبي أخبار الأمم (الجماعات) وطبقاتها، لا علم لهم إلا بمجتمعات تتضافر مبانيها على أداء قصد، مضمر على الأرجح، يصل بين هذه المباني، ويسوقها سياقة متماسكة على نحو أو آخر. ولم يترتب على الضرورة والعوز والقصور، وهي حقائق استشعرها اهل المجتمعات هذه وليست وليدة أحكام متأخرة زمناً، ذمُها أو انكارها وحملها على مبدأ سالب خالص. فتألَّفت المجتمعات «الأولى»، على ما يقول متحف فرنسي في فنون الأقوام هذه، القصورَ والحاجة والضعف، وأدرجتها وجهاً حميماً من وجوه عقلها حالها، او كينتها وعالمها، وارتضائها هذه الحال. فتصوّر العالم ثابتاً ومرتباً على مراتب لا تحول ينزل من يتصورونه على هذا المثال منازل مناسبة، فلا يراها هؤلاء ضرباً لازباً وقاهراً، ولا يرون «حريتهم» قياماً على المثال الموروث وثورة وتقوضاً. وتعهد الشريعة، وأوامرها ونواهيها، دوام أحكام العمل ومعاييره لا تحول بين معتقديها وبين الصدوع بها صدوعاً لا يشوبه القسر الخارجي و«الآلي».ولعل تعريفَ الدينِ الجامعَ هو قبولُ بل اختيار الجمع، على قول غوشيه، بين مِلك النفس وبين خروجها من مِلك صاحبها معاً، وتركُ السعي في التغلب على الطبيعة والتشريع بحسب الرأي، في سبيل قصد آخر هو التمكين من هوية تامة التعريف ومنيعة من كل أطرافها. وعلى هذا، فالمجتمعات الآبدة هي مجتمعات كاملة المدنية. والفروق الظاهرة بين مجتمعاتنا «التاريخية» وبين المجتمعات الآبدة هي انتفاء الدولة وسر الهوية ودور الدين. فحيث يضطلع الدين بالأدوار كلها، وفيها (أو بينها) دور الدولة من بعد، تنهض علامة فارقة لا ريب فيها. والدولة هي مصدق العلامة هذه، والحادثة العظمى في تاريخ العمران البشري، والقرينة على إنشائه إنشاء جديداً من غير قياس. فثمة زمن ما قبل الدولة، وهو دام عشرات الألوف من السنين، وغلب عليه الدين، ودافعَ الدولةَ وقاومها وحال دون استقرارها، على ما ذهب إليه بيار كلاستر، الأنَّاس الذي يدين له صاحب «تبديد السحر من العالم» بنواة تاريخه هذا. وثمة زمن ما بعد الدولة، ويقتصر على نحو خمسة آلاف سنة، وفي غضونه قارعت السياسة (الدولة مدارها) الدين.[الأصل السابق والمنقطعوعلى الضد من ظن غالب، ليست الديانات «الكبيرة»، أو الديانات «المسكونية» والعالمية، المثال التام للدين وعنه. والأرجح أنها، في مرآة التأريخ المقترح وميزانه، المراحل التي قطعها التدين في مسيره الى الغروب والأفول. وأعظم ديانات التوحيد، وأوسعها انتشاراً، إنما هي ديانة الخروج من التدين، على ما مر القول، أي المسيحية. ووجها التدين والسياسة يُحملان على وجهي اختبار البشر الزمني. فالبشر إما يأتون بعد انقضاء الأمر، وقراره على حال لا يد لهم فيها، وقصاراهم القناعة والصدوع، وإما ينتصبون مصدراً وابتداءً و «منبعاً»، على قول الكاتب، فلا قَبْلَ لهم ولا سابق يدينون له بأنفسهم وبمعاني الخلق. ويدعوهم هذا الى الفعل، وإلى تغيير ما في أنفسهم وما يحوطهم. فإما التسليم بترتيب مقسوم ومقدر، هو دَيْن خالص، وإما الاضطلاع بالمسؤولية عن ترتيب هو ثمرة إرادة أفراد يُزعم سبقهم الآصرة التي تشد بينهم، ويقوم اجتماعهم بها. وما على البشر، في الحال الأولى، إلا اتباع التقليد الثابت رداً لدَيْن الأصل، والاقتصار على حفظه وذكره، وقيام النفس مقامها من الأوقات والمنازل. ويستتبع هذا ضرباً من الاجتماع يضمر، بدوره، علاقة بالزمن تتولاها النفس ولاية تخصصها، وتستوفي تخصيصها. ويأتلف الرسم الاجتماعي هذا من عمارة «الأرض» (الطبيعة)، وجمع الجماعات على عرى دون غيرها، ومن سوس الجماعات بسياسة تلابس رابطة اجتماعها، وسرح تفكير وتدبر تجيل فيه نظرها ورأيها ومقالاتها. ويقضي سبقُ أصلِ الترتيبِ الترتيبَ نفسه، وانقطاعه من الترتيب اللاحق، بغلبة الدين على صور الترتيب (الاجتماع) كلها. والدين هذا قوامه حمل مقادير الاجتماع والنص عليها وتصريفها على الغير (الأصل المفارق)، وإخراجها من يد أهل الاجتماع، وتوكيل التقليد الموروث والثابت بها وحده. وإذا استوى الأصل المفارق ذاتاً، واعتزل خليقته وتربع فوقه وتعالى، لم ينجم عن استوائه في ذاته وتعاليه تعاظم تمكينه وإطلاق هذا التمكين. فهذا أصل يكلم البشر، ويوحي إليهم، ويأمرهم وينهيهم، ويوكلهم بتأويل كلامه، ويجيز لهم تقدير المباحات والمحظورات ومناقشتها والاجتهاد فيها. وعلى هذا، فليست يد الدين مطلقة في تدبير البشر وتصريف شؤونهم، بل يعود شطر من التدبير والتصريف الى البشر أنفسهم، وإلى ولاية بعضهم على بعض. ولكن الطاعة لا تذهب الى أهل الولاية أو الولاة. ولا يسع هؤلاء طلب الطاعة لأنفسهم. فهم يتولون من الناس طاعتَهم الأصلَ، وخروج الناس من مِلك أنفسهم الى مِلك بارئهم، ولا يتولون الاضطلاع بالأمر، ولا يأمرون من تلقائهم.فإذا اضطلع وسيط بين الأصل وبين الخلق بالوساطة، وقام ناس من الأصل وشرائعه وناموسه مقام «الوكلاء»، انعقد الاجتماع في «طوره» هذا على وجهي الوساطة: وجه الاتصال بالأصل، وهو الدين، ووجه الانقطاع من الناس والعلو عليهم وحكمهم، وهو السياسة والدولة. والوجهان متنازعان، على خلاف «الطور» الأول وقراره على انقطاع من الأصل والابتداء لا وَصْلة بعده ولا التئام. فآصرة الحكم والسياسة والأمر تنهض على طرف يباين الصدور الخالص المفترض عن ماض وتقليد موجبين بنفسيهما ومن غير انتصاب وسيط قاهر. ويتصور نصاب الوسيط القاهر في صورة أنصاب وأشراف (نسباً وعترة)، أو في صورة شرائع وحكماء. وقدمت الديانات الشرقية الآسيوية مثال الكون المتصل الغفل والمنطوي على إغفاله وفراغه، فيما قدمت الديانات الأخرى، والديانة اليهودية العَلَم عليها، مثال حمل الألوهة على ذات، وشطر الكون مادة وروحاً. ويتحدر تاريخ الغرب وبلورة السياسة في صيغة المجتمع ـ الدولة، من طريق المسيحية والثقافة اليونانية، من الشعبة الثانية هذه.والرسم العام والعريض هذا، على مثال الرسوم المتزاحمة في أعمال مفكري القرنين الثامن وعشر والتاسع، لا ينكر ذهنيته، أو فكريته. وهو يترتب على فعل أول وموجب، ينزل على منطق متماسك الحلقات، ولا يدين للظروف والملابسات بأصوله. فالديانات الأولى، المنقطعة من الأصل من غير وصلة ولا وساطة، تتفرع على سمات أو مقتضيات محكمة التسلسل الداخلي. ولا فرق بيِّناً بين المجتمعات الأولى التي سبقت الحقبة النيوليتية، واتخاذ الزراعة معاشاً، وبين تلك التي جاءت بعد الحقبة. وتتوسط التسلسل الداخلي هذا حلقة الدَّيْن. ويحمل الدَّينُ الحاضر كله، وقتاً وحياة وكائنات، على هبة أو اعطية مصدرها ابتداء خارج الأوقات والأزمان. واعتقاد الابتداء والدَّين يحكم في المجتمعات الأولى بالثبات على حال لا تحول ولا تزول، وبمدافعة التحول والزوال عن حال الى حال، أي برفض التغير. وليس معنى إرادة الثبات على حال واحدة حقيقةَ هذا الثبات وصدقه، ولا جواز التخفف من التاريخ والبرء فيه. ولكن الإرادة هذه هي وليدة التدين، ومرآتها الصافية. وإنكار التاريخ، أي الانقلاب من حال الى حال وظهور فروق حقيقية بحسب الأحوال، هو جوهر البنيان الديني.ويضمن الانقطاع من الأصل والابتداء انقطاعاً تاماً ألا ينتصب أحد، فرد أو جماعة، بموجب صلة بالأصل أو وساطة مصدراً مستأنفاً للناموس أو الشريعة. فيستوي «الخلق» سواسية مثل أسنان المشط، من غير استثناء ولا شواذ. وتحول السواسية الصارمة دون علو ناس على ناس، وتبطل «المفاضلة» بين الناس، على قول بعض الأثر الإمامي، كما تبطل تصريف أهل الفضل فضلهم سلطاناً على العامة والجمهور وشرفاً. وإبطال السلطان، وانفصاله واختصاصه، وجه من وجوه مدافعة نشطة تتولاها المجتمعات الأولى من طريق مبانيها الاعتقادية والأسطورية والشعائرية والمعاشية التقنية. ولعل القرينة على تعمد الإبطال والمدافعة، من غير ان يستتبع تقرير التعمد غائية أو جهراً وقصداً مدركاً، هي الرئاسة أو المشيخة، وقصرها على القول والمكانة، وإخلاء وفاضها ويدها من قوة الابتداع، أمراً وإنفاذاً. ويحول دون الابتداع، من وجه آخر، إدخال عالم البشر الأحياء والأموات تحت الطبيعة، وباباً منها، من غير انقطاع ولا فرق. وتتولى الديانة، على أحد وجوهها، الإدخال هذا، وردم الفرق بين الكون الطبيعي وبين عالم الإنس، على رغم انسلاخ الآلة المصنوعة واللغة من الكون الطبيعي، وإضمارهما الانتحاء من الطبيعة، والخروج عنها.[التوقيف والاتّباع والحربويترتب على إخراج العلل المحدثة من الخلق وحوادثه إبطال المنازعة القاطعة بين «الخلائق»، وإنكار قيام المنازعة منهم مقام الركن والأساس. فاليقين بأن ما بين البشر ليس من صنعهم أو وضعهم، وبأن السنن التي يجرون عليها توقيف يُتعبدون به، على قول الغزالي، يجعل (اليقين) المنازعةَ محالاً وخُلفاً. والتدين أو التعبد حين يقضي بسبق أصل الجماعة، وبسمو مكانته، إنما يقضي، حكماً، بصدارة الأصل، واستقلاله بنفسه وبخلقه عن إرادات الأفراد الآحاد الذين تأتلف الجماعة ومجتمعها منهم. وسبق الجميع (الجمع أو الكل) الأفراد الآحاد، وتعاليه ومفارقته، يعرّف المجتمعات الجميعية، على الضد من المجتمعات الفردية (ومثالها المتطرف المجتمعات الغربية «الحديثة»)، على معنى فصله الفرنسي لوي (س) ديمون في أعمال تناولت المراتب والطبقات الهندية و «الإيديولوجية» الاقتصادية الأوروبية ومساواتها المنتجين بعضهم ببعض، معاً.وتقوم المجتمعات الجميعية بتبعيتها المطلقة لابتداء تدين له بخلقها، وباتباعها سنناً وتقاليد وسيراً غير مخلوقة، ولا تملك الحياد عنها. ولا يجوز الخلاف على الأمرين، لا على التبعية للابتداء ولا على اتباع السنن والتقاليد والسير المحفوظة. وإذا جازت الحرب بين الجماعات، وفيها، وجب ان تندرج كلها في الأوامر والنواهي الدينية، وأن تصدر عنها، وعن معيار مبادلة متكافئة. ومن هذه الطريق تتفادى الحرب «تمزق المعنى»، على قول الكاتب. وتحكم المبادلة المتكافئة، في هدأة السلم وحروب الثارات، الوفرة والتبديد، وتستأنف استواء الخلق على حاله السوية بعد انحراف مقدر ومعلوم، وتجدد ارتكانه الى علله الأولى والأخيرة، الدينية والاجتماعية معاً. ونظام الحياة، أو آدابها، في إطار يجمع وحدة الجماعة الى ثبات نظامها وقيام ركنها خارجها في واحد، هو نظام الجماعة وقانونها الذي يلابس معاملاتها من غير فرق بين المعيار وبين الوقائع أو الإنّيات. فلا صبوة الى مثال يُخرج الناس من إهابهم وصوابهم، أو عن طورهم، ولا يدعو داعٍ الجماعة الى الانحراف عن سنن السلف.[الدولة والانقسامفإذا انقلب المحدث أو الأصل المفارِق من خارجه ومفارقته وتعاليه الى وسط خلقه، ووسّط بينه، من غير ان يغادر «محله»، وبين خلقه وسائط هي جسره الى خلقه، أو سُلّمهم إليه، تفتق الانقلاب هذا عن بنية جديدة ومختلفة للاجتماع البشري. فالوسيط، وهو الملاك (من ملأكة أو رسالة، بحسب تفسير الطبري عن شيوخه)، ليس من طبائع الخلق، ولا من جبلتهم. وجبلته «النورانية»، بحسب الأثر المتشيع الإمامي في خلق الأئمة، أو «إنسيته الكاملة» بحسب التصوف السني، ترفعه فوق مرتبة البشر وسوادهم. وعلى هذا، فالانقسام الذي باعد الخلق من الأصل، وحفر هاوية بينهما، اغتنى (إذا جاز القول) بانقسام في الخلق نفسه. ونسبَ الانقسامُ بعض الخلق الى علو الأصل ومفارقته، فيما أبقى معظمه على مرتبته الدنيا. وتولت الديانات «الكبيرة»، «المحورية»، الأمرين المتدافعين: تنزيه الأصل عن ملابسة الخلق وتوسيط «ظل» الأصل بينه وبين الخلق معاً.ونشأت الدولة، أو السلطان المفارق، عن انقسام البشر أو الخلق، وترتيبهم على مرتبتين أو طبقتين مصدرهما ملابسة أو محايثة الأصل رابطة البشر وآصرتهم. فمذ ذاك، انتصب في قلب الشاهد المرئي والماثل، محلاً أم سلكاً وهيئة أم فرداً وصلباً، ما يَكْني عن الغيب، ويقوم منه مقام مجازه من غير شبه. والذين يكني بهم الغيب عن نفسه يفترقون عن أشباههم ظاهراً، ويبينون منهم، افتراقاً وبيناً من غير قياس، أي على قدر افتراق الأصل وبينه. ويُوكل الى هؤلاء دعوة الناس الى سلطان الحق، وإلزامهم بإقامته. وسندهم في الدعوة والإقامة هو انه هو الحق ومن عند الحق. ويضمر هذا انتقالاً من حق منزّل، أنزل على الناس ووجدوه ناجزاً، على ما حسب أهل الديانات الأولى، الى حقٍ مُرادٍ يدخل فيه الناس طوعاً أو كرهاً، وتقتضي إقامته دخولهم وصدوعهم وإيمانهم. ولا ينفك الانتقال هذا من تغيير يطرأ على الحق، أي من تاريخ يطاوله ويصيبه. وأول ما يتطاول إليه التغيير هو دائرة المؤمنين وعددهم، واتساع الدائرة وقتاً بعد وقت. فمع دولة الحق ينبسط أفق الفتوح الإمبريالي أو الامبراطوري، وينزع الى عمومية كونية تلم بالأرض وأقطارها. وسلطان الوسطاء، أو القلة المنتخبة، بالإنابة عن الآلهة (الأصل المفارق) هو ابتداء سلطان عموم الناس وسوادهم على الحق المنزّل والممتنع من متناولهم. فافتراض إرادة الدخول في الحق ودولته وسلطانه، أو احتساب هذه الإرادة لا يستقيم من غير حمله الحق على بواعث الإرادة و «أسبابها»، وعلى استجابتها وأوقات الاستجابة.ومذذاك، ومن غير رجوع، والناس على مراتب، شأنهم مع آلهتهم. والترتيبان متصلان ومتلازمان. والمراتب هي حلول الفرق بين الآلهة وبين البشر في قلب الآصرة الاجتماعية ونسيجها، وانتشاره في وجوه العمران كلها. وتكرر المراتب رابطة المجتمع بمبتدئه المنفصل ومحدثه حين يلتقيان، وحيث يلتقيان وينعقد الشاهد على الغيب، ويتربع السلطان. وتتولى المراتب عقل الجسم الاجتماعي الى علته وسببه، وتجديده وحفظه. وهذا ما كانت الشعائر تتولاه من الجسم الاجتماعي قبل الدولة وحدوثها. وعقل الجسم الاجتماعي إلى علته وسببه، وعطفه عليهما، لا ينتهي الى وصلة كاملة، ولا يردم الفرق، وإلا عادت الحال الى ما كانت عليه في الديانة الأولى. فعروة الشاهد المرئي والغيب الخفي مشكلة على الدوام، شأن علاقة المراتب بعضها ببعض. فما يتجسد من الأعلى في الأدنى يفيض عن الظاهر المرئي، وينم بقوة الغيب ودوام غيبه وإلحاحه. وهذه، فيض الغيب وقوته ودوامه، هي ذريعة لاهوت و (علم) كلام في الغيب، أي فيما يفيض منه عن التعيين الأسطوري والفهم البشري. وملابسة الغيب السلطان المنفصل والمفارق يترتب عليها، هذه المرة، جواز التفكير في الغيب وتعاليه، على خلاف حاله في البناء الديني الأول. والثورات الدينية التالية، على معنى الأطوار والأحوال، هي ثمرة جواز التفكر والتدبر والتصفح.ويجلو التفكر، أي جوازه، القطب الذاتي من آصرة المؤمن بالغيب، وآصرة الرعية بالسلطان (العبد بالسيد)، ويخرج القطبَ من سباته أو من إذعانه المسترسل. ولا يؤمَن إفضاء التفكر الذاتي الى دينامية ذاتية تقود بدورها الى التشكك في سلطان الحق على الهيئة التي يتصور عليها. ويدعو التشكك «صاحب» سلطان الحق، أو «نائبه» على القول الإمامي المعروف، الى إرساء فعله، أو «إرادته» و «خطوطه» على القول العثماني، على إرادة عالية وهمايونية تمسك البيت السماوي والأرضي ان «يتداعى» وينهار. ومن هذا الطريق، يبطل أو يقيد سلطان الماضي على الحاضر، ويتخصص الفاعلون، ويخرجون من إغفال أنصاف الآلهة أو الأبطال الذين يملأون أساطير الأولين وقصصهم الى ضوء التعريف والتسويغ. ويطاول التعريفُ الأصل المفارق، فيستقر على اسم وهوية وصفات. ويطاول التسويغ والتعليل إرادته وأفعاله وعلمه، واشتباك هذه بحوادث العالم. وتغلب الدينامية الذاتية على قطبي الانقسام السياسي الإلهي، وعلى مسالكهما، وتنقلب الديانة تاريخاً، أي تحل التاريخَ، فتمسي مادته مادتها، ومادتها مادته.وتتعهد الحرب (الأولى) تشطير المجتمعات. ويسوق مثالُ الوحدة الضاوية والتامة التشطير والانقسام المتصلين. فيقضي المثال بطرد أجزاء من المتجمعات المتحاربة، وقد يقضي بتدميرها، ولكنه لا يتولى ضمها أو دمجها واستيعابها. وهذا خلاف منطق الدولة ونازعها الأصيل والمتمكن الى التوسع والضم والتذويب. فعلاقة السلطة تحول دون استقرار قطبيها، الأعلى والأدنى، على حال ثابتة، وتحمل القطب المهيمن على طلب هيمنة أعلى وأعظم. والملك حقيقة وفعلاً هو ملك الملوك، والشيخ هو شيخ المشايخ، وآية الله ولو عظمى هو آية آيات الله العظمى (على ما قيل في محمد باقر الصدر أو في روح الله خميني). وعلى المنطق نفسه، يتسيد ملك الملوك، أو الخاقان، على المشرق والمغرب، وعلى البرين والبحرين، ويتوق الى جباية خراج السحابة أينما أمطرت. فالأرض كلها، أو «الأرضين» على قول عربي شاع الى منتصف القرن الماضي، هي حد فتوحه المترامية.والجامع (البشري) العام والكوني، وما يلم بـ «الناس كلهم»، طرأ على الفكر من باب الممالك «العظيمة». فكان منعطفاً إنسانياً وثقافياً، وميزاناً وُزن العالم، وحوادثه وجهاته واختباراته، في كفتيه. وحمل المنعطف هذا الديانات والأفكار على احتسابه، واحتساب عنفه وفتوحه ونازعه الى الجمع والتوحيد، في ثنايا مبانيها. والحق ان أفق الجامع العام والكوني، أي أفق السيطرة الامبريالية والكونية، شطر التجربة الدينية شطرين متباعدين: واحداً يومياً ومحلياً يُعنى بأحكام عمل اليوم والليلة ومثاله السنن والسير، وآخر عينه على ذرى الكون والعالم وتقلبات أحوالهما ومصائرهما. وانشغلت «الحياة الروحية»، وما يسمى الصوفية في أقاليمنا، بالتوفيق بين الشطرين، و«الإصعاد» من الأول الى الثاني، والتماس الإيذان بهذا في ذاك واحتجابه فيه. ويعول التدين على جمع الشطرين والوجهين في واحد، وهو يتولى الجمع هذا، على نحو ما يتولاه منطق الدولة وسريانه في مباني الاجتماع التي تضمره على انحاء متفرقة.ويتألق الجمع تألقاً مشهوداً في «الأنبياء» ودعاة الديانات الكبيرة و «المحوربة». ويدخل الأفراد، أي من هم على حدة من الجمع الغفل، تاريخ الحوادث وذاكرة المجتمعات، في معية ديانات الحقبة المحورية وظهورها وانتشارها. ويشتبك القديم والمحدث في التجديد الديني هذا اشتباكاً قوياً ومعقداً، ويلد في سياقة سيرورة واحدة انقسام الغيب والشاهد وحمل الألوهة على ذاته. ويضمر الانقسام والحمل هذان، وهما أفضيا الى مثال الواحد وفكرته، الجذور الروحية للعقل. فعلى خلاف الكثرة المرسلة والأسطورية، وعالمها الناجز والماثل كله، يفترض ازدواج الخلق، وتصور «صاحبه» في صورة مفردة، نظاماً تتماسك به المثنوية (الازدواج)، وتستدل به الأفهام الى مسالك الجمع بين دفتي الخلق. وهي مسالك المفارقة «الجديدة» والمفضية الى ولادة العالم التاريخي الحديث في غمرة مخاض دام 25 قرناً تقريباً.

الجمعة، 18 سبتمبر 2009

اختصار العلاقات الأمنية في مصادفات ومصالح مدّعاة... لا يدين ولا يبرئ

الحياة, 16 سبتمبر 2009
غداة أسبوعين على «الأربعاء الأسود» العراقي البغدادي، في 19 آب (أغسطس)، أذاعت وزارة الخارجية السورية بياناً مفصلاً لخص الحجج التي أدلت بها الوزارة على رؤساء البعثات الديبلوماسية بدمشق، وردت على الموقف العراقي الذي تولى رئيس الوزارة، نوري المالكي، ووزير الخارجية هوشيار زيباري، على قدر أقل، صياغته واعلانه في أعقاب التفجيرات المدمرة. وشدد البيان السوري على مسائل يتصل أبرزها وأهمها بتوقيت الحوادث وبمواقف سورية من شؤون عراقية أعلنت في أوقات بعينها.
فيذكر بيان الوزارة السورية، في 2 أيلول (سبتمبر)، بـ «سبق» سورية «في ادانة التفجيرات الإرهابية التي أصابت وزارتي المال والخارجية في بغداد». وينوه البيان، في معرض نفي «مصلحة سورية من وراء التفجيرات»، بسبق سوري آخر هو فتحها سفارتها ببغداد «في مقدم الدول التي فتحت سفارتها» هناك. والحجة الثالثة هي تبادل زيارات المسؤولين بين البلدين، وتواتر هذه الزيارات. والرابعة هي اعلان إقامة مجلس للتعاون الاستراتيجي الشامل «قبل يومين من وقوع التفجيرات»، في أثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي. والمالكي هو المبادر إلى تهمة سورية بإيواء قيادة الجناح البعثي - ورأسيه محمد يونس الأحمد وسطام الفرحان، الى 177 متورطاً آخر، الذي يحمله التبعة عن أعمال تفجير واغتيال كثيرة آخرها، موقتاً من غير شك، تلك التي قتلت العشرات من كبار موظفي وزارتي الخارجية (32 موظفاً) والمالية، و «صغارهم».
والى 2 أيلول، يوم اعلان البيان الوزاري السوري، اقتصر عملياً رد سورية على دعوة العراق الى الاحتكام الى... سورية نفسها، عوض الاحتكام الى الرأي العام العربي والدولي من طريقي الشاشة التلفزيونية (بث اعترافات مسؤولين مفترضين عن الأعمال الإرهابية)، والهيئة الأممية (طلب انشاء محكمة دولية تنظر في الجرائم وتحقق فيها). وأشار الموظفون السوريون المتفرقون، في دوائر الرئاسة و «الإعلام» والخارجية والأمن، على الدولة العراقية بالإجراء الذي عليهم النزول عليه، والتماسه من ساسة سورية، وهو إرسال «وفد أمني يحمل الأدلة والوثائق الحقيقية(...) عمن يقف وراء تلك التفجيرات»، الى موظفي الدوائر السورية. و «إذا ثبتت صحة هذه الإدعاءات»، وليس الأدلة على ما قال البيان السوري قبل جزء من جملة، أي إذا رضي الموظفون السوريون بها، وطابقت معايير اليقين التي يأخذون بها، «فإن سورية جاهزة للتعاون، وستتخذ الإجراء المناسب».
ولا يلزم الوعد بالتعاون السوريين شيئاً محدداً، على شاكلة وفد أمني أو ديبلوماسي، أو لجنة تحقيق مشتركة، أو استكمال مناقشة مسألة سبقت مناقشتها بين الدولتين مثل مراقبة الحدود المشتركة بينهما، أو مراقبة بعض اللاجئين العراقيين والمتخفين بسورية. فوزارة الخارجية السورية، على رغم اشادتها بسياستها وغيرتها على العراق ووحدته وسيادته وأمنه، تعالج مسألة الأعمال الإرهابية في العراق، ومطالب الدولة العراقية من الدوائر السورية الأمنية والسياسية إبعاد بعض البعثيين أو «ردهم»، كأنها مسألة طارئة وجديدة، ولم يسبق أن تداول عراقيون وسوريون الرأي فيها. وهذا يخالف ما ذهب اليه العراقيون، وأعلنوه مرات لا تحصى، ويجافي «المنطق»، على ما يكرر الرئيس بشار الأسد. ويسكت السوريون عن طلب عراقي بإرسال السوريين وفداً أمنياً يشارك في التحقيقات العراقية في أعمال التفجير الأخيرة. فهم يريدون النأي بأنفسهم عن الانخراط في اجراء فعلي تترتب عليه نتائج ملزمة.
ويقرر الموظفون السوريون وحدهم سلفاً جدول أعمال الوفد العراقي. وهم يعلمون وحدهم ما هو «الإجراء المناسب» الذي (قد) يتخذونه إذا «ثبتت الإدعاءات»، فيقول وزيرهم «ان التركيز الآن يجب أن ينصب على حادثة تفجيرات الأربعاء الدامي، ومن يقف خلفها». وهو يتلقف الخلافات العراقية، الرسمية وغير الرسمية، في المسألة، ويعول عليها تعويل العالم بأن «من» دبروا الأعمال الإرهابية هذه، وغيرها كثير، ليسوا واحداً، لا على معنى الشخص الواحد، ولا على معنى الجهة أو الطرف. فهم على مثال جريمة اغتيال رفيق الحريري، ثم على مثال الجرائم التي أعقبتها، كثر، وكثيرو المصادر والمشارب والسوابق والأدوات والمصائر. وتتولى مستويات التنسيق بين الجماعات والشلل والأواني الإرهابية و «السياسية» وإسنادها الدلالة الى اتجاهات متعارضة، أو يفترض فيها التعارض. ومن العسير على التحقيقات، بالغاً ما بلغ تنسيقها وضبطها وتدقيقها، تعقب حلقات «سلاسل» التنسيق والإسناد هذه على نحو متصل وثابت وحقيقي. ويعول المخططون المهرة، والمتمرسون في منازعات المشرق، وهم يخوضون غمارها وأوحالها يشتركون في صنعها منذ 40 عاماً على أقرب تقدير، على كسر احدى الحلقات المفصلية، في سلسلة من السلاسل على مثال خطف «الإسلامي» أحمد أبو عدس، وتصوير شريطه، وإخفائه أو قتله، والإشارة اليه سائقاً شاحنة «الميتسوبيشي» القاتلة، فيضطرب الاتصال والثبات. وتبدو التهمة «سياسية». وهذه الصفة هي أقذع ما يلصقه الموظفون والقادة السوريون بواقعة جنائية وارهابية.
والحق أن فحص الحجة السورية يقع على «اتفاقات»، على قول المتصوفين العاميين، ومصادفات تطاول التوقيت، غريبة. فلا ريب، مثلاً، في ادانة «سورية» أعمال الإرهاب في العراق. ففي 10 آب قتلت انفجارات ببغداد والموصل 48 قتيلاً، وجرحت 250 جرحاً ثخيناً. ووقع الانفجار الكبير في خزنة، القرية الشيعية بجوار الموصل، وقتل 34 ضحية. وغالباً، لا يشك أحد في نسبة مثل هذا الانفجار الى «القاعدة» أو «دولة العراق الإسلامية». وكان وفد عسكري وديبلوماسي أميركي يحط بدمشق بعد نحو شهرين من زيارة وفد سابق العاصمة السورية. وغداة الانفجارات هذه، ذهب قائد القوات الأميركية بشمال العراق، الجنرال روبرت كالسن، الى ان «القاعدة»، و «دولتها» المزعومة، تتمتع بقوة مالية وعملانية كبيرة، في الموصل على وجه التعيين. ورأى الجنرال الأميركي أن في مستطاع «القاعدة»، «القوة العنيدة»، «استعادة قوتها على الضرب (و) شن هجمات ضخمة تستهدف بشكل أساسي قوى الأمن العراقية»، «الهشة».
وفي 14 آب، وكان انقضى يومان على انفجار خزنة، عُلم ان الوفد الأميركي الزائر، في رئاسة الجنرال «الأمني» مايكل مولر، على رغم تصدر فريد هوف (مساعد ميتشل) الاسمي، قدم الى الموظفين السوريين المفاوضين لائحة بأسماء قيادات مقيمة بدمشق، وتقوم على تمويل الأعمال الإرهابية في العراق، وتنظم تسلل المولجين بها. وبين القادة «شخصية بارزة» في حزب البعث العراقي هو محمد يونس (الأحمد)، أحد المطلوبين العراقيين المَسميين بالاسم. وزعمت مصادر ديبلوماسية أن محمد يونس هذا طردته سورية، و «ليست له أهمية تذكر من حيث العمليات العسكرية على الأرض». وقالت مصادر «عليمة» أخرى، تحت الستارة نفسها من التعتيم والتكهن والاستشراف والمصادفة، أن واشنطن دعت فيصل المقداد - نائب وليد المعلم، ومن «صعقه» خبر تجديد العقوبات الأميركية في حق سورية، ومروج «خبر» زيارة أوباما الى دمشق - الى زيارة واشنطن، ومناقشة «موضوع العراق» مع الموظف الديبلوماسي.
وفي معرض اعلان بغداد عزم نوري المالكي على زيارة دمشق، أبدت الحكومة العراقية رأيها في زيارة الوفد الأميركي دمشق، وفي مفاوضاته. فقالت ان مسائل الأمن العراقي ليست شأن الولايات المتحدة، ولا موضوعاً تناقشه هذه مع سورية، و«المسائل الأمنية قضية عراقية داخلية». ونفت السفارة الأميركية ببغداد حقيقة «خلافات» مع الحكومة العراقية، وذهبت الى ان الوفد الأميركي الى دمشق يناقش «مسائل تهم البلدين، بينها مسيرة السلام في الشرق الأوسط». ويخالف الإجمال الأميركي الرسمي التفصيل «الديبلوماسي» والأمني الدمشقي، أو الغيرة العراقية، معاً. وفي اليوم التالي، 13 آب، أجمعت المصادر على أن المحادثات الأميركية – السورية تطرقت الى «التعاون الأمني (على) منع التسلل (من سورية) الى العراق وتعزيز الأمن الاقليمي». وبينما كان المالكي يدعو حزبه، في مؤتمره الخامس عشر، الى اختيار «تحالفات سياسية عراقية على أسس وطنية لبناء عراق موحد بعيداً من التحزب والطائفية»، مستبقاً انشاء «الائتلاف الوطني»، الشيعي والايراني الميول فعلاً، ومجدداً «تحالف دولة القانون» المنتصر في انتخابات مجالس المحافظات – قتل متفجران انتحاريان 17 عراقياً ايزيدياً، بسنجار، شمال العراق. وينسب قتل الايزيديين، شأن قتل الشيعة والمسيحيين، في المحافظات المختلطة والشمالية، الى «القاعدة»، من غير مناقشة.
والحق أن نوري المالكي نفسه كان يعد العدة لمناقشة المسألة الأمنية مع السوريين في أثناء زيارته الوشيكة الى الجار البعثي. وهي الزيارة التي سبقت الهجومين الانتحارين بيوم واحد، وأعلن في ختامها الزائر العراقي ومضيفوه السوريون انشاء مجلس تعاون استراتيجي، على عادة قوية في تعويض هزال الانجاز بواسطة النفع الكلامي. ولا ريب في أن الزيار كانت اخفاقاً ذريعاً يتحمل ساسة سورية المسؤولية عنه. والقرينة على الأخفاق التباين الصارح بين الرأي العراقي وبين الرأي السوري في المحادثات، حين الانتهاء منها. فذهب الرأي السوري، على ما هو معتاد، الى ان المالكي والأسد «بحثا في المستجدات على الساحة الإقليمية» أولاًن ثم «الاتفاقات الموقعة (بينهما) وأهمية وضع الآليات المناسبة لضمان تنفيذها(...) وسبل بناء علاقات وتعاون استراتيجي شامل بين البلدين الشقيقين». فالزعيم السوري لا يرضى مناقشة ما هو أقل من «إقليمي» أو «استراتيجي شامل»، ولا تليق به مناقشته.
ولكن الطرف الآخر، العراقي، قال أن المالكي تناول مع مضيفه السوري «التحديات الإرهابية التي تمكن (العراق) من تجاوزها»، و «إعادة بناء القوات العراقية، واعتمادها على قدراتها الذاتية». وهذا يتطرق الى محاربة الإرهاب، من وجه، والى تعاظم استقلال القوات العراقية، والدولة العراقية تالياً، عن القوات الأميركية المنكفئة الى ثكناتها ما أمكن، والساعية في حماية انسحابات تكذب الزعم الإيراني، والتمتمة السورية، انها بين خيارين: إما المضي على قتال «أهلي» وإما جرجرة أذيال الهزيمة.
ولا يرك بيان المالكي لبساً في المسألة: فما ناقشه رئيس الحكومة العراقي، العاقد العزم على الاستقلال السياسي عن الجماعات المذهبية والأهلية والإقليمية في الداخل، هو «استعادة السيادة الوطنية والانفتاح الدولي على العراق الذي أعطاه قوة». ويرد بند السيادة الوطنية العراقية، مشفوعاً بالانفتاح الدولي، على المحادثات السورية - الأميركية الأمنية وتصدي الأميركيين للمفاوضة عن العراق، وعليه. ويبطل زعماً سورياً وايرانياً مشتركاً ان العراق لا يزال بلداً محتلاً، ويسوغ احتلاله دوام «مقاومة» وطنية واسلامية مشروعة.
وكان مسوغ السكوت السوري الطويل والمطبق عن الاعمال الإرهابية، وهو ضمناً مسوغ البوابة السورية على العراق ودخول آلاف الجهاديين منها، اضطلاع الجهاديين بمقاومة الاحتلال. وغداة انفجار الاحتجاج العراقي على ايواء ساسة سورية وموظفيهم رؤوس المنظمة البعثية، في 3 أيلول، زعم بشار الأسد ان الاحتكام العراقي الى محكمة تحقيق دولية في الأعمال الإرهابية هو تدويل. والتدويل هو ضمناً أمركة: «منظمات الامم المتحدة محكومة بعدد محدود من الدول». والدول الغالبة هذه، والرئيس السوري يستميت في توسيطها، قراراتها «لن تكون لمصلحتنا». ولم يشر، طبعاً، الى المحكمة المختلطة، اللبنانية - الدولية، في اغتيال الحريري، إلا أن ظلها طاغ. و «كل العراق مدول»، على ما تلطف الرئيس السوري بالقول بعد أسبوعين على مناقشاته «الاستراتيجية» و «الإقليمية» مع المالكي «المدول» بدوره. وهو لم يذهب الى هذا الرأي في الأسبوعين المنقضيين، بل استقبل المالكي وهو عليه. وعلى هذا، يستحق العراق «المدول»، ورئيس وزرائه «المدول» كذلك، «مقاومة» عربية مستمرة.
و «اقتصرت» أخبار العراق، في اليومين التاليين، على تظاهرة صحافيين ببغداد، تضامنوا مع زميل لهم كتب تحقيقاً تناول حادثة سرقة مصرف الرافدين في الراوية، قتل السارقون فيها 8 من الحراس، وضلع فيها ضابط من الحرس الرئاسي يتعهد حراسة نائب الرئيس العراقي، عادل عبدالمهدي، أحد المرشحين الدائمين الى رئاسة الوزارة عن «المجلس الاسلامي الأعلى»، منظمة آل الحكيم «الفيديرالية». والتظاهرة هذه، والمسألة التي صدرت عنها وهي قيام الصحافة بإزاء القضاء والأمن ونافذي السلطة نصاب مراقبة، من القرائن على دبيب بعض النبض المدني في دولة ومجتمع عراقيين امتحنا طوال نصف قرن امتحاناً مدمراً. وحضن نوري المالكي، وهيمنته على مرافق اعلامية عامة، الدبيب هذا. وحضانته ليست منزهة عن الغرض، على ما يقول من لا ينطقون ولا يتنفسون الا عن هوى. وهي وجه من وجوه المنازعة على المصالح، على نحو ما تولد الحريات أو توأد. وخلفت، فيما خلفت، رداً محموماً وطويلاً من عادل عبدالمهدي (نشرته احدى الصحف اللبنانية تاماً). وكان الرجل ثالث مجلس الرئاسة الذي ندد بيانه باقتراح نوري المالكي انشاء محكمة دولية تحقق في الأعمال الارهابية التي تضرب العراق، وتنظر في دعاوى استرداد الارهابيين اللاجئين في دول تؤويهم. ووصف البيان (9 ايلول/ سبتمبر) طلب المالكي بـ «غير القانوني»، واجراءات الاقالات الامنية بـ «غير الدستورية» و «التشهيرية». وانضم اليه، في مجلس الرئاسة، نائب الرئيس الثاني، السني العربي، وهو يداوي تحفظه عن سياسة المالكي بدواؤ «العروبة» السوري. وأما طالباني فخلافه الفيديرالي مع المالكي مستحكم.
وغداة الانفجارات القاعدية والشمالية المتواترة، وظهور الخلاف الأميركي – العراقي وموضوعه دور الولايات المتحدة في مفاوضة السوريين على أمن العراق وحرص الأميركيين على علاقات عراقية - سورية أمنية هادئة ما أمكنن (بينما القوات الاميركية تمهد لانسحابات يوجب بعضها على القوات هذه عبور العراق من الشمال والغرب بمحاذاة الحدود العراقية – السورية، وفي المناطق المختلطة المضطربة، الى المخرج الجنوبي في انتظار اتفاق مع تركيا على الانسحاب من بوابتها الموصدة).
وإبان انفجار الخلاف في دوائر الحكم وبين أجنحته المتجافية – علا صوت الموظف السوري، مساء 13 آب، وهو صوت «سورية» بديهة، «يدين بشدة العمليات الاجرامية التي استهدفت مواطنين عراقيين في بغداد والموصل». وعقلت المفاجأة، مفاجأة اقدام وزارة الخارجية السورية على التنديد بالاعمال الارهابية التي تضرب العراقيين منذ شتاء 2003، ألسنة المراقبين والسياسيين. فعلى رغم انقضاء 6 سنوات ونصف السنة على الفظائع والروائع العراقية، واقرار التبادل الديبلوماسي في أواخر 2006 ومباشرته في أواخر 2008 (وتقديم سفير العراق بدمشق أوراق اعتماده في شباط/ فبراير 2009)، وهذا لا يصنف سورية في مقدمة من انشأوا علاقات ديبلوماسيةن على خلاف الزعم السوري) لم يدنها موظف سوري بعد ادانة واضحة وصريحة.
وحار المراقبون في تعليل الادانة المفاجئة، فذهب بعضهم الى تعليلها بصفقة أميركية – سورية تقضي بتسليم مطلوبين من «القاعدة» والبعثيين الصداميين الى العراق لقاء «انظمة تسلح عسكرية وأمنية أميركية». وخمن بعض آخر في رغبة سورية في اعلان «البراءة» من أعمال العنف، «مع دخول الطرفين محادثاته أمنية». وزعم بعض ثالث أن التنديد ثمرة «فزع دول الجوار من عودة الاقتتال الطائفي»، وتنصل من التورط في الاقتتال عشية انتخابات عامة آتية. وهذا كله جائز. ولكن سوء الظن يحمل على تذكر سوابق لبنانية أقل استقامة منطقية وعقلانية مصلحية. ويسكت العراقيون عن لبنان، والسياسة السورية فيه، كرمى «حزب الله»، على الأرجح. ويذكرون بالسابقة السورية الكردية تعويضاً.
فعشية شن «فتح الاسلام» معركتها على الجيش اللبناني، في أيار (مايو) 2007، دارت اشتباكات على مقربة من الحدود السورية – اللبنانية، في الأراضي السورية، بين اسلاميين نسبوا الى «جند الشام» والى جماعات غير معروفة، وبين قوات أمن سورية. وأبرزت دمشق الحادثتين قرينة «حقيقية»، و «غير مفبركة» أو ملفقة، وغير اعلامية، على تربص الارهابيين بها، وانتقالهم الى لبنان حيث يؤويهم «اخوتهم» السنة، ويمولهم زعيم السنة، ووجه «14 آذار» (مارس)، ابن رفيق الحريري، «الشيخ» سعد الحريري. وذهب مراقبون، يومها، الى ان دمشق تعد العدة وشيكاً الى «أمر» في لبنان. ولم تر «سورية» في اقامة شاكر العبسي في سجونها الأمنية نحو العامين، ولا في خدمته في أمرة أبو مصعب الزرقاوي في الأردن وضلوعه في اغتيال الموظف الأميركي الأمني، فولي، في 2002، ولا في التقاط اجهزة التنصت الأميركية مخابرة من الزرقاوي وهاتفه النقال الى مساعديه في الاردن مصدرها احدى الثكن السورية (ورقم المخابرة مدون في عدد من المقالات والكتب التي تباع في الأسواق) - لم تر دمشق في هذا كله دليلاً غير ملفق على ضلوعها في خلافة «فتح – الاسلام» «فتح – الانتفاضة»، وخلافة العبسي أبو خالد العملة، نزيلها وصنيعتها وآلتها منذ عام 1982 الميمون، ورأس «فتح الانتفاضة» في لبنان.
ولا يزعم ما تقدم للتو أن الموظف السوري الذي اعلن البراءة فجأة من اعمال الارهاب كان يعلم أنه يمهد لتسويغ براءة «سورية» من ارهاب وشيك يدفع الموظفون السوريون تهمته من طريق التلويح بادانتهم القريبة والمتأخرة آخر حبات العقد الطويل والمكتظ. ولكن مفاجأة التنديد، في الأحوال كلها، لا تقوم مقام البينة على البراءة اللاحقة والمسترجعة. والبينات على البراءة ينبغي البحث عنها في مواضع وسياقات أخرى. أحصت العجالة بعضها (العلاقات السورية - الأميركية، العلاقات العراقية - الأميركية، المنازعات العراقية الداخلية، المنافسة الإقليمية، الأواني الإرهابية المستطرفة...).
وعلى المثال هذا، مثال الاتفاقات والمصادفات الاستباقية والمستعادة غب الحادثة أو الحوادث، سكتت «القاعدة» (او «دولة العراق الاسلامية») نحو أسبوع عن نسبة انفجارات 19 آب الانتحارية، تمادى العراقيون في أثنائه في التشديد على دور البعثيين وابرازه على التلفزيون. وغداة الأسبوع هذا، أذاعت «دولة العراق الاسلامية»، في 25 آب، بياناً أقر بأن مقاتليها «تحركوا لضرب معاقل الكفر» و «الحكومة الصفوية». وينبغي أن يقوم هذا حجة دامغة على مسؤولية «القاعدة»، وعلى انتفاء مسؤولية سطام الفرحان أو غيره من بعثيي المنفى السوري الأخوي. وردت الحكومة العراقية المالكية على البيان باذاعة اعترافات قاعدي تدرب في الاراضي السورية، وفي مرفق أمني عسكري، على «القتال» في العراق، وهو يقصد الاغتيال والذبح.
وبيان «القاعدة»، أو «الدولة» المزعومة، شأن سكوت البعث العراقي وأجنحته عن نفي مسؤوليته، قد يصلح دليلاً على براءة فصيل أو جناح أو فريق في «الحالة الارهابية» العريضة من هذه الفعلة أو تلك. وقد يصلح صدوعاً بأمر من عل أو طلب من مفتاح أو مستوى في «سلسلة». ولكن النهج السوري حريص أولاً على الا يتبدد شك من الشكوك، ولو توجه هذا الشك اليه وعليه. فحرصه الأول هو على دوام كثرة متهميه وتفرقهم، وغرقهم في العماية التي اوقعهم فيها الارهاب ومنظماته ومزج شلله بعضها في بعض، بينما تنتصب «سورية» واحدة ومتماسكة ومنطقية عقلانية وأخلاقية. وهذه الحال، المزدوجة، شهادة لا ترد على جدارتها بالقيادة و «المفتاحية» الإقليمية، على قول سلسلة من المداحين آخرهم وزير خارجية تقدمي اشتراكي أوروبي. وعليه، فالسؤال الذي يكرره موظفو الدوائر السورية عن «مصلحة» سورية في الأعمال الإرهابية بالعراق، ويحسبون أنه سؤال مفحم والجواب عنه مستحيل، هذا السؤال لا يصدر إلا عن «سذاجة» أصحابه والملوحين به. ففي ضوء مدونات الحوادث اللبنانية والفلسطينية والعراقية والتركية، في الأربعين سنة الأخيرة، يتعاظم «النفوذ» السوري، على قول فاروق الشرع متفاخراً، طرداً مع انقسام البلدان والدول والمجتمعات على نفسها. وفي الأحوال هذه كلها، كانت المنظمات المسلحة «المقاومة» أداة سورية الى طعن الدول الشقيقة.

"دولة الشعب اليهودي" الواحد والمتصل والمتحدر من قبيلة أولى... ثمرة رواية أسطورية متأخرة ومنحولة

"دولة الشعب اليهودي" الواحد والمتصل والمتحدر من قبيلة أولى... ثمرة رواية أسطورية متأخرة ومنحولة
يتصور الخليط واحداً وثابتاً حين الهوية غاية وليست ابتداءً
المستقبل، 13/9/2009

جددت عبارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، "إسرائيل دولة الشعب اليهودي"، جواباً عن "حل الدولتين"، دولة فلسطين ودولة إسرائيل، الذي استأنفه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، مناقشة وخلافاً قديمين وتقليديين، ناشبين في صفوف اليهود أولاً. وهما نشبا منذ أوائل القرن التاسع عشر بأوروبا، غربها وشرقها، وصحبا الحركات الوطنية القومية الأوروبية، واستقرار الدول – الأمم في أوقات متفرقة، وبلورة الحركات والدول روايات "تاريخية" وأسطورية ترسي الهويات والهيئات والأبنية والسياسات والحدود على ركن مكين. وبلوغ المناقشات والخلافات، في أواخر القرن التاسع عشر، صيغة "دولة اليهود" لم يتوج بالإجماع. وانقسم عليها يهود أوروبا، جمهوراً ونخباً، انقساماً خلف أثره في الأعمال التاريخية، على نحو ما استبقت الأعمال التاريخية الانقسامات، وغذت بعضها بالحجج والأفكار والمسوغات.

الدولة والمواطنون
والانقسام السياسي، اليوم، يتناول مسائل وقضايا في صدارتها مسألة صفة الدولة الإسرائيلية، ومحل مواطنيها ("اليهود") الذين لا يرتضون ديانتهم أو ديانة آبائهم ركناً أو أساساً تنهض عليه مواطنتهم (مواطنيتهم)، ويعرفون أنفسهم مواطني دولة وطنية قائمة نشأوا فيها، ويتحدرون من رسومها السياسية والاجتماعية والثقافية. وهم يشاركون في الرسوم هذه من غير سند المعتقد، ولا سند الرواية "التاريخية" المتصلة. وهذه تنسبهم، من غير انقطاع إلى أسلاف أرومتهم واحدة، وتفرقوا في أصقاع الأرض، والتأم شملهم من جديد، وهم على انتسابهم الى جدودهم، أصلاباً ومعتقداً. وإلى هؤلاء، ثمة اليهود من غير المواطنين. ويفوق عددهم عدد المواطنين. ومعظم، أو شطر راجح منهم، لا يشرك في ولائه لدولته الوطنية دولة أخرى. والشطر هذا لا ينكر رابطة أو روابط كثيرة، خاصة، بدولة تضوي اهلاً وأصدقاء وجماعة وطنية وثقافية، يميل إليها، وينكر على منكري حقها في الدوام مقالتهم، ولكنه لا ينوي "العودة" إليها، ولا يرى مسوغاً ليقين سياسييها تمثيل اليهود جملة، ولتوقعهم، عاجلاً أم آجلاً، انخراطه في ركب الإسرائيليين "بالفعل".
والشطر الثالث هو الفلسطينيون. وهؤلاء ينقسمون ويتميزون. فبعضهم، على ما يسر بعضهم ويعلن بعض آخر، فلسطينيون إسرائيليون، على رغم وقع الجمع المدوي بين النسبتين. وبعضهم عرب إسرائيل. وإلى أي مذهب ذهب الفلسطينيون المقيمون بأراضي الدولة الإسرائيلية، في "حدودها الدولية" (المتنازعة) التي استقر الاعتراف الدولي بها، ونجمت عن "حرب الاستقلال" – وهي نفسها "النكبة"، المحظورة لفظاً منذ ايام -، وحملوا انفسهم على أهل البلاد الأوائل والأصليين ام على قلة قومية في دولة وطنية، فهم (الفلسطينيون) مسألة، أو قضية سياسية وحقوقية. وقد يرجأ حلها من غير ان تكف عن الإلحاح. فلا يسع الدولة، على المثال الديموقراطي والليبرالي والعلماني المشترك فكراً ومنزعاً، التخفف من هذا الشطر من مواطنيها أو من تبعات مواطنته السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية. والافتراض "العربي" الرائج يخص الشطر الثالث بالانتباه والاهتمام، وهو يحظى وحده ببعض الإصاخة والسمع. والدعوة القوية التي أحياها أو بعثها تضامن "عرب 1948"، أو فلسطينيي إسرائيل، مع "إخوانهم" المنتفضين في 1987، وسبقه التحام الفلسطينيين بشطري 1948 و1967، غداة انتصار إسرائيل على الدولة الأردنية، في كيان متصل وواحد – على ما لاحظ مكسيم رودنسون يومها ونبه -، هذه الدعوة الى إقرار الدولة الإسرائيلية بمواطنيها كلهم، تمثيلاً وحقوقاً، لا راد لها.
وهي لا راد لها من داخل المنطق الديموقراطي والليبرالي والعلماني، الغربي (الى اليوم). وينازع المنطقَ هذا منطق "قومي" يزعم للقوم، أي للجماعة القومية أو الأمة الإثنية العرقية أو العصبية الاعتقادية التي ينحاز إليها ويقدم لحمتها على وحدتها السياسية المتنازعة والمتجددة، يزعم لها جوهراً لا تعلق له بالحوادث، ولا بعوامل الفرقة. ويجتمع المنطقان من غير ائتلاف في نصين دستوريين إسرائيليين واضحين. فيذهب إعلان الاستقلال، في 1948، الى "تعهد دولة إسرائيل إنماء البلد على نحو يعود بالمنفعة على سكانه كلهم، على أسس الحرية والعدالة والسلام التي علمها انبياء إسرائيل. وتتولى الدولة مساواة تامة بين مواطنيها كلهم في الحقوق الاجتماعية والسياسية، من غير تمييز في المعتقد والعرق والجنس. وتضمن حرية الضمير والعبادة والتربية والثقافة لهم"، على المثال نفسه. وحين يتطرق القانون الأساسي، في باب "الكنيست" المادة 7أ، في 1985، الى ما يلزم اللوائح الانتخابية لتستوفي شروط الترشح والمنافسة، والحق في المشاركة في الهيئة التشريعية وعملها، يشترط عليها ألا تؤدي غاياتها التي تسعى فيها، ولا أعمالها الصادرة عنها، الى واحدة من الوقائع الثلاث: الطعن في (وجود) دولة إسرائيل بما هي دولة الشعب اليهودي، أو إنكار صفة الدولة الديموقراطية، أو الحض على العنصرية.
وتنقض مادة القانون الأساسي حقوقاً ديموقراطية مضمرة أو معلنة قد لا يحدس اصحاب المنطق القومي في جواز ان تخطر ببال "عاقل" أو سوي. فهي تدفع الحق في الانفصال عن الدولة، والتشكك في "طابعها" الوطني أو القومي واقتراح صيغة اخرى للصفة الوطنية (على ما يناقش، اليوم حزب المجتمع الديموقراطي الكردي التركي ويجادل رئيس الجمهورية التركية ووزير الداخلية، وقيادة الجيش من طرف آخر. ويصدق مثله، ربما على سبيل الرغبة أو التطلع، على بربر الجزائر والمغرب، وعلى أفارقة جنوب السودان ودارفور، وعلى كرد العراق وسوريا وإيران، وعلى غيرهم). وهذه حقوق لا تسكت عنها الدساتير ولا الأعراف السياسية الديموقراطية. ولا ريب في ان الدول الديموقراطية والليبرالية العلمانية تحظر، قانوناً وفعلاً، إنكار الهيئات الديموقراطية والقيام عليها باليد و "السيف"، أي بالعنف، شأنها في الدعوة الى العنصرية، وتحكيم العرق في السكن والتدريس والعمالة. ولكن مجتمعات هذه الدول، وبعض هيئاتها السياسية والإدارية والبوليسية أو بؤراً منها، تتنازعها نوازع وأحزاب استبدادية عضوية (فاشية). وتنشب معاييرُ التمييز، في نواح وجماعات من مجتمعات الدول هذه، مخالبها القاسية والدامية. وعلى رغم ركوب النوازع هذه ميولاً غير سياسية، واستقوائها بأهواء تقوض روابط السياسة وميزان خلافاتها، تلتزم الدول الديموقراطية والليبرالية معالجتها والرد عليها، بإجراءات انتخابية ومالية وقضائية ما لم يتعدَّ اصحاب النوازع الرأي الى العنف المنظم والقسر والإكراه.

الشعب... جذماً و "فولك"
ويعيد أحد المؤرخين الإسرائيليين البارزين، ومدرس التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب، شلومو ساند، المسائل الناجمة عن الفرق بين مبادئ إعلان الاستقلال وبين شروط القانون الأساسي على اللوائح الانتخابية، الى تعريف الهوية الإسرائيلية، وإلى حدِّ هوية اليهود في علاقتهم بالدولة الفتية (كيف صنع الشعب اليهودي، 2008، دارفايار، باريس، نقلاً عن العبرية). فهو يخلص، في ختام احتجاج تاريخي مفصل، الى ان الحركة الصهيونية اضطلعت بأمر يكاد يكون ممتنعاً، هو صهر وحدات قومية "إثنية" كثيرة، وجماعات ثقافية ولغوية متفرقة المصادر، في "شعب" أو جذم ونسب واحد ومتجانس.
ويقتضي هذا، على ما حسب دعاة القومية "اليهودية" مقتفين خطو ونهج الدعاة القوميين الأوروبيين، اصلاً واحداً يتحدر منه "شعب" لا يأتيه الفرق أو التباين من خلفه أو قدامه. وذلك على معنى العائلة أو الرهط الأضيق الذي يرى نفسه "نازلاً" من صلب ضاو ومجتمِع، ومتخففاً من الخؤولة الغريبة والمفضية الى الأمة، على ما لاحظ ماسينيون، وإلى الأهل "المؤلفين"، ركن السياسة العربية والنبوية معاً. وفي هذا السبيل، استعار المؤرخون القوميون اليهود، الأوروبيون ثم الإسرائيليون، الفكرة "اليهودية – المسيحية" القديمة، و "أرخوا" الحوادث والوقائع اليهودية على رسم شتات أزلي (ص 355 من كتاب شلوم ساند). ودعاهم رسم الشتات المتفرع على اصل واحد هو نطفة "سبط الأسباط"، إلى إغفال أو نسيان الداخلين الكثر في اليهودية، الذين "هادوا" على العبارة القرآنية. وهؤلاء كانوا هم الشطر الأعظم من اليهود طوال القرون الأولى. واعتناقهم "دين موسى" جدد الجماعة الأولى، وأحياها عدداً وثقافة أو روحاً.
واستتبع الانتهاج على مثال "الفولك" الألماني، أو "النارود" البولندي والروسي، إلغاء الفروق الاجتماعية والثقافية الملتبسة بكيان الجماعات الوطنية، ونسيان تواريخها الخاصة، ورميها جميعاً في لجة زمن اسطوري وديني مرجعه هو التوراة. وعلى خلاف القوميات السلالية والقارية، على ما تسميها حنة أراندت - وهي تعزو إليها نمطاً من الإمبريالية نابذاً وغير ساع في الدمج ومفرقاً - ينفرد "الشعب" اليهودي بالرحلة والبدو من غير آصرة بالأرض التي ينزلها ويحلها. وعلى هذا، تستأنف الحركة القومية الصهيونية رسم اليهود في مرآة من يكرهونهم ويضغنون عليهم من اهل القوميات الناشئة (والمتعثرة) في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية، مقلوباً. فأهل القوميات العصبية هذه، وهم صبوا ضغينتهم في قالب قصصي أسطوري عرف باسم "بروتوكولات حكماء صهيون" (وهي من صنع أحد ضباط "الأوكرانا" الروسية القيصرية)، يرمون اليهود بالحرص على وحدة وعزلة حصينتين هما معقل تآمر "مركزي" وبوليسي على شعوب الأرض كلها. وتستعيد الحركة القومية اليهودية المثال القومي والشعبي الأوروبي المعاصر، وتؤيده برافد ينبع في "ارض" يهودية هي "الحِدَةُ الموسوية" (أو "التمايز الموسوي")، على ما سماها المؤرخ الألماني يان آسمان في كتابه "موسى المصري" (1997).
واقتضى هذا، بديهة، وقتاً طويلاً ومتعرجاً تولى في غضونه عدد من المؤرخين والمثقفين والدعاة بلورة رواية "تاريخية" تدرس اليوم في مدارس الدولة العبرية ومعظم مراكز بحثها، هي بمنزلة الرواية الرسمية. والإجراءات التعليمية الأخيرة، مثل تسمية المواضع والأماكن بالعبرية وإلغاء اسمائها العربية المتداولة وإلزام التلامذة والطلاب العرب في المدارس الإسرائيلية إنشاد النشيد الوطني الإسرائيلي، الى حذف الدلالة على 1948 بالنكبة، جزء من سياسة الهوية هذه، واستطراد في الدائرة العربية أو الفلسطينية لنهج التوحيد والدمج والاتصال الذي تقدم تعريفه ووصفه. وورث المنهاج المدرسي الإسرائيلي ثمرة أعمال "التأريخ" المتعاقبة منذ اوائل القرن التاسع عشر بأوروبا، والمتلبسة التباساً قوياً بالحركات القومية القارية و "تواريخها"، من وجه، وبالمنازعات الدينية المسيحية، وخلافات الجماعات والفرق على علاقة المسيحية باليهودية، والأناجيل بالتوراة، والكنيسة بالاصطفاء، من وجه آخر.
وأوائل من أرخوا، على معنى: رووا أخبار "أمة" اليهود أو اليهود بما هم أمة، من مريدي الإصلاح البروتستانتي. فعمد جاك باسناج، البروتستانتي اللوثري الفرنسي والمقيم بروتردام، مهجر اللوثريين والإنجيليين الفرنسيين المضطهدين غداة إبطال خط أو فرمان (براءة) نانت، الى كتابة "تتمة" مصنف فلافيوس جوزيفه، مؤرخ دمار الهيكل الثاني في 77 للميلاد، في "الآثار" اليهودية القديمة، على معنى الآثار العريض. فكتب باسناج، في 1706 – 1707، "تاريخ ديانة اليهود منذ يسوع المسيح الى يومنا، وهو تتمة تاريخ جوزيفه". ولا يثبت المؤرخ اللوثري الفرنسي اتصال الجماعات اليهودية المعاصرة بالعبريين القدماء، وانتسابهم إليهم. ويذهب الى ان العهد القديم هو ملك "أبناء إسرائيل". والمسيحيون أولى بالاسم هذا من اليهود، بحسب تأويل شائع. واليهود أمة على معنى الملة. وتتناول روايته اضطهاد ملة اليهود، حيثما اقاموا، ويعزوه، على مثال معروف، إلى إنكارهم رسالة يسوع.

التوراة فالمنفى
وجاك باسناج هو "أستاذ" المؤرخ اليهودي الألماني، إيزاك ماركوس جوست، أول من كتب تاريخاً "يهودياً"، على منوال تاريخ البروتستانتي الفرنسي المهاجر، وعلى خلافه، معاً. ففي 1820 طبع الجزء الأول، من تسعة أجزاء، من "تاريخ الإسرائيليين منذ زمن المكابيين الى يومنا". والكاتب ألماني ليبرالي ومتنور، أراد كتابه لبنة في بناء دولة ألمانية وطنية تضوي جماعاتها الدينية والقومية على قدم المساواة، على رغم روافدها المتفرقة. فالماضي اليهودي، على هذا، هو تقدمة اليهود الألمان الى المجتمع المشترك الآتي. وابتدأ جوست تاريخ اليهود، شأن ليوبولد زونز وأبراهام جيجير من بعده مباشرة، بالعودة من المنفى البابلي، أي بواقعة تاريخية لا شك فيها. وكان بعض كبار المدرسة اللغوية النقدية الألمانية أثبتوا ان الكتب "المقدسة" كتبها كتّاب كثر تعاقبوا على كتابتها في أوقات متأخرة، معظمها عاصر العودة من المنفى البابلي في القرن السادس (ق. م.)، وجاء بعدها.
وكان انقطاع حقبة المنفى من الحقبة العبرية القديمة والمفترضة، وهي حقبة هداية ابراهيم ثم نزول التوراة (سفر التثنية) على موسى بطور سيناء، ركن تاريخ اليهودية عن يد اوائل المؤرخين الألمان اليهود في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ويُعمِل المؤرخون، وجوست أولهم، هذا الانقطاع، على ما يقول ساند (ص 103)، في دمج الجماعات الوطنية والمحلية اليهودية في مجتمعاتها، وينفي عنها "غربتها" وعزلتها على رغم انفرادها بمعتقدات وشعائر على حدة. فاليهود متآخون في صَلاتهم ومعتقدهم، ولكن ولاءهم السياسي و "الحربي" لأوطانهم ودولهم. ولا يقطع "تاريخ الإسرائيليين..." في اصل اليهود الواحد والمشترك. والحق انه لا يناقش المسألة على نحو التخصيص، ولا يحمل، من وجه آخر، الجماعات اليهودية على أجزاء او "أعضاء" من شعب واحد. فليس ثمة "كيان سياسي أعلى" يفرق اليهود من غير اليهود، ويحجز بين هؤلاء وأولئك، ويحول، تالياً، بين اليهود وبين مساواتهم بالجماعات الثقافية والقومية الأخرى التي تضويها الدول الوطنية المعاصرة (يومها).
وطالما خلا ميدان التأريخ للكتاب والمثقفين اليهود "المتنورين" في غرب أوروبا ووسطها، بقيت اليهودية ديانة ومعتقداً جامعين، بديهة، ولا يستتبع جمعها إنشاء شعب على حدة أو قومية أجنبية. وتنكب الكتّاب والمثقفون هؤلاء اتخاذ التوراة، وقصصها، مرجعاً تاريخياً، من غير اعتبار إيمانهم أو شكهم. ولم يتوسل رجال الدين بالتاريخ وروايته الى تثبيت هوية لم تحوجها المجتمعات المنكفئة والمتماسكة الى المنافحة عنها، وتأييدها بالحجة. فهم، كذلك، لم يُعمِلوا التوراة في احتجاج تاريخي وثقافي محدث. وعلى خلاف جوست، الألماني وأصحابه الألمان مثله، أنشأ هينريش غراوتس، المولود بأراضي القيصر الروسي بشرق أوروبا، في كتابه "تاريخ اليهود منذ العصور القديمة الى يومنا" (1853- 1876) تاريخاً قومياً ويهودياً صرفاً. فحمل الشعب على معنى الأمة الحديث. وجمع حوادث التاريخ المتفرقة والمتناثرة في مجرى متصل. وحذف من السياقة الواحدة ما يشكل ضمه إليها من فروع متشابكة وملتفة، ويعصى ضمه التعليل السهل والمباشر. وعلى حين بقي كتاب جوست مرجعاً ترجع إليه النخبة اليهودية الألمانية، ويحظى بقبول متحفظ لا يدعو الى ترجمته الى لغات أخرى (فهو لم ينقل الى العبرية)، ذاع صيت كتاب غراوتس، ونقل الى عدد من اللغات الأوروبية، وإلى العبرية. وجعله "عشاق صهيون"، وهم أوائل القوميين الصهيونيين، مرشدهم وكتابهم.
وهذا صدى التربة التاريخية والاجتماعية الروسية، والأوروبية الشرقية، التي ترعرع فيها غراوتس، وخرج منها، على الأرجح. فتصورت اليهودية، أي حال اليهود، في صورة صفة لازمة وثابتة علقت بشعب – عرق اقتلع من أرض كنعان، وجاب الأرض الى ان بلغ أبواب برلين. وآذنت رواية غراوتس بدمج الأسطورة المسيحية الشعبية التي تحمل اليهود على شعب منفي جراء "خطيئته" ومعصيته ونكرانه، في العقيدة الحاخامية المشيخية التي ترى يد العناية والمشيئة وابتلاءها في المنفى والشتات، وتقصر الخلاص على اليد وإشارتها. وعمد الكاتب "الشرقي"، رداً على جوست وزونز وجيجير، وعلى فصلهم التاريخ اليهودي من التمهيد العبري الإبراهيمي والموسوي، فدمج التمهيد القديم والسفر الملكي في صلب "التاريخ" اليهودي. ونفى عن اليهودية قصرها على حضارة دينية وحسب. ونصب اليهود "قبيلاً – شعباً"، على المعنى الألماني والروسي السلالي والنسبي، "خالداً". ونسبهم، من غير التواء ولا تقطع، الى "أجدادهم" الزاحفين من وراء النهر، و "العائدين" الى أرض كنعان حيث كان يقيم آباؤهم. وأحل هؤلاء، حين اجتمعوا، الشريعةَ السرمدية الموسوية في الجسم القبلي السرمدي، على تلخيص موريس هس لغراوتس في كتيبه، "روما وأورشليم" (1881).

المنفى والشتات
والمنفى، بين العهد الملكي وبين اليوم – ختام القرن التاسع عشر، أو أوائل القرن الواحد والعشرين في نظر من تسميهم انيتا شابيرا (مخيال اسرائيل، 2005) "الكنعانيين" -، على هذا، ليس بشيء، ولا يجدد في تعريف الهوية اليهودية ووجوهها. ولم ينتبه اصحاب المذهب "التاريخي" والأسطوري هذا الى معنى خسارة المنفى والشتات. فهي تخرج أهل المنفى والشتات، أي معظم اليهود، من التاريخ وحوادثه الاجتماعية والثقافية والسكانية والسياسية والاعتقادية، وتثبتهم على حال واحدة لا يزولون عنها، على ما "يراهم" أعداؤهم والساعون في استئصالهم. وهي تقضي في التاريخ عموماً، وليس في تاريخ اليهود وحدهم، بالخواء والعبث. وتستعدي الجماعات بعضها على بعض، وتحل علاقاتها بعضها ببعض في عداوة وضغينة لا قاع لهما ولا قرار. (وليس عسيراً الانتباه الى الشبه القوي بين هذه المقالة في التاريخ وبين مقالات الإسلاميين الإصلاحيين والإخوانيين والجهاديين، على حد مشترك يكاد يكون واحداً).
وينكر اصحاب الهوية القومية والعرقية المتصلة على المنفى ومنه وعلى الشتات ومنه، تهجينهما أهليهما و "خيانتهما" الأصل الواحد والواضح. ويتعقب شلومو ساند، في نحو 300 صفحة، روافد الاثنين، الشتات والمنفى، وإسهامهما في "تعقيد" تاريخ متشابك وملتف. فالآصرة اليهودية، على ما يرى مؤرخ تل أبيب، معنوية وثقافية أو رمزية فوق ما هي "وطنية إقليمية". وآباء التوراة، وأولهم رأس الآباء، ابراهيم، مهاجرون تركوا ارض المولد، أوركاسديم بين النهرين، في حال ابراهيم، وهاجروا الى الأرض "المقدسة" (ويلاحظ جان – كريستوف أتيياس واستير بنباسا في عمل مشترك، "اسرائيل، الأرض والمقدس"، 1998، باريس أن رابطة القدس، أو المقدس، بالهجرة على وجهيها وجهتيها: إلى الأرض ومنها على أمل العودة ورجائها، وثيقة). وكانت أور هذه في القرن السادس ق.م. حاضرة تجارية وثقافية كبيرة. ويرجح ان يكون كتاب الأسفار والمجاميع التوراتية أقاموا بها في القرن المتأخر هذا، ورووا تاريخاً متخيلاً في منفاهم الذي لم يرضوا العودة منه، على مفترق الممالك والمساك العظيمة ومدنياتها ومعارفها ولغاتها. وكانت حبرون ارضاً طرفية وهامشية قياساً على ممالك ما بين النهرين، وفيها فارس التي دخلها اليهود "جاهلين وغليظي الطباع" فمدنتهم، على ما يقولون هم.
ويرجح ساند، على خطى باحثين وعلماء حفريات ومؤرخين جددوا دراسة "الأرض" الكنعانية والفلسطينية وجوارها المصري والمتوسطي طوال القرن العشرين، أن تكون مملكتي إسرائيل ويهودا، في الشمال والوسط، نشأتا من قيام "شعوب البحر"، والفلسطينيون واحد منها، على السيطرة المصرية، واندثار المدن الكنعانية القائمة في الأودية وتوطن جماعات رعاة قبلية، انقلبت الى الزراعة، محلها. وأتمت الجماعات المستوطنة والمندمجة في السكان المحليين، في غضون ثلاثة قرون، من القرن الثاني عشر ق.م. الى القرن العاشر، استقلالها عن المصريين، وإرساء مدينتين – مملكتين صغيرتين ومحليتين في وقتين مختلفين. فقامت في الشمال على جبل كنعان، في أواخر القرن الثالث عشر ق.م. على ما تشهد مسلة ميرينبتاح، وسط عشرات من القرى الخصبة، مملكة "إسرائيل" (والاسم منقوش على المسلة). وكانت المملكة مزدهرة وخصبة في القرن التاسع، وكان الجنوب، على خلاف الشمال، فقيراً ومجدباً، ولم يرس بناء سياسياً متماسكاً وتواضعاً قبل القرن الثامن. وعلى رغم اشتراك الكيانين في لغات (لهجات) عبرية متقاربة، وفي تقاليد وسنن تكاد تكون واحدة، أقامت المملكتان على خلافهما وتنافسهما. وما يُنسب الى الجنوب، وهو مملكة داود وأسرته، من قصور ومبان عظيمة، يعود حقيقة، في ضوء الحفريات، الى مملكة الشمال وملوكها من آل أُمري على ما تشهد "المسلة السوداء" الأشورية ومسلة تل دان. ودان أهالي المملكتين بالوثنية، وعبدوا آلهة اعظمها يهوى. وأقاموا، على رغم تعظيمهم يهوى، على تقديم عشتروت. وبعض كتاب التوراة، من بعد، هم من اهل الجنوب. وحسدوا إسرائيل على قوتها وسلطانها، ونقموا عليها وثنيتها، واستعادوا اسمها القديم والمتألق من غير كتمان حفيظتهم وضغينتهم.

روافد الخليط
ولا يفضي هذا الى إبطال روايات التوراة "التاريخية"، وإلى نفي قيام مملكة داودية وسليمانية واحدة، وحسب (ولا أثر لهجرة جماعة كبيرة من ارض مصر الى ارض كنعان عبر سيناء في أي وقت من الأوقات، بحسب الحفريات). فهو يثبت في "الأصل" القومي، أو المنشأ، خليطاً من طبقات سكان، وجماعات مولدة، ائتلفت تدريجاً من غير ان تمحو آثار روافدها. وهدمُ الهيكل الثاني، ويفترض انه مبتدأ المنفى والشتات "الكبيرين"، لم ينجم عنه اثر في عدد اليهود. فلم ينفك عددهم بفلسطين نفسها، وفي بلاد المشرق، من مصر جنوباً الى أنطاكية وجوارها اليوناني شمالاً، يتعاظم. ويخالف هذا فرضية نفي جماعي روماني أخرج السكان من أرضهم وبلداتهم وقراهم ورمى بهم في المنافي. ولم تنفك المدن اليهودية، غداة هدم الهيكل، تزدهر وتتسع وتشهد حياة دينية وثقافية غنية. ولم يكد ينقضي نصف قرن على ثورة الغلاة (في 77م) حتى "خرج" باركوخبا في 132. وقمع الرومان الانتفاضة قمعاً قاسياً. وسموا أورشليم اسماً رومانياً، آييليا كابيتولينا، والولاية اليهودية فلسطين. وحظروا على المختونين دخول المدينة طوال ثلاثة اعوام، وضيقوا على إقامة الشعائر. ولم يترتب على القمع والقهر والتضييق نفي جماعي. وهذا لم يكن من سنن الرومان، ولا كانت آلاته ووسائله المادية والتقنية في وسعهم ومتناولهم أو في وسع معاصريهم. فبقي اليهود والسامريون معظم سكان الولاية وكثرتها في اثناء جيل أو جيلين غداة بارخوشبا. وبلغت البلاد في عهد "ربي" (الحاخام) يهودا حناسي، حوالى 220م، ذروة "ذهبية"، زراعية ودينية ثقافية. فأُنجز "الجامع في الميشنا" وطبقاتها الست، وكتبت الأحكام والاجتهادات الشفهية. واضطلع جمع الميشنا بدور راجح في بلورة الهوية التاريخية يفوق اثر خروج بار خوشبا الخلاصي بمراحل. فلم يلِ تدميرَ الهيكل الثاني تشتتُ اليهود في أصقاع الأرض، عقاباً لهم على ضلوعهم المزعوم في "قتل" المصلوب والابن، على ما أشاعت الرواية المسيحية، وواطأتها الرواية اليهودية منذ القرن الرابع. فأوَّل التقليدُ المشيخي اليهودي المنفى، على معنى الحياة الزمنية بعيداً من الجوار الإلهي، تجوالاً وتنقلاً خارج الأرض المقدسة.
وأغضت الرواية الغالبة والسائرة، وهي استقرت في القرن السابع (م) تقريباً، عن انتشار اليهودية، قبل الميلاد وبعده، في بلاد كثيرة، بعيدة من المملكتين وقريبة. فشطر غالب من منفيي بابل لم يرجع الى أورشليم حين ألغى قوروش عهد النفي. وانتشر المتحدرون من المنفيين في بلاد ما بين النهرين، شرقاً في مملكة فارس، وشمالاً في بلدان الكلدان وأشور، وغرباً وجنوباً في بلاد النبط والعرب. وأوت مدن سورا ونهارديا وبومبيديتا مدارس توراتية زاهرة. وولدت في حضن المدن والمدارس هذه الكنيست، بيت الصلاة والعبادة ودار القراءة والتدريس والاجتهاد. وتقدم تلمود بابل، وهو جامع احاديث وآثار كبار الشرّاح والمجتهدين في التأويل والسنن، تلمود اورشليم مكانة. ونزلت جاليات يهودية، بعضها يهودي فارسي عسكري (من المقاتلة)، مصر. ومهدت فتوح الاسكندر لنشأة دائرة ثقافية وسياسية، هللينستية، مترامية الأطراف، ائتلفت من خليط روافد يونانية ومشرقية وفارسية وهندية وعبرية وعربية ونبطية لم يسبق اختلاطها على هذا النحو (وكان أرنالدو موميليانو ذهب، في "حكمة العلوج"، الى ان الخليط هذا ولد ثقافة غلَّبت الغيبيات الصوفية والأورفية وعلوم النجوم وقراءة الطالع والروايات الخلاصية والمهدوية والسلطانية على الفلسفة والسياسات اليونانية – الرومانية). وانتصبت الاسكندرية حاضرة هذه الدائرة. وأقام بأنحائها يهود ضاهى عددهم عدد أخوة إيمانهم في يهودا. ومعظمهم من الأهالي المحليين الذين دخلوا في اليهودية، ومن ذراريهم. ومن مصر، هاجر بعضهم مقاتلاً ومتجراً الى الصحراء الليبية وضفافها المأهولة، وهي من ولايات البطالمة.
وأوغل بعض آخر في شمال افريقيا، وتوطن في وسط البربر. ودخلت جماعات من هؤلاء الدين الجديد. وأنشأت كنساً للصلاة والدراسة. وكثرت جماعاتهم في بعض النواحي، وملكت عليها. وفي آسيا الصغرى، نمت جماعات بأنطاكية وأفسوس، واستقرت جنوباً بدمشق، وشمالاً وغرباً بسلاميس وأثينا وتسالونيكا وكورنتس. وبلغت روما قبل الميلاد وبعده. ومن إيطاليا دخلت الدائرة الإيبيرية، الإسبانية والبورتغالية، ثم الغولية والجرمانية، فإلى شرق أوروبا. ويحصي المؤرخون زهاء 4 ملايين الى 8 ملايين يهودي في منعطف القرن الأول (م) الى الثاني (ويميل ساند الى الرقم الأول). وفي الأثناء، لم يزد عدد سكان يهودا والسامرة وإسرائيل عن 500 ألف تقريباً. واستقر السكان على هذا العدد طوال القرنين قبل الميلاد وبعده. فلا يعقل ان يكون هؤلاء مصدر الملايين الأربعة، على أضعف التقدير، الذين انتشروا على ضفاف المتوسط. وهم ليسوا أهل بحر وساحل، على خلاف الفينيقيين واليونان. ولم يشهد نماء السكان في البؤرة اليهودية الفلسطينية طفرة مفاجئة ومباغتة. فزيادة السكان، في البؤرة الزراعية شأنها في غيرها، تقيدها الموارد وآلات استنباتها. وهذه لم تشهد، في العهد الروماني الامبراطوري، انقلاباً عظيماً. ويقود تعليل العدد، وتحليل أجزائه وشطوره، الى إثبات دور عاملٍ تغفله الكتب المدرسية الإسرائيلية اليوم عمداً، وأغفلته اعمال بعض أعلام "الرواة" المعاصرين من امثال دوبْنوف وسالو بارون وغيرهما من وارثي تراث إخباري تقليدي واعتقادي محافظ. والعامل الحاسم هذا هو دخول جماعات محلية وبلدية ببلدان المهجر (قياساً على البؤرة) في دين التوحيد الأول، واستجابتهما الدعوة، على خلاف زعم الانكفاء، والتوارث في الذراري وحدهم، واشتراط يهودية الأم معياراً للنسبة الصحيحة والمقبولة.
وإلى الروافد هذه، يتعقب المؤرخ الإسرائيلي رافدين كبيرين: يمنياً وحبشياً سبق الانكماش والانكفاء الجزئيين، وخزرياً تأخر عنه الى القرن العاشر الميلادي. ومملكة الخزر، على ساحل بحر قزوين وفي وسط جباله، كانت إحدى طرق الانتشار صوب أوكرانيا وبولندا وليتوانيا. وفي الأثناء، كانت الجماعات هذه تتكلم لغات الأقوام والشعوب التي خالطتها، وانقلبت جزءاً منها. ولم تتعلم العبرية والآرامية إلا بعد القرن الحادي عشر (م)، حين استقرت العربية لغة الثقافة الجامعة في ممالك الإسلام، واستقرت اللاتينية لغة أهل القلم والخطابة والتدريس والنسخ في ممالك المسيحية.
ويخلص المؤرخ التل ابيبي من تطوافه العريض والمدقق في شعاب الأرض – وهو يهمل شرق آسيا والصين حيث حل يهود في القرن الثاني (ق. م.) – الى ان الشعب "اليهودي" الإسرائيلي اليوم هو أحد أكثر شعوب الأرض اختلاطاً عرقياً وقومياً وثقافياً. ويفوق اختلاطه حتماً ما عرفته شعوب العالم في فصول تاريخها التي سبقت التوسع الأوروبي الرأسمالي. ولا يقارنه إلا الخليط الأميركي، في الولايات المتحدة و "عالمها الجديد"، والمجتمع هذا، وهذه حاله، تتبنى تشريعاته وقوانينه معياراً نَسَبياً، وتعمله في تمييز اليهودي من غير اليهودي. وتسعى بعض مختبراته، وبعض علماء المختبرات، في جلاء بنية جينية متميزة، على ما تسميه الصحافة الإسرائيلية، بعضها ساخراً وبعضها الآخر جاداً. ويعزو شلومو ساند الحاجة الى أصل بيولوجي مشترك الى تعريف الدولة شعبها باليهودية حين يفتقر مجتمعها الى قرينة تعارف ثقافية تسم نمط حياة يهودياً، علمانياً وعاماً، بسمتها، وتصبغه بصبغتها. فيُحْوجها افتقارها الى القرينة، أو السمة، الى التمثيل على هويتها الجماعية بالأصل البيولوجي الواحد، وبالشعب – العرق الأزلي. وألزم هذا الدولة بنقل التبعة على الأحوال الشخصية، في 1953، الى "شريعة التوراة"، بينما ابتدأ المجتمع يبلور ثقافته الوطنية الخاصة على حدة من تقاليد الشتات الدينية، ومن المقتبسات والاستعارات الغربية. ويعزو المؤرخ اضطراب معايير الهوية و "قانون العودة" الى الفلسفة نفسها. والتمسك بهذه الفلسفة يتعثر يوماً بعد يوم، وأكثر فأكثر، بهجرة روسية و "شرقية" شطر منها غير "يهودي"، وبحركة فلسطينية تنزع الى تعريف الدولة تعريفاً سياسياً، وتجهر بحقها في الدولة قبل ان ترضى الانتساب إليها (ص406). وهذا، وغيره، يشرع الباب بوجه فصل "ما بعد صهيوني" من تاريخ الدولة والمجتمع. وينبغي ان يقود الفصل هذا الى حمل الهوية على بداية رحلة الحياة واستهلالها، وليس على غايتها.

الاثنين، 7 سبتمبر 2009

رجل الأمن والاستخبار والعمليات «بطل» يتقدم المقاتل في مراتب البطولة الرسمية


الحياة, 01 /9/ 2009

قبل عشرة أيام من ختام آب (أغسطس) أطلقت السلطات الاسكوتلندية عميل الأمن الليبي عبدالباسط محمد المقرحي، المدان بالمسؤولية عن انفجار طائرة أميركية فوق بلدة لوكربي، في 1988، ومقتل 270 راكباً فيهم طاقم الملاحة والخدمة. واستقبل مئات الليبيين، أو آلاف قليلة، من كان رئيس أمن الطيران بمحطة مالطا يوم عملية الاغتيال الجماعية، «استقبال الأبطال»، على ما قيل. ورجع سيف الإسلام القذافي، نجل «القائد» ورئيس مؤسسته وممول مبادرات «خيرية» وسياسية وديبلوماسي والده غير الرسمي، في الوصف هذا.
وكان سيف الإسلام على متن الطائرة الخاصة التي نقلت السجين أو الأسير «المحرر» من المملكة المتحدة الى مطار طرابلس الغرب. وحين نزل رجل الأمن السابق والمريض من الطائرة «كانت مكبرات الصوت تبث أناشيد وطنية». وهلل الليبيون المحتشدون «وسط إجراءات أمنية مشددة»، لمواطنهم. وغداة يومين على «تحرره»، على قول إحدى الصحف اللبنانية المختصة، استقبله «قائد الثورة»، وهنأه، وضمه الى صدره. فأكب رجل الأمن المدان على يدي «القائد» وقبلهما.
وسبق إطلاق المقرحي الليبي بعشرة أيام احتشاد آلاف اليمنيين بمطار صنعاء، وانتظارهم نزول الشيخ محمد حسن المؤيد ومرافقه محمد زايد، آتيين من الولايات المتحدة الأميركية. والشيخ المؤيد وصاحبه كانا «ضيفين» على سجن ولاية كولورادو، أو أحد سجونها، طوال خمس سنوات، بعد إدانتهما بمساندة منظمات إرهابية في صدارتها «القاعدة» ثم «حماس». «واصطف آلاف من المستقبلين على طول الطريق من مطار صنعاء الدولي الى مستشفى العلوم والتكنولوجيا في وسط العاصمة، رافعين صور المؤيد ومرافقه، وهاتفين لانتصار العدالة». ووصفت الجموع الرجل بـ «المجاهد»، وعودته بـ «يوم الحرية». ونسب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الإفراج عن اليمنيين الى «يقين اليمن»، أي يقينه هو، ببراءتهما. وحمل وزير خارجيته، أبو بكر القربي، الإفراج على «التحرك الديبلوماسي اليمني».
وعاد خمسة «ديبلوماسيين» إيرانيين، في 12 تموز (يوليو)، من حبس أميركي (- عراقي) الى طهران. وكان الخمسة أوقفوا بأربيل قبل سنتين. وظنت فيهم القوات الأميركية التي اعتقلتهم التجسس على ناشطي منظمة كردية مناهضة للحكم الإيراني، وتسليح فرق محلية تخطط لعمليات عسكرية متفرقة. وهم كذلك، شأن الشيخ محمد حسن المؤيد اليمني والرائد الأمني عبدالباسط محمد المقرحي الليبي، «استقبلتهم بلادهم استقبال الأبطال»، على قول الوكالات. فبثت فضائية «برس تي في» الرسمية صور وصول طائرتهم الى المطار، وخروجهم منها، ونزولهم، ومصافحة منوشهر متكي، وزير خارجية محمود أحمدي نجاد، ومحافظ طهران وموظفين آخرين، أيديهم. وأثنى متكي، وهو نفسه أبّن في شباط (فراير) 2007 عماد مغنية باسم الجمهورية الإسلامية، على «مقاومة الديبلوماسيين الشجاعة مثالاً لمقاومة الأمة الإيرانية».
وحين أخلي، في 29 نيسان (ابريل)، أربعة ضباط لبنانيين أمنيين كانوا احتجزوا قبل 44 شهراً بموجب القانون اللبناني وتوصية رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رفيق الحريري وآخرين، انفجرت تظاهرات الاستقبال والفرح السياسية والمذهبية (في حال المدير العام السابق للأمن العام وابرز الموقوفين والمخلين اللواء الركن جميل السيد) والعائلية. ومن اختار من «المحررين» أداء دور الخطيب والشارح والمدعي العام والقاضي الإعلامي، ولم يطلب الدور هذا غير الرجل نفسه، أتاحت له محطات التلفزة المنيرة والمضيئة، و «التبريكات» العائلية والبلدية، واستقبال «القائد» السوري له، أداءه. وأطنب سياسيون و «روحانيون»، أو موظفو هيئات إدارية مذهبية، في تعظيم الضباط. فوُصفوا بـ «الشهداء الأحياء». ورفع نصب لهم في بعض ساحات الضواحي. وسوغ اعتقالهم اضطلاعهم ظاهراً بصلاحيات أمنية كبيرة،وتقصير بعضهم في الاضطلاع بمهماته، وعبث بعض آخر بمسرح الجريمة، وتصدي بعض ثالث لمسرحة سياسية وخطابية متمادية. وهم أخلوا لضعف كفاية الأدلة وقصورها عن سند دوام الاعتقال.
«رأي» جماهيري
ففي غضون أقل من أربعة أشهر، أجمعت «جماهير» بلدان شرق أوسطية على «رأي» يكاد يكون مشتركاً في رجال أمن ظنت فيهم سلطات قضائية (ما خلا حال الإيرانيين الخمسة)، أجنبية أو دولية، الضلوع في القتل أو السكوت عنه، و «الرأي» الجماهيري، وهو كذلك رأي رسمي صادر عن سلطات متحكمة أو سلطات ظل (في حال المنظمة الخمينية اللبنانية)، حمل المظنونين أو المدانين على البطولة. وعلى افتراض جواز الشك في قوة الأحكام التي قضت بسجن المسجونين – والشك في الأحكام هذه جائز، وهي صدرت فعلاً عن هيئات قضائية رجعت في أحكامها، وأقرت بضعف أدلتها وقرائنها –، بعصى الواحدَ، إن لم يكن جماهيرياً على أنحاء الجماهيريات المستقبلة بالأناشيد والناحرة الخراف، فهمُ البطولة التي تنسبها الجماهير الى عملاء أمنيين «يعملون» على أراضٍ أجنبية أو يُظن فيهم التقصير إذا لم يجزم بتواطئهم على الارتكاب.
وفي الأحوال كلها، لا تتفق مكابدة الأسر الطويل، و «الظلم» الذي يتأتى منه، مع مثال البطولة العربي المعروف. فهؤلاء، وغيرهم مثلهم، لم يؤسروا في حرب أو منازلة، ولم يقتحموا حصوناً، ولم يغيروا على مصادر نار مؤذية، ولم يقطعوا إمداداً، ولم يقعوا في كمين نصب لهم وراء خطوط العدو. فهم أخذوا في بيوتهم ودوائر عملهم. وصفدوا واقتيدوا الى السجون اقتياداً. وبعضهم اضطرت دولهم الى النزول عنهم للقضاء. وحاكمهم القضاء، ودانهم، أو دان منهم من دانه بالمراوغة وليس بالجرأة، وبالتستر على القوانين والأعراف وليس بمغالبة النفس. وصدق القضاء فيما دانهم به أم لم يصدق، فليس ثمة ما يباهي به الأهل، أي «الجماهير»، أو يفاخرون حين يتطاول التخمين والظنة الى اغتيال 280 مدنياً راكبين طائرة مدنية، أو الى تأييد منظمة قتل جماعي، أو التخطيط لجريمة سياسية أو الإغضاء عنها أو التقصير في مضمار العمل الأمني الوطني. فإتيان هذه، إذا صدقت التهمة، يقضي بسفالة من يأتيها. والبراءة منها، إذا لم تصدق التهمة، على ما يقول المتهمون ومستقبلوهم وأولياء أمرهم السياسيون، لا ترفع المظنون، ظلماً ومن غير بينة، الى مرتبة البطولة، والتمثيل على «مقاومة الأمة»، على قول الديبلوماسي الإيراني الأول. وقبل عقدين من السنين، حين حشدت الولايات المتحدة الحشود العسكرية على حدود العراق الجنوبية تمهيداً لرد عدوان قوات صدام حسين على الكويت، دعا قائد سلاح الجو العراقي قادة قوات التحالف الى البرهان على «رجولتهم»، والقتال براً من غير سلاح جو أو مدفعية بعيدة المدى. فهذا «قتال الرجال». وأما غيره فقتل نساء وربات خدر ربما.
ولا ريب في أن دعوة قائد سلاح الطيران العراقي يومها، على شاكلة «منازلات» سيده «البائد»، على قول نوري المالكي، و «أمهات معاركه»، لم تكن إلا من قبيل التفاخم وتظاهر الطواويس، المفضيَين الى مجازر ومقاتل مروعة. وهي من باب البطولة الخطابية. ولكنها تقر، على نحو موارب، بانقلاب شروط البطولة، أو العمل البارز، في الحرب الحديثة والميكانيكية، على ما كتب العقيد شارل ديغول في ثلاثينات القرن الماضي. فهذا النوع من الحرب يخوضه محاربون تقنيون بينهم وبين ميدان المعركة ما لا يحصى من الوسائط. وفي أثناء الستين سنة المنقضية قلما قيض لمحاربين شرق أوسطيين خوض حروب تقنية متكافئة أو «متوازنة استراتيجياً»، على قول سوري وأسدي مطوي أو منسي.
والحق أن «التوازن الاستراتيجي» المرجو أراد به صاحبه أصنافاً من السلاح الصاروخي، وسلاح الجو، فوق ما أراد مثال إعداد وتخطيط وقتال. و «الاستراتيجي» صفة السلاح ومفعوله ودماره ومسافاته. وورث الابن، من طريق إيرانية وكورية، «توازن» أبيه ورغبته ومطمحه.
وعلى هذا، فالبطولة في ميدان القتال عصية. والحق أن من يقرُّ بها للجنود العرب، مصريين أو أردنيين في المرتبة الأولى وسوريين من بعد (قبل الحروب غير المتكافئة المحدثة) هم الإسرائيليون، بينما يميل «العرب» الى إنكارها. فمجدت الأشرطة السينمائية والمسلسلات أفعال رجال الأمن وسيداته. وقلما حظي الجنود أو المقاتلون بشطر من الإعجاب الذي أسبغ على المشبهين على العدو الشبهات والأشباه. ولعل بعض السبب في هذا هو عسر استواء الصور والرواية السينمائية أو التلفزيونية (على) مستوى شاهق ومتصل من «البطولة»، على ما تقتضي العقيدة السردية «العربية».وأما القص البوليسي والتجسسي فيحتمل الالتواء والتعرج بل يفترضهما ويشترطهما. فاجتمع استعصاء الإنجاز الحربي والقتالي، حقيقة وفناً، الى امتناع الحرب الميكانيكية، وهي صارت الكترونية في الأثناء، من الأداء والتصوير المشوقين والمفهومين. وحاز رجل الظل، ومنفذ الأعمال «الصغيرة»، وبعضها دنيء، السبق والمكانة.
تسمية العدو
وقد يبعث على الحيرة الإغضاء السياسي والمشهدي، أي إغضاء الشاشة، عن إنجاز المقاتل الميداني في الحروب غير المتكافئة الأخيرة، على شاكلة تلك التي خاضها المقاتلون الخمينيون، «المقاتلون الإسلاميون»، على الأراضي اللبنانية، وجروا إليها القوات الإسرائيلية. فلم يميز الحزب الشيعي المسلح في لبنان، حين أبَّن قتلاه، المقاتل من غير المقاتل. ولم يميز مراتب المقاتلين القتلى بعضهم من بعض. ففي أثناء قتال صيف 2006، برز من سموا «جنرالات حزب الله». وتناقلت الشائعات مقتل 7 منهم. وعرفت أسماء ثلاثة أو أربعة، أو سمي ثلاثة أو أربعة. وروى بعض أصحاب من سقطوا أفعال رفاقهم وإخوتهم على صورة الملاحم. وعوضت الرواية على شاشات التلفزيون وفي الصحف خلو «الملاحم» العربية من عامل إلهي، على ما كانت تكتب كتب الأدب المدرسية. فأطنبت في استدعائه وإعماله. ولكن هذا لا يقاس بالاحتفاء برجل الظل الذي كانه عماد مغنية حين مقتله. ولم يطعن في مرتبته، وعلوها، ما عرف علناً عنه مثل قتله مسافراً أميركياً أعزل على متن طائرة شارك في خطفها الى مطار بيوت (1985)، أو قتله ضابط أمن كويتياً على متن طائرة كويتية خطفها (1990).
فكأن ما يفعله «البطل» أو المقاتل ليس معيار تسنمه البطولة «العربية» ومرتبتها، ولا القاضي في أهليته بالمرتبة. فبعض مشايخ «المقاومة» وعمدتها تُختصر أمجاده في قتل مُقعد مسن ومريض وإلقائه في البحر من السفينة. وآخر قتل رجلاً أعزل وابنته، وكانا مختبئين في خزانة ثياب. ولم يجرؤ «فدائيو» ميونيخ، في 1972، على نفي مقتل الرياضيين الإسرائيليين بيدهم، فالقتل شرف يدعى على الدوام. ولم تشتر أعوام السجن والأسر، بعد القتال أو محاولة الاغتيال، لبعض الأسرى الشيوعيين مرتبة أو مكانة. وحين أطلق سراح سها بشارة – وهي حاولت اغتيال أنطوان لحد، قائد ميليشيا جنوبية لبنانية رعى الإسرائيليون إنشاءها – بعد نحو عشرة أعوام من سجن خرج منه سمير القنطار «عميداً» وداعية مسافراً وجوالاً وعريساً (مجازاً وحقيقة)، ثم «تحرر» محمد ياسين، المقاتل الشيوعي، كان نصيبهما، نصيب بشارة وياسين، التواري عن الأنظار والأسماع والإهمال.
فـ «المجد للأمة» وليس للأفراد الآحاد. وإذا قاتل هؤلاء تحت لواء من يراهم قادة الأمة، ومرشدوها وولاة أمرها، أعداءهم، وأعداء الأمة التي يمثلون عليها، ويجسدونها، جاز نفيهم منها، والطعن فيهم. وجاز ضربهم وسجنهم والتشهير بهم في محاكمات علنية يقرأون فيها، هم أنفسهم، مطالعات مكتوبة في «جرائمهم». ولم يمتنع اغتصاب بعضهم ولا قتله، ولا تعاقبُ كبار النافذين على الإدلاء ببيانات وآراء يخالف بعضها بعضاً، ويناقض بعضها بعضاً، من غير حسم ولا تبعة. والذريعة في الأحوال هذه، أحوال المقاتلين ورجال الأمن القتلة والمقترعين المتظاهرين، الكيد في العدو، ولكن بعد تسمية العدو وتعيينه وتوقيت محاربته وقتاله. والتسمية والتعيين والتوقيت تعود كلها الى «قيادة الأمة»، ولا تقتسمها هذه مع صغار المقاتلين المؤتمرين، من حيث لا يدرون، بأوامر مصدرها كفار ومارقون ومستشرقون ومنافقون وطواغيت ومغامرون.
وفي معمعة المعمِّيات هذه، لا ريب في أن رجال الأمن والاستخبار والرصد والاستطلاع هم أهل الثقة، وهم الأبطال حقيقة، ومن لا يخشى انقلابهم، ولا تنطحهم الى نسبة الأفعال المجيدة الى أنفسهم، من دون صاحبها الحقيقي وهو القائد نيابة عن الأمة. وكان ستالين، قائد القادة (جنراليسيم) السوفيات الشيوعيين،من أوائل من تنبهوا الى اشتباه المقاتل أو الجندي أو الحزبي «المؤمن» والممتلئ يقيناً، قياساً على رجل الأمن والاستخبار. فأعمل في كبار الجنود وصغارهم تطهيراً وقتلاً وتشهيراً وتهمة. وسلط عليهم أجهزة الأمن قبل أن يسلط بعض هذه الأجهزة على بعضها الآخر وبعده. ولم يقصر هذا على جنوده وقواته، وعلى قادته الذين شتتهم عشية انفجار الحرب الثانية. فانتهج السياسة نفسها في حركات المقاومة الوطنية والداخلية في شرق أوروبا وجنوبها، في البلدان التي احتلها النازيون وقاومت حركات وطنية، غير شيوعية وبعضها شيوعي، الاحتلال. فكان نصيب مقاتليها وقادتها النفي والاعتقال والاغتيال والتهمة. فينبغي ألا يعلو صوت صوتَ «القيادة». وإرساء القيادة على فعل أو إنجاز، وليس على إنعام واصطفاء، يتهددها ويقيسها على غيرها، ويرسي الدولة على ركن وحروف.
وحين يستقبل ليبيون ويمنيون وإيرانيون ولبنانيون رجال أمن واستخبار وانتحار (بعضهم عمل في «جهاز العمليات») استقبال الأبطال أو «الفاتحين»، يكرم استقبالُهم على هذا النحو قائدَ الأمة وجسدَها العظيم. ويبايع المستقبلون، كثروا أم قلوا، رأي القائد المفترض في مراتب الحكام وكتلهم المتناحرة غالباً. ويبايعون تقديمه من يقدم وتأخيره من يؤخر. و «استعادة» المقرحي والمؤيد والسيد والضباط الإيرانيين الحرسيين وأمثالهم، بكلفة باهظة في بعض الأحيان، إنما تجدد إعلان وحدة الحكام طبقة مرصوصة تحت لواء قائد القادة. ومسرح الاستقبال وإخراجه الى العلانية قرينتان على الأدوار وموازين القوى.
فالاستقبال الذي أعده الأمن القذافي الليبي لعبدالباسط المقرحي، مهما قال سيف الإسلام القذافي فيه، شاءه «قائد ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول)» صنو الترحيب بابنه، هنيبعل القذافي، «المحرر» من السجون السويسرية الظالمة قبل زهاء السنة.
وحين يحشد «الحزب» الشيعي في لبنان بعض جمهوره في الترحيب برجل الأمن العام السابق ويد (إحدى أيدي) الولي الاستخباري، فهو ينسبه إليه، ويطلب له الحصانة التي يطلبها لنفسه، وللسيدين اللذين صنعاه ويخدمهما، بـ «أشفار العيون» من تهمة اغتيال رفيق الحريري الفظيعة والمخيفة، على ما يكرر وليد جنبلاط الوعيد. وإبراز حكام اليمن نفاذ وساطتهم لدى الولايات المتحدة، وانعقاد ثمرتها إطلاق المؤيد ومرافقه، يغمز من قناة قتلة «القاعدة» اليمنيين، ويندد بدوام حربهم على حلفائهم الشماليين السابقين بينما يقوم بعض الجنوبيين عليهم، ويطعن في شعار الحوثيين «الموت لإسرائيل» (فالمؤيد من أنصار «حماس») وإرادتهم النيل من سياسة الحكم وحلفهم مع الولايات المتحدة. فرجال الأمن، على وجوه الرجولة ووجوه الأمن في العبارة، جديرون بأسمى آيات الحب، على قول المراهقين العشاق في رسائل غرامهم القديمة.

التمزق الوجداني الجبراني وتعظيم الأضداد والنفس يحطان من الفعل ومسرحه

رواية السيرة وكتابتها على حد تعليق الحادثة والفعل وإلغائهما
المستقبل 30/8/2009

قد يكون طلبُ محمد الشيخ علي شرارة (أنظر "نوافذ" عدد "المستقبل" في 23/8/2009، إيجاز كتاب بلقيس شرارة في أبيها "محمد شرارة/ من الإيمان الى حرية الفكر"، دار المدى، دمشق وبيروت وبغداد، 2009) لنفسه ولغيره الحق في تقديم الهوى والميل والرأي على العرف السائر والملزم، إسهامه الأول في صنع سيرته، وربما في وحدة السيرة هذه وتمامها على صورة "قدر" يجمع شتاتها. فسفر فتى عاملي لبناني يتحدر من "جب" أو رهط معممين، اوائل القرن العشرين، الى النجف وجامعاتها، أو علمائها وفقهائها، ودراسته على هؤلاء علوم الفقه الإمامي الجعفري، وتوقع الفتى وأهله إما عودته الى بلده مفتياً أو إماماً أو إقامته في الحوزة مدرساً مجتهداً، كان هذا أمراً معروفاً، وطريقاً مسلوكة ومعبدة. وهو لا يقتضي غير يسر الأهل، أو قلة عسرهم، وميل الصبي، وهو في سن الاحتلام أو في مقتبل المراهقة، الى "العلم" ومكانة صاحبه وإلى قيود المكانة وامتيازاتها جميعاً.
والحق ان الفتى لم ير الى المسألة على هذا الوجه. فهو جمع الى الرغبة المفترضة في "العلم"، والسفر إليه، والإقامة بحاضرته الشريفة والمقدسة بجوار المراقد والأضرحة، ميلاً الى اللغة العربية وأدبها وشعرها في المرتبة الأولى، وعشق قريبته الصبية، وإعلانه العشق هذا شعراً أي نظماً، وربما سعيه في زواجه بها، على ما لم تكن العادات والأعراف تنكر او تدفع. فزواج بالغين وقريبين سويين كان قريباً ان يكون التقليد الغالب. ولكن ما لم يكن تقليداً هو ان يجهر الفتى المقبل على العمامة، والوارث على نحو أو آخر "عمامة أجداده" الأجلاء، عشقه، وينشد على ملأ الأهل كلفه ببنت "خاله" (وهو خال والدته، ومن السادة الحسينيين)، وكلفها به.

العلم والغزل
ولا يبعد هذا كثيراً من مفارقات القرابة العربية. فقيس بن الملوح العامري، وهو من وضع الرواة والرواة لا ينطقون عن انتحال وابتداع خالصين، ينكر عليه عمه، والد ليلى، تشبيبه ببنت عمه، وهي تكاد تكون محبوسة عليه. ويعزو الى التشبيب بها، وإعلانه حبها، امتناعه من تزويجه إياها. وقيس بن الملوح لم يكن ينوي لا جمع الحديث ولا تحقيقه، ولا درس أسباب النزول ولا رواية تفسير المفسرين في ضوء روايات أشعار الجاهليين و "أدبهم"، على خلاف صاحبنا. ويزعم أحد الأخبار ان والد ليلى منع قيساً، ابن اخيه، منها حين تقدم الى طلبها احد موسري العشيرة. وحملُ الخبرين واحدهما على الآخر يقود الى التخمين في ضعف أواصر العشيرة (العربية) في ديرات قريبة من طرق القوافل، اضطر أهلها الى الرعي غير بعيد من بادية الشام، ومن ولاة شديدي القبضة. فأنشأ رواة الأهل واخباريوهم أعرافاً منحولة، وحكموها في نزولهم عن بناتهم لأقارب لا حق لهم فيهن، و "صادف" أن كان الأقارب من أهل اليسر. وهذا اجتهاد عملي كبير، وقرينة على احتساب الأعراف عوامل طارئة مثل الإثراء من تجارة، أو من عمل السلطان، وتأصيلها العوامل هذه من غير حرج ثقيل.
وجر العشق وجهره على الفتى الشاعر والمتأدب، والمزمع وراثة أجداده الأجلاء، إنكار والده الشيخ، مدرس المدرسة المحلية، وموظف الإدارة اللبنانية (الفرنسية) الجديدة، والمعمم المتواضع (فهو لم يسافر الى النجف)، وناظم الشعر التعليمي في هجاء أقرانه "العلماء" المتحدرين من أسر عاملية – نجفية عالية المكانة الاجتماعية. ويبدو الوالد الشيخ في مرآة نظمه النهضوي، "عامياً". فهو ينكر على أشباه "كبار" العلماء سمتهم وقيافتهم ومسرحهم، ويرد عليهم ضعف علمهم الحقيقي، وينتسب الى "قومه" ويتنكب "السمو به الى العلى" (على خلافهم؟ وبعضهم شاع عنه مماشاة المحتل المنتدب وقيادة "الثورة" عليه معاً). و "العامية" المرتبية هذه تتبنى من غير مساومة ولا تراخ محافظة علمية واجتماعية صارمة، وتمسكاً لا هوادة فيه بتقاليد العلم والعلماء. فلا يليق، في اعتقاد الشيخ المدرس والموظف المحلي، ان يقول ولده، المزمع سفراً الى "جامعات" النجف الأشرف والدراسة على كبار المجتهدين من زملاء عمه (جد الفتى لوالدته) "الشيخ موسى"، في بنت خاله أو قريبته غزلاً و "تشبيباً".
ولم يفهم الفتى ماذا يرتب عليه، منذ يومه وهو لما يزل عامياً أو "جاهلاً" على قول بعض أهل التوحيد، عقده العزم على العلم وطلبه من إمساك عن القول واقتصاد فيه. وحسب، ربما، أن شأنه وشأن الشريف الرضي، "جامع" "نهج البلاغة" وصاحب "يا ظبية البان"، واحد. وما لم يحرم على العلوي الكبير يحل له. وإذا صدق حسباني ان الكاتبة، صاحبة سيرة والدها غداة ثلاثين عاماً على وفاته ونحو تسعين على "حادثة" 1920 (أي السفر الى النجف ووقوع الخلاف مع الوالد، الشيخ علي)، إنما تردد اليوم ما قاله في سره أو علنه والدها يومذاك – فهي تكتب: "العقلية التقليدية لا تعي ان الصبي يتعين عليه ان يمر بدور المراهقة"، ووالد الفتى "كان يجهل أهمية عاطفة الحب في سن المراهقة" ودور الحب في "كيان الإنسان" (ص 26) – إذا صدق حسباني هذا، فما ذهب إليه الفتى العاشق، والمزمع التعمم وطلب العلم، إيذان بهوة جديدة وعميقة بين جيلي الآباء والأولاد. فـ "المراهقة"، على معنى اضطراب تعريف النفس أو الذات والتماس الواحد (والواحدة) مثالات متضاربة ومتنازعة يحتذي عليها أو يلبسها، هذه "المراهقة" واقعة نفسية واجتماعية ثقافية نشأت عن تصدع هيئات المجتمعات "الحديثة" وروابط أهلها، وخروجها عن ترتيبها العضوي المفترض. والترتيب هذا "يستبق" اضطراب تعريف النفس (والاستباق زعم وتخمين يولدان تلية تبلور الواقعة واستوائها اختباراً عاماً أو شائعاً)، ويقطع دابره قبل تظاهره وانبساطه. و "إصابة" الفتى به عرض من أعراض نشأة ضرب من الفردية تخالف الجميعية العضوية التي ترتب الناس، سلفاً، على مراتب، وتعرفهم الى أدوارهم ومحالهم وزيجاتهم ومهنهم وعصبياتهم وعداواتهم.

تفجع الوجدان
والحق ان ما أُجمله وأجمعه على النمط هذا – وأفردت له مرغريت ميد في "بلوغ سن الاحتلام في (جزر) سامووا" الأوقيانية (1928) وصفاً ضافياً وباقياً – معلم يصل الفتى العاملي البنت جبيلي، وسيرته، بـ "سيرة" المجتمعات والعوالم التي وجه وجهه إليها، واستقبلها في عقود القرن الماضي الأولى، وتقلب بين أظهرها. وآية السيرة هذه، وجدتها و "حداثتها"، إعلانها، أي إعلان صاحبها أو أصحابها، منازعاتهم وأضدادهم الحميمة على رؤوس الأشهاد. فالولد العاشق و "الشيخ" العالم والمتأدب والمتفقه والراغب في الانتصاب قاضياً في مشاغل الناس ومحكماً فيها، معاً، لا يرى غضاضة في جمع الأحوال هذه بعضها الى بعض. وهو يلتمس من والده، ووالده معيله وشيخه وسيد الدار الحازم، رعاية أحواله المتنافرة، أو غير المتفقة على ما يرى الشيخ علي "التقليدي"، والإغضاء عن نفرتها. ويتوقع من الوالد الإنفاق على زواجه بمن يهوى، فهو لم يستقل بمورد بعد، والرضوخ لجهر هواه شعراً على خلاف ما يلزمه إياه حال "الشيخ" العالم من تحفظ وإمساك ورزانة.
وعلى هذا، خالف الفتى والده الرأي ونازعه إياه وفيه. وكان رأي الوالد ان ابنه هذا، وهو يعده لخلافة "علم" جده لأمه و "علم" آبائه منذ قرن ونيف (على تأريخ محسن الأمين في "أعيانه")، ولخلافة مكانة الجد والآباء، غره هواه، وغرته نفسه، فلم يقمعها على ما يليق بأهل العلم منذ نعومة أظفارهم، وقبل ان ينشبوا أظفار علمهم القاسية في لحم الناس. ولم يطق الفتى حكم والده فيه ، وتشككه في جدارة ابنه بحمل علم آبائه وجده القريب. وهذا هو الوجه المعنوي والأدبي من علاقة الأبوة والبنوة. ولم يكن يسع الابن الغنى عن إعالة الوالد الشيخ ورعايته. والأمران – عسر إطاقة الفتى تشكك والده فيه، وتمسكه بالإعالة والمهنة الأبويتين، وانصرافه تالياً عن السعي في مصدر إعالة آخر وفي عمل غير "العلم" – الأمران قرينة على رسوخ الفتى في (بعض) تقاليد والده وأهله، وقبوله، على مضض شديد ربما، هذه التقاليد أفقاً لا يتعدى، وديرة لا مرعى ولا طواف خارجها.
ولا ريب في ان الحال هذه كانت باعثاً على تمزق جبراني (نسبة الى جبران خليل جبران المعاصر ذلك الوقت، وإلى "أجنحته المتكسرة" على وجه الخصوص)، نعته المعاصرون بالوجداني، وبقي الخالفون، ربما الى يومنا، يجرجرون النعت هذا، ويقلبونه على وجهه العميق والواحد هذا من غير بلوغ قاعه البعيد. والتمزق الجبراني والوجداني تسليم باستحالة الخروج من الحال المتنازعة، وبامتناع إدارة الظهر الى احتمالاتها المعدودة والمقيدة. ويضمر التسليم هذا أو يعلن مواطأة النفس "عذاباتها"، ووجودَها متعة ولذة في مكابدة العذابات، والرثاء للنفس التي تعانيها. و "خلاص" فيرتير، عاشق غوته الألماني أواخر القرن الثامن عشر حين صارت السياسة القدر (على ما قال بونابرت لغوته نفسه)، السبيل إليه هو التفجع والاستغراق في النظر الى النفس او "الروح" المتكسرة والمتفجعة، والانبهار بها قبل قتلها ونحرها طوعاً. وهذا فصل أو نحو من الفردية سمته الانقباض والانكفاء والمكابدة السالبة. فتحفظ النفس بتولتها بالنقمة على العالم، ووصمه بالوسخ والفساد والعبث (صبغت هذه بصبغة اجتماعية ام اقتصرت على الصبغة الوجدانية). وتمتنع من إتيان ما يورطها في عمل أو فعل تترتب عليه نتائج تتطاول الى الفاعل، أي الى النفس.
فيخرج الفتى العاشق والمتعمم من خلافه مع أبيه مستبقياً عوامل الخلاف. ومن هذه العوامل حاله هو، على حالها. فأقام على هواه، ورضي ربما أو منّى النفس بوعد انتظار عودته عقداً من السنين أو فوق العقد، فتبلغ الصبية في الأثناء الخامسة والعشرين. وهي سن لا يعقل ان تنتظر شابة "من أسرة عريقة" بلوغها عزباء. فهذا أمر لا تعلق له برغبتها وإرادتها وحريتها. وهو وجه من وجوه تصريف "نظام" القرابة العربية الأحلاف والخصومات. ومن وجه آخر، استجاب رغبة والده المتشككة في الرواح الى العراق، والدراسة على مشايخ الحوزة وعلمائها. وعلل نفسه بالبروز في مضمار "العلم"، والرد على تشكك الوالد، والجمع بين "العلم" والعشق أو بين المكانة وهوى النفس ومنزعها الوجداني من غير تفريق، على خلاف حسبان التقليد وأهله. ولم ير غضاضة ولا حيفاً في إنفاق والده على دراسته، أي على عزمه هو البرهان على خطأ الوالد حين يظن الظنون في صواب حساب ولده واستقامة الحساب.
وهذا كله مسرحه، مرة أخرى، النفس "الرائعة" والمتربعة في تمامها، على قول الفيلسوف الألماني مكنياً عن الانكفاء عن الفعل وعن تعريض النفس للجرح والامتحان إذا هي انخرطت في "وحل" العالم، وعرضت نفسها عليه. فلم "يخطف" الفتى "فتاة احلامه"، على ما كان يفعل الشبان النزقون والمغالون في ثورتهم على أهلهم. ولم يلجأ الاثنان، زوجين، الى أحد الأقارب. ولم "يهرب" هو الى حيفا أو عكا القريبتين، ويعمل حمالاً على المرفأ، أو سائقاً، أو يسافر الى مصر فيمن كانوا يسافرون على مراكب محملة بالتبغ، أو الى اضنة. ولم "يلجأ" الى النبطية، ولا الى حوران القريبة أو الى صفد، أو الى بيروت البعيدة. وقد يبدو هذا هذيان مخيلة سينمائية أو قصصية اميركية (من ثورو الى كيرواك)، أو بريطانية ديكنزية، أو فرنسية هوغولية (هوغو "البؤساء")... متأخرة. وهو هذيان قصصي وسينمائي من غير شك. والمراد به القياس على أحوال يندب فيها من تسول له نفسه الثورة على أهله و "مجتمعه" طاقته وحيلته الى استتمام ثورته، والخروج بها من النفس والوجدان والمكابدة الى العالم ومسارحه وموارده. ورد الجواب على الاحتمال الهاذي يسير. فيسع الراد القول ان محمد الشيخ علي لو فعل ما يندبه الى فعله الاحتمال، أو أزعم اليوم ان الاحتمال المتخيل يندبه إليه، لما كان الفتى الذي تكتب بنته سيرته غداة 90 عاماً على الحوادث المروية. ولو فعل هذا، أو أمكنته الأحوال المعاصرة والأوضاع من فعله أو تصوره (على ما يسع الراد القول كذلك)، لكان عالمه غير عالمه، وتاريخه، وهو على أنحاء كثيرة تاريخنا نحن، غير تاريخه.

فرادة الحرز
والحق ان حمل الحوادث والوقائع العملية المادية والنفسية الماضية، شأن الإقامة على الهوى وتمنية النفس بالانتظار والسفر على نفقة الوالد والتمسك بطلب العلم النجفي، حمل الحوادث والوقائع هذه على الاضطرار والحتم ينبغي ألا يُقصر عليها، وينبغي ان يعم معظم الحوادث والوقائع التي تأتلف منها سير الآحاد والأفراد، وسير جماعاتهم ومجتمعاتهم من بعد. وهذا ما كان دأب المترجَم في العقود الستة التي ترويها ترجمته إنكاره والسعي في إبطاله وتكذيبه. وهو ما أبطل صاحبنا بعضه فعلاً حين خلع العمامة، غداة وقت مديد والحق يقال. وفي الأثناء، عرضت لغيره، ممن "يشبهونه" وممن لا "يشبهونه"، أحوال خيّرتهم بين الامتثال لأهلهم وبين الخروج عليهم، فاختار بعضهم الخروج والسفر والوحدة والعمل القاسي. وأفضى هذا ببعض بعضهم الى اليأس القاتل، أو ذهاب العقل، وفي أحايين الى مغامرة فريدة ومصائر غير متوقعة. وإحجام الفتى العاملي البنت جبيلي والشراري، على ترتيب النسبة "الطبقي"، عن امتحان نفسه وعرضها على "الحدثان" والتقاذف والتقلب، قد يكون عرضاً من أعراض العصر والوقت. وهذا شأنه، على الأرجح. وينبه هذا، على خلاف قسمة نقدية وخطابية (مادية أو شيوعية ستالينية) تنزل "الذات" بمنزلة متأخرة عن "الواقع" وتسلط الواقع على الذات، الى ملابسة النفس، ما تفعله وما لا تفعله، العصر والوقت، وصدورها عنهما. وذلك على نحو ما يشبّه العصرَ والوقتَ ("الواقع") على النفس الاحتمالات المتاحة، ويدعوانها الى ما تحسبه جائزاً أو يصرفانها عما تحسبه ممتنعاً، وتوجب امتناعه، على ما فعل العاشق المتأدب وطالب "العلم".
والامتناع من الفعل، أو كظمه، واستبقاء عوامل الخلاف بين الولد والوالد، و "رد" الولد على والده في ميدان الوالد وفي ميدان الولد الأدبي والجبراني الوجداني، ليست عارضة في المترجم. ففي وقت متأخر من سيرته، وكان بلغ الخمسين أو جازها بقليل، تطرق الكاتب المنفي الى قصة جبرانية، هي "وردة الهاني". فهو ينكر على المرأة الصبية التي زوجها أهلها رجلاً مسناً وثرياً لا تميل إليه، حبّها شاباً في سنها أحبها، تركها الزوج الى الشاب وعيشهما "عيشة الزوجة مع زوجها" (ص 281- 284). ويعلل الكاتب "الشيوعي"، والمناضل السياسي والفكري، إنكاره على نحو يعيد القارئ المقارن الى بدايات الكاتب وعلل أفعاله يومها وفي أوقات تالية. فيكتب ان صنيع وردة الهاني "لا يتعدى عمل الأشجار والعصافير"، أي ما يترتب على طبائع هذه وتلك. "فإذا أخذنا الحرية بهذا المعنى، وفسرناها هذا التفسير، فماذا بقي لمعنى الفوضى؟ أو للمعنى العامي المبتذل؟". وحرية وردة الهاني "الجنسية"، على قول لم يكن شاع بعد في الخمسينات، أو الجسدية والاجتماعية، ليست من الحرية، أو من مفهومها المجرد والعام في شيء، على خلاف "حرية" خليل الكافر، إحدى اقاصيص جبران. فهذي حرية مفهومة "فهماً دقيقاً": "إنها قول وعمل وجهاد". ولعل لفظة "عمل" في هذا المعرض نافلة. فالقياس على حال خليل في الأقصوصة يقود الى حمل تعريف الحرية على القول، أي على خطبة في "السعادة"، ورأي فيها. ووردة الهاني لا تلقي خطبة في السعادة، ولا تكلم حراس "أسرارها" وقدسها المفترض، أي الرهبان الذين يثور خليل على سلكهم، بل تباشر هذه السعادة، أو "تفعلها"، على ما لا تقول العربية.
وصدارة القول، وتقدمه على العمل، ومكافأته "الجهاد"، قد لا تنفك من حال صاحبنا، فتى يافعاً ورجلاً مكتهلاً. فما لم يفعله وهو في مقتبل العمر، ولم "يغيره بيده"، أي بتركه البيت الى بلاد الله الواسعة وتبديله "أحباباً وأوطاناً"، على قول قيس بن الملوح في حكاية احمد شوقي المسرحية، بدا له وهو في ابتداء سن الاحتلام محالاً ومنكراً، ويبدو له، في مقتبل العقد السادس، "فوضى" واسترسالاً مع الطبع والغريزة. واتصال الرأي أو القول في "الحرية" هذا الوقت الطويل، يلازم كتابة وعبارة، أو طريقة في التعبير قد تفوق الرأي، على معنى الفكرة أو الاحتجاج، دلالة ومكانة. فكتب من صار، في الأثناء، مدرساً ثانوياً وكاتباً متأدباً، وترك العمامة أوخلعها، وأقام بالعراق، كتب يروي (في 1938، في مجلة "الهاتف") وداعه أهله وبلدته وهواه، فقال: "توارى الليل وراء الأبد، وطواه العدم في جوفه، ولفه لسان اللانهاية، وأقبلت الشمس في موكب جديد" (ص 28). ولا يقتصر الأمر على "الإنشاء" (المدرسي) الجبراني المعتاد، على رغم انقضاء نحو عقدين من السنين في قراءات نجفية، لغوية وفقهية وأدبية وتاريخية. فتنحو خطابة "الوجدان" الى تعظيم أحوال صاحبها المكلوم، وتكني عنها بسد لفظي تريده اخيراً وليس ما بعده.
فليس ثمة في ترتيب المعاني المتداولة، و "المفهومة" على وجه أو آخر، محل يقع "وراء" الأبد. فيتعمد الكاتب مواراة ليله المحلَّ الممتنع على الفهم والاستعمال العاديين. وينبغي للامتناع اللغوي والمعنوي ان يقوم شاهداً على فرادة غير متعينة ومتعالية عن التقدير والتأويل، ولا سبيل للفهم او للتأمل إليها. فهي فرادةٌ طيُّ العدم. وهذا صنو الأبد في الامتناع من الإدراك والتصور والتناول (فكراً). والاثنان، الأبد والعدم، من معدن اللانهاية و "لسانها" الغريب والمعجم إعجاماً لا إعراب فيه أو منه. فهو "يلف"، على خلاف نشر اللسان وبسطه. فيحاكي العدم وطيه، ويذهب مذهب الأبد وإرساله، على حين هو (أي اللسان) يتولى الحدود، على معنى التعريفات، والتعارف تالياً والتواضع (على المباني والمحال والشواذ) والتخاطب. وفرادةُ نفسٍ هذا شأن ملاذها إنما هي سجينة حرز حريز، لا تُبلغ ولا تبلغ. وعلى خلافها، أو على النقيض منها، الشمس وإقبالها "في موكب جديد".

مباني الإنشاء
والشمس، شمس صباح السفر والوداع في رواية الكاتب أو الراوي، ظهورٌ كلها، وبدو للعين الكسولة والساهية، وخارج من غير باطن، وجدة من غير أمس ولا ماض ولا تذكر. وهذه نقائض وأضداد لليل النفس والوجدان الفريدين والعاشقين والجريحين. ومحال ان يتفتق طباق الأضداد، وهي على حالها من الإطلاق، عن "كائنات" (مشاعر أو أشياء أو حوادث) هجينة أو مولدة أو مركبة. فالأضداد الخطابية هذه، على نحو ما تستوي في سياقة الخبر، منزهة عن التهجين والتوليد والتوسط تنزهها عن الأعيان. وإذا دخلت اللغةَ أو العبارة لم تدخلها من باب معروف. "فلا نظرات ولا كلمات". وابتكرت اضدادُ النفس "لغة" ربما ينبغي ألا تسمى لغة، هي مزيج من مواد الخلق الأولى: "انه دموع! دموع فقط"، على شاكلة الماء الذي بل الطين فاستقبل النَّفَس الخالق، ومن علامات بدئية يلابس ظاهرها معانيها، و "تتكلم" معانيها في ظاهرها كلاماً طبيعياً لا وضع فيه ولا اصطناع: "إنه دموع... ومنديل حريري أبيض وثب من يدها الى يده".فإذا صار هذا وحدث على النحو الذي يرويه أو ينشئه "الإنشاء" هذا، على هذه المباني (التعظيم والإطلاق، والضدية، والطي من غير توسط، والحمل على ما يمتنع من التوليد والتعيين)، ماذا يبقى ليستحق الاستعادة والعرض على النظر والسمع والتأمل؟ تقتصر تتمة "الرواية"، إذا جازت تسمية حل الخبر وطيه فيما لا يتعين رواية، على إعدام ما يتطاول إليه القص. فالمسافر يخال انه ركب "جناً" وليس سيارة. وراكب الجن مثله مثل المسافر على بساط الريح في قصص ألف ليلة وليلة "لا يعرف أين (بساط الريح)، ولا أين صار، ولا الأميال التي (قطعها)". والمسافر على جناح الجن "لا يعرف شيئاً"، ولا "يرى من البلاد شيئاً". فهو، على ما يقول في نفسه، في "غيبوبة". ولا يرده منها أو يخرجه إلا ما يدعوه الى الغرق فيها والعودة إليها، أي طيف الصبية التي خلفها في بلدته.
ويجري تناول الواقعة والاختبار الحاسمين في سيرة صاحبنا على مباني "الإنشاء" المتخلفة عن ترك الفعل وإغفاله ونفسنة الحال كلها، وروايتها على نحو هندسي أو مجازي قوامه نقائض وأضداد لا تجتمع منها "أنواع مختلطة"، على قول بعض المتكلمين الأوروبيين، أو "مولدة"، على قول بعض المعتزلة. والحوادث الاجتماعية – التاريخية، و "الأشياء" أو الكائنات والمعاني والهيئات والنظم الناشئة عنها، إنما هي من باب مثل هذه الأنواع. وأزعم ان تناول الواقعة والاختبار الحاسمين على الوجه الذي تناولهما عليه الفتى المسافر وطالب العلم، ثم "العالم" المعمم والبالغ نحو الثلاثين، ثم الناقد الأدبي المكتهل – وهو وجه يكاد يكون متصلاً – يصح ربما ان يرفع (الوجه أي مبانيه) مثالاً على محل الفعل من وقائع واختبارات فردية جماعية، نفسية وثقافية، تقاسمها أهل مجتمعات "عربية"، وساستهم وكتابهم ومثقفوهم، معظم القرن (العشرين) المنصرم. (وهذا زعم ثقيل، ويفترض تحقيقه أو جمع بعض الأدلة عليه اسهاباً ليس هنا محله، وسبق ان تناولته، من وجوه أخرى، في مقالات متفرقة). فعلى مثال مشترك، تشاركه أهل المجتمعات هذه عامة ونخباً، روى هؤلاء حوادثهم ووقائعهم ومعانيهم، وجماعها هو "الواقع" على قول براغماتي شائع، فحملوها على صور ومعان متدافعة ينفي بعضها بعضاً، ويقيم على تدافعه وتنافيه.
فإذا وضع الراوي، وهو "صاحب" الوقائع والاختبارات أو أحد اصحابها وشهودها ومدرجيها في حيواتهم فصولاً من الحيوات هذه، إذا وضع روايته ورأيه في سره وعلانيته على وقائعه واختباراته، واطرح منها الفعل على شاكلة اطراح الفتى العاملي البنت جبيلي وإغفاله حتى جواز مثل هذا الفعل، وقع مضطراً على أضداده ونقائضه. فهذه تقوم، وتستوي على سمتها ورسومها، باطراح الفعل وجوازه، وبالسهو عن ملابساته وعن مفاعيله في الناس، وأولهم الساهي نفسه وهو الراوي والشاهد في آن.
وتتواتر الحال في معظم منعطفات السيرة ومتفرقاتها، وتنتشر عدوى تعليق الفعل وإغفاله في تناول فصول لم تخل من الفعل، شأن الفصل الذي يدور على ترك العمامة أو خلعها، وعلى ملابسات الترك ثم على مترتباته. فتروى الواقعة النجفية كلها – وهي دامت 15 عاماً تامة، واشترك فيها على أنحاء متفرقة مئات من الطلبة الشبان، المبتدئين والمتقدمين، ومن المدرسين، وتعود أجزاء منها الى تاريخ ديني وثقافي واجتماعي طويل ومعقد – على المثال الذي تقدم وصفه. ومبتدأ الواقعة هذه المدينة نفسها في عين شاب "روحه ظمأى للجمال، مشمئزة من القبح". (ص 38). فالمدينة تحوطها الصحراء من جوانبها، وتهب عليها رياحها، وتقلب سماءها "غيمة من الأتربة تغطي أزقتها الملتوية التي لا ينفذ إليها الضوء" وتحجبها "جدران الدور العالية، الترابية اللون"، على قول كاتبة السيرة. واجتماع النجف الإنساني يقوم على الفصل بين الجنسين. و "نساء النجف تماثيل متحركة" سود. ودور السكن تتعهد الفصل او الحجز هذا، وتتولاه من غير ضعف: "جناح خاص للرجال وآخر للنساء" في البيوت نفسها. وإذا أذن الرجل لزوجه في الخروج، خرجت في "زيارة جماعية (و) دورية"، أو الى الحمامات العامة، على ان تستتر، فإذا صادف أن مر الرجل بجمع نساء فيهن زوجه لم يميزها ولم يرها، على وصف طارق نافع الحمداني وحسين شعبان. والنجف هذه هي على الضد من "جنوب لبنان"، أي بنت جبيل وسوق خميسها: الفتيات والصبايا وأفراح العيد الأسبوعي ودبيب الناس "كالنمل" في "أجمل وأحسن الملابس" واللقاء "بحشر الرجال والشباب في زحام السوق". فعلى خلاف النجف، يجمع الطعامُ في بنت جبيل وغيرها الأسرة الى مائدة مشتركة يجلس إليها الطاعمون، ويتبادلون الكلام والضحك وهو يؤاكل بعضهم بعضاً، الصغار والكبار والنساء والرجال والأهل والضيوف.
وتتربع في السنة النجفية "رجعية دينية"، على "عظمة (النجف) الرائعة في مكافحة الاستعمار"،، "مغلقة". وهي مملكة "الجماعة". وتقويم "الجماعة" المدرسين ومراتبهم لا يرد ولا يناقش. ولكن تربع المباني الدينية الاجتماعية والعملية، الشعائرية والاحتفالية والحسية، في سدة الحياة اليومية ورسومها أقوى من السيطرة المعلنة التي تتوسل بالأفكار والمقالات والهيئات. ومثال هذا الحلة، المدينة القريبة من النجف، في اثناء حداد عاشوراء. فيتولى المواكب الحسينية اصحاب المراتب والمكانات العشائرية والعائلية والدينية و "العلمية". ورعاية المواكب وتوليها وجه بارز من وجوه المكانة والقيام بها، واستئنافها، على ما يلاحظ اسحق النقاش (ص 146). وشعائر اليوم العاشر والأخير لا تستثني طبقة أو مرتبة أو أحداً من السكان. فهي تستولي على الطرقات والخطط أو الأحياء، وتأخذ بنواصيها، وتتسلل الى ثناياها او "حناياها"، على قول الكاتبة. فتقلب الأزقة بجوار الحسينيات مطابخَ في الهواء الطلق. وتركز القدور الكبيرة عند المفترقات والمنعطفات. وتغطي أبخرة القدور وأدخنة الخشب المحترق تحتها الأزقة والأحياء، وتبسط سحبها وغيمتها على المدينة، وعلى جماعات المتسولين المنتظرين "الفلة"، أو الفراغ من المشاهد، وختامها بأكل كثير وثقيل ينهي الحداد وإمساكه، من وجه، ويبدد عطاء اصحاب العطاء "عن روح الحسين"، من وجه آخر، ويكرمهم، ويقر لهم بالفضل. ويصطف الأهل، حارات وبيارق وفرق لطم وضرب وشدخ وتفجع، صفوفاً هي أجزاء من موكب واحد كبير، متصل وغير مرئي، يجمع "شيعة الحسين" إلباً أو صفاً واحداً. وفي اثناء الأيام العشرة، يعم السواد اللباس والرايات والجدران والطرقات. وينصب أهل الحداد الموت اميراً على نفوسهم وأجسادهم وأفكارهم، على ما يفعل أهل "المدينة العالمة"، المدينة الفاضلة الإمامية ومقصد الاسكندر ذي القرنين، طوال أعمارهم.
و "رد" صاحبنا، وأحد زملاء التدريس في مدرسة الحلة، على هذا، وعلى هوله، بالشرح الى التلاميذ "إمكانية تهذيب هذه المراسيم وجعلها مراسيم حضارية ترفع من سمعة البلاد، ولا تؤذي صحة البشر" (148). وأوضح المدرسان "أنهم ضد التطبير والسلاسل والقامات التي تؤذي صحة المطبرين وتجرح شعور الناس، وأنهما يؤيدان إقامة طقوس محترمة، مهذبة". والفرق بين المسألة، أو المشكلة، وهي تصدر عن أبنية اجتماعية – تاريخية تلابس الإنشاء الحسي والمعنوي، وبين "جوابها" التربوي والمتواضع، قرينة من قرائن كثيرة تكاد لا تحصى على قصور "الإصلاح" المحمول على ثقافة ليبرالية وعقلانية. وتشد قرابة قوية أفكار هذا "الإصلاح" الى أفكار مصلحين سابقين من امثال عبدالرحمن الكواكبي. فقبل نحو ثلث قرن من الملاحظة على الشعائر الحسينية بالحلة وغيرها، جمع داعية الإصلاح الحلبي العثماني بين الدعوة الى الصلاة وبين "الجمنستيك"، على قوله. وسوغ إحياء تلك بتجديد حلتها اللغوية: "لنقل إنها الجمنستيك"، أو التريض. وغداة 1967، وهزيمتها "العربية" والقومية المنكرة، تأمل صادق جلال العظم في الهزيمة، ونصح بعلاجها، بعد نقدها النقد اللاذع والمر المعروف، بإجراءات حاسمة وباتة. ومن الإجراءات هذه، بعد التخلي عن الوسطية الى الجذرية، ترك تبديد الأموال على الدعاية السياحية وتعيين رجل مثل جياب، قائد "حرب الشعب" الفيتنامية المظفرة والباهرة (على المعنى الحرفي: ما يبهر الأنفاس فتتقطع)، قائداً للجيوش "العربية" (محل عبدالحكيم عامر من غيرك شك وربما حافظ الأسد السوري، زميل عامر يومها).
وليس إحياء هذه الأمثلة على سبيل التفكهة ولا السخرية. فهي تمثيل على شروط (استحالة) الفعل المزمنة. وتترتب الاستحالة على الفرق بين ما يُطلب "إصلاحه" وبين ما في متناول المصلحين أو متناول طلابه. فإذا أراد المصلح المفترض الإقدام، وهو على هذه الحال من الترجح، لم يصدر عن سياقة مبتدأة، ولم ينخرط في مثل هذه السياقة. ولم يتهيأ له، فرداً أو جماعة، أنه يستجيب دواعي فعلٍ عليه الأخذ بها، وابتكار تتماتها وإيجاب التتمات هذه. فالكارثة الوشيكة أفق مخيم على الفعل من غير انقطاع. وتتصور الكارثة في صورة انهيار العالم الموروث، من غير ان يسع "المصلح" (أو "الثائر") وراثة العالم المتصدع أو إعمال عناصره في إصلاح أو إنشاء عالم آت. وحين يلاحظ صاحبنا، وهو يتملص من نجفه، ان النجف تجمع بين البلاء العظيم في مقاومة الاستعمار وبين "القيادة الرجعية" فهو يمر مر الكرام بمعضلة ناءت بها حركات الإصلاح والنهوض ولا تزال تنوء بها. فإذا صدرت الحركات هذه عن "موظفي" المدن، على ما لاحظ كتّاب عراقيون، لم يستجب الجمهور المشدود الى العالم الموروث و "العميق" الجذور، وأقامت الحركات هذه على ترجيحها وفراغها وتفاهتها. وإذا هي صدرت عن الجمهور وعالمه أرست استبداداً خلاصياً ومحدثاً مدمراً.