الجمعة، 20 أبريل 2012
صناعة التلبيس والتدليس الإعلامية تحشر البشر في واحدِ عشائري ـ بوليسي
المستقبل - الاحد 15 نيسان 2012
أذاعت وزارة الداخلية السورية، في 17 آذار 2012، خبر "تفجيرين ارهابيين" قام بهما انتحاريان قادا سيارتين مفخختين. دوى الأول الساعة 7 والدقيقة الـ20 صباحاً بدوار الجمارك، والثاني، بعد دقائق، بساحة التحرير بين شارع بغداد ومنطقة القصَّاع. وسبق المقتلة هذه، وهي قتلت 27 " من المواطنين المدنيين وعناصر حفظ النظام" بحسب تصنيف الوزارة الامنية، سوابق ذكرت بها الوزارة العتيدة في المناسبة المروعة: في 23 كانون الاول 2011 هاجم "انتحاريان" مبنى ادارة امن الدولة وأحد فروع الامن فقتلا 44 مدنياً وأمنياً وجرحا 166، وفي 6 كانون الثاني 2012 قتل "انتحاري" بحي الميدان قرب مدرسة حسن الحكيم 26 ضحية وجرح 63 مدنياً و"من قوات حفظ النظام"، وقتل "تفجير ارهابي" بحلب في 10 آذار 28 مدنياً و"حافظَ" نظام وكان غرضه فرع الامن العسكري بالمحلق الغربي ومقر كتيبة قوات حفظ النظام بالعرقوب.
وأعقب مقتلة 17 آذار بدمشق انفجار سيارة مفخخة بحي السليمانية بحلب قرب كنيسة اللاتين، اليوم التالي، 18 آذار. وفي 19 منه، انفجر قتال بحي المزة بدمشق بين القوات الرسمية وبين منشقين "من ساعات الليل الى الصباح"، على قول معارض أكد "وقوع اصابات في صفوف القوات النظامية". وأحصى المرصد السوري لحقوق الانسان 18 جريحاً "على الاقل" في صفوف القوات النظامية، ووصف الاشتباكات بأنها "الاعنف من نوعها والاقرب الى المراكز الامنية في (دمشق) منذ انطلاقة الثورة السورية". وأوضح المراسل الناشط أن "سيارات اسعاف توجهت الى المكان من دون صوت إسعاف". واقتصرت "سانا" الرسمية على تعيين مسرح الحادثة بـ"منطقة المزة في دمشق"، من غير طرق ولا شوارع ولا ساحات ولا كنائس ولا مدارس. ونقلت "رويترز"، الوكالة الاعلامية البريطانية ومصدر تحريات صحافية دقيقة في الحوادث السورية، عن "سكان" دمشقيين أن مسرح الاشتباكات هو "منطقة الفيلات الغربية قرب منزل آصف شوكت صهر الاسد ونائب رئيس أركان القوات المسلحة".
وعلى حين يدقق الاعلام الرسمي، "سانا" الوكالة أو وزارة الداخلية، في الاماكن والاوقات التي تتناولها أخباره، وموضوعها غالباً هي عمليات إرهابية بسيارات مفخخة يقودها انتحاريون (على مثال معروف ومشهود هو مثال "القاعدة" في العراق الى اليوم)، يكاد الاعلام نفسه يسكت عن الاعمال الحربية والاشتباكات التي لا يتستر المعارضون المقاتلون على مبادرتهم إليها. فتتولى مصادر معارضة، حقوقية أو اعلامية، الإخبار عن الحوادث. وتكاد هذه القسمة، أي تولي الجهة المبادرة الى القتل أو القتال الاعلام عما تبادر إليه وتفعله، تكون قرينة على البادئ الفاعل. وهذا ما لا يرضاه "النظام" وينكره أشد انكار. ولكن أحداً من المحترفين أو من الجمهور وعامة الناس لم يغفل عن إسراع أجهزة أخبار الحكم البوليسي بسوريا الى إذاعة وصف عمليات القتل بالسيارات المفخخة والانتحاريين. فتذيع الاجهزة، في الدقائق التي تلي الانفجار والقتل، معلومات عن المتفجرات وزنتها، وعن نوع العملية، وتعد بفحص الحامض النووي وتسمية المجرمين. ويقارن المستمع بين "غزارة" الاخبار السورية الرسمية وسرعتها وثقتها الشكلية وبين شح نظيرها العراقي، على سبيل المثل القريب والمستمر، أو اللبناني، وطول الوقت الذي يقتضيه تمييز العملية الانتحارية من العملية الموقتة (بواسطة ساعة أو ذبذبة هاتف تفجير أو آلة تفجير)، فيقع المقارِن على أعاجيب أمنية.
رعية المتفرجين
وإذا لم يكن العمل "تفجيراً انتحارياً" أذاع الجهاز الرسمي والبوليسي، "سانا" أو التلفزيون أو وزارة الداخلية، أخباراً غريبة اقتصرت اذاعتها على الجهاز وانفرد بها. فموقعة المزة في 20 آذار، هي في "الوسيط" التلفزيوني كنايةعن عملية مداهمة تولتها "قوات حفظ النظام". فهاجمت القوات "عصابة ارهابية مسلحة"، على التسمية النوعية التي أشاعها الجهاز الرسمي. وتترتب على التسمية فروع الخبر وتفاصيله. فالعصابة الارهابية اتخذت "أحد المنازل"، من غير موقع ولا قرب ولا بعد، "ضمن منطقة سكنية"، لا يعلم أحد حتى اجهزة الامن التي تعد 15 (أو 16 أو 17) جهازاً أين يكون "المضمون" هذا، "وكراً" على ما يليق بالعصابة، في طبعها ونحيزتها وغريزتها. ويطمئن الجهاز رعية "المواطنين". فقتلى الارهابيين في الوكر بأحد المنازل ضمن منطقة سكنية (3 مراتب تضمين على شاكلة دمية روسية، للمصادفة!)، ثلاثة، واعتقل رابع ("من ضمن" أي عدد؟) في انتظار عرضه على رعية المشاهدين والمتفرجين، ولم يستشهد إلا "عنصر من قوات حفظ النظام".
ويفرط التلفزيون في الاعلام والتدقيق والتفصيل، ويبالغ في الوصف والتقريب. فلا يحجب عن الرعية أن "الاشتباكات"، وهو يريد المداهمة، "أوقعت أضراراً مادية داخل المنزل"، وهو "اتخذه الارهابيون وكراً"، على ما ينبه الخبر مرة ثانية. و"الاضرار المادية" أوقعتها "القنابل والقذائف الآر بي جي (و) الاسلحة الرشاشة". ولم توقع "قوات حفظ النظام" ضرراً يذكر، بداهة. والتزاماً للأمانة والصدق، لا يقول الخبر المتلفز الدقيق أن الارهابيين أرادوا الاضرار بالمنزل أو ضمنه. فهم استخدموا ذخيرتهم "ضد قوات حفظ النظام"، لا غير. وأفرطت "سانا" في الصدق فوق افراط التلفزيون. فـ"الوكر" يقع في "بناء مخصص للسكن في منطقة المزة". فلم يتفق اتفاقاً أنه بناء سكني، على ما قد يحسب القارئ أو السامع المنحاز الى افتراض الصدفة. فإذا اتخذه الارهابيون وكراً فلغاية لئيمة في نفوسهم المريضة.
ولكن قوات حفظ النظام استبقت الغاية، وعطلت السعي. كيف؟ "دهمت فجراً"، وليس في أي وقت، الوكر "بعد إخلائه من العائلات القاطنة فيه". وقد لا تفهم الرعية الغرض الدقيق من البادرة الانسانية الرقيقة: فالاخلاء دعا إليه "الحرص على حياة (العائلات) وسلامتهم"، على ما تشهد أنقاض بابا عمرو والخالدية وباب السباع بحمص، وأحياء إدلب وبلدات ريفها القريب، والبلد في قلب درعا... وعلى ما توضح الوكالة. وهي ترجع في عدد القتلى الارهابيين: فهما اثنان، واما الثالث فاعتقل، وأما الرابع فليس موجوداً. وبرهان تماسك خبر الوكالة أن عدد البنادق الآلية التي غنمها حافظو النظام 3 بنادق فقط: للقتيلين بندقيتان وللأسير (أو المعتقل الجاني وليس الاسير المحارب) واحدة. فمن أين جاء التلفزيون بالرابع؟
وأهمل جهاز "الإنباء" الصادق والصادر عن "السيف"، وليس عن "الكتب" و"الفلسفة" ("الوطن") وصور "اليوتيوب" المزورة وأخبار الشهود الكثر المختلقة والمسترسلة في جزئيات لا طائل منها، أهمل تقولات مصادر "رويترز" الثرثارة. فإلى عدد الجرحى وسيارات الاسعاف المخنوقة وموضع الاشتباكات وأدوار المقاتلين والوقت الذي دامته، يغضي الجهاز عن استقدام بعض قواته من ريف دمشق الى دمشق نفسها، ونشره ميليشيات في الشوارع القريبة وتجنبه الحجز بين الطرق بكتل إسمنت، وعن استعمال مدافع ثقيلة غير البنادق الآلية، ودوي انفجارات بجوار سوق حمادة، وقطع الكهرباء عن المصابيح في أعلى أعمدة الانارة. فهذا، وغيره مثله، علم لا ينفع وجهل لا يضر. وأما علم "السيف" الرسمي وإنباؤه فنفعه ظاهر ولا يمارى فيه: فمن يعلمه من المصدر الموثوق والواحد على خلاف جهل "رويترز" وشهودها المجروحين (مرتضى رشيد من "مجلس قيادة الثورة في محافظة دمشق"، "المرصد السوري لحقوق الانسان"، "سكان في دمشق"، "لجان التنسيق المحلية"، "سكان عبر الهاتف"، و"ربة منزل تقطن بالمنطقة") يميز يقيناً الصديق من العدو، وحرسي الأمن والسلام من المخرب، والوطني والعميل، والمنطقي المتماسك من الهاذي المسترسل. وهذا التمييز ربح صاف تجنيه الرعية ولا يخسره "النظام".
ولكن إنجاز إنباء النظام بواسطة السيف والفتوح ("يهاجم الجيش المسلحين بآلياته ودباباته ويقوض بناهم وينهي وجودهم المنظم، فتدخل بعده الاجهزة الامنية لتنظيف ما تبقى من هؤلاء وشن حملات دهم واعتقالات"، نقولا ناصيف، "الاخبار"، 20/2/2012، ص 4) ليس شيئاً، على عظمته الملحمية والناصيفية، قياساً على انجازه بواسطة فهم الرعية وعقلها المنظم والثاقب. ففي يوم التفجير، السبت في 17 آذار، وبعد ساعات قليلة عليه، كان "السوريون"، سوريو الاستفتاء الرسمي وجهاز أخباره وآرائه وأحكامه، يلهجون بلسان واحد معنى واحداً سبقت إليه وزارة الداخلية في بيانها الافتتاحي: التفجيران "جزء لا يتجزأ من استهداف الشعب السوري في أمنه واستقراره ويأتيان في ظل التصعيد الذي نشهده مؤخراً من أطراف اقليمية ودولية، الذي تكرس مؤخراً مع خروج دعوات ارسال الاسلحة الى سورية الى العلن".
مواطنو النظام
فما كان من "سانا" إلا أن انتخبت من المواطنين أولئك الذين أصيبوا في العملية المزدوجة وجرحوا. فهم الأوْلى بالشهادة والرأي، وهم ألسنة صدق لا يطعن انسان سوري في صدقها. فـ"ذكروا تفاصيل تعرضهم لهذه الجريمة البشعة التي ارتكبتها المجموعات الارهابية"، على ما يعمم جهاز التحريض الرسمي. ويجمع "الجرحى" المصابون "المواطنين" الى "قوات حفظ النظام"، بحسب المصطلح إياه، في باب واحد. ويقول مستصرحو "سانا" ومستفتوها ما قاله قبل أيام قليلة المقترعون على "ترهات" الاصلاح الدستوري، على قول "الرئيس المحبوب من 40 مليون سوري" و350 مليون عربي في بعض بريده الالكتروني (والمثال هو كيم إيل سونغ الجد: كان محبوباً من 70 مليون كوري: سكان كوريا "الديموقراطية" الشمالية وكوريا عميلة الامبريالية ونحو 10 ملايين كوري لم يولدوا بعد). كلهم قالوا:" هذه الجريمة تؤكد وحشية منفذيها وتجردهم من المشاعر الانسانية وارتهانهم لقوى خارجية تريد إرهاب الشعب السوري وكسر إرادته".
وما قالوه جماعة أو جميعاً قالوه فرداً فرداً. فقالت نهاد محمود، "الناجية الوحيدة من الميكروباص الذي احترق في دوار الجمارك":" مثل هذه التفجيرات الارهابية لن تزيد الشعب السوري إلا قوة وإصراراً على مواصلة مسيرته في الدفاع عن أمن الوطن واستقراره" (والامن والاستقرار هما فرعا وظيفة وزارة الداخلية ودورها ومهمتها). ويصف كيفوت باشايان، من حي القَصَّاع وهو مصاب وأخو مصاب، وصفاً دقيقاً وحسياً العمل الارهابي: فهو وأهل الحي "استيقظوا على صوت التفجير" و"شظايا الزجاج أصابت شقيقه بجروح عميقة". وعلى هاتين المقدمتين الكبيرتين والأليمتين يبني النتيجة الثابتة:" من يقوم بمثل هذه الاعمال الاجرامية لا يملك أي ذرة رحمة أو انسانية"، أي هو "وحش" و"مجرد من المشاعر الانسانية"، على ما مر للتو.
ويُصعد باشايان الأخ في معراج الفصاحة والبيان السياسيين، فيكمل: ان الاعمال الاجرامية "تندرج في اطار الحملة التي تقودها بعض الانظمة العربية التي تدعو الى تسليح من يرتكبون الاعمال الاجرامية بحق المواطنين السوريين". ولا شك في أن الاندراج هو، في حي القصاع، مصطلح عامي يتداوله سكان المباني السكنية والقاطنون حال إفاقتهم على الانفجارات الاجرامية، وتبادلهم أطراف الحديث مع جيرانهم. ويجزم محمد خليف الحمادة، سائق الحافلة الصغيرة وجريح دوار الجمارك، أن الديموقراطية والاصلاح ليسا إلا قناع "القتل والتدمير والتخريب". وتوج سمير الخالد، من غير تعريف ولا إصابة والحمد له كثيراً، تحليل المصابين بـ"رسالة لمن يتدخلون في شؤون سوريا الداخلية" (وهو عفّ عن أوباما ورجب طيب أردوغان، مخاطَبي بعض حكماء المعلقين ومجربيهم)، فينبههم الى أن "عهد الاستعمار القديم والوصاية ولى منذ زمن بعيد، وأن الشعب السوري اتخذ قراره بالوقوف مع برنامج الاصلاح الشامل". وهو "شامل" شأن كل ما ينهض إليه وكيل العشيرة والمؤتمن على سرها.
فإذا تصدت القيادة القطرية "للبعث" لإبداء الرأي في المجزرة تقلب بيانها بين "البيوت الآمنة والاحياء المستقرة"، وابتكر "للأمن والاستقرار" موصوفين جميلين. ولكنها لم تُبقِ "الارهابيين" غير مطلَّقين ولا معلقين. فنسبتهم نسبة قاطعة: "هم تكفيريون"، ويندرجون على ما كان كيفوت باشايان القصّاعي قال، "في اطار عملية تآمرية واسعة ومخطط لها منذ زمن تستهدف المنطقة بأكملها...". و"المنطقة بأكملها" تكني عن الجماعات الطائفية، وعن السابقة العراقية وقبلها اللبنانية. وفي الحالين تعهدت "روح حافظ الاسد" حماية الجماعات، والقصاع وحي حلب، حيان "مسيحيان" شأن السيوفي ومونو في أيار 2005 ببيروت. ولم يسقط في يدي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، ولم يستغلق عليها باب القول بعدما أتى المتقدمون على المعاني كلها. فمن هويتها الفلسطينية المقاتلة، وتصدرها الجهاد على أنواعه وطرائقه ومراتبه: جواً وبحراً وبراً وعراقاً وقبرصاً وطهراناً وفزاناً ويرموكاً ومجاناً وكيْلاً، نَظمت "المجازر الممتدة من غزة الى دمشق" في سلك واحد، وغاية واحدة هي "اغتيال روح المقاومة وثقافتها". و"ثقافة مقاومة" هي شعار حركة العميد السابق اللبناني البيروتي الطريق الجديدي مصطفى حمدان، قائد حرس فخامة اميل لحود الجمهوري، و"شهيد" تعسف ميليس (اليهودي الأم) "الحي"، ومجدد "المرابطون". وتوارد الافكار والألفاظ بين ألسنة الامة وخطبائها ومفكريها يدعو الى التفاؤل. فهو القرينة على مجيء وحدتها الوشيك، واستفادتها من "انحدار الغرب"، على قول الولي الخميني الصاروخي.
المواقيت
والحق أن التعقيب على العملية "الانتحارية" المزدوجة أو المثلثة يسدد حساباً سابقاً قريباً ويفتح حساباً متوقعاً وجديداً.. والحساب السابق القريب هو إعلان أربع دول في مجلس التعاون الخليجي في 16 آذار، بعد السعودية والبحرين، عن غلق سفاراتها في سوريا. وعللت الدول الاربع إجراءها بـ"(رفضها) تمادي النظام السوري في القتل والتنكيل بالشعب السوري الاعزل...". وتحمل أجهزة التحريض النظامية الاعلان وقبله الانسحاب الاميركي والفرنسي وبعده الياباني، على عدوان ووصاية جديدة ونازع امبريالي واستعماري، شأن المبادرات العربية السابقة، من إنشاء لجنة المراقبين في رئاسة الجنرال السوداني الطاهر الذيل، والناصع اليدين الذي وقع عليه اختيار وليد المعلم في ضوء مشورة جزائرية. وتخشى "الديبلوماسية" السورية، غداة انتداب أمين عام الامم المتحدة سلفه كوفي أنان مبعوساً دولياً وعربياً خاصاً الى "التوسط" في حرب النظام على السوريين، جلسات محلس الامن أو مجلس حقوق الانسان المتوقعة لمناقشة تقارير المبعوث الخاص أو توصيات تقترحها كتلة الدول الاعضاء. وعزت رسالة الحكومة السورية، في 16 آذار، الى عدد من الهيئات الدولية انفجار 12 منه بحلب، الى "(اعتياد) المجموعات الارهابية ارتكاب مثل هذه المجازر واتهام الحكومة بذلك قبيل انعقاد جلسات لمجلس الامن أو مجلس حقوق الانسان (...)، بهدف الاساءة الى سورية واستخدام هذه المأساة وغيرها كمادة اعلامية للمتاجرة بها..". وانتداب كوفي أنان، وهو حاجة روسية ماسة الى التعلق بأهداب إجراء ديبلوماسي يداري النقض على مشروعات قرارات الادانة ورفض المبادرة العربية، يشغل بال الجهاز الأسدي ويقلقه، ويقلق طهران، على ما لم يتكتم مستشار خامنئي، ولايتي. فذهب وزارة خارجية الجهاز العشائري والامني الى أن بنود أنان "لا ورقة" ردت الوزارة عليها، ساخرة، بمثلها. ولا ريب أنها أوجست من إعراب الناطق باسم الامين العام السابق عن تحفظ الرجل عما سمعه في دمشق من رأسي الجهاز، ومن تعمد وزير الخارجية الروسي في الاثناء نفسها إعلان انتقاداته لـ"أخطاء" حليف بوتين و"تأخر إصلاحاته" و"التلكؤ في تنفيذها" قبل إعرابه من تخوفه (من) "حكم السُّنّة" سوريا العلمانية. واقتراع مجلس الامن على البيان الرئاسي، في 21 آذار، وتزكيته خطة أنان، على رغم كتابتها العائمة والاقتراع إليها ومعها على ادانة "الهجمات الارهابية" في دمشق وحلب في 17 و19 وفي 18 آذار (من غير نسبتها الى "المعارضة")، هذا الاقتراع لا يدعو الجهاز الى "النوم على حرير" صحافيي العهد السوري - اللبناني. والتنبيه الرسمي ("سانا") الى افتقار البيان "صفة القرار" يعد وعداً صادقاً بفنون العرقلة والتثبيط التي تجيدها "سوريا" وتمرنت عليها منذ عقود.
وما بسطته "سانا" ونقلته، على رغم رتابته القريبة من البلاغة "الادونيسية" ("بدوي الساحل") نثراً وشعراً وسياسة وثقافة، يخلص منه الى أن "مواطني" الوكالة السورية للأنباء يغادرون لفحات النار القاتلة ليس الى المشافي والمخابر، على قول وائل الحلقي (وزير الصحة)، بل إلى منابر الخطابة ومنصاتها وذراها. فلا يغفل الجهاز التحريضي "العلماني" عن مهمة حيوية تتخطى الاعلام على المعنى التقني والقطاعي، الى الكيان السياسي ومقوماته، والى صورته في عيون المحكومين (الرعية) وأفهامهم. وعلى الحوادث والوقائع ان تدخل في أبواب الوصف المعيارية التي تسميها سلطة الجهاز، ولا ترضى عنها بديلاً، ولا لها تحويراً. وهذه الابواب صارمة وحديدية. فـ"المجموعات الارهابية" هي الباب الوحيد والضيق الذي تُحشر فيه المعارضات الكثيرة، السياسية والمحلية والقومية والمذهبية والمطلبية والاهلية والاجتماعية والثأرية والايديولوجية السلمية والعسكرية وغيرها. ويحسب الاسد الثاني أو الآخِر أنه ارتكب خطأ فادحاً حين صنف، في خطبته الثانية غداة خروج درعا على قريبه ووكيله الامني عليها، المعارضين المحتجين على ثلاثة أصناف، صنفان منها من غير "الارهابيين". وهذا ليس "ضعفاً" يدعو حرسه وباسيجه الى صرفه الى "العيادة" وإحلال صاحب الفرقة الرابعة المدرعة الماهر محله في "القيادة"، وحسب، بل هو خيانة للمثال "الكينوني" (روح الله خميني) والوظيفي الذي أرساه القائد المؤسس. والخروج، مهما كان طفيفاً وضئيلاً، عن باب "المجموعات الارهابية" الى باب غائم يختلط فيه أصحاب حاجات معيشية أو حائرون أو مضللون، يؤذن بجهنم نارها الشكوك والظنون وتصفح العلامات والتماس الشهود وقبول التحقيق والمراقبة والمحاسبة والإذعان، في نهاية المطاف، الى الكيل الدولي والمعولم بمكيال حقوق الانسان، وهي باب على محكمة الجزاء الدولية ربما.
الحادثة الواحدة
وتتداعى الاسماء المرذولة الاخرى من الفرق الجوهري الاصلي. فسوريا والعروبة والمقاومة والاستقلال والصمود والامن والاستقرار والازدهار والعلمانية والانسانية... هي كلها معنى واحد لا يتجزأ ولا يختلف. ويجيز الرسم، وخطوطه وألوانه الناتئة والفاقعة، الاستدلال على الحوادث ومعانيها، واستباق أوقاتها في "طبيعة" مرتكبيها والغايات التي يسعون فيها. فإذا أسفر تقويض بابا عمرو عن نحو الالف قتيل الذين خلفهم القصف والقنص والخطف والتهجير طوال 3 أسابيع متصلة، وعن مجزرة كرم الزيتون والعدوية ثم عن مجزرة حي الرفاعي (بحمص كذلك)، لم يتردد الجهاز في حمل المجزرتين على "المجموعات الارهابية". وعزاهما الى إبداء الاهالي، قبل قتلهم وربما بعده، معارضتهم ارهاب الارهابيين. ولا يسعى هؤلاء في غاية تخصهم، أو قد تنم بحاجة موجبة أو معقولة تصورهم بشراً أسوياء أو قريبين من سورية الناس. فهم لا يسوقهم إلى ما يرتكبون إلا "تشويه" صورة "سوريا"، وتبرير تهمتها بفظائع غير انسانية، وتخريب امنها واستقرارها، الخ. والمرتكبون "أدوات"، ومأجورون "ذهباً" و"فضة" و"(حلفاً) بين السماء والمال" (أدونيس، "الحياة"، 22/3/2012، ص 16). وأوقات الجرائم توقتها، على وجه الضبط، ساعة حائط دولية لا تخطئها عين هي مواعيد المناقشات في هذا المحفل أو ذاك، أو مواعيد الاستفتاءات والانتخابات و"الاستحقاقات" الاصلاحية والديموقراطية التي تملأ الروزنامة الاسدية منذ آذار 2011، وتاريخ ولادة السياسة الاصلاحية التلقائية والعفوية، على قول الجهاز. ويخيم على الرسم، وخطوط ألوانه، منطق صارم يُنزل بالرسم ما ينزله المنطق المجرد في صنائعه ومخلوقاته الذهنية الخالصة من إحكام وتجانس ووحدة تحيلها هياكل عظمية لا تتميز. والكلام على حوادث، في صيغة الجمع والكثرة، هو من باب الاعتياد. ففي ملة الجهاز واعتقاده، على قول المعري (قريباً من ادلب ومخيمات تركيا)، الحوادث كلها حادثة واحدة تتقطع وتتناثر أماكن وأوقاتاً. ولكنها لا تفلح في التستر على وحدتها الجوهرية والعقيمة. وإذا خدعت الكثرة العين غير المدربة، وهي على الدوام عين مغرضة، فعين الجهاز الساهرة واليقظة تُعمِل التفكيك في الكثرة المتشابهة، وتجلو الواحدة (الارهابي) المتلفع بالثنايا، والمتقنع بالديموقراطية. وتشهره عارياً على الملأ. وتقتضي صرامة المنطقة الاجماع الذي يطبق على المصادر الكثيرة والمبثوثة في الناس والاوقات والمواضع والكلام، ويخنقها. فليس هناك ما يخالف صرامة المنطق الجهازي، وإجماعه الفطري والالزامي، فوق تشدق الاعلام أو الصحافة والدول الغربية الاستعمارية والديموقراطية من ورائها بالحرية، طبعاً، وبكثرة المصادر وامتحان تطابقها أو تضافرها على وصف واقعة وصفاً متواطئاً ومتفقاً. فوزارة الداخلية ووزارة الخارجية و"سانا" والتلفزيون وصحيفة "الوطن" ومحافظ إدلب ووزير الصحة وكيفوت باشايان ومحمد خليف الحمادة وسمير الخالد (وأحسب أن الثلاثة يمثلون ربما على "وحدة وطنية" على رغم الفسيفساء "اللبنانية البغيضة)، وقيادة حزب "البعث" غداة انزياحها عن موقع قيادة الدولة والمجتمع، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (وما بين الخليج والمحيط وبعد بعدهما) القيادة العامة، هؤلاء جميعهم تواضعوا على وصف أعمال الارهاب وجماعاته ومقاصدهم ومعتقداتهم وأقنعتهم ومموليهم بكلمات متفقة، تكاد تكون واحدة. ولولا أنهم ينطقون بالحق، والحق واحد، لما أجمعوا إجماعهم المشهود والمعجز. والتلويح أو الايحاء الحيي بامتحان الاجماع وحقيقته من طريق تكثير الآثار والاخبار والشهود والشواهد والروايات والسرديات والصور والوثائق والمدونات والتقارير، يحمله الجهاز على طعن لا يطاق في وحدته الكيانية: وحدة القيادة والشعب، ووحدة القيادة والقضية، و"الدولة" والأمة، والسياسة الخارجية والداخلية، والامن والقانون، والاقتصاد والمقاومة، والقتل والاستقرار... والشهود على حقيقة الكثرة، أي كذب الوحدة واضطلاعها بالتقتيل والتدمير، يُقتلون، على نحو ما قتلت ماري كولفن، وكادت سيمون بيرتييه أن تقتل، وقتل المصوران الفرنسيان وعشرات "المراسلين" السوريين قبل وبعد. وتكذيب الشهود المخالفين ووثقائقهم تكذيباً محموماً، وانكار العلم بتردد صحافيين غربيين الى معاقل المعارضين (وهذا ما كَذَّبته المراسَلات الرئاسية الالكترونية المقرصنة) وتعمد قتلهم بالقصف المركز، وإقناع الصحافيين العرب بترك التحقيق الميداني (وامتناع هؤلاء راضين مرضيين ومحللين ثاقبين) هذه كلها تتولى رعاية "الواقع الواحد المتماسك وحراسته من التفسخ والتناثر، وصون أوليائه من الانهيار. فيبدو السلطان السوري قواماً على "الواقع" الواحد والمتماسك هذا، والمحامي اليقظ والمتشدد عن (رفض) التحقيق في شأنه. ويبدو، من وجه آخر، هو ودوامه المتطاول ثمرة هذا "الواقع" الخرافي والمفتعل.
جامع التعريفات
وتتربع فكرة "الواقع" (والوقائع والحقائق من فروع هذا الاصل) بمنزلة عالية وشريفة من النظام السلطاني بسوريا. فهو، بحسب المشيئة، ما يعرِّفه السلطان واقعاً أو حقيقة. ويتناول التعريف، أول ما يتناول، السلطان نفسه. فهو ما هو ومن هو في نفسه، على ما انتهى اليه صدام حسين في أعوامه الاخيرة حين سمى الارض "كوكب صدام حسين"، وعلى تسمية جهاز الدعاوة في الجماعة الخمينية المسلحة بلبنان "سادة قافلة الوجود" بعض موظفيه، وعلى سؤال رجال التعذيب الأسديين رهائنهم "من ربكم؟". ويتناول التعريف خلاف السلطان أو ضده، أي عدوه وهو العدو على الاطلاق، عدو الجنس البشري في نهاية المطاف، وفي أوله. وتفترض التعريفات، وحكمها الذي لا راد له في الوقائع والحوادث، إطاراً أو نظاماً مغلقاً لا يشوبه تنازع التعريفات أو كثرة مصادرها ومقاصدها. فيرفض الآمر الناهي في التعريف ولاء أو تسليماً لا يصدع حرفياً بالأمر والنهي على صورتهما اللازمة. وليس للـ"مواطن" المصابق بدَوَّار دمشقي، أو درب حلبي أو شعب إدلبي أن يقول من تلاء نفسه، ومن دواعيه، لماذا قد ينصرف عن حركات المعارضة المحلية وقد ينحاز على قدر أو آخر الى الحاكم العرفي والجهازي. ولا يفترض، في الاطار السلطاني المغلق، أن يملك "المواطن" شيئاً يشبه تلقاءَ نفسٍ، أي شيئاً تلقائياً وطوعياً وعفوياً. وهذا الافتراض يسرق من السلطان، ولو جاراه بعض المجاراة، وحدانية التعريف ونظامه المغلق، وهو ضمان ضبطه. والضمان لا يأتي إلا مما يصنعه الجهاز صناعة يدٍ فقيرة وقليلة العناصر. فإذا استحكى الجهاز من يريدهم ألسنة الشعب الآمن والمستقر عمد إلى صناعتهم على مثال عظيم، وأوكل إليهم تجسيد المعاني والتعريفات التي يريد أن تنسب إليه وينسب هو إليها: الأمن، الاستقرار، السيادة، المقاومة، الانسانية. فالأصل الشعبي والعروبي والانساني الذي يتحدر منه السلطان هو صنعه الباهت والرمادي، وعلى شاكلة تعريفاته وتوليدها المنطقي والميكانيكي بعضها من بعض. وإذا أراد رواية حادثة على بعض التعقيد، شأن هجوم المزة الذي يفتقر الى آلات "القاعدة" و"التكفيريين" المعروفة (والانتحاري في سيارة مفخخة آلتها الأولى)، ظهر الارتباك على صناعة الخبر. فعزاه الجهاز الى مبادرته، وأسكن "مجموعة" مبنى واضطر الى وصف أهله بمدنيين، وإلى إخراجهم قبل المهاجمة، وتعثر بعدد القتلى ونوع الأسلحة.
ولا ينفي هذا باع السلطان الاسدي، في أثناء ولايته المديدة، على المحاكاة والتقليد والتلبيس (إلباس ما يصنعه ويحاكيه لباس المثال المزعوم). فهو حاكى ويحاكي (مثال) حركة تحرر "مناهضة للاستعمار" ترد الامة سيادتها على نفسها وثقافتها ومواردها، وتجلو دولتها أداة توحيد وجمع. وحاكى ويحاكي حركة عروبية ووحدوية تتعالى على الخصوصيات والعصبيات الضيقة، وتصل بين أجزاء "الوطن" المتقطعة، وتسند السيادة الى قوة منيعة وموارد تقوم بأود مواطنين طلقاء من قيود الحاجة والعوز. وهو توسل الى هذه المحاكاة بدولة الحزب القائد، وحزب "الدولة" السلطان، وبالجيش العقائدي، وعصائب "اسد شرى" "القاعدة"، والبوليس "الكوري الشمالي"، والطائفة المتعصبة والجبهة الوطنية الذليلة، والشعب المكسور والمنكفئ، والفصائل الفلسطينية المنقادة والخائفة، والفصائل اللبنانية المتكسبة والمذعورة، والفصيل الحرسي والخميني المستميت والمنتشي، والشارع العربي المصدق. ولم تقتصر المحاكاة على المشاهد والاستعراضات والخطب، فتعدتها، على خطرها، الى حروب نظامية وأهلية، مباشرة وبالواسطة، خاطفة ومتطاولة، وإلى انقلاب جبهات، ومساومات مجهضة و ومُخْلِفة، ومقايضات بأنواع "العملات" ومن موارد الغير، سوريين وغير سوريين. ولم تكذب هذا التلبيسَ أربعون سنة أسدية، وبعض المستقرضات، لم يُحرر في أثنائها المتمادية شبر واحد زائد من الارض "العربية" المحتلة، ولم يبق "عربي" واحد لم يقاتل "عربياً أو يستدرجه الى القتال او يبتزه أو يتهمه، ولم تلن شوكة متسلط كاسر (على مراتب المتسلطين) على شعبه، ولم تقايض قوة جماعة بغير إذلال الجماعات الأخرى والمواطنين عموماً، ولم ينل مواطن حقاً بغير شفاعة أو منة وواسطة، ولم يخلَّ بين انسان وبين تلقائه أو نفسه وعبارته. وبلغ السلطان ما أراده من تقليده القضايا الكبيرة، وتدليسه فيها، ومسرحته "صراعاً" جيو سياسياً واستراتيجياً كونياً، على "شفير" المهاوي المهولة. وتوسل الحكاية البطولية أو الإلهية الى "سحر" تشبه عليها المعجزات والفتوح والقوة والريوع. وأدار حكايته على حرث "حديقته" اللبنانية "الخلفية"، على تسمية صحافية مترجمة، حين حلتها المنظمات الفلسطينية المسلحة وبعد أن جلت عنها، وعلى قطاف عوائد الخوات والاغتيالات والتسليح والتحريض و"التحرير" والنفخ في ذوات طاووسية ذاوية. وتولى "السحر" وسطاء الحرس والباسيج اللبنانيون، وهو أشبه بسحر "الفوبيجو"، أو الحلي المقلدة والكاذبة، وتشبيه تنكها وزجاجها "حقائق" الذهب والفضة والياقوت والعقيق. وفي أثناء الاربعين سنة ونوافل احتفل الجهاز العشائري والبيروقراطي البوليسي بأعراسه الدامية والراعفة، وأسكر "المدعوين" قسراً بعصير المياه العادمة والآسنة، وقلد الاعناق، قبل ذبحها من الوريد الى الوريد، قلائد التنك والزجاج. وبعد نيف وسنة على قيام الرعية على سلطان الجهاز، والمقاتل والملاحم والمذابح، لا يزال السلطان متربعاً في سدة "قوات حفظ نظام" متماسكة، وإدارة منتظرة، وتجارة دمشقية وحلبية تشتري الوقت والرضا، وشويعر لمي يرثي "ضوء الخارج (و) ضوء الداخل" في أجرومية "تنوير" بائخة
الأحد، 1 أبريل 2012
هزال التضامن مع السوريين أم استهلال رابطة وطنية؟
المستقبل، 1/4/2012
يسأل يوسف بزي عن السبب فيما يسميه "فراغاً سياسياً ووهناً لبنانياً عاماً إزاء الحدث السوري، ونأياً بالنفس" عن ملابساته اللبنانية الداخلية وانقسام اللبنانيين حزبين كبيرين هما حزب 8 آذار– وحزب 14 آذار ("نوافذ"- "المستقبل" 25 آذار 2012). ويخلص، في أعقاب إحصائه الدعوات الى التظاهر ووصفه التظاهرات كماً و"نوعاً" (مكانات)، الى التسليم بما أعلنه وسم المقال وهو "امتناع السياسة" في كنف "المتن" الطائفي في لبنان اليوم، معاصر "الثورات العربية"، واقتصار "لبنان" على "ساحة هوامش": الأمانة العامة لقوى 14 آذار، مشاركة رمزية للحزب الاشتراكي "ولقصر المختارة بالذات"، حضور منظم لمجموعة من الناشطين الآتين من الضاحية الجنوبية... وما عدا السهو والغلط، تناول صاحب "المرقط" و "نظر إليَّ ياسر عرفات وابتسم" المسألة في مقالين سابقين. وعليه، فهذا مقاله الثالث. وهو ربما تكلم في الموضوع الذي يلح عليه شفاهاً وخطابة. وأنا (وهي خير من "كاتب هذه الأسطر" أو "الموقع أدناه"، ومعرض الكلام أو بعضه شخصي أو ذاتي) أشارك يوسف بزي السؤال، ولم يسبق أن شاركته الدعوة ولا التلبية أو الحضور. ولم أتردد كثيراً في اختيار الاستنكاف والميل إليه، في المرتين الأولين اللتين دعي فيهما الجمهور، من "المستويات" كلها وأحسب نفسي وغيري في عوامها بديهة، إلى التجمع والتظاهر. ومن بعد المرتين لم "أفكر" في المسألة، ولم أتردد و "قعدت" لا طاعماً ولا كاسياً ولا حاسباً أن البغية هي "المكارم".
فلماذا، حقاً، هذا القعود "اللبناني"؟ (وهذا من باب تعيين المكان ليس إلا). ولعل بعض عسر الجواب مصدره عموم الاستنكاف والإحجام (البيروتيين في المرتبة الأولى) "جناحي" الجمهور، المسيحي والمسلم، وجناحه الفرعي أو الجزئي العلماني "الثالث" (وهو على هذا زغب الجناح المفترض وليس ريشه)، على غرابة التصنيف وطرافته. ولولا العموم هذا لجاز ربما الاستنجاد والتعليل بعروبة راسخة من هنا وذاكرة اضطهاد مديدة من هناك، وبانقسام "الصف" الإقليمي من هنالك. فلماذا لا ينحاز "المسلمون" اللبنانيون، وأهل السنّة منهم على التخصيص، إلى "أهلهم"، المسلمين السنّة والعرب، في سوريا؟ وتدعوهم الى الانحياز شراكة طبيعية أو غريزية "صنعها الله" على قول الأسدي الأول، وذاكرة اضطهاد وإذلال واحتلال سامهم بها ضابط الاستخبارات السوري وتوجها بالشوك اغتيال رجل دولتهم الوحيد منذ مصرع رياض الصلح برصاص "قومي سوري" سوري قبل ستين عاماً وعام واحد. وتدعوهم الى الانحياز من وجه ثالث، مصلحة وطنية وإقليمية مشتركة ينبغي ألا يشك أحد في منافع تقييدها الدور "المفتاحي" الشامي ونفخه الأرعن والمتهور في القضايا العربية المتقرحة والمزمنة، بعد ثلث قرن من الاختبار والمكابدة. ولماذا لا ينحاز "المسيحيون" اللبنانيون إلى من يتقاسمون معهم اليوم رأيهم القديم والثابت في استبداد النظام العسكري والعروبي بسوريا (وغيرها)؟ وهم نعوا على هذا الصنف من الأنظمة عدوانها على الحريات الخاصة والعامة، وتحطيمها القوى الاجتماعية المدنية والأهلية، ومناهضتها الغرب مناهضة هستيرية ومتشنجة، وتوسلها بالمسائل العربية المشتركة إلى فرض سياسات مستولية وباهظة التكلفة. وكان لبنان مسرح هذه السياسات المدمرة، ولا يزال. ولماذا لا ينحاز "العلمانيون" واليساريون والمدنيون اللبنانيون الى السوريين المتمردين على أشرس صنف من الحكام الطائفيين والمذهبيين العرب، وأشدهم إنكاراً للـ "حريات الديموقراطية والنقابية" وللأحزاب المعارضة والحليفة، وأوقحهم فساداً وكبحاً لإنتاج الثروات الوطنية وتوسيعاً للفروق بين الطبقات، وأذرعهم قتلاً واغتيالاً للقيادات الفلسطينية الوطنية؟
ولا ريب عندي في أن هذا النمط من الأسئلة، المنطقية والعقلانية (أو المعقولة، تواضعاً)، لا جواب عنه. وهو يفترض أن الجماعات تطرح على نفسها، وعلى غيرها من الجماعات، أسئلةً مراجعُها أو بواعثها هي مصالحها المشتركة والمتقاسمة والمدركة على هذا النحو أو هذا الوجه من الاشتراك والتقاسم والإدراك معاً. وليست هذه حال الجماعات، ولا حال أسئلتها. والحق أن هذه الأسئلة تقبل القلب والإبدال. فالسؤال الذي ألح عليَّ، وعلى أمثالي، طوال نيف وثلث القرن، وأظنه لم يغادر الى اليوم بعضنا (من غير أن أدري من هم هؤلاء الـ "نا" ولا كيف يُحد "سورهم")، هو: لماذا لم ينتصر للبنانيين في محنة تمزقهم واقتتالهم ولبننتهم، على رغم زعم انطوان مسرة أن "لبنان لم يتلبنن"، سوريون يُحصون عدداً، أو بعض العدد (ما يقترب من إحصاء يوسف بزي الدقيق والكريم)؟ فانشقاقات الأحزاب السورية، الشيوعية والناصرية، منذ اوائل سبعينات القرن الماضي، كان مدارها على "المقاومة الفلسطينية"، وحربها "الشعبية" العربية والمسلحة المفترضة، وعلى تجديدها "مضمون" الحركة العربية الوحدوية واحتياجاتها الحيوية من مناهضة صارمة للإمبريالية ومصالحها وعملائها ووسائطها، ومن حريات تُسَلِّح الجماهيرَ بالبندقية والوعي "الشامل" والاستراتيجي ورأسه تمييز العدو من الصديق والإقبال على التعبئة والطوارئ والأحكام العرفية والتقشف...
وأنكرت "العقول المفكرة" السورية، من اليسار "العلماني" أو "القومي"، على لبنان انقساماً أرادوا الاعتقاد انه جيني، أو في جبلَّة البلد وأهله، على شاكلة اعتقاد رؤسائهم البعثيين منذ نصف قرن أن اللبنانيين يقتتلون في طبعهم وأن الداعي الى الاقتتال هو ميل بعضهم إلى "أعداء الأمة العربية" (بشار الأسد في كل خطبه منذ اغتيال رفيق الحريري). وبعض هذه "العقول" كان مقيماً على هذا الاعتقاد إلى أسابيع خلت. وهو لا يعوِّل على إرادة السوريين المنتفضين في سبيل رفض اقتتال الأهل المتحاجزين، ولا على "نقد" الحركة الوطنية والديموقراطية السورية إرث التسلط المذهبي والكوارث التي جرها على السوريين، بل يعوِّل على الفرق بين الطوائف السورية غير الطائفية وبين انقسام الطوائف اللبنانيين الطائفية!
وهذا رأي، إلى تقريره ما عليه البرهان عليه، يقر للسلطان المذهبي السوري بما يزعمه لنفسه، أي تعهده وحدة السوريين الوطنية وتماسكهم دولة ومجتمعاً. وهذا كذب مشهود قام السوريون عليه، وعليهم "فضحه" عملاً وسياسة قبل فضحه قولاً. وهو يقر للجهاز العشائري والبيروقراطي البوليسي بصدق ما ردده طوال ثلث قرن في لبنان واللبنانيين، وحرض عليه، وسوغ به تسلطَه على اللبنانيين، جماعات ودولة، وقَمَعه حركات الاحتجاج السورية نفسها، "المقاتلة" الإسلامية منها أو المدنية الوطنية والسياسية والاجتماعية. وصدق السوريون المتعلمون اليساريون مزاعم فلسطينية فصائلية وسورية بعثية في أن مقاومة لبنانيين كثر، معظمهم مسيحيون، تصرف المنظمات الفلسطينية المسلحة بمصائرهم تصرفاً متعسفاً و "قومياً" (عروبياً) إنما الباعث عليها انعزالية محلية دينية وانقياد الى مصالح الغرب الاستعماري (والصليبي ضمناً على تأويل عصبي وأهلي إسلامي وشعبي) وتبعية مزمنة.
ولم يدر بخلدهم أن "ضحايا الضحايا"، على قول إدوارد سعيد في أهله وقومه الفلسطينيين بإزاء المهاجرين واللاجئين اليهود الأوروبيين الى فلسطين، لا يعدمون التسلط بدورهم على ضحايا من الدرجة الثالثة هم نحن. ومعظم السوريين اليساريين ناط بالحركة الفلسطينية المسلحة، وبحيازتها شروط الدوام والامتداد والتعاظم، مصير الحركات الوطنية والمحلية، المحكومة بالجزئية، وضيق الأفق (القطري)، وضعف حدة التناقض مع العدو الرئيسي والمهيمن، وبالمسالمة أو الموادعة. وحين يكتب أهل الرأي والقلم اليساريون هؤلاء فموضوعهم الأثير هو "فلسطين"، على المعاني الأسطورية التي تفتحت وانعقدت طوال معظم القرن العشرين، ويقيم عليها ناشرو وكتبة صحف "ناصرية – قذافية" قرت على إيرانية حرسية ومجزية. ومن يتناول منهم موضوع الديموقراطية أو موضوع الدولة فقصاراه تذكر جملة من كاتب سوري، من "الاجداد" غالباً، تجمل القول الجامع والمانع، على مثال مدرس يجري عليه "المثقفون" السوريون. فلا يخطر ببال أحدهم أن تجربة اللبنانيين الطويلة قد تعلم شيئاً. وأحسب أن أحداً منهم لم يتواضع على قراءة صفحة من ميشال شيحا أو عمر فاخوري أو بشارة الخوري.
هؤلاء السوريون، إذا لم يختصرني، فرداً أو جماعة، تفكير عاقل محض ومتعالٍ عن الهوى والميل والتذكر، لماذا أنتصر لهم وأؤيدهم؟ وأنا لا أزعم أن بعض إمساكي وتحفظي لا يعود إلى الأساليب المخيفة التي توسلت بها قواتهم وأجهزة استخباراتهم إلى "حكم" اللبنانيين والفلسطينيين وردعهم وقمعهم حين دخلت لبنان على شاكلة "قوات سلام عربية معززة"، قبل أن تنقلب قوة احتلال ووصاية ضرورية وموقتة ويقتضي انسحابها أو إعادة انتشارها طلباً على الحكومة اللبنانية ان تتقدم به الى "المجلس الأعلى" وأمينه العام المرتجف في حضرة السلطان السياف والمريض (يومها). ومن الأساليب هذه أسلوب محبب هو التصدي للمتظاهرين بـ "متظاهرين" مثلهم، على شاكلة "الأحباش" في موقعة السيوف والخناجر "الجميلة" وشاكلة رجال الأمن في 7 آب 2001، وللمؤتمرين الصحافيين بمؤتمرين مثلهم، الى بعض السلاح الفردي الظاهر والحق الصريح في الرد المباشر واعتلاء المنبر عنوة، على ما حصل حين حسب جبران تويني، الصحافي، أن صفته النقابية تخوله الطعن في بعض وجوه "الإدارة" الاحتلالية الثقيلة والمتمادية. وكان حشد 8 آذار (2005) في ساحة رياض الصلح رداً من الصنف الصلف نفسه على تظاهرات تشييع رفيق الحريري، والاعتصام في ساحة الشهداء، والمسيرات المتواترة الى موقع الاغتيال بميناء الحصن. وكرت سبحة التصدي والرد. واحترف "القوميون السوريون - الاجتماعيون"، منذ قيام السوريين على طاغيتهم، ما تولاه "الأحباش" بعض الوقت على نحو مسرحي "جميل"، وتولاه الحرسيون الخمينيون على نحو كوري شمالي وهوليوودي.
ولوح هذا الضرب من الجواب، قبل أن تنوه بهلهلة سينماه ضآلة عدد المتظاهرين تأييداً للسوريين المنتفضين على "مسرورهم" الجلاد، باستئناف ما برع فيه الجهاز البوليسي الاسدي، طوال عهده المديد في لبنان بعد سوريا، من قتل بالواسطة، وتخفٍ وراء الدمى المتحركة المشلولة والمتعثرة، وتقنّع بالمقاومات والعمامات والمقامات. وهذه البراعة أوتيها الجهاز العتيد من باب عريق هو بيت قصيد في الملاحم اللبنانية. فمنذ 1952، أي "خلع" بشارة الخوري أو استقالته طوعاً، دارت الخلافات والمشادات اللبنانية على قضايا "عربية" إقليمية. وامتحنت هذه، على مقادير متفاوتة، تماسك اللبنانيين واستقلالهم بدولة وطنية "قطرية". وفي ما يكاد لا يحصى من الحوادث والمناسبات (الإعلان الثلاثي في 1953، أزمة السويس في 1956، حلف بغداد في 1957- 1958، الجمهورية العربية المتحدة في 1958، الانفصال في 1961، "الحرب العربية الباردة" في 1961 – 1967، بدايات العمل الفلسطيني المسلح في لبنان في 1965- 1969 و "اتفاق القاهرة"،...)، ومن القرار السياسي "الأخير"، أي قرار الحرب. ولم يَصُغْ رؤساء الحكومة السنيون والعروبيون المسألة على هذا النحو، أي على النحو الذي صاغه عليه كمال جنبلاط في 1975 (وقبلها في 1958) واستأنفه الحزب الخميني المسلح في 1982، ومذذاك إلى اليوم.
واتفق انفجار الأزمات على الدوام مع حاجة الطرف العربي المهيمن، وقتذاك، إلى ميدان يحط فيه النزاع، ويختبر (الطرف المهيمن) فيه قوته بإزاء الدول الغربية أو الإقليمية المتصدرة والبارزة (إيران الشاه...)، أو بإزاء إسرائيل. وكانت الأزمات هذه ذريعة الجماعات الأهلية المسلمة، المتفرقة والمتنازعة قبل الأزمات وفي أثنائها وبعدها، إلى رص الصف ظاهراً، وإلى المطالبة عموماً إما بالتسلح "المفرط"، أو بالانضمام الى جبهة حرب مرتجلة، أو بقطع العلاقات الحيوية ببلدان "عدوة"، أو بفتح الحدود أمام جيوش عربية متخاصمة ومتآكلة، أو بحماية "ضيف" لا يتقيد بأضعف شروط الحذر والسلامة، أو بإشراك موظفين وضباط في هيئات أمنية وعسكرية لا يقرون بمعايير عملها ويتمسكون بتمثيل عصبياتهم وزعاماتهم فيها (على مثال وزراء خارجية "دولة الرئيس" الذاتية، ومدراء أو قادة الأجهزة الأمنية...). ولم يعالج اتفاق الطائف (1989) المسألة المتواترة، ونجم عنه فعلاً انتصاب الجماعة الحرسية والخمينية المسلحة ولاية متعسكرة في قلب الدولة والمجتمع اللبنانيين، وجزءاً من مركب أهلي – إقليمي ينتهك معايير علاقات الدول السيادية والإقليمية.
وخاض شطر عريض من اللبنانيين هذه الأزمات، والحروب التي نجمت عنها، بعد تردد في بعض الأحيان ومنقادين في معظمها، وحملهم الهوى العروبي، أو "الإسلامي" الذي لابسه وخلفه، وهما هويان سلطانيان وفاتحان الى استعجال الحروب أو إلى التسليم بحتمها. ولم يكن الشاغل الديموقراطي أو السياسي والدستوري، مرة واحدة، باعثاً على التضامن مع حركة شعبية أو سياسية في بلد عربي أو غير عربي. فالتضامن إما عصبي، "قومي"، يفضي لا محالة الى التضحية بالنفس وتقديمها قرباناً على مذبح الهيكل المقدس، وإما عَدِم المعنى وانتفى منه. فشاع في أوساط السياسيين المسيحيين قول مأثور ذهب إلى أن تلبية مطاليب الجماعات المسلمة والعروبية من طريق "إعطاء العرب"، السوريين على وجه الخصوص، والنزول لهم عن امتيازات عسكرية أو أمنية أو اقتصادية، وليس"إعطاء" اللبنانيين المسلمين في الهيئات والمؤسسات، هو الحل الأيسر والأنجع للأزمة. واستقر دمج البرنامجين منذ صوغ "الحركة الوطنية"، الفلسطينية – العروبية المحلية، نقاطها الخمس التي تصدرها إنشاء مجلس عسكري طائفي (وهو كان طائفياً) "متوازن"، أي ترجح في ميزانه احتياجات الحرب الفلسطينية. وانتهى هذا الى "عقيدة" "المقاومة والشعب والجيش" و"استراتيجية دفاعها" المعروفة والمشهودة، وإلى رجحان احتياجات الردع الإيراني – السوري.
وهذه الحروب، مع مقتضياتها الأهلية والداخلية، خاضها شطر راجح أو غالب من اللبنانيين، منقادين الى عصبيات لا توسع كثيراً، ولا قليلاً، للرأي المعلّل، أو التكتلات السائلة والمتقلبة، والانقسامات المركبة، وللتداول على الكثرة والقلة والحكم بالنيابة عن الكثرة الموقتة، ولا تراعي ثبات القوانين الأساسية، ولا تحتكم الى النتائج المقررة والمحاسبة عليها. فهذه أصول أو مبادئ إجرائية، أو شكلية وصورية، شأن نواة الديموقراطية. وهي تفترض أو تشترط هدم العصبيات التي تقدم روابطها الداخلية، ومراتبها وأعرافها، على القواعد العامة والمشتركة. فيستميت الجمهور، وهو جموع وأجسام، ويستبسل في "الدفاع عن عبوديته"، على قول صاحب "روح الشرائع"، أو لحمته "القومية" والدموية، وينيط قوته في "الصراع على الوجود" أو "المكاسرة"، على قول خبراء استراتيجيين أسديين (من وزن فريق مستشارات الوارث اللعوب)، باللحمة العمياء و "الميكانيكية".
ويخالف هذا بعض ما تلتمسه الحركة السورية المتعرجة، والمترجحة بين تقدم وركود، من بلورة أعمال تدمج الناس الخارجين من بيوتهم وعائلاتهم وأحيائهم ومهنهم في تيارات وكتل و "ساحات" جامعة ومؤثرة، من غير إلغاء أو اطراح نازعهم الوليد إلى العبارة غير المقيدة أو النمطية عن رغباتهم في التعارف والكلام والمداولة والاختبار. ويؤدي تنازع السوريين وحركتهم بين تماسك يغرف من قاع العصبيات الأهلية وبين ابتكار مثالات علاقات ترسي التداول والتنسيق والتكليف على قواعد إجراء مقبولة، يؤدي دوراً مزدوجاً. فهو معين تجدد، وباعث على خروج موارد إنسانية وسياسية من جمودها "الأسدي" وعقمها إلى العلانية. وهو، من وجه آخر، يعقد التنسيق، ويبعثر طاقات كثيرة في الطريق، ويرجئ تنفيذ ما تقدم التواضع عليه. والحق ان التنازع لا ينفك من الحركات الوطنية (على خلاف "القومية" العصبية) والديموقراطية المدنية (على خلاف الشعبوية الجماهيرية في صيغها الدينية والمذهبية على الخصوص). فهذه الحركات تستبق غالباً ما يقوم من الأنظمة الديموقراطية بمنزلة الركن أو المحور، وهو الفرق بين المجتمع وحقوقه (ومنها "الحق في الخروج" والانفضاض) وبين الدولة وقوانينها. وينزع الفرق هذا الى الشقاق، ويجعل "الحكومة" الديموقراطية، المضطرة الى احتساب الكثرة والاختلاف والتقريب، عسيرة ومضطربة. ويخلع عنها امتياز التجسيد والامتلاء الماثلين في "صنم" أو هُبَل تملأ تماثيله ومجسماته الميادين والساحات ومداخل الإدارات.
وتُرددُ الحالُ هذه اصداءَ "واقعة" سياسية وثقافية عربية ضخمة هي حمل الحركات الوطنية والاستقلالية النهضوية الحرية على معنى السيادة الخارجية. وهو المعنى الشائع والغالب على البعث وحركة القوميين العرب ومنظمات وحركات التحرير المتفرقة، وفي التيارات "الإحيائية" الدينية المعتدلة و "الجهادية". وأما السيادة الداخلية وموجباتها، من اضطلاع المواطنين في صورة الشعب بالتشريع وتولي الدولة قوة القانون العام والواحد وتقسيم السلطات وضمان الحريات الخاصة والعامة، فعريت في نظر السلطان ومعظم الرعية من مقومات الانتصار في "حرب الوجود" المتطاولة. فموجبات السيادة الداخلية لا تدعو، في المجتمعات العصبية التي تقودها عصبية دولة مستولية، إلى "الذوبان" ("ذوبوا في الخميني كما ذاب الخميني في الثورة"، عن "آية آيات الله العظمى" محمد باقر الصدر، عن أحد جدران حي اللجا ببيروت في أواخر الثمانينات)، ولا إلى التظاهر المائج ولباس الأكفان.
ولست أتهم يوسف بزي بالحض على مثل هذا أو نظيره وشبهَه. ولكنني أحدس في رغبته في يقظة حماسة عامة وهادئة تملأ الطرق والساحات اللبنانية – والبيروتية التي امتلأت، من حيث لم يدرِ أحد بالناس العاديين غداة اغتيال رفيق الحريري، أولاً – بالمتظاهرين الديموقراطيين والمدنيين، رغبة عامة ومشتركة. فلا نناصر السوريين المكلومين والمستفيقين من كابوس الطاغية وغبائه الثقيل والخانق وحسب، وهذا ما يفعله أهالي طرابلس وعكار على طريقة أهلية ينبغي ألا يستهان بها أو يغفل عنها، بل نطمئن حقيقةً الى أن إنجاز 14 آذار (وسياقته الطويلة) لم يتآكل، ولم يطفئه الردم والحطام اللذين أهالتهما "القيادة السورية" وحواشيها المسلحة والمتحزبة عليه، وتركنا تعهده وتثميره في ثقافة سياسية معاصرة. ونيقن، فوق هذا وذاك، أن طلبَ دولة مدنية وطنية ومتعددة القوى والمشارب السياسية والاجتماعية والأهلية، ومقرة بحقوق مواطنيها ومساواتهم، والوعدَ بها، توطنا من غير رجوع ولا إبطال في قلب أهوائنا وأفكارنا السياسية والعامة. وأنهما، الطلب والوعد، أصبحا أو صارا هويين أو ميلين أساسيين من أهوائنا وميولنا ودواعي قيامنا واجتماعنا ومنازعاتنا وتكتلنا. فهذا وحده، على ما نظن ("ن"؟)، كفيل بالتضييق على غلواء الإسلاميين، والحؤول دون استيلائهم وانفرادهم، وسؤالهم عن علة تمسكهم بنسبتهم الدينية – السياسية وليس الشخصية - حين يجهرون (مثل إخوانيي سوريا في وثيقتهم باستانبول في 25 آذار المنصرم) مدنية تامة، على قدر ونحو ما هو كفيل بقطع الطريق على عودة غول السلطان، والتهامه الحريات والحقوق والقوانين والأرواح.
الأحد، 18 مارس 2012
هانس بلومينبيرغ و"ضحكة الخادمة التراقية... التراث يصنعه إثبات المتأخرين البدايات في حاضرهم
يبدو التراث الاسطوري مفطوراً على كثرة الصيغ وتناسلها عبارةً عن طبيعة قاعها الخصب، على نحو قبول الجملة الموسيقية وجوه التقليب الى حين انقلابها جملة أخرى.
هانس بلومينبيرغ: عقل الاسطورة
المستقبل 18/3/2012
تلابس مسألة "التراث"، على معنى النقل (أو المنقولات أو النقليات وعلى خلاف العقل العام المشترك أو الرأي والنظر الفرديين)، وجوه الحياة كلها في المجتمعات العربية والإسلامية. وتتناول دوائر الاعتقاد والتقاليد والمحافظة، مثل التدين والشعائر والقوانين والقيم الاجتماعية والأخلاق، على قدر ما تتناول دوائر العمل أو المعاملات الظرفية مثل السياسة والتربية والثقافة. ولابست مسألة "التراث" دوائر الحياة هذه منذ التنبه على تباين موازين القوة، بعد التنبه بوقت طويل على فروق "رسوم" أهالي البلدان المتفرقة، على قول المقدسي، ووصفها وصفاً بلدانياً أو جغرافياً وقومياً (نسبة الى القوم أو الجماعة أو اللون أو العرق). واتصال "التراث" بسلم القوة والسلطة والغلبة، وبمواردها، أحله محل الركن من الهوية. ووصفت هذه بالتاريخية، أو أضيفت الى التاريخ بينما المعنى المضمر والمنشود هو إضافة التاريخ الى ثباتها ودوامها المتعالي على حوادث التاريخ ووقائعه الكثيرة والمبهمة.
"ابتكار التراث"
وعلى هذا فـ "التراث"، وهو ديني وقومي من غير مناقشة ولا تفريق، مرجع أو مناط الهوية، والقوة تالياً. ويحسن به أن يكون واحداً وثابتاً، لا فرق في معانيه المجتمعة "في صدر (أمة واحدة)" – ("رجل واحد" على قول المبرد صاحب "الكامل في اللغة والأدب" في نعيه الاضطراب، و"التقديم والتأخير"، على مقالة يطعن عليها). ومن زعم أن التراث الإسلامي "كثير" نصب تراثاً واحداً وثابتاً آخر بإزاء التراث الواحد والثابت الأول، وقوَّله قولاً يخالف قول الأول: فإذا قال هذا في معنى اللفظة أو الجملة أنه "واحد"، قال الآخر أنه "كثير"، وإذا قال الأول انه "خاتم" قال الآخر بل "مستمر"، وإذا قال "دولة" أجيب "رسالة"... وهكذا دواليك. وبعضهم، من المعاصرين، وصل التراث بالحداثة وبـ "الثورة" السياسية والاجتماعية المفترضة ذروة الحداثة، ولو تصورت في صور لينين ستالين ماو غيفارا أنور خوجة كيم إيل سونغ (والسلالة). ووسّط في الوصل تراثاً غير منقطع من الإحيائيين الإسلاميين. وأوتي هؤلاء فضيلة العود على البدء من غير ثغرة أو تفاوت أو انحراف أو غلط، من وجه، وأوتوا فضيلة الاستئناف من غير انقطاع ولا خسارة.
والحق أن "الأعمال" المجددة والمستأنفة والإحيائية، والأمينة على "التراث" الواحد أو الكثير، معاً، غالباً ما تعد القارئ، ومن ورائه الأمة، على شاكلة ابراهيم في بعض التنزيل، بمعاني لفظة الإحياء. وهي، في الدين، صنو البعث في السياسة ونظيره. وقد لا يصح قياس إنجازَيْ الوعدين. ولكن الإحياء "العملي" – عن يد أو أيدي جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وحسن البنا وسيد قطب وعبدالله عزام ومصطفى نبوي وروح الله خميني ومريديه على رأس "الحرس" ووزارة الاستخبارات و "فيلق القدس" و "مكتب حركات التحرر في العالم" (تحت عباءة الفقيه محمد منتظري المستخلف السابق على ولاية الفقيه) – هذا الإحياء أفضى، على ما هو معلوم وغير منكر إلا إنكاراً خفيفاً إلى "الشيخ" أسامة بن لادن، على ما كان يقول "الشيخ" عصام العريان في بعض مسامراته على "الجزيرة" الفضائية غداة "الغزوتين المباركتين". وما صنعه "الشيخ" الأول لاقى، ميدانياً و (لمَ لا) فكرياً صنيع البعث في السياسة. والإثنان يتشاركان اعتقادَ التوسط في النشور. وهو اعتقاد يشبِّه لصاحبه، وهو ليس إلا وسيطاً، القيام مقام القطب الأول والركن. ويقود هذا لا محالة، على ما نبه أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين"، لا محالة الى الغلو. فينسى الوسيط وساطته، وباسم من يخطب على المنبر، خشباً كان المنبر أو "باقة" لايزرية، وينسب الابتداء والقصد إلى نفسه، ويفتح "بالحق" بين جماعة مريديه وبين العصر وأهله، وبينهم وبين تراثهم.
وانتبه مؤرخون منذ بعض الوقت الى ان الجماعات ومجتمعاتها تجدد تراثها، وتبتكره. فتوجبه على أنحاء وصور ومثالات لا عهد للأزمنة التي نشأت فيها "وقائع" التراث ومروياته ومعانيه، بها، ولا يعقل ان يكون أهل هذه الأزمنة ذهبوا الى الأنحاء والصور والمثالات هذه، وهم من هم، وثقافتهم هي ثقافتهم. فلا يعقل، على سبيل المثل، أن يكون أحد كتّاب القرن السادس عشر الفرنسي ملحداً أو اعتنق الإلحاد، على ما زعم ماركسيون راغبون في اتصال نسبهم الفكري الى بدايات عصر النهضة الأوروبي. فالإلحاد يفترض، على ما احتج لوسيان فيفر، تاريخاً طبيعياً ذاتياً ومنتجاً ليس في متناول أهل العصر. واقتضى بلوغه أو صوغه حلقات وسيطة تولاها أهل قرن كامل في أعقاب منتصف القرن السادس عشر. وهذا شأن الحركات القومية أو الوطنية، على المعنى الذي ينسب إليها إنشاء دول – أمم سياسية، ومساواة الرجال والنساء في الحقوق والقدرات، على معنى يحل تقسيم العمل الاجتماعي في القلب من تاريخ المعتقدات ومعايير العمل وتصاريفه.
ويضيِّق هذا النحو في النظر على "ابتكار التراث" (أو التقليد، إمعاناً في الطباق والمفارقة) جولاته وصولاته، المقيدة اصلاً بدواعٍ وشروط صارمة يتصدرها أفول التقاليد وسطوة حداثة ركنها الإنشاء الذاتي والقيام بالنفس. ومن وجه آخر، يتغذى الابتكار من الأفول، ومن حمل الحداثة، وأطوارها المحدثة، المجتمعات كلَّها، من غير استثناء، على الإنشاء الذاتي والقيام بالنفس. و "حروب الآلهة"، على ما سمى أحد أعلام الاجتماعيات الألمانية في مطلع القرن العشرين نزاع الإمبرياليات القديمة والمحدثة (اليابانية والروسية والألمانية والعثمانية الإسلامية والأميركية، إلى الفرنسية والبريطانية)، هي بعض مرايا الحمل هذا، والإلحاح فيه. وخشية هينتنغتون "حرب حضارات"، غداة حرب الإيديولوجيات الباردة، تصدر عن التنبه إلى قوة التراثات ومقاومتها الاندماج في المجتمعات المتعولمة، وإلى قصور هذه عن حمل المهاجرين إليها على الانخراط في ثقافاتها الفردية والليبرالية.
رواية البدايات
وبعيداً جداً، والحق يقال، من هذا النحو العملي والسياسي والاجتماعي من المشاغل، كتب الألماني هانس بلومينبيرغ (1920 – 1996) كتاباً مختصراً، قياساً على أعمال أخرى له، فيما بين النظر (النظرية) والعمل ("التطبيق") من صيغ اتصال متفرقة، وسمه بـ "ضحكة الخادمة التراقية" (1987) أو من تراقيا، من بلاد اليونان يومها. وخص به بدايات النظر الفلسفي و "العلمي" والتشاغل به. وذريعته هي خبر، أو أثر أو قَصَص، يزعم رواية البدايات. وينسب الخبر البداية الى طاليس، من مدينة ميليه التراقية. وطاليس هو، على ما تعلم تواريخ الفلسفة (الغربية)، صاحب مقالتين: 1) الآلهة تملأ المحال والأشياء كلها، 2) الماء أصل كل شيء و(كل شيء) قار على الماء. وبينما كان طاليس، وهو صاحب فرضية هندسية وحسابية من الأصول الإقليدية احتسبت علو الأهرامات، يراقب نجوم السماء ليلاً، ونظره إليها، وقع في حفرة لم يرها. فرأته خادمة أضحكتها عثرته، وقالت له: هذا جزاء من يمعن النظر في البعيد ويغفل عن شؤون الأرض القريبة. وتتمة الأثر أن طاليس "رد" على ضحك الخادمة فاستبق كسوف الشمس، وقدَّر خصوبة موسم الزيتون فضمن معاصره وجنى ربحاً كبيراً. ويتابع بلومينبيرغ آثار نواة الخبر أو الأثر هذا من أفلاطون، ومعاصره ديوجين لاويرس، أحد أوائل الرواة وأصحاب الأخبار، إلى نيتشه وهايدغير وغادامير. وبين الأوليْن والآخرِين بضعة عشر فيلسوفاً.
وموضوع المقالة هو تواتر النقل وإعماله "التحريف" فيما ينقل. ولو اقتصر تعقب التواتر و "التحريف" على تدوين صيغهما لدخل في باب الأخبار وجوامعها الموسوعية وطبقات أصحابها، على مثال اسلامي وعربي شائع. وهذا، أي تدوين الصيغ وتعقب الأخبار وترتيب الطبقات، ما لا يأنف بلومينبيرغ منه، ويقوم به على وجه مدهش. ولكنه يُعمل في تدوينه وتعقبه وترتيبه سؤالاً مزدوجاً عن أطوار الصيغ وتحولاتها وصورها، من جهة، وعن اتصالها وترديدها عناصر "مشتركة" أو تجديدها وحملها العناصر على معانٍ مبتكرة، من جهة أخرى. وهو، إلى هذا، يصل ما بين أطوار الصيغ وعلاقتها الداخلية الواحدة بالأخرى (بالأخريات)، وبين حال المسألة الأم، النظر (النظرية) ومعارضته بالعمل ومقاصده، في ثقافة العصر أو الوقت.
وفي سياقة المقالة تبرز معالم الخروج إلى كثرة المعاني وتوليدها، من غير افتراض وحدة أو واحدٍ "أصلاً"، أو في محل الأصل الكثير، على معنى مباشر وبسيط هو كثرة الروايات الأولى. وعلى خلاف النهج البنيوي، اللغوي والإناسي (الأنتروبولوجي)، الذي عاصر صاحبُ المقالة شيوعه في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، لا تقيد المقالة التوليدَ والتداول والتناقل بعدد محدود من الاحتمالات، محتسبٍ على قاعدة تبديل المنازل الأولى المستقلة وقرانها. ويدعو هذا بلومينبيرغ الى تقويم التراث، وتقويم تناقله الآثار وتحريفها. فهو ليس على سوية واحدة، غنىً وابتكاراً وتجديداً. وهذا يخالف كذلك التناول البنيوي المحايد والخارجي وافتراضه فهم الروايات الأسطورية أو تأويلها من موضع غفل وعارٍ من التعيين الزمني والثقافي.
فأول ما يصنعه "ضحكة الخادمة التراقية" هو تعيينه الموضع الذي يَتناول منه، ومن ملابسته، الأثر اليوناني. فينوه في سطوره الأولى بغموض النظريات المعاصرة، واستتارها بحُجُب رياضية ومختبرية متعاظمة التجريد والاختصاص. وأدرك عصر "الأنوار" اتساع الفجوة بين العلم النظري والتقني وبين ذهنية المعاملات اليومية، فأرسلت بعضُ قصصه الى الأرض زواراً من كواكب أخرى، على شاكلة زوار سواحٍ قدموا من بلدان غريبة "شرقية" (على مثال "الرسائل الفارسية")، أوكل القصص إليهم وصف غرابة الغرب أو غرائبه (على قول محمد كردعلي مطلع القرن العشرين) وحداثته. ويمثل بلومينبيرغ على انكفاء النظرية وأصحابها وهيئاتها، وانفصالها من عالم عمل اليوم والليلة، بترك بعض الباحثين في الرياضيات العمليات الحسابية الأولية، واستعانتهم بالآلات الحاسبة، أو بعجز بعض دارسي الفلك عن تعرف الكواكب المشهورة ومنظوماتها بالعين المجردة. ويترتب على هذه الحال تواري العالِم الباحث وتواري عمله النظري وراء الآلات التي تصنعها علومه، ووراء البيروقراطي الذي يدبر شؤون شركة ذرية أو ميكانيكية أو كيميائية أو جوية كبيرة، ويوقع عقوداً بمئات ملايين الدولارات أو بملياراتها. وتتحدر هذه الحال من "بدايات" يونانية، فلسفية – "علمية"، لا تزال خصبة الى اليوم، على شرط اتصال وسائطها وتوارثها في حاضر لا يهدأ ولا يفتر، على قول إسلامي في انقطاع الأنبياء. فيسع فيلسوف اليوم (بلومينبيرغ) القول إن لقاء الفيلسوف الجنيني، على التأريخ السائر وتمييزه "الحكماء" قبل سقراط من الفلاسفة بعده، بالخادمة التراقية لم يكن الاستباق المديد لمنازعات عالم الحياة وعالم النظر، والتباسات علاقاتهما الواحد بالآخر. فهو (اللقاء) صار هذا الاستباقَ، وأمسى هذا الاستباق من بعد. فليس في التاريخ بدايات توجب نفسها بنفسها، أو يوجبها صاحب بدايات في بداية أولى، بل يثبت المتأخرون البدايات ويوجبونها ويصنعونها في حاضرهم. وهذا ما تمثل عليه مقالة بلومينبيرغ، وتتعمد التمثيل عليه.
وثمة وجد آخر لحمل البدايات على مصائر الحاضر ونفي الابتداء عنها. فهي لا تبدا فعلاً حيث يزعم ابتداؤها. وقولة طاليس أن الآلهة تملأ المحال والأشياء كلها كانت شائعة في مدينة ميليه، وجوارها مدينة ديديم المشهورة بعرافها. والمدينتان التراقيتان كانتا تحتفلان، في أيار من كل عام، على "الدرب المقدسة" التي تصلهما الواحدة بالأخرى، بأنصاب كثيرة على جانبي الطريق البالغة 16 كلم. فـ "الامتلاء" بالآلهة لم يكن مجازاً. وقولته في الماء وعمومه وطوف الأكوان عليه ليست بدعة قاطعة، وهي تستأنف ما ذهب إليه هوميروس في "الإلياذة" من أن إله الأنهر، أوقيانوس، هو "اصل" الآلهة، بل هو "أصل الكل". وتعالق القولين ليس ابتداء العقل. ولعله أقرب الى شرح نص أو "كتاب" من كتب الأوائل، على قول إسلامي شائع.
والجدَّة القاطعة هي تقدم طاليس من اليونان، هو من تحوم شبهة فينيقية على أصله، بحَساب علمي دقيق لكسوف الشمس. وهذا وحده "أورد إليه المعاني"، كما تورد الإبل الماء، ولكنه ترك موقوفة مسألة المادة الخبرية الأولى والإضافة الثانية. وتصدُّرُ طاليس الفلكي الأثر للدلالة على معنى اضطلاع الفلسفة بالنظر ودورها في تخفيف حمل القلق والحصر عن البشر. وما رأته الخادمة بينما عينا طاليس مشدودتان الى النجوم، وفهمته من رفعه رأسه وليّه عنقه، أولته على الأرجح عبادةً لآلهته. فلا غرو إذا هو تعثر، ولم تسعفه آلهته المصطنعة والكاذبة. ولا ريب في أن انفراد طاليس، أو غيره، بآلهته، من دون الناس، غير مستحب أو هو مكروه.
من الضحكة الى الكراهية القاتلة
وغداة نحو قرنين على "الحادثة"، شبَّه أفلاطون مصير معلمه سقراط بمصير طاليس، الفيلسوف الجنيني. وكان الخبر شائعاً بأثينا في صيغة حكاية "نظمها" شاعر الحكايا الأخلاقية، أو القَصَص، إيزوبي، وحفظها الأثينيون، وكان ديوان إيزوبي في متناول سقراط بزنزانته قبيل شربه السم. وتقول الحكاية أن فلكياً، أو منجماً (يتعاطى "صناعة" النجوم وعلم الأفلاك) كان يتأمل السماء في ظاهر المدينة حين سقط في بئر، وصرخ من الألم، فمر به رجل علم بما وقع للفلكي – المنجم فقال له مؤنباً: تريد فهم أحوال السماء وأحوال الأرض لا تراها. وهذه الحكايا – المثل يرويها سقراط، في إحدى محاورات أفلاطون، ويسمي الفلكيَّ الغفل طاليس الميلي، أول الفلاسفة، والشاهدَ الغفل أمةً رقيقاً من تراقيا. ويبلور التعيين الحكاية، ويجلوها في حلة زمنية واجتماعية موصوفة، ويخلص منها الى "درسها" فيقول: والسخرية نفسها تصلح في من يصرفون العمر الى الفلسفة (التفلسف). والحكمة هذه، أو "الدرس"، ليست روايةً عن الخبر "الأول"، وهي تعليقة أو حاشية، متأخرة زمناً، عليه. وموضوع الحاشية الحكمية ليس الإنسان عموماً بل غرابة الفيلسوف على التخصيص.
ويقود تخصيص الفيلسوف إلى سقراط. وحين كتابة المحاورة كان سقراط دين بالموت، جزاء تعكيره صفو أثينا وأمنها ودعتها الأخلاقية وتوهينه عزيمة فتيانها وشبانها. فما ابتدأته ضحكة الخادمة كانت خاتمته كراهية قاتلة. وسقراط المحاورة لم يكن يحدس بعد في الحكم القضائي (الفتوى) الآتي، ولا في إدانته وموته. وهو يسخر من نفسه، ومن "واقعية" الفلسفة التي يزاولها، ويدعو إليها. وأما أفلاطون فيجلو النظرَ في صورة مصير يجمع معاً المثال الطاليسي وسقراط الذي ينهض عَلَماً على ذروة فهم عالم الحياة الإنسية. والمقارنة بين المثالين الفلسفيين، ومآليهما، تكشف تقابلَ مفهومات مختلفة عن الواقع يقود استغلاقها الواحد على الآخر إما الى التضاحك الساخر وإما الى القتل. وكان سقراط، في محاورة سبقت تلك التي ساق فيها حكاية طاليس، انتهى إلى نصب الحيرة الساخرة تتويجاً لكل جدل، وجسَّدها في شخص يقول: "أنتما، بروتاغوراس وسقراط، امرآن غريبان حقاً!".
ويروي سقراط، في محاورة "غورجياس"، كيف أثار ارتباكه، وهو يحصي أصوات المقترعين في محكمة جلس للحكم فيها مع مندوبي ناحيته، ضحك الجمهور الصاخب وقهقهاته. فنبهه ذلك منذ وقت بعيد الى ان تناوله المسائل لا يتفق وتناول الجمهور. وكان كيركيغارد لاحظ، في أطروحته التي عالجت مفهوم السخرية، أن أريستوفان لم يجاف الحقيقة حين أدخل سقراط في عداد من أضحك الجمهور منهم في كوميديا "السُّحب". ولكن سقراط "السحب" كان لا يزال تلميذ طاليس وفلاسفة الطبيعة، ولم ينصرف بعد الى الحكميات الإنسية، على ما روى في محاورة "فيدون". وفي كلتا الحالين موضوع السخرية واحد، وهو انتفاء المتشاغل بالنظر، المنظر أو النَظَّار، من دائرة معاملات عالم الحياة، تشاغل بالنجوم ومواد الكون الأولى أم تشاغل بفضائل المواطن وشروط العدل في المدينة. وعلى هذا، فالبعد أو القرب ليسا، في حديهما، معيار غرابة المتشاغل بالنظر (الفلسفي)، وإنما هما القرينة عليها. فالنظر في العمل وأحكامه ليس أقل نظراً، أو نظرية أو تنظيراً، من النظر في النجوم. والسؤال عما يكونه إنسان، وعما يليق به فعله أو تفاديه ويبين به من غيره، لم يحد قيد شعرة عن التنظير. وقصاراه أنه نفض عن موضوعه إلفته اليومية المباشرة وأبعده إلى المجاهل التي تسبح فيها النجوم. فأثار الصنيع حفيظة المدينة، ونبهها إلى غربة فيلسوفها عنها بالروح والعقل، واقتصار إقامته بين أظهرها على الجسد. ولكن الجمهور الذي يسعه إدراك الأمر، وفهم هذا الضرب من الغربة أو الفرادة، ليس جمهور الخادمات الإماء أو غيرهن من الرقيق، بل هو جمهور متعلمين صقلت السفسطة التي شاعت في أثينا القرن الرابع (ق. م.) أذهانهم ومداركهم، ودربتهم على تشخيص الثغر وإعمال الازدراء. فخلافُ تربية العبيد وضدها هو عثرةُ الفيلسوف المميتة. فإذا تعثر هذا بضحكة الأَمَة الرقيق، أو بسخرية المرأة التراقية، أمعن الضحك في توسيع الهوة بين جد الفيلسوف وبين هزل الخادمة. والخادمة التراقية، بحكم نسبها ومدينتها، تصدر عن عالم آلهة أجنبية وأنثوية ليلية وأرضية معاً. ويدعو هذا القارئ الى احتساب تفكير الخادمة بآلهتها تلك حين رأت الأرض تبتلع طاليس. وفي فاتحة محاورة "الجمهورية" يروي سقراط أنه عائد للتو من احتفال البيريه، مرفأ أثينا، بعيد الإلهة التراقية بينديس لأول مرة – وهذا بمنزلة تأريخ – وشارك التراقيين، وهم طائفة تجار نافذين بأثينا، عبادتهم. ويتحدر أرسطو وأنتيستين (الطاغية المشرع) وتوقيديديس (المؤرخ) من نسب تراقي. فلم يغرب عن بال الأثينيين ما ربما دار في خلد الخادمة التراقية قبل قرنين وهي ترى طاليس يسقط في البئر، وتضحك من الرجل الذي حط من قدر آلهتها. وأهل أثينا لا ريب فكروا في آلهة دولتهم وفي ما يصيبها من تعليم يزعم ان الفضيلة علم، وأن الفضيلة تعلم علماً يقول أنه لا يعلم إلا جهله. وضحك الخادمة، وأفلاطون هو مبتكره وراويه الأول، قريب من الحكم بالقتل، على ما فهم جمهور أفلاطون حين قرأ المحاورات أو قُرئت عليه. وهو فهم، أعواماً بعد الاغتيال الرسمي، الوجه المأساوي من الشخصية الهزلية من غير عون خطابي. وسقراط المحاورات يترك الآلهة في الظل ويبرز تنازع المفهومات عن الواقع، واستحالة التوفيق بينها. ومرآة الاستحالة هي الضحك هناك والحكم بالقتل هنا، على رغم ان مكافأة أو مساواة الحكم بالقتل الضحكَ تبددت في سياقة تناقل الخبر وتراويه، وبقي التباس المضحك بالمأساة.
العقل والمدينة
وعلى هذا المنوال من الفحص ينقِّل هانس بلومينبيرغ الأثر أو الخبر بين المؤولين والرواة الفلاسفة الذين تناولوه وذيلوه بحاشية أو تعليقة جهاراً أو كناية، الى "يومنا" (النيتشوي فالهايدغري). ومن فلاسفة اليونان الى فلاسفة الرومان فالمتكلمين القروسطيين في الإلهيات، فأصحاب النظر النقدي و "التنويري" (بايل وفولتير وقبلهما فرنسيس بايكون)، يتقصى صاحب المقالة ما يسميه "شرائط الورود"، على مثال أفلاطون الذي تقدم إيجازه. والمحل المتبقي من العجالة يضيق على ما يتجاوز بعض ملاحظات بلومينبيرغ على نيتشه. وتطرق هذا الى أول أهل الحرفة من صنفه أو طائفته (الحرفية)، في 1875، فسأل: "كيف وسع طاليس التحلل من الأسطورة! طاليس، رجل دولة! ينبغي ان يكون حصل أمر ما". وكان نيتشه، في 1872، التفت الى آخر الفلاسفة، هيغيل، وخلف مكانه أسطورة جديدة في الفن. وطاليس هذا أراد، من طريق الماء الكوني، الانقطاع من الأسطورة، وجهر خروجه عليها، فوق ما رمى الى الحصافة والإصابة. فإذا به، في عين الخادمة، يقاضى باسم واقعية عملية استغلق مفهومها عن الواقع على الخادمة. فلم يسعها فهم "الدلالة العميقة" التي يفترضها الانقطاع الحاد من "العالم الأكبر" والسقوط في المادة الكونية الأولى.
وكان نيتشه، في محاضرة من كرسي الدراسات الفيلولوجية (1872)، جزم بأن طاليس كان من أعيان قومه. واستدل على مكانته بنصيحته إلى أهل الجزر الإيونية، القريبة من بر الأناضول، بالاتحاد في دولة فيديرالية تُقْدرهم على مدافعة التهديد الفارسي. ويعزو نيتشه نازع طاليس الى التجريد، وإلى مخالفة الأسطورة ومخالفة التمثيل (ضرب الأمثال)، الى تضلعه من الرياضيات. فمن الغريب، والحال هذه، انه حُمل على الحكمة وعُد في الحكماء الكهان في الهيكل الديلفي. وعاد نيتشه الى طاليس في 1882، بصقلية، حيث كتب "مفاتحة عاشق"، وطبعت هذه ملحقاً بكتابه "العلم الفرِحان". وفي "المفاتحة" فقرة شعرية لا لبس في ردها الى طاليس: "ارتفع إلى الذروة. السماء بنفسها/ تحمل الآن الطائر المنتصر/ وهو يسكن ويحلق/ ناسياً النصر والمنتصر". وشطب نيتشه الفقرة، وذيل عنوان الكتاب "العلم الفرحان" بذيل يقول أن العنوان "رمى بالشاعر في حفرة". وجعل محل الفقرة فقرة أخرى: "مثل النجم والأزل/ يقيم الآن في علياء تخافها الحياة/ حانياً حتى على الحسد./ ومن يراه محلقاً، يطير كذلك عالياً".
ويصل نيتشه في محاضرته الأولى، حين يتناول "شقاق" طاليس، إشارتين الواحدة بالأخرى: افتراض اسكندراني يزعم أن اصل الفلسفة فينيقي، وأثر يروي أن طاليس سافر الى مصر. فمن أين إنكار طاليس على الأسطورة وطعنه عليها؟ هل المنكِر الطاعن هو الرياضي (التعاليمي، في مصطلح عربي إسلامي) أم هو السياسي الذي أراد محو مفعول الخصوصية الناجم عن الأساطير المحلية و "القومية" (نسبة الى القوم أو الأهل) وتقديم مواضعات جزئية على مسائل أعرض؟ ومهما كان من أمر الداعي الى الطعن، فقولته في الماء تحتمل تأويلها أسطورةً عامة اقترحها طاليس على مدن الساحل الإيوني، وناشدها الاتحاد عليها. ويمدح نيتشه مقالة الميلي في الماء وعقلانيتها. ويذهب إلى أن الوقائع حققت فرض طاليس. فالعوالم الصلبة التي نعرفها ونختبرها سبقتها على الأرجح أحوال أقل صلابة وتماسكاً، أشبه بالغاز، بحسب افتراض كانط ولابلاس. وحمل الكون كله، وهو المشعث والمتفاوت، على أطوار مادة أصلية واحدة، قرينة على إقدام لا يصدق ولا ثاني له من بعده. ويعارض إثبات الماء أصلاً عاماً وواحداً امتلاء العالم بالآلهة، عَلَم الخصوصيات الكثيرة والمنيعة، والحاجز بين المدن وبين الاتحاد. ولكن المدينة، وهي بؤرة الإرادة الإغريقية وعصارتها، نهضت على الأسطورة، فترك الأسطورة يقود حتماً إلى ترك مفهوم المدينة. ويفوق هذا طاقة الفلسفة على العمومية. وقوة العمومية إما أن تخلف على الأسطورة الضعيفة، على مثال روما، وإما أن تنشأ عن الديانات الكبيرة ومعتقدها الذي يخولها التوحيد من طريق الإكراه وبواسطته. وبإزاء القوتين العموميتين هاتين يكني انصراف طاليس الى مراقبة ليل النجوم عن الرضوخ. فالتجأ الى الفلسفة وباشر مناقشة الاسطورة، الحصينة في وقت أول. وحين حيّا أفلاطون طاليس، وأثبته صنواً لسقراط "الافلاطوني"، كانت الحروب الفارسية – اليونانية وضعت أوزارها، وأرهق أثينا عبء هيمنتها، وأخفقت الفلسفة في الاضطلاع بدور سياسي في شخص أفلاطون نفسه (ومحاولته نصيحة الطاغية الصقلي). وينسب نيتشه الى طاليس تأويلاً نيتشوياً لمقالته في الآلهة: فمعناها، على زعمه، هو أن الطبيعة لا قوام ولا حقيقة لها من نفسها، فهي خلق انساني، وعلى هذا حلول (ثمرة حلول التصورات الانسانية فيها) خالص. والتأويل النيتشوي صدى للأساطير اليونانية نفسها ولاستمرار فلسفتهم عليها، لا يستثني ذلك برمينيديس نفسه وهو من نفى حقيقة كل ما عدا وحدة المكون، وحصَّل الباقي من طريق الظن.
غير أن اخفاق النقض على الاسطورة ليس محنة طاليس الخاصة إلا ظاهراً. فهو الشاهد على أيلولة الاخفاق، والصمم عن النقض على الاسطورة وخصوصياتها "القومية" الاهلية، الى استعباد المدن الايونية. وهذه محنة عامة، بديهة. والمحنة العامة الاخرى هي محنة الفلسفة اليونانية ومأساتها، ربما الوحيدة، على قول نيشه. فطاليس، و"طبقة" الفلاسفة من بعده حذت حذوه، أرسى السؤال الفلسفي على معالجة المسألة الام: هل في وسع العقل الواحد الانتصار على كثرة الأساطير؟ وهو حدس في ضعف الباعث على تنكب العمل إذا هو اقتصر على العقل. وكان بقاء المدن اليونانية ونجاتها من الاسترقاق السياسي الذي يتهددها به الفتح الفارسي، عضداً قوياً لوحدة العقل. لذا، ليست غرابة النظر الفلسفي، قياساً على إلفة عالم الحياة، على ما تبدو عليه في حسبان الغريبة القادمة من تراقيا. فأهل اليونان أنفسهم لم يفهموا ما ظن الآخرون أن في مستطاعهم فهمه، وما أتاحه الظرف والوقت لهم. ومأساة الفلسفة متأتية من أن أحوال ابتدائها، وملابسات الابتداء، محال تكرارها. والاستنتاج، أو القياس التوليدي المتصل، عاجز عن الالمام أو الاحاطة بالصدع أو الفطور الذي ينهض عليه فعل انسان فرد في لحظة فريدة. وقد ينهض بالأمر مشهد أو خبر أو صورة.
وهذا ما أراد نيتشه تزكيته، والانتصار له، حين انتصر للغويات الفيلولوجية في محاضرته الافتتاحية ببازل، في 1869. واحتج لها على المنزع الرومنطيقي الذي مال الى نسبة الملاحم الهوميرية الى "الشعب" وشعره "التلقائي"، وأراد انتزاعها من الشاعر الفرد، ومن مدرسة الشعراء المحترفين. وعلى المثال نفسه، نافح نيتشه عن "تاريخية" ثورة طاليس على الاسطورة، وإخفاقه في كسر سطوتها، وسقوطه في البئر أمام شاهد غافل عن معنى ما يرى ويحضر. فالاثر هذا ينبغي ألا يطيحه "النقد التاريخي". وطاليس هو الواقعي، وداعية النظر في أعماق الطبيعة، من غير قصص سحري أو "عبقري" سبيلاً الى بقاء المدينة. ومن يرَ الى العقل محجة تجاوز الأسطورة يقرأ قولة طاليس أن الآلهة تملأ المحال كلها على معنى يخالف المعنى الذي يذهب إليه من يحسب أن العقل هو دواء تفريق الاسطورة حلفَ المدن وتصديعَه. فكان ينبغي لهذه القولة أن تقود الاسطورة الى خاتمتها، وترعى الانتقال الى ما يقوم مقامها. والحال أنها ابتدأت سلسلة لا تنتهي من المقالات غير المقيدة بقيد التعيين القاطع، الظرفي والوظيفي الفريد. وهذه المقالات تقلِّب "الكل" (المحال كلها، كل شيء) على معانٍ ووجوه لا تحصى.
ولم يقتصر نيتشه، في تناوله المدونة اليونانية ومحل الأثر الطاليسي منها، على تقرير التقليب، وإرساله لا إلى غاية. فاختبر في مقالاته أثر الكثرة والارسال، أو أثر "الكتابة" وعملها، على قول المحدثين. فهو لا يَغفل عن أن سقراط "أتم" تدمير الاسطورة الذي نشده طاليس، وسعى فيه. فأرسى الفلسفة على ركن ظاهر، وكان العِلم من ذريتها البعيدة. وأنزل سقراط الفلسفة من المبادئ والأصول الأولى و"العالية" الى دائرة عالم الحياة والمعاملات البورجوازي، المديني والذُري (على معنى الوقف) والحربي. فخصخص روحها العامة، وطواها على مشاغلها الخاصة، وأعدها، على أمد بعيد، الى استقبال المسيحية التي يحملها نيتشه التبعة الأولى، عن قتل المأساة، والتخلق بأخلاق العبيد، وإحلال سلب الضغينة محل فرح الايجاب. وطاليس، من وجه آخر، هو مبتدئ العلم، وعماه الذي يحمله على مساواة الأشياء بعضها ببعض، ويصرف عن ترتيبها بحسب طبقتها وشأنها. وتقرير تسوية العلوم والمعارف يتجاهل، على قول بلومينبيرغ، انطواء المجهول، قبل العلم به، على مكنونه. فلا يسبق العلم بالمرتبة المعلوم نفسه. ونيتشه يدعو الفلسفة الى النظر في المراتب والمكانات والمقادير أولاً، وينعى على العلم تشاغله بما لا قيمة له، وبحال الانسان الحيوانية والدودية. وحري بالفلسفة، على هذا، أن تعنى بغايتها الجمالية، المعيارية، فوق العناية بغايتها السياسية الظرفية التي أخفقت في بلوغها.
الأحد، 12 فبراير 2012
من 2 شباط 1982 (حماة) إلى 3 شباط 2012 (سوريا) عشرة آلاف يوم ومئة وثلاثة أيام ويوم واحد
"عذراً حماة"، كان وسم الجمعة السورية (الواقعة) في 3 شباط 2012. وصادف اليومُ انقضاءَ 30 سنة تامة ويوم على – والمرء في حيرة من تسمية هذا اليوم وحوادثه، جميعا أم فرادى، مجزرة مذبحة ملحمة مقتلة، من غير قيد غير ذاك الذي تقيد التسميةَ به أصداء الاسم وترجيعاته، وقربه أو بعده من أسماء حوادث "تشبه" الحادثة التي يسميها الاسم: مجزرة مذبحة ملحمة مقتلة –. ويضيف: حماة. ولا بأس بالاقرار بأن اسم جمعة التذكر، مرة أخرى "عذراً حماة"، استغلق فهمه، على بداهته. فمتظاهرو اليوم يعتذرون من قتلى مجزرة مذبحة ملحمة مقتلة حماة، بعد – قبل، على ما كان ليكتب باول تسيلان (نوافذ- المستقبل 5 أيار 2011، ص 14، التصفح على مدونة الكاتب waddah-charara.blogspot.com)، ثلاثين سنة. فعمَّ يعتذرون؟ عن أنهم لم يقتلوا يذبحوا يجزروا يلحموا معهم؟ وهم، معظمهم الساحق، لم يكن ولد في عام الشؤم ذاك؟ وبعضهم من أولاد من قتلوا ذبحوا لحموا ورمى آباؤهم بأنفسهم على الموت- القتل تفادياً لموتهم – قتلهم هم. أم يعتذرون عن نسيانهم المقتولين المذبوحين المجزورين الملحومين، وعن توسيدهم الغيم (تسيلان) الخفيف والبعيد، وعن سكوتهم المتمادي عنهم ومجاراتهم القتلة الجزارين الذباحين اللحامين على انكار الحادثة واستحقاقها التذكر فيمر الثالث من شهر شباط في 1983 1984 1985 1986... وحتى في 2011 من غير أن يرفع أحد من الذين شهدوا – سمعوا يومها أم من بعد صوته أو صمته أو دمعه أو دقات قلبه في هيكل صدره العريض الخاوي الموحش، وينعطف إلى اطياف المتدافعين من غير وجه مضرج رأس مضرجة دماغ مضرج عين مضرجة خد مضرج كتف مضرجة رئة مضرجة ذراع مضرجة يد مضرجة حوض مضرج بطن مضرجة ذكر مضرج حر مضرج فخذ مضرج ركبة مضرجة عقب مضرجة اصبع مضرج، على بوابة دار الموت، ويسألهم عن أسمائهم اسماً اسماً: حمزة رؤى هيثم عليا ابراهم أسماء اسامة جمانة أحمد حسانة؟ أم يعتذرون عن ترك حمزة رؤى هيثم عليا ابراهيم أسماء جمانة أحمد حسانة في عراء عام الشؤم "يحفرون، يحفرون، على هذا (يـ)مضي يومهم، ليلهم – (...) يحمدون الله الذي – فهموا- شاء هذا كله، الذي – فهموا- علم هذا كله" (تسيلان – "كان فيهم تراب و/كانوا يحفرون.)؟ يعتذرون عن طاعة الجزار اللحام القاتل الذباح طوال ثلاثين سنة شباط 1982 – شباط 1983 1983- 1984 1984 -1985 2010 -2011 في أثنائها أمر الجزار اللحام القاتل الذباح من اتخذهم التراب بيتاً – مسكناً منسىً- منفى بحفر قبور أهل - حماة في جبانات عام الشؤم؟ فكيف رجع المقتولون المذبوحون الملحومون المجزورون واجتمعوا على بوابات أيام الوقفة الكثيرة، وعلى وجوههم وجباههم المغسولة أسماء من غير أكفان ولا تراب؟
"كانوا يحفرون، ولم يفهموا من بعد شيئاً" (تسيلان). من يحفرون، جباناتهم الفسيحة تملأ الارض، والتراب فيهم وهم "يحفرون، يحفرون،" لا يفضي بهم حفرهم الى الفهم أو الحكمة أو ابتكار اغنية أو تخيل صنف واحد من اللغات. وفي وسع الهدوء والعاصفة والبحار كلها المجيء والتعاقب والرواح، فلا تنم صدىً أو معنىً غير الحفر. وهذا حال الدودة، الموقوفة على دورٍ يدور، ولا يصنع فعلاً ولا عملاً. والدور يدور، و"يفضي... لا إلى جهة". وصاحبه، أي دودته، يَعرى من الجهات، ويخرج من التعريف والماهية الى النفاية والاغفال.
وفي مراثينا (من تكون "نا" هو السؤال أو المسألة)، وتآبين موتانا وقتلانا، وأسفار محننا ونكباتنا، لا يرضى الشاعر المنشد المغني المقرئ الجالس المحنةَ التي يصفها الشاعر الروماني – الألماني – اليهودي – الكتابي، محنةَ الدودة. بلاء الدور من غير جهة ولا حكمة ولا لغة ولا توقيع ولا فرقٍ ("وما يغنّي هناك يقول: إنهم يحفرون"). فيسرع المعنى، وفي ركابه وموكبه المَلَكيّيْن الحكمة واللغة والتوقيع والفرق، الى القتل والموتى، والى القتلة والموت. ويحسب المنشد المغني المقرئ الجالس أن الحكمة واللغة والعلم والفهم والغناء هي التراب الذي ينبغي أن يواري مقتولينا مجزورينا ملحومينا مذبوحينا. وهي ما يليق بهم وبنا.
وهذا إنكار لدور الدودة – القتل ودورانه لا إلى جهة. فنكاد نصدق صاحب القتل أو "رجله" حين يزعم – وهو لم ينفك يزعم هذا منذ استوائه قتّالاً جزّاراً ذبّاحاً لحاماً – أن مقاتله مذابحه مجازره ملاحمه ليست حفر دودة، بل هي ثمرة حكمة وفهم وعلم ولغة وغناء. ونصدق هذا، أو نكاد (هل نكاد وحسب؟)، لأن حمل صاحب القتل، فرداً فرداً وجماعة أو جميعاً، على غير الدودة يجنب مقتولينا وموتانا محنة الدودة، على وجهها السالب، أو يخيل لنا ذلك. فهم كذلك خاضوا في حكمة وفهم وعلم ولغة وغناء، تفوق تلك التي يزعمها صاحب القتل لنفسه، فرداً فرداً وجماعة أو جميعاً، حقيقة وصدقاً. فتخليص من قضوا – من غير وجه مضرج رأس مضرجة دماغ مضرج – من حَفر أو قتل لا ينتج فهماً ولا استواء على كرسي الحكمة، يدعو الشاعر المنشد المغني المقرئ الجالسَ الى تنكب محنة الدودة، وإثبات نقيضها وخلافها. ولم يمسك تسيلان نفسَه عن إثبات النقيض والخلاف. فيكتب بعد "آه":" أنت تحفر وأنا أحفر". والحفار الجديد هو غير الحفارين القدامى. فهم "أنا"، ويسعه قولها وتدبرها واختبارها ما شاء وأراد. وهو يحفر في نفسه. "أحفر فيَّ". ويحفر على قصد غاية يقصد إليها، ويريد بلوغها، هي أنت. والحفر، اللفظة، يقال على وجه الاشتراك. فالحفر في النفس، والقول أنا، وقصد الغير، وجواز بلوغه، تؤول الى تتويج: "على إصبعنا الخاتم يستفيق." والاصبع في الخاتم او التختم بالخاتم، علامة، في القول العامي، على قران وعهد، وعلى اجتماع "نحن" من أنا وأنت. وإفاقة الخاتم والعهد والنحن ابتداء عالم واحد هو عالم اليقظة، على قول الحكيم اليوناني، أو عالم "الشريعة" وعروتها والاجتماع عليها، على القول النبوي.
والليل، قبل الافاقة على التعاهد وخاتمه، كان بهيماً. وتحوم البهيمة حول المدينة، وتستدخلها وتُعمل فيها، وفي أطفالها ونسائها وشيوخها وشبانها العزَّل وغير المسلحين، السيف الذابح والقنابل الجزارة واللحامة والكذب القتَّال. وتجدد عملَ الدودة وحفرها الأعمى. وتحمل هذا على السياسة، وتدعو الى حمله على السياسة، والمجادلة فيها. والتسليم للاشتباه، أو للتشابه ولتطاوله الى اختلاط رعاية خاتم التعاهد بعمل الدودة القتّال الجزّار الذبَّاح، من مراوغة الدودة الآمرة بالحفر. ويغزو التشابهُ النفيُ الإغفالُ الحكمةَ الفهمَ الاغنيةَ اللغةَ. ويجرها الى محاكاته المقلوبة والمعكوسة، ويكرهها على ترك إيجاب الفهم، وإيقاع الغناء والانشاد والرقص، الى الرد الواحد والسوي، على سوية واحدة، إلى نفي النفي وإغفال الاغفال وحفر الحفر.
وكتابة تسيلان الشعرية، على مثال أو شاكلة لحن الاوغاد والشطار الذي غناه أمبريه بونتواز بباريس (على مسمع) باول تسيلان، من تشيرنوفيتش بساديغور، على مثال أو شاكلة كتابة هنري هاينه، في أوقات مظلمة، بآدوم، تقترح على حماة حمص درعا ادلب بانياس الزبداني بنش الرستن دوما ريف ريف ريف ابتكارَ أغنيةٍ لغةٍ فهمٍ حكمة. وليس "فناً شعرياً". والحق ان المغنين الراقصين العازفين الاوغاد والشطار بحماة حمص درعا ادلب، وبعضهم استعجل القتَّالون الجزارون الذبَّاحون اللحامون الحفارون على أبواب المدن على باب الليل البهيم ذبحهم من غير كناية ولا استعارة ولا طباق ولا جناس- المغنون الاوغاد الشطار والراقصون ابتكروا الاقتراح الآتي من بعيد وقديم. فهم التمسوا وحدهم "خروجاً من نفسهم"، "مؤتلفاً"، وسألوا: "ألم يكن ذلك/ إذا جاز القول اسماً؟" -ابراهيم – حمزة- هيثم-.
والاسماء، أسماء المغنين الشطار الراقصين الاوغاد، مؤتلفة ومركبة ومفردة. وهي، في أحيان كثيرة، أضداد، ومؤتلفة من أضداد وأفراد آحاد. "الطفل – العين" ("جليد، عدن"). "البعيد – القريب" ("والنبيذ والخسارة، و") "الصحراء – السموات" ("مزمار") المضيَّع القريب ("كيميائية"). ولكل مركب حكاية. وحكاية "الطفل – العين" تبدأ ببلد: "هناك بلد"، أو كان يا ما كان كان "في" (هناك) بلد. والبلد كان "ضائعاً" . ومن أمارات ضياعه أن "قمر(ه) يطلع في القصب"، على ضفاف نهر، ربما وحول نواعير ربما. والبلد "ميت من البرد"، "معنا"، مثلنا، من عدوى البرد في السهول الداخلية؟ أم مؤاخاةً وتقرباً وتدويناً ونماً "بأنيننا"/ في واحدة/ من لغتهم ذات الصور")؟ والبلد ضياعه وقمره وقصبه وبرده ومعيته، "يشع في الجوار" العريض: بين ماردين وحوران، وبين الجزيرة والمتوسط، و"يرى" وعيونه الكثيرة (هي) "أراضيه المضيئة". المضيئة في "الليل، الليل". الليل الأليل، الليل الذي "يقلي" (بالسمن الحموي؟ بالنار السماقية؟) أرض الضوء والقصب والضياع والموت والبرد. و"الطفل – العين" هو هذه جميعاً من غير كيف. و"الطفل – العين" هو هذا في هذه الحكاية، هذا البلد، البرد، الجوار، الارض، الليل. وهو في بلد غيره، وبرد وليل وجوار وأرض، "طفل- عين" (مفقؤة)، "طفل – أنف" (مجدوع)، "طفل – ذَكَر" (مكلوم)، "طفل – قصبة هوائية" (مقصبة)، "طفل- اصابع" (مجرومة)، طفل – قلب، طفل – بطن...
الجمعة، 3 فبراير 2012
اتحاد الأمة وشرعها بالدولة يشقّ الأمة والدولة ويسلّط عليهما قانون «الحربين
المستقبل، 29/1/2012
تتردد في مقالات الاسلاميين السياسيين المعاصرين، إخوانيين وسلفيين و»جهاديين» وخمينيين وأصوليين ومعتدلين ...، أصداء مناقشات فقهية قديمة أو أقل قِدَماً. وإلى اليوم لم يتولَّ اسلاميون الحكم. ولكن مثال الحزب الدولة الاسلامي يرتسم في ثنايا مقالاتهم، من حيث أرادوا أو جهلوا (عطفاً على «نوافذ» المستقبل، في 7/1/2012). والحق أن المثال هذا يبدو طوراً من مثال سابق هو مثال الأمة الدولة، على صورة تناولها قاضي القضاة الحنفي ببغداد في بعض عهد هارون الرشيد، أبو يوسف (ت 176هـ)، في «كتاب الخراج». ويدور الكتاب على الاقتطاع. ويربط ربطاً جلياً ووثيقاً بين الاقتطاع (والخَراج من وجوهه ليس إلا)، وبين عدل الامام. وهو يؤرخ للعدل، أي ينسبه، بتعقب آثاره صعوداً الى حلقاته الاولى أو أجداده الأُول، الرسول وخلفاء الصدر الاول وبعض أبرار الصدر الثاني ومهرة إدارييه ومنظميه. ولا شك أن ما يكفل العدل ويسن قواعده هو الاسلام. ولا ينفصل الاسلام عن نظام الجماعة واجتماعها، أي عن وحدتها، وما يحفظ نظام الاجتماع هو الحق، والحق هو ما يحفظ نظام الاجتماع. أي ان المسألة السياسية، إذا جازت العبارة، تحمل على الصلة بين الاقتطاع وبين السلطة وما يترتب على هذه الاخيرة من عدل وابتاع وتوحيد (موضوعه الجماعة او الأمة).
قد يسارع قارئ الخراج الى وصم الكاتب بالاقتصادوية، أي برد المسألة السياسية الى الاقتصاد وأوالياته. وقد يهلل لما يبدو له استباقاً لمنحى مادي في تناول التنظيم الاجتماعي. غير أن تناولاً متأنياً لنسق الكتاب في معالجة موضوعه يبعد الوصم والتهليل معاً ويمهد، ربما، لنظر في «عمل الأثر» (كلود لوفور).
لماذا يدور حفظ اجتماع الامة وعدل الامام على الخراج (وهو التسمية العامة للاقتطاع)؟ أو لماذا يمثل تدبير الخراج شرطاً أول من شرائط الامة وعدل الإمام؟
ينطوي كتاب أبي يوسف على جواب قد يبعث على الاستغراب إن لم يبعث على الانكار. يقول أبو يوسف، وهو يقول ما أضعه على لسانه بتطويل وتعرج لا يحجبان فحوى قوله، يقول: يقوم نظام الامة بأمرين متلازمين هما الحرب (مصدر الغنم) والمراتب (قواعد القَسْم). ويعمد القاضي الحنفي الى رصد تاريخ الامة، منذ تأسيسها الى عصره، من زاوية هذين الامرين وعلاقاتهما المعقدة في آن. فإذا هو تاريخ حرب أو تاريخ استقرار تولد عن الحرب وتبلور مراتب وطبقات تسوس ثمار الحرب وريعها.
لم تعرف الامة، في رواية أبي يوسف، حالاً إلا وبينها وبين الحرب سبب. فصيرورة الامة أمةً تتلازم مع مصائرها في القتال. ويرتسم هذا التقرير في حديث المغيرة بن شعبة الى رستم، كبير الفرس، عشية القادسية، في شأن مجيء العرب المسلمين الى العراق، يقول المغيرة:» كنا قوماً في شقاء وضلالة، فبعث الله فينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه فكان فيما رزقنا حبة زعموا انها تنبت في هذه الارض فلما أكلنا منها وأطعمنا أهلينا قالوا لا صبر لنا حتى تنزلونا هذه البلاد فنأكل هذه الحبة». فالهداية التي يدل بها الفاتح على خصمه تنطوي على خبر «طيب» ينجم عنه خروج الذين يتلقونه من دارهم أو بلادهم الى دار غيرهم حيث تستنبت الحبة التي لا صبر لآكليها عنها. وما يستوقف في جواب أحد فرسان القادسية وأبطالها أن الحبة المشتهاة والتي يتكلم عليها إنما هي حبة «تنبت»، أي أنها ثمرة برية لا يتعهدها أحد ولا يستنبتها «علوج» و»رجال» و»فلاحون» كما كان عمر بن الخطاب مثلاً يعرف حق العلم. لذا، فالمغيرة لا يرتاب في ما ينبغي أن تعود به عليه الهداية التي يدل بها: الخروج بالاهل الى حيث الحبة وأكلها. إلا أن الخروج والاكل هذين يستحيلان طبعاً من غير حرب واستيلاء وملك. فمعشر العرب بعث الله منهم نبياً أخبرهم بأشياء ووعدهم فيما وعدهم أن سيملكون «ما ها هنا (ويغلبون) عليه»، بحسب خطاب المغيرة الى ملك نهاوند الفارسي.
فتوح «الحبة»
إلا أن الخروج من الجزيرة طلباً للحبة وسعياً وراءها ونشراً للهداية لا ينفصل عن الحروب الداخلية التي كانت الجزيرة مسرحها وكنفها. ولم يكن هذا الكنف انطواء مكانياً وزمانياً عارضاً، أي لا يحتم نتائج في المسار اللاحق، بل كان وقت التأسيس الذي أرسى قواعد الوجهة التي تحدرت منها ونجمت عنه. فالجماعة التي يجعل الحديث من مفارقتها بمثابة نزع ربقة الاسلام، هذه الجماعة لم تجتمع ولم تأتلف إلا في سياق الحرب وبالحرب. فالمرجع القرآني الثابت الذي يرد اليه الخراج هو الآية الواحدة والاربعون من سورة الانفال، والتي يربط التفسير بينها ويبن قسمة الرسول غنائم بدر. ويتألف الاجتماع الاسلامي، في ضوء الآية المذكورة، من فئتين كبيرتين: الله والرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ومن الجند الذين أصابوا المغنم. وتجمع الفئة الكبيرة الاولى فئات متباينة ساوى بينها الرسول فكان لله وللرسول سهم، ولذي القربى سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم. وإذا كان ما يجمع بين أصحاب الاسهم الثلاثة الاخيرة جلياً، وهو العجز والعالة، فإن وضع الله والرسول وذوي القربى الذين يتبعون الرسول معهم أمر يدعو للمسألة.
فالله والرسول شرط المقاتلة، أي شرط قتالهم وشرط اجتماعهم. والراية التي يقاتل تحتها رايتهما. وكل قتال ليس تحتها اقتتال وتظالم، لأنه قتال في صفوف الجماعة التي طردت العنف من داخلها منذ ان صدعت بالحق واجتمعت كلمتها عليه. إلا أن العنف الذي طرد الى خارج الجماعة لم يلغَ طبعاً بل نقل نقلاً وأنيط به اختطاط حدود الجماعة: حيث العنف مشروع يبدأ الخارج ومعه الآخر الذي يقيم فيه ويقطنه. ولكن هل يسوّي اجتماع الجماعة، وإصلاؤها الخارج الحرب، الداخل؟ وهل يمحو الفوارق والمراتب؟ تنبه قواعد الاقتطاع والتوزيع الى قوة الفرق بين القادرين على الحرب وبين العاجزين عنها. وإذ يطلق الاسلام إرادة الحرب على غير المسلمين، ويجعل من دعوتهم إليه (هدايتهم) فرضاً وركناً، فإنه يميز تمييزاً لا لبس فيه الحرب التي تنجم عن التفاوت في القوة من تلك التي تنجم عن الحظ في الهداية. فالاولى (الحرب التي تنجم عن التفاوت في القوة) لا يرمي الاسلام الحرم عليها فحسب، وذلك في آيات معروفة، بل يقلبها ويستل منها نقيضها جاعلاً من رعاية اليتيم والمسكين وابن السبيل (من مال الصدقة ومن فيء الخراج اللذين ينبغي فصلهما) فرضاً على الجماعة وعلى إمامها، بل أن التوزيع الذي يعود على اليتامى والمساكين وابن السبيل بالحصة التي يعود عليهم بها إنما هو تطهير للحرب الاخرى وانتزاع لها من براثن القتل والعنف «الطبيعيين« (الجاهليين في الرواية الاسلامية).
ويفرق التوزيع، أو القسم الاسلامي بين ضروب العنف. فالعنف الذي يحمل الجماعة على حرب غير المسلمين من أهل الكتاب ومن كفرة يجد نظيره المعكوس في تخميس الغنائم، أي في رعاية مستضعفي الجماعة وفي الجمع بين هؤلاء وبين النصر على العدو وسببه الله والرسول. أي ان الجماعة تعمد في الآن الذي تمثل فيه ثمرة العنف عارية، عند جمع الأسلاب والغنائم، إلى نزع الصفة الطبيعية العارية عن العنف. فيحصل التوزيع على المقاتلة، ليس تبعاً لما غنموا فرداً فرداً، بل تبعاً لقاعدة عامة تساوي فيما بينهم ولا تبقي من الفروق إلا على فرق عام يقبل بدوره التجريد وهو ارتباط الخيل.
وتتضمن قاعدة التوزيع على الاسهم مكافأة عامة بين المقاتلة، بما هم صورة الجماعة، وبين الحرب، بما هي امتحان للجماعة ووحدتها. لذا، فإن ما يعود للمقاتل مهما بلغ بلاؤه، ينبغي ألا يتعدى السهم الواحد، أو الحصة الواحدة. الامر الذي يعينه جزءاً من كل الجماعة أو عنصراً ملحقاً بهيئتها التي أتاحت لها الحرب الاستواء والتألف. والامر الذي ينفي من الجماعة نفسها التباين والتفاوت والمراتب البارزة يحيل سهم الخيل المضاف الى جزاء على الرغبة في ارتباطها «في سبيل الله». ولكن ما أن تستوي الجماعة، من طريق المقاتلة، كلاً متجانساً ونافياً طبيعة العنف وجسمانيته وفرديته، حتى تستحضر غائباً اساسياً وتضع جانباً الخمس الذي يعود إليه حكماً وشرعاً. ويتيح استحضار الغائب هذا توكيد نفي طبيعية العنف. فالخمس المذكور لا يعود فحسب لمن لم يقاتلوا، لغير المقاتلة، بل يعود لمن يملي منطق الحرب الخالص، لو أن للحرب منطقاً خالصاً لا يلجمه حدّ، الظهور عليهم وسبيهم وفرض الخراج عليهم. فاليتامى والمساكين وابن السبيل هم الشطر المستضعف من الجماعة، الشطر الذي كان ضعفه وضعه خارج الجماعة لو كانت الجماعة مجتمع حرب أو مسرحاً لعنف الداخل. وهم الشطر الذي لا يشترك في الحرب اشتراكاً مباشراً في حين تبدو الحرب فيه عامل توحيد للجماعة وتحقيق عيني لتكاتفها واجتماعها وتآلفها. ولذا، تبدو وظيفة الخمس مزدوجة: فهو من جهة قرينة على استبعاد العنف من علاقات الجماعة الداخلية وعلى ادراج المستضعفين في الجماعة، وهو من جهة أخرى يشرك الضعفاء في الحرب بحل الحرب في ثمريها، ويؤلف بين الجماعة على رغم التفاوت الجلي بين المقاتلة وبين غير المقاتلة.
الحرب العادلة
والحرب التي ينصر الله بها دينه وتجتمع بها الامة هي الحرب التي تقوم بها أمة مجتمعة. فالحرب تجمع الامة إلا أن أمة غير مجتمعة هل بوسعها أن تقوم بحرب لا تقع في مهاوي العنف والفرقة والظلم؟ فكما أن الحرب التي ينصر الله بها دينه تساوي بين الذين يشتركون فيها وتجعل من الواحد منهم سهماً فتمثل الجماعة على صورة الحد والحق، كذلك فإن «امر الامة» (السياسة أو الامامة أو الخلافة) لا يستقيم إلا بتواري متقلد الامر وامحائه في ضوء الحدّ أو الدين. وكتب أبو يوسف يقول إن عمر كان إذا استعمل رجلاً اشترط عليه أربعاً: أن لا يركب برذوْناً، ولا يلبس ثوباً رقيقاً، ولا يأكل نقياً، ولا يغلق باباً دون حوائج الناس ولا يتخذ حاجباً. ومن الجلي أن لاءات عمر ترمي الى الحؤول بين عامله وبين «فِراق» الجماعة أو الامة، ليس بمعنى الفرقة السياسية بل بمعنى الانسلاخ عن الجماعة.
فمآل الانسلاخ، فيما يرى عمر، في مرأة الشرائط التي كان يشترطها، تبلور الامر (تقلده) في طرف مستقل ووضعي. فالبرذون يرفع راكبه فوق الناس، والثوب الرقيق يميز لابسه ويدل عليه، والنقي ترف لا يقدر عليه الجميع، أما إغلاق الباب واتخاذ الحاجب فيجسمان من غير لبس ليس الانفصال فحسب، بل عدم اجتماع الجماعة أيضاً. إن ارتكاب الامور التي يمنع التقليد العمري منها لا ترفع بشراً فوق بشر فحسب، أو توسع الشقة بين الجماعة وبين نفسها، بل يلحق الحد بصاحب الامر أو متقلده. فالحد ينفك من القيام بنفسه، غير مدين بقوامه لسواه. وإذ انفك الحد من ذلك، فإنه يحمل حملاً على أن يدين بفعله وأثره الى ما عداه، إلى صاحب الامر أو الى الامر، والى القوة التي تتخايل وراءهما.
وتتدرج أحكام الحرب من الحرب الضيقة التي يعود الدور الاول فيها الى قرشيين، الى مقابلة عامة بين «العرب» و»الارض العربية» من جهة وبين «غير» الحكم فيه خلاف الحكم في العرب وأرضهم ولا يعرِّفه سوى اختلافه. ولا يسعى الاسلام في طي الاختلاف أو في استدراكه. بل إن الاسلام يشرِّع للاختلاف ويرسيه على الحرب، اي على توزيع غنائمها، وذلك باستبعاده القاطع لتخيير العرب بين الاسلام وبين البقاء على دين غير الاسلام. «إلا ما كان من أرض الحجاز والمدينة ومكة واليمن» (ص 6) بوسع أهل الارض أن يختاروا بين أن يسْلموا على أنفسهم وعلى أرضهم. فإن فعلوا «فإن دماءهم حرام وما أسلموا عليه من أموالهم فلهم وكذلك أرضوهم لهم وهي أرض عشر» وبين أن تفتح بلادهم عنوة. فإن لم ير الامام قسمتها ورأى إقرارها في أيدي أهلها فهي أرض خراج وإن قَسَمتها بين الذي افتتحوها فهي أرض عُشر وحرية الاختيار بين الاسلام وبين الخراج (والجزية التي تتبع الخراج) حرية تحدها أرض ويحدها عرق.
فعرب الارض العربية، أي عرب شبه الجزيرة ليس بوسعم أن يتوزعوا على فئتين أو إلى طبقتين: فئة أهل العشر من الفاتحين من جهة، وفئة أهل الخراج والجزية من جهة ثانية. وبعبارة أخرى، يمنع الاسلام على العرب وعلى المسلمين أن يغلبوا عرباً وأن يجعلوا من غلبهم هذا حالاً يقيم عليها الغالبون والمغلوبون. أي ان القول: العرب من عبدة الاوثان حكمهم الاسلام أو القتل، يعني أن لا مغلوبين بين العرب، لا الآن، مع قيام الاسلام، ولا لاحقاً. وينحو التدبير في صيغته العامة، نحو حل مشكلة التمييز بين عرب مغلوبين وبين عرب غالبين باللجوء إلى إفراغ الارض العربية من الاول، إما بطردهم أو بقتلهم أو باسترقاقهم كما حدث فعلاً وعملاً باليهود.
وتكمن وحدة الاجراءات هذه، مجتمعة أو متعاقبة، في الحؤول بين عرب وبين تكوين اجتماع مغلوب أو مجتمع مستتبع. فالرقيق مباح، والسّبي مباح، والقتل مباح، والعُشر الذي يخرج الارض من بين يدي الغالبين بما هم أفراد مباح. ومآل هذه التدابير جميعاً حل الجماعة المغلوبة ومنعها من أن تحفظ فيما بينها علاقات اجتماع تشدّ بين أقسامها وتضعها بمنأى من تدخل الغالب المباشر. ولا شك، من جهة ثانية، في أن مآل التدابير المذكورة دمج العرب «المغلوبين» في قوام العرب الغالبين بل وحملهم على اقتسام الغنم الذي يتحصّل عن الغلبة «ليبلغنّ الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه». غير أن ما يفترضه مثل الدمج والاقتسام هذين هو التخلي عن قوام استقلال الجماعة والتنكب لما يقيها التفكك والانصهار في الجماعة الاوسع. ذلك أن ما ينزع إليه الدمج والاقتسام، في المقابل، هو تحقيق تطابق كامل بين الارض والاهل والحدّ، أي بين أرض العرب والعرب والاسلام. فالتطابق المذكور وحده يجعل من أرض الاسلام الأولى ومن أهلها حصناً حصيناً لا يُدرك ولا يُطال.
مراتب التوزيع
والفروق التي يجعل منها توزيع عمر بين الخطاب مراتب لا تصدر عن الحرب المعلنة وحدها، أي عن بدر في المصاف الاول: «لمن شهد بدراً... ولمن لم يشهد بدراً... لمن كان له اسلام كإسلام أهل بدر...». فأزواج النبي اللواتي فرض عمر لهن عشرة آلاف عشرة آلاف، وخص عائشة من بينهن بإثني عشر ألفاً، فقدَّمهن على أهل السوابق والقدم من المهاجرين والانصار ممن شهد بدراً، أزواج النبي لم يشهدن بدراً، طبعاً. كذلك، فإن عمر لم يجعل أهل بدر طبقات في البلاء بل جعلهم طبقات في القرب الى النبي «الأقرب فالأقرب الى بني هاشمَ...». أي ان الفروق في التوزيع من معين القرابة معيارها. فالقرابة مرجع. وإذ يدعو عمر باللوح ليكتب أسماء أصحاب أعطيات يسأل: «بمن أبدأ؟» فيقول له عبد الرحمن بن عوف:»إبدأ بنفسك». فيستنكر عمرالامر، ويقول:» لا والله ولكن أبدأ ببني هاشم رهط النبي». ثم يتدرج الى الاقرب فالأقرب.
والقرابة العربية ليست مرجعاً للتعريف فحسب، أو بعبارة أدق لا يقتصر التعريف بوساطة القرابة على توزيع علاقمات نَسبية (من نسب) مجردة. فالله لم يبعث من معشر العرب نبياً من عامتهم بل بعثه «في شرف من أوسطهم حَسَباً»، بحسب المغيرة بن شعبة في خطابه الى ملك نهاوند الفارسي. والحسب منعة وقوة، أي أنه عامل من عوامل الحد من تصاعد العنف الذي يعصف بجماعة من الجماعات، ويهدد بأن يتطاول الى مراتبها العليا. فالمراتب، في تصاعدها وتساميها، لا تضع بشراً فوق بشر ولا تسخر بشراً لبشر فحسب، بل ترفع دية العنف وذلك بإيلائها ثمناً كبيراً ومرتفعاً للقتلى المحتملين الذين يتربعون في رأس الهرم الاجتماعي. ولما كانت دية القتيل المنيع قتيلاً من مرتبته، وليس عدداً من النوق ولو كانت عُمانية، نجم عن ذلك حرص عام على الحؤول بين الحرب (الداخلية) وبين أن تتخطى حداً معيناً.
فالحرب مصدر هذه المراتب وأمها. إلا أن ما يحد من مصدريتها ومن أمومتها، أي من اطلاقهما، فينتصب في مقابلها معياراً آخر أو مصدر آخر للتغيير هو القرابة ودرجاتها. ولا شك في أن المصدريْن يردان في نهاية المطاف الى بؤرة واحدة هي محمد، نبي الدعوة، إلا أن نبّي الدعوة في المنظور العمري غدا مُركباً يتألف من عناصر غير متجانسة وإن لم تكن متنافرة. فالحسب الوسط، رهط بني هاشم، لا يدين لنبي الدعوة بمكانته ومرتبه، بل إن المسلمين لم يروا غضاضة، من عمر الى ابن خلدون مروراً بالمغيرة، في الاقرار بما تدين به النبوة من مناعة لحسب النبي في قومه وشرفه بينهم. والحَسب ذو قوام خاص لا يتضمنه الاسلام ولا يصدر عن الاسلام على رغم أنه لعب دوراً في منع الاسلام وحفظه. وهذا الحسب، المستقل، يرد إليه توزيع عمر الجديد ويدرجه معياراً من معياريْه. الامر الذي يتيح لعمر، بين أمور أخرى يتيحها، تقريب بني أمية بن عبد شمس وإيلاء عائشة مكانة فريدة، إلى جنب مكانة العباس بن عبد المطلب. فينتقل من إسلام الحرب، الذي تتنكب مساواته الحادة للمراتب السابقة، إلى اسلام مستقر يستعيد بعضاً من المراتب السابقة هذه ويدمجها في صلبه. وقد تلازم هذا الانتقال مع مصالحة قرشية من جهة، ومع مطابقة صارمة بين العروبة (شبكة القرابة الاوسع) وبين الاسلام في الجزيرة.
وفي الاحوال هذه كلها تقوم الامامة مقام الخازن. إنها خازن التاريخ والزمن والأمة والمعاش. فهي المؤرخ والمستبق والناشر والجامع. غير انها عاجزة عن القيام بمهامها هذه، وهي كلها مهام تراكم، إن لم تمسك بناصية الحرب وزمامها. بل إن سطوتها تنبثق من إمساكها بناصية الحرب، الماضية والمقبلة. لذا، فهي تؤرخ بالحرب كما تؤرخ للحرب، وتستبق الحرب إذ ترمي بنظرها الى الآتي، وتبسط الاسلام بالفتوح، وتعد بخزن الخراج وجمعه لحروب الحدود الخارجية (المدن العظيمة) وحروب الثنايا (الثغور)، وتمنع الحرب الداخلية والاقتتال بحبس الارض وفلاحيها وخراجها، وبإخراجها من الغنائم، وتقيم الفروق والطبقات بين الامة الواحدة بنسبتها الى حروب الاسلام وإلى كتل القوة السابقة عليه. فما اجتمع اجتمع بالحرب، وما اختلف وتباين اختلف وتباين بها. ولا تستقيم إقامة الحدود ورد الحقوق على أهلها إلا إذا مثلت الحرب، وما تجمعه وما تفرقه، في الافق، وكتاب الفقيه الحنفي نفسه علام يدور؟ على ثمرة الحرب طبعاً.
الجماعة و«سرها»
ولا تقتصر الحرب على الحرب. وما يسعى أبو يوسف إلى فقهه والالمام به، ومتقفياً خطى الاوائل الكبار، هو الاحاطة بنظام الجماعة من جهة الحرب وبما هي سر هذا النظام ومرجعه. فالحرب هي ما يعقل به نظام الجماعة أو تعقل به الجماعة على هيئة نظام، تاريخاً وزمناً ووحدة وامتداداً وفروقاً. والخراج يتخلف عن الحرب الفعلية وقد وضعت أوزارها. غير أن الخراج ينصب الحرب في قلب نظام الجماعة وبؤرته. فالحرب التي تقوم بها الامامة باسم الاسلام لا تنحل في توزيع الغنائم ولا تنتهي عنده. فالامامة خازن الحرب وراعي ريعها. ولا تخلف الحرب أموالاً، أو ما هو بمنزلة الاموال فحسب. بل تخلف بشراً يملكون أرضاً كما يملكون سواعد وحاجات ومراتب ومعتقدات وثقافة، أي أنها تخلف شعوباً يعيش بعضها في جوار العرب المسلمين الفاتحين، ويعيش بعضها الآخر بينهم. وفي كلتا الحالين تعيش هذه الشعوب تحت الفاتحين الجدد، في ذمتهم وعهدهم. والشعوب المغلوبة، أكانت علوج السواد أم أهل الذمة وأهل الكتاب، «مادة المسلمين»، بحسب قول علي بن ابي طالب. وهم أصحاب «الحبة» (المغيرة بن شعبة). وهم «الجماجم» التي احصاها عيّاض بن غنم و»جعلهم جميعاً طبقة واحدة» ثم أحصاها الضاحك بن عبد الرحمن الاشعري في عهد عبد الملك بن مروان وجعل الناس «كلهم عمالاً بأيديهم» (أي طبقة واحدة متجانسة). وهم «الرؤوس» و»الرقاب» التي يجب ختمها في وقت جباية الجزية. كما فعل بهم عثمان بن ضيف. وهم «أهل السواد» الذين أرسل علي مائة فارس في شكوى لهم فرجع قائد المائد يقول: «لله عليّ أن لا أرجع الى السواد أبداً»، فيعقب أبو يوسف شارحاً: «لما رأى فيه من الشر«.
المادة والجمجمة والرأس والرقبة، عدا الفلاح والعامل والعلج، كلها تسميات تبيح المساواة في طبقة واحدة، حين كانت الادارة العمرية تقيم المراتب بين المسلمين العرب، وبخاصة بين الاوائل منهم. وذلك أن السلطة تنزع الى تنظيم مادة متجانسة قدر الامكان وتجعل من التجانس والتمهيد شرطاً من شروط فعلها الناجع.
وكان الجوار الذمي والمشرك، في الرساتيق والمدائن والامصار على حد سواء، من عناصر نظام الجماعة البارزة، بالمعنى الحرفي للصفة. وكان الجوار هذا ذا أوجه. ففي حال بني تغلب، في العقود الاولى للاسلام، طغى الوجه العسكري. فصالحهم عمر بن الخطاب على «أن لا يغمسوا أحداً من أولادهم في النصرانية ويضاعف عليهم الصدقة ويسقط الجزية عن رؤوسهم. وصاغ أبو يوسف القاعدة والاستثناء وحدود الاستثناء فقال: «والجزية واجبة على جميع أهل الذمة ممن في السواد وغيرهم من أهل الحيرة وسائر البلدان من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والسامرة ما خلا نصارى بني تغلب وأهل نجران خاصة». وأما في المدن فطغى على الجوار الذمي الوجه السكني والتجاري. ويفتي أبو يوسف بجواره صراحة:» ... ويُتركون يسكنون في أمصار المسملين وأسواقهم ويبيعون ويشترون...». ويرسم القاضي باقتضاب لوحة مهنية للذميين ويصنفهم طبقات بحسب ثرائهم ودخلهم.
وطرح الجوار الذمي مشكلة صعبة. فالذميون، مغلوبون، أغلبوا في حرب دارت دوائرها عليهم أم غلبوا حين أحجموا عن خوض غمار الحرب حباً بالحياة وخوفاً من الموت، بحسب قول خالد بن الوليد. ولم يشك المسلمون، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب مرة أخرى، في أن الفتوح والانتصارات أمارة قاطعة على علو كلمة الاسلام، دين الله الحق. فالحرب حجة تفوق الحجة الميتافيزيقية قطعاً وجلاء. ولم تقتحم الحجة الميتافيزيقية، أو الخوض في علم الكلام كما قيل عندما آن أوان الحجة هذه، لم تقتحم مضمار المقال إلا عندما انكفأت الحرب أو جلت عن الموضع الذي احتلته طويلاً.
وكان الخراج ترجمة سياسية و»اقتصادية» للغلبة التي تمخضت عنها الحرب. فهو الدليل الماثل على أن الذمي، الميقم على «اعتقاد الذمة» من الفاتح المسلم (خالد بن الوليد)، «مادة» المسلم. وهو الدليل على ان الحق غالب، كما الله نفسه، بالاسلام والمسلمين والامام. ولكن الخراج، والذمّي معه، دليل ملتبس لأنه مزدوج ومتناقض. فهو من جهة علامة على العلو والرفعة والشوكة و»الوطء» (المغيرة بن شعبة). وهو من جهة ثانية، أمارة مقيمة وحية على المقاومة التي تجبه الاسلام وسلطانه على العقول والاجتماع. وذلك أن الخراج لم يوضع، والجزية معه، إلا في أعقاب تخيير صريح: إما الجزية وإما الاسلام. وحكم أهل الذمة، وأهل الحرب عموماً من غير عبدة الاوثان العرب قبل أن يدخلوا في ذمة المسلمين ويعاهدوهم، حكمهم إذا أسلموا على انفسهم وأرضهم «فإن دماءهم حرام وما أسلموا عليه من أموالهم فلهم وكذلك ارضهوهم لهم وهي أرض عشر ... لا يخرجون عنها فيما بعد ويتوارثونها ويتبايعونها وكذلك كل بلاد أسلم أهلها فهي لهم وما فيها...» وهو حكم سمح من دون ريب، بل هو حكم يستدرج أهل الذمة الى الاسلام ويحدوهم على اعتناقه متوسلاً إلى ذلك برفع عنت رمزي ومالي كبير.
وعلى رغم ذلك، فإن أهل الذمة مقيمون على إيمانهم وثقافتهم، أي على فراقهم جماعة تعرف اجتماعها، في وجه من وجوهه، بغلبتها على أهل الذمة. ولذا عمدت الجماعة، أي أئمتها وعمال إمامتها، الى تنظيم الجوار الذمي على نحو متعارض. ففرض الائمة وعمال الأئمة على الذميين ضرباً من الخفاء والستر. وهو ما يشهد عليه قسم قائد المائة الذي سبق ذكره، وحلف ألا يعود الى السّواد لما رأى فيه من الشر. وما يشهد عليه أيضاً اشتراط عمر على بني تغلب أن لا ينصِّروا أولادهم، وصلح أبي عبيدة بن الجراح أهل الذمة بالشام على «أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة... ولا يرفعوا في نادي أهل الاسلام صليباً ولا يخرجوا خنزيراً من منازلهم إلى أفنية المسلمين... ولا يضربوا نواقيسهم قبل أذان المسلمين ولا في أوقات آذانهم ولا يخرجوا الرايات في أيام عيدهم...». وقد أفتى ابن عباس في إحداث العجم بيعة أو كنيسة في أمصار المسلمين بمثل ما ورد في عهد أبي عبيدة. وكتب عمر بن عبد العزيز الى عامل له في هذا الشأن فقال بحزمٍ: «أما بعد، فلا تدعن صليباً ظاهراً إلا كسر ومحق...».
وتنم هذه الامثلة، والتي تراوح بين رد فعل ذاتي وبين تنظيم مؤسسي، بإرادة وأد ثقافي. فعمر الذي منع قسمة السواد على المقاتلة الذين شهدوا وحضروا، وذلك باسم ذريتهم هو من اشترط على بني تغلب مقايضة رفع الجزية بمضاعفة الصدقة وبالكف عن تنصير أولادهم. والشرط الثاني، وهو غاب من عهد أبي عبيدة وكتاب ابن عبد العزيز الى عامله كما غاب من فتوى ابن عباس وفتوى أبي يوسف نفسه، هذا الشرط مفاده العملي استئصال المعتقد التغلبي وقصره على أحياء بني تغلب الحاضرين والشاهدين دون ذراريهم. وما الممنوعات المفصَّلة في النصوص إلا تنظيم للصمت والخفاء اللذين ينبغي أن يلفّا علامات اجتماع أهل الذمة، من أماكن عبادة وشعائر وشارات. أي أن الذمي المقبول هو الذمي الذي تحرر من كل ما يشهر، أمام أنظار المسلمين، علاماته الفارقة.
والممنوعات كأنها تقول إنه لا بأس من استمرار المعتقد، ومن الاقامة على الايمان شريطة أن يغيبهما البيت والصدر، كما يطوي السّواد العلوج وشرهم المستفحل وكدهم وعرقهم. فالحرب، في عرف الامامة، لم تعد سلاحاً على سلاح أو شوكة على شوكة، بل نزعت من «الجماعة» العدوة مدار اجتماعها وآصرته، وأحالتها الى جماجم وأعناق وسواعد وعدد، وإلى مصدر ريع. وكما أن الخراج استمرار للحرب بوسائل أخرى، تعرف الحرب المغلوب بالانتاج والاقتطاع وتحيله الى مادة. كذلك فأن محق ما يتحلق اهل الذمة حوله استمرار للحرب عينها بوسائل ترمي الى تصديع قوام اجتماعهم الرمزي والتاريخي.
إلا أن الامامة بقدر ما سعت الى حجب شارات المفارقة الاجتماعية (نسبة الى الاجتماع) الذمية، سعت أيضاً الى اظهار شارات هزيمة هذا الاجتماع والتحاقه ودونيته. فالتغلبي المعاهد نفسه تلحقه مضاعفة الصدقة كما تلحقه مضاعفة العشر إن هو اشترى أرضاً من أرض العشر. ورقاب أهل الذمة في وقت جباية الجزية تختم «ثم تكسر الخواتيم... إن سألوا كسرها» من العلامات الفارقة التي يلزم بها أهل الذمة (أن) لا يترك أحد منهم يتشبّه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه ولا في هيئته ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ يعقده في وسطه كل واحد منهم وبأن تكون قلانسهم مضربة، وأن يتخذوا على سروجهم في موضع القرابيس مثل الرمانة من خشب، وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية، ولا يحذوا على حذو المسلمين، وتمنع نساؤهم من ركوب الرحائل ... ولتكن قلانسهم طوالاً مضربة». ويصدق الامر بنسبته الى عمر بن الخطاب: «هكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر عماله أن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي وقال: حتى يعرف زيهم من زي المسلمين«.
فعلى الفوارق أن تخرج أهل الذمة إخراجاً ظاهراً ومرئياً من الجماعة ومن هيئتها. وينجم عن تلوين التفاصيل بروز الاجتماع الذمي الملحق بروزاً نافراً. وكأن ما رمى إليه المشرعون هو الحؤول بين الناظر وبين السهو عن انطواء المجتمع الاسلامي على غير مسلمين. ويرسم المركب واللباس والحذاء والشعر والسلاح صورة محسوسة لمجتمع ثنائي مؤلف من طبقتين او من كتلتين لا يؤول تداخلهما أو اختلاطهما الى الامتزاج بينهما أو الانصهار. ومفاد الصورة المذكورة إبراز الفارق بين الاسياد والمسودين إذا ما اختلطت الكُتلتان. وهو فرْق تخلف، طبعاً، عن الحرب. فالذمي منزوع السلاح والشوكة (وينبغي حمل العبارة على وجهها الحرفي كما ينص شرط أبي عبيدة في صلحه العتيد). وينبغي أن لا ينسى الذمي ذلك، كما ينزع إلى النسيان المزدوج ضعف السلطة، وارثة الحرب، وعجزها
الأربعاء، 11 يناير 2012
الحزب ـ الدولة الإسلامي يهدم ركن المساواة الديموقراطي
المستقبل - الاحد 8-1- 2012
يثير انخراط منظمات وأحزاب كثيرة في الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية العربية، تعبئة ثم اقتراعاً وانتخاباً، آمالاً حارة في اعتناق المنظمات والأحزاب "العقيدةَ" الديموقراطية، والإخلاص لها. ويسرع مراقبون وسياسيون الى تشخيص "حقبة ما بعد إسلاموية" أو "وسطية" معتدلة تطوي الحقبة الأصولية أو الجهادية والبنلادنية وربما الخمينية التي غلبت على بعض تيارات الإسلام السياسي منذ ثمانينات القرن العشرين. وهذا التشخيص، ومراقبون وسياسيون آخرون يرونه وهماً وتمنياً، يستقوي ببروز سمات جديدة متفرقة لا عهد للتيارات الأصولية الجهادية بها، وكانت تنكرها هذه التيارات إنكاراً حاداً. ومن السمات البارزة الجديدة تثبيت التخلي عن العنف في العمل السياسي العلني، والاحتكام الى الانتخابات، والاندراج في إطار الحياة السياسية المشتركة والوطنية من غير امتياز الانتساب الى الدين والوصاية عليه، ومن غير ما يستتبع الانتساب والوصاية من إخراج أهل التيارات والجماعات المخالفة من "الدين"، ومن تبديع وتجهيل وتصنيف وترتيب على مراتب. وبعض الحركات الإسلامية يجهر قبوله دولة مدنية تساوي بين الكثرة المسلمة والأقليات غير المسلمة، ولا يرى اشتراطه النص على مرجعية التشريع الإسلامي قيداً أو تمييزاً أو تخصيصاً. وطمأنت منظمات إسلامية، صارت في الأثناء برلمانية وتشترك في الحكم (تونس) أو هي موشكة على الاشتراك (المغرب ومصر)، سواد مواطنيها وأجهزة الحكم والإدارة في بلدانها إلى أنها لا تنوي الرجوع في إباحة السياحة ولباسها ومشروبها وطعامها، ولا في الأعمال المالية المصرفية والتجارية وأعرافها وقوانينها السائرة، ولا تسعى في الهيمنة وحدها على التشريع ومراكز القرار.
وتشمل سياسة الطمأنة المتعمدة والحثيثة أموراً إعلانية أخرى تتفاوت مكانتها ودلالتها، منها العودة عن تبديع "الديموقراطية" (اللفظة والمعنى المفترض) والمدنية، وترجمتها الى العدل والإحسان والكرامة والنهضة والتنمية والعمل والتجمع... ومنها التزام المعاهدات الدولية المعقودة على رغم معارضة المنظمات والتيارات، المعارضة يومها، عقدتها حين عقدتها الأنظمة التي ذهبت بها الحركات المنتصرة، وأبرزها كامب ديفيد، أو (التزام) علاقات الصداقة الاقتصادية والمالية أولاً بالدول الغربية، وهي كانت الى الأمس القريب العدو البعيد و "الاستعمار" الذي حرفت علمانيته الأمة عن طبعها ودينها، وبث في عقول أبنائها السموم، على ما ذهب إليه قبل عقود محمد البهي (المصري) مرهصاً بالتكفير والجهاد القطبيين وفروعهما الإخوانية المضمرة غالباً، والصريحة أحياناً.
وشيئاً فشيئاً، دعت حوادث 2011 المتدافعة واللجبة وانعطافاتها المفاجئة، الحركات والتيارات الإسلامية الى انتخاب عناصر من الديموقراطية يقول الداعية السلفي المصري ياسر برهامي، مستشهداً برنامج حزب النور، أن "آلياتها منضبطة بضوابط الشريعة". وبدا أن احتكام الإسلاميين إخوانيين وسلفيين ووسطيين، مثل حزب الوسط المصري والإخواني القيادة قبل انفصالها الى الاقتراع العام في الاستفتاءات الدستورية وفي الانتخابات النيابية هو لب التسليم الديموقراطي الى اليوم. والحق ان مماشاة الاقتراع والمقترعين شعارات وبرامج المنظمات والتيارات الإسلامية ومصالحها، مثل المرجعية الدستورية والتشريعية أو مثل اختيار غالبية نيابية من صفوفهم، أصاب هذه المنظمات والتيارات، قبل الامتحان الجدي والمرجأ، بما يشبه الحمى "الديموقراطية". ولعل إقرار الإعلان الدستوري (المصري) بثلثي أصوات المقترعين وبلغ هؤلاء فوق الـ40 في المئة من ناخبي اللوائح أي أضعاف متوسط المقترعين في الانتخابات المصرية السابقة كان الإيذان، قبل الانتخابات التونسية وانتصار الليبيين على نظام القذافي وقبل الانتخابات المغربية والانتخابات المصرية نفسها بالأحرى، ببروز العامل الانتخابي مرجحاً حاسماً لكفة الإسلاميين.
وصف الإرادة الشعبية
ويوافق الترجيح نزعة غالبة وملتبسة تحمل الديموقراطية على صورة مؤسساتها وهيئاتها السائرة والمتعارفة، وأولها من غير منازع المؤسسة الانتخابية والاستفتائية. فهي المؤسسة أو الممارسة التي يدعو المجتمع الدولي، الغربي الديموقراطي، الى احترامها ومزاولتها بحسب معايير انتدب إلى مراقبتها اللجان والجمعيات المأذونة. وهذه اجمعت تقريباً على نزاهة الانتخابات التونسية والمغربية والمرحلتين الأوليين من الانتخابات المصرية. وأشادت من غير تحفظ بالإقبال الطوعي والتلقائي العريض على إدلاء المقترعين بأصواتهم. وفي المشادة المصرية على المبادئ الدستورية ("الحاكمة الدستور")، بعد الإعلان الدستوري الذي اقتصر على إقرار المادة الثانية (المرجعية التشريعية) وعلى تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية "الهمايونية" السابقة، وفي الخلاف على اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور، بعد الفراغ من مراحل الانتخابات الثلاث، ومشاطرة اللجنة الإستشارية (قبل الاستقالات) وتصريحات ألوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة صلاحياتها المزمعة، في هذا كله تتمسك فرق الإسلاميين المصريين بحاكمية الاقتراع الشعبي، ومرجعيته الحاسمة، وديموقراطيته في المطاف الأخير.
وحجتها الدامغة هي ان الشعب هو صاحب الكلمة الفصل في الديموقراطية ومؤسستها الانتخابية والاستفتائية. والديموقراطية، تعريفاً وبديهة، على ما يقول الإسلاميون العرب اليوم في أعقاب كثر سبقوهم، هي النظام الذي يدلي فيه الشعب المتحرر من الرقابة البوليسية والإكراه الأمني والمنفعي، برأيه ويعلن إرادته. فوظيفة المؤسسة النيابية المنتخبة هي وصف الإرادة الشعبية، وتصويرها أو التعبير عنها، وتجسيدها تالياً. وفي صدد الإعلان الدستوري المصري، يرى الإسلاميون أن "الشعب" حسم مسألة المبادئ الحاكمة حين أقرت كثرة شعبية راجحة وموصوفة، تفوق الثلثين، المرجعية التشريعية.
وكان أحد وجوه جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية، علي بلحاج، ندد بحمل الاقتراع الشعبي على الكلمة الفصل في الشأن التشريعي والسياسي، في 1991، غداة انتصار الجبهة في الانتخابات البلدية والمحلية (في 1990) ثم في الانتخابات النيابية (في أواخر 1991). وقال: إذا اقترع الشعب على خلاف شريعة الله عد هذا كفراً، ويجب قتل الكفار الذين يريدون إحلال سلطتهم محل سلطة الله تعالى. وآذن هذا "الرأي"، وهو نهج سياسي، بالحرب الأهلية التي قُتل فيها ما بين 150 ألفاً الى 200 ألف جزائري. ويشرح الداعية السلفي المصري ياسر برهامي ما يترتب على ضبط ديموقراطية السلفيين (وحدهم؟) بضوابط الشريعة، فيقول: "إن السلفيين لا يقبلون الحكم لغير الله". وكان هذا ما ذهب إليه سيد قطب، الإخواني في وقت أول، على خطى المودودي ملهمه الباكستاني وملهم عدد من الحركات الجهادية التالية، السنية والشيعية. ويعود بعضها، في مصر نفسها، في حلة قد لا يصح القول في معظم عناصرها أنها جديدة (ما عدا إعلان نوايا بترك العنف في الدعوة العامة).
الناخب الديموقراطي
وفيما يتعدى المواطأة القائمة بين الإرادة الشعبية على صورتها وصفتها الانتخابية، وبين نهج الإسلاميين العرب المعلن غداة سقوط عدد من الطغاة المستميتين، ينهض الرأي الإخواني الغالب، والسلفي المتحفظ، في الديموقراطية ومؤسستها الانتخابية، على التباسات كثيرة. وإذا صدق حمل الاقتراع الشعبي العام على ركن المؤسسة النيابية، وعلى قرينة لا جدال في وصفها إرادة المقترعين وتكليفهم من يكلفون وينتدبون الى تسيير شؤونهم، وجب التدقيق في صيغة وصف الانتخابات الإرادة الشعبية، ومعنى هذا الوصف. فالناخبون المقترعون في انتخابات عامة ونيابية "كيانات" أو وحدات مجردة تختصرها العملية الانتخابية أو الاستفتائية في صوت أو اقتراع، أي في اختيار وترجيح. وعلى هذا فليس الناخب "الديموقراطي"، إذا صح جمع الموصوف والصفة، المرء المقترعَ كله، بمتعلقاته الاجتماعية ومنازعه ومعتقداته الدينية وأحكامه الأخلاقية والذوقية والجمالية وروابطه المهنية ومؤهلاته التربوية والعلمية وأواصره العصبية والنسبية وغيرها. والدليل على هذا هو ان الصوت الانتخابي أو الاستفتائي يقتصر في الصندوقة والاحتساب على العدد أو الرقم. وفي وحدة الصوت أو الورقة تتبدد الفروق المُعْلِمة كلها: الجنس والسن والنسب والعمر والمهنة والدخل والعلم والعقل والقلب والمكانة. وتستوي كلها على كعب واحد، ومستوى واحد.
والانتزاع من المتعلقات الفعلية والاخترال في وحدة إحصائية أو عددية هما في صلب العملية السياسية الديموقراطية، وليسا عرضاً نافلاً. فمن يُدعون الى اختيار من ينوب عنهم في التشريع ومراقبة التنفيذ في إطار قانون أساسي، ينص في الديموقراطيات على استقلال القضاء والفصل بين السلطات ويكفل حقوق المواطنين وحرياتهم ولا يجرم منازعاتهم وانقساماتهم...، يُفترضون مواطنين يجمع بينهم القانون الأساسي على اختلاف أحوالهم وأهوائهم ومصالحهم. وهذا الافتراض يخالف مخالفة صريحة حقيقة تفرق الأحوال والأهواء والمصالح. فهو يستبدل الروابط والأواصر الفعلية والقائمة برابطة صناعية وإرادية متخيلة أو متوهمة، هي رابطة المواطنة (المواطنية) الدستورية. وإثبات يورغين هابيرماز "وطنية دستورية" لا يخلو من المخالفة أو المفارقة: فالمذهب الدستوري، على الصورة التي دعا إليها راولز، يسدل ستارة أو حجاباً أسود (صفيقاً) على هوية الجماعات القائمة "خارج" الدستور. فكأن المواطنين الناخبين، ولا ينتخب غير المواطنين بديهة، خرجوا على علائقهم الأخرى، الدموية والاعتقادية والتقليدية... كلها، وانقطعوا منها وقطعوها، وانفكوا من جماعاتهم "الطبيعية" وأطر حياتهم، واقتصروا على الكيان الذاتي والفرد (أو المفرد) الذي يجمعهم الى أمثالهم، وهم كيانات ذاتية ومفردة كذلك.
ووصف العملية الانتخابية والاقتراعية على هذا النحو يجلو افتعالها وتجريدها ومفارقتها الحادة. وهو يجلو كذلك انقطاع القصد الديموقراطي من أشكال السياسة التاريخية المعروفة والسابقة. وحملت جدة القصد الديموقراطي وغرابتها الديموقراطيين الفرنسيين الأوائل إبان الثورة "الكبرى" على اقتراح حظر الاقتراع على الخدم في بيوت الميسورين ورهبان الجمعيات الكهنوتية. فالخدم والرهبان تابعون وغير مستقلين بآرائهم وإرادتهم، وهم عالة في معاشهم ومعتقدهم على مخدوميهم وأسلاكهم. ودعا هذا السلطة الثورية، في 1793 (قانون لوشابيلييه)، الى حل طوائف الحرف والأصناف والنقابات. وحملت السلطة الجديدة روابط الصناع و "الخلان"، على ما كان يسمى أعضاء النقابات العاملون، على تضامن طبيعي أو فطري يتوارثه اصحاب الحرف على اختلاف مراتبهم وطبقاتهم.
وهذا، أي الروابط الطبيعية أو الفطرية التي تسبق التطبع والاكتساب والاستقلال بالنفس والرأي والقيام بالمعاش وحاجاته (على ما اشترط في وقت أول من تاريخ العملية الانتخابية الاقتراع الضريبي الذي رهن الحق في الاقتراع بتسديد مبلغ من الضريبة على العائد)، هو ما يرمي الاقتراع، والمؤسسة الانتخابية والنيابية من بعد، الى تعليقه في الوقت الانتخابي والمواطني المصطنع الذي تنشأ عنه جماعة المواطنين في اللحظة الانتخابية الخاطفة والمتوارية. وعليه، فالقول ان الانتخابات الحرة، في إشراف القضاء النزيه وإطار الضوابط القانونية، هي مرآة المجتمع وجماعاته وصورة هذه وذاك، على ما يردد الإخوانيون العرب وفروعهم وأصولهم منذ قيام الحركات المدنية والديموقراطية وسريانها في الهشيم الاستبدادي العسكري والعصبي، هذا القول يخالف القصد الديموقراطي ومنطقه ومحركه.
الأفراد والمساواة
فمحرّك الثورة الديموقراطية، وهي ثورة على "النظام القديم" وتفاوت مراتبه الثابتة وتوزيعه الحقوق على أهل المراتب والجماعات والبلدان وتوريثه إياها وقسمتها منذ الولادة، محركها هو هوى المساواة، على قول توكفيل. والمساواة الديموقراطية ليست الأسوة "العادلة" والمنصفة، بل النازع إلى فك العلاقة السببية بين الأحوال الأولى، حين الولادة، وبين مصائر الأفراد التالية وأفعالهم وعوائد هذه الأفعال في دوائر السعي المتفرقة. ويقتضي فك العلاقة هذا استخراج الأفراد من اجسام الجماعات، أو تذرير الجماعات ذرات وأفراداً وآحاداً، ونصب الفرد صاحب حق ("ذاتاً حقوقياً") مساوياً لأصحاب حق وأقران على حدٍ واحد، بقطع النظر عن متعلقاته المتوارثة، ومكانة عاقلته وجماعته، وموارده. واستخراج الأفراد ليس معناه الإماطة عن كيانهم الفردي الكامن في ثنايا الجماعات، والمتحفز للخروج أو التجلي في جهازه الكامل. فاستخراجهم هو إنشاؤهم وإيجابهم إنشاءً وإيجاباً دؤوبين وعسيرين وعنيفين. وما يتصور في البديهة أو الثقافة الديموقراطية المعاصرة والمعولمة، في أعقاب نحو ثلاثة قرون من المسير العنيد، في صورة عملية تلقائية وطوعية تسلِّم بحقوق لا تزعم أشرس الأنظمة إنكارها مبدئياً هو ثمرة انقلابات وثورات تاريخية، حقوقية وإنتاجية وعلمية، تتوالى فصولاً وتتجدد لا إلى ختام أو نهاية. (ولعل من مفارقاتها جمعها بين حمل التاريخ على صنيع ينجز ويبلغ تمامه، وليس على أقدار ومصائر تقسم فيمن يتولونها، وبين بث فكرة المرسل، أو ما لا حد ينتهي إليه، في الزمن الكوني ثم في الزمن الإنساني).
والثورة الديموقراطية تحت لواء المساواة في الأحوال والشرائط نزعت، منذ بداياتها الأوروبية، الى إنكار «حقيقة» الفروق الاجتماعية والسياسية التي تقوم بها مجتمعات المراتب وتنهض عليها جماعاتها. وما بلغته هذه الثورة اليوم في ميادين وحقول مثل حقوق النساء والأولاد والمرضى والمثليين والحيوان والطبيعة والشواهد هذه يجمع بينها ويميزها تأخر حركاتها ومنظماتها وقتاً وزمناً، وملابستها الطبائع و «الطبيعة» على انحاء متفرقة قرينة على مخزون نازع المساواة الديموقراطي، وعلى ضربه صفحاً عن نتوءات الأبنية الراسخة، والفروق المتعارَفة من غير ريب ولا تشكك: فالأنثى غير الذكر طبعاً وشكلاً ومعنى، والولد قاصر والوصاية عليه حق للوالدين، والمثليون شاذون عن الطبع السوي، والطبيعة مادة للبشر... ويصدر نازع المساواة الديموقراطي عن سائقين أو أصلين يلازمانه هما سائقَيْن تمهيد دوائر السعي الإنساني وإحالتها كلها الى مادة اجتماعية لا تعصى الإعمال والفعل ولا يحصنها قصد أو إيجاب سابق ومفارق، وسائق توسع امبريالي يقود نازع المساواة الديموقراطي الى الانقلاب أو الانتقال مثل العدوى من دائرة من دوائر السعي الى دائرة أخرى قريبة او بعيدة.
ولا تستقيم هذه الحال، على وجهيها، إلا من طريق إقرار الفصل بين الدولة وسلطانها المتخلف عن إرادات المواطنين الناخبين وبين المجتمع المسمى مدنياً، كناية عن اشتراكه أو اشتراك افراده في السعي في حاجات معاشهم الدنيوي والزمني من غير معوقات أو ضوابط غير تلك المتأتية من عوائد هذا السعي والحؤول دون انكماشها أو ترديها (على خلاف «قانون» العوائد القصوى المقارنة)، أولاً، وكناية، ثانياً، عن تمييز الحياة العامة، السياسية والعلنية، من الحياة الخاصة ودوائرها المعاشية الحياتية والتناسلية والاعتقادية والأخلاقية والحميمة والذوقية. ورفد مذهب الحق الطبيعي، الفردي، ونصبُه الأفراد المستقلين بمِلكهم ودارهم وحصانتهم واعتقادهم آحاداً، ومرجعاً وميزاناً، الفصل بين الدولة وبين المجتمع. فضمن الحقُ الطبيعي وهو حق ينازع السلطان، صدر عن المُلك المطلق أم عن الجمهورية قيامَ المجتمع بإزاء السلطان، ومنازعته في التزامه العقد الذي لا طاعة حرة إلا بالتقيد به، وإلا حل القيام على السلطان، وجاز عزله. ولم تلغِ الديموقراطية ولا الأنظمة الجمهورية أو الملكية الدستورية والمقيدة هذا الفصل أو التمييز، على رغم استحالة إرسائهما على ركن مكين وجلي. ولكن افتراض المواطن الحر والمتعاقد والند المتساوي، وهو ركن الديموقراطية ومفتاح بنيانها وراعي «ابتكارها»، لا يستقيم من غير ازدواج الإنسان الديموقراطي: مواطناً عاماً وصاحب حاجات ومصالح ساعياً في هذه وتلك.
والحق ان الفصل والتمييز هذين ينقضان ركن «النظام القديم» المرتبي «الإقطاعي» والملكي المطلق. فالسلطان يعود في «النظام القديم» الى طبقة، هي مرتبة مغلقة مبدئياً ونظرياً، تجمع في آن السلطان (الحكم) والقوة (المسلحة) ومِلك عامل الإنتاج الأول (الأرض والعاملين فيها في وقت أول) أو التصرف فيه. وعلى هذا، فهي طبقة اجتماعية وسياسية معاً. ولا فصل بين تربعها في سدة الحكم، وقيادتها القوة المسلحة، وبين توارثها حقوق المِلك والكلمة الفصل في العوائد وتوزيعها. والثورات الديموقراطية على الأنظمة القديمة، المرتبية، لا تصدق تسميتها أو نعتها بالبورجوازية إلا على سبيل التورية والمجاز. فلو كانت بورجوازية، أو اجتماعية وطبقية، على معنى دقيق، لأحلت دولتها المرتبية، أو طائفتها (على المعنى الحرفي) وصنفها، محل الدولة القديمة. ولبدت أركان الدولة الديموقراطية، المواطنة والمساواة والولاية والحق الطبيعي والانتخابات والحريات والفصل بين السلطات، نافلة على صعيد الإجراء وعلى صعيد الخطابة أو الإيديولوجيّة.
وأخذُ الماركسيين وشطر من الحركات الاجتماعية الراديكالية بهذا الرأي أو المقالة، وحملُهم الدولة الديموقراطية عموماً، على دولة طبقية بورجوازية مقنعة أو سافرة أو أوليغارشية، قادهم، ويقود أمثالهم، إلى نفي السياسة والتدبير والفعل السياسيين، وترجيح كفة الاستيلاء على السلطان واحتكار السلطة، وطلب بسطها من غير معوق أو حاجز على المجتمع، وإنكار حق المنازعة (بإزاء الدولة) على المجتمع كلاً وأجزاءً أو قطاعات وعندما استقلت حركات شيوعية بسياستها، فأنشأت حزبها الثوري وطليعتها «العمالية» المحترفة، أو «أميرها» الحديث نصبت فوق المجتمع مرتبة آمرة ومستبدة، وسعت في ابتلاع المجتمع وتحطيم قواه، وأنكرت على القوى الاجتماعية معارضتها ومقاومتها.
تقدمية وحداثة عصبيتان
وبعض القرينة أو الحجة على حقيقة ما تقدم للتو هو أحوال أنظمة الحكم العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وما آلت إليه منذ بعض الوقت، وقبيل القيام عليها أو على معظمها في العام الموشك على الانصرام. فالتوريث، واحتكار مقاليد القوة والإدارة والموارد في «عصبية»، وعموم الفساد والتواطؤ عليه، والحجر على الانتخابات والاقتراع الحر وتداول المعلومات، وتسلط الحكم على المجتمع، وتربع جزء من المجتمع (الطائفي والطبقي والسلكي والبلدي) في قمة الحكم وبقاء الجزء على صفته الجزئية هذه الإواليات أو العمليات، وليس السمات وحسب، انتهت الأنظمة العصبية والبيروقراطية العربية إليها، على رغم اختلاف قوي بين مجتمعاتها، من طريق إنشاء وتثبيت بنية مرتبية وصنفية لمجتمع الدولة، والنقض أو الحجر على نازع المساواة الفردي والحقوقي، وفصل الدولة من المجتمع وتمييز المجتمع من الدولة، على المعنى الذي تقدم. فالتقدمية والحداثة المزعومتان اقتصرتا على شجب المراتب والجماعات العصبية «القديمة» أو السابقة وغلقها دوائر السلطة والقوة والإدارة والموارد على أهل المراتب والجماعات الدنيا أو الضعيفة وهي دنيا أو ضعيفة بحسب نظام المراتب السابق أو «القديم»، الأهلي العصبي. فهما تقدمية وحداثة غير ديموقراطيتين، ومناهضتان شديدتان ولئيمتان للديموقراطية وهواها ونازعها الى المساواة.
ويستعيد وصف الانتخابات الإرادة الشعبية، وتصويرها الحصص أو الكتل الاجتماعية (عامل، فلاح، فئات...) أو الكتل المذهبية والعقدية (من عقيدة او عقائد) المقنعة بأسماء «بيضاء» لا تحجب ملمحاً ولا سمة، يستعيد الوصف بنية مرتبية وصنفية ترعى الفروق التي يودي بها نازع المساواة الديموقراطي، وتجددها على اركان إسلامية أو فقهية. والنازع المرتبي ليس جديداً ولا طارئاً على حركات الإسلام السياسي المعاصرة (ولا على الحركات الصوفية، ولا على بعض الفرق). فدعوة صاحب جمعية الإخوان المسلمين الأول، حسن البنا («الشيخ» أو «الإمام»)، وسَّطت بين الأمة الإسلامية الناجزة أو فكرتها وبين المسلمين وأحوالهم السائرة والغالبة اليوم، حين نشأة الدعوة في بلدانها وأوقاتها، طبقة «الإخوان» الدعاة، خميرة الانقلاب من هؤلاء وأحوالهم إلى تلك وفكرتها. و»الإخوان»، وهم على وجه الدقة إخوانيون نسبةً وتثنية واختصاصاً مفارقاً، جماعة أو مرتبة تريد الجمع بين صفتها المرتبية وبين الاستواء في السلطة من طريق الدعوة والمجادلة والمَثَل الحسن وهيئات التعاون والتراحم والمؤاخاة، وبواسطة الانتخابات النيابية أو من طريق الاستيلاء والوثوب والحرب على ما ذهبت إليه جماعات «متطرفة» أو طرفية. ولم يشتط بعض أعلام السلفيين المصريين، راغب السرجاني ومحمد اسماعيل المقدم وأحمد النقيب حين أثبتوا وجوه الشبه بين الإخوانيين والسلفيين المعاصرين وبين «مدرسة الرأي والاجتهاد» (وهؤلاء هم إخوانيو عصور الخلافة) و «مدرسة أهل الحديث» (وهؤلاء هم سلفيوها).
وإرساء أبنية السلطان السياسية على أجسام أو أسلاك وظيفية، والتسليم بلحمة هذه الأجسام على المثال المرتبي والجمعي (والأدق: الجميعي على خلاف الفردي)، يقود لا محالة الى تحجير المجتمع والدولة على مراتب، وإلى تخصيص بعض المراتب الاجتماعية أو الأهلية هذه بـ «وظيفة» السلطة والحكم، أو بـ «وظيفة» السلاح، أو بالعمل و»الحرث» والطاعة. والمثال الإيراني الخميني، وفروعه، قريب وجلي. فتولية فقيه «عادل« الولاية على أجهزة السلطة والإدارة، وعلى المؤمنين ورعيتهم، وتصديه لإمامتهم في أحكام دمائهم وأموالهم وذراريهم إلى معتقدهم، انتهى الى تسليط المجالس (الخبراء، التشخيص، الأمن القومي...) المنتخبة على مرتبتين، على غرار مجلس الشيوخ المحافظ تعريفاً في بعض الأنظمة الديموقراطية، أو غير المنتخبة، على الهيئات المنتخبة، وإلحاقها جميعاً بـ «مرشد» يجسد وحده كيان الأمة. وانتهى الى استباق الانتخابات الشوروية والبلدية والمحلية، واطراح من لا يؤاتي رأيه أو هواه سياسة المرشد والأجهزة التي تحوطه وتمتنع من أي مراقبة أو ملاحظة أو حسبة.
وانتصبت أجهزة القوة والأمن والقضاء حارساً على باب «الخليفة الإمام»، وبلورت بدورها أسلاكاً وأجساماً متماسكة وقائمة بنفسها وحاجاتها ومصالحها. ويقتصر دور الولي منذ وفاة الولي الأول على ضمانها ودوامها وربما التحكيم في خلافات أصحابها. فلا يشبكها بعضها ببعض إلا ولاؤها المفترض لولي أمرٍ مهيمن على أحد مصدري مشروعيته، وهو أقرانه ومبايعوه، فيما المصدر الآخر، «الإلهي»، كوكب لا يبلغ نوره الأرض إلا بعد مليارات السنين الضوئية.
والفرع الحزب اللهي والحرسي للولي الإيراني الإمامي حصحص على المثال المرتبي نفسه. فأنشأ خارج أبنية الدولة والمجتمع اللبنانيين ولاية أهلية مسلحة تتقاسم، لفظياً، مع الدولة الوطنية «الجامعة» السيادة على الشعب والأرض، وتبت في شؤون الحكم والإدارة وأجهزتهما، ويعود إليها إعلان حال الطوارئ (حقيقة ومجازاً) وتمييز الصديق من العدو، في الداخل والخارج معاً وعلى وجه واحد. وهما، الاعلان والتمييز، القرينة على مناط السلطان وصاحبه وجسده. وفي الاثناء، يخوض «الحزب» المزعوم الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية، ويتولى «المراقبة«، وهي حراسة وخبرة وتشخيص (على أسماء المجالس في النظام الخميني الايراني)، على اختيار النواب الجهاز الوزاري التنفيذي، وعلى (بعض) القضاء، و(بعض) الادارة، و(معظم) الديبلوماسية، ويخرّب التعليم والاقتصاد (على قدر الاستطاعة). والركن في «الدستور» الفعلي هذا هو تسلط شطر من المجتمع، متماسك وملتحم بلحمته الأهلية، على الدولة وجماعاتها، بالسلاح هذه المرة، ولكن الانتخابات التمثيلية أو التصويرية قد تكون آلة تسلط الحزب الدولة في مرات أخرى. ونظام المراتب، «الاسلامي» أو «العلماني» (في صيغته الأسدية السورية)، يتيح على الدوام تفريع شطر من السكان او الرعية فيضطلع بدور الجماعات المتفلتة والرثة، الخارجة على القانون (شأن «القيادة» نفسها أو أجهزة الحكم القانونية والدستورية، ولكن على وجه عملي مختلف) رسمياً، إذا جازت العبارة. و»عصائب أهل الحق» و»كتائب اليوم الموعود» و»جيش المهدي»، والجماعات المسلحة العراقية هذه «تأتمر» بمرجعها العاجل أو الآجل، السيد مقتدى الصدر ومن ورائه السيد الشهرودي.
والمقارنات هذه بفروع الإخوانيين المصريين والتونسيين والمغربيين... ليست افتئاتاً عليهم ولا تخرصاً أو استباقاً أو كهانة. فجمعهم بين مفهومهم عن حزبهم ومفهومهم عن الدولة ومرجعيتها التشريعية، وبين دمجهم الاقتراع والتجسيد الكياني في واحد، تترتب عليه نتائج. فهو يقود أصحابه الى نصب أبنية الحزب الدولة، وسيطرة الدولة على المجتمع من طريق تثبيت الفروق والتفاوت بين الإخوانيين المهديين وبين المنافقين، وبين عامة المسلمين وبين الذميين، وبين النساء وبين الرجال... فتنبعث «الخلافة السادسة» على قول حمادي الجبالي، رئيس الوزراء التونسي المكلف وركن «النهضة»، غداة فوز حزبه بنحو 30 في المئة من أصوات التونسيين. فتدور النزاعات السياسية والاجتماعية على اللحمات العصبية، وتقوي تماسكها، وترجح كفتها على كفة التكتلات التعاقدية المرنة والمتجددة والمتغيرة. ولا ريب في أن إنزال العلاقة بـ»الغرب» منزلة الضدية الجهادية والمميتة، بإزاء «صليبيين ويهود» مفترضين وأبديين، يضمر الحربَ الحضارية أفقاً سياسياً وتاريخياً «أخيراً»، ويسوغ إرهاب الدولة الاهلي والخارجي وانكفاءها على عصبياتها.
وسبق أن أراد أنطونيو غرامشي، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الايطالي، تأصيل صيغة الحزب اللينيني في التراث السياسي الاوروبي والإيطالي، فدعا إلى حمل الحزب على «الامير الحديث»، كناية عن استحواذ القوة السياسية المرصوصة والمتماسكة على الدولة باسم مجتمع مدني يسوس نفسه بنفسه، ويقوم الحزب منه مقام الوسيط والعبارة والعقل. ونبه «ماكيافيليون» معاصرون الى خلط غرامشي اللينيني في هذا المعرض بين تولي الأمير ضبط الطبقات الحاكمة، وتقييد تنافسها، والحؤول دون تعصيب العامة واقتتالها المزمن، وبين استقلال المجتمع (العامّة) بنفسه والمحاماة عنها من ظلم الأسياد المتناحرين. واليوم، قد ينزع إسلاميون متجددون إلى إقامة «خليفة جديد»، هو «الحزب الإسلامي»، محل الدولة. وعدتهم انتخابات وصفية تمثيلية تكتل الناخبين جماعات وأهلاً ومدارس، وترتبهم على مراتبهم الطبيعية
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)