السبت، 17 أغسطس 2013

مقالات المراثي والتآبين في "الأولياء" والأصدقاء الديموقراطيين

المستقبل، 18/8/2013

هل كان صاحبنا، هاني درويش، على القدر من المطابقة- مطابقةِ حياته "مفهومَه" و"جوهرَه" ومطابقةِ حوادث حياته "معنى" هذه الحياة ووحدتها الجامعة الذي تنم به المراثي الصديقة والمتفجعة فيه؟ ففيما قرأت من هذه المراثي، ومعظمها على موقع "مدن" من غير ان تقتصر عليه، يبدو صاحبنا الراحل، المبكر والمستعجل، تام المعنى او المعاني، واحداً ومجتمعاً ومستوفياً شرائط المطابقة او الحقيقة، حقيقته هو في حياته وموته وحقيقته في نفوس من يبكونه ويلقون عليه تحية الوداع. وهو يستوفي هذه الشرائط على رغم جبلته التي يصفها محبوه، اليوم، بالإقبال والنهم والكثرة والحسية والحدس.
الإجماع
والاعتذار عن هذا، ان كان موجب للاعتذار على ما اشك طبعاً، بالمقام أو الموقف والتعلل بدواعي هذا أو ذاك، يحمل المراثي على باب من ابواب القول وفن من فنونه. وعلى هذا، فأصحابها ليسوا إلا "وسطاء" هذا الباب أو الفن، وناطقين بما يمليه عليهم، ويُنطقهم به. وهذا ليس "عيباً". وعلى ما نقول، أي على مقالاتنا، قيود كثيرة تضيِّق على فرادة الاحاسيس والمشاعر، على ما نبه سلف كثير وبصير. ولكن الاجماع او شبه الاجماع على توحيد صاحبنا الراحل في مفهومه، أو معناه الجامع والتام قد لا يترتب على المقام او الموقف وحده، ويدخل على الارجح في باب (الرغبة في ) الاجماع.
وختام العمر أو تمامه وبلوغه غايته- وهذا تعسف يفترض على الناس الإقرار به تسليماً ودفعاً لتهمة الظلم او الشطط التي قد تنسب الى من "لا يحمد على مكروه سواه"- يؤذن بتلبية هذه الرغبة وإشباعها أو إروائها. فالانسان الناجز والتام، على خلاف الانسان التقريبي على قول تريستان تزارا (صاحب "دادا")، وهو من أحال الموتُ حوادثَ سيرته ووقائعها المتقلبة والمضطربة والجائزة قدراً مقسوماً (مالرو)، هذا الانسان، على هذه الحال، نهب لتأويل سيرته على مثال يدعو الى الاجماع، وتحمل عليه شهوة الإجماع. وجائزة الاجماع مزدوجة. فهو قرينة على إيفاء الراحل حقيقته، وبلوغ هذه الحقيقة يقيناً من غير شك. ولولا هذا لم يكن إجماع، في حسبان ان الحق واحد والخطأ كثير. والاجماع على صفة الراحل المستوي في تمامه، من وجه ثان، دليل على إصابة المجمعين حقيقة "موضوعهم" أو موضوع مقالاتهم، وهو الصديق الراحل ورفيق السمر والغواية والرواية والاحاسيس والمشاعر (على معنى الشعائر والطقوس).
وعلى هذا، توهم المقالات المجمعة في الراحلين والمراثي فيهم- وكلها تريد استخلاص سيرة الراحل معنى او حقيقة استودعتها الآلهة، في عليائها، الحياةَ المضطربة، وبثها في ثناياها وجنباتها- أصحاب المقالات ان ما ساقهم الى اجماعهم إنما هو إقرارهم بحقيقة صاحبهم، وجهرهم إياها من غير لبس، على رغم خفائها او التباس ظهورها. وليست حقيقة الصديق الراحل منقطعة انقطاعاً تاماً من حقيقة اصحاب المقالات والمراثي فيه. وتعرُّفهم حقيقةَ ما كان وهو بعد يتقلب بين أظهرها، يحاول قرباً من مثاله المطوي في ضمائر الآلهة أو من نصبه وتمثاله (على ما كان اليونانيون يحسبون) ومن روايته الاخيرة التي يجوز تناقلها ولا يجوز نقل "الاولى" عنه (على ما حسب المحدثون المسلمون) هذا التعرف شهادة لهم بالإصابة والصدق. وهو، أي التعرف، يعِّرفهم بدورهم جماعةً، ويصف ما هم، أي هويتهم، وينسبهم في انفسهم الى صاحبهم وصديقهم. وهذه حال صوفية وعرفانية لا تبلغ ولو في المنام: ان يكون الواحد من الإنس هو نفسه، مستغرقاً فيها مثل استغراق الشيء الأصم، وأن يجد نفسه وجداناً ويزدوج "إنسين" لا الى غاية أو الى عدد معلوم. وهذا الهوى الملح، ومثاله المعكوس هو هوى يسوع وجلجلته، حمله بعضهم على عَرَض يقضي في "الانسان" بترجح مقيم ولا طائل منه، على قول سارتر في السطرين الاخيرين من كتابه الجامع الاول. فإنسان الهوى يرغب في الاستغراق في كون الشيء أو كينونته الجوهرية، ويرغب في الانفكاك من نفسه وكينونته الجوهرية، والخروج منها الى غير(ية) متفرقة تتقلب على جانبي اللحظة، وتصل بين اللحظات، وتعلق الوصلة على خيط أفق. وأصحاب المقالات في راحلهم وصديقهم يجمعون في أنفسهم استواء صاحبهم في تمامه ودوامهم على اضطرابهم وقلقهم الزمني المزمن.
و"الاولياء" القديسون، و"الابطال" الفاتحون و"العلماء السوقة" و"الشعراء" الأعلام، و"الشهداء" المحتسبون، كلهم، على وجوه متفرقة ومتضافرة، وسائط بين (عالم) الشاهد وبين الغيب، بين عالم "ما تحت القمر" المتقلب والمحسوس وبين عالم الأكوان "الخالدة" والثابتة. ويفترض هؤلاء، اي الاولياء والأبطال والعلماء والشعراء والشهداء، هيئات أو أجساماً اجتماعية وجماعات متماسكة ومتعارفة ومتواضعة على معايير وموازين مشتركة، تتولى انتخابهم وتسميتهم وترتيبهم على مراتب يُقرّ بها الجمهور. وقد يبادر بعض اطراف الجمهور الى اقتراح إقرار الأعيان على مرتبتهم، أو تطويبهم ورسامتهم على قول بعض هذه الهيئات العريقة والمحترفة. وتتفق مبادرة الجمهور والمنازعَ "الديموقراطية" الشائعة وهذه اقرب الى العامية (من العامة والعوام) منها الى الديموقراطية المعقدة والمعضلة. وتنبهت المنظمات الشللية التي يحاكي تنظيمها رسوم العصابات والمافيات على قوة هذه المنازع. فنسبت مديحها، أو تهنئتها في المناسبات، أو توليها أعمال القمع والقتل، الى "الجماهير" من غير وسيط، والى إرادتها الفاعلة.
والمتعلمون الكتّاب، على المعنى الحرفي للاسمين: من تلقوا أو لقنوا تعليماً ومن يكتبون أو يطبعون وينشرون ما يكتبون، جمهور عريض، ولا ينفك يتسع يوماً بعد يوم. وهو تعاظم، في العقد ونصف العقد أو في العقدين الاخيرين، فوق التصور الديموقراطي المتفائل، وتوقعه عموم "الثقافة" معظم المواطنين او السكان. ولم يقتصر هذا الجمهور، بعد شيوع دخول الشبكة العنكبوتية وتكاثر وسائط الاتصال الاجتماعي، على "الطبقات الوسطى" التي كانت "جديدة" في ستينات وسبعينات القرن العشرين، وفاضت من بعد فئات وجماعات وشرائح وطبقات مهنية وتقنية ومكتبية ضعيفة التأهيل، وعظيمة العدد والدور والانتشار في بلدان العالم وأصقاعه كلها. وعلى نحو ما قلب هذا الجمهور بعض معايير السياسة رأساً على عقب، فابتكر أو أوجب "حكومة الرأي" ("العمومي"، على رغم تفرقه دوائر وأحكاماً ونِسباً ومتوسطات) والاستطلاعات والاقتراع اليومي، قلب كذلك معايير الانتخاب أو الاصطفاء والتجمع والولاء والتصديق وفي ختام هذه الولاية والبطولة والابداع والكشف.
فيخرج الأولياء والابطال والملهمون المبدعون والشهداء، اليوم، من صفوف الجمهور، ولا يهبطون من "محل أرفع" ومفارق. فهذا المحل ذوى أو احتجب وراء الصنيع الدنيوي والزمني. ويترتب على اتخاذ المحل الارفع سنداً ومصدراً عنف فظيع تتوسل به حركات دينية مقاتلة و"سياسية" الى الإقناع، وتحتج بفظاعته وهوله وإثخانه على صدورها هي ودعوتها عن الحق وحاكميته ووعده. ويقترع الجمهور الاعلامي والالكتروني لأوليائه وأبطاله وأعلامه من طرقه المعلومة والمألوفة. وهو، في الاثناء، يسوّيهم على صيغ يرجحها ويميل اليها، ومن نافل القول انه يتعرف في هذه الصيغ (على) قسماته ووجهه ونفسه. فيتراءى فيهم بعد ان جلاهم، "إلهاً" دنيوياً وزمنياً جمهورياً، على صورته. والاولياء والابطال والملهمون والمبدعون والشهداء الجمهوريون- على مثال هاني درويش أخيراً، وعلى مثالات سابقة قريبة هي إدوارد سعيد ونزار قباني ومحمود درويش ومي غصوب وجوزيف سماحة وغيرهم ربما ممن لم أعرف من بعيد أو قريب- ليسوا وسطاء بين عالمين مختلفين ومتباينين، على ما تقدم القول في "الاولياء" التقليديين. ولعل امتيازهم، والداعي الى تطويبهم والاقرار لهم بخصوص المرتبة وليس علوها، هو تمثيلهم الساطع على وجه من وجوه لحمة الجماعة (الجمهور)، وعلى رغبتها الأليمة في الالتحام حين يعز الالتحام ويمتنع.

الوسطاء
فهم وسطاء بين الجماعة، المتذررة و"الشعاع" على قول مجنون بني عامر، وبين نفسها ولحمة أفرادها وآحادها. وأدوار الآحاد هؤلاء على حال الافتراق والانفراد التي خلفتهم عليها أطوار الاجتماع الحديث والمعاصر. فلم "تُنجَز" الحال المحدثة ولم تصقل مراياها وعباراتها. ولم تصرم روابط العصبيات الأهلية وطبقاتها ومعاييرها ونواهيها على الخصوص. فتترجح صور الاولياء "العظام"، على عِظَم فرق ما بينهم، بين مثال الطوطم المقدس والفارق (العَلَم على الخصوصية والهوية وفرقهما في نظام فروق، على ما ذهب اليه كلود ليفي ستروس) وبين (غير) مثال الفضائل العادية والسائرة والمشتركة. فيمدح هاني درويش بالسهر والحماسة لكرة القدم والضحك والانفعال والكتابة التلقائية والمتطايرة، والمشاكسة والصداقة والشرب والبكاء وتذوق الغناء و"الأدوار".
ولا فرق في هذا بين فضائل ذاتية وفضائل عملية، على ما كان يقال. فهو واحد مجتمع، ولواء اجتماع وإجماع يوسطه جمهور (وهو الجمهور، في هذه الحال) بينه، أفراداً متباينين المصادر والموارد وسيراً وأذواقاً، وبين نفسه أو مرآتها وصورتها في المرآة. ولا حرج على بعض اصحاب المقالات في القول ان الرجل كان، على وجه المديح، "كاتباً صغيراً"، على خلاف "كبار الادباء" الذين جرت مصر على الإدلال بهم على "العرب" ومجتمعاتهم ومثقفيهم، و"تصديرهم" اليهم وإليها. فـ"الاديب الكبير" بعض من الماضي ومن عالمه الغريب و"الكاذب"، على زعم المعاصرين والمحدثين. و"الكاتب الصغير" معاصر حميم، تعوض معاصرته الحميمة ما ينقصه. وهي لكانت تعظم مرتبته، لو بقي معنى للعظمة والمرتبة في "عصر" أندي وارول، ونصبِه الواحد ميزان نفسه وتكثيره نسخاً عن نفسه معاً، على مذهب الفنان و"المجهِّز" الاميركي نفسه.
فلم يبق الولي البطل الملهم المبدع مثالاً، أو "مثلاً أعلى"، على ما كانت الخطب المدرسية تزعم وتطنب. فتدبير الحياة، على معنى يلم بـ"الفن" ولا يطرحه، لا يجري على مثال. وهو ارتجال محض مهما تقنع بالأعلام والقيم، وتذرع بالسنن واتقى بها المحاسبة والتبعة عن التأويل والرأي. ومن ينكرون على عوام الناس، من غير "الأئمة" و"الوارثين"، الحق في التدبير والارتجال والرأي، لا ينكرون عليهم انخراطهم مقاتلين مشاة، ووقود حروب أهلية ضريرة. وهم، "الإئمة"، ينعمون على "العوام" بصناعتهم صناعة عادلة تسوي بينهم كأسنان المشط، أو على نحو ما يسوي الموت بين الإنس. والطعن على الفرادة والاستثناء والإمامة، على ما يضمر ربما مديح المرء الخلو تقريباً من الصفات (الممتازة) حين مماته أو مدحه بما هو عليه من غير قياس أو مقارنة، بعض من ثقافة ديموقراطية تلتمس طريقها الضيقة في بلاد أو أرض لم يجلُ القدس عن بعض نواحيها بعد.
فهل من موجب للقول، بعد، أن ما تقدم ليس رأياً أو قولاً في "طبقة" المراثي والتآبين، لا في صاحبنا وصديقنا الراحل هاني درويش ولا في غيره؟ والزعم، كزعمي، ان المقالات في رحيله، وفيه، تجري على رسم وطريقة هما رسم وقت وطريقته، أو ثقافته. وهو لا يطعن في صدق أصحاب المقالات، ولا في صداقتهم أو علاقتهم بمن يكتبون فيه، ودعاهم رحيله المباغت والمبكر والأليم الى تذكره و"تحضيره"، على شاكلة تحضير الأرواح الذي لم نبرأ منه وقد لا نبرأ أبداً، أسفنا لذلك أم رضخنا على مضض أم طمأننا الامر الى دوام حال أليفة. ووصف الكتابة، على هذا النحو، بالمشعر أو الشعيرة لا يعدو التنبيه الى استواء علاقات صنف من الاصدقاء المعاصرين بمن يفقدون على حين غرة، على "خطابة" هي مثلهم مولودة من صور ومعان وأهواء لا يختارونها، أو هم يختارونها على قدر "اختيارها" لهم، على صفات وأبواب اجتماعهم وتفرقهم أفراداً وشللاً.

وبالغاً ما بلغ الانفعال، و(توهم) الصدق تالياً، من قوة، تتخطى الصور والمعاني والاهواء، وانتظامها في شعيرة وخطابة، مراد الاصدقاء وفرادة رابطتهم أو روابطهم بالراحلين من الاصحاب. والتخطي ليس صنو الإلزام والفرض. فهو أفق، أو نحو، أو منزع يدعو الى مسالك قول وعبارة، وربما الى ائتلافها وخرطها في "خريطة" ودليل. والأفق الذي تنزع اليه مراثينا، أو مراثي أصحابنا في صاحبنا، هو الرواية، على معناها "العربي" وربما اللبناني" المضطرب. فالولي البطل لا تعلوه سماء الكرامات والبطولات. وليس الداعي الى تذكرها وعرضها هو علو مكانتها أو "نبوغ" صاحبها الراحل وموافقته معايير التمام وميزانه. فالكلام على الصديق الراحل يشبه الكلام على عمل فني أثير: هو مقالة في الرغبة والعشق، وفيما يقوم مقام الباعث عليهما وموضوعهما معاً. وعندما كتب هاني مرثية في بعض اصدقائه، ومرثية في أبيه أوقف أباه في ممر مستشفى عار، فجر يوم خَلِق وكدِر، وهو يجر علاّقة مصل نحيلة، ويبحث عن مخرج من متاهة الحشر اللزجة..

السبت، 27 يوليو 2013

"البوابة التاسعة" تتحرى أحوال ساحات عربية في تونس والكويت وأبوظبي وبيروت...لقاء الجماعات والأمكنة والحوادث يجلو المدن على صورة اجتماع حي

المستقبل - 28/7/2013

 في الاشهر الثلاثين الاخيرة، منذ انتصاف كانون الاول 2010 في تونس، والساحات وأسماؤها تملأ آذان أهل (اللغة) العربية، أو تصمها إذا جاز التخلي عن التهذيب وسمْته. فمن دوار "7 نوفمبر" على جادة الحبيب بورقيبة التونسية الى ميدان التحرير بالقاهرة، ومن جادة أو طريق السبعين في صنعاء الى ساحة بنغازي الليبية قبل الساحة الخضراء بطرابلس الغرب وساحة اللؤلؤة في المنامة، وقبلها ساحة الحرية أو الشهداء ببيروت وساحة أو جادة أزادي (الحرية) بطهران، الى ساحات فرعية في عواصم المحافظات (سيدي جابر والقائد ابراهيم بالاسكندرية ...)، وأخيراً وليس آخراً ساحة تقسيم باستانبول فميدان التحرير بالقاهرة ثانية وكوكبة الساحات الأخرى - تلك التي شهدت بداية تظاهرة واعتصام مثل ساحة الارادة في الكويت وتلك التي آذن الاعتصام فيها، وهي ساحات البلد بدرعا والعباسيين بدمشق والساعة بحمص والعاصي بحماه وهنانو بحلب والتحرير بدير الزور بفض جموع المعتصمين وتفريقهم بالرصاص والاعتقال والحصار والقنص والقتل والتجويع والتشريد والنزوح والنفي تتدافع وتتآخى أسماء الساحات ومشاهدها واحتفالاتها ومواقعها وملامحها في أذهان أهل المجتمعات العربية (وغيرهم). ويجتمع من تدافعها وتآخيها ما يشبه مشهداً واحداً متصلاً ومتقلباً على وجوه لا تحصى. وهذا المشهد يذكر ببعض الرسوم والتصاوير التي زينت كتباً أوروبية روت فصول الخلق والتكوين في صفحة واحدة أو صفحتين متصلتين، أو تلك التي حاكت الفصول نفسها على بوابات الكنائس أو زجاجها الملون.
"الخلق"
وخطرت هذه ببال رئيس تحرير مجلة "البوابة التاسعة/ مقالات المدينة وأخبارها"، فادي طفيلي وأصحابه، وهذا ما لا شك فيه، أم ألمت ببالهم وطوفت به، فالعدد الثاني، الموسوم باسم مقتضب يتصدر الغلاف ويتوسطه:" الساحة"، يردد أصداء فصول "خلق" الساحات العربية وتكوينها السياسيين والاجتماعيين الرمزيين والمعنويين معاً وجميعاً. وسرعان ما يدرك قارئ "الساحة" / "البوابة التاسعة" أن مقالات العدد (وهو الثاني من المجلة البيروتية)، رغماً أو طوعاً، تتناول الساحات المتفرقة على وجه كائنات تاريخية واجتماعية حية تمور بالحركة والصخب، مجازاً وحرفياً، فوق تناولها على وجه أمكنة أو "جثة"، على ما كان أهل العربية يقولون ("وإنما المكان جثة"، على ما كتب سيبويه في "الكتاب"). فكأن تاريخ الثلاثين شهراً الاخيرة، وغير المنقطعة، حمل المجلة وكتابها على النظر الى (مادة) الساحة، من (باب) المدينة، نظراً سياسياً واجتماعياً- فالموضوع يحتمل معالجة وصفية تقريرية، موضعية أو مورفولوجية وطوبوغرافية، لعلها الأقرب الى العادات الجغرافية المألوفة والسائرة. ولكن التاريخ السياسي المعاصر- وهو في معرضنا تاريخ حركات عامية وديموقراطية، المساواة العمومية والحرية ركنان من أركانها على تفرق مصائرها واختلافها لابس الساحات، وخالطها. "فاشتملت منه" على حوادث جسيمة، وحبلت بمنعطفات عادت فولدتها في بعض هذه الساحات. وميدان التحرير القاهري عَلَم على أحوال الملابسة والمخالطة والاشتمال والحبل والولادة هذه. وعلى نحو ما ولد "أخوة" لميدان التحرير، هم محمد محمود وماسبيرو والاتحادية، ولدت ضرائر، على المثال القرابي والنسبي العربي، هي ساحة رابعة العدوية وساحة النهضة وميدان رمسيس. والقابلة، القانونية، أو الزائفة والمقلدة، هي حركات الجموع السياسية.
ومقالات "البوابة التاسعة"/ "الساحة" العربية كلها، وهي معظم مواد تتعقب الافعال والحوادث العامة (العامية والعمومية) والمشتركة التي وَلَدت الساحات على النحو الذي ألفناه منذ حوالي 30 شهراً، وبلغ ربما ذروته في الاسابيع الثلاثة أو الاربعة الاخيرة (إذا جمعنا، على ما ينبغي، ساحة تقسيم وحديقة غيزي الى سيرتنا أو ترجمتنا السياسية المصرية). فالساحة، عَلَماً وشارة ووقتاً، تؤرخ خروج بادرة سياسية عامة الى العلن. والخروج، في هذه السياقة، يحفظ من معانيه القديمة معنى الابتداء والانقطاع من حال متصلة ومقيمة، ومعنى الانكار والاحتجاج على سلطان غالب. وربما كانت مقالة لاريسا تشومياك في "مشاهد من السلطة: تجليات الاعتراض في تونس بن علي" (ص 49-61) تمثيلاً واضحاً وحاداً على سيرورة إيجاب الساحة أو ابتكارها واقعة عامة ومشتركة وليس مكاناً أو موضعاً فحسب.
البداية ... التونسية
والقرينة هي أن دوار أو ساحة "7 نوفمبر" والاسم يتيمن بتاريخ "ثورة" زين العابدين بن علي رئيس الاستخبارات، على الحبيب بورقيبة الرئيس المزمن والعجوز الذي أصيب بأعراض الشيخوخة- لم يستوِ بؤرة التظاهر والاحتجاج إلا في ختام حركة نقَّلت البؤر الواحدة تلو الأخرى. وتشترك البؤر المتعاقبة هذه في جمعها سمتين أو حالين: فهي عامة أو مشرَّعة على عموم المواطنين، وفي وسع هؤلاء التردد إليها، ولا يسعهم إذا مروا بها إلا الوقوع عليها، وهي من وجه آخر "في قبضة السياسة"، أي السلطان، ومسرح "دعاية سياسية للحكومة" أو دعوة الى الصدوع بالولاء لصورة بن علي، ولما سمي، منذ تقرير خروتشوف الى مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي العشرين (في خريف 1956)، "عبادة الشخصية" أو "عبادة الفرد". وتحصي لاريسا تشومياك مظاهر سطو رئيس الاستخبارات السابق على صفحات دوائر العلانية العامة والمشتركة: جدران المباني العالية والمطلة على المفترقات والجادات والساحات، ولوحات الاعلانات، والحدائق. ومن هذه، تسللت الصور الرتيبة و"الرئيسة" الى الكتب المدرسية ومسيرات الأعلام الرسمية، والى الانتخابات، وبطاقات الانشطة الثقافية والسياسية.
فرغبة بن علي وجهازه، ومن غير شك رغبة معمر القذافي والأسد الاب والاسد الابن وحسني مبارك وقبله الرئيسان العسكريان وعلي عبدالله صالح وبومدين الجزائري ومرشدي "الأمة"...، هي جمع موضوعات الرغبات والنزعات الجمعية وربما الفردية المتفرقة في "موضوع" أو غرض واحد، وفرض "الموضوع" لازمة تلح على الرعايا من الجهات كلها، ولا فكاك لهم منها. ويذكر هذا بإلحاح صورة انيتا إيكبيرغ الطاغية، في دعاية جدارية تحسِّن شرب الحليب من ماركة صناعية واستهلاكية، على فتى شريط فيلليني "اماركورد" ("الحبل المر"، أو حبل المشنقة): الفم الشره، والاسنان المفترسة في حلة بيضاء مميتة، والصدر العريض عرض اللجة الهائلة والعميقة، والاغنية الطقطوقة التي تتردد على مسمع الولد وتؤرقه ولا يطيق سماعها ولا فراقها والصمم عنها... وربما لم تبلغ مزاعم "الرؤساء القادة" وأجهزتهم الشيقة حد الطمع في مضاهاة "عمق" النوازع الجنسية، وقوة تشبثها وهيمنتها، ولكن تواضعهم لم يدعهم الى القناعة بشطر من المسارح العامة، والنزول الى الناس ومشاغلهم المشتركة والحيوية عن مسارح أخرى يتولون هم شغلها بصورهم وكلماتهم وغواياتهم.
وقبل التجمهر السياسي الصريح، واعلان الجمهور ("الشعب") إرادة رحيل الطاغية وإخلاءه مكاناً أو متسعاً يسع غيره الاضطراب فيه واقتسامه، يقصد الجمهور "مسرحاً بديلاً" يضطلع بالتمثيل على عام مشترك، أو عمومية مشتركة، جمهورية وعامة، ولا يكون مرآة أخرى ورتيبة "للواحد" الكامن وراء كل صفحة منبسطة، ولم تحلّها بعد صورة أو عين "بالفعل" سبقت الواحد المتربص الى التعيين، إذا تجرأت على السبق أو جاز لها أن تتجرأ. والمسرح البديل في حال تونس، هو ملعب كرة القدم. وعلى خلاف صفحة الجدار الفسيحة والمشرفة كلها على الملأ، من غير بقية تسرها وتطويها عن الارصاد أو الأعين الفاحصة، يسع ملعب كرة القدم وجمهوره التفرق مسارح وجماهير. وهو ذريعة الى تأليف الاناشيد والاغاني، والانقسام "أحزاباً" وروابط وشيعاً، والتستر بالنفخ في حماسة اللاعبين على انتقاد المتسلطين والمتنفذين والمجسدين في اسمهم وصورتهم الكل السياسي والاجتماعي.
والمقارنة بين الساحات والمفترقات والحدائق والجادات، حيث يتربع الاسم والصورة غير منازَعين تحت بصر الرقيب المهيمن والواحد، وبين ملعب كرة القدم، حيث تتيح الكثرة والهتافات والانقسامات (على منافسي الدوري الثنائي، النادي الافريقي والترجي التونسي) الاستعارة والتورية والكناية، هذه المقارنة تبرز الدلالة المسرحية للساحة الديموقراطية على نحو ما تبرز المبنى الطغياني والخانق للاسم الواحد والصورة الواحدة. ففضيلة كرة القدم في الدول الديكتاتورية ومجتمعاتها هي مسرحتها الانقسام وكثرة الادوار في الفريق الواحد. فلا لعب، على المعنى المسرحي وعلى المعنى الرياضي، إلا بقيام فريق بإزاء فريق آخر وعلى خلافه. ويقتضي لعب الفريق الواحد تولي اللاعبين، وهم كثير أو كثرة، وظائف متفرقة ومختلفة على رغم تضافرها على انجاز مهمة جامعة. وعلى هذا، فاللعب هو تربية على تقسيم العمل وعلى الجواز والاحتمال والحد، وتأديب بأدب المنازعة وأضدادها وجمالياتها وجزائها. فتربية الطغيان تزعم أن الفرق على وجوهه الكثيرة: فرق الفرد والفرد، وفرق الدولة والمجتمع، وفرق الحاكم والمحكوم، وفرق العام والخاص، وفرق الديني والسياسي، وفرق القانون والعرف، وفرق النافع واللذيذ... يضر بالإجماع المفترض ولا يؤمن من ألا يفضي الى التناحر.
الكويت و"الإرادة"
وتذهب مقالة ليّان الغصين، "الفضاء العام وتحولاته" (في دفتر من 24 صفحة على حدة أغفل ترقيم الصفحات، وقرن النص المكتوب على الصفحية الى يمين القارئ بصفحة مصورة كاملة الى يساره ما عدا الصفحات الثلاث قبل الاخيرة أو "الرابعة") الى الربط بين حركة سياسية اجتماعية كويتية دابة، أقرب الى التململ منها الى العبارة المبتورة والمتحصصة، وبين إيجاب ساحة الارادة "السياسية". وتصل الديوانيات، وهي مجالس ضيافة واستقبال ومداولة عائلية وبيتية، من جهة، وعامة مشرَّعة على الاختلاط (الأسري)، من جهة أخرى، الوجهين. وتشبه كويت الغصين تونس تشومياك شبهاً غير مباشر. ففي وسع السلطة الاميرية الكويتية سن قانون يحظر اجتماع 30 شخصاً معاً في مكان عام، غير منزلي أو بيتي. وينصب هذا الحظر بالجماعة التي تعدّ 30 شخصاً وتقصد التجمهر علانية على غرض مشترك، "خصماً" للسلطة يحق لهذه مقاضاته وتهمة اشتراكه أو جمهرته بالعدوان على العام والمصلحة العامة التي تتولى السلطة تمثيلها ورعايتها والصدور عنها.
وفي مرآة المقالة تبدو الكويت، أي عمرانها المديني والمعماري السكني المحدث (منذ 1952 والتخطيط البريطاني)، على طرف نقيض مع اجتماع العشرات او المئات من مواطنيها متظاهرين، ومسيرهم جماعة أو فريقاً مخالفين السلطة، ومطالبين بحقوق أو بتلبية احتياجات قد تنكر السلطة حقيقتها ومساغها. فالعمران المديني والمعماري هذا استقر، عن يد سلطة الوصاية البريطانية أولاً، على صورة تنبذ اجتماع "الثلاثين"، وتحول دونه. فليس في المدينة، أو "نسيجها العمراني، أرصفة وقف على المشاة من غير اصحاب السيارات والمركبات الآلية وسواقيها وركابها. وعلى هذا فالسير على الاقدام أو الرقص أو التريض أو المواعدة على ما تحصي الغصين، متعذر أو مميت وهو محظور قانونياً. وبين دوائر السكن، وبينها وبين دوائر العمل من مكاتب ومتاجر، أو دوائر الترويح، مسافات طويلة. ولا يُتصور اجتيازها "في المناخ الجاف" والحار الذي يتسلط على الكويت، شأن أمصار شبه جزيرة العرب وحواضرها وبواديها الاخرى. ويحول الطريق السريع الذي يصل دوائر الاقامة والعمل والترويح بين السكان وبين الالتقاء والاجتماع والضوي بعضهم الى بعض: فهو، أي الطريق، ذو اتجاهين واحدهما مغلق على الآخر ويستحيل الانتقال أو العبور من الواحد الى الآخر، ويستحيل تالياً على الناس الالتقاء وبالأحرى التجمهر. وشبكة الطرقة "دائرية وملتفة"، وعازلة. والبناء في هذه الدوائر يقدم ناطحات السحاب (او الابراج) على اصناف البناء الاخرى. والبيوت التقليدية، الطينية والواطئة والمتحلقة على صورة خلايا، جرفت لتخلي المحل للأبراج.
فيلتقي "الناشطون الكويتيون والفنانون" والاحتجاج حكر على قلتين أو جماعتين أقليتين تعريفاً وقد تضاف جماعة ثالثة هي "المثقفون" ورابعة هي "المهندسون"- في ساحة الاراداة، أو في مراكز تجارية تواتي عروضاً علنية، أو في "نسخ حديثة" عن الديوانية ومجلسها. والحق أن رواية ما تصنعه هذه الجماعات، وما تنوي صنعه، ومسرح أو مسارح صنعها، مشوشة. ولا يفهم قارئ المقالة، وهذه حالي، حقيقة ما يحصل على وجه الدقة. فالسيدة ليَّان الغصين تكتب: "ويتمسك الفنانون والمهندسون والمثقفون بحقهم في النزول الى الامكنة العامة والحضور فيها". وهذا واضح، وما يتمسك به هؤلاء هو فعل ظاهر ومادي، ومن نتائج فعله أو انجازه انتهاك نواهٍ سبق للسلطة أن نصت عليها وألزمت السكان "المواطنين" بها. ولكن التمثيل على الفعل المفترض لا يتناول فعلاً ظاهراً ومادياً بل "(اقتراح)... نسخة حديثة عن الديوانية... (على) مهرجان التصميم الدولي". وهذا ليس "نزولاً الى الامكنة العامة"، ولا "حضوراً فيها"، على خلاف الزعم. والقول ان اقتراح النسخة الحديثة عن الديوانية "(يشرك) العالم كله في الحفاظ على إرث الكويت" يعظم الامر، ويوهم بمساواة اقتراح أو "فعل" ثقافي وجمالي، ولا مشاحة في دلالته، "نزولاً" و"حضوراً" عامين ومشتركين.
والقول، في الفقرة نفسها، أن "فنانين من أمثال عليا فريد وأسيل اليعقوب يغيرون وجه الكويت، ويزرعونها بمعالم وتضاريس خيالية تجافي (أم تنكر أو تخالف؟) الواقع مجافاة تدعو الى اشكال جديدة من المشاركة في المكان العام" القول هذا "يجافي" حقيقة الحال، ويحمل التخييل، و"زراعته" وغشيانه الصور، على إنجاز "اشكال جديدة من المشاركة". وبين الامرين، التخييل والمشاركة، فرق ينبغي ألا يستهان به بذريعة صدور التخييل، أو اقتراح رسوم مدينية جديدة، عن أبنية رمزية وحاجات اجتماعية غير اعتباطية، أو بذريعة مماشاة الاقتراح قصداً شريفاً، ولا يطعن أحد، ولا ينبغي لأحد أن يطعن فيه، وهو "المشاركة في المكان العام". فبين "تخيل" عليا فريد وأسيل اليعقوب "المعالم والتضاريس " التي ترعى مشاركة عامة وبين تبني الكويتيين الخطط التي تضمن حقهم في المشاركة ومشاركتهم في إلزام السلطة بها، فرق كذاك الذي بين "تأويل العالم" وبين "تغييره"، في العبارة الثورية و"المادية" المعروفة. فقد يؤدي "توثيق مراحل التطوير العمراني الكويتية وتحليلها، و(رصد) أثر التغيرات المدينية في الوعي العام"، الى "(تغيير) أسس الالتزام السياسي في أقدم أمة في الخليج"، وقد يبقى التوثيق والرصد أثراً بعد عين، على قول بدوي قديم. وحملُ ما تراه نخبة جواباً شافياً عن مسائل حقيقية وملحة إذا لم تماش جماعات "عامية" هذه النخبة، ولم تدمج برنامجها في برنامج النخبة ولم توحد الجماعتان برنامجيهما على نحو أو آخر. هذا الحمل قوي الشبه بديكتاتورية متنورة وعقلانية. والتنوير والعقل، شأن العصبية الدينية الجامعة أو الهوى القومي والعرقي، لا يؤمن جنوحهما الى القسر والتعسف إذا هما غفلا عن "حقوق" أو علل غير متنورين ولا عقلانيين. وإكراه غير متنورين وغير عقلانيين، أو من يفترضون كذلك، على ما لا يريدون قسراً، باسم مصلحة "حقيقية" لا يقرون بها ولا يدركونها على هذا النحو، يسلط الضوء على بعض تناقضات التنوير والديموقراطية المولودة جزئياً منه.
وتدور بقية مقالة الغصين في فلك "أهمية الحفاظ على إرث الكويت الثقافي"، أو "الوقوف على ظاهرة هدم العمران الحداثوي" الذي شيد في اربعة عقود هي عقود 1940 1980، أو الطعن في برج الحمراء، أحد "صروح الاستهلاك المعولم". والرابط بين هذه الافكار وبين بعض مثالات الافعال المدينية غير الاستهلاكية (مثل المشي في السوق وارتياد "العشاق" الممرات الاسمنتية والمنشآت الرياضية حول المناطق السكنية وانتخابها "مكاناً لمواعيدهم السرية"...) غامض. ولا يخلص القارئ من هذه جميعاً الى دلالة الدور الذي اضطلعت به ساحة الارادة في تظاهرات الكويتيين، في 2006، على قانون الانتخابات وقصره اقتراع الناخب على مرشح واحد، وتقييده بهذا المرشح، عوضاً عن المرشحين الخمسة الذين طالبت بهم حملة "نبغيها خمسة". ولساحة الارادة سمتان فارقتان: فهي تشرف أو تطل على البحر، وعلى طريق الخليج الساحلية، شارع آل سالم، وتقوم قبالة مبنى البرلمان الكويتي. والبعد البحري " الملاحي" هو القاسم المشترك. وسمتها التاريخية الثالثة هي وراثتها ساحة الصفاة الداخلية، قلب مدينة الكويت في عهد ما قبل النفط. وعلى هذا، فتوسط الساحة الجديدة الاحتجاجات والحركات السياسية، واضطلاعها بدور قطب "المواعدات" العامة والعلنية (قضية البدون ودمجهم في المواطنة الكويتية، تنحية رئيس الوزراء الشيخ ناصر آل محمد آل الصباح "المفروض" بإرادة أميرية على رغم افتقاره الى سند نيابي برلماني...)، هو نظير تولي مجلس الامة الكويتي تمثيل عموم المواطنين، أو الجماعة الوطنية، بإزاء الحكم والحاكم. فهل يخرج الكويتيون من طريق السمات الثلاث أو بواسطتها من بعثرة وتفريق تضافرت على دوامهما الطرق الملتفة والدائرية والطريق السريع ذو الاتجاهين وطول المسافات بين دوائر السكن وبناء الابراج؟
أنقاض الخطة
وتبدو هذه، في مرآة محاورة تود رايس عبد الرحمن مخلوف، المهندس المعمار ومخطط أبو ظبي الاول (ص 62-77)، قدراً لا طاقة للبلدان الناشئة هذه ولأهلها على مقاومته. فحفيد شيخ الأزهر، وهو في العقد العاشر من عمره اليوم، يسر بصوت خافت أن خطته لم يبق منها شيء، وقد "تكون شبكة الطرق بقيت على حالها، ولكنها صارت أوسع". فمن خلفوه على التخطيط والعمارة تركوا البناء من طبقتين أو دورين، وأوصوا ببناء الابراج محلها. وذهب أدراج رياح "الحداثة" المفترضة اقتراح الرجل تشييد وحدات سكنية قوام الواحدة منها سبعة منازل حول فناء داخلي يجمع أهل البيوت، وهم أقارب، ويصلون فيه صلاة العشاء ويتزاورون. وتستقل الوحدة السكنية بمرافقها المشتركة، المدرسة للأولاد والمسجد للمصلين. فهذه "اندثرت". وانتقلت عدوى ما سماه مايك دايفيس "مرحلة دبي الرأسمالية" الى .... دبي، وكانت دبت في أبو ظبي. ولكن عقدة في لسان عبد الرحمن مخلوف تحول بينه وبين الاعراب عن رأيه في العدوى "الغريبة" التي دبت أولاً في الكويت، وانتشرت في أرجاء "المجتمعات" النفطية حين انفجر النفط في عروقها.
ويحقق صمت عبد الرحمن مخلوف افتراض التوارد أو التعالق بين "إرادات" الجماعات السياسية وبين تبلور ساحات عامة في المدن هي مسارح فعل هذه الإرادات، ومجلس هذا الفعل، وبعض معناه. فكل ما يقوله مخلوف ويرويه لا يخرج عما دار بينه وبين أمير أبوظبي وحده. ويختصر الامير، واعتباراته المخالفة اعتبارات المخطط المدني (في شأن السوق الذي حسب المخطط أنه المرحلة الاخيرة من الخطة وأمر الامير بالابتداء بها)، "أبوظبي"، "دولة" و"شعباً". فلا غرو ولا غرابة إذا تبددت صورة المدينة وخطة خِططها، في خريطة الطرق أو مجسمها، وفي الابراج و"ناطحات السحاب". وإذا كان الكلام على مدينة الكويت، "أقدم أمة خليجية" يتداعى كلاماً على البدانة والمواعدة والمشي وشراء أصوات المنتخبين في الديوانيات وتكلفة الأسهم النارية في ذكرى انقضاء 50 عاماً على الدستور والبعد الملاحي للشارع الساحلي... ويترك جانباً أموراً كثيرة أخرى مثل الانقسامات والمرتبية والعصبية والاجتماعية والمذهبية الجغرافية. فالكلام على تخطيط أبوظبي، ومن بعدها دبي، يقتصر على "إرادة" الحاكم وأعوانه والمشيرين عليه. وهذه الارادة لا يبدو منها، في معرض محاورة المعمار الكبير، إلا محوها أو إغفالها أبنية المدينة وصور اجتماع سكانها أو أهلها. فلا مدينة على معنى جغرافي أو مكاني خالص. والرأي هذا هو الوجه السالب لرأي موجب: تفترض المدينة عاملين متنازعين ومختلفين هما مجتمع (أو جماعة أفقية العلاقات والروابط) و"أمير" أو سلطة ودولة. فإذا اقتصر الامر على قطب صاحب الأمر أو وليه وحده انحلت خطط السكن والزيارات والصلاة والتدريس والمشي والمواعدة في "المسافات الكبيرة" والطرق السريعة و"الاستهلاك المعولم" وأبراجه.
بيروت "عالكولا"
وربما عثر سؤال طارق أبي سمرا (ص 23-35) عما حال بين عقدة طرق "عالكولا" (نظير "عالصور" البيروتية القديمة وإنما على معنى آخر: "بعد الكولا؟"، على ما يلاحظ الكاتب)، وهي ليست "محلة" ولا ساحة ولا محطة سفر(يات) ولا ضاحية بل ثنايا تأخذ من هذه الأحوال كلها بطرف أو ثنية- وبين الاستواء ساحة، على بعض جوابه: لم يكن المكان يوماً مسرح منازعة إنشائية"، إذا جازت العبارة، أو تأسيسية بين ما شبَّه مركزاً أو بؤرة وبين جماعة أو مجتمع أو أهل اجتماع. وتضافر الطرفية (المكانية والأهلية)، والوصلات أو المحطات والبوابات، وجزئية الجماعات المتقطعة والملحقة بـ"مراكز" أو مرافق نائية، لعل تضافر هذه الاحوال والسمات فاقم التفلت من المركز(ين) ومن قطبية المنازعة فلم يجتمع "جسم" المكان المتخلع في معنى متماسك من غير مشهد رمزي او حادثة "أولى"، فتعقد هذه بين الحوادث المتفرقة، الناس والمرافق والمصادر ومقاصد السعي، على مسرح منازعة متجددة الفصول والأدوار من غير ان تنفك واحدة، على سبيل التورية والاستعارة. وقد تتفرق "عالكولا" ساحات أو زوايا أو تنأى الواحدة فيها بحالها، شأن المجمع السكني الضخم الجديد والقوي الشبه بالعمارة "التوربو" في بلغراد (صورة ص 22، وصورة ص 17 البلغرادية) ووارث قصة المعمل المندثر، عن قريناتها او تندمج في كتلة من كتل الطريق الجديدة.
القاهرة وميدانها
وحين يؤرخ خالد أدهم لـ"نشوء ميدان التحرير" في القاهرة، وتقلبه بين "منعزل مائي، (و) طرف، ثم مركز" (ص 36-37)، يدعو القارئ أول ما يدعوه الى ملاحظة تجدد فصول المنازعة وأدوارها وانعقادها على قطبين وعلى مسرح أو ميدان. ففي 21 شباط 1946 "تقاطر عشرات الآلاف (من المصريين) الى وسط (القاهرة)... وعندما بلغ المتظاهرون (ميدان الاسماعيلية، التحرير من بعد) اتجهت نحوهم أربع مركبات عسكرية، وأصلتهم نيران رشاشاتها، فقتلت 23 متظاهراً". وسمى المتظاهرون اليوم المشهود، "يوم الجلاء" تيمناً بجلاء القوات البريطانية الذي يستبقونه، على نحو ما يستبقون اليوم "الرحيل" أو "النصر" أو "الكرامة". ولا يشك خالد أدهم في ان ميدان التحرير "كرسته ثورة 1952 (...) مركز المدينة الرمزي والسياسي المركزي للمدينة". والنعوت الاربعة، العمراني والرمزي والسياسي والمركزي، وهي على صيغة النسبة، تعيد وتبدي معنى واحداً على وجوهه: المعمارية الاجتماعية، والتاريخية الانشائية، والقطبية المشتركة، والمرتبية.
وتعقُّب أحوال المكان الخالص أو المحض، على النحو الذي يتعقبها عليه المؤرخ، حجة على ان الساحة لا "تولد" ساحة أو غير ساحة ("عالكولا" مثلاً) بل تصير ساحة، على مثال المرأة ومنوالها في سيرة سيمون دي بوفوار التاريخية والاناسية "الجنس الثاني". فأول أمره كان الميدان العتيد "مفازات من الوحل منتشرة بين سبخات واسعة في مستنقع كبير" وبعيدة من الكتلة الحضرية والسكانية القائمة الى الشرق. والى منتصف القرن التاسع عشر، توسعت المدينة على محور شمالي جنوبي، وقيدت تلال المقطم توسعها الى الشرق وأراضي الطمي وسماح النيل تمددها الى الغرب. وحرر انحراف مجرى النيل صوب الغرب، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر (م)، أرضاً حملت من الماضي القريب والقديم الوحول والاستنقاع قبل أن يهذبها الاستعمال والاستصلاح البشريان و"المدنيان". والتمدين جاء على صورة السلطان والملك. فبنى ابراهيم، نائب السلطان على مصر، القصر العالي بين النيل وبين المدينة "الملكية" والاسلامية وزرع الارض. وحين خلف سعيد ابراهيم شيد قصر النيل، غير بعيد من القصر العالي. وخلف الجيش المصري وثكنه ووزارة حربه على قصر سعيد، على ما يليق بالقوة المسلحة وبحراستها "القصر" من المدينة، والفصل بين الاثنين. وبنى اسماعيل قصراً ثالثاً، الاسماعيلية، في الارض المستصلحة. وأباح هذه، على عرضها ورخصها، للمقاولين والباشوات والوزراء وقادة الجيش. فأخرج توسع المدينة من محور الشمال الجنوب، وقدم قطب الغرب عليه مفتتحاً الصفحة المحدثة، "الاوروبية" و"الكولونيالية"، عليه. فانقلبت المدينة من قاهرة أولى، بلدية وأهلية، الى "قاهرة ثانية"، بورجوازية وسياحية وإدارية سياسية. وعلى هذا، حل مبنى البرلمان محل الثكن العسكرية التي اخرجت من المخطط، على ما ينبغي في دولة حديثة لا يستوفي "جسد الملك"، لا الزائل الفاني والفردي ولا الرمزي أو الصوفي السلالي الباقي، تمثيلها أو التمثيل عليها.

وأقامت القاهرة "الجديدة"، وهي عصور وطبقات، على إدارة ظهرها الى النيل، والشخوص الى الاسماعيلية والقاهرة. وانتظر الميدان الاسماعيلي نحو قرن من الزمن، الى 1951 وغداة إخلاء الجيش البريطاني المحتل ثكن قصر النيل، لتتوسطه شارات إنشائية، مثل "المجمع" الوزاري والاداري، على صفة مركزية "ثقافية وسياسية". ونافست الميدان على الصدارة السياسية الرمزية ساحات أو ميادين أخرى مثل ميدان الاوبرا. والقرينة على "ميدانية" الأوبرا السياسية هي قصد "التظاهرات العامة" المكان، وانتخابه محجة ووجهة وموئلاً. ورفد كورنيش النيل، والفنادق الجديدة التي رعت السلطة "الوطنية" والعامية (الناصرية) تشييدها، الاسماعيلية التحرير بروافد جمهور عريض، ونازعها عليه وعلى استقطابه واستقباله. ونهضت الفنادق الكبيرة، سميراميس فشيبيرد فهيلتون، أقرب فأقرب الى النيل، والى الاهرام مما يلي النيل، علامات على دمج القاهرة البلدية والاهلية بالقاهرة المحدثة، الرأسمالية والوطنية، و"توحيد(هما)" على "مجرى النيل... الذي يربط البلاد بأسرها"، على قول خالد أدهم غير المقنع ولا المتماسك. فهو "يطير" على زعمي من تعاقب حلقات عمرانية واجتماعية وسياسية الى خلاصة "رمزية" مجردة مسوغها "احلام الماء"، على ما كان باشلار قال في الصور الشعرية السابحة في المادة الأولى الاسطورية. والملاحظة على موقع الميدان بين أحياء سكنية الى الشرق، هي امتداد القاهرة "الكلاسيكية"، وبين مبان رسمية تطوقه من الجهات الاخرى، أو "بين المدينة (مجتمعها) والدولة" تقيد الطيران ببينية عمرانية عامة وضعيفة الدلالة على هذا النحو. فالسعي في الاختصار الرمزي، والرغبة فيه، يدعوان ربما الى نهب الوقت والمسافات والمسارات والبيانات. وهو ما تدعو اليه الساحة حين تتألق في حادثة أو حوادث تاريخية غالباً ما يلابسها الفعل (المنازعة) والموت المأساوي (الرد على طلب الاقتسام) و"الاسطوري". ولكن التحجير على ألق الحادثة في بنية ثابتة يمزج ضربين او وقتين من التاريخ والتأريخ ويتعسف.

السبت، 6 يوليو 2013

[ نشر محاورة فارس ساسين ميشيل فوكو في ايران وحركتها السياسية الدينية (1979) كاملة] حمل فوكو الحركة على "روحانية سياسية" انقياد لتشبيه متجدد

المستقبل، 7/7/2013
في صيف 1979، رغب جامعي لبناني، فارس ساسين، انتهى لتوه من كتابة اطروحة في الفلسفة بباريس ويزمع العودة الى بلده والعمل فيه، في مقابلة ميشيل فوكوـ "العلم" الفكري السياسي، ومحاورته في رأيه في ايران، 6 أشهر غداة عودة روح الله خميني الى طهران، ونحو سنة كاملة على التقوض على الشاه واحتشاد التظاهرات اللجبة. وسبق المحاورة الطويلة (ص 34-56 من مجلة "روديو" الفرنسية، شباط 2013، وكان نشر فارس ساسين صيغة عربية للمحاورة في "النهار العربي والدولي، 26/8/1979، هي معظم الصيغة الأصلية الفرنسية) تردد فوكو الى إيران، مرتين على قوله، وقضاؤه نحو 5 أسابيع في طهران وقم وعبادان. وسبقها، على وجه أخص، مبادرته الى الكتابة والكلام في الموضوع مرات كثيرة، تحقيقاً ووصفاً وتأملاً وتحليلاً. ولم يتستر "المفكر" الذائع الصيت على انعطافه الى الانتفاضة الايرانية على محمد رضا ميرزا (بهلوي). وذهب يومها الى أن قيام الايرانيين على طاغيتهم، على غير مثال أوروبي وغربي – حزبي وإيديولوجي ومركزي ومرتبي وتمثيلي بحسب تعريفه- وهم ثابتون على "إسلامهم"، ومجمعون على الخروج من الطغيان والفساد والانحراف والتبذير والغطرسة الى "حكومة اسلامية" ومن طريق هكذا "حكومة"، وراضون بالموت في هذا السبيل، ذهب الى ان القيام على هذا النحو يشبه بعض ما عرفته اوروبا في القرون الثلاثة أو الاربعة، بين الثاني عشر والسادس عشر، من "روحانية سياسية".
(في مناسبة انتخاب حسن روحاني نشر الثوريون السوريون هذا الرسم)

 وألهبت العبارة، وإيحاءات المديح والثناء التي تنم بها ومسايرتها ظاهراً مقاصد بعض قادة الثورة المعممين الدعاوية والمعلنة وإرادتهم "إفحام" أصحاب الميول الغربية والليبرالية من جمهور الثورة وإسكاتهم، المناقشات والردود. وهي لا تزال تتردد أصداؤها الى اليوم: حين تطبع محاضرات ميشيل فوكو في الـ"كوليج دي فرانس" في 1978 و1979، وهي تناولت مسألة الحكومة وأطوارها وصيغها ومعاملتها المحكومين "الاحياء" وأقواتهم وصحتهم وإقاماتهم الاقليمية ومواصلاتهم والمذاهب الليبرالية الجديدة في تنظيم الدول واسواقها... وحين يعمد روائي بوليسي وخبير أمني الى مديح الجماعة الشيعية المسلحة في لبنان وخطيبها والانحاء باللوم على رئيس وزراء الدولة العبرية، فيتذرع بسابقة ميشيل فوكو، ويرجو الرفق في النقد واحتساب الفرق بين "علمه" الضئيل وعلم قدوته "المحيط"... وحين يتذكر أخيراً أحد أصحابنا سعي "علماء" الإمامية الايرانيين وحرسييهم في صبغ الانتخابات الرئاسية الدورية، وتحت مراقبة مجلس خبراء الدستور البوليسية والتفتيشية، بصبغة "الملحمة" الشاهنامية والفيروز أبادية، وحملهم العمل الأمني والقمعي الحقير على صنو الخلاص المهدوي...

قيد الظروف
  ويعود المثقف الفرنسي العَلَم في محاورته الطويلة (مع) فارس ساسين، وأجوبته عن أسئلة محاوره النشطة والمستدرجة (من غير تعمد الايقاع أو التسلط على محاوره، على خلاف تهمة سيمون دي بوفوار بيير فيكتور أو بينّي ليفي ومحاوراته سارتر "المسن" أو "الشيخ" قبل وفاته في 1980) الى "الروحانية السياسية" العتيدة ومحلها من مقارناته ومشاهداته ومفهوماته السياسية والتاريخية والفلسفية. وفي أعقاب 34 سنة على المحاورة، تفجأ هذه قارئها في لغتها الأصلية، ومن غير "تهذيبها" أو تشذيب بُنَيَّاتها، وبعض "صغائر" مجرياتها وحوادثها الهامشية، بحيوية أصدائها، ودوام هذه الحيوية. فهي راهنة ومعاصرة، على معنى منقطع من الصحة والإصابة أو الحقيقة. وأزعم، على ما أحاول البرهان فيما يلي من العجالة أن مقالة فوكو فيما رأى وسمع وعلم بإيران، ومن حركة الايرانيين، سداها ولحمتها غفلة ثقيلة ومعمية عن تاريخ الايرانيين، ووقائعه وحوادثه المعاصرة (1978و1979). فهو أراد التحري الصحفي (أو الصحافي) والخبري عن حادثة كبيرة و"ماثلة" على نحو معقد، شأن الحوادث الكبيرة، وسبق له أن وصف الصحافة المعاصرة بـ"البطولة". فإذا به، على خلاف نهجه في التأريخ، يُسلِّم لمصادري الحادثة و"علمائها" وأصحابها بـ"معنى" الحادثة المفترض – وهو مفترض حرفياً.  ولكن هذا التسليم، إذا صح الوصف أو التقرير، لا يقتصر على الحال المنكرة أو المستنكرة ولا على المقالة نفسها. وإعلانه أو جهره من أين أُتي وحُمل على قول ما يقول، وأشكل عليه وشبِّه له، "درس جميل"، على قول محاوره اللبناني اليوم، في جلاء عوامل الرأي والحكم ("ملكة" الاحكام أو الأقضية) في المسائل الانسانية و"الزمنية"، والسياسية منها في منزلة عالية. وسرد الرجل مراحل استواء رأيه على ما استوى عليه، وتقييده الاستواء بقيود كثيرة، من حيث إلمامه بما يتكلم فيه ومصادر هذا الإلمام ومن حيث الوقت الذي أتيح له وموقع الوقت من صيرورة الحوادث الايرانية والمعايير التي يقيس بها وعليها. هذه كلها تنبه على ملابسات الرأي السياسي عموماً وشبهاته. ولا تحمل الملاحظة العامة هذه على اختصار المسألة في "تخطئة" الرأي أو "تصحيحه" و"تحقيقه". فليس في التخطئة أو التصحيح، غداة 35 سنة على انقضاء الحادثة، موضوع الرأي، ما يُعتد به أو يُستقوى، ولكان متحف الآراء أو متاحفها الباردة هي المحل الذي يليق بالرأي هذا. ولكن هجوم الحوادث المعاصرة واليومية، من وقائع الحركات التونسية والمصرية والليبية والسورية الى الانتخابات الرئاسية الايرانية الاخيرة وتظاهرات 30 يونيو (حزيران) المصرية وما تلاها، على المحاورة وإقحامها بعض أصدائها وإيحاءاتها في سطورها، قرينة على خلاف هذا الزعم. والاقتصار على المحاورة، دون المقالتين التاليتين اللتين تتناولانها في عدد المجلة نفسه ودون مقالات فوكو نفسه في الحوادث الايرانية وملاحظاته عليها، اقتضاه تعقب عوامل المعاصرة او الراهنية، في رطانة العصر.
 فأول ما يشغل صاحبنا، وأشد ما يشغله، هو تقييد مقالته أو رأيه في الثورة الايرانية يومذاك بملابساته وظروفه "الفوكوية" (الفوكالدية"، على نحت الصفة الفرنسية). فما دعاه، هو، ميشال فوكو صاحب مقالة "الروحانية السياسية" في انتفاضة الايرانيين انتفاضة رجل واحد على الشاه ونظامه وإجماعهم على خلعه، من غير قيادة مركزية سابقة ولا إيديولوجية ثورية  غربية" ماركسية أو ليبرالية ديموقراطية- الى طلب شهود حوادث الثورة من غير وسيط، ورصدها ووصفها عن كثب، ليس إلا جملة وقائع ثانوية ومبعثرة. فهو لا يزعم، على ما كان وسعه الزعم غير مكذَّب، أنه أراد اختبار ولادة علاقات الأمر والسلطات والتقليد من رحم الخروج والتقوض والاجتماع الحاشد في المشاهد والحج، أو إجهاض هذه الولادة. فيتحاشى "شد الغطاء الى جهته"، على قول فرنسي سائر، أو تسويغ فضوله ورغبته في المشاهدة والمحاورة بافتراض رابطة بين الحوادث وبين مقالاته هو، فتنوه (الرابطة) بسبقه "النظري" أو باستشراف مقالاته مشكلات العصر وقضاياه الحارة، على ما يرغب كثيرون. وحين يسترسل المحاوَر في شرح تناوله السلطة والسيطرة على وجهيهما، وجه التسلط ووجه جوابه والرد عليه الذي يضطره الى تغيير جلده وتقنياته وخططه ومقاصده ( في ص 46-47 على الخصوص وبعض الذيول والاصداء في الص 50 و51 و52)، لا يبعد عن التسويغ، ولا عن الكناية عن نفسه ومقالاته. ولكنه حين يسأل من غير مداورة عما دعاه الى الرواح الى ايران، ولبس مسوح الصحافي والمخبر الشاهد، يقتصر جوابه على التعلل بقراءة كتاب ارنست بلوخ "الرجاء أصلاً". و وما يسأل عنه فوكو فعلاً هو تشخيصه ظاهرة غريبة تجمع، على نحو غير متوقع وممتنع (أو بدا ممتنعاً) "روحانية" غير متخلصة من أصدائها وأعلاقها "الشرقية" والصوفية أو المسيحية الثورية وغير الجهازية-  بين الحلاج بحسب ماسينيون وتيريز الإبلاوية على ما "رواها" جورج باتاي- الى "سياسة" لا تتنكر لرغبات الجماعة، أو الأمة على معنى الاجتماع الأصيل و"المنصهر" (سارتر) ولا تنصب عليها سيداً آمراً وحاكماً.
 والتعلل أو التذرع بكتاب الماركسي الألماني الذي شغلته الثورات البروتستانتية الدينية والاجتماعية قبل عمله الجامع بعقود – فكتب في ثورة الفلاحين "اللوثرية" التي قادها توماس مونزير كتاباً متوهجاً- هو أقرب الى التنصل منه الى التعليل. فهو يقول (ونقل هذ الجزء من المحاورة الى العربية ملخصاً في "صحافة العالم"، "الحياة" اللندنية، 19/6/ 2013، بتوقيع فوكو ومن غير اشارة الى صيغة المحاورة) إنه قرأ كتاب بلوخ، وتأريخه غير الدقيق في "ميزان العلم التاريخي" (لـ) ما يرهص منذ القرون الوسيطة الاخيرة، القرون 12 الى 16، بفكرة الثورة ومثالها. وهذه الفكرة حضنتها حركات دينية جماهيرية. فاستجابت جماعات عريضة دعوات غير مأذونة، لم تأذن بها المراتب الكنسية الرسمية الى مباشرة رسوم الخلاص الآخر منذ اليوم، وفي الحياة الدنيا والفانية.
 ومثَّلت الحركات الدينية على رسوم الخلاص بإلغاء المراتب الكهنوتية، والاستغناء عن الوساطة، وتقديم المساواة  أو الأخوة بين المؤمنين، وإعلاء مكانة الإلهام والانتشاء و"الجذب" الفردية. وأوَّلت الوعد بالقيامة والبعث الأخرويين شراكةَ (جماعة) المؤمنين وأخوتهم ومساواتهم، وذوبان وجداناتهم في وجدان جامع واحد. فترتفع الحجب عن الضمائر والسرائر، ويتقاسم الأخوة ما يملكون ويحوزون، ويتخففون من أثقال الدنيا وممتلكاتها التي يتفاضل الناس بها ويتفاوتون على مراتب تفصل بينهم، وتفرقهم، وتجرهم الى الاقتتال. وقدم تأويلُ المسيحية على هذا الوجه أجزاء الرواية الانجيلية التي تجلو التقاسم والشراكة والأخوة في صور بهية، مثل وليمة قانا وتكثير الخبز والسمك والنبيذ، أو العشاء الأخير عشية التعليق على خشبة الصليب، أو "مشهد" القيامة والفصح وسلام المؤمنين بعضهم على بعض وتهنئتهم بعضهم بعضاً بالقيامة "الحق" والمتجددة، إلخ. وهذه كلها تنصب الرجاء، وليس الأمل، أصلاً وركناً، وليس مبدأ (على خلاف زعم الترجمة العربية "مبدأ الامل"، وهي أقرب الى "مبادئ" الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكشافة النجادة والنهضة، منها الى تأويل بلوخ...). وكان فرانتز روزينزفايغ، قبل غيرشوم شوليم وإرنست بلوخ، ذهب في كتابه الموسوم بـ"نجمة الخلاص" (1925) الى أن مسيحانية انتظار الخلاص اليهودية تتعدى الاقرار بأبعاد الزمان الثلاثة، ماضي الخلق وحاضر التبليغ وآتي "المملكة"، الى إيجاب هذه الأبعاد وتحقيقها في حياة البشر واجتماعهم ومعاملاتهم أو عمرانهم.
نسب الثورة
وما يستوقف الكاتب الفرنسي، العقلاني والعلماني الدهري على ما وصف نفسه غير مرة، هو شجرة نسب الثورة وفكرتها و"الحق" فيها، على ما وسم محاوراته الطويلة مع بيني ليفي (بيير فيكتور "اليساري البروليتاري" والماوي يومها، على ما مر أعلاه) غداة ربيع 1968 وحركاته الشبابية. فحين تكشف الرجع الأخير أو الصدى الآفل للتقليد الثوري (الفرنسي) المتحدر من 1789 و1793 و1848 و1871 عن "نهاية" الثورة وأفول فكرتها في "احتفال" 1968، وكانت الأحزاب الشيوعية الماركسية فاللينينية والستالينية زعمت ان هذا التقليد وديعة فيها وفي "البروليتاريا" التي تمثلها وتقودها، قام الاحتفال العتيد قرينة على استقرار الرأسمالية على "مرحلة"، على قول بيانات الأممية الثالثة، ليس ما بعدها إلا هي في صورة متناسلة ومتجددة في "نيو" حلة فرضيات، 20 عاماً قبل بشارة الأميركي – الياباني فرانسيس فوكوياما، غداة تداعي جدار برلين والستارة الحديد ببلوغ "التاريخ" ختامه وغايته. ولعل "تذكر" أحد أعلام ربيع 1968 الفرنسي، العَلَم على بنيانية آسرة ثم العلم على ما بعد هذه البنيانية، عنيت ميشيل فوكو، نسباً دينياً بروتستانتياً ومبتدعاً ، للـ"ثورة" التي أبرقت وأرعدت بباريس، وبعض جامعاتها وضواحيها، ولم تمطر ولم تخلف ذرية سياسية، لعل هذا التذكر، غداة عقد تام على الانعطاف الفكري الذي كان فوكو أحد وارثيه وخازنيه وألسنته البليغة، ترجيح للفكرة الآفلة، وتنسم لها واستشراف لهبوبها من ناحية غير ("الغرب"). ويخلف غيرُ ("الغرب") هذا، الايراني والاسلامي الشيعي، غيرَ ("غرب") آخر ماوياً شرقياً فلاحياً متمرداً على المدن والتقنية والمراتب، قريباً زمناً من الدور أو الوقت الايراني "الثوري".
ويدعو الى التقريب والمقارنة استهلال صاحب "تاريخ الجنون" و"تاريخ الجنسانية" محاورته اللبناني "الشرقي القادم اليه من وساطة كاتبين مصريين "مسلمين" وماووين، وسائله عن السبب في "انهمامه" بإيران، بإثبات رأيين متلازمين: نسب الثورة السياسية (الشعبية) الديني في الغرب، واطراح الثورة الايرانية الشعبية وهيئاتها وتمثلاتها الدينية "الاديولوجية الثورية الغربية" وحزبها السياسي ومنظماتها. ويفرع الفيلسوف الفرنسي على هذين الاصلين فروعاً متضافرة. فهو ينفي عن الاسلام الايراني رده، على ما فعل معاصرون كثيرون بعضهم إيرانيون، أو حله في "مجرد وسيط" أو سند تعرب الجماهير المنتفضة من طريقها عن حاجاتها الاجتماعية بعد أن أعيتها الحيلة، وسدت عليها منافذ العبارة ومسالكها الحديثة أو الغربية. والاسلام الايراني الشيعي على ما "رأى" الشاهد البارز، عامل قائم بنفسه. وآية هذا إقبال "ملايين وملايين من الناس" على مجابهة جيش وشرطة قويين وقاتلين. ويعزو الشاهد الإقبال غير الهياب على المجابهة والموت الى "قوة سياسية ودينية معاً" تبعث على الثورة والموت، وإلى "معتقد ديني صادق وعميق"، يُوْدعه الثائرون لغتهم و"مصطلح" ثورتهم. و"يذكر" هذا المعرض الشاهد الاوروبي بحركات القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر الدينية: القوة على القيام والخروج ، والبعث على الموت، والتوسل بالمعتقد لغة ومصطلحاً متعارفين وسائرين.
والى القوة (على جبه الموت) واللغة المشتركة، ينسب المؤرخ الى المعتقد الديني الإجماع أو الإرادة المجمعة، الواحدة و"العامة"، التي تنفخ في الحركة الايرانية. ويرى أن الارادة المجمعة أو الجامعة هي صنو جماعة تامة الحضور، من غير تمثيل ولا انتداب ولا تفاوت أو مراتب. وتصيب الحيرة الشديدة صحافي الواقعة أو الحادثة الايرانية المرتجل حين يسأله محاوره عن موضوع الإرادة المجمعة أو فُرادها. فيقر بأنه لا يعرف، قبل أن يغامر بجواب "جريء" بل بالغ الجرأة، سنده الوحيد الى حدس الرجل، القياس على السوابق الأوروبية، البروتستانتية أو "البدع" المهدوية والخلاصية التي سبقتها ومهدت الطريق الى فك الدنيا وعالمها من الآخرة، والى "الخروج من الدين" الى حالة زمنية خالصة، أو "رفع السحر من العالم"، على قول بعضهم. فيقول، قياساً على السابقة المعمدانية، أن الايرانيين أرادوا وهم يخرجون للتظاهر كل يوم ويغامرون بأنفسهم ودمائهم، بل أجمعوا على إرادة خلاص أخروي وديني او هو أشبه بالخلاص الأخروي والديني. ويقرأ الفيلسوف والمؤرخ الذي قلب مناهج التأريخ رأساً على عقب حين حمل موضوعاته (الجنون والجنس والسجن والسلطات والحياة والأمكنة والزمان والحقيقة والصداقة...) على شبكات أفعال وقوى ومعارف وردود ومراوغة واستجابات وتحريف، هو نفسه يقرأ إرادة الخلاص الأخروي والديني في "قاع دماغ" الايرانيين المنتفضين أو "في مرمى نظرهم ومحطه" (ص 37).
 ويكاد الرجل يعتذر عن جرأته الجامحة في اكتناه الخفي والدقيق على الإثبات والتعيين، فيقول أن هذا، اي إرادة الخلاص الأخروي والديني، هو ما "تتماسك به إرادة الايرانيين، صورةً وقوةً، ولا تتماسك برفضهم النظام القائم وقرفهم من فوضاه وفساده وتبديده وشرطته ومذابحه. وكأنه يسوغ زعمه لنفسه – وسلاحه في هذا المعرض هو سابقة أوروبية استطالت أربعة قرون ومشاهدة "عارية" ومباشرة دامت 4 أسابيع من سنة واحدة لم تتم من عمر الثورة- سبرَ ما يريده الايرانيون إرادة حدس وليس إرادة جهر وبصيرة، فيعرضه على امتحان "التماسك" واختبار الاجماع وقوة الخروج الى (طلب) الموت. ولكن بعض التردد في الجزم، في مضمون الانتظار، على منعطف ص37 الى ص 38، لا يلجم اندفاعة المؤرخ وحماسته. فيذهب الى ان داعي الايرانيين الموجب، أو "الايجابي" والجامع الى الثورة هو إرادتهم "اجتماعاً مشتركاً ومتقاسماً لا يتصور في صورة سياسية". ومرة رابعة أو خامسة يعرِّف صاحبنا الاجتماع المتقاسم والمشترك، غير السياسي وغير الافلاطوني (على ما كان ذهب اليه اندريه غلوكسمان قبل وقت غير بعيد)، بخلاف أو مخالفة "البنيان السياسي على الصورة الغربية". ويدلف فوكو من هذه الضدية أو ينزلق مستجيباً دعوة فارس ساسين الحيية والمراوغة المقنعة بإغفال الأسماء و"أحزابها" الى الرضا بتشبيه الحركة الايرانية ومنازعها المضمرة بالحركات الدينية التي ناهضت نشوء "الدولة"، أو السلطة المنفصلة عن المجتمع (أو الجماعات)، في مجتمعات أو أقوام لم تعرف الكتابة. فيقول "نعم، نعم، نعم" (ثلاثاً!) و"(صحيح) بإطلاق" (أو "صحة مطلقة"، مرتين) أن "صور المساواة" الاجتماعية والمتقاسمة التي يسعى فيها الايرانيون، ويسميها بعض قادة الثورة "حكومة اسلامية"، "قد تصدق تسميتها بما يقرب أن يكون مجتمعاً من غير دولة"، على قول ساسين حذراً، ومحرِّفاً وسم عمل بيير كلاستر (شريك كاستورياديس وكلود لوفور ومارسيل غوشيه في اصدار مجلة "ليبر"، والثلاثة من أشد نقاد ميشيل فوكو "السياسي" وأحدَّهم احتجاجاً)، ومعناه العميق. فالمجتمع "من غير" دولة قد يحمل على القصور عن الدولة، وبلوغ "مرحلتها" وطورها، وأما كلاستر فأراد مجتمعاً ينقُضُ على الدولة، ويقوم مقام نقيضها أو غيرها، ويحول حجُّه الديني الخطابي والروائي والفعلي ورحلته الى المصدر الالهي والاندماج به، دون قرار بنيان الدولة على مراكمة وتفاوت (تفاضل) أو فرق وبطولة.
 ويسلمِّ فوكو بما سمعه من ثلاثة، شريعتمداري وبازركان وكاظم سامي، من أن الاسلام – وهو "دين ودولة" على نحو "مفرط"، على قول ساسين منبهاً محاوره الى جراءة قولته – لا يتهدد "الأشكال الدقيقة والمتعقلة والمتوازنة" التي تعقل بها الديموقراطية الغربية السلطة" ولا يضيرها، ويلقي بالتبعة عن الرأي المشكل على الثلاثة. ولكنه يخلص من هذا الى مقارنة ليست أقل إشكالاً وإبراماً من السابقة، بين حال الغليان الايرانية في خريف 1978 و"الكالفينية" (نسبة الى جان كالفان، 1520 – 1524، البروتستانتي الفرنسي – السويسري، الجنيفي). وتلوي المقارنة "الجريئة" عنق الوقائع. فينسب الى "الروحانية السياسية" التي أوجبها أو أثبتها لتوه علة ما تتماسك به الانتفاضة المستميتة والعامة والجامعة على الشاه، و(علة) انتظار قسمة اجتماع من غير مراتب ولا أمر ولا توكيل، "صورة روحانية كاملة (تنهض على) علاقة فردية بالخالق وبالقيم الروحية". ويحدس فوكو من مقارنته "العظيمة" هذه، والقائمة على تحريف تاريخي على جهتيها (الكالفينية والتشيع الإمامي الإيراني عموماً ويومها)، مبالغةً أو غلواً. فيستدرك قائلاً إن الكالفينية لم تكن "النعيم على الارض"، وأنها قادت الى "محارق"، وأنه هو لا يصبو الى هذه الروحانية... ولكنه يعود من استدراكه أو تحفظه الى مديح الحركات الثورية، حركات التغيير الاجتماعي والسياسي في بلدان العالم الثالث "على ما تسمى" فيصفها بـ"الحرّى" أو "المحمومة"، ويثني على "ضربها بذورها في (تربة) تراث ثقافي" خاص وببلدي، وعلى تركها "محاولة محاكاة الغرب والنسج على منواله" و"جرحها" هذا الغرب كان ماركسياً أم ليبرالياً. وهو يعزو هبة الشعب الواحد، وثورته المشتركة والنشطة على النظام، الى الاسلام. فالإسلام "أجاز الخروج و"أتاحه"، وجمع الشعب كله عليه، وأشركه فيه، وهو مجلى التعارف ومرآة التخاطب بين "أجزاء" الشعب الواحد وبين الشعب نفسه، وأداة بلوغ الثورة أقاصي الأرياف النائية... (ص 41).
صناعة الإجماع

ولعل هذا التداعي الوجداني والضميري "الجوهري"، أو الفينومولوجي على معنى تقني، هو ما حمل فوكو، معمِل معول الهدم في المثال "الانساني" والذاتي السارتري والمؤذن بامحاء الانسان وصورته على شاكلة ذوبان تمثال من رمل وتبدده على افق البحر، على الإقرار المنتشي في المحاورة نفسها بأنه يقترب من سرعة خاطفة و"ضوئية" من سارتر ورؤياه الى الحرية (ص51)، ومن فيخته و"أناه المطلقة" وتكاثر أدوار الأنا على نحو مراتب مراقبة لا إلى غاية أو نهاية. وهو انتهى الى الاقرار المنتشي هذا من طريق مديح الانتفاضة سريانها في الشعب كله، ومن طريق إطراء علي شريعتي ومعارضته إسلاماً أو تشيعاً علوياً أصيلاً وفطرياً بتشيع سلطاني ومرتبي وحبري (إكيلركي)، و(طريق) إعلاء شأن "معيوش الثورة (ص42) وتقديمه على التعليل المعقلن و"النسبي" وإعمال "المعيوش" الثوري والذاتي في تفسير أو فهم "انقطاع" الواحد من نفسه أو "نكرانه"، على قول سارتر في حرية الوجدان أو الوعي، حاله المنقضية، وإرادته أن يكون غير ما كانه لتوه وانقلابه عليه لا لعلة غير إرادته أو عزيمته (ص45)... وتقريب فوكو مقالته في الثورة الدينية و"الاسلام" و"العالم الثالث" والثقافات غير الغربية، وفي الغرب نفسه في وقتيه الديني الروحاني على عتبة الأزمنة الحديثة والسياسي الزمني والدهري في أثناء هذه الأزمنة، تقريبه هذه المقالة من سارتر ورؤياه الى الحرية يكني عن تقرب أعرض وأعقد تكاد مسألة الحرية تتسر عليه.
فما تستعيره مقالة فوكو في الحركة الايرانية من مقالة سارتر في حركات 1968، وهو حقيقةً سارتر "نقد العقل الجدلي" (1961) فوق ما هو صاحب "الكون والوجود" (الانساني – العادم) (1944)، يتناول "ولادة الجماعة في حال انصهار" ومثالها تظاهرة 14 تموز 1789 الى الباستيل أو اجتماع سواقط الأرياف والضواحي أو مستضعفي الأرض في البلدان المستعمرة في جيش تحرير شعبي، وتخطيها الوجدانات المنفصلة والمغلقة في وجدان مشترك وفاعل. ويتناول الاستعارة، من وجه آخر متصل بالاول ، المقالة في "العملي المتجمد"، إذا جازت العبارة. ويعني بها سارتر ما يقوله فوكو، في المحاورة (ص 45-46) في "إواليات السلطة"، وسعيها في التحجر على الانماط ونواهيها المتماسكة والمتعنتة، وحملها على طبائع لا تتغير ولا تحول. وعلى هذا، فالانقطاع من سلسلة العلل والمعلولات، والخروج عليها، يستقيم فهمه من طريق "جماعة منصهرة" تنفض عنها قيود "العملي المتحجر" وأثقاله، وترضى الموت مثلاً دون انصهار وجداناتها الفردية في وجدان مشترك وجامع ويقظتها عليه. وهذا "سر" الإجماع الذي يسميه فوكو "إرادة عامة وواحدة"، باسم "غربي". وهذا ما يقول أنه رآه رأي العين في وضح النهار بطهران وقم وعبادان وليس خيالاً بواسطة غَلَس الظلام، على قول الأخطل في الرباب الغامضة.
 وهذا، أي رأي العين والبديهة، هو ما نبه صاحبنا في أعماله كلها الى "كذبه" البنيوي، والى تستره العنيد على إواليات فعل واصطناع واستدراج وتطويع حين يستعرض نفسه في صور الأصل والابتداء والتلقائية والشركة المحض. فهو حين يحتج للدين (التشيع الإمامية الايراني) بالعمومية، وبلوغ أطراف الأرياف وأقاصيها، يبدو وكأنه يسوِّي الاسلام بالجماعة كلاً وجميعاً، ويوحِّد وجدان الجماعة، وأفرادها، في الدين أو المعتقد الديني. ولا شك في أن الدين رابطة عامة، وتنزع الى الاحاطة بـ"كل" المجتمع أو الجماعة، على ما نوَّه إميل دوركهايم وشدد في أواخر القرن الاسبق. وما يرى إليه أو فيه فوكو فضيلة يختص بها الاسلام ينسيه ان التشيع الإمامي، قبل محمد رضا بهلوي وفي أثناء عهده وبعده ، هو مذهب الدولة الرسمي، على ما لم يفت الدستور الايراني الخميني النص، ومذهب الشطر الغالب من "الشعوب الايرانية". وفي صيف 1978 وخريفه، كان للمذهب ورجاله وعلمائه ومعتقديه في إيران 183 ألف معمم. وهذا الجيش اللجب من الدعاة كان يتولى تدبير عشرات آلاف النوادي المهدية والحسينية في مدن إيران وأريافها وبواديها ونجوعها. ولا تضاهي مبانٍ اجتماعية اخرى مباني التشيع الايراني انتشاراً وتأطيراً وسعة. فمكافأة "الشعب"، أو القيام بهيئات متصلة ومتماسكة كفواً له، سمة أولى من سمات الإوالية المذهبية الإمامية في إيران. وتشبيهها الانغراس في "وجدان" الشعب العام والواحد أو صدورها عن عمومه ووحدانيته، ليس من باب مختلف عن أبواب التشبيه الجوهري التي عرضها صاحبنا على مشرحته.
 وحين يقارن الحركة الايرانية وهي تخطو خطواتها الأولى بالبدع وبالحركات البروتستانتية الاوروبية، وذلك على وجه التقريب والشرح على قوله مرات كثيرة، ينسب الى الحركة الايرانية، والى تيارها الديني البارز على الخصوص، ما ليس فيها، ومن المحال أن يكون فيها. فالخروج الديني الاسلامي على الحاكم الظالم، والإمامي الاثنا عشري لا يشذ عن الحال، ليس خروج "أفراد" تربطهم بالله رابطة فردية أو شخصية، على ما يترتب على التشبيه بالكالفينية و"دولتها" في الثلث الثاني من القرن السادس عشر. فهم في خروجهم وانتظارهم، شأنهم في عمل نهارهم وليلتهم، جماعة منصهرة يتبارى أفرادها في نفي ذواتهم وفرادة عبادتهم أو رغباتهم أو تقواهم أو اعتقادهم، وفي إماتتها. ومحل "الامام" أو صاحب الزمان من الجماعة المهدية قرينة على "ذوبان" مادتها في كتلة واحدة. ومكانة شفاعة "اهل البيت" من الاعتقاد الامامي دليل آخر على صدارة الجماعة. وباطنية "علمها" وتأويلها دليل ثالث. وهذه كلها، الإمامة الكينونية والشفاعة الباطنية سمات "كاثوليكية" عميقة تناهض التذرير الفردي "البروتستناتي"، وترص الشيعة وراء "كنيستهم" و"اكليروسهم" و"أسرارهم" رصاً وإلباً واحداً ومجمعاً.
 وقيام الايرانيين على طاغيتهم (البهلوي) لا يشبه حركات البدع الدينية في القرن الثاني عشر الاوروبي والقرون التالية. فإيران 1978-1979 أمة في إطار أو كنف دولة أو كيان سياسي متماسك. والحركات الدينية  الأوروبية التي يُلمع إليها الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي كانت حركات بلدية أو محلية طرفية وأهلية، مسارحها إمارات ودوقيات. وحركات الاصلاح البروتستانتي، في القرن السادس عشر والقرون التي تلته الى يومنا، أقامت على بلديتها ومحليتها و"جمعيتها" (أو رابطتها)، وعلى كونفيديراليتها وبعدها من الدولة المركزية، أو من السلطنة والامبراطورية. فنشأت "مدن" أو "امارات"، ذاتية التدبير والحكم، وأقامت على انتظار الخلاص الأخروي والديني وهي على "جزئيتها" السياسية وشرذمتها الادارية، وفردية نخبها وطبقتها المتوسطة. ولا أثر للكونفيديرالية، أو للروابط والجمعيات "الراعوية" في الحركة الايرانية.
 ويهمل فوكو، في تسليمه لهواه الاتحادي الجامع، منازعات الانتفاضة الايرانية وصراعاتها الداخلية الدامية منذ مطالعها وبداياتها. فالمهديات والحسينيات لم تكن الهياكل الاجتماعية الوحيدة، بل رفدتها النوادي الرياضية والعائلية والمهنية تحت مراقبة الجسم "العلمائي". وتولى النوادي محاسيب وأزلام هم نواة جيش من البلطجية والشبيحة والشطار والزعار في لغة المدن العربية والاسلامية الوسيطة. وبعض هؤلاء قتلة لا يتورعون عن إسداء خدماتهم لقاء "أجر" كثير الصور والأصناف والأشكال، وتمجيد الموت من سننهم الثابتة. واستثمار الموت في الدعوات الى الخروج على "الظَلَمة" آلة من آلات التشيع الايراني "الثوري". وآية ذلك الفاقعة في صيف 1978 (في آب) هي حريق صالة سينما في ... عبادان (!)، ومقتل 400 انسان أو نفس في الصالة. فهذا الحريق هو فعلة أقدمت عليها بعض جماعات البلطجية الثورية والخلاصية. فالإقبال على التضحية بالنفس يسوِّل لمادحيه "تقنية" تكثير فرص بذل النفس، وطلب الموت، والانصياع له انتصاراً للثورة. وكانت شاعت في ذلك الصيف عبارات الخميني "العظيم": الموت لنا عادة" و"ليقتلونا فشعبنا سيعي أكثر"، وغيرها مثلها. ولم تنتظر الجماعات الخمينية الموت بيد الطاغية، أو بعض أجهزته الأمنية، فبادرت الى القتل، ونسبته الى الأجهزة الرسمية الشاهنشاهية، ودعت الجمهور الى اعتياده وطلبه. ولعل الاصطناع الاعظم هو تحصيل الإجماع من مسالك وطرق وتقنيات بالغة التعقيد والمهارة والفاعلية، وتضاهي تقنيات البوليس والتشريط و"البانوبتيك" (أو المراقبة المركزية والمشرفة) وإيجاب السريرة (النفسية) والمعيارية العامة وغيرها دقة واحتساباً وانتاجية. ويعود تحصيل الاجماع الى اسماعيل، الشاه الصفوي الأول. فأمير الحرب التركي والسني والصوفي، الفتي، كان في خيرة من أمرين: إما أن يدخل في ولاية السلطان العثماني وفتوحه، ويذوب فيها، وإما أن ينشئ أمة فارسية متجددّة يحجز التشيع الإمامي بين كثرتها السنية وبين سلطنة بني عثمان. وفي غضون عقدين أو ثلاثة صنع الشاه اسماعيل أمة فارسية إمامية ومتشيعة "جديدة". وتوسل الى صنيعه بتقنيات ردد روح الله خميني صداها في محاضراته في "الحكومة الاسلامية"، وأعملها وخلفاؤه من بعده في بعض أعماله الكبيرة. وأبرز هذه التقنيات الحج أو الزيارة الى "العتبات" والأضرحة والأفنية. فحمل الشاه المؤسس الايرانيين أفواجاً أفواجاً على التوافد الى العتبات والأضرحة، وزيارتها، والاقامة في ربوعها وجنباتها الأشهر الطويلة، ورفع الاسواق، وتلاوة الأدعية، والتبرك، والاختلاط، والتعارف، وإقامة مجالس العزاء وإحياء الموالد المعروفة والمجهولة، الى الاحتفال الكبير و"المليوني" قبل اللفظة أو العبارة في العشرة الاوائل من محرم واتباعها بالاربعينية ومولد المهدي والشعبانية... فالمواكب والمحامل، والشعائر، هي الشارة العظيمة على المسير الإمامي، وعلى صهره الأشياع وموالي أهل البيت، أو من ينوب منابهم، في "أمة" لحمتها إجماع لا يشذ عنه مؤمن صادق التقوى والاعتقاد. ولا تزال صيغة الزيارة، أو الحج الى العتبات مواكب وأفواجاً، على ما يرى في العراق منذ سقوط صدام حسين وفي إيران منذ 1979 وعلى ما شُهد في ضريح حجر بن عدي بجوار ضريح السيدة زينب أخيراً، فرضاً على التلامذة والطلبة، شيعة أو سنة.

  وهذه السيرة تتصل فصولاً الى آتٍ لا يُعلم ختامه.

السبت، 22 يونيو 2013

العراق مثالاً وحنا بطاطو دليلاً ...بناء الدولة الوطنية (العربية) في قبضة جهاز الاستيلاء العصبي الريعي والبيروقراطي

بدايات، العدد 5- ربيع 2013
 1-           تقديم
العراق وسوريا ومصر من اليوم الى الامس

 في ثاني يوم غزو القوات العراقية دولة الكويت مطلع آب 1990 أبلغ القائد العام للقوات المسلحة الغازية، وهو صدام حسين، رئيس اركان الجيش الفريق نزار الخزرجي أنه، أي القائد العام، "حرر" الكويت بـ"القطعات التابع (للقائد العام) مباشرة، وليس بقطعاتكم". وهذا رواه الخزرجي نفسه الى احدى الصحف العربية الدولية غداة سنة على غزو القوات المتحالفة، الاميركية والاوروبية، العراق، ودخولها بغداد في آذار 2003. فالقائد هو أمين عام الحزب الغالب، ورئيس الدولة، ورئيس مجلس الوزراء، رسمياً و"دستورياً". وهو فعلاً يعلو الدولة وهيئاتها وإداراتها وأجهزتها، وفكرتها إذا جازت العبارة، من طريق حرسه الجمهوري الخاص. ويخوض الحرب الخارجية الاقليمية – وهي سرعان ما انقلبت دولية، من وجه، وأهلية (حين انفجار الانتفاضة "الشعبانية" الشيعية، وقيام شيعة الفرات الاسفل على القوات الصدامية المنسحبة من الكويت)، من وجه آخر – بقواته الخاصة، ويقصي الجيش النظامي عن عمل عسكري وسياسي استراتيجي هو الاقرب الى مقومات كيان الدولة وسيادتها، وأشد القرارات تعريضاً لامتحانها. والحرس الجمهوري، في عراق ذلك الوقت أو في سوريا اليوم أو في ليبيا الاستيلاء القذافي الطويل، ليس قوة خاصة، على معنى اللفظة الدقيق، لا تجنيداً ولا تسليحاً ولا تمويلاً ولا رتباً. فما ينسبه الى الخصوص الرئاسي، ويحمله عليه، هو معارضته بالقوات المسلحة وعمومها، وحملِ القوات المسلحة "الرسمية" والنظامية على كيان منفصل ولا يبعد ان يكون مناوئاً أو منافساً على أضعف تقدير.
 ويروي نزار خزرجي، رئيس اركان الجيش العراقي في الاعوام 1987 – 1991، وهي الاعوام الاخيرة من حرب العراق وإيران، واحتل صدام حسين في اواخرها الكويت وأخرجه التحالف الدولي العريض منها، أن القائد العام إياه عمد في اثناء حرب العراق وايران الى فصل اسلحة الجيش المتفرقة والمتضافرة (سلاح الدبابات، سلاح الجو، سلاح المدفعية...) الواحد من الاخرى، وسَلَخَها عن قيادة الاركان التي تتوجها وتنسق عملياتها، وناط بالقائد العام وحده العلم بـ"كل شيء"، وحصر العلم بنفسه. ولم يستثن، بداهة، ميدان الحرب المستعرة العراقية - الايرانية، من تفريق الاسلحة والتستر على مجريات الحرب ووقائعها. فقاتل سلاحا المشاة والدروع من غير تنسيق مباشر وميداني مع سلاحي المدفعية والطيران ومع الاستخبارات، ومن غير ابلاغ قيادة الاركان بخطط القتال والعمليات المزمعة والمتوقعة. فلم يخول رئيس الاركان، وهو قمة مراتب الامر، طلب مهمة تتولاها القوة الجوية، وحظر عليه اصدار أمر مباشر الى مدير الاستخبارات العسكرية. فكان "كبار" القادة العسكريين والسياسيين، على ما قال نزار خزرجي في 2004، وهو في عدادهم، تبلغهم اخبار الجبهة وحوادثها الخطيرة، مثل رد الايرانيين وهجماتهم عن الفاو، من الاذاعة. وعلى شاكلة صدام حسين في الكويت، وقبله، قاتل ابنُ عمه علي حسن المجيد "الكيماوي"، الكرد العراقيين بوحدات من الجيش الشعبي ومقاتلين حزبيين، وبعض المتطوعين الكرد، وقطعات عسكري اقتطعت من الجيش النظامي "العام". وإلى هذا، "استقلت" هيئة التصنيع العسكري بمواردها وأجهزتها واستخباراتها وخططها، ونصب صهر صدام حسين رئيساً عليها، قرينة على إخراجها من هياكل النظام وإلحاقها بقائد "كل شيء" االعام قبل ان يهرب الصهر ويندم ويعود ويقتله عدي صدام حسين بيده. (أوجزتُ الحلقات الـ34 التي تكلم فيها مسعود بارزاني ونزار خزرجي وصلاح عمر العلي وحامد الجبوري... وعلقت عليها في صحيفة الحياة في 9/4/2004).
وشَبَهُ هذه الوقائع التي توالى على سردها أعيان "الدولة" العربية الصدامية بنظائر وأشباه فشت وشاع العلم بها منذ أواخر 2010 وما بعدها: قيامُ تونسيين كثر على دولة زين العابدين بن علي ورهط زوجته، وقيام ثورة ملايين المصريين على حسني مبارك ووارثه المفترض وجمعية رجال الاعمال "العميقة" ورجال الدولة التي لا تقل عمقاً، وخروج ليبيين افواجاً بعد أفواج على "العقيد" معمر القذافي وأولاده وعشيرته وحلفائه، وتقوضُ جماعات سورية على نظام وصفه المتظاهرون والناشطون والمقاتلون بـ"الاسدي" ونسبوه الى الرئيس وأبيه من قبله وعصبيتهما. وتشترك هذه "الدول"، وهي انظمة تسلط واستيلاء وتصريف أمري، في حل الدولة الوطنية والاقليمية، وهيئاتها (السياسية والدستورية) وإدارتها (البيروقراطية والعسكرية والاقتصادية والخدمية)، وإذابتها جميعهاً في إرادة "سلطان" واحد ومشيئته. وذلك على مقادير مختلفة ومتفاوتة.
... صاحب الدولة العراقي
 ففي عراق البعث الصدامي، تصدعت الابنية التمثيلية والتنفيذية والقضائية، والاجسام الادارية والاقتصادية والعسكرية والامنية، تصدعاً كاملاً. وتولى الجهاز الحزبي الامني، وعلى رأسه قائده "الاعلى"، التصريف والتدبير والبت محل الدولة المفترضة، بعد مصادرتها على أدوارها ووظائفها ومحلها المادي والمعنوي. ودوائر العلاقات والروابط الاهلية، العشائرية والمحلية والقومية والمذهبية، والاجتماعية، التي عجز جهاز الحزب عن استدخالها، والاستيلاء عليها، جمَّدها موقتاً، وحال بينها وبين التأثير في سياسة السلطة واجراءاتها. وقمع بالقوة المسلحة بوادر الحياة المتململة في عروقها ومجاريها. وانتهى الامر بالرجل على رأس حزبه و"دولته" الى ما تقدمت روايته على لسان قائد أركان جيشه في 2004: تقطعت عرى اكثر اجسام الدولة حاجة الى قيادة ووحدة مركزيتين، وتفرق السلك العسكري صفوفاً وكتلاً وقيادات آلية وقطاعية من غير صلات أفقية أو عضوية متكاملة ومتضافرة، وتولى التنسيق بينها رأس آمر يعلوها ويتسلط عليها. وهو "شرط" دوامها، على قول ماركس في الجماعة الأسيوية وعلاقتها بسلطانها وحاشيته الادارية والكهنوتية. وعلى مثال عثماني ومملوكي عريق، تصدر صدام حسين، ورهطه الاقرب، مراتب القوة. ولكن صدارته لا تفترض تسلسل المراتب، وتعلق المراتب بعضها ببعض، واقتسام اصحابها اعمالاً يشترط إنفاذها اضطلاع أصحاب مرتبة أخرى بإنفاذ قسم أو شطر من عمل. فصدارته إنما ركنها القوة المنفصلة التي تتمتع بها عصبيته، ويسعه إعمالها في كسر الكتل العسكرية الاخرى، النظامية، أو الاستغناء عنها، على ما صنع الرجل في "تحرير" الكويت، وصنع ابن عمه وذراعه في حملة  الانفال على حلبجة وغيرها من بلاد البارازانيين. فهو "أمير (مئة) ألف" أو "أمير (ألف) ألف" أو أكثر. وهذا سهمه أو "ديوانه الخاص"، على قول العثمانيين في املاك سلطانهم التي يستقل بها عن ملك الدولة، ويقتطعها من هذا الملك، وهي جزء من غنائم جيش الدولة التي يتربع في سدتها. فلا تستقيم "الدولة الوطنية والاقليمية" دولة واحدة ومتماسكة إلا من طريق رأسها، الغالب على كتلها وأجزائها بقوة مواردها وتسلحها وتجهيزها هي من الموارد العامة، ولكن عصبيتها ولحمتها هما عصبية أمير الولاية او "الدولة"، على قول عباسي، ولحمته.
... صاحب (بعض) الدولة السوري
 وما أنجزه صدام حسين وجهازه انجز بعضه حافظ الاسد ونظامه في سوريا، ولم يرد ربما إنجازه كله أو على الشاكلة نفسها. فهو أبقى على بعض المُسكة الذاتية للقوات المسلحة ومراتبها المختلطة، ولكنه عزل جهاز المراقبة الامنية والاستخبارية عن جسم الجيش، وأوكل المراقبة الى اجهزة متنافسة، رتبها على مراتب ودرجات، وقدم بعضها على بعض، وربط به مباشرة أقواها دوراً. وعزل في خضم الصراع الاهلي الدامي "قوات خاصة" كادت ان تكون عائلية، فقاتلت جماعات أهلية بعضها مسلح وسحقتها. وقاتلت قوات مسلحة نظامية اخرى هي قوات رأس النظام، أي الحرس الجمهوري. وخلف هذا القوات الخاصة على حماية رأس النظام من بعض جيشه، وليس من جماعات سورية منتفضة عليه وعلى سلطته. واتسعت الادارة "المدنية"، شأن الحزب الجماهيري الفضفاض، وشأن مراتب الكتل الاقتصادية وجماعات المتعلمين، لأصحاب الولاء الجزئي أو البارد، وللعازمين على الخوض في "السياسة"، وأصحاب مهارات تقنية. وعلى هذا، وغيره مثله، رعت سياسة الاسد الاب رعاية يقظة وحذرة هوامش استقلال بعض المرافق عن قيادته المباشرة والخاصة، وحرصت على التستر على "ديوانه الخاص" بواسطة تقديم وتأخير معقَّدين ومختلطين وزعا المكاسب والادوار، والظاهر والخفي، على نحو يعصى الاقتفاء والتقصي. وأسدل على هذا كله خطابة قومية وصراعية وعالمثالثية، صورية ومعمية. وفاقم الالتباس وقوّاه انتهاج سياسات خارجية، اقليمية ودولية، أرادها الوجه البارز من النظام ورايته، حاذرت على الدوام الحسم. وترجحت بين مناحٍ ومنازع متضاربة. فشبَّهت لأصحاب الآراء والاهواء المتناقضة تعليل هذه السياسات على حسب آرائهم وأهوائهم (فذهب باتريك سيل، منذ نحو السنة، الى ان تشدد بشار الاسد الفلسطيني الوطني، وأبيه من قبله، لم يخرجه عن طلب المفاوضة وتوسيط الوسطاء، بينما ذهب ناهض حتر، العروبي الصارم، في الاسبوع نفسه، الى ان مرونة النظام السوري البعثي ومفاوضاته لم تَؤُلْ يوماً به الى توقيع اتفاق وابرامه).
الفرق "الناصري" المصري
 والصيغة العروبية الثالثة في الخط البياني المتدرج هذا، أو عليه، هي "النظام الناصري" وأطواره الكثيرة منذ مراحله الاولى، وتقلبه بينها، الى حين سقوط الرئيس السابق حسني مبارك. وأجمل متظاهرو الحركة المصرية الديموقراطية والمدنية (في حلتها الاولى) هذه الاطوار، وجمعوها في "ستين سنة" احتسبوها جملة متصلة، وغلَّبوا وحدتها – وسمة هذه الوحدة هي تسلط الرئاسة وجهازها على الحكم والتدبير و"إرادة الشعب" – على فروقها ومنعطفاتها. والحق ان هذه السمة، وهي تجمع في باب مشترك مراحل الانظمة المصرية المصرية و"الناصرية" المتعاقبة، تجمعها كذلك الى النظامين الاسدي السوري والصدامي العراقي كذلك. ولا ينفي البابُ المشترك، او السمة المشتركة، الفرق الصريح. وما بانت به الانظمة المصرية "الناصرية" من النظام السوري الاسدي، والنظام الصدامي العراقي، يفوق الفرق بين النظام الاسدي وبين النظام الصدامي. فالاولى أقرت للأبنية السياسية، ولو من طرف اللسان، وللأبنية الادارية والعسكرية والاجتماعية والتقنية، باستقلال معايير عملها الداخلية بعض الاستقلال. فلم تعمد الى تحطيمها وتقويضها قبل إلحاقها في خدمة جهاز الرئيس القائد وإراداته، على رغم "تطهيرها" السياسي والاداري والاجتماعي الواسع والمستمر للطاقم المتصدر السابق. وهي حرصت، في مرحلتها الاولى على اضعف تقدير، على دمج خاص ِّالنظام، وحلقته القريبة، في عام أو عمومية وطنية وشعبية، وفي عامية أهلية صبغت الحياة المصرية بصبغتها الى اليوم. وغلبةُ العمومية الوطنية والعامية الاهلية أدت دوراً راجحاً في إظهار "الانحراف" اللاحق عن معياري العمومية الوطنية والعامية الأهلية، وعن مترتباتهما المتفرقة من مساواة معنوية، وامتثال (شكلي) لقواعد الانتداب والتكليف، وإحجام عن غلق دائرة الجهاز غلقاً محكماً... فقياساً على المعيارين - وهما انتهى بهما الامر الى الذواء وانقسمت الجماعة الوطنية على وجوه أهلية ومحلية واجتماعية انقساماً عميقاً، وعلى مترتباتهما -  لا يصح إنزال مصر "الناصرية" لا منزلة سوريا ونظامها الاسدي، ولا منزلة العراق ونظامه الصدامي بالاحرى. ولا محل للمقارنة بين مصر هذه وبين ليبيا ونظامها القذافي، "الناصري".
ديوانُ الخاصّ
 وهذه الحال ليست بعيدة من مصائر حركات الاحتجاج الديموقراطية (في اوائلها) والمعارضات في البلدان الاربعة، مطلعَ العقد الثاني الجاري من القرن الواحد والعشرين. فحيث حلت "الدولة" في الحاكم وجهازه القريب، وتسلط هذا على مرافق السلطة، وأخرج "ديوان خاصِّه" من أبنية الدولة المفترضة مشتركة ومتماسكة، ولو شكلاً، وعارض هذه الابنية بـ"ديوانه"، أطفأ "القائد" محاولات الانشقاق والمعارضة، وسحقها في المهد. فلم تفلح محاولة انقلاب عسكري واحدة على صدام حسين وجهازه المركب والمرقع والمجلوب من مصادر متنافرة. وكذلك حال معمر القذافي طوال 42 سنة تامة. فـ"اقتضى" التخلص من الرجلين ونظاميهما غزواً عسكرياً اجنبياً مدمراً، ضخماً وطويلاً، في الحال الاولى. ولم تسهم حركة داخلية ولو ضئيلة في إسقاط رأس الجهاز. وقام انتزاع الرافعة الاميركية تمثال صدام حسين الصامد على قاعدته، عنوة، في ساحة الفردوس قرينة على اضطلاع الغازي الاجنبي وحده بعزل جهاز الحاكم ورأسه، ووقف الجمهور، ما عدا شقه الكردي النازع الى تقرير مصيره متحفظاً أو متفرجاً، ومتوجساً في الأحوال كلها. ولم تتمرد القوى المحلية والاسلامية الليبية المسلحة على "العقيد" المزمن إلا بعد أن أمنت تقييد القوات الاجنبية، البحرية والجوية، ذراعه العسكرية. وفي كلتا الحالين، خرجت الجماعات الاهلية من عباءة النظام المتسلط وهي مقيمة على صفتها. و"مقيمة" غير دقيقة: فالصفة الاهلية، العشائرية والمذهبية والدينية والمحلية والقومية (الاتنية) وهي فروع على باب أو أصل أهلي، كانت الملجأ الذي احتمت به الجماعات وأوى إليه الافراد، بوجه تسلط الجهاز المستولي. وتوسل الجهاز بأبنية الدولة، ومحلها المركزي والجامع من الجماعات والمرافق الاجتماعية والاقليمية، الى مصادرة "أهل الضعف" – وهم من أضعفت علاقات السوق الرأسمالية عصبيتهم فنزحوا الى المدينة وزاولو عملاً مأجوراً في مرافقها، ودرسوا في المدارس الجديدة، وتزوجوا من غير قرابتهم وملتهم، وتحزبوا بغير عصبية الأهل – على مواردهم ونفوذهم وقوتهم. ولعل السبب الراجح في الانكفاء هو اشتباه موقع الدولة (العربية) في عهدة الاستيلاء الجهازي، العشائري (العصبي) والبيروقراطي (العسكري الامني والإداري). فهجم الجهاز المستولي من موقع الدولة الوطنية الاقليمية، وبموارد قوتها وعوائدها، على الجماعات الاهلية والقوى السياسية والاجتماعية، وألحق أبنية الدولة البيروقراطية بعصبية اهلية وخصوصية : القذاذفة والتكارتة والقرادحة وضباط الجيش المصري، وحُمل توريث الابن (البكر إذا بقي حياً ورغب في الميراث) بالنص والجهر، أو بعزيمة وقول خافت، على حق ثابت وغير منازع. واحتسب قدراً ان يكون الحاكم التالي عدي صدام حسين وباسل أو بشار حافظ الاسد (ووَلد بشار حافظاً الثاني) وجمال حسني مبارك وسيف الاسلام معمر القذافي... وذلك في اطار دستوري، وفي رعاية مجالس شعب منتخبة.
أبنية دولة... متحفظة
 وعلى خلاف العراق، وعلى الضد من مصادرة الجهاز الصدامي أبنية الدولة واحتكاره التصرف بها، وسع حركة شعبية وعامية مصرية عريضة عزل رئيس الجهاز المستولي على أبنية الدولة منذ 29 عاماً في غضون 3 أسابيع من التظاهر والاعتصام والتعبئة. والى النهوض الشعبي الحازم والمرصوص، وهو قرينة قوية على دوام مجتمع لا يفتقر الى الروابط الداخلية ولم تتقاسمه العصبيات الحزبية، اضطلع تحفظُ بعض ابنية الدولة عن بعض سياسات حسني مبارك وعزمه على توريث ابنه على وجه الخصوص، بدور راجح في تخلي الرئيس العسكري الثالث وتنحيه عن الرئاسة. فتضافرَ على الاقامة أو العزل جهر أجزاء متفرقة من المجتمع المصري المتنازع وبعض هيئاته "الوسطى" المأزومة رفضها تبعات دوام الجهاز الحاكم منذ "60 سنة"، وتحفظ "جهاز القوة" الاول وأبرز أبنية الدولة "الناصرية" عن تأييد الرئيس الآفل وقمع حركة المعارضة بالحديد والنار والبلطجية وذر الفتن. وحركة المجتمع واستقلال قيادة القوات المسلحة بالرأي (وإصغاؤها الى مشورة اميركية لا يبطل الاستقلال هذا) دليلان على دوام حيوية حقيقية في الجسم الوطني المصري. وهذان أعوزا الجسمَ العراقي المتصدع، والمتناثر "مجتمعات" أو جماعات أهلية كثيرة وكتلاً وأجهزة متباعدة ومن غير رابط.
 وترجحت سوريا الرازحة تحت وطأة الجهاز الاسدي بين الحد العراقي (الصدامي) والحد ("الناصري") المصري. فلم يعجز السوريون، بعد نحو نصف القرن من أنظمة بعثية متصلة على هذا القدر او ذاك، عن المبادرة الى حركة احتجاج بطيئة دابة ومتعاظمة الاتساع على تسلط "عشيرة الاسد" أو "عائلته"، على قول معارضين راسخين، وعلى سوس جهازه الامني والعسكري عموم أهالي سوريا بالإذلال والتهميش والمصادرة. ومن وجه آخر، تماسكت أجهزة القوة والادارة والاعلام التماسك الذي يقي حلقة الحكم العليا التفسخ أو يُقْدِر هذه الاجهزة على القيام بالتحكيم في الخلاف الحاد والمستعصي. ولكن المبادرة الى حركة الاحتجاج، من تظاهرة درعا في الايام الاولى الى اعتصام ساحة الساعة بحمص في ختام الفصل الاول فالاحتشاد في ساحة العاصي بحماة بعدها بأيام، لم تكن جامحة، وانتقلت مترددة ومتحسبة من الجنوب الحوراني (غير الدرزي) الزراعي والبدوي "المزدهر" ومصدر بعض "رجالات" النظام الصوريين والديبلوماسيين الاداريين (مثل فاروق الشرع وفيصل المقداد)، الى الوسط السوري والعمود الفقري المديني والتاريخي، على قول مريم عبابسة وسيريل روسيل ومحمد الدبيات، في محور دمشق – حمص – حماة – حلب ومقارنة بالمحافظات الساحلية ومحافظات الجزيرة (سوريا حاضراً، أكت سود، باريس، 2005). فتعثرت على أبواب القطبين، الدمشقي والحلبي وفشت في الوسط قبل أن تتغلغل في أرياف الشمال والشرق، وتعود منها الى المدينتين الكبيرتين المتحفظتين والمحميتين، عنوة. فوسع النظام، وكتلته العشائرية الاهلية وأجهزته وحلفاءه وصنائعه، التماسك قبل التمترس والتخندق في الحاميات والثكن والنواحي، وشن الهجمات الشرسة على مواقع حركة المعارضة، وحصارها وتقطيع أوصالها.
 ولكن العنف الهائل لم يفلح في خنق الحركة. وهي استقوت بعض الشيء بتساقط أجزاء من "الدولة" الاسدية وانشقاقها عن الجهاز المتسلط. فهجر الجيشَ النظامي نحو ثلثه. وفرقه الباقية (الى آذار 2013) والفاعلية هي المسلحة تسليحاً اختصاصياً ومركزياً "سوفياتياً" (الطيران الحربي والصواريخ في المرتبة الاولى)، على شاكلة فرق القوات العراقية الصدامية،  ويلحمها برأس الحكم ويلحم بين أفرادها عصب أهلي ومذهبي مشترك. وحال انقسامُ المجتمع والدولة وأجهزتها وتقوضُ شطر من الدولة عليها والتحاقه بالانشقاق الاخلي، بين اقطاب المجتمع الدولي والمجتمع الاقليمي وبين الانخراط المباشر والعلني في الحروب السورية وفرقها الكثيرة البقاع والألوان والمصالح. "فحمى" المركَّبُ السوري، وجمعُه (على غير استيفاء) استيلاءَ جهاز عشائري وبيروقراطي وبقاء رمق حياة في مجتمع منهك وتجدده، البلدَ من التدخل العسكري الدولي وابتلاه بحروب أهلية طويلة الامد تتصدرها حرب جهاز الدولة المستولي على رعاياه ومعارضاته وجماعاته الاهلية.
2 – حنا بطاطو... عصبية الدولة
 وفي مرآة هذا الوصف الاساسي (على معنى تناوله الاسس والاركان)، والنمذجة الموجزة التي تبعته، بعض ظلال العمل الذي خص به حنا بطاطو (1926 - 2000) الفلسطيني المقدسي الاميركي، العراق، ووسمه بعنوان أضيق من موضوعاته هو العراق/الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني الى قيام الجمهورية (1978، برنستون يونيون برس، الترجمة العربية 1990، بيروت، 1990، مؤسسة الابحاث العربية، تولاها عفيف الرزاز) في 3 كتب أو أجزاء و74 فصلاً. وعمل بطاطو، على زعمي، قد يصح وسمه بتضمين وسم كتاب سابق وذائع الصيت هو "تاريخ أفول الامبراطورية الرومانية وسقوطها" لادوار غيبّون البريطاني، على ان يحل "دولة العراق" محل "الامبراطورية الرومانية".فما يتناوله العمل التاريخي والاجتماعي الكبير يتقيد فعلاً بأجزاء العنوان، ولكنه يفيض عنه ويعالج ما بين الطبقات الاجتماعية من منازعات ومهادنات وائتلافات، وما يعتمل داخلها من شقوق وخلافات، ويصيبها هي وأحوالها وعلاقاتها حين تبادر، أو تنخرط بعض جماعاتها وكتلها في "السياسة"، وتتولى إدارة الدولة أو بعض مرافقها أو تعارض هذه الادارة وتنكرها...
 ولعل عقدة المعالجة التاريخية والاجتماعية في عمل حنا بطاطو هي ميزان علاقات القوى الاجتماعية، وهذه فوق الطبقات أثراً وأوسع منها وأكثر تعقيداً، بجهاز الحكم وأبنيته، وميزان علاقات الجهاز والابنية بالقوى الاجتماعية والجماعات. وميزان العلاقات ينبغي حمله على المنازعة. وغاية المنازعة في هذا السياق السياسي الاجتماعي (المجتمعي) هي الاستيلاء و"الغلبة في التكوين" (ابن خلدون)، وعليه،و حيازة العصبية الغالبة الدولة حيازة جامعة ومانعة. والمصطلح الخلدوني لا يتستر ولا يراد به التستر على المدلولات الجديدة والطارئة على الفاظ المصطلح: فالعصبية ليست اليوم لحمة القبيل النسبية والدموية، لا الحقيقية ولا المتوهمة والدائرية (فتتماسك العصبية في الحال الاخيرة بالاستيلاء والتربع في رأس الدولة، وهي سبق لها ان تولت تعليل الاستيلاء وابتدائه). وبين معنى العصبية "الاول" وبين معناها اليوم وقائع تاريخية واجتماعية ضخمة ليس أقلها تبلور السوق الرأسمالية وسلعها وتداولها، وتصدر الدول – الامم العلاقات الدولية السياسية والعسكرية والتجارية، وانقلاب ميزان القوى بين الدول – الامم وبين السلطنات وأقوامها وبلادها، وشيوع المدن والمواصلات السريعة، وظهور المنزع الى وضع العبارة على موضوعات وضبط تلك على هذه... وتفضي هذه الوقائع الى تصديع رابطة النسب والتوهم في القبيل، وإلى صوغها صيغة مختلفة. فتغلِّب دائرة الشعب (- الامة)، على معنى عرقي ودموي وتاريخي اقليمي وتراثي معاً، على دوائر النسب والجوار القريبة والمعروفة، وتلحق الدولة الوطنية والاقليمية (الحديثة) بهذا المعنى، وتحمل الاستيلاءَ بالقوة والترؤسَ على حلول دائرة الشعب (- الامة) في القوة المستولية ورأسها وجهازها. والدولة في "عصبية الدولة" المحدثة لم تبق القلعة وديوان العسكر وديوان الجباية ومشيخات مذاهب الفقه والطرق الصوفية وطوائف الاصناف. فهي أجهزة سيطرة واقتطاع وجمع، من غير شك، ولكنها لا تصدر عن فوق جوهري ومنفصل أو مرتبة، بل تتولى إجراء العقد والحل بواسطة قواعد انتاج وتوزيع وترتيب تقرها، وتتعهد إنفاذها، وتشمل "الرعايا" كلهم وتعرفهم، وتوحدهم على اشتمالهم. فهم رعايا الدولة الوطنية الاقليمية ليس من طريق جماعاتهم وبلادهم، من قبل و(ربما) من بعد، وإنما من طريق دخولهم تحت قواعد الإجراء العامة والمفترضة.
وما صنعه صاحب العراق/الطبقات الاجتماعية... من غير ان يعلن وينبه، ووراء رواية تقليدية دقيقة رصعها بسير وترجمات وبيانات احصائية ضعيفة الدلالة- هو تعقب انقلاب علاقة الدولة بالجماعات الاهلية و"مجتمعها"، من غير افتراض فصل جوهري يترتب على التعريفات والحدود فوق ما يترتب على الوظائف الفعلية وأدائها. وقادته تجريبية عنيدة لا تشترط معياراً إلا الاحاطة التاريخية (الزمنية الطولية) والاجتماعية (المتزامنة العرضية)، الى تشخيص فعل الجماعات الاهلية في قلب أبنية الدولة وثقلها وملاحظة تبعية هذه الابنية وعملها للجماعات وعصبياتها ومصالحها، وضعف استقلالها عنها. فهو لا يتناول مثال دولة معيارياً، وطنياً جامعاً، و"عقلانياً" قانونياً  وبيروقراطياً، وحَّدته في سيطرتها وهيمنتها وتحكِّمها "طبقة" اجتماعية واستطراداً سياسية مؤتلفة من مصالح كثيرة لا تكف عن التنازع وتمتنع من التناحر في آن. وعلى الشاكلة نفسها، لا يفترض حنا بطاطو مجتمعاً يجمع بين جماعاته وطبقاته وأفراده انفصالُها (وانفصالهم) من الدولة، وقيامها (وقيامهم) بإزائها إلباً متصلاً إن لم يكن واحداً. فـ"دولة" بطاطو العراقية، إذا جازت العبارة، أهلية وعصبية من أدناها الى اقصاها. ولكن وظائفها الطارئة والمركبة، الناجمة عن إنشائها عن يد سلطة احتلال بريطانية عالمية أو دولية ورأسمالية، نصبتها في منزلة ملزمة بتدبير أو إدارة أجهزة وأقاليم وموارد وجماعات على معايير تداول وتوزيع وترتيب يفوق تعقيدها بما لا يقاس معايير السلطة والغلبة الاهليتين، ويبين منها او يختلف عنها مباينة قوية. والمجتمع الذي ضوى مثال الدولة الناشئ، لئن أقامت جماعاته ظاهراً على صيغ علاقات وأعراف سائرة، اقحمتها "الدولة" الجديدة، ومبانيها وسياساتها، في حاجات ومشاغل وسبل لا عهد لها بها من قبل. وأقحمت عليها جماعات جديدة ولدت من مرافق الادارة والعمل والتوزيع والاقامة والامن... الجديدة. ووصلت "الدولة" والمجتمع بالخارج، ودوائره وروافده المتعددة، الاقتصادية السوقية السلعية والمالية والعسكرية والقانونية والثقافية، صلات غير مسبوقة نوعاً وكماً. وعاد هذا على موقع "الدولة" والسلطة والادارة بوظائف وضوابط لم يعرفها مثال الامر (و"الامير") السابق.
 وأتاح توسعُ صاحب الكتاب في تقصي احوال العراق، جماعات وطبقات، وأبنية سلطة وإدارة، وعواملَ تأثير وموصلات تأثر، صرفَ المعالجة الى المسألة السياسية، والدولة في القلب منها، ومحلها من اطوار الاجتماع (السياسي) العراقي وبعض جواره العربي. وعلى حين تبدو اليوم المعالجات الاقتصادية التي تناولت البنية الرأسمالية الداخلية والاستثمارات الاجنبية في هذا البلد أو ذاك (وفي هذا القطاع او ذاك)، ظرفية الدلالة، وعلى هذا فائتة وعفَّى عليها تقادم الوقت وانقلاب الاحوال، تحتفظ معالجة بطاطو الاجتماع السياسي العراقي على ثنية تشابك الدولة والمجتمع طوال فوق قرن من الزمن – من نهاية العهد المملوكي في 1831 الى طلائع اقصاء صدام حسين احمد حسن البكر في النصف الثاني من عُشر 1970-، بدلالات راهنة قوية. فهو، على رغم اتخاذه أنموذج "نمو التخلف" خيطاً وصل به التغيرات العميقة الطارئة على المدن النهرية والارض ومكانة المشيخة والزراعات ومنزلة الملك وأجهزة الدولة وموارد الاقتصاد النفطي بأحوال "الاسواق العالمية (ج 1 من الترجمة العربية، الفصل السابع، ص 138) و"السوق العالمية الصناعية" (ج3، ف 24، ص 427)، لم يتأخر مرة واحدة عن إدراج حلقات الخيط في دوائر منازعات القوى السياسية والاجتماعية على الدولة ومقاليدها ومرافقها. فاقتفى من غير انقطاع أدوار ارساء سلطة مركزٍ ضيق متحكمة في مرافق الاجتماعي السياسي العراقي كلها، من طريق اقصاء مصادر النفوذ والمنازعة و"استئصالها" مصادر النفوذ والمنازعة وخنقها، ومن طريق السطو على موارد الجماعات وقيامها بنفسها وروافد هذا القيام المادية والمعنوية.
 فوسع المركز الضيق أو ذرى الطاقم الحاكم، وهو انتهى بعثياً صدامياً وابتدأ عراقوياً وعسكرياً "شيوعياً"، بسط سيطرته أو قبضته المباشرة والاسمية على "أجهزة الدولة" وهيئاتها وإداراتها، من فوق، وأعمل خنقاً وحصاراً وقمعاً في مرافق الاجتماع السياسي، من تحت وفي الابنية الوسطية، من غير أن "ينجز" استئصال مقومات الجماعات الاهلية وعواملها. والحق ان هذه "المهمة" ليست في متناول قوة سياسية، بالغاً ما بلغته من التجريد الاجتماعي والاهلي أو من العمومية السياسية. فكيف بهذه القوة وهي لابست المادة الاجتماعية والاهلية العراقية ملابسة حميمة وقريبة أفضت بها الى إقحام معايير هذه المادة وأحكام عملها في ثنايا "الدولة"، وإلى الحاق "الدولة" بسيطرة كتلة أهلية متقلبة بددت التجريد السياسي وإرهاصاته الضعيفة، وجعلت المجتمع ركاماً متنافراً من الجماعات المفككة والروابط المتجددة والمتكسرة. ومثل التجريد الاجتماعي والاهلي الذي ينشده ضمناً منطق السيطرة السياسية هذا، على مثال "ناصري" أو أسدي أو صدامي، هو ثمرة انقلاب وتحول تاريخيين واجتماعيين مديدين، ويحتاج انعقاد الثمرة الى قرون. ولا يملك اصحاب هذا المنطق أدوات تصوره أو تفكره. وهم نهب لترجح عميق ولد من نازع الى سلطة شاملة او كليانية (توتاليتارية) وعدت أو لوحت بها نشأة الدولة الحديثة عن احتكار الوالي القوة المشروعة أو عن عقد اجتماعي تنبثق منه إرادة جامعة وعمومية، و(ولد) من "قصور" المادة الاجتماعية والتاريخية المتقطعة والمجزأة، عن تلبية احتياجات النازع الى السلطة الشاملة أو إلى السلطة المركزية الراسخة. وغذى الترجح، ونهبه، تدافع النازع هذا أو ازدواجه: فالتجريد الاجتماعي والاهلي الذي لا غنى عنه للسيطرة السياسية "الكاملة" يهدم أركان الكتلة الاهلية والحزبية المستولية، ويفتت لحمتها العصبية، من وجه أول... ولا تستقيم سيطرة سياسية "كاملة" كتلك التي لا مناص للكتلة العصبية المستولية من طلبها لئن استحالت مزاولتها (الممتنعة) في بيئة أضداد "قبلية"، من وجه آخر، إلا بهذا التجريد.
 ويزج ترجح انظمة "الدولة" العصبية بها في سيرورة أزمات وانعطافات تقود الطاقم الحاكم، وحلقة ذراه الضيقة، الى تشديد قبضته على اجهزة سلطانه المباشرة، وحماية هذه الاجهزة أولاً. فلا ينفك تجدد عمل النظام العصبي ودولته الاهلية، وتوالده وتناسله، من دينامية "راديكالية"، على ما قيل في بعض فصول تاريخ الانظمة الكليانية (الفاشية و"الستالينية" والنازية). وتقود الدينامية "الراديكالية" الطاقم العصبي الى تقوية عوامل تسلطه وتواطئه الداخلية. فيصادر الجماعات والابنية الاجتماعية على الموارد والعوائد الريعية في معظمها، المتعاظمة أو المتناقصة بحسب الظروف. ويحرر "الدولة" من ضوابط التركيب والتحكيم والعمومية. ويتشارك أهلُ القوة والسلطان وأهل الضعف المحكومون، والمنقادون على هذا القدر أو ذاك، منازعَ تكاد تكون واحدة أو متجانسة الى الترجح ونهبه. ولعل احد مصادر قوة معالجة بطاطو ديناميةَ الازمات العراقية (من غير المصطلح)، وذروتها الصدامية، هو تنبهه الى التشارك هذا. فبينما تخبطت "الطغمة" الحاكمة في تنازعها بين موجبات الاستيلاء العصبي المنفرد والاستئصالي وبين توسع سيرورات الوصل الاجتماعي وأطرها، تطاول التخبط الى الجماعات المقصية والمنبوذة والمعتالة. فسعت بدورها في طلب القوة السياسية والاجتماعية من طريق اللحمة العصبية، والانكفاء عليها، ومقارعة الكتلة المستولية بها. ولم يكن استئناف المثال العصبي الاهلي، المذهبي والعشائري والمحلي، متاحاً. فبين أحوال العصبيات اليوم وبين أحوالها المنصرمة العوامل التي تقدم إحصاء بعضها: "الدولة" الوطنية والاقليمية ذات الرأس الاهلي المتسلط وقواعد الاجراء العامة، والسوق والتداول والتوزيع والاجور والريوع الرأسمالية، والمدن والضواحي وأخلاطها، والجوار العربي والاقليمي ودوله، والمدى الدولي المتشابك والمنقسم. وترتب على التشارك ترسخ دينامية الازمات الراديكالية، وجموح أقطابها وكتلها الى الكبكبة العصبية، والتحاجز والبيات المزمنين. ولكن تعاظم موارد "الدولة"، وريوعها، في الاثناء، وضعف موارد المجتمع، أتاحا بسط طاقم النظام سيطرته الشكلية والفوقية على العراقيين، من غير تمكين الطاقم من النفاذ الى سيرورات الالتحام والتكتل أو سيرورات التفرق والانقسام. و"فضيلة" هذا التناول هي تشديدها على دينامية الازمات ودوام هذه ونازعها الى الراديكالية، وتشكيكها الثابت في جواز استقرار الانظمة العصبية وشمول الترجح جهات النزاع كلها وكتله. وعليه، فمسير نظام صدام حسين الى الحملة والغزو العسكريين والاجنبيين في أعقاب إخفاق قلبه من داخل (من غير رابطة سببية ومباشرة بين جملتي الوقائع) وإفضاء تحطيم النظام بالقوة الى تصدع الدولة والمجتمع العراقيين وفشو الارهاب والاقتتال فيهما- هذه الحلقات ليست مصوَّرة في "منطق" النظام المضطرب والمترجح والمأزوم. غير أن ولادة الحملة والغزو العسكريين والاجنبيين من نظام النظام، أو مثالات عمله وإيظافه، سيرورة معقولة ومفهومة ومحتسبة في ضوء عمل حنا بطاطو، نهجاً ورواية.
3- الاستيلاء على الريوع
وقد يسع قارئ كتاب بطاطو في القرن ونصف القرن تقريباً من تاريخ العراق الاجتماعي – السياسي، وتاريخ تكوين أبنية دولته وجماعاته ومجتمعه ونزاعاتها، وصلَ حادثة الغزو والاحتلال بمقدماتها وسياقاتها، وعللها المحتملة. وعمل الوصل هذا يتناول الحادثة على وجه الواقعة "الاجتماعية السياسية" (نسبة الى الاجتماع السياسي، كلاً وجميعاً)، وقد يضاف: "الكلية"، على مثال دراسة العطاء بقلم الانَّاس مارسيل موس في الثلث الاول من القرن العشرين. والكلية هي صفة ترتيب دوائر الفعل والمعنى وأدائهما في مجتمع من المجتمعات أو جماعة من الجماعات، وليست صفة "روح" الجماعة او القوم وحلولها في افراد هذا أو تلك. فالانقلاب العسكري المزدوح الذي أطاح أولاً عبد الرحمن عارف، شقيق الضابط الناصري "التاريخي" عبد السلام، في 17 تموز 1968، وثنى فأقصى في 30 منه معظم ابطال الانقلاب الاول، صنعه القادة البعثيون بحسب "تقنية" الانقلاب على الدولة التي استخلصها كروتزيو مالابارتيه (من) استيلاءِ البلاشفة، وتروتسكي، على قصر الشتاء ببطرسبورغ غداة 8 أشهر على ثورة شباط 1917، و"الناس نيام" على قول تروتسكي (في "حياتي" أو "سيرتي")، وجمعِ دروس أوكتوبر (1917) الى دروس زحف موسوليني على روما في (1920)، وعارض الدرسين بإخفاق ادولف هتلر في اقتفاء أثر موسوليني بميونيخ في (1923). وتقنية الانقلاب على الدولة، ثم الاستيلاء على قممها، قد تكني عن ميتافيزيقا وقد لا تكني، ولكنها استعارة قوية لسياسة ونهج سياسي. والانقلاب المزدوج، على النحو الذي أعد عليه والضباط الذين زجوا فيه واجراءات الاسبوعين اللذين أعقبا الفصل الاول واختيار توقيتيه، صدر من غير لبس عن تقويم دور المباردة الى انتهاز الفرصة السانحة (بين أمسٍ مبكر ويوم تال متأخر) وإيلائه المحل الاول من السياسة و"استيلائها".
"صنف" العسكر
فالوقت الذي اختاره قادة الحزب لاستيلائهم الرأسي يفصله عن خلافة عبد الرحمن عارف في 16 نيسان 1966 أخاه الرئيس، سنتان و3 أشهر. واعتور الخالف عوار أو عيب ظاهر هو ضعف إجماع المقترعين (ووزراء مجلس الوزراء + اعضاء مجلس الدفاع الوطني = 28 مقترعاً حضروا الجلسة). ففي دورة اقتراع أولي حظي رئيس مجلس الوزراء عبد الرحمن البزاز بـ14 صوتاً، وعبد الرحمن عارف بـ13 صوتاً، وعبد العزيز العقيلي وزير الدفاع بصوت واحد. وبلغ عددُ الضباط المقترعين لعارف، وهو واحد منهم، 11 ضابطاً من 12، وعددُ الوزراء المقترعين لرئيس مجلسهم 14 وزيراً من 16. ولما بدا أن جمع أحد المرشحين ثلثي الاصوات، على ما نص دستور ايار 1964 الموقت، متعذر، وأن كتلة العسكريين متراصة، تخلى الوزير الاول والمدني المعتدل عن المنافسة، وترك الميدان للعسكري ولسلكه المتنفذ. ويعلل حنا بطاطو (ج 3، ف21، ص 377 – 382) تخلي البزاز بتماسك العسكريين في وجه المدنيين، وتمتع العسكريين بقوة ترجيح حاسمة مصدرها الاول مكانة الوحدات والقطعات التي تأتمر بأمرهم، وذلك في ضوء اضطلاعها بأدوار حاسمة في الانقلابات السابقة التي افلحت والتي اخفقت، على حد سواء. فآمر حامية بغداد، وهي أدت الدور الاول في 14 تموز 1958 (في قياجة عبد السلام عارف)، هو الزعيم سعيد صليبي، من عصبية آل عارف الجُميلية الرمادية. والموقع العسكري الاقرب الى موقع الرئاسة، وهو الحرس الجمهوري "محور نظام (آل) عارف"، كان يهيمن عليه الصليبي نفسه. وعليه، فالزعيم الصليبي هو صاحب الكلمة الفصل، والقادر على اعلان حال الطوارئ و"الساعة الصفر".
 وعلى الجهة المدنية (الوزارية) برز عبد الرحمن البزاز. ودان البزاز برئاسة الحكومة طوال 3 أشهر ونحو نصف الشهر (من 18/4/1966 الى 6/8 من السنة)، الى "صداقة" عبد السلام عارف. والبزاز سياسي مستقل برع في تحريك "المشاعر الشعبية" على الجماعات العسكرية المتنفذة واضطلع بدور قوي في تجميد الحرب على الاكراد في حزيران 1966، وزاد الفائدة المصرفية على اصول قدامى الملاكين العقاريين المصادرة من نصف نقطة (0.50) في المئة الى 3. واقترح تقويم قيمة مياه فروع الانهر فوق القيمة الجارية. فأثار حفيظة الناقمين على "الاقطاعيين" والرأسمالييين. وعزم على تحرير الاستيراد من القيود الادارية والمالية التي كبلته وصرفت الى محظيين معروفين حصصه المتاحة، وأغلت الاسعار. وحمَّل الجيش وضباطه التبعة عن التهام حصة كبيرة من الموارد والاموال العامة. فرد الضباط، وفي طليعتهم الناصريون، ومقدمهم عارف عبد الرزاق، بتهديد البزاز، وعلق عارف عبد الرزاق المتنفذ، اجراءات رئيس الوزراء،وهو كان لا يزال على رأس الحكومة، من غير ان ينتصر الرئيس عارف له أو ان يعمد الى التحكيم في الخلاف. وأقر البزاز ضمناً أو صراحة بانتصار الفريق العسكري، برجحان كفة "سياسته" الصنفية والطائفية، وشاغلها الاول لئن لم يكن الاوحد رعاية مصالح صنف العسكر وطائفتهم، على المعنى المهني والفئوي. فعلى خلاف ما يذهب اليه بطاطو (ص 378 ، بترجمة معدلة) من "(انحطاط) السياسة، على مستوى قممها النافذة، الى صراع كسور خلا من المادة ومن المضامين"، ساق البزازَ، وربما بعض اصحابه المدنيين، برنامجٌ "وسطي يميني" على ما كان وصف في نظام سياسي مستقر بعض الشيء. وحسب، على ما ذهب من يحملون السياسة على منازعة مصالح تتفاوت عموميتها وتستبعد أو تعلق الاحتكام الى القوة المسلحة، ان من في وسعهم الجمع على أعرض المصالح، وأقواها استجابة لحاجات الجمهور ورابطة الدولة الوطنية، هم أوفر حظاً في الحكم وتدبيره. 
واضطرار البزاز الى الاستقالة جراء هزيمة برنامجه امام دعاة التحكيم العسكري المنفرد في تنازع المصالح، قرينة على إنكار الجماعة العسكرية، أو أهل القوة على المعنى الاضيق، وجود قضية سياسية او مسألة سياسية ناجمة عن استبعاد "طبقات" اجتماعية، عريضة أو ضيقة، من موازين التقرير واعتباراته. فزيادة الفائدة على المصادرات وتقويم مياه الانهر الفرعية بأعلى من القيمة المتدنية، إجراءان يرميان الى إشراك أصحاب هذه وتلك في كتلة مصالح عريضة وجديدة. فلا تفترض هذه الكتلة استئصال بعض روافدها أو شركائها الذين تمتعوا، في ماضٍ قريب، بامتيازات ساحقة، حقاً باتاً. ولا شك في تعويل رئيس الوزراء المقصي على مقايضة أصحاب المصادرات والمياه لقاء إشراكهم في كتلة "السياسة الاقتصادية الجديدة" (لينين) و"تسديد ثمن" هذا الإشراك، بإسهامهم في الاستثمار المحلي والوطني المجزي وفي تحريك الاستهلاك. ويؤول تحرير الاستيراد من احتكار اصحاب الحظوة والوساطة، بالنيابة عن مراكز النفوذ والريع التي حازتها قمم الجهاز العسكري بالاستيلاء، الى تخفيض الاسعار، وتنويع السلع، وإلى تنشيط الاستهلاك المنزلي وربما الصناعة الوطنية الصغيرة او الخفيفة على الامد المتوسط. ويترتب على الاقرار "للطبقات القديمة" بهذا الدور صدوعٌ بكلمتها السياسية وثقلها ولو النسبي. واقتراح تجميد الحرب الاهلية "القومية" على كرد العراق وجه آخر من وجوه مزاولة السياسة من باب التحكيم والضم والشركة (وما تفترضه هذه من منازعة ومداولة). أما رعاية الحرب الاهلية "القومية" مع الكرد فهي، بين اعتبارات أخرى، عامل اساس في إنشاء ريع الجماعة العسكرية وتثبيته وتثميره. فالحرب هذه يقتضي الاضطلاع بها، والانتصار طبعاً في نهاية مطاف يرجى قصيراً، تعزيز موارد الجيش الوطني، وتمكين القيادة من التصرف بالموارد، ورسم الخطط المناسبة والتحكيم في  توقيتها، وإضعاف الخصم (العدو) سياسياً وعسكرياً، الخ. ولذا، لم تنفك القيادتان، العسكرية المحترفة والسلكية والسياسية الحزبية والعصبية، من التنازع على هذه الحرب وثمراتها السياسية والاهلية وعوائدها الريعية وسعي كلا الطرفين في الانفراد بالقيادة والتصرف.
 وعلى هذا، آذن انتصار الكتلة العسكرية في المنافسة على قيادة الدولة الوطنية والاقليمية بحصر هذه المنافسة في قمم هذه الكتلة، وقصرها على النزول عن امتيازات ريعية متعاظمة. وينجم عن الامتيازات اقتصاد هزيل، وتعويل على المورد النفطي الوحيد. وتعاظم الامتيازات الريعية والتعويل على انتاج المادة الوحيدة يتضافران على اختصار دائرة القوى الاجتماعية والسياسية المتنازعة الى قشرة رقيقة من الكتل العسكرية التي تنوب عن جماعات أهلية وعصبية، وسياسية استطراداً واصطلاحاً وليس أصلاً. فإقصاء الطبقات الاجتماعية والسياسة "القديمة" من المنازعة، وسد منافذ التحكيم والمساومة عليها وعلى مصالحها سداً محكماً ولا مراجعة فيه، يعزلان القوى الاجتماعية الخاصة والمدنية، و"مجتمعها" تالياً، عن المنازعة السياسية. ويقضيان حكماً باقتصار هذه المنازعة على "العصابات" العسكرية والحزبية، ومنافستها على الكتل والمواقع، وإعدادها العدة للانقلاب التالي. فيعيد الانقلابيون النظر في مراتب النفوذ، وحصص الكتل وعوائدها، وفي استئناف الحرب على الشمال الكردي، واستئصال شأفه الطبقات "القديمة" و"الشيوعيين".
 وآل منصب رئيس الوزراء، بعد تجميد البزاز، الى امير اللواء الركن المتقاعد ناجي طالب. وفضيلة الرجل المرجحة هي خروجه من ساحة المنافسة على مناصب القيادات العسكرية الفاعلة، وماضيه الفخري الذي نصبه، في 1956-1958، نائباً ثانياً لرئيس لجنة الضباط الاحرار العليا، وتردده، أخيراً، بين موقع القومي (العروبي) المستقل وبين موقع الناصري "المعتدل". والموقعان، إذا صدقت التثنية، آيلان الى اضمحلال "عارفي". وهذه قرائن على انتفاء قوة الفعل والحسم من الرجل، وخلو وفاضه منها. فهو يصلح للدلالة على تعليق ميزان الكتل المتصارعة وتجميده على حاله هذه في انتظار استئناف الصراع. ودام التعليق ظاهراً 3 أشهر، طلبت الكتب المتنازعة بعدها المنصب كل واحدة لنفسها. فاضطر عبد الرحمن عارف الى توليه، علامة على دوران النزاع على نفسه، وعوده على بدئه من غير منفذ الى دائرة أوسع في الحلقة الضيقة التي تتآكل القوى المتنازعة والمتنافسة فيها. وآية الدوران هي توزيع عبد الرحمن عارف نيابة رئاسة الوزارة على خمسة نواب هم طاهر يحي (البعثي السابق) وعبد الغني الراوي (الاسلامي النازع) واسماعيل مصطفى (العراقوي والعقيلي الولاء) وفؤاد عارف (الكردي). وكانت حكومة ناجي طالب حاولت الاستقواء بزيادة مواردها من شركة النفط، ومن عائد رسوم نقل النفط الى موانئ المتوسط من طريق الاراضي السورية. فامتنعت الشركة من تلبية حاجة الحكومة الحيوية من الباب الريعي الوحيد الذي في متناول الطاقم الحاكم، "القومي" و"التقدمي"، طرقُه بعد إغلاقه الابواب الاقتصادية والسياسية الاجتماعية الاخرى، وهي أبواب حاول عبد الرحمن البزاز إبقاءها مشرعة على موارد غير الموارد الريعية وأخفق.
الريع الوطني والعصبيات الرثة
 وعندما امتحنت حرب حزيران (1967) الجزء العراقي من "العالم" العربي وعلى الاخص مشرقه، ألْفت دولته متصدعة وعاجزة عن خوض حرب إقليمية معقدة. فوسع سلاح الجو الاسرائيلي ضرب اللواء الثامن المؤلل العراقي وهو في طريقه الى الجبهة الاردنية. وظهرت علناً انقسامات العسكريين الشخصية والعصبوية والسياسية، وآثارها في ضعف الاحتراف والتنسيق والتخطيط. وظهر العسكريون في صورة جماعة على حدة، تتمتع بامتيازات باهظة في ختام مطاف استيلاء على مرفق القوة المشروعة في الدولة. و"حرر" الاستيلاء الجسمَ العسكري من أبنية دولة متهافتة تركتها الانقلابات وصراعات الكتل الحزبية المحمومة عليها، خاوية معلقة وبعيدة من مطال قوى سياسية واجتماعية فاعلة. فهذه أصابها، بدورها، الهزال. وحولها أجهزةَ اقتتال على مفاتيح المواقع والوحدات العسكرية وقياداتها. فيروي صالح عمر العلي، وهو يومئذ عضو قيادة قطرية "ثانوي" (على ما يقر) أن البعثيين عقدوا، في 1967، مؤتمراً دعت توصيته البارزة الى انشاء "جبهة قومية شعبية واسعة ترد على الهزيمة". فترجم الحزبيون الدعوة "الجبهوية القومية (و) الشعبية" "عملاً حزبياًَ تنظيمياً على الجانبين المدني والعسكري". وفحوى الانتقال من الجبهة العريضة الى التنظيم الحزبي الخاص، أو من الخط السياسي الى "التفعيل" التنظيمي، هو، على قول العلي نفسه، "نسج (علاقة) حلف بضباط يحتلون مواقع حساسة"، وعلى وجه التخصيص "داخل بغداد": في إحدى فرق الحامية أو في إحدى فرق الحرس الجمهوري... فتتداول الفرقة (الخلية) في اجتماعاتها اسم من يقترح ترشيحه ومراقبته وضمه الى الجسم الحزبي، وتعبئته الانقلابية المتحفزة، وموقعه أو أصله وفصله ومن يصلح واسطة اليه من عشرائه وخلطائه وأصهرته. وهذا النهج قاد الى سعدون غيدان، أحد ضباط القصر الرئاسي، والى ابراهيم الداود (خال غيدان)، الواسطة، الى عبد الرزاق النايف، معاون مدير الاستخبارات و"وجه" انقلاب 17 تموز 1967 ورئيس وزرائه طوال 13 يوماً قبل اغتياله في منفاه اللندني (عن "الحياة"، المصدر المذكور).
 وتفادياً لاحتدام المنازعات والخلافات، غداة حزيران (1967) والخسارة التي نزلت بالفرقة العراقية، عهد عارف الى "أقوى" نوابه الخمسة، طاهر يحي، برئاسة حكومة جديدة أعلن الضابط المكلف لائحتها في 10 تموز. فقصر التوزير على "سياسيين" وناصريين وقوميين مستقلين. واستبعد البعثي السابق البعثيين المتحفزين، و"التقدميين" (المقربين سابقاً من الشيوعيين وعبد الكريم قاسم) والعراقويين واليمينيين الخبراء المتحدرين من عائلات "قديمة". ولا يستقيم تجديد يحافظ على بعض اللحمة السياسية بين أفرقاء يتربص بعضهم ببعض، وينتظر فرصة الاجهاز المؤاتية عليه، إذا لم يلب بعض الحاجة الى موارد ريعية و"وطنية" طرية تسد بعض نفقات السيطرة المتعاظمة. وعثر خيرالدين حسيب، الخبير المالي والناصري "المستقل"، على الإكسير المنشود. فأشار بتحويل حقوق استثمار حقول الرميلة الشمالية النفطية الى شركة النفط الوطنية، وحرمان الشركة الانغلو – أميركية (العراقية) منها، وبدعوة شركة إيراب الفرنسية الى التنقيب عن النفط في مساحة تبلغ 10800 كلم مربع. وتعهدت موسكو إزجاء خبراتها في الحفر والتسويق، على طرفي عملية الاستخراج من دون قلبها. وعادت بيضة القبان في العملية الى فرنسا الديغولية وديبلوماسيتها "العربية". ومن تولى العمل المزدوج: تعظيم الموارد الوطنية واستعادتها من الايدي الاجنبية المتسلطة والانانية، وجزاء السياسات الغربية المستقلة عن الغلبة الاميركية شراكة في امتياز استخراج الثروة – هو "حكومة العفترة"، على ما سميت وزارة طاهر يحي. وهي جمعت وزراء عسكريين ومدنيين يدينون بمكانتهم ونفوذهم، وبعوائدهما، الى تحدرهم العصبي من بلدات او مدن عانة والفلوجة وتكريت وراوة وهيت (على التوالي: ع ف ت...). والتلقيب هذا كَنَى عن عموم الفساد وانغماس كبار الضباط والنافذين فيه، وعن عموم الخروج على القانون وضلوع أهل القوة و"الدولة". فالتبست خدمة أصحاب المصالح الريعية والصنفية المستولية على الدولة والمجتمع بالقوة والقسر بانجاز بنود سياسية وسمت بـ "الوطنية" و"الشعبية" و"التحرر"، وحملت على "التقدم الاجتماعي" وتوزيع عوائد "الثروة الوطنية" على الطبقات الكادحة والطبقات الوسطى.
 ولم يفت هذا، بديهة، البعثيين المتربصين بالحكم، وهم شركاء في صنع الالتباس و"تعميقه"، إذا جاز القول. وكانوا صرفوا السنتين والاشهر الثلاثة الى إعداد انقلابهم المزدوج. وزجوا في الفصل الاول من الانقلاب "حلفاء المصادفة"، على ما سموهم. وهم الضباط الثلاثة الذين تقدمت رواية صالح عمر العلي فيهم: عبد الرزاق النايف وابراهيم عبد الرحمن الدواد وسعدون غيدان، على رأس الاستخبارات العسكرية والحرس الجمهوري وكتيبة دبابات الحرس. وهؤلاء اقتسموا تنفيذ الانقلاب ومهماته، وهي الاطباق على عبد الرحمن عارف في القصر الجمهوري، واحتلال مبنى الاذاعة، ودخول وزارة الدفاع. وإذا قنع البعثيون بـ8 وزراء حزبيين من 26 وزيراً في الوزارة الاولى، حرصوا على أن يشغل محازبون رئاسة الاركان وسلاح الطيران (حردان التكريتي) ووزارة الداخلية (صالح مهدي عماش) وقيادة الحرس الجمهوري العتيد (سعدون غيدان، وهو "تقريباً" محازب، على قول بطاطو). ولما ظهرت بوادر الشقاق بين كتلة البعث و"حلفائها" الظرفيين، وعمد "الحلفاء" الى دمج صحيفتي "الثورة" و"الجمهورية"، وهذه كانت بيد البعثيين فطردوهم منها ومنعوهم من الاذاعة، أمر رئيس الاركان الجديد بإجراء تنقيلات واسعة في مناصب الضباط، في غياب الداود وزير الدفاع الجديد بالاردن 3 أيام كاملة عن وزارته، و"جدد" استمالة سعدون غيدان وحرسه ودباباته، ورأَّس ضابطاً تكريتياً هو حماد شهاب على حامية بغداد وعلى اللواء المدرع العاشر. وفي 30 تموز، دخل اللواء العاشر بغداد، واحتل مواقعها المتحكمة في مرافقها ووظائفها وأمنها. فانفرد البعث بقمم الدولة وبالرئاسات، وهو كان نصَّب أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية خلفاً لعبد الرحمن عارف، وأخرج منفِّذ الاستيلاء وواجهته، عبد الرزاق النايف، ووزارءه وأولهم الداود من مناصبهم وعَزَلهم.
الطغمة والاستتباع
وفي أثناء الـ13 يوماً الفاصلة  بين 17 تموز وبين 30 منه، لم يغادر طيف المورد النفطي المسرح المضطرب والمتدافع بالادوار. فلوَّح ضباط القصر، على ما سمي النايف والداود وأنصارهما، بعزمهم على إلغاء عقد إيراب وحقل الرميلة الشمالية وحق التنقيب فيه الى الشركة العراقية (آي بي سي)، وبنيتهم منح شركة بان اميركان امتياز التنقيب الحصري عن الكبريت. وينقض الاجراءان، إن صدقا، ركناً من ركني الاستيلاء العصبي على الدولة العراقية هو تعظيم موارد الدولة الريعية، والانفراد بها وبتوزيعها في سبيل تقوية "عصبية الدولة" (على معنى أنصار حلقة اصحاب الامر الضيقة وأجهزتهم التي يوظفون فيها مواليهم). فمن طريق هذه الموارد مولت الطغمة الحاكمة البعثية الصدامية لاحقاً استتباع المرافق والدوائر الاجتماعية والاهلية بعد تصديعها، وشراء ولائها عنوة، وحشرها في "جيوش" الموظفين الجرارة والعقيمة. ويخالف الاجراءان الاجماع الوطني العروبي والتقدمي الذي أرست عليه السياسة الناصرية، منذ تأميمات 1961-1962 وإنشاء الاتحاد الاشتراكي في خريف 1962 وتوثيق الحلف بالاتحاد السوفياتي، نهجها ومواثيقها. وهما يعرقلان، على اضعف تقدير، سيرورة إنشاء "الدولة"، أي الكتلة المستولية بالقوة العسكرية النظامية والحزبية، "عصبيتَها" العريضة وسندها الاجتماعي ويقطعان الموارد المادية الضرورية عن السيرورة والقائمين بها. فتخسر الحلقة المستولية ركنها المدني والاهلي والحزبي ووسيلتها الى السيطرة على آلتها العسكرية، الى خسارتها شعارَها (قميصها، لغة) الايديولوجي الذي يدرجها في باب حركات التحرر الوطني والاجتماعي من الاستعمار والامبريالية "الغربيين" و"الرأسماليين". وشعارها هذا يطل بها، وبخليطها المجتمع من طلاب وبطالين ومسرَّحين وسقط عشائر محلية، وهؤلاء ليسوا "كتلة" اجتماعية وبالأحرى "تاريخية"، على آفاق التاريخ العالمي العريضة والاسهام في صنعها بحسب "وعد" لم يقتصر على جهاز الدعوة والتحريض والتضليل السوفياتي أو الماوي الصيني. وهو (الشعار) ينصبها فاعلاً متصدراً وجامعاً شرائط القيادة الوطنية بل القومية الانسانية المشروعة والمستحقة من غير منازع، على ما افترض البعث (العفلقي) في أثر حركات الاصلاح والتنظيم والنهوض في "العالم" العربي الحديث. ويسوغ، اخيراً، سياقة الحوادث المتعاقبة منذ "الثورة" العامية "الشعبية" على النظام الملكي القديم، وباشواته وأعيانه وكبار ملاكيه وسراكيله، ويقر عصبية البعث المستولية على ختامها هذه السياقة وإبلاغها غايتها ومحجتها.
الحزب "التكريتي" العامي
 وكان الحزب المستولي أعد العدة للمهمات والادوار التي نصب نفسه لها ولتوليها، في ضوء إخفاقه في تثبيت استيلائه في شباط 1963 الى تشرين الاول – تشرين الثاني من العام نفسه (رواية الانقلاب مفصلاً في الكتاب 3، ف18، ص289-307، ثم وقائع "النظام البعثي الاول"، الكتاب3، ف20، ص317-339)، وفي ضوء نزاع 1959 بين القوميين والشيوعيين (3،9، 179 – 200). ولا يتردد حنا بطاطو في ربط حلقات انفجار العنف الواحدة بالحلقة السابقة فيكتب ان عنف 1963، حين استيلاء البعث على الحكم والانقلاب على عبد الحكين قاسم، "مصدره" عنف 1959 الذي مر التنبيه اليه للتو. وهذا مصدره مزدوج: عنف السجون الملكية في 1953 (في حق الشيوعيين على الخصوص)، و"العنف القبلي والعرقي" (ص 306-307 من الكتاب نفسه)، من غير تخصيص او توقيت، تضرب جذوره في زمن قديم ومتجدد هو زمن العلاقات القبلية والعرقية.
 ويقارن بطاطو (فصل "النظام البعثي الثاني، الـ23 من الكتاب 3، ص389-425) بين صورتي حزب البعث او صيغتيه في 1963 ثم في 1968، فيكتب ان الصيغة الثانية هي غير الصيغة الاولى. ويصف الصيغة الثانية بالنخبوية، كناية عن هرم طبقتي الناشطين ومرتبتيهم: فتعد مرتبة الصفوة (العليا) 10 آلاف عضو عامل، يَنتخبون ويُنتخبون، الى مستويات القيادة المتدرجة أو يسمون، بينما تعد مرتبة الانصار والمؤيدن، أو القواعد المؤتمرة بأمر مستويات القيادة، 500 ألف نصير منظم. والرقم الاول، عدد الأعضاء العاملين، يبلغ نحو 8-9 أضعاف عدد نظيره قبل 4 سنوات ونصف السنة، ويبلغ عدد الانصار المنظمين نحو 25 ضعفاً عدد الانصار في شتاء 1963. وأهل الارياف هم بيئة هذا التوسع ومادته. والهرم العريض القاعدة والمجتمِع الرأس نصب طاقماً قيادياً معظمه الساحق من السنة (العرب). فهؤلاء كانو 84.9 في المئة من "قمة القيادة" في 1970، بعد سنتين من الانقلاب. وضوت حصة الشيعة العراقيين الى 5،7 في المئة، وتأخرت عن حصة الكرد( 7.5 في المئة). وكانت الحصص، على التوالي، في عقد 1952 -1963: 38.5، و53.8، و7.7 في المئة. وتعليل الامر الجزئي هو تأييد معظم الشيعة علي صالح السعدي، "صاحب" انقلاب شباط 1963، غداة خسارته والحزب السلطة في تشرين الثاني 1963. وهو طرد من حزب البعث في 1964، وأنشأ حزبه. وخرج أنصاره ومؤيدوه من الشيعة (أو طردوا) معه. والبعثيون السنة الذين انقلبوا كثرة، وغلبوا عدداً على صفوف المحازبين، هم من بلدات محافظات الرمادي وشمال بغداد وقبائلها، شأنهم شأن أفراد الشرطة الذين نسبهم ضباط ملكيون من عصبيتهم، مثل عبد الجبار الراوي وبهجت الدليمي. وكان هذا سبباً في مواطأة الشرطة ببغداد "مواطنيهم" البعثيين السنة، ولين معاملتهم إياهم، على خلاف قسوتهم على البعثيين الشيعة من غير ملتهم أو أهلهم.
 فتعاظم نفوذ الضباط السنة التكارتة (أهل تكريت) في حزب البعث المقصي من الحكم غداة 1963 مشتتاً، ومنقسماً على نفسه، ومتحارباً. وقويت الرابطة العصبية، العشائرية والمحلية واستطراداً المذهبية، على الرابطة الحزبية، السياسية والايديولوجية. وتصدر القيادة الجديدة، وهي قامت على أنقاض القيادة "الشيعية" التي اخفقت في تثبيت الاستيلاء على الحكم، حزبيون، عسكريون ومدنيون، من الطينة الاهلية نفسها. وبرز اثنان هما أحمد حسن البكر وصدام حسين، من تكريت. وينتسب الرجلان، وبينهما فرق سن يبلغ 23 سنة (ولد البكر في 1914)، الى عشيرة البويات من قبيلة البوناصر. وهذا النسب، المتواضع قياساً على أنساب عشائرية وقبلية عراقية أخرى، ينكره بعض الحزبيين السابقين، مثل صلاح عمر العلي أو مهدي حيدر (صاحب عالم صدام حسين) على الرجلين اللذين ثارا لإخفاق تشرين الثاني 1963. فينفون عن البوناصر والحديثية (أهل حديثة)، وغيرهم ممن يسمونهم "أهل الشقاوة" و"القبضايات القساة" بل "السرسرية" (الرعاة والدهماء)، ، شأن التكارتة، الانتسابَ الى عصب قح أو صريح، هو قرينة مرتبة رئاسة ومكانة. وينزلون البكر وصدام وحردان التكريتي ومهدي صالح عماش وعشرات غيرهم مثلهم، منزلةَ "الدخلاء" على الحزب، ومنزلة أهل الضواحي والظواهر على البطحاويين، أهل وسط المدينة وأصحابها، وذلك على رسم عربي، دموي وحزبي بطولي، ضعيف الصلة بوقائع القرابة وملابساتها- على ما ذهب إليه هنري لامنس اليسوعي الفرنسي في كتابه في مكة والمنازعات التي اكتنفت دعوة محمد بن عبدالله بها. وتربط الاثنين واحدهما بالآخر رابطة قرابة: فصدام حسين "ابن بالتنشئة" لخيرالله طلفاح، خاله ووالد زوجته أو عمه معاً. وخيرالله طلفاح هو ابن عم أحمد حسن البكر. والرجلان القريبان، وبينهما فرق السن الذي بين الوالد وابنه، عَلَمان على النحو الذي جرى عليه انبعاث الحزب، وعلى مسرح الانبعاث ومادته. فالريفية، والهامشية الاجتماعية، والتحصيل المتواضع، والعصامية البدوية، والارتقاء من طريق الدولة والإدارة والجهاز الحزبي، ورسوخ علاقة رابطة الولاء (على حديها: الامر والطاعة) على مثال عائلي عصبي (التحامي) وثأري (استتباعي)- هذه السمات والاحوال تبلورت تدريجاً، وعلى مقادير وأنحاء متفاوتة، في ثنايا النزاعات السياسية والاجتماعية المتعاقبة، الاهلية المحلية والوطنية والاقليمية. وكل باب من هذه الابواب، غير الحصرية، برز سمةً من سمات الجماعات العراقية الفاعلة في "اختبار" تاريخي واجتماعي، اقتص حنا بطاطو فصوله المتشابكة قصاً وافياً. فالريفية والهامشية الاجتماعية اللتان غلبتا على البعث الناهض من انقاض 1963، وطبعتا الحزبيين وقيادتهم والعَلَمين التكريتين على القيادة، هما من اعراض أطوار صيغت مع الكيان الوطني العراقي، وملكه الهاشمي والحجازي المتملك من خارج (ولكن ليس على خلاف داخل متماسك)، وجهازه الحكومي والإداري، ونفطه الطارئ والمتعاظم في تمويل خزينة الدولة، وتَقوض حرفه وانهيار صناعة المراكب والنقل الداخلي، ومصادرة مشايخه القبليين وأغواته عنوة المشاعات القبلية الشاسعة وجمعهم زراعة كفاية ورعي الى زراعة متصلة بالسوق وأسعارها وتقلباتها، وتصدع جماعاته القبلية وطوائف حرفه وطرقه الصوفية، وهجرة فلاحيه العريضة الى المدن وانخراطهم في الجيش والشرطة والادارات وفي مرافق عمل نشأت تلبية لحاجات أهل المدن الجدد، وتوسع الهجرة وتداعي حلقاتها وبلوغها كتلاً من "فعلة" نافسوا من سبقهم على أجورهم وخفضوها. وشأن معظم المهاجرين الى ضواحي المدن وعشوائياتها، اعتصم ضعفاؤها برابطة عصبهم. فنزلوا أحياء سبقهم إليها رواد هجرتهم، وساسوها سياسة ذاتية بـ"سوانيهم" وأعرافهم ومراتبهم الخاصة. وعروبة البعثيين العراقيين، وعلى الاخص ضباطهم الآتون من عانة وتكريت، "يدينون" بها الى أسر الشمال العربية، أي البدوية، الى وقت قريب، التي يتحدرون منها، وإلى "خسارة"  هذه الاسر دائرة رعيها وتجارتها ومصاهرتها السورية. وتقوم هذه الدائرة، العراقية والسورية، بإزاء القوم الكردي المقيم بجوارها ويتقاسم معها النفط، مقام ركن الدولة الريعية و"الوطنية".
4- الجهاز (- العشيرة) – الدولة
ففتصدر حزب البعث في صيغته "السنية التكريتية" (ص400 من الكتاب 3)، عصبية أهلية وعدداً، الجماعات العراقية بالأحرى: الكردية والشيعية والمسيحية، والعشائرية والريفية والمدنية، والنهرية والبدوية والجنوبية والشمالية. وتصدر في صيغته العسكرية والأمرية والريعية والقومية، "الدولة" الوطنية والمركزية العراقية. والوجهان متصلان من غير شك ولكنهما ليسا واحداً. وتخليص الوجه الثاني، السياسي والجهازي، من الوجه الاول، الاهلي والعصبي، وحمله عليه حملاً سببياً واشتقاقياً، يخلان بفهم نزاعهما وفرقهما على رغم تضافرهما. فتنصيب صدام حسين في رئاسة مجلس قيادة الثورة، والإقرار بسيطرته على إدارات الامن الداخلي والاستخبارات العسكرية من طريق مكتب الامن القومي وجماعاته أو عصاباته المتحدرة من الحرس الوطني فجهاز "حنين" الصدامي، وتثبيت احمد حسن البكر، رئيس الجمهورية، السلطة الفصل في الجيش، إجراءات انتظر حسمها عشرة اعوام تامة، من 1968الى 1978. وبدا يومها انها خاتمة المطاف (ص400 من الكتاب الثالث، كذلك). ولكن الحرب على إيران الخمينية بعدها بسنتين، ثم مجرى الحرب وفصولها المتعاقبة (1980-1982 أو الفصل الهجومي، ثم 1982-1985 أو الفصل الدفاعي الثابت، ثم 1985 – 1988 أو الفصل الدفاعي المتحرك)، أظهرا "اختصاص" البكر المفترض بالجيش من مخلفات مرحلة انتقالية أفلت. فتقسيم القيادة، ولو بين "والد" و"ابنه"، على حسب تشبيه رابطة البكر بصدام وصدام بالبكر، يخالف نازع القيادة البعثية والعراقية المستولية الى حل "الدولة" في "سيادة الرئيس" فـ"القائد". ولا غرابة في توليد الحرب الطويلة (1980-1988) والعامة، وخسائرها الفادحة (نحو مليون قتيل في البلدين)، ومدارها القومي والمذهبي على مفصل دائرتين جغرافيتين وسياسيتين ونفطيتين (الشرق الاوسط وآسيا الوسطى) – أبنية "الدولة" الوطنية العراقية وإخراجها الى الملأ، على معنى الإنشاء والإيجاب وليس على معنى الترجمة او النقل.
مثال "الدولة" وحروبها
 فدخلت قمم الجهاز العسكري – الحزبي مرحلة تخليص مثال "الدولة" الأنموذجي من أبواب ثلاثة: الجهاز العسكري الحاسم، والهيمنة المنفردة والعامة على الدولة الريعية، والتوسل بالأمرين الى شن حرب أهلية – قومية في الداخل وحروب مركبة أهلية – قومية وإقليمية في الدائرة الاقلميمية القريبة. فاستولى الضباط التكارتة على الجيش وقيادته في سياقة طويلة ومتعرجة كان ابتداؤها توسط مولود مخلص النافذ، عضو جمعية "العهد" العربية العثمانية في 1914-1915، وزميل نوري السعيد في استانبول، وصاحب المكانة البارزة في ثورة 1920، الشريفي الفيصلي ونائب رئيس مجلس الاعيان الملكي، وملاك الاراضي الواسعة في تكريت لقاء خدمته القصر والانكليز... والمتزوج بامرأة تكريتية مثل ابيه الموصلي بالهجرة – لابناء جلدته، ولم تكن خاتمتها الاغتيالات وتصفية ضباط التيارات والاحزاب الاخرى وسد باب الجيش في وجهها. وأصابت الجيش العراقي، في غضون عقدين غداة 1958، موجات تطهير وإقالة وتقاعد قسري أطاحت 3 آلاف ضابط، وأخرجت تباعاً الملكيين، فالعراقويين (بعد مقتل عبد الكريم قاسم)، فالموصليين (1966)، فضباط الرمادي أو الجُميليين من انصار العارفيْن، فأنصار عبد الرزاق النايف والداود (بعد 1968). وطاول الاقصاء، وغالباً الاغتيال بعد الاقصاء، حلقة الضباط من أنصار حزب البعث وعضده على استيلائه الثاني والاخير. فطرد حردان عبد الغفار (التكريتي) في تشرين الاول 1970 من مناصبه القيادية والوزارية قبل أن يقتل في الكويت، حيث لجأ بعد 5 اشهر. وطرد مهدي عماش في ايلول 1971. وألحق به عبد الكريم الشيخلي، وزير الخارجية. وقتل وزير الدفاع، حماد شهاب، في حزيران 1973، وجرح سعدون غيدان، وزير الداخلية، في اليوم نفسه، بيد العقيد مدير الامن العام ناظم الكزار. وأعدم هذا بعد 18 يوماً على محاولة قتله الوزيرين البارزين.
 وانتهج الحزب سياسة تقضي بـ"تخريب الجيش" (ص410) النظامي التقليدي والوطني. فعمد الى تدريب الطلاب الثانويين الحزبيين على عجل، وتنسيبهم الى الجيش، وتنصيبهم ضباطاً وضباط صف. وشَرَطَ إنفاذ أوامر الضباط بموافقة "مفوضين" حزبيين تولوا تأطير الوحدات العسكرية. واشترط على الشيوعيين العراقيين، في اعقاب حملات تنكيل واغتيال واعتقال وتعذيب دؤوبة، في رد على مقترحاتهم الجبهوية والائتلافية "الديموقراطية" التخلي عن أي نشاط في صفوف الجيش. وخص الحزب المستولي ضباط الجيش البعثيين بشطر ثابت من مقاعد مجلس قيادة الثورة، المترجح العدد. وخصوا بحقيبة الدفاع، وبمنصب حاكم بغداد وإدارة الامن فيها. وولوا غير منازعين قيادات سلاح الطيران وحامية بغداد وقاعدة الحبانية الجوية وكتيبة دبابات الحرس الجمهوري. واختلط الجيش بالامن والاستخبارات آن كان الحزب يخوض حربين أهليتين، واحدة على الكرد والثانية على المعارضة المنظمة ومعظمها من الشيوعيين. فهو استأنف العمليات العسكرية على كردستان حال استكماله انفراده بمقاليد الحكم. ولكن سير العمليات خيب الامل في انتصار وشيك. فاضطر الى توقيع اتفاق مع مصطفى برازاني، في آذار 1970. وبعد نحو سنة ونصف السنة حصلت محاولة اغتيال "غامضة" نجا منها الملا، فانهارت الهدنة. وتجدد الحرب بعد ستة اشهر من "المفاوضة المضمرة والمواربة. ونقلت بغداد النزاع من إطاره "الرسمي" المعتاد، وهو في هذا الاطار نزاع بين كيانين تنوب عنهما قيادتان ويقاتل جيشان، الى طار أهلي وشعبي. فأثارت مسألة كركوك وسكانها وإدارتها، وسعت في "تعريب" السكان أو تغليب الشطر العربي: فأنزلت عرباً أتت بهم من وسط العراق وغربه (من أقاليم حزب البعث وبلاده وقومه)، ورحلت كرداً من موطنهم الاصلي الى مستوطنات معظمها في جنوب العراقي حيث يغلب الشيعة. وآذن ذلك بولادة أو استفاقة مشكلة قومية وسياسية في بؤرة مشتعلة قوية الشبه بهوية أهل الاطراف العالقة، مثل كشمير بين باكستان والهند وقبرص بين تركيا واليونان وقبل هذه وتلك الألزاس – لورين بين فرنسا وألمانيا، تنطوي على فتيل شر أهلي محلي لا يؤمن أن لا يتطاير شرره ويصيب الكتل الاهلية الخلفية. والفتيل لم يطفأ الى اليوم. وخص الدستور العراقي الجديد (دستور 2006) كركوك بالمادة 140.
 وعلى مثال إرادته "حل " المسائل " من المركز انطلاقاً" على قول صدام حسين في كتيب أحاديث نشر في 1975 وكان باكورة إسهامه الفكري والنظري، وهو يعني استئصال عوامل تجددها أو تأريثها، نزل الحزب الحاكم عن شطر من شط العرب كان يلح في التمسك به الى حاكم إيران البهلوي، محمد رضا، في ختام مفاوضات طويلة توجت بإعلان اتفاق في آذار 1975. وهو، الحزب الحاكم وعلى رأسه رجله القوي و"الشاب" صدام حسين، صاحب نعرة قومية بدوية على ايران الفارسية والشيعية الامامية، وأحيا مصطلح الشعوبية العباسي وسلطه على القوم الفارسي وعلى العراقيين الشيعة، من منبت عربي كانوا ام منبت إيراني. ولكن إخماد الحركة الوطنية أو القومية الكردية، المتجددة والمزمنة، لقاء النزول عن السيادة على جزء من "الارض" في المخاض المائي، تقدَّم الاعتبار السيادي المجرد والبعيد. فالانقسام أو الشقاق في "المركز" تفوق خطورته على الحكم، وعلى مثاله المتسلط "الحديدي"، ضم دولة أجنبية بالقوة حاشية حدودية متنازعة. والقضية الكردية مركبة: فالقوم الكردي يستند الى رابطة دموية أهلية وإقليمية واجتماعية تاريخية ولغوية لا تفل إلا بالإبادة (حمل هذا حزب البعث في المفاوضات التي افضت الى اتفاق آذار 1971، على الاقرار بحزبين مشروعين وقانونيين هما حزب البعث، العربي، والحزب الديموقراطي، الكردي، "القوميان"). وكردستان العراق غنية بالنفط، عصب سيادة الدولة العراقية على رعاياها وجماعاتها وهيمنتها من غير منازعة اجتماعية تكتل اجزاء وفئات من الجماعات. وبلاد الكرد تتقاسم أراضي اقليمية ووطنية متفرقة ومتنازعة. ففي مستطاع البعث السوري، توأم العراقي وخصمه، والحاكم منذ 1963-1966 في صيغته "القطرية" و"الشعوبية"، التوسل بكرد "الحزام العربي" المزعوم الى مناوأة بعث بغداد ومناكفته. وفاقم الاستيلاء على لبنان "سخاءه، في 1975 -1976، فحجب مياه الفرات عن الاراضي العراقية قبل عقدين من مبادرة أنقرة الى تقتيرها على الاراضي السورية وزراعاتها).
وراثة "البقية "الشيوعية
 والتصدي للقضية القومية الكردية، و"حلها" من طريق إلغائها بالقوة العسكرية والالتفاف الديبلوماسي والشقاق الاهلي والشعبي، خلَّفا فروعاً سياسية لم يشذبها الحل المفترض. فحزب البعث المتسلط والمستولي "ورث" من فصول التاريخ العراقي القريب، الفصل الملكي والفصل العراقوي واليساري والفصل الناصري والعارفي المختلط، حركة شيوعية ويسارية وطنية لا نظير لها، هرضاً وقوة وجذور، في البلدان والمجتمعات المشرقية والشرق أوسطية القريبة والجارة. والحركة الشيوعية، حزباً منظماً وناشطاً وجمهوراً اجتماعياً يسارياً ووطنياً ثقافياً، قوية الروابط بجماعتين يناصبهما حزب البعث الحاكم العداء الاهلي والسياسي هما الشيعة والكرد، على تفاوت قوة الروابط وتبلورها. فالحركة الشيوعية ليست جهاز شيعة العراق، على رغم شركة الاثنين في الجماعة المذهبية الكبيرة، وفي بعض جمهورها. ومن وجه ثانٍ، ليس لشيعة العراق، يومها، جهاز طائفي، على مثال صنعته الخمينية فيما بعد. والجماعة الكردية كانت بمنزلة ملاذ يلجأ اليه الشيوعيون ويستقوون به. فهي ربطتها بالاتحاد السوفياتي، وببعض أطوار "سياسته القومية" وتوسله "حق القوميات في تقرير مصيرها" (ما أُعمل "الحق" في تحطيم الامبراطوريات المتاخمة والمركبة)، آصرة متينة. والى ذلك، كانت الجماعات القومية والدينية المتحدة من الملل العثمانية أرضاً خصبة أنبتت للشيوعيين واحزابهم وكتاباتهم وكتابهم ودععاة اضطلعوا غالباً بدور النواة والخطوة الاولى في مسيرها (في الكتاب الثاني، ف1و2و3و4، ص17-84، رواية بدايات الحركة الشيوعية، في العراق وشطر من المشرق العربي، لا تلم بالأقوام والجماعات وحسب بل بعشرات "الابطال" واحداً واحداً). فالكرد شعب من غير دولة، ومقسَّم وقلة قومية، "مستضعفة "على سلم المراتب السياسية، ومنقسم على نفسه انقساماً اجتماعياً عميقاً. وهذه عوامل احتسبتها الاحزاب الشيوعية الوطنية في عهد الاممية الثالثة الستالينية (الى 1953)، ثم في اطار مكتب التنسيق او الكومنفورم (الى 1957)، وبقيت عرفاً وميراثاً تقليديين.
  وعلى المثال الذي مرَّ وصفه، مد الحزب المستولي الجديد يد الصلح والحلف الى الحزب المنافس والمناوئ الذي باعده منه عنف الموصل في 1959 وعنف التصفية والمطاردة في اثناء الاستيلاء الاول (شباط – تشرين الثاني 1963). فاقترح على خصمه الشيوعي، المزدوج "قيادة مركزية" و"لجنة" مثلها، غداة الانقلاب مقاعد وزارية قليلة في اطار تضامن القوى الثورية والوطنية بعد حزيران 1967. فرد الجناحان ببنود "ديموقراطية" تفترض قبول اقتسام السلطة والنفوذ، والإقرار بافتراق الجماعات واختلافها، وبحقها في اقتسام الموارد العامة والتمثيل السياسي المستقل والاحلاف الوطنية والاقليمية والدولية بحسب التمثيل السياسي على حدة. وعلى هذا، دعا الفريقان الحزب المستولي الى اطلاق المعتقلين السياسيين، وضمان حرية الاحزاب وحكم ذاتي للأكراد، وتأليف حكومة "موقتة ائتلافية ديموقراطية تقدمية". وبدا أن حزب البعث خطا على الطريق المقترحة خطوة تلاقي الخصم والمنافس العتيد. فعفا، في أيلول 1968، عن المعتقلين السياسيين. وقرر عودة الموظفين المطرودين من وظائفهم بذارئع سياسية و"عقائدية". وأجاز عودة الشيوعيين المنفيين أو الهاربين من منافيهم وملاجئهم. وسكت عن حرية العمل الحزبي. وفي أعقاب شهرين على اجراءاته هذه، وهي حملت مئات أو ربما آلافاً من جمهور الشيوعيين واليساريين والتقدميين على العودة الى بلادهم وأسرهم، شن الحزب المستولي على اجهزة القوة والمراقبة في الدولة حملة اغتيالات متصلة طاولت قادة بارزين، ونقابيين ميدانيين، وناشطين متظاهرين. فاغتال "مجهولون" ناصر الحاني، في 10/11/1968. وكان "مجهولون" آخرون (!) أغاروا على معمل زيوت نباتية ببغداد، في 5/11 أعلن عماله إضراباً فقتلوا شيوعيين من عماله. وعندما خرجت تظاهرة، في 8/11، احتفالاً بالذكرى الخمسين للثورة البلشفية في بغداد هاجم ساقتها (أو صفوفها الاخيرة) ملثمون مسلحون بالسكاكين وبقناني الزجاج الناتئة والهراوات فقتلوا 3 متظاهرين. وأتبع مكتب الامن القومي، في قيادة صدام حسين، القتل والارهاب باعتقالات زجت في السجون عشرات من القيادات الشيوعية، معظمها اختارهم المكتب من "القيادة المركزية". فهذه تجرأت على إنشاء فصيل مسلح صغير تولى عمليات "ثورية" رمزية مثل سرقة (مصادرة) ممتلكات وأموال، أو خطف متنفذين، وذروة الجرأة كانت اطلاق نار على منزل صدام حسين ومنزل صلاح عمر العلي.
 وفي السجون، عذَّب السجانون البعثيون المعتقلين الشيوعيين تعذيباً ثأرياً أودى بـ20 منهم، على أضعف تقدير، فيهم قياديان من الصف الاول هما متي هنري هندو وأحمد محمود الحلاق. وانهار عزيز الحاج، أمين "القيادة المركزية" الاول، وخرج على التلفزيون، في اوائل نيسان، ودعا الى التخلي عن العنف. وهو كان رعى القوة المسلحة الصغيرة التي جرَّت عليه، وعلى حزبه أو جناحه، ثأر البعث. وكانت "القيادة المركزية"، نفسها دربت، قبيل الاستيلاء البعثي، خلية مسلحة في هور العموقة، جنوب العراق، ولوجت بانتهاج طريق "حرب الشعب". وأبدى بعض "القياديين" حماسة "خيالية" للخط الصيني، ولم يبدِه فصيل شيوعي آخر له. فانقلاب عزيز الحاج على الرأي الموشك أن ينقلب "عقيدة" في غضون أقل من الشهرين، قوَّض بعض اركان جناحه. وقطفت السياسة البوليسية البعثية، وهي أمست صدامية في هذا الفصل، ثمرة قمعها العنيف الجناح الشيوعي البارز. فلان الجناح الآخر، "اللجنة المركزية". وقبل عزيز شريف، الامين العام السابق لحركة أنصار السلم، تعيينه وزيراً للعدل، في آخر شهر من 1969. وأدى  "الوجه" السياسي البارز والمختلط دوراً فاعلاً في مفاوضات الحزب الحاكم والحزب الديموقراطي الكردي الطويلة (في آذار 1971). وتسليم عزيز الحاج، واستقلال عزيز شريف بسياسته، لم يحصنا الشيوعيين، على اختلاف أجنحتهم وعقائدهم، من عنف النظام البوليسي. فقمع "مجهولون" مسلحون تظاهرة شيوعية خرجت ببغداد في عيد النوروز، في أول أيام ربيع 1970، وقتلوا محمد أحمد الخضري، عضو لجنة بغداد القيادية رمياً بالرصاص. واعتقل مئات الشيوعيين في أنحاء العراق، وعذب منهم من عذب، وقتل من قتل، وأطلق بعضهم بعد سنوات  قليلة أو كثيرة.
 وتجددت في أواخر 1970 وأوائل 1971 الاعتقالات والقتل في اثناء التعذيب وأعمال الخطف والتغييب من غير أثر. وقبيلها بقليل افصح الحزب الحاكم عن اشتراطاته على الشيوعيين، وعلى الحركات السياسية الاخرى ضمناً وفيها الناصريون والقوميون العرب (وهم 9 منظمات وتيارات أو انشقاقات متناسلة). وهي تقضي بالاعتراف بالحزب المتسلط حزباً - دولة واحداً: "ثورياً وحدوياً اشتراكياً ديموقراطياً"، وقائداً، وقومياً ورائداً على طريق "تحرير كامل فلسطين"... ولا يتم هذا إلا بإنكار الشيوعيين، وغيرهم، أحكامهم، ماضياً وحاضراً، في البعث ودولته وانقلابه وسياساته وأحلافه. وحين وقع أحمد حسن البكر وعزيز محمد، غداة إعدام ناظم الكزار، وثيقة العمل الوطني، في تموز 1973، ووُلِّي "الحليف" الضعيف وزارة الري "الاجتماعية" ووزارة دولة فخرية، وأُغضي عن إصداره صحيفة أو نشرة حزبية كئيبة، كان الحزب – الدولة أرسى دعائمه على الانقاض السياسية العراقية، وقوض أبنيتها من غير استثناء: خُنق ما يقوم به العمل السياسي المنظم أو التلقائي، وأُلحقت المادة الجمعية أو الاجتماعية "الاولى" بالمراقبة والمطاردة الامنيتين، وانكفأت الاواصر الاهلية على هياكلها.
"الإصلاح" من غير مترتباته
 والحق أن طموح حزب البعث لم يقتصر على الاستيلاء على "الدولة"، والاستقرار فيها، والانفراد بمواردها وتصريف اداراتها المتفرقة وإثبات جدارته بهذا الموقع. فهو اعتقد، أو اعتقدت قيادته "الشابة" اعتقاداً ثابتاً وجازماً بأن الاستيلاء على اجهزة القوة والتدبير، وعلى الموارد، مرحلة على طريق انجاز او انعطاف تاريخي حاسم. وسحقُ القوى السياسية الاخرى والمنافسة ما أمكن، بعد أن استأصلت الانقلابات المتعاقبة منذ صيف 1958 "الطبقات القديمة" ودولتها وأركان الدولة الاجتماعية، هو من مقدمات الانعطاف او الانجاز المتوقع والمأمول. فقيادة حزب البعث العراقي، شأن معظم الحركات التي تبلورت مناهجها ومبانيها في العقد السادس من القرن العشرين، وعاصرت تصفية إرث السيطرة الاجنبية المباشرة على بلدانها وبروز الاتحاد السوفياتي قطباً دولياً نافذاً، حملت أبنية الحكم والسلطة على "بناء قومي" لا يستقر ولا يتماسك ويدوم إلا برسوه على قواعد اجتماعية واقتصادية متينة وراسخة. ويقضي إرساء "البناء الفوقي"، أو الدولة الوطنية المستقلة (في قيادة حزب طليعي) والمبادرة الى ضمان الاستقلال الاقتصادي على أسس "التراكم الاولي" والتصنيع المركزي والزراعة "التعاونية"، بجمع الموارد كلها بيد أجهزة الحزب، والجهاز المهيمن على الاجهزة. وجمع الموارد يفترض حرمان القوى الاخرى، السياسية الحزبية والاجتماعية المتملكة، من مواردها، المادية والمعنوية أو الرمزية (الرابطة الدينية المذهبية والرابطة الثقافية أو الرابطة العصبية...). وما بقي من مقومات انتاج أو توزيع أو إدارة أو تداول، مستقلة عن المركز وآلاته، رآه المركز خروجاً عليه وعدواناً. وعلى هذا، افتُرض في "الاصلاحات" الزراعية المتفرقة والمختلفة المسير في طريق تفضي الى انشاء طبقة من متوسطي المزارعين وصغارهم، تجزي الفلاجين على انخراطهم في التحرر من سطوة كبار ملاكي الارض في الداخل، وتجنُّدِهم في الحرب الوطنية على المستعمر الغاصب و"عملائه"، وتُبوئهم المكانة التي تعود لهم في جبهة ديموقراطية اجتماعية. فكان أن تفرق المزارعون والفلاحون "الجدد"، وتبددوا من غير رابطة ولا آصرة. فإما عاد الملاكون القدامى أو التجار الذين حلوا محلهم (على المثال المصري)، وإما هجر المزارعون الارض الى ضواحي المدن وأريافها وأرباضها، وتركوا الارض مواتاً (على المثال السوري).
 فقادت "الماركسية الموضوعية"، على ما سمى بعضهم المذهبَ السوفياتي في "الطريق اللارأسمالي الى الاشتراكية" و"مقالات النقض على الامبريالية" (مكسيم رودنسون)، قيادة البعث الى اجراءات اجتماعية أو "طبقية" راديكالية. فأقرت ، في 1973، قانوناً يحظر طرد الفلاح من أرضه تحت أي ذريعة أو عذر، ويثبته في ملكه، ويحول بين الملاّك السابق وبين التقاضي متعللاً بسوء تطبيق القانون. وأتبعت الاجراء القاطع هذا بإلغاء حق المالك في الاحتفاظ لنفسه وأسرته بأفضل قطعة أرض. وخفضت الحد الاقصى للحيازة الزراعية الى 40 دونماً في الاراضي الخصبة والمروية، و2000 في الاراضي القاحلة والصحراوية أو شبه الصحراوية. وألغت تعويض الملاكين عن الاراضي المصادرة، ومعه ديون الفلاحين الى صندوق الاصلاح الزراعي أو الى الملاكين القدامى. وتوجت قيادة حزب البعث الاجراءات القانونية بإجراءات اقتصادية وإنشائية مكملة: فخططت لكهربة 4200 قرية، واستصلاح 4 ملايين دونم، وإنشاء أسواق شعبية تباع فيها منتجات الارض من غير وسطاء. وقضت بدعم الخزينة العامة سعرَ الخبز الثابت، وتخفيضَ أسعار الآليات الزراعية والاسمدة الكيماوية. وزادت الحد الادنى للأجر اليومي، في الريف والمدينة، من 450 فلساً الى 550 (فإلى 650 فلساً في 1974، و900 فلس في 1976، و1100 فلس في 1977). واستنت قانون تأمين أو ضمان اجتماعي نصت بعض مواده على تسديد تعويضات إعاقة. وتواقتت هذه الاجراءات المتصلة، ويقتضي تمويلها موارد كبيرة يقع معظمها على عاتق الدولة وشطر منها يضعف "القاعدة المادية" لنفوذ ملاكي الارض، مع حملات إرهاب الشيوعيين وخنقهم والتلويح بالحرب على الكرد أو خوضها. ويغلب الوجه السياسي والظرفي منها الوجه "الاستراتيجي" الذي يترتب عليه بروز قطب اجتماعي جديد يضطلع بدور فاعل في الانتاج، وفي الموازين الاجتماعية والسياسية. فهي قصدت الى الحؤول بين الجماعات السياسية المعارضة والمناهضة وبين توسلها بالاحوال الاجتماعية المتردية والقاسية الى تعبئة "الجماهير" و"الطبقات الكادحة". وهذا جزء من الوصاية الصارمة "الطليعية" والفوقية التي أوكلتها الاحزاب المستولية على الدولة الوطنية الى نفسها، وأقرت لها بمشروعيتها واستقامتها العملية "الكتلة الاشتراكية"  أو السوفياتية، ولم تكذبها السياسة الرسمية الماوية أو تنكرها.
مراكمة الريوع... وأهلها
 ودعت أثقال هذه الاجراءات على الدولة الحزبية الساعية في الهيمنة العامة على "عيالها" ورعاياها المواطنين دعت الدولة الى سد حاجاتها المتعاظمة الى موارد لا تدين بها الى انتاج المواطنين المنتجين والعاملين بالغرف من عوائد النفط الريعية في المرتبة الاولى. وكان التأميم، أي استحواذ جهاز الادارة على الملكية والانتاج والتوزيع والعوائد، صار، في الاثناء أي في العقد السابع، سياسة لا خيرة للسلطات الوطنية والشعبية و"الديموقراطية الاجتماعية" فيها، وفي انتهاجها. وفضيلتها الراجحة هي تلبيتها حاجتين متضافرتين: حاجة الطاقم الحاكم والمستولي الى ريوع ثابتة تمول استقلاله عن السيطرة الاجنبية وعن الموارد الداخلية والاجتماعية (التي ينتجها المجتمع) معاً، وحاجة السكان الى مورد أو عائد مباشر يقيتهم ويقوم بحاجاتهم الحيوية، والى مرافق عامة حيوية مثل التعليم والطبابة والمواصلات والاتصالات. وأجمعت كتلتا الحكام المستولين والمحكومين الرعايا على التأميم، والتباس أغراضه وأدواره. وحال العراق في النصف الاول من العقد الثامن قرينة قوية على الالتباس، من وجه، وعلى الاضطرار، من وجه آخر. فما أن تعمدت الشركة "العراقية" تقليص الانتاج السنوي من 57 مليون برميل الى 30 مليوناً، اقتصاصاً من تشغيل حقل الرميلة الشمالية في رعاية سوفياتية وملكية الدولة، في نيسان 1972، حتى بادر الحزب الحاكم الى تأميم الشركة الاجنبية في حزيران من السنة نفسها. فاستبق، هو ومعمر القذافي، "الاضراب" النفطي في تشرين الاول 1973 وموازاة الحرب المصرية والسورية – الاسرائيلية. ومضى حزب البعث على سياسته النفطية الى 1975، واستكمال سيطرته على موارد يحتاجها في وجوه سياسته وسيطرته كلها. وتشغيل حقل الرميلة الشمالية، من طريق المساعدة السوفياتية، حلقة من حلقات تعاون في صناعات زراعية مثل الاسمدة والفوسفات أو تجهيزية مثل الكهرباء وخطوط نقلها ومصفاة تخزين النفط المستخرج، وفي التجهيز العسكري. ولا ريب في ان النهج "القومي" والهجومي المتشدد الذي انتهجه الحزب العراقي في المسألة الفلسطينية، ثم في المسألة الايرانية، والمسألة الكردية الداخلية، فالعلاقات بالخليج ودول ضفته الغربية وبالشيعة العراقيين والكرد مرة أخرى – يدين بمسوغاته وجوازه العملي الى إحكام قبضته على "حياة الناس" (بطاطو، ص 433، ك3، فصل "الخاتمة").
 وانغمس الحزب – الدولة (- المجتمع الظاهر من دون المجتمع العميق) في حروب الداخل والخارج. وأنشأ أجهزة سيطرته وغلبته من طريق توسع عددي هائل ومتفاوت المراتب والنفوذ، مولته الموارد الضخمة التي جناها الحزب الحاكم من موجتي زيادة اسعار النفظ وقفزتها في 1973 و1978. فحين انقلب الحزب على عارف الثاني، في صيف 1968، كان عديد الجيش العراقي يبلغ 80 ألفاً أو أقل بقليل، ويبلغ سكان العراق 8.5 ملايين. وعلى هذا، من كل ألف عراقي، من الاعمار كلها ومن الجنسين، كان ثمة 10 عسكريين. وفي أثناء عقد واحد من السنين زاد عديد الجيش 3 أضعاف، حين زاد عدد السكان أقل من الثلثين (13.5 مليوناً). فصار ثمة من كل ألف عراقي 18 عسكرياً. فلما مضت 4 أعوام على ابتداء الحرب العراقية – الايرانية، قفز عديد الجيش الى 600 ألف، ونسبة العسكريين من كل ألف عراقي الى 42. وتفوق هذه النسبة مثلها في عهد شاه إيران نحو 5 أضعاف، ونظيرها البرازيلي 24 ضعفاً (الارقام والمقارنة عن سمير الخليل، قناع كنعان مكية، جمهورية الخوف، 1990 الموسوم بالفرنسية "الآلة الجهنمية"). وإلى الجيش النظامي، أنشأ الحزب "جيشاً شعبياً" هو "ميليشيا" أهلية وعامية مسلحة قارب عددها، في 1982، 450 ألفاً الى مليون مسلح. وغداة احتلال الكويت، في 2 آب 1990، هدد صدام حسين بزيادة العدد الى 3-4 ملايين. وعشية احتلال التحالف الاميركي – الغربي العراق، لوح الرجل نفسه بمليونين من "فدائيي صدام"، هم بقية "الجيش الشعبي" العتيد بعد أن سمي باسمه القريب من وظيفته الفعلية.
 والى العسكريين وخليطهم، جند حزب البعث موظفين في وزارة الداخلية بلغ عددهم، في 1978، 150 ألف موظف. وكانوا قبل سنتين اقل من 100 ألف بقليل. فجمعت وزارتا الحرب والامن، قبل الحرب العراقية – الايرانية وبعد أن ألقى الكرد السلاح، 368 ألفاً، ما نسبته 51 عراقياً من الالف وواحد من 5 عاملين. فإذا ضم الى هؤلاء الموظفون الاداريون بلغ العدد 1.2 مليوناً، وهو نصف عديد اليد العاملة في مدن العراق. وفي الاثناء، 1984، صار عدد الحزبيين، أنصاراً ومؤيدين، مليوناً ونصف المليون، كلهم "موظفون" يتقاضون مرتبات من خزينة الاموال العامة. والحزبيون العاملون، "النخبة"، يعدون 25 ألفاً ونسبتهم من "أمة" الحزب واحد من ستين. وشطر من موظفي الادارات، ومعظم القيادات العسكرية والامنية، هو من هؤلاء الحزبيين على مراتبهم المتفرقة والمتفاوتة. فتربعت الادارة الحكومية، والادارة الحزبية نواتها العريضة والطاغية، محل القوى الاجتماعية، وظائفَ وكماً. وإذا كانت حصة الموظفين المدنيين من كل ألف عراقي، في 1958، 3 موظفين، فهي بلغت، في 1968، 26 موظفاً، أي 8.6 أضعاف، قرينة على ابتداء مسير السيطرة الحزبية السياسية على أجهزة الادارة. ورفع حزب البعث الحصة، غداة 8 سنوات على استيلائه، الى 45 في الالف، فـ63 في الالف عشية الحرب على إيران في 1980. فالحزب المستولي لم يسعَ في استمالة "قاعدة اجتماعية" الى صفوفه، وبالاحرى تمثيل هذه القاعدة، بل صنعها بيده وسوّاها. وصرف على صنعها موارد الدولة في أعوام البحبوحة والنفط "الغالي"، وبددها على هذا الانفاق الذي لا يمت الى "التراكم الاولي" بسبب، على خلاف رأي بطاطو في المسألة (ص448 من المصدر نفسه).
 وبينما عمد الحزب المستولي الى إلغاء قسمة المجتمع والدولة وقيام المجتمع بإزاء الدولة – وهما (القسمة والقيام) ركن تقييد السلطة وخروجَها من "الاهل" – نشر التعليم وقلص الاميين من 3 أرباع العراقيين الى اقل من نصفهم. وأقبلت النساء على التعليم، وعلى العمل من بَعد، من غير معوقات. وغلبن على مهن مثل الصيدلة وطبابة الاسنان. وناط الحزب بهيئات قضائية، وباللجان الشعبية (أي الحزبية، شأن "الجيش")، الوصاية على بعض الاحوال الشخصية التي كان الاهل أو العشيرة، يبتونها في ضوء الاعراف والاحكام الفقهية. وأضعفت الهيئات القضائية واللجان الحزبية الابنية الاجتماعية وأعرافها المتوارثة. وسعت في تقليص سطوتها على الاهالي، وفي بلورة مدونة "وطنية" ومشتركة. وحين استقر الحزب غداة الحرب العراقية – الايرانية، في سدة الحكم قوياً ومنيعاً، وشبَّه على بعض العراقيين، وعلى معظم "المجتمع الدولي" وإعلامه، بلورة وطنية عراقية متماسكة ومولودة من حربه الطويلة على إيران وحرب إيران عليه – حضت صحافة الحزب الرجال العراقيين، أي "فرسان" العراق "النشامى"، الى الاقتصاص من النساء ("الماجدات" سابقاً) اللائي يشكون في فضيلتهن (غداة حرب عاصفة امتحنت الاسر) قصاصاً "عادلاً"، هو القتل. ووصف النظام "الخروج عن الفضيلة"، شأنه في وصف الجريمة الوضيعة او العادية، وصفاً سياسياً، فقرنه بالرقابة الدولية على التسلح. فبدد ثمرة نشر التعليم والانخراط في العمل المهني، وجزى بالقتل الخروج والانتهاك الفرديين لمعايير عمل تحتكم الى لحمة الجماعات وسيطرتها على الافراد. فعلى مثال الاصلاح الزراعي الذي مر الكلام فيه، احتسب الحزب – الدولة ( - "المجتمع") من التعليم وعمل النساء وتحكيم القضاء "المدني إضعافها تسلط الابنية الاهلية المحافظة، الابوية والمذهبية الدينية، على شرط ألا يترتب على "التحديث" استقلال طبقات وسطى مدينية بأحكامها وآرائها وسنن جديدة، وولادتها أفراداً لا يؤمن انقلابهم مواطنين "يريدون" – وقد يجتمع منهم "شعب" على غير معنى الشعوبية أو القومية، يمتنع من الالتحام والتكتيل والتوحيد، ويوجب حقه في الانقسام والمنازعة، أي في السياسة.
  فإذا كان هذا شأن "بعث صدام حسين"، وعلى مثالات قريبة ومختلفة شأن بعث حافظ الاسد وخالفه وشأن شطر غالب من النظام الناصري المصري وخالفيه، فقد يدعو ما تقدم من اقتفاء أثر، ومن "قصص"، رفع الاقتفاء الى حلقات نسب أسبق، والنزول منه الى الانقلاب "الليبرالي" المعولم على الدولة – الحزب (- "المجتمع").