الأحد، 6 يوليو 2014

تحرر «الدولة الإسلامية» من قطرية «العراق والشام» تحت لواء الخلافة الابراهيمية

المستقبل 6/7/2014
انشق عن الدولة الاسلامية في العراق والشام، قبل انتصاب أميرها خليفة، رجل كان ولاه أصحابه قاضياً، ودخل في جيش الاسلام في إمرة المدعو زهران علوش. فما كان من مقاتلين ينتسبون الى «الدولة» إلا ان قتلوا صاحبهم السابق. وفي الاثناء، شكل 17 فصيلاً يقاتلون في كتائب الاسد وبقايا جيشه في الغوطة الشرقية الدمشقية، كياناً مشتركاً سموه المجلس القضائي الاعلى، وكأنهم أمة من قضاة. وكان «جيش الاسلام» من الفصائل التي دخلت في المجلس القضائي. و»الجيش» أبرز فصائل كيان آخر يعرف باسم الجبهة الاسلامية. وأبلغ زهران علوش، قائد أو أمير جيش الاسلام وأبرز قادة الجبهة الاسلامية وأبرز قادة المجلس القضائي الاعلى معاً، مؤتمراً صحافياً بالضاحية الدمشقية في أواخر حزيران المنصرم أنه فاوض تنظيم «الدولة الاسلامية» على الانضمام الى المجلس القضائي، ولم يستجب الاقتراح.

والمفاوضة كانت محلية أو موضعية، وموضوعها شرق دمشق وحده. وأما ريف ادلب ودير الزور، حيث تخوض «الدولة» أقسى الاشتباكات وأسخاها بدماء مقاتليها ومقاتلي خصومها، فهما مسرح اقتتال يسهم فيه جيش الاسلام بسهمه. والحليف الجائز بالغوطة هو، على قول علوش، «عصابة قذرة» حري بـ»أهلنا في الغوطة الشرقية (...) الانشقاق عنها». وتترجح الامور بين دعوة الى الحلف، والانخراط في القتال كتفاً الى كتف، وبين الحكم في الفصيل نفسه بالموت، وإباحته للعدو، وحمل الاهل على الانفضاض عنه. ويرهن علوش جبهة دمشق الشرقية، والقتال عليها، بشرطين متلازمين: توافق الفصائل المسلحة، وشرح مخاطر تنظيم «الدولة». ولما تم الامران انفجر القتال.

ووضوح الحال، جزئياً، لم يحل بين فصائل المجلس القضائي، المزمعة التوحيد في فصيل عسكري واحد، وبين إمهال «الدولة» بعض الوقت قبل حسم استبعادها أو إقصائها عن الكيان الجديد وإهدار دم مقاتليها، على التقليل. وفي المهلة، على «الدولة» التصدي لمسائل جسيمة: عليها الرجوع في أحكام تكفيرها فصائل الغوطة المنضوية في الجبهة الاسلامية أولاً ثم في المجلس القضائي من بعد- على غموض الانقلاب من التوحيد الاول الى التوحيد الثاني- . وعليها حل نفسها. ويمهد الاجراء الجسيم و»الكبير»، نسبة الى الكبائر، الى إقرار «الدولة» بمجلس القضاء هوية ومرجعاً، والدخول في طاعته «والامتثال لأحكامه».

وبينما كان زهران علوش يكلم الصحافيين المؤتمرين، على مرمى أقواس قليلة من قلب العاصمة الحكومي، وقصور الحكم والسلطان فيها، اجتمع المجلس القضائي، وكتب بياناً يراه العامي، من غير العلماء والفقهاء والقضاة، غريباً. ويجهر البيان رفض «القضاة» الاعتراف «بدولة العراق والشام كدولة». ومصدر الغرابة أن «الدولة» العتيدة تنسب نفسها أولاً وأخيراً الى الاسلام. فهي «الدولة الاسلامية». ولا شك في أنها تقدم نسبتها الاسلامية على صحة صفتها أو استوائها «دولة»، شأن دول الكفر والشرك والقانون الدولي، المنكِرة أحكام الشريعة وأوامرها ونواهيها وحدودها والصادرة عن رأي البشر ونظرهم الكليل والمتخبط... وانتهت الى تلقيب نفسها بلقب الخلافة الذي يليق وحده بها، وبمكانتها وعدد قتلاها. وينحي المجلس القضائي، المزعوم أعلى فوق هذا، صفة الاسلام عن «الدولة»، ويسأل عن كيان الدولة المجرد والمشترك، وكأن لهذا الكيان المزعوم حداً أو تعريفاً في نفسه، خارج «الاسلامية». وينكر المجلس القضائي على «الدولة الاسلامية» استيفاءها «مقومات الدولة الشرعية والحسية». ولا يفصِّل البيان المقومات. ويحشر الشرعية والحسية في باب واحد أو مشترك. والارجح أنه يعول على الحسي قبل الشرعي، ويقدم الحدس، وهو مرآة المتعارَف في البلدان والمجتمعات كلها من غير تخصيص ديني، على العلم الشرعي. وهذا، أي العلم الشرعي، وحده يأخذ «المسلمون» به، ويفهم بضعهم عن بعض من طريقه، ولا يفهمون عن غيرهم على نحو ما لا يفهمون عن أهل العجمة وغير الانسيين. ولعل هذا معنى سؤال ابي محمد المقدسي (عصام البرقاوي): ما هو رأي الخلافة الجديدة في خلافة لقوقاز؟ وفي خلافة الملا عمر بقندهار؟ أتكون الخلافة الجديدة خلافة خلافات؟

وليس القتال الدائر، والدماء الغزيرة التي سفكت وتسفك كل يوم، والتنديد بـ»العصابة القذرة» وتحريض الاهل عليها، والحَجْر على شراكتها في الاعداد للقتال و»الجهاد» مانعاً أو مانعة من الطلب الى أهل «الدولة» المبادرة الى «اصدار بيان واضح من فصيل دولة العراق والشام بحل هذه الدولة». فالانتقال من الاقتتال وسفك الدم والتكفير الى الاندماج في جماعة واحدة ومتعاهدة على الحياة والموت واعتقاد إيمان واحد، على جسر بيان أو رأي أو فتوى، فعل يسير. ومثله يسراً إعلان الدولة، او الخلافة الابراهيمية، أو حلها، وإبطالها. وآلاف القتلى، ونصفهم «شهداء» على ما يفترض، في اقتتال «الدولة» وجبهة النصرة، والبيان القضائي يحصيها في الفصائل والمنظمات التي يطلب إيضاح الرأي في إسلامها أو كفرها، آلاف القتلى هؤلاء «قادة وأفراداً» يُشترون، وتزول صفة القتل والاستباحة والظلم عنهم وعن قتلهم، لقاء «بيان واضح في حكم (فصائلهم)» وإسلام هذه الفصائل.

وهذه المنظمات الاسلامية و»المجاهدة»، والمقاتلة والمتقاتلة، المتحالفة بعد حرابة واحتراب أو بعدهما، يدعو بعضها بعضاً بعد سنوات على قيامها و»بلوغ الدماء الركب»، على قول «سيرة عنترة» أو «سيرة الزير بو ليلى المهلهل»، الى «التحاكم لشريعة الله في قضية سفك دم مسلم». أو لم يكن «التحاكم للشريعة» في الدماء والاموال والفروج، وحلالها وحرامها، الركن الاول ومسوغ الخروج الى قتال الحاكم الباغي؟ فكيف يتداعى «مسلمون» الى التحاكم بعد خراب «البصرة» ونينوى وديالى وصلاح الدين وبابل والرقة والجزيرة وخانقين، والتحاكم أصل اجتماعهم وعروتهم؟ وهل يعول الفصيل على انقلاب مخاطبه من الكفر الى الاسلام حال مناشدته الانقلاب أو تذكيره بالتحكيم؟ فلماذا لم يناشَد أو يذكر من قبل؟ وهل يترتب حكم أو قضاء على التأخير أو الارجاء؟ ومن يتولى مثل هذا الحكم؟

وترد «الدولة» الجواب على بيان مجلس القضاء ببيان يجاريه تبييناً ووضوحاً ويقيناً وإقناعاً. فتقول في طلب «حل الدولة»، أو إسقاط اللفظة والاستعاضة عنها باسم فصيل «مجاهد»، بأنه «متعذر». ويمضي الجواب على إيضاحه: «... بل دونه خرط القتال» أو «القتاد»، على ما جاء في عيون الكلم وسهت عنه وكالة الاخبار. ومسألة الدولة، وهي قد تبدو في عين العامي خطيرة وحاسمة، يرد البيان عليها رداً حاسماً: «فليبينوا لنا ما هي مقومات الدولة في نظرهم». وكأن لم تكن صحيفة المدينة، ولا رسائل في التقاضي ووصايا، ولا عهود فتوح وأخرجة وعشور وأمان وجزية وتخريب أسوار، ولا أحكام عمرية مزدوجة وحواشٍ عليها، ولا أحكام سلطانية في (شروط) الامام الفاضل ونسبه وبيعته وأهل الحل والعقد والندب الى قتال العدو والذب عن البيضة والخطبة على المنبر والتولية والعزل...

وطلب البيان عن مقومات الدولة الدولة يختم بالقول: « في نظرهم». وهذه أمور يعلم قضاة وفقهاء الهيئة الشرعية في «الدولة» أن لا محل فيها لنظر البشر والخلق. وهم أنفسهم يثوبون الى رشدهم الشرعي، ويرجعون اليه حين يتناولون مسألة التكفير ويجيبون عن سؤال المجلس القضائي، فيكتبون:»ومسألة التكفير منوطة بنصوص الشرع لا تخضع للعقول والاهواء في عقيدة أهل السنة والجماعة...» . وهم، أهل «الدولة» وقضاتها، حين يكفرون من يكفرون يخرجون من عقولهم وأهوائهم، ويعرون منها، ويعودون كما ولدتهم أمهاتهم فطرةً خالصة، وجبلة جبلتها يد (مجازاً) الخالق. فلا ينطقون عن عقل، أو رأي او قياس، ولا عن هوى، بل عن نص شرعي قاطع ومحكم. فإذا كفَّر أهل «الدولة» قضى النص الصريح بتصويب تكفيرهم. وإذا أنكر خصومهم التكفير قضى النص الصريح بتكذيب الانكار الصادر عن الخصوم.

وفي مسألة قريبة من مسألة الدولة وأميرها أو رئيسها، كتب عبود الزمر، أحد مقدمي الجماعة الاسلامية بمصر، أن لا ولاية لمحمد مرسي، الاخواني والرئيس المصري الاسبق. واحتج لرأيه بحكم «شرعي» يوجب انتداب من يقوم مقام الامير المكفوف اليد والممنوع من «مزاولة سلطاته» واختيار رئيس جديد. فأهل البلد إما أن يختاروا رئيساً جديداً، وإما أن يتركوا، «الامر فوضى» (والامر والناس فوضى حين يكونون و»لا إمام لهم»، على قول احد أعلام المصنفين في الاحكام السلطانية). فرد الاخوانيون على «الشيخ» على ما يسمون أهل الرأي في الفرق الاخرى، وكان هذا لقب أسامة بن لادن ولقب الظواهري على لسان «الشيخ» عصام العريان في مسامراته الفقهية على شاشة «الجزيرة» في عهد حسني مبارك- بالقول: إنه «يعبر عن وجهة نظره الشخصية»، عن عقله وهواه، فلا يعتد بما يصدر أو ينطق عن عقل أو هوى.

وغداة مراسلات القضاة الفقهاء وأهل الفتوى في مجلس القضاة و»الدولة الاسلامية»، في 27 حزيران، أعدمت «الدولة» أحد مقاتليها بساحة مرطو في مدينة الباب، شرق حلب. وعلقت جثة المقاتل بأحد أبواب أو إحدى بوابات المدينة. ويقضي الحكم الشرعي بتعليقها 3 أيام عبرة تعم ولا تخص. واستحق المقاتل القتل، والتعليق على البوابة، جزاء توقيفه الناس على حاجز يتولى حراسته، وتهمتهم بـ... الكفر، والسطو على اموالهم عقاباً لهم على كفرهم الصريح. وغداة تعليق المجاهد السارق بساحة مرطو صلبت الدولة الخلافة بدير حافر 8 من الجيش الحر. وضوي «الدولة» سراقين ومكفرين من هذا الصنف لا يدعو بعض خطبائها، في مدينة الباب، الى التحفظ عن الافتاء بـ»بطلان صيام من يكره الدولة الاسلامية». فما حال من يقول جهراً: لا دولة؟ ويطعن على جمعها شرائط الدولة ومعاييرها الشرعية والحسية؟

وهذه الشواهد غيض من فيض، أو قطر من أول الغيث (على قول مفوه عُلق على أبواب الحارات). وهي مقتطفة من أقوال وأحكام ناس يسيَّرون الجيوش، ويغزون الصحارى والسهول، ويستولون على المدن، ويمحون الحدود، ويهددون الدول، ويحاصرون مصافي النفط ويتحكمون في أسعاره وفي نمو الاقتصادات. وشأن «الممالك» العظيمة، والباقية على الدهور والابد، يقتلون ويجمعون الجثث في الخنادق طبقات، ويحصون قتلاهم على كيفهم. ويُحمل هذا على مزاولة السياسة أو الامر، وعلى البراعة المجلية فيها. وهو (تسيير الجيوش...) من صنع مقاتلين وأمراء وقضاة وولاة يناقشون مسائل الدولة ومعاييرها والتكفير والقتل والتحالف على النحو الذي مر. وهذا النحو يخلط الألفاظ بالوقائع، ويعاقب بين القتل واستحقاقه وبين القتال كتفاً على كتف، ويسأل حائراًعن البدائه ويقضي باتاً في القضايا الشائكة والمتشابهة. وينتقل بين الأضداد خفيفاً فرحاً. ويجزِّئ هنا ويجمع هناك ويعم.

وهو يصدر في أحواله المتفرقة وأضداده عن يقين بالحق والعلم والاعتقاد والصحيح لا يبارى. ويقينه هذا يقصر العوالم، والمدنيات والحضارات وأصناف العمران والتواريخ والصنائع واللغات، على عالم واحد، ويختصر قراباتها وعداواتها ومعارفها وتقاليدها في أمر أو نهي قاطعين. وتتصدر العالم الواحد أحكام الاستتابة والكفر، والولاء والبراء، والشريعة والردة، والقتل والاقتتال، والتنقب والخروج، وغيرها مثلها. وعلى شاكلة السؤال عن «مقومات الدولة»، يشكك هذا النحو في النظر والقول والعمل في حقيقة «مقومات» ما لا يحصى من المسائل والامور والوقائع، وفي جواز تناولها من طرق العقول والاهواء. فماذا بعد الاستيلاء بالقوة وتوزيع الكهرباء والماء والسطو على المصارف؟ وبعد الأمر بقراءة النقاط الـ13 في أحكام النقاب والصلاة جماعة والمحارم وفتح المحال والأسواق؟ وبعد قتل بعض الوجهاء ومن عرف عنهم موالاة «العدو«؟ وبعد تسيير السرايا في سيارات الدفع الرباعي والشاحنات الصغيرة الى هذه الضاحية القريبة أو ذاك الحي؟

وربما لم يحتج الجمع الجرار من «جهاديي» ساحات القتال والحرب على اليهود والصليبيين والامبرياليات، الكبرى والصغرى، الى إعمال النظر والرأي والاجتهاد في مسائل ما قبل استيلائهم وما بعده. وكان روح الله خميني يرى ان حكومته أو ولايته تقوم ببعض الحبر والورق حال إقرار الناس بها ومبايعتهم إياها على عداء المستكبرين والشياطين. و»الجهاديون» ورثوا من الدول والمجتمعات «القومية» التي حضنت نشأتهم، ثم أعملتهم في قتال العدو «الصهيو- امريكي» أو في عدائه، ثم قتلتهم من غير اجراءات قضاء أو قانون أو ملء قسائم طبية فردية لا تصلح إدارياً لجمع الاشلاء المتطايرة تحت القصف (ورثوا) مثالاً «سياسياً» من الازدراء والضغينة في متناول ضعفاء اهل الاهواء وأقلهم حيلة.

ويوجب هذا المثال «أمةً» غفلاً وعريضة عرض ديار العرب وبلادهم، وعميقة عمقَ تاريخ الاسلام والمسلمين. وينفي المثال من «الامة» العقول والاهواء والمداولة ولا ينطق إلا عن «شرع»، ويعلقها على اسم رجل واحد من لحم ودم. وهذا الرجل هو قائد دولة، وهو عالم- شريعة، وهو محارب استراتيجية. فلا مناص من أن يأتي يوم ينتبه فيه الرجل المتأله، أو ينبهه هاتف من وراء الحجب، الى أنه مستخلف في الارض وعليها، على حرثها ونسلها ودولاراتها وصادراتها واتصالاتها، وإن لم يكن هو أو جيبه فابن خاله أو اقرباء زوجة ابنه. واستخلافه، بقي سيادة الرئيس أو رجع الى تلقيب السلف العظيم، ليس عن هوى بشر ضعفاء ولا عن عقولهم الاضعف. فـ»الأمر» أعظم مما تحتسب العقول الديموقراطية السفيهة، وقوانينهم المتعسفة التي تنكر حكمة الحدود (القطع والجلد والتعزير بالعراق والشام وأصفهان ومشهد وزاهدان)، وتسوي النساء بالرجال، وتمتنع من سفك الدماء وتعليق الجثث على الخشبات، وكأن الكافر ميتاً أو حياً، حرمة، والبشرَ سواء وواحد، والحربَ سياسة. 

الأحد، 22 يونيو 2014

سفاح الارهاب و"الدول" الملية... وَلَد غزوة الانبار

المستقبل، 22/6/2014
 ألهبت غزوة "الدولة الاسلامية في العراق والشام" شمالَ الغرب العراقي، واستيلاؤها في يوم وليلة على مدن عواصم مفترضة مثل الموصل والحويجة وسامراء وتكريت، وهي كانت ترابط في ضواحي الفلوجة والرمادي وبعض أحيائهما الداخلية منذ أشهر على كيلومترات قليلة من بغداد- ألهبت المخيلات والاهواء البلدانية (الجغرافية) الاستراتيجية الهاجعة أو اليقظة. وبعثت أحلاماً ورؤى عريضة عرض المدى والوطن العربيين. فوسع حلف المخيلات والاهواء والاحلام والرؤى التحرر من سايكس- بيكو، وأثقال الرجلين والامبراطوريتين البغيضة التي أناخت على التاريخ، وقيدت اضطرابه ومده وجزره وحصرتها في قمقم بلدان – دول قطرية مزعومة. فأرغم العربي السوري (أو السوري العربي) على القول "سوريا"، وقصر مدلول قوله على 194 ألف كلم هزيلة، وإسقاط الأمداء الواسعة المتصلة من طوروس شمالاً الى زغروس شرقاً والبحر غرباً وما قدر الله جنوباً، الى الكويت وسوق الشيوخ إذا شئتم، أو حائل أو تبوك، والى العقبة غرباً وما بعد سوريا الجنوبية الى سيناء كلها، بين خليج العقبة وبين البحر الاحمر.
 وفي الغزوة الخاطفة والمنصورة تبددت الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار، وثبتها أعوان الاستعمار وما بَعده، وحصنها العملاء، وعقلنها الاستشراق. فإذا بجرابلس ومنبج والباب، والرقة والحسكة والبوكمال طبعاً، أقرب الى الموصل والحويجة والفلوجة والرمادي من حبل الوريد، قبل قطعه بالسيف فوق النطع إذا لم يداهم الوقت. وعلى رغم تولي العصابات الارهابية والتكفيرية هذا العمل التاريخي المجيد، وسعها الانصراف اليه آمنة مطمئنة الى خطوطها الخلفية في سوريا الضيقة وما بعد الاستعمار. وبينما أصليت أحياء شرق حلب، في الاثناء، القصف الذي يليق بشقاقها وخروجها على "الشرعية"، اضطرت بعض قرى الرقة، في ريفها المقيت ومهد مقاتليها الذين عدوا عنوة على المدن المعتدلة والمجربة وجروها والنظامَ الى الاقتتال والدمار، الى انتظار قصف سلاح الجو "الشرعي" قرابة الاسبوع الكامل (يوم الاحد الواقع في 15 حزيران ثم الثلاثاء في 17 منه)، وبعد إخلاء مسلحي "الدولة الاسلامية" القرى الثلاث المحظوظة.
قَصص واستراتيجيا
 فدبت الحياة الموارة في شرايين المشرق العربي اليابسة، واستيقظ التاريخ الأصيل والعربي في المدى (المضطَرَب) الذي كانت تجوبه الأحلاف القبْلية العربية الكبيرة والرخوة (وهي انقلبت "متحدات" في المناسبة) مثل الدليم وعنزة والعكيدات وزبع وشمَّر والروَلة، وتحاصر مدنه الهزيلة، وتجبيها على سبيل "الخوة"، أي المؤاخاة القسرية التي يفرضها القوي الجائع على الضعيف الممتلئ البطن، والمسلح على الأعزل الصاغر والمحتاج الى الدخالة والحصانة من القتل والنهب. والمشرق العربي هذا، وهو حضن القبائل والمدن المسيحية القديمة مثل انطاكية وحران، هو كذلك مسرح المخيلة البلدانية الاستراتيجية وميدان القَصص البطولي الشعبي والمَلَكي العربي والأعجمي: من "سيرة عنترة" و"فيروز شاه" الى مدونة "الظاهر بيبرس"، ومن "الاميرة ذات الهمة" الى "سيف بن ذي يزن"، ومن "تغريبة بني هلال" الى "سيرة الزير بو ليلى المهلهل". إلى غزوتين تاريخيتين ومؤرختين: واحدة بلغت النجف ودمرتها في 1857 وأخرى اجتازت امارة شرق الاردن في 1928. فأهل هذه الملاحم وأبطالها "الصناديد" و"بحر" رجالها (المالكي نوري أو جواد) إما خرجوا من شبه جزيرة العرب ويمموا شمالاً وغرباً الى مغارب افريقيا التي حسبوها مغارب الارض، أو خرجوا من الشرق الأسيوي والقوقازي والتتري وساحوا غرباً وجنوباً، وانتهوا على الدوام الى انشاء سلطنات عظيمة لحموا اجزاءها قسراً بالمصاهرة والتزويج والولاء وموت الامراء من غير أعقاب. وفي الحالين، بنوا أركان "عالم غيبي... كما لم يسبق في التاريخ منذ نهاية الحروب الصليبية"، على ما يكتب حسين جمو ("الحياة"، 15 حزيران) قارناً حوادث اليوم بالحرب الاوروبية الثلاثينية في القرن السابع عشر، وبنشوء أوروبا الدول – الامم الوطنية وخلافتها البطيئة الامبراطوريات وبطانتها الكنسية الرومانية والمسكونية في اعقاب معاهدة فيستفاليا.
 وما ولدته ليلة من ليالي (صحراء) النقب (إيدوميا التوراتية)، على زعم مالارميه، حمله المعلقون المحترفون في الصحف الاقليمية والدولية على مولود نبوي تام الخلق، وينطوي منذ خلقه، وإلقاء الروح في نطفته، على مصائره كلها، من ألفها الى يائها. وهي بعض من مصائر الأكوان والمجتمعات التاريخية والعمران. فتباروا في اختطاط دولة "الدولة"، وهي عصائب قتلة ومقتولين، وحدودها وأقاليمها وجوارها القريب والبعيد وحروبها الآتية وفتوحاتها وهزائمها. فشهوة أصحاب البلدانيات الاستراتيجية، وعلى وجه الخصوص إذا كانت مادتها المشتهاة هذه النواخي، مشارق الارض ومغاربها، "نهمة لا تشبع" على قول ابن منظور في شهوة العلم.
 وألبست هذه الشهوة حلة القصص الملحمي وقطعه الشبيهة بقطع "المكانو"، أو بالمدونات الرقمية، لا قيد على جوارها وعلى تذييلها بملاحم جديدة. فبعد تفكيك سايكس – بيكو والتوازن الاستراتيجي والصراع على الشرق الاوسط البائس، وكلها انتهت الى خيبات دامية، توج أهل الهزائم ملاحمهم بلعبة الخمس البحرات الاستراتيجية الكبرى. ورأوا انفسهم أصحاب كلمة سر محورية تفتح أقفال خطوط انابيب النفط والغاز كلها: المنحدرة من المشارق الاسيوية الهندية والاسكندرية، أذربيجان وحوض قزوين وحوض البحر الاسود، والمشتاقة الى السفر غرباً من طريق المتوسط وإيجه والادرياتيكي، بالغاً ما بلغ ثمن الرحلة وعوائده التي ربحها سلطان الجبل وعموم السوريا. وحين حطت الرؤية الاستراتيجية رحالها خلطت قمة حلب بقاعدة درعا البلد، و"بستان هشام" بمراكز "سيرياتل". وانقلبت المنافسة على طرق الانابيب ومحطات التخزين والعوائد "الهائلة" الى "مكاسرة على حافية الهاوية"، على قول خبراء وأصحاب مكاتب تحليل واستشارات يتقاضون ثمن أتعابهم على الهواء، وتتخاطفهم المحطات الفضائية الباحثة عن روايات تليق بحدس المستثمرين البدوي وإعلامهم الأثيري والسواتلي.
 ولكن الهذيان "الجيوسياسي"، أو بعضه، لا يفتأ يعرب عن بعض الحقائق. وهذه الحقائق لا تتعلق بالوقائع. وحقيقتها هي الأحلام والرؤى والاماني والرغبات التي تنضح بها نفوس أصحاب الخطط الاستراتيجية العظيمة التي تقدم الإلماع الى بعضها المشرقي، وهي الاصداء التي ترددها الوقائع والحوادث المشهودة في نفوسهم وعلى ألسنتهم. فعشية الهجوم على الموصل واكتساح نينوى وصلاح الدين وشمال الانبار، أسر بشار حافظ الاسد، مستودع سر أبيه وروحِه، الى "صحافي" من أهل المجالس والأمانات، أن الغلو في "فبركات صور طائفية" يسأل عنها صور الاعلام، وأبرزها صور "هجمة التكفيريين والارهابيين على المعتدلين من أهل السنة وأهل الصوفية العريقة" ("الاخبار" الصادرة ببيروت، 11 حزيران). ويعقب هذا الكلام المرمز- وهو يفيد بأن ثمة أهلي سنة: أهلاً يحاورهم "الدفاع الشعبي" أو العلوي و"المسيحي" بعد حصارهم سنتين وآخر "وهابياً" لا يحاوَر- على "إشارات تغيير" ترسلها "أميركا والغرب، بعد ان "صار الارهابي في عقر دارهم: ثمة أميركي فجر نفسه على الاراضي السورية، وثمة فرنسي من اصل مغاربي قتل يهوداً في كنيس في بروكسل".
 ويكاد يكون تقرير الوقائع المفترض مفتاحاً يفتح شفرة تعاطي الرئيس السوري المثلث الولايات (مع) الحوادث وتأويله لها: لا تغير أميركا وأوروبا سياستها العدوانية بالسليقة والفطرة في شأن سوريا و"خيار المقاومة" الواحد إلا إذا مسّها مس "القاعدة" وإرهابها؛ وغداة سقوط 230 الف قتيل واعتقال 258260 معتقلاً وفقد 99440 مفقوداً (عن "مركز دراسات الجمهورية الديموقراطية") "ثمة" أميركي مسلم واحد، عداً ونقداً، قتل نفسه في عقر دار سوريا، ولكن الرئيس المثلث يرى انه في عقر "دارهم"، و"ثمة" فرنسي واحد عائد من سوريا، حيث لم يبق ثمة يهود، قتل يهوديين اثنين يلمح إعلام الاخوانيين الى انهما عميلا "الموساد" شأن رهائن الخليل، ببروكسيل. وهذه قرائن مروعة ومخيفة جداً على "المركزية الغربية": قتيلان اسلاميان يقومان عدل أو نظير أو كفء الآلاف المؤلفة من "المحليين الوطنيين"، على ما كانت دوائر الاول الاستعمارية والاستشراقية تسميهم. ولكنه ثمن لا غنى عنه في سبيل صيرورة الارهاب في "عقر دارهم"، وحملهم على ان "يبدأوا يرسلون إشارات تغيير" في عبارة الرجل الفصيحة. ويستشرف الرئيس "الجديد" مدة ولاية ثالثة (7 سنين قحط،على عددها في رؤيا فرعون التي فسرها يوسف بن اسرائيل)، وربما رابعة، يستثمر فيها بدء الاشارات، ويحولها ذهباً استخبارياً صافياً، ومساعدات وهبات اقتصادية، وأحلافاً إقليمية متوسطية، ودعوات الى استعراضات عسكرية...
أمداء مشرقية
 وعلى وقع الغزوة التكفيرية وفتوحها الخاطفة – على مثال إسراء معكوس، ومن غير تشبيه او تمثيل- قامت مقارنات بلدانية استراتيجية وقصصية ملكية - شعبية محورها "اسد سوريا الكبرى" (على قول جان لاكوتور الفرنسي في 1976، وهو قول أغاظ ياسر عرفات فوق العقد من السنين)، من جهة، ونوري المالكي المسكين والضئيل، من جهة أخرى. فذهب صحافي آخر، ليس من قماشة الاول التقنية ولكن من قماشة نظرية أعلى كعباً قد تستلهم مهدي عامل الشيوعي الماركسي، الى انه "بينما تخوض الدولة السورية معارك طاحنة ضد التمرد الارهابي (لعله يقصد قصف مكاتب الرقة التي أخلتها "الدولة" غداة اسبوع على الغزوة [الكاتب]) في ما قبل المدى الداعشي، تقوم الدولة العراقية المفككة المستندة الى عصبية شيعية بلا مشروع باتباع استراتيجية استقطاع قبائلي سني ضد (داعش)، ولكنها تخسر في المنافسة لكونها لا تقترح مشروعاً وطنياً وانما استتباعاً لفروع قبلية على الطريقة الاميركية في انشاء ما عرف بـ(الصحوات)..." ("الاخبار" نفسها بقلم ناهض حتر). واطار المقالة زلازل ايديولوجية وقومية وقبائلية ودولية وبلدانية واجتماعية في الامداء المشرقية العريضة.
 وتخلص المقارنة الى خفة كفة المالكي في الميزان وحط (طبش) كفة الاسد، على ما مر للتو. وغداة أسبوع تقريباً على المقارنة هذه، يستأنف المعلق في الصحيفة ما سبق ان خلص إليه:" داخل العشائر (العراقية) نفسها انقسامات تنذر بتفتيت التمرد الذي أعطته داعش صورتها الاجرامية، بل وسرعان ما جرت الترتيبات لإقامة قوة عسكرية من شمر للسيطرة على حدود اليعربية ضد داعش وسواهم من المتمردين، وكما هو معروف، لدى دمشق نفوذ تقليدي وسط القبائل اهتز وقتاً، لكن التطورات الايجابية، داخل سوريا، تسترده، وسيكون ذلك أساسياً في أي حل للأزمة العراقية" ("الاخبار" 17 حزيران، وفي الاثناء نبه بعضهم البلداني الى سقوط حلف شمَّر من لائحة قبائله ومتحداته، وقد ينبه الى الرولة في تعليق حاسم آت).
 وقد يكون هذا "سر" الاسد الثاني بعد الاول، وعلة "هدوئه الاسطوري" ودقة تحليله الاستراتيجي، على الدوام. فهو، رجل الدولة الواحدة الفولاذي، يعول على نفوذه في صفوف عشائر تترجح ولاءاتها الكثيرة، المتزامنة والمتعاقبة، بين أجهزة دول ومنظمات ومصادر تمويل. والحق أن بين العشائر وبين المنظمات الجهادية، الارهابية وغير الارهابية، نزاع حاد وعصي على الحسم: فغالباً ما تتهم المنظمات "الجهادية" العشائر وشيوخها بالهوى العصبي والميل الى "القوة" المركزية الوطنية أو المحتلة، وتعالج الهوى والميل، بالاغتيالات. وتنزع المنظمات المقاتلة الى "توحيد" الشطور العشائرية بالقوة واللين؛ على ما حصل أخيراً في درعا نفسها. وانقلاب الكتائب السورية المقاتلة من "الجيش الحر"، وغيره من التشكيلات "المعتدلة" الى كتائب اسلامية، ليس مرده الى المساعدات، على اصنافها، وحدها، وبعضه يعود الى غلبة المنزع العصبي المفتِّت على جنود "جيش عقائدي" قتل فيهم مَلَكة الرأي والحكم السياسيين والفرديين.
ومَشَت "الدولة الاسلامية" المزعومة، وقبلها "جبهة النصرة" التي أطلقت اجهزة الرئيس المثلث قادتها من سجونها الخاصة، في الشمال الشرقي وأطرافه المركبة سكاناً والمتنازعة، بين تركيا المتذبذبة وبين العراق المتناحر والممزق. وطيلة سنة ونصف السنة، وسع أجهزة "الجمهورية العربية السورية" رشوة عشائر شرق حلب، أو شيوخها، بالسيارات ورزم أوراق المئة دولار، وحالت بينها وبين الانضمام المتعثر الى المعارضة و"حركاتها". ووقعت معركة حلب، في صيف 2012، حين قصَّرت الرشوة عن المدد والدوام، ونافستها رشى أخرى مصدرها مواطن بعض الاحلاف الاصلية في حائل والجزيرة العراقية، وانهار ولاء القوات المسلحة، وانفجر الخلاف التركي الاسدي على نحو يصعب رأبه. والى القوم العشائري، توسلت سياسة أجهزة "الدولة" السورية بكرد غرب كردستان السوري. وهم أو معظمهم أنصار "العمال الكردستاني" الاوجلاني الذي آواه الجهاز الاسدي بدمشق، وعلى الاخص في البقاع اللبناني قبل ان يضطر الى إخلائه بالحسنى على قول صالح مسلم، وتركه طريدة بيد الامن التركي والموساد الاسرائيلي، غداة اتفاق أضنة في 1998 وإذعان الحكم العربي السوري الى بنودها المهينة (قياساً على عروبة الجهاز الحاكم الهوامية والخطابية). وعادت الاجهزة فاستردت "بعض" الكردستاني غداة القطيعة التركية. ونزلت قوات الجيش "العربي" واستخباراته للكرد "الغربيين" عن سيطرة مرقعة ومتناثرة على بعض المواقع في بلادهم. وأحجمت المعارضات السورية، السياسية والعسكرية، عن استمالة الكرد، والاقرار لهم بحقوق اتحادية، شخصية وادارية، ووطنية سياسية، برهنت التجارب والاختبارات على ضرورتها. فأقام الكرد، حيث سرح "الدولة الاسلامية" و"النصرة" وغلبة القوم العشائري، والحوار التركي والعراقي، على ترجيح بين هذه الجماعات والقوى.
صيف 2013
 وأبلت "الدولة" المزعومة في قتال الجماعات التي تناوئ أجهزة النظام أو تتحفظ عنها، من غير أن تطلق يدها في التمكين (في رطانة "الجهاديين"). وهي اتفق تألقها المفاجئ في صيف 2013، سنة بعد تألق "النصرة" وبعد مباشرة "حسم" استعادة حلب، مع انتشار عدوى الانهيارات العسكرية، واشتداد عود "النصرة" والتمهيد لـ"حرب" القلمون الحزب اللهية والعباسية، وظهور حاجة أردوغان "الغازي" الى مهادنة "الكردستاني" إبان ذر الخلاف مع حليفه "الامام" عبدالله غولن والخشية (الأسدية) من تقارب أنقرة والكردستاني. وفي صيف 2013، نجح الهروب الكبير، الهوليوودي، من أبوغريب، سجن المالكي الحصين والحصيف.  وقضت الحصافة المالكية بسجن 1200-1300 من اشرس ارهابيي "القاعدة في بلاد ما بين النهرين" (و"دولتها الاسلامية") وحليفها البعثي، عزت الدوري والنقشبندية المتصوفة على الطريقة البكتاشية وجيش الانكشارية في ذروة قوته، في سجن واحد. وهذا دعوة صريحة الى الهرب الواحد والمجتمع. وأدى تضافر هذه العوامل والحوادث، من غير الزعم ان "يدا خفية" واحدة ضفرتها الى بعض في هذا الوقت، الى بروز الطيف الارهابي "الجهادي"، واحتمال خلافته الارهاب الاستراتيجي النظامي، حقيقة لا يمارى في جوازها الواقعي. وهذه الحقيقة، وهي من انجاز سياسة متعمدة انتهجها بشار الاسد وناضل في سبيلها وفرضها على بعض مخالفيه في الحلقة الضيقة حوله، قادت الجنرال ديمبسي، قائد الاركان الاميركي، الى اشارته على الرئيس اوباما المتردد في الشطر الثاني من صيف 2013، في اعقاب قصف بشار الكيمائي الغوطة الشرقية، بترك قصف المرافق السورية لأن تحطيمها يعني حتماً انهيار "الدولة" الاسدية في الشام وأيلولة الخلافة، على المقدار نفسه من الحتم، الى الجماعات الارهابية و"الجهادية" المتألقة.
 وكان نوري المالكي يكابد، منذ أواخر 2011 – وانسحاب القوات الاميركية، وتغلغل النفوذ الايراني في أوصال الدولة والمجتمع العراقيين، وهذا ما يكنى عنه اختصاراً باسم قاسم سليماني وفيلق القدس- مشكلة معقدة، قياساً على "عالم" السياسة  الذي يتقلب هذا الصنف من السياسيين العرب والمسلمين بين أظهره. فهو تقدم على أقرانه الشيعة في 2006 جزاء قبوله نهجاً اميركياً قضى بالتخلص من "المتطرفين" الشيعة، وأنصار طهران وحرسها وباسيجها، بالقوة و"الصولة"، على لفظة اختارها المالكي شعاراً لحملته على "جيش المهدي". ونظير هذا الصنيع، على المقلب السني، استقطبت القوات الاميركية "الصحوات" على "جيوش الفاروق"، وقصمت بها ظهر الخلايلة الزرقاوي وحلفائه البعثيين والنقشبندية الذين كانت الاراضي السورية في أيام العز الاسدية ملاذهم وخطوطهم الخلفية.
 وعلى الوجهين، قصَّر المالكي ولم يحرز زعامة أو رئاسة شيعية غير مدافعة، على نحو ما لم يحرز زعامة "عراقوية"، على ما كان يقال في الضباط غير العروبيين حتى 1963 ومقتل عبد الكريم قاسم على السنة و"أبناء العشائر"، وبالأحرى الكرد. وهو اتقى، بالتنصل من هؤلاء والتضييق عليهم، تهمة تملقهم، والسير في معاملتهم على خطى الاميركيين. فاحتاج الى تأليب السنة عليه في سبيل توحيد الشيعة وراءه. ولم يكن السنة، سياسيين و"أبناء عشائر" ومشايخ عشائر ومشايخ معممين أو علماء وجماعات "جهادية"، متماسكين منذ انخراطهم السياسي في 2009. وغلبت المهادنة على سياسييهم وجمهورهم وناشطيهم، على ما لا يرغب المالكي. وعندما بادر الجمهور السني في الرمادي والحويجة، مطلع 2013، الى التجمهر والاعتصام السلميين، وطالب بالوظائف والتعويض عن نتائج الانشقاق عن "الجهاديين" والعفو عن شطر من الاهل سبق تورطه في الارهاب، وبحصة من عوائد الدولة وريوعها وتوزيعها الاستثمارات والمناصب والعمولات السخية، انتهز المالكي الفرصة. وأراد شق الجمهور، فـ"صال" على شطر منه في الحويجة، وأوقع مئات القتلى في صفوفه، وطارد قياداته السياسية الاهلية والدينية، وحمل بعضها على الهرب وسجن بعضاً آخر، وأبقى في الاعتقال بعضاً ثالثاً، وصادر الوزراء السنة والشيعة من غير انصاره على صلاحياتهم. فرمى عمداً في احضان "الجهاديين" جزءاً من الجمهور السني. وبدا هؤلاء، "الجهاديون"، "ملاذ أبناء العشائر والمحامين عنهم وعن "أعراضهم"، على ما تسرع الجماعات الاسلامية أو جماعات المسلمين الى القول في كل مرة يجنح الخلاف الى التفاقم. ومن استمالهم من هذا الجمهور ماطلهم ما وعدهم به، وأثار الشبهات حولهم وعرَّض بهم، وجعلهم عبرة لسواهم من الذين قد يتبعونهم الى موالاة الرجل.
الحاجز المائع
 فتجدد خلط السنة عموماً، و"أبناء العشائر" على الاخص، بالجماعات "الجهادية" المسلحة والمنظمة، والوثيقة الصلة بالمتبرعين والدعاة والجماعات المناوئة للدول والمتطوعين الاسلاميين أجهزة الاستخبارات التي كانت عوناً لها حين كانت تقاتل الاميركيين والشيعة معاً (وهي أقامت على ارهاب هؤلاء بعد جلاء الاولين). والاجهزة السورية تتصدر المساندين والمُلجئين لقاء "عمولة" سياسية وعسكرية وفي بعض الاحيان مادية. وكان عسيراً على عموم أهل السنة في العراق أن يرفعوا حاجزاً صفيقاً بينهم ، أو بين سوادهم وجمهورهم وبين جماعات منهم، اسلامية محلية واسلامية أجنبية وعراقية قومية وبعثية، اضطلعت بالشطر الاكبر من قتال الاميركيين وحلفائهم، وكان لها الدور الاول في تكبيدهم الخسائر التي قادتهم الى الانسحاب. وحين انسلخ الجمهور، وتبعه السياسيون، من مساندة ارهاب "إخوانهم" وتنصلوا من مواطأتهم- وهؤلاء، على شاكلة الخلايلة الزرقاوي، أثخنوا فيهم وفي أهلهم مقدار ما أثخنوا في عدوهم الاهلي "الصفوي" و"الرافضي"- وأتاحوا بعض الاستقرار للعراق، ومهدوا الطريق الى الجلاء الاميركي، لم يبادر الجمهور الشيعي الى مصالحة وطنية عامة، ولم يقطع الطريق على تغلغل الارهاب في الجمهور السني. وانقسم طاقمهم على نفسه. فبقيت نوايا مقتدى الصدر وعزائمه التوحيدية أسيرة أهواء عامية وثأرية مذهبية عجز الصدر عن كبحها بعد أن غذاها، وعوَّل عليها. وانكفأ المجلس الاعلى الى دور ملحق بطهران، بعد أن خسر في أعوام قليلة جيلين من قياداته المجربة. واعتصمت المرجعية بالنصح المتعالي والمشورة اللفظية، وبعض المراجع أشد غلواً مذهبياً وحرفياً من كثرة المقلدين. وفتوى الجهاد الكفائي، في انتظار الجهاد العيني، قرينة ربما على فشو ولاية الفقيه في عروق عصبية متخشبة.
 فخلت الساحة للحليفين الاقليمين المتكاتفين والمنقسمين في شأن العراق وعليه، سوريا وإيران. ونفوذ السلطتين والطاقمين في البلد الذي يجر أثقال عقود من التسلط البعثي والحروب الداخلية والخارجية ينهض على ركائز مختلفة ومتضاربة، وينزع الى غايات يصعب التوفيق بينها. فطهران الخمينية تحمل العراق على شطرين متضادين: شطر شيعي خالص وتابع ومنتزع من دائرته التاريخية والجغرافية و"محرر" منها، وشطر سني مناوئ ومتسلط على الشطر "الصديق" والمنقاد (والشطر الكردي شوكة في الحلق قد لا تقتلع أبداً). وتعزو طهران الخلاف الداخلي الى منازعة اقليمية، وهي ترى حلَّها في بسط سيطرتها العسكرية الساحقة، على ما يحسب حرسيوها وآياتها على اقاليم الغرب العربي، ويصدع بها الشمال التركي والشرق الأسيوي ومعسكرات ما كان استكباراً ظالماً. وسوريا "العروبة" جزء من الغرب ومن التغريبة الملحمية. ونفوذها في المحافظات السنية مصدره البعيد عروبة عرقية وبلدانية (جغرافية) صحراوية، ومصدره القريب إيواؤها مقاومة الاحتلال الاميركي لذي مكَّن الامر لسيطرة الشيعة على بغداد، وحماية بعض الجماعات المقاتلة وتيسير معاملاتها المالية وانتقال المتطوعين العرب والاجانب الى ألويتها.
 ويدخل هذا في سياسة جمع الاوراق التي تنتهجها "العصابة" في سياستها الاقليمية. فالنفوذ المكتسب في الجماعات والمنظمات و"الشخصيات"، في ظروف الحرب والفوضى وانقلاب الجبهات والتجارات المتفرقة، سُلّم الضباط والقيادات الى الاستعمالات المزدوجة والمثلثة، والى تحول الادوار ولبوس أصحاب الاقنعة غير المتوقعة. وعلى هذا فلا شك في حيازة الاجهزة الاسدية نفوذاً قوياً في قيادات "الدولة الاسلامية" على جبهتي الحدود العراقية – السورية، من مقاتلين "جهاديين" ومساجين سابقين محررين وضباط صداميين. ونفوذ الاجهزة في المجالس العسكرية، العشائرية و"الجهادية" المختلطة، وفي متصوفة النقشبندية العرب والكرد، لا يرقى اليه شك. ويبدو انهيار القوات العراقية في نينوى (الموصل) وصلاح الدين (تكريت)، وتسليم الضباط والرتباء الامر والسلاح الى المهاجمين، أثراً من آثار هذا النفوذ وأوجهه وأقنعته الكثيرة. فلماذا يقاتل الضباط والرتباء "إخوة" لهم، قربتهم اليهم العصبيات القديمة الغالبة والمغلوبة، وسياسة الادارة المتسلطة الجديدة، والمظلومية الواقعة عليهم، والاعتصامات المغدورة...؟ وهذا لا يجهله الغزاة، وتعلمه أجهزة الاسد المثلث بعلم عميق، واختبره الجيش العراقي و"ثوار العشائر" أو "أبناؤها" طيلة نصف السنة المنصرم في ضواحي الفلوجة والرمادي. وكلهم يعرف أن كرد العراق لن يتخطوا حدود كردستان الى ما وراء الارض المتنازعة، ولن يقاتلوا عن طاقم حاكم ينكر عليهم حقوقاً سياسية واقليمية وعوائد يرونها ثمناً زهيداً لما ألحقه فيهم العراق العربي والموحد من كوارث وآلام.
وعليه، جاز افتراض ان الغزوة الانبارية تؤجج الخلافات في اوساط المعارضات السورية، وقد تقوّي "الدولة الاسلامية" موقتاً قبل أن تستنفد قواها وقوى من يقاتلها. وفي الاحوال كلها، تدمغ الغزوة الجماعة "الجهادية" المتصدرة على بعض جبهات سوريا الطرفية والداخلية بدمغة الارهاب الاقليمي، وتحقق "نبوءة" بشار الاسد وتوقعه تفشي "التكفيريين الوهابيين" في المشرق العربي كله، وطلبه "تغيير" معاملته. وتحقق من وجه آخر، تهمة جمهور سنة العراق وسياسييهم بمواطأة "الجهاديين" والمؤامرة على وحدة العراق وسلطته المشروعة والمنتخبة لتوها وجيشه "الغالي". وتجدد وصمهم بالولاء "الاميركي"، وتمحو دورهم في إجلاء الاحتلال، واطفاء الاضطراب الاهلي. وتمنح سياسة نوري المالكي، في صيغتها الحرسية السليمانية، مسوغاً داهماً، وتحلق حوله معظم خصومه الشيعة وجمهورهم الذهبي المتطرف، وتفض عنه الجمهور السني الذي تحتضنه اجهزة "العصابة"، ويفزع بعضه الى رعاية اقليمية قريبة وموصوفة. وتدعو القوى الدولية الغربية الى النصيحة بالصبر على المالكي، على رغم تعنته وانفراده. فتجني سياسة جمع الاوراق "السورية" موقعاً عراقياً تفاوض منه دول الجوار المعنية، وفيها ايران نفسها، القوى الدولية. وتجني طهران الحرسية تعاظم احتياج الوزير الاول والنافذ الى بركتها، وتطويعها خصومه ومنافسيه والمتحفظين عنه، لقاء انقياده الى خصوماتها الاقليمية والدولية الكثيرة والمتجددة. فإذا لم ينفجر هكذا عراق- وما قد يحول دون انفجاره تجديد نظام اقليمي ودولي تنخرط في تعريفه القوى الدولية كلها، الناشئة والعريقة والعائدة، ويحول دون تداعيات ثقيلة على دوائر الجوار الواسعة- استقرت وحدته الركيكة على صيغة ائتلافية ضعيفة تقوي سيطرة الاطراف الراعية على الاقاليم الثلاثة واقوامها وشعوبها، وتبعد احتمال دولة متماسكة على حوض النفط الاعظم وعقدة الحدود بين عوالم "اضداد":  الفرس والعرب، الفرس والترك، الترك والعرب، المشرق العربي المتوسطي وشبه جزيرة العرب، السنة والشيعة، المشيخات والانظمة "العامية"، دائرة سكن كثيف ودائرة سكن مبعثرة، وشعوب وقبائل لا تميل الى التعارف مقدار ميلها الى التقاتل.


الأحد، 1 يونيو 2014

حكاية ضغائن سيّارة





المستقبل الاحد 1/6/2014

لم يبدُ سائق سيارة التويوتا لاريس العمومية السوداء حين تمهل، مستجيباً طلبي إليه التوقف ليسمع اسم الوجهة التي أقصدها ويرى إذا كانت من مقاصده المزمعة أم لا، نابياً أو مختلفاً عن العاملين مثله في مهنة السواقة اللجبة ببيروت. فهو مثل معظمهم يرمق راكب سيارة الأجرة الجديد قبل ان يستقر هذا بمقعده، ويغلق الباب وراءه إيذاناً بانطلاق المركبة والآلية ورضا السائق والمسافر بشروط السفر، بنظرة تتفاوت حدة تفحصها الغريب من غير تخليها في الأحوال كلها عن الاستقبال المتفحص. وبينما يلزم معظم السواقين «الشباب»، وهم من لم يبلغوا الثلاثين أو بلغوها لتوهم، الصمت في أثناء «صعود» الراكب واستقراره وغلقه باب السيارة، فيقيمون على غيابهم ساهمين او يقصرون النظر والاستعانة على صدوع قليل ومهذب، يمعن المسنون والشيوخ النظر.

وقد لا يتكتمون على ضيقهم ببطء الوافد، أو على فضولهم الذي حفزته ملاحظة عليه أو يتمون المحادثة التي كان وقوفه على ناحية الطريق ابتداءها. ومذاهب هذه البدايات شتى. فقد تقود الى مباسطة في الحديث، او الى صمت ثقيل أو خفيف، والى مزاح ينقطع او يتصل.

وسائق سيارة التويوتا في ظهر 17 ايار المنصرم، وكان يوم سبت، أشيب الشعر وغزيره، يشبه على ما لاحظت من بعد الأخضر الابراهيمي، الوسيط الدولي والعربي السابق في المعمعة السورية المتمادية والمستقيل من وساطته عشية اليوم العتيد. وهو مثله، أو مثلما كان قبل أن ينوء بالوساطات الأهلية الكثيرة التي حملها وزعم ان عسرها لا يثني «صبره» عن احتمالها ولا «يستنفده«، وعلى خلاف الديبلوماسي الجزائري والدولي الدمث والمطمئن، بادر صاحبي الى الاحتجاج على سؤالي إياه عن رسم سيره الى الروشة وقصده اياها من غير التواء كثير. وهو اجاب سؤالي عن قصد الروشة بطلب اجرة محلين او راكبين. فقال، وهو يمج سيجارة بين السبابة والوسطى ويكاد يلتصق بالمقود ويحاول تمييز الراكب المحتمل ممن لا رجاء منه «منروح ع الدعبول (موقف سيارات) ومنه الى بداية قريطم ونشك على نصر الروشة.. بعدو نصر؟ ليش في طريق غيرها؟«.

فانتبهت الى ان مسافرة سبقتني الى الجلوس على المقعد الخلفي، وانتحت زاوية وراء السائق، وأدركت وجودها من غير تقريره او تخصيصه بنظرة او قول. وأردت القول ان نصراً، الاسم ومرجع المطعم الذي كان بهذا الموقع، مضى وحلت محله اسماء وشارات أخرى. وقلت هذا من غير ان يقطع قولي احتجاجه او يحرفه عن غايته. وهممت بالقول ان خطة سيره ليست الوحيدة الجائزة من الموضع الذي نحن فيه، وهو شارع الجزائر بمحلة كركول الدروز، على ما تُعرف على رغم نعي رأس اعيان القوم بالمحلة. ولم أتم ما هممت به لما احتسبت التواءه وتعقيده في معرض لا يحتمل لا هذا ولا ذاك. فسكت على بعض مضض. وكان السائق انعطف الى الطريق العريضة المفضية الى «كاراج دعبول»، وقبل ان يبلغه طلبت المسافرة الخلفية بنبرة لا تخلو من إلحاح، النزول «على اليمين«. وكررت الطلب والالحاح بينما الرجل يسوق يسارا والجهة اليمنى من الطريق تتسابق عليها سيارات كثيرة وتزدحم فيها. فدارى لجلجة في حلقه لم يقو على اخراجها، وهو محشور بين قيادة السيارة الى اليمين وبين استعجال المسافرة الملحة والآمرة النزول حيث تريد.

وغادرت المرأة الفتية (صوتا) السيارة من غير شكر. ورجع هو في رغبته ربما في الثأر من نبرتها والكلام فيها وعليها. فاستأنف سيره، وانعطف الى اليسار صوب فردان، محطته قبل قريطم، وهو على بعض حنقه المنحسر، وعلى التصاقه بالمقود ونظرة المتحفز. وحين أدار رأسه إلى جهتي، رأيت صفحة وجهه أو معظمها وعينيه الملونتين اليقظتين والمحتقنتين دماً، وتكشف فمه عن شفتين رقيقتين وعن اسنان برتها السنون والتبغ والحوامض، وابتدأ قوله المعاد ان لا طريق اخرى إلى الروشة غير التي يسلكها، أبصر على الرصيف القريب امرأة عليها او على وقوفها المنتظر مخايل راكبة جائزة. فمال صوبها بمقوده وجسمه وسألها: «لوين؟«. فأجابت المرأة الثابتة في لباس اشبه بالعباءة فوق ثوب اسود حول قبته تطريز قليل بخيط اخضر من غير ان تلتفت أو تحول عن عبارة وجهها الأسمر الداكن والعريض الخدين والمترفع على خشية، «ع خلدة». فاستعاد الرجل كل ما مال به لتوه. وتجدد بحثه المتحفز عن ركاب في طي مشاة.

ولم تظهر عليه الخيبة. فهو ربما حدس في سمت المرأة القريب من بداوة لا تخفى على الجوالين ومتصفحي الوجوه والوقفات والمشيات من أمثاله. وعقب على جواب المرأة، وتلفظها باسم مقصدها البعيد بل النائي، وفوق الأمرين عقب على الوجه العاتب واليائس أو المرير بعض الشيء. فقال: «ليش شايفي حالها» من غير صيغة السؤال، وعيناه تجوبان يمين الطريق والأرصفة. وحين مرور المركبة بمبنى الكونكورد ثم بمقهى ليناز، وأمنت دخولها مسرباً من مسارب الطرق، اخرجت من كيس البلاستيك الذي أودعته بعض أشيائي صحيفة فرنسية يومية حملتها معي تداركاً لتأخر الصاحب الذي أنا ذاهب لملاقاته في المقهى. وتصفحتُ عناوين الصفحة الأولى، والخبر عن مهرجان كان السينمائي يتوسطها. ولم تفتني وأنا في حالي هذه ملاحظة السائق على المرأة «الشايفي حالها»، على خلاف قوي من شعوري. وأردت إعلان مخالفتي وابلاغها إليه، وهو افتأت علي حين زعم ضمناً ان سؤالي عن رسم طريقه الى الروشة من غير مسوغ، ولا ينم الا بجهلي أو شكوكي النافلة. وأراد، على ما حدست ولو لم يفعل، إحراج المرأة أو الصبية التي كانت قبلي في السيارة، واضطرت الى مخاطبته بنبرة آمرة ليصدع بطلبها النزول إلى يمين الطريق وعلى مقربة من كاراج الدعبول.

فقلت غير راغب حقيقة في المناقضة، جاهراً مخالفتي، وأنا أهم بقلب الصفحة الأولى من الصحيفة: «وين شايفة حالها؟ المسكينة عم تعتذر وهيي مستحيي». فردد في ما يشبه سره، وهو ساهم وفاتر اليقظة والانتباه الى سرح بصره، «مستحيي.. مستحيي». وخرج من خفوته وفتوره، بينما أنا اقلب صفحات الصحيفة وألقى عليها نظرة تعرف، وقال: «هاي جرايد برا، شو في أخبار عن بلادي؟». فقلت حائراً ومتملصاً: «هول بيهتمو بالسينما». وهو وقعت عيناه على صورة نيكول كيدمان، غرايس كيلي في فيلمها بكان، في صدر الصفحة الأولى. فعلق: «إي! هني همّن السينما». ولم يكد يصمت، أو يعلق كلامه بعضاً من ثانية، وظننت برهة خاطفة انني تخلصت من المحادثة واطمأن هو الى يقينه بتفاهة برا وجرايده، حتى أتم جملته التي خلتها تامة: «.... ونحنا بتعتيرنا». وحسبت ان قراءة الصحيفة الفرنسية اليومية تقضي علي برفع ظلم التهمة التي يسوقها السائق الظالم والمفتئت للصحيفة، بعد سوقه التهم الي وللراكبة الأخرى وللمرأة القاصدة خلدة. فأجبت أنهم يهتمون بغير السينما.

وكنت بلغت في تصفحي الصفحة الثالثة، وتتناول مقالتها الأولى والعريضة عرض الصفحة كلها، القصف المدفعي وآثاره في المدن السورية. وفي وسط المقالة صورة لمبنى مستشفى (مشفى) الشفاء في حلب وهو متداع ومشطوف الواجهة من اعلاها الى طبقتها الارضية، وعلى جهتيه وفي مقابلته هياكل ابنية خاوية جردها الحريق من لحمها، مما بدا لحماً بعد جرده وذوائه، وفقئت عيونها، وأخرجت أحشاؤها وبددت في عراء السماء والأرض معاً، ورحلت عنها ابوابها ونوافذها وسقوفها، وبقيت هياكل الأبنية واقفة على جهتي طريق ضيقة ومليئة بالركام والانقاض، معلقة بين أفق أخرس وواجم وبين عتمة متكتلة ومتكورة على نفسها في مطلع الصورة الفوتوغرافية وابتدائها. «هيدا مقال عن حلب، هيدا مستشفى حلب». وكانت السيارة دخلت محلة الصنوبرة، بازاء مبنى ضخم ينسب ملكه الى بهاء الحريري، وشارفت كورنيش قريطم. ووسع السائق اثبات الصورة، وهو على خلاف الابراهيمي من غير نظارات، وتمييز المستشفى، أو هذا ما خلته. وعلق على ما رأى، أو على ما أخبرته انا به، وقال: «وعم يقولو انو الاسد دمر المستشفى». وهذه المهمة كذلك لم يسأل.

فرأيت نفسي مرتبكاً ومتورطاً، ولم أرد ذلك. فأنا أردت تبرئة ذمة الصحيفة، وقومها، من خفة الاهتمام بالسينما وحدها، واغفالها «تعتيرنا»، على قوله. ولم أشأ التحكيم في المسؤولية عن الموت المخيم على شارع يقع فيه المسمى مستشفى الشفاء، والمنقلب اضعف من نعش واقل حيلة من قبر. وتلعثمت على عتبة جواب لم افكر فيه، وقادني اليه انفعال عكسي وآلي. فقلت، متستراً بما خلته حياداً أو تقريراً: «هيئتو القصف من فوق، من الجو، بالطيران، واللي عندو طيران هوي...» طبعاً وبداهة.. «الاسد«، لو لم يسبقني الرجل، من غير أن يغادر قعوده المتحفز تصفحه المشاة على الناصية المستقيمة والمديدة، ويعلل قوله، ويسنده الى احتجاج عريض: «لما هولي بيقتلو بسيارات انتحاريي بشو بدو يقاتلن؟ بخراطيم مي؟ ـ يا محلى الكحل بعيونكن؟ المجرمين..«. قطعت قوله على جاري عادة او قاعدة في المناقشة تنص على وجوب الاستحواذ على الكلام، وقطع دابر الجواب في الأحوال كلها. وحين فعلت هذا لم افكر في ما يحسن بي أن أفعل أو ما عليّ أن أفعل. فكلامه الحاضر والمتأهب من غير تردد على «الانتحاريي» و»المجرمين» و»حق» صاحبهم في القتل والدمار بالطيران، وقصف المستشفيات، ومحق المدن وجعلها خرائب محروقة بالكبريت والحامض، أصابني بهلع كاد أن يكون عصبياً.

ولم أفطن لحظتذاك الى أن مكلمي بهذا الكلام يداري، بدوره هلعاً ليس أقل ثقلاً من هلعي. فأنا تراءى لي حين قال ما قال أنني خسرت الضحايا الذين لم أعرفهم، أولئك الذين عرّفتهم الأخبار والصور والأغاني والأناشيد والأشرطة على اليوتيوب والمقالات وبعض الأحاديث القليلة مع سوريين في سهرات هاربة تنتهي بمواعيد لا يلتزمها أحد، اذا سأل الواحد أصحاب انعقادها عن اسم من أسماء الساهرين اجيب بجهل الأصحاب بمصائر هذا الساهر أو ذاك. وهؤلاء الضحايا ائتلفت قسماتهم المرئية والمعنوية من وجوه قتلى مسجّين في أكفان هي، في أكثر الأحوال، ثيابهم العادية، وربما كُللت الوجوه والرؤوس بغطاء رأس أسود أو أبيض، فأقر الوجه النائم والساكن على سكينة ومهابة منورتين وملائكيتين. وبعض الضحايا هم ترديد صدى أناس قلائل عرفتهم في زمن سابق، خرجوا من السجون وهم يقولون مشافهة وفي رسائلهم: «أحوالنا على العموم بخير وعسى أن تكونوا بخير»، ولا يزالون يكتبون أنهم بخير «على العموم» بعد أن تهدمت منازلهم، وهجروا منها، وسافر من قدر من الاولاد على السفر، وتفرق الأصدقاء... هؤلاء وغيرهم مثلهم هم «انتحاريي» صاحبي العارض، و»المجرمين» القتلة، الذين يحل قتلهم وقصف مستشفياتهم وبيوتهم وشوارع مدنهم فتبقى منها أجسام المباني العظمية وسقوفها وأبوابها ونوافذها الضريرة، وحطامها المترمد، وذاكرتها الهاذية والرتيبة.

والخسارة الجسيمة والمباشرة، الناجمة عن حمل الحوادث السورية على «انتحاريي» و»مجرمين» وعلى «حق» عام في التدمير، غير مقيد، جواباً عن فعلة هؤلاء، تودي بما هو أعظم من صورة الضحايا ومن شواهد وشهود على عمومية وحقيقة رغبات سورية في الرشد والاحترام والمساواة. والأعظم هو اختباري أنا فلان الفلاني، واختبارنا (نحن اللبنانيين)، حوالى 30 سنة احتلالاً مهيناً، ومسرحياً مضحكاً، يفوق أي احتلال آخر قبحاً ومسخرة وقرفاً. فالانكار على السوريين حقيقة أو رجاحة ما دعاهم، أو دعا من أسرعوا منهم وربما وسعهم أن يكونوا الكثرة لو نزل الحاكم على حقوق المواطنية وامتلكوا الشجاعة النادرة يومها، إلى القيام على جماعة حاكمة سلطانها على الناس قدر لا راد له ولا مفاوضة على إطلاقه؛ هذا الانكار يضمر أو يعلن رأياً في اختبار اللبنانيين الاحتلال السوري الأسود.

ومفاد هذا الرأي أننا لم نختبر طيلة 3 عقود مديدة، هي نصف أعمار معظم من لا يزال على قيد الحياة أو أكثر، شيئاً كريهاً وممضاً غير غارات إسرائيلية قاتلة، وعدوان واحتلال يهوديين، وتهجير «طائفي» مسيحي، وفصل احتلال أميركي هزمناه (هزموه)... وما عدا هذا هو بعض متفرعات هذا وحواشيه. أو هو قيام على أنانية المارونية السياسية وغبنها وغبائها وصليبيتها الأصيلة، وانتصار للأخوة الفلسطينيين المظلومين وللعروبة البيضاء. وهذا رأي ينفي أحوالاً ووقائع كثيرة ليس أقلها شأناً اندماج الهوية الذاتية والأصيلة المفترضة، العثمانية الإسلامية، أو العروبية الدموية والإمبراطورية، في نظم سياسية واجتماعية و»ثقافية» عقيمة وقاهرة تفترض معاصرة عوالم ودوائر وعلاقات (دولاً ومواصلات وعلوماً وإنتاجاً وسلعاً وتوزيعاً وأسواقاً..) لم تعد قائمة منذ زمن «سحيق«. واندماج الهويات أي الهوية الواحدة الأصلية في نظم اجتماع وسياسة سلطانية، هاصرة وخاوية لم يبق شأناً عارضاً، وهو ليس شأناً شاذاً ولا خصوصياً. إلا أن ما جعله حاجزاً تاريخياً صاداً ومدمراً، ومقبرة إرادات، هو رفض الجمهور، جماعات ونخباً، فك الهويات من النظم السلطانية ومراتبها ومثالات توحيدها السياسية والاجتماعية القاصمة، أولاً، ثم استغراق الجمهور في حمل الهويات على هوام صوفي وسحري يغشى الجماعات ويحلها، كلاً وفرداً فرداً، في أجسام مرصوصة وملكية تداوي «مرض« الحياة وتدفع الموت بالموت. ورفض فك الهويات من النظم السلطانية والاستغراق في هوامها الصوفي والسحري يمحوان إمكان أو جواز إنشاء صور مركبة وربما مؤتلفة أو جامعة عن تواريخنا ولتواريخنا. فتتسع بعض هذه الصور لاختبار اللبنانيين النير السوري الأسدي، ولاستعادة العقود السود والمريرة على صورة قريبة من تلك التي خبرها لبنانيون كثر: إذلالاً وتذريراً وتمويهاً وكذباً وفظاظة وسرقة وإفقاراً وإرهاباً وشراء ويأساً واحتقاراً للنفس. وهذا كله تحت نظر محتل غاصب مزهو ومتشفٍ وخائف.

وأنا لم أثقل على سائق السيارة المستعجل، مثلي، بمثل هذه الآراء. ولا وسعني، والسيارة دخلت كورنيش قريطم وخلفت الصنوبرة إلى يمينها، تعقب الآراء. ولكن الشعور بالخسارة على جهتيها، السورية واللبنانية، جراء تلخيص السائق الصورة الفوتوغرافية على النحو الذي لخصها عليه، وخزني وخزاً حاداً وأوجعني، وطعن طعناً جارحاً في تذكري الثلاثين سنة «السورية»، وفي فهمي لها ولنفسي في أثنائها وتليتها، إلى اليوم.

ولم يغفل صاحبي، الكريه إذ ذاك كراهة لا تطاق، عن وقع قولته عليّ، وربما عن فظاعتها وهولها، وهو على يقين ثابت وقوي بصدقها. فأنا حاولت الرد بالقول إن هذا الدمار لا يقوى على إلحاقه إلا من لا يحصر ثأره بالإرهابيين، ويشمل به «الشعب السوري». ولا شك في أن محادثي لاحظ ارتباك جوابي، وضعف مناسبته الحال، و»دفاعيته». فانتقل إلى مرحلة ثانية وتالية من القول تقوم بتعليل المرحلة الأولى: «هني بيعرفو اللي عم يقولو إنن عم يقاتلو الأسد شو بيصير إذا راح الأسد؟...».

ـ «أكثر مما صار؟ مش هوي اللي عمل اللي عملو؟».

ـ «إنتو ما بتعرفو المجرمين شو بدن يعملو... بلشو بسوريا، وبس يخلصو من سوريا مكملين ع هون، ع لبنين، واللي مفكر حالو زامط غلطان...».

بدأ بإخراجي من المخاطَبين المتهمين بمشايعة «الإرهابيي« و»المجرمين»، ونسبني إلى أصحاب مقالة، «اللي عم يقولو». وصاحب الإخراج بعضُ اللين في القول، وميل إلى التعليم والشرح، وتعليل بالجهل وبالغفلة. وزاد التصاقه بالمقود، وفتر تعقبه الرصيف من غير أن ينقطع، وخيّم ما يشبه نذر ضجر على وجهه وجلوسه.

ـ «بتعرف فتح الإسلام؟ كيف فبركوهن وكيف فلتوهن ع طرابلس وع مخيم نهر البارد؟ هيك عم يعملو بسو...».

ـ «هول مش عِبرا. إنتو ما بتعرفو، أني بِعرف، إنن بس يخلصو من سوريا، وبعدما خلصو من العراق واليمن، جايين لهون، تينـ.... نسوانّا ويدبحو رجالنا وولادنا ويحرقو بيوتنا...».

ـ «وين شايف إنن قادرين... هلي عملو بالضاحية والسفارة...».

ـ «معو حق حزب الله يآتل بسوريا، ولولا إنو قتلن هونيك كانوا نسوان الكل نتا.... إنتو ما بتعرفو، مبلشين بالعراق وبعدين على سوريا، وبس يخلصو جايي الدور هون على نسوانّا...».

ينبغي أن أقر بأنني لم أنتبه يوماً إلى مسألة «نسوانّا» هذه، وعلى النحو الذي يرعب السائق. وعندما توالت السيارات المفخخة في بير العبد والرويس والحي «الإيراني» وحارة حريك وغيرها، برزت مسألة «حياتنا» أو «دمنا»، والخوف مما يتهددهما. وها هو الرجل العادي يمحض بشار الأسد و»الحزب»، على ما يقولون من غير حاجة إلى الإيضاح، الحق في «الدمار الشامل» والماحق بذريعة طوفان وشيك يودي بالنساء وبحيائهن. وهو لا ينكر، شأن علمانِّي أو ملحد كافر، على «الانتحاريي» و»المجرمين» الجهاديين معاملتهم النساء، وفرضهم عليهن الحجاب أو البرقع، وإعمالهم في قصاصهن الحدود أو الجلد والرجم والقطع والتعذيب. فهذا مما يفعله أصحابه حيث هم الحكام والأسياد. وهو، الحليق الوجه ولابس الثياب الملونة والفاتحة والطلق اللسان في التسمية بأسماء مباشرة و»زفرة»، لا يبدو متمسكاً بـ»خط« بعض أصحابه الواجمين والمتقبضين وغائري العينين والمنجذبين إلى أخبار وتعليقات إذاعة النور أو إلى الأدعية والمجالس المسجلة. وهو رغم الفرق بين تماسكه وتوازنه، وهو يقول ما يقوله، وبين الهول المادي والمعنوي الذي ينم به قوله ويلهج به وكأنه حكاية الطوفان الجديد، فهو لم يبدُ ممثلاً أو مصطنعاً المشاعر والانفعالات التي يوحي بها قوله.

وهو لم يحتج بالإرهاب السياسي والديني، على معنى الفرض بالقوة والإرغام أو على معنى إيذاء الناس الآمنين أو المدنيين؛ ولم يحتج علناً بحرب المذاهب. وهو ربما حسبني من خارج المذهبين ومن خارج «الدين كله»؛ ولم يلوح بفظاعة الحرب وبآثارها العاصفة والمزلزلة في الناس وحياتهم وسكنهم. فقصد بقوله المتدفق، والمنطلق بقوة ذاتية مصدرها صوره وأخيلته وفجاجة ألفاظه، ثغرة في منطق محاوره أو مساجله لا علاج لهما. فهو أدخل المطارحة، والقول مثله، في لجة متلاطمة أشبه بغزوات المغول والتتار. وهذه أقوى وقعاً، وأفظع فعلاً من الغازات السامة وغارات النابالم وغيرها من الأسلحة البعيدة والعمومية. فللسبي وللقتل المتعمد بسلاح جارح يسفح دم القتيل، وينتظر الإجهاز عليه، ويُشهده على الاستيلاء على منزله ونسائه وأولاده، وينتزع منه قيامه من بيته ونسله مقام المصدر والرأس. لهذه في نفوس «أهلنا»، وفي رواياتهم وأخبارهم، أصداء لا يقاس هجومها العاصف بصور تتناول الشعب والدولة والجماعات عموماً. فانتهاك «نسوانّا» يغشّي على البصائر والصدور والأفهام، ويصيب الواحد، وهو ابن رجل وامرأة، في صلب كيانه وتعريفه وهويته، أي في لحمه ودمه وعظمه ومنيه ونسبه. فلا تفريق بين الواحد الفرد وبين جماعته، أو بينه وبين معايير دخوله في جماعته واستواء الجماعة واحدة ومتماسكة تعرّف آحادها بروابطهم، وتعرّف دنياهم بهم.

وحين بلغ صاحبي هذا الموضع من احتجاجه، وكنا وصلنا المنعطف الذي يلي سور الكوليج بروتستانت وبريد شوران ومنه نستقبل مطعم نصر الذي توالت الأسماء عليه ومقصدي، جردني من «حججي» كلها. مرت بخاطري سريعاً مقارنة بين «معالجة» بشار الأسد أزمة نظامه ومعالجة النظام الإيراني أزمته في 2009، ونويت استعمالها في العيب على الأول. ولكنني استبعدتها، فهي طويلة، والوقت يدهم، وهي مراوغة. وقوله في النساء، وفي علمه وجهل الجاهلين وأنا منهم، جرد المقارنة من أي قوة كيانية أو دموية نافذة.

ـ «هيئتك كتير بتعرف... أنا بعرف أنا بعرف وإنتو ما بتعرفو، وشو الفايدي من يللي بتعرفو؟ عم بتقول إنو الجماعة خلّصو من اليمن والعراق، وجايين من سوريا لهون...».

قلتها كما قال هو ما قاله في نسائه، جملة واحدة متصلة، وأنا أعلمه أنني «نازل هون»، وهو اضطرته الإشارة الحمراء إلى الوقوف في صف السيارات الصادعة بأمر الإشارة. وشددت اللسان المعدني (الستانليس) الفضي اللصيق بالمتكأ الجلدي، إليّ، ففتحت الباب، وتركت مقعدي الدافئ، وأنا أتم تصغيري بمعرفته ومعرفة أصحابه، وضعف جدواها. وأغلقت الباب ورائي من غير صفقه. واستدرت ملتمساً طريقاً إلى الرصيف في مقابلتي. وكانت السيارات تتحفز لانتقال ضوء الإشارة إلى الأخضر. فسمعت الرجل يقول وهو يقلع: «ما تحلمو برئيس، لا اليوم ولا بكرا».

السبت، 17 مايو 2014

«اتفاق حمص» إيذان بسياسات معارٍضة ومقاتلة جديدة

المستقبل 18/5/2014

في 7 أيار الجاري و8 منه خرج مئات من مقاتلي المعارضة المسلحة المعتصمين في بعض حارات حمص الداخلية منذ نحو السنتين، الى حافلات نقلتهم الى بلدات الدار الكبيرة وتلبيسة والرستن وتيرمعلة «الحرة»، على نحو 30 كلم الى الشمال من حمص. والمقاتلون الجالون عن متاريسهم وخنادقهم في احشاء حمص وثناياها المنيعة مروا بقوات النظام، وركبوا الحافلات، وسلاحهم الخفيف يتدلى من كتفهم، وأشرف على انسحابهم وسيط من الامم المتحدة. فغادروا البلد المحاصر والجائع والمقفر وغير الآمن الى بلاد «آمنة»، لا يخيم عليها طيف النظام الناري والقاتل. وبلغ المقاتلون غايتهم، أي البلدات والمدن القريبة، بعد وقت قليل، على الارجح، من ركوبهم سيارات النقل.

«عملة» المفاوضة

وهذا على خلاف انسحاب سابق، ومفاوضة سابقة عليه في اثناء انعقاد مفاوضات جنيف الثانية، قبل نحو 4 أشهر. فيومها وعدت إدارة بشار الاسد الامم المتحدة والهلال الاحمر السوري بعفو جزئي عمن يطلب العفو ويترك القتال، وبإجازة نقل مساعدات انسانية الى المحاصرين بحمص، وإخراج بعض الجرحى والمدنيين، في أثناء هدنة قصيرة. ولم يكد الموكب «الانساني» يبلغ أحد مداخل المدينة حتى انهمر الرصاص، وسقطت القذائف، فقتلت 5 مسعفين وجرحت العشرات. وكان تجمع نحو ثلاثمئة مسلح بموضع آخر، تخلوا عن سلاحهم وسلموه الى قوات النظام، وركبوا باصات النقل ومعهم رجال (ذكور) أعمارهم بين 15 و55 أرادوا الهرب من المجاعة والامراض والموت المداهم، فكان مصيرهم «الاختفاء»، على قول احد اعضاء الهيئة العامة السورية للثورة. فهم تولى نقلهم، وأسرهم والتحقق من هوياتهم والتحقيق معهم، بعض اهل القوة «النظاميين». ولم تحل رعاية الذمة والقول (الكلمة) بين النظاميين ومن يأتمرون بأمرهم وبين إطلاق يدهم وسلطانهم في الاسرى المستأمنين والعزل. فأُدخل هؤلاء في «قوم الليل» وطويته التي لا قرار لها.

والفرق بين المفاوضتين، وبين النتيجتين المختلفتين اللتين ادتا اليهما، مرده الى «العملة» التي قايض بها المعارضون حرية المقاتلين الجالين عن حمص المحاصرة. ففي المفاوضة على الثلاثمئة في كانون الثاني 2014، بادرت إدارة النظام الاريحي والكريم الى عفو غير مشروط إلا بطلبه والتماسه، وترك السلاح قرينةً على صدق النية والعزم. وصدَّق المحاصرون المنهكون البادرة، وليس بيدهم ما يشترون به التزام الادارة المراوغة واللئيمة عفوها المزعوم. فلم يقيد انتقامها وثأرها قيد معنوي أو مادي. وتلقفت ضحاياها بما يليق بـ»أخلاقها» وسياستها وأغراضها.

وأما مفاوضو إخلاء الألف والمئتين تقريباً الذين أُخلوا في 7و8 أيار، وحملوا سلاحهم فخرجوا مقاتلين معارضين وصامدين، كريمين وسالمين، الى غايتهم ومقصدهم، فاشتروا الإخلاء، وإلزام اهل النظام المراوغين واللئيمين به، بضمانات أكرهت المحاصرين والمتربصين على قبول حرية المقاتلين، والإقرار بكرامتهم وسلامتهم. و»عملة» شراء الحرية والكرامة والسلامة هذه المرة هي 45 رهينة من اهل النظام، فيهم أو بينهم 12 ولداً و3 نساء أسروا شمال اللاذقية في آب 2013، يوم أغارت الدولة الاسلامية في العراق والشام على بلاد العلويين، وأسرت بعضهم. وبين الرهائن جنود نظاميون يبلغ عددهم 28 جندياً فيهم ضابطان أسروا أو خطفوا في كسب. وزار اللواء ادريس، رئيس المجلس العسكري «الحر»، أطراف الشمال العلوي، وندد معارضون بالزيارة.

السوق بعد العملة


وفي «احتياط» الشراء امرأة ايرانية أو أكثر قيل قول كثير في دورها في حمل مفاوض ايراني نافذ على المفاوضة وحسمها في غضون شهرين. وقيل ان في الضمانات والقيود على المفاوض النظامي رهائن روس. والأمر الثابت أن نظير إخلاء مقاتلي حمص الباقين، في غير حي الوعر الطرفي والمحاصر الذي يعد «مئات الآلاف» من الاهالي واللاجئين إليه، قبلت كتائب اسلامية تحاصر بلدتي نُبّل والزهراء الشيعتين بريف حلب الافراج عن بعض التموين الى أهالي البلدتين الجائعتين والخائفتين والمروعتين شأن حمص ودواخلها. وكادت المقايضة تتعثر حين أنكر بعض مسلحي حلب من جبهة النصرة، وكالة «القاعدة» الاصلية والرسمية في قيادة «الشيخ» أيمن الظواهري، مفاوضةً و»مصالحة وطنية» و»فك الحصار عن نبل والزهراء (و) هم الذين قتلونا» وتراخياً في «تحكيم الشريعة في البلاد»، على ما قال أو كتب بعض أهالي حي الشعار في حلب وشطرها المعارض.

و»عملة» المعارضة وبعض جماعاتها-وتغلب عليها كتائب وفصائل اسلامية «جهادية» وإرهابية ويقاتل بعضها بعضاً، وتحكم حيث تحكم (في ريف دير الزور ومدينة الرقة وجوار معرة النعمان على الخصوص) بالقطع والتعزيز والحدود والمحاكمات الميدانية مصدرها غارات وغزوات وسطو وتخويف وخطف. ولا تعف الغارات والغزوات لا عن النساء ولا عن الاولاد والاطفال. والمغيرون مسلحون، بديهة، ويتنقلون في عربات وسيارات، ويأكلون ويشربون، ويبيتون في معاقل أو معسكرات. وهذه كلها تقتضي تمويلاً وتمويناً باهظين. وكان مصدر التمويل والتموين والتسليح «التبرعات» الحكومية والفردية، وجَوْد الاثرياء وسخاؤهم، أم كان ثمرة «المصادرات» (في لغة... لينينية ستالينية ترطن بها جماعات متفرقة)، أي السطو والقتل والبغي، فلا بد في عمليات مثل غزوة «بلاد العلويين» في 3 آب 2013 أو مثل مداهمة كسب، وحصار نبل والزهراء واقتسام عدرا، و»حكم» حي الشعار الحلبي وأرياف دير الزور والطبقة وغيرها، من تمول وتمون وتسلح، ومصادرها هي هذه.

ولا بد من هذه الوسائل أو مثلها، ومن تحصيل عملة المقايضة والشراء التي تلزم النظام بالمفاوضة حين تسنح الفرص، إذا شاء المقاتلون أو رغبوا في الخروج من حصار مدنهم وحاراتهم الطويل والمدمر على غير شاكلة الضحايا والطرائد المنذورين للخداع والصيد والتعذيب والقتل. وجمع احتياط يعتد به من هذه العملة القيِّمة والنافذة وحدها في سوق المبادلة ورفع الحصار وإقرار الهدنة وضمان السلامة التي تساوي الاراضي الوطنية طولاً وعرضاً، يستنفد طاقات الحركات «السياسية»- العسكرية كلها، ويشغلها وقتاً كاملاً. وهو (أي جمع احتياط عملة المفاوضة الناجعة) يستغرق سياسة الحركات «السياسية» العسكرية، ويصرف السياسة كلها، من استمالة القوى وخطط تحالفاتها ومناهج عملها وبرامج العمل وغيره مثله، الى تحصيل ما يُقايض به على تخفيف الحصار عن حي هنا، أو الاقتصار على قصف جوي بالرشاشات الثقيلة بديلاً من القصف بالبراميل والخزانات 4 مرات في اليوم الواحد هناك، أو نقل بعض الجرحى والمرضى بموضع ثالث. واليوم، تفاوض بعض «كتائب» حلب النظام على الاقلاع عن القصف اليومي بالبراميل والخزانات لقاء توزيع مياه الشفة على أحياء يقيم بها موالون وأنصار النظام.

وتفترض المفاوضة على احتياط عملة المقايضة أو المبادلة وجود السوق التي تصلح اطاراً عريضاً ومشتركاً للمبادلات القادمة. وحين يقول محافظ حمص النظامي ان اتفاق حمص وأحيائها الداخلية، وهي لم يبق من أهلها فيها غير المئات، يصلح نموذجاً لمفاوضة حي الوعر الخارجي الكبير الذي يعد أربعمئة الف مقيم ونازح ومهجر، فهو يقر بوجود السوق العريضة وحقيقتها هذه، وبمرجعيتها السياسية. فمادة العلاقات والمفاوضات غير العسكرية بين الجماعات المسلحة والمتقاتلة «السورية»- و»الدولة» جماعة من هذه الجماعات، وهي سورية مختلطة ومهجنة مثلها، وربما تفوقها اختلاطاً وهجنة- هي سيطرة الجماعات بالقوة وعنوة، ومن طريق القصف والقنص والخطف والجوع والمرض وقطع الطرق والارهاب، على مناطق وسكان وموارد ومواصلات. واطار السوق هو هذه.

وزعم بعض موظفي النظام المستولي ان المفاوضة أعادت «حمص» الى «الدولة» جملة أكاذيب كبيرة وفاقعة. وليس صحيحاً، طبعاً، أن حمص كانت في عهدة أهلها حين كان بضع مئات من أهلها يلوذون بطرقها الضيقة وسراديبها وبيوتها المتصلة سطوحاً وكهوف مونة وآباراً. فهي، في كلتا الحالتين، ميدان حرب غير متكافئة.

«العمل» السياسي

وصنعت سياسات الحروب السورية الكثيرة ، الامنية والاهلية والمذهبية والاقليمية البلدية والاقليمية الدولية والاجتماعية والسياسية والايديولوجية، اطار السوق وقوانين معاملاته وأسعار صرف عملاته. فهي آذنت بالانخراط الكامل والمستميت في ارساء العلاقات السياسية «المنزلية» على الحرب والبوليس والارهاب. ودعت أهلَ السياسة، وهم «المواطنون» عموماً أو الناخبون والناخبات من غير تمييز ومن كل الجماعات الاهلية والاجتماعية، الى «حضور» سوق القتل والترهيب التي افتتحتها علناً وجهاراً، و»البيع والشراء» فيها من غير قيد أو شرط غير قيد امتلاك العملة المناسبة شرطها. وعلى المثال الذي يقضي بطرد العملة الفاسدة والمزورة العملة الجيدة والقويمة، وإخراجها من المبادلات، بادرت «الدولة» العصبية وأجهزتها وطواقمها الى إغراق المقايضة والمفاوضة السياسيتين على التشريع والقوانين والحقوق والسلطات والتمثيل وتعريف الجماعات الوطنية وعلى التوزيع والريوع والعوائد، في طوفان اعتقالات وتحقيقات وتعذيب وقمع وقتل متعمد وحصار.

فلم يبقَ من السياسة المعروفة والمفترضة، الموروثة على هذا القدر أو ذاك من الادارات الاصلاحية الاستعمارية والانتدابية الليبرالية والاستقلالية الاولى، شيء يذكر أو أثر بعد عين. وكانت هذه السياسة، على التباسها، تدعو من ينوون مباشرتها والتصدي لمشاغلها الى الاعلان عن برامجهم ومقاصدهم، وتسويغها بمصالح ورغبات وغايات يرونها عامة ومشتركة، ويقترحون طرائق وخطوات قمينة بإبلاغ الجماعات التي يتوجهون عليها بدعوتهم وجمعيتهم الغايات المشتهاة والمرسومة. وحملت العلانية والعقلانية، المضمرة في مقارنة الوسائل بالغايات واحتساب الاكلاف، اهلَ السياسة، من القواعد الى القيادات، على المنافسة على التمثيل والادارة الوطنيين والمحليين البلديين. وحملتهم على المناقشة والاحتجاج والتحالف والخصومة، وعلى الحشد والتظاهر والاضراب والاعتصام. واحتسبت الحياة السياسية، وكتلها وأحزابها وحركاتها وجماعاتها، وقتاً أو زمناً يفصل اعلاناتها عن انجازاتها المتوقعة. وعلى هذا الوقت يدور «العمل» السياسي: الاقناع والتأليب والاقتراح وعقد الاحلاف والمفاوضة على أبواب البرامج وعلى توزيع المغانم والخسائر. وهذا كله يفترض وقتاً ومساومة ونزولاً عن امور وتغييراً في ترتيبها. وشأن الدولة والحاكمين لا يختلف عن شأن المعارضين. فمن يَحْكمون عليهم المفاوضة على الاجراءات المزمعة، والسهر على تماسك الصف الحاكم والمؤتلف، وتوفير الموارد، والامتثال لمعايير اضطلعت بدور حقيقي في تعريف هوية الكتلة السياسية وولاء جمهورها وصداقة أصدقائها...

الأجهزة الخاصة

وهذه الصورة للسياسة او عنها تبدو اليوم- ويكاد يملأ «اليوم» هذا «الستين سنة» المنصرمة على قول المصريين المنتفضين في أوائل 2011 منذ استيلاء عبد الناصر وضباطه على حكم مصر، وجدده الانعطاف الفلسطيني في 1967- 1973 ونفخ فيه الولي الفقيه الخميني الايراني في العقد التاسع، واستأنفته «الجهادية» الارهابية عشية الحملة الاميركية على العراق وغداتها - تبدو حلماً زهرياً لا يمت للوقائع القاسية، مثل «ضياع» فلسطين وأنظمة أسر ملاكي الارض وغلبة الولاء والانقياد لأعيان الجماعات الاهلية على التمثيل والتوزيع والانقسامات والتبعيات الى معسكرات، بصلة. (وملاحظة دوام هذه الاحوال وتفاقم و»إغنائها» بحروب أهلية مزمنة وارتهانات لا فكاك منها وهجرات نازفة واعتيال اجتماعي وشعبي واستبداد ذريع وثقافة ركيكة، ليست، عنيت الملاحظة، من قبيل نفاد الصبر على الاجابة والمقارنة المعللتين، فهي توجب نفسها حكماً). وما لابس هذه السياسة من حوادث ووقائع قاسية ومهينة لم يكن من بناتها، ولا من نتائجها، على خلاف مزاعم «الانقلابيين» الذين تذرعوا بالملابسة والمواقتة الزمنيتين الى وصم المثال السياسي الليبرالي والمدني بالقصور والعجز والتواطؤ. وذلك على مثال أحمر (شيوعي) وأسمر (فاشي) شاع في أوروبا الثورية، يميناً ويساراً، وتبعث فيه سياسة فلاديمير بوتين العمودية الاوراسيوية و»الارثوذكسية» رمقاً لاهثاً.

والانكار والطعن العمليان على مثال سياسي يسعى في تولي أصحاب المصالح (والاهواء والتواريخ) بأنفسهم وأيديهم صنع ما يريدون ويصبون اليه، على شرط إسهام المعارضين فيه واعتبار علل معارضتهم وخصومتهم، تمثلاً أو تجسداً في منظمات حزبية طليعية وجماهيرية معاً. وقدمت هذه المنزع العملي، أو «التقويم باليد» ومباشرة الفرض والاكراه على منازع الدعوة والتحريض والاقناع والمساومة. وترجمت المنزعَ العملي المباشر فروعاً أو منظمات عسكرية سرية ألحقتها بالأمين العام التنفيذي وحده، وأخرجتها من الجسم الحزبي المشترك والعلني أو الظاهر على هذا القدر أو ذاك.

وعلى شاكلة التنظيم السري، الإخواني المصري، تولت الفروع أو المكاتب العسكرية الحزبية اغتيالات الشخصيات المؤثرة. وأردفت بجهاز الاغتيالات جهاز تأهيل حرسي حزبي، أو قوات حزبية عسكرية تعد العدة لانتفاضة وشيكة تمهد الطريق لها بواسطة اغتيالات وأعمال تخريب تقود الى حرب أهلية وربما إقليمية، ويعول على انتصار قوات الثورة فيها على الرجعية وأذناب الاستعمار وبياعي فلسطين وعملاء التروستات والثقافة الغربية الحرام (قبل «بوكو» وطالبان ومرشد الباسدران وبعدهم). وقوات الدفاع الوطني (في «الساحل السوري» وريفي دمشق وحمص) والمقاومة الاسلامية (في «أرياف» لبنان القروية والبيروتية) وألوية اليوم الموعود وعصائب اهل الحق (أبو الفضل العباس)، الى «القاعدة» ووكالاتها المحلية والحرس الثوري والمتطوعين (الايرانيين) والمنظمات الفلسطينية المسلحة، تتحدر نظراً وعملاً من منظمات حرس أو قوات خاصة ومكاتب ولدت، منذ ثلاثينات القرن الماضي، بنواح متفترقة من عالم عربي مسحور.

وَوَلدت المنظمات والمكاتب والفروع العسكرية السرية، ومن ورائها أحزاب (ثم - دول) جماهيرية حكماً، أنظمة وحركات مسلحة شعبية وأهلية تزاول السياسة أو تدبير «الدول والمجتمعات» على المثال الحرسي والقواتي الخاص والعملي، إياه. وهذا المثال لا ينتظر تبلور «الشعب الواحد والمنتصر»، على قول فيديل كاسترو أو اللواء علي سعيدي أو زميله الجنرال يحيى رحيم صفوي، ولا ولادته من حوادث تاريخية مجلية ومشتركة فعلاً وليس عدداً، فيباشر فوراً بلورته وتوليده: يستدرج الجيران الى شن حرب عليه، ويعلن التعبئة العامة ومعها طوارئ أوسع عمومية، ويعمل التصفية والتطهير في هيئات الحكم والادارة ، ويصطفي نخب أهل مناصبه، وينشئ في الاثناء هيئاته وأسلاكه وأجسامه الموازية والخاصة، ويملي قوانينه ومعاييره، ويغلق حدوده، ويقتطع أرخبيل محمياته وولاياته ومعازله من فتات الدول والاوطان والمجتمعات القريبة ويستتبعها. وفي سبيل تثبيت الاقتطاع والاستتباع ينتهج السياسة نفسها أو يؤيد المثال الذي سبقه واهتدى إليه حليفه: ينشئ قوة أهلية ومسلحة موازية، وينفخ في نزاع اهلي دامٍ، ويدمج القوة الاهلية في كيان الدولة ويلحق هذه بالقوة الاهلية...

«الدولة» ـ «المقاومة»

وعلى هذا، قامت «المقاومة»، أي منظماتها الاهلية المسلحة وأجهزة دولتها الظل والنقيض و»مجتمعها الخاص» (الشيخ سليمان ضاهر العاملي)، محل الدولة والمجتمع معاً، وقام منطقها العملي والمباشر محل «المفاوضات» العقيمة والطويلة وخوائها. فلا تقتضي مساندة «فلسطين» التظاهر، والانتداب الى مجالس التشريع والسلطة التنفيذية، وتضامن الجمهور الطوعي ونزوله عن بعض احتياجاته، وتصور الحلول الجزئية والمرحلية ثم المتكاملة، وابتكار علاقات إقليمية من صنف جديد، واختبار هذا وصيغه... وينوب عنه، وعن مطاولته، ندب مناضل مدرب أو اثنين، وسفرهما بوثيقة قيد مزورة وجواز مزور الى بلد عربي كبير ومضطرب، وفي جيبه دفتر شيكات عالي الرصيد ووكالة تجارية ملفقة تصلح ذريعة الى مخالطة الناس وانتخاب خلية من العملاء المجاهدين. ويتولى هؤلاء رصد الملاحة في قناة السويس، عسى ولعل، ومراقبة السجون وجوارها والاعداد ربما لتحرير مساجين مجاهدين أسهموا في أعمال اغتيال من قبل، وروابطهم بـ»الروافض في إيران» (أبو محمد العوناني، أحد مقدمي الدولة الاسلامية في العراق والشام) قوية.

وعلى هذه الشاكلة، لا جدوى من منافسة رجل مثل رفيق الحريري في انتخابات نيابية عامة كثيرة المداخل والمخارج، ولا تؤمن نتائجها على رغم جعل البلد مرتعاً لحركات المقاومة وأممها وفروعها وأجهزتها منذ ربع قرن. فالأيسر بما لا يقاس اغتيال الرجل وبعض انصاره وحلفائه. فهذا يعجل في شق السنة والشيعة الوطنيين. ويرفد الانقسام العراقي البطيء، ويسرع سريانه في الميدان الحيوي الذي يهيمن عليه الاميركيون وينازعهم «الجهاديون» والعروبيون السنة وقادة الحركات المهدوية والخلاصية الشيعية وراعيها الفيلقي. والاغتيال يحرر الجماعة الحرسية والخمينية المسلحة المحلية من العقد المخاتل الذي يقيدها بالدولة، وترعاه الاستخبارات السورية واستطلاعها، ويحول بين القيادة الحرسية وبين التلويح بمهاجمة الجماعة المحلية «الكيان الصهيوني»، أو الهجوم فعلاً مع ابتداء صدور قرارات مجلس الامن في الصناعة النووية العسكرية الايرانية (في 11 تموز 2006) وحصارها. وعلى هذا المنوال، ناب استعراض مسلح خاطف تولاه اصحاب القمصان السود الطاهرة من كل رجس عن تسمية كثرة نيابية رئيسَ وزراء عنيداً وعدواً. وتنوب اليوم مقاطعة نيابية متكتلة عن امتحان انتخابات رئاسية، على رغم تمديد ولاية برلمان انتخب غداة الاغتيالات المتسلسلة، وغداة الانتصار الساحق في حرب مجيدة واسطورية، وغداة استمالة الولي الماروني المنتظر الى الصف المهدوي المدجج والسخي والطاهر. والمناظرة البيانية الطويلة مع العدالة الدولية، والمحكمة الخاصة بلبنان، استحوذت على شطر ثمين من وقت وجهد وخطابة أمير الجماعة الحرسية المسلحة (- لبنان) من غير طائل غير تظهير جهل عظيم ومغرض بفقه الأدلة والتحقيق وبجغرافية بيروت. وأقرب متناولاً تهييج البذاءة الاعلامية والصحافية على المحكمة وقمعها وانتهاكها الحريات والسيادات.

وغداة يقظة الكرامة والشجاعة و(حس) المصلحة العامة في جمهور السوريين، في شتاء 2011، لم يدم تردد رأس «العصابة»، دون مخالبها الامنية والميدانية، غير أيام قليلة. واستيقظت الانفعالات المتراكمة التي أدت، في 1960، الى انشاء المكتب العسكري، وانقلاب 1966 على انقلاب 1963، ثم انقلاب 1970 على انقلاب 1966 واستئصال الخصوم المحتملين في الاثناء. ومذذاك، تولت «النخبات» (خير الدين حسيب) أو اهل «الصفوة» (زيد بن علي) استئصال مقومات انفصال الجماعات واستقلالها (استقلالهم) بميل أو هوية أو تاريخ أو مصلحة على حدة، ومعها مقومات سياسة تشبه الليبرالية على أضعف معانيها. وبلغ من غلبة المثال السياسي وتسيده على العلاقات العصبية والبيروقراطية الريعية التي نهض المثال عليها ان مفاجأة المعارضة السياسية الداخلية بيقظة الكرامة والشجاعة والمصلحة العامة في السوريين لم تقل عن مفاجأة رأس النخبات المستولية.

فلم تدرك، على خلاف المخالب الامنية والميدانية العصبية ومعها العصابات «الجهادية» التي امتحنتها المقاومة العراقية في شقيها، أنها تنتمي، واليقظة المفاجئة، الى طور سابق وآبد من السياسات ومزاولتها، على رغم تحدر معظم جماعات المعارضين من الشيوعية والناصرية وفروعهما. فهتافاتها، مثل «الشعب السوري ما بينهان» و»الشعب السوري واحد» و»لا خوف» و»الله وسوريا والحرية وبس» و»ارحل ارحل يا بشار»، تعول على ما تركت الحركات والمنظمات السياسية، اي الاهلية العصبية المسلحة، التعويل عليه، ولو على سبيل التشبيه والتضليل، منذ وقت مديد. وعندما أقر بعض أعضاء المجلس الوطني السوري بأن المجلس، وهو غلب عليه الاخوانيون أي أقرب الجماعات الى المثال الانقلابي، لا يمثل المتظاهرين والجنود «الاحرار» الذي استقالوا من جيش الاغتيالات والخطف والسرقات، فهم لم يعدوا الحقيقة المرة.

والاقرار لا يعالج المشكلة، على افتراض احتمال علاج أو جوازه، وليس خطوة على طريق حلها، على ما ظهر جلياً في الاعوام الثلاثة المنصرمة. فما يدعو اليه المثال السياسي الغالب هو ما يصنعه المفاوضون على خروج مقاتلي حمص، ومن وراءهم من «الدولة» والنصرة والجيش الاسلامي ومئات الكتائب والعصابات الاخرى. وما يصنعه المفاوضون على مبادلة 1500 أسرة محتجزة في عدرا العمالية بـ1500 رهينة بأيدي قوات ماهر وبشار الاسد في عدرا الصناعية. وهذا «خبر» نعته بالمؤسف تقليل لئيم من فظاعته. ومصدِّق لخبر، أو احتياطه من الصدق والحقيقة، هو هول عشرات الآلاف من القتلى (والقَتَلة) السوريين، وهول خراب العمران وهيام المنقطعين والمهجرين على وجوههم

الثلاثاء، 29 أبريل 2014

مصائر الاستيلاء العصبي البيروقراطي والريعي في مرآة حنا بطاطو الاسترجاعية

المستقبل، 27/4/2014
التعليل الاجتماعي والتاريخي بالاستعمار
 وجهٌ من إلزام المجتمع بمركزية مستبدة ومقيمة
 ليس هنا معرض مناقشة "نظرية التخلف" (وهي ليست واحدة) التي يُلمع إليها المؤرخ الاجتماعي، حنا بطاطو، عرضاً ومن غير تخصيص، ولا يستعمل أو يقتبس إلا طرفاً من مصطلحها. والاشارة الى اطار استعادة بطاطو بعض المصطلح السياسي والايديولوجي، شأن وحدتي الطرفين أو القطبين المتصارعين والمناضلين وإدراكهما حالهما وعملهما بموجب الحال وإدراكها، ذريعة الى تناول القسم الثالث من الاستدلال بعمل الكاتب في العراق الملكي والجمهوري الى الفحص عن مثال الدولة العصبية الوطنية والبيروقراطية الريعية الذي غلب على البلدان والمجتمعات العربية المشرقية (وبعض المغربية والخليجية أو الجزيرية) غداة الحرب الثانية واستقلالاتها و"قضيتها" الفلسطينية و"اندلاع" الحرب الباردة، ودام على تفاوت وتقديم وتأخير بحسب البلد نحو نصف القرن ودخل حقبة تصدع وانهيار في العقد الاول من القرن الواحد والعشرين. وتناول القسمان، الاول والثاني، سياقة الانقلاب من سيطرة أو غلبة دولة الاهل الكثر والمتنازعين، في كنف الاحتلال ثم في الطور الاول من الاستقلال فغداة استخراج النفط في 1952-1958 واستغلاله، الى سيطرة أهل الدولة، وعصبيتهم الملية الاهلية والحزبية الايديولوجية، على الدولة وبيروقراطيتها العسكرية والمدنية وعلى ريوعها المتعاظمة. وتتبع القسمان، على خطى صاحب الكتاب وروايته حلقات النزاعات ومنعطفاتها ورصده مواد قواها وأنسجتها، الوجه السياسي الغالب و"التقليدي"، على معنى العصبي والأهلي، وإفضاء هذه السياسة الى مثال أجوف يحتكم فيه أقطاب أو أطراف النزاع على السلطة الى كفة القوة، العارية ظاهراً من الروافد الاجتماعية البارزة، وعنوانها أو وسمها ولواؤها هو القوات المسلحة. وسعى القسم الثاني في اقتفاء أطوار المادة الاجتماعية التي بعثت الكتل السياسية والاجسام الاهلية، وهي على حالها من الشقاق والمنازعة وضعف المُسكة، على أداء الادوار التي أدتها في صوغ المثال الاجوف ثم في تحكيم كفة القوة العسكرية في المنافسة على السلطة والاستيلاء عليها.
***
 حين وسم حنا بطاطو كتابه الكبير باسم البلد الذي يتناوله، أي العراق، أتبع الاسم العلم بعنوان الباب الذي ينوي طَرْقه وهو "الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية...". وأردف الباب بالمدة التي ينوي قصر المعالجة عليها وتنتهي في 1958، أي عام إعلان الجمهورية وقلب الملكية، ولم يقصرها عليها فمدها فعلاً الى عشية طبعه الكتاب في 1978. ولعل أول وأبرز ما يدعو الى الفحص هو اختيار الطبقات الاجتماعية باباً يدخل منه صاحب التاريخ الاجتماعي الى العراق، الكيان السياسي والجغرافي والوطني الواحد والمتماسك، والقائم بنفسه وبوحدته بما هو موضوع تأريخ. والطبقة الاجتماعية، أو ما يفهم بها، قرنت بحركة ثورية أم لم تقرن، تُحمل على جزء عضوي من مجتمع كلي أو شامل يصدق وصفه التشريحي (الثابت) والوظيفي (الحركي) على الرسم الطبقي عينه. فهي تُفترض على شاكلة الجسم المتصل والمتجانس أو النازع الى الوحدة والتنازع والتماسك تحت وقع مصالح جامعة، اقتصادية واضحة وسياسية أقل وضوحاً، ويسوق أطوارها وأحوالها توجهها المتعرج صوب تضافر المصالح الاقتصادية والسياسية على إرساء الجسم أو الكيان على دور واحد وراسخ الهوية. ونازع الجسم الى قيادة المجتمع الكلي، بعد نازعه الى توحيد أجزاء الطبقة ولمّ شتاتها، عامل راجح في تعريف الطبقة الاجتماعية وتعقب أدوار تاريخها وحوادثه، شأن نازع ثالث الى توحيد الطبقات المتنازعة في اطار "مجتمع" عالمي، تعمل في وصل حلقاته وتقطيعها معاً قوى اقتصادية هائلة مشتركة ومتجددة.
"الدولة قبل الطبقة"
 ودخول المؤرخ الاجتماعي الكيان الوطني العراقي من باب طبقاته الاجتماعية، أو ما يُفهم بالطبقة، قد يبدو إغفالاً متعمداً ومكابراً للعوامل الكثيرة والمتفرقة في الابنية الاجتماعية الاخرى، من عصبية قبلية وعشائرية ومذهبية وأهلية وقومية وبلدانية جغرافية وسياسية وإدارية وحقوقية، أو قد يبدو إنكاراً لقوتها وأثرها في استواء الحوادث والوقائع على سياقاتها ومثالاتها. والانحياز الاصطلاحي واللفظي الى "الطبقة" نُسب ردحاً من الزمن، ولا يزال ينسب الى تعصب سياسي وإيديولوجي الى "الماركسية"، والى القوة السوفياتية التي نُصبت وصياً عليها، وتولت الوصاية هذه فعلاً عقوداً طويلة لم تصرم ذيولها. وانتقاء بطاطو المفهوم في دوامة مناقشة عريضة لمسألة التخلف والتراكم الاولي والعالم الثالث وطي الاستعمار والتصنيع والانخراط في السوق الرأسمالية العالمية...، وهو تناول هذه المسائل وخاض فيها من غير مواربة، لا يخلو (أي الانتقاء) من جبه التحدي، ورد الجواب عليه من غير الوقوع في سذاجته واختزاله.
 ويتصدر رد الجواب على قصر الخيرة في المسائل المتنازعة على "الطبقة" أو "الامة" الاصلية الهجينة ومراتبها العضوية، مقدمة العمل الجامع وكتابه الاول، الموسوم بدوره بـ"الطبقات الاجتماعية القديمة". فينبه التصفح الاجمالي والجامع الى اضطراب البنيان الطبقي، وغلبة هذا الاضطراب على طبقات كبار ملاكي الارض وكبار رجال الاعمال من مال وتجارة في العقود الاربعة التي دامها العهد الملكي الى الثورة العسكرية والاهلية عليه في 1958. فدخول ملاكي الارض والتجار ورجال المال، أو كبارهم، الطبقات الرأسمالوية (على ترجمة نزيه الحكيم مفهوم "كابيتاليستيك" في عمل مكسيم رودنسون الفرنسي الاسلام والرأسمالية (1966 بالفرنسية، 1970 بالعربية) صبغته بصبغتها المهلهلة نشأة أبنية الدولة الملكية على نحو سريع ومرتجل، وترددات الكساد الاقتصادي العالمي في 1929 في أحوال العراق الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، وتمليك الارض وتوزيعها بين 1932 و1938 بموجب قوانين تسوية رجحت الاستنساب والولاء والتقريب على المعايير الاقتصادية والانتاجية، الى عوامل فرعية وظرفية مثل تقلص الاستيراد من الخارج، وضمور التداول جراء التضخم الكبير الذي أصاب الاقتصادات الغربية قبيل الحرب الثانية وفي اثنائها، ونجم عنه تعاظم ثروات بعض التجار والصيارفة والمقرضين بين ليلة وضحاها وانهيار آخرين نظيرهم. وأدت هجرة اليهود الجماعية غداة 1948 الى توليف طبقي جديد. فخلف تجار شيعة من أهل المدن، كانوا على أطراف الكتل الاجتماعية الحاكمة و"السوية" وفي وسعهم تعاطي أعمال المال والتجارة التي لا تتعاطاها الجماعات التقليدية و"الشريفة"، هؤلاء خلفوا التجار والصيارفة اليهود. وتدفقت عوائد النفط وريوعه على خزينة الدولة الضاوية والهزيلة فجأة، منذ 1952، فملأتها. وامتحنت توزيعها على الطبقة السياسية والادارية، وعلى مصادرها الاجتماعية القريبة من أعيان الدولة والاسر العريقة وكبار ملاكي الارض. وفي الاثناء زاد عدد سكان بغداد 4 أضعاف، اجتمعوا من الهجرة الريفية والتعليم وتوسع حاجات الادارة وتقسيم العمل الاجتماعي. وامتحنت حصتُهم من العوائد العامة، وأولها النفط، سياسة التوزيع التي انتهجتها الدولة و"أصحابها"، وفاقم انحيازها الى اهل القوة والحظوة والمكانة حدة النزاع على العوائد، وعلى السلطة الحاكمة في توزيعها.
الاحصاء والمكانة
 وهذه العوامل، متفرقة ومجتمعة، نزعت عن الطبقة الاجتماعية، مفهوماً وكياناً، التجانس الذي تدين به الى سيرورات انتاج وتخليق تفترض فيها عمومية حسابية ومصلحية تنسب الى السوق وإوالياتها. فلم يستوِ كبار ملاكي الارض العراقيين طبقة متماسكة ومتجانسة في نهاية أو في سياقة مطاف كان مداره على انتاج "افضل" السلع الزراعية بأرخص الاثمان، وفي نطاق متوسط مساحات الارض الفضلى، ومن طريق إعمال رأس المال المتوافر واليد العاملة القريبة والطيعة على "خير" وجه، وفي سبيل تلبية احتياجات مستهلكين في وسعهم تسديد مشترياتهم في أثناء الوقت الضروري المتوقع... ولا هم قادوا أو ساندوا حركات اهلية ومحلية عسكرية أو امارات وولايات مستقلة حملتها نزاعاتها وحروبها وأحلافها على الانخراط في تكتلات متفاوتة التماسك استقرت على وحدات سياسية وجغرافية متكاتفة. فهم، أي كبار ملاكي الارض، "طبقة" على معنى إحصائي ووصفي مرتبي، معياره مساحات ملكيات الارض. وهذه تحدرت إليهم من مناصب ومكانات سابقة، تصدرتها المشيخات القبلية والعشائرية والقومية، والرئاسات الصوفية والمذهبية والحرفية والادارية السياسية والعسكرية. فملاكو الارض هم أغوات وشيوخ عشائر؛ وهم "سادة" (من فروع نسب نبوي متشابك) حضريون؛ ورؤساء أجسام مذهبية تولوا قديماً وأقاموا على تولي تمثيل أهل مذاهبهم لدى السلطات والحكام؛ وهم "رجال الدولة" الجديدة، حين انقلابها من ولايات عثمانية الى كيان سياسي وقانوني وطني وجامع، والمستولون على مناصبها في كنف القوات البريطانية المنتصرة، والضباط الشريفيون (نسبة الى الشريف حسين والشريف فيصل) أبرز جماعاتهم؛ وهم مضاربون وتجار وصيارفة وصناعيون أثرياء.
 وتشترك هذه الفروق في تغليبها المكانة العصبية الاهلية الناجمة عن مركب النسب الاسمي والدور السياسي التحكيمي والعسكري، وريوع المكانة، على الموقع أو المحل من الانتاج وسيرورات وشرائط تعظيمه، وعوائد الموقع. وتضعف المكاناتُ المختلفة والمتنازعة جمعَ أو ضوي الاجسام الاجتماعية والسياسية ومراتبها الداخلية في بنيان متصل تسود علاقاته المتبادلة قوانين او معايير واحدة، وتتوج الدولة اتصال البنيان ووحدة قوانينه ومعاييره. ولعل السمة التي تشترك فيها أجزاء "طبقة" كبار ملاكي الارض وفئاتها هي احتياجها في سبيل استتباب مِلكها الارض وحقها في استغلاله وفي حيازة ثمرة المِلك والاستغلال، الى الاستقواء بوجوه حق وتسويغ ليست من لوازم الانتاج ولا هي من متعلقات انجازه وشرائط الانجاز. فمِلك الاراضي آل الى ملاكيها العراقيين، ودام فيهم، وتولوا إعمال العاملين فيها على طرائق معهودة، وعاد عليهم دوامُ ملكهم وتوليهم بعوائد خاصة هي جزء من عائد انتاج الارض كله، يحصل هذا كله، من طريق قوتهم السياسية والعصبية وإعمالهم إياها في دوام مكانتهم وحقوقها. والسمة الجامعة السالبة، أي استغناء سيطرتهم عن الاحتكام الى معايير الانتاج وثمرته، هي ما يفرقهم دوائر مستقلة، ويدعوهم الى دمج قوتهم السياسية والعصبية واسبابها في مِلكهم الارض، وسيطرتهم على العاملين فيها، واقتسامهم الناتج من استغلالها على النحو الذي يقتسمون ويتقاسمونه. فهم يسوسون رعاياهم وأهاليهم وأنسباءهم بواسطة وكلاء يقودون جماعات "عسكرية" مأجورة تقمع المخالفين والمتمردين والمتلكئين. ويتوسلون المضافات والصرف عليها تعويضاً عن توزيع مقتر ومتعنت. ويتوسطون لأبناء عشيرتهم المهاجرين الى المدينة في تزكية حصول على عمل أو عقد زيجة أو دخول مدرسة...
 وتسور الاجزاء الطبقية هذه بأسوار صفيقة تشدها الى جماعاتها الاهلية، وتفرقها عن نظائرها التي تشترك وإياها في نمط السيطرة، أواصرُها القومية العرقية والدينية المذهبية. فكبار ملاكي الارض هم عرب وكرد وتركمان وآراميون وأرمن. وهم، من وجه آخر، شيعة وسنة ومسيحيون ويهود. ولهذه الوقائع والانساب آثار تتفاوت قوتها في تثبيت سيطرة المالك على أرضه والعاملين فيها ولها مفاعيلها في مكانة كتلة الملاكين القومية او المذهبية وموقعهم جماعة من موازين القوى الغالبة في علاقات الجماعات العراقية بعضهم ببعض. فالتسلط بقوة العصبية في ­أطار جماعة محاربة غير التسلط بدالة المال وبدالة النفوذ في الدوائر المركزية. وإعمال المِلك في خدمة المكانة غير إعماله في خدمة الربح والمنافسة على السوق. وعلى هذا، وسع كبار الملاكين من أهل العشائر السنة مزاولة نفوذ في "اهاليهم" العاملين في أراضيهم فوق ما وسع زملاءهم المسيحيين واليهود من أهل طبقتهم. وهم سعوا في غايات سياسية يترتب عليها تعظيم نفوذهم ودورهم الداخليين والاقليميين وتربعهم في ذرى الدولة، فوق سعي زملائهم الذين غلبت مشاغل الوقاية وتحصين الدور الاقتصادي على سياساتهم. وإذا ولدت الاحوال المتفاوتة والمتفرقة "مجتمعات متفرقة"أو متباينة في صفوف الطبقة الاجتماعية "الواحدة"، وانصرف المجتمع منها الى شؤونه ومصالحه على حدة من سواه من المجتمعات، فلا ريب، من وجه آخر، في أن عوامل الجمع والشبك والتأليف، من خارج وعنوة، كانت قاهرة وراجحة.
 ويقدم حنا بطاطو، من هذه العوامل، عاملاً "اجتماعياً تراكمياً وسوقياً" (ج1/ص 22)، رأسمالياً، ألزمت به العراقَ "روابطُه بالسوق العالمية". ويصف علاقة البنيتين، التراكمية السوقية والعصبية (وسمتها الغالبة هي اتصال المكانة بالنسب والعلم الديني والفروسية)، بـ"التداخل". ويرى ان استقرار الملكية الخاصة بأيدي المشايخ والآغوات، ثم توسعها واجتماعها في أيد قليلة، هي أبرز تغير اجتماعي طرأ على بنية الاجتماع العراقي في العهد الملكي العراقي (1/29). فشاعت المضاربة المالية والعقارية، وانهار اقتصاد الكفاف، وتقهقرت مكانتا النسب والدين، وبرز التملك علامة فارقة على علو الموقع الاجتماعي وعلى الانقلاب من المنزلة أو المكانة الى الطبقة. وتتردد في المصطلح الذي يختاره دليلنا، مثل "التداخل" (تداخل البنيتين، الرأسمالية و"ما قبل الرأسمالية" أو "السابقة"، التراكمية والراكدة، وهو لا يستعمل هذه)، و"الانتقال" أو الانقلاب وقصور "استكمال" الطبقة ركناً على الترتيب الطبقي، مشكلات نظرية التخلف"، على ما تقدم الإلماح غير مرة، ومعضلاتها. فهذه الوقائع الاجتماعية ربما تنهض قرائن على عطالة أدوار سابقة أو مستجدة مثل تلك التي كانت تتولاها الرئاسات الاهلية وتضطلع بموجبها توزيع العوائد على سنن معروفة ومقبولة. وهي ربما قرينة على منازعة معايير ضروب أو اصناف من العمران والمعاش مختلفة تنتهي، على مقادير وصور متفرقة، الى توليفات أو سيرورات مضطربة.
قيود السيطرة
 ولكن الواقعة الكبيرة والراجحة، أو العامل الذي تترتب عليه نتائج لا راد لها، هي مباشرة القوة العسكرية البريطانية إنشاء أبنية الدولة العراقية على مثال يفترض القسمة المبدئية بين الدولة والمجتمع الوطنيين وما يتبعها من مركزية السيطرة، ومعايير حقوقية وقانونية عامة، واحتكار العنف وآلاته، والسعي في توحيد دوائر التبادل والتداول في دائرة متصلة ومشتركة، أي "وطنية". وإلقاء التبعة عن الاختلالات المفترضة- وهي من غير شك حقيقية، وأحد الامثلة عليها (من بطاطو نفسه) تعفن القمح في مخازنه الريفية آن يكاد البغداديون غير البعيدين يجوعون جراء معوقات نقله وعرضه وبيعه، ولكن صفة الاختلال تقيس على حال معيارية طرأت (فكرتها وربما الحاجة اليها) مع مثال الدولة المركزية، وسرت في المألوف وأعرافه- القاء التبعة على "نفوذ البريطانيين... البنيوي" (1/29) يحمل علاقات المنازعة والمباينة والمساومة المضطربة على بنيانية جوهرية ومزدوجة ناجزة وتامة. وليس معنى المناقشة السريعة أن النفوذ البريطاني بريء من التبعة عن قصور استواء طبقة كبار الملاكين طبقة اجتماعية "مكتملة" أو "كاملة" الطبقية. فما تنبه إليه المناقشة هو أن السلطة الاستعمارية البريطانية انتشرت في أرجاء العمران العراقي، من أقاصيه الى أدانيه، وزجت بجماعاته وبه في دوامة توحيد سياسي وإداري قانوني واقتصادي، وتفتقت هذه (الدوامة) بدورها عن مفاعيل تعصى التعليل من طريق الرد الى كتلة بنيان النفوذ البريطاني، من وجه، والى كتلة بنيان النسب والدين ومكانتهما، من وجه آخر. وتخلص "نظرية التخلف"، شأن الحركات الاستقلالية الوطنية و"نظريتها" من قبل، وفي بعض الاحوال من بعد، من هذا الى حتمية "الثورة الوطنية الديموقراطية" على كتلة الاستعمار أو كتلة الامبريالية، وإلى وحدة قوى الثورة الالزامية، تنظيماً وقيادة ومصالح، في مقابلة وحدة "الكتلة" المناوئة، داخلاً وخارجاً وفي قيادة الخارج.
انتاج المجتمع
ولا ريب في أن "الحركات الثورية"، والطبقات "الجديدة" التي وَلَدت هذه الحركات من مادتها ومصالحها ومشكلاتها، كان لها ضلع قوي وفاعل في حبك الحوادث والوقائع، وفي بلورة النزاعات واستنتاجاتها نتاجاتها. ولكن ضلعها بقي مطوياً في ظلال كبرى الحوادث. وغالباً ما تلقي الحركات "التحررية" الثورية أو العامية – تمييزاً لها من الحركات الاستقلالية التي قادها شيوخ العشائر وأعيان التجار والعلماء وكبار الموظفين (وكلهم تملكوا الارض على مقادير متفاوتة) – ويلقي كتابُها وألسنتها بالمسؤولية عن المصائر السياسية والاجتماعية التي آلت الى التبعية والتخلف، على عاتق أولياء السيطرة والرئاسة وانقيادهم لمصالحهم "الانانية". والحق أن ما يسهم عمل كاتبنا في تفحصه من قرب هو أسر الحلقة المفرغة التي تدور فيه مناقشة المسؤوليات، وترجحها بين قطب التعليل التاريخي وبين قطب الادانة الاخلاقية. فمسألة مثل انقياد كبار ملاكي الارض العراقيين الى سيطرة وكلاء الامبراطورية البريطانية وموظفيها المحليين، وجزائهم عن هذا الانقياد بقوانين تسوية توزيع الاراضي في 1932- 1938، وهي ملكت كبراءهم مساحات فاحشة الاتساع، مثل هذه المسألة ليست السبب الاول أو الوافي في تخلف العراق عن إنشاء مجتمع زراعي وفلاحي منتج ومجز. فمجتمع على هذه الشاكلة، ركنه مزارعون متوسطون ومستقلون يزرعون وينتجون ويوزعون في اطار سوق تخرج من الكفاية وتكلفتها وإدقاعها وانغلاقها الى تكلفة المفاضلة واختياراتها ونزاعاتها السياسية، هو مجتمع رأسمالي أو جزء من مجتمع رأسمالي يميل الى التجانس والانقسام الطبقيين، ويحتكم الى تمثيله السياسي على هذا المعيار في حل النزاعات التي تمزقه.
 وعلى هذا، فحمل ُالسيطرة البريطانية على الارض وملاكيها على القيد أو الحاجز الذي حال بين المجتمع الفلاحي والزراعي العراقي وبين استوائه مجتمعاً رأسمالياً منتجاً (وهذ ما لم يقله بطاطو واقتصر على إلماح غامض وعام إليه)، مبالغة واختزال يقودان الى التعمية والاعتباط والتسويغ. وتنبه المعضلات التي أحالت الاصلاح الزراعي في بلدان المشرق العربي، وبعض بلدان المغرب، الى عملية أو سيرورة عبثية، الى ضعف المبالغة والاختزال السابقين والمقيمين في بعض الاذهان والاحكام. وافتراض ان "مقاومة" شيوخ العشائر والآغوات وأعيان التجار والحوزات والطرق الإنعام البريطاني عليهم بالتسوية لكانت قلبت رأساً (مزارعاً فلاحياً) على عقب (عشائري وبدوي) العراق بقضه وقضيضه، أقرب الى اعتقاد السحر في معرض يزعم تبديد السحر من الخليقة وعالمها. فلا تسوغ الافتراض واقعةٌ ضعيفة واحدة من الوقائع التي تصف حال الزراعة و"المزارعين" الشاوية، أو البدو المتساقطين من البداوة والمستوطنين الارض والمنتحلين عملها. أكانت (الواقعة) انحلال الأبنية العصبية، أو تعاظم التوطن والعمل في الارض، أو زيادة انتاج الارض جراء تحسن الري وانتظام المواصلات وتوافر الواسطة النقدية وزيادة "أجر" الفلاحين وانتاجيتهم واستقرار مكانة تجار الغلال الاجتماعية والسياسية (على مثال يرسمه بعض المؤرخين الغربيين والصينيين لشقَّيْ مقارنة الرأسمالية الزراعية البريطانية ونظيرها الصيني في أوائل الثامن عشر، كينيث بومبرانتز: مباينة كبيرة، 2010، باللغتين الانكليزية والفرنسية). والمجتمع العراقي بين الحربين لم يكن خرج خطوة صغيرة من دوائر المنازعات التي قسمته جماعات متناحرة: البدو والمدن، عشائر البدو وأحياء المدن، السنة والشيعة المسملون وغير المسلمين، العرب والشعوب الاخرى... وأودت فيضانات اواخر القرن التاسع عشر بالترع، فجاع البدو وهجموا على المدن، وتقلصت الاراضي المزروعة الى الارباض القريبة. فإخراج مجتمع زراعي وفلاحي منتج من هذه الانقاض، على شرط اضعاف السيطرة البريطانية، ضرب من السحر المضاعف والمغلف كذباً مغرضاً.
 ويسعى الجزء الثالث من هذه التعليقة على عمل بطاطو في العراق في تعقب اسهام "الحركات الثورية" وروابطها وأحزابها وطبقاتها ومبادراتها، في بلورة المنازع التي أفضت الى غلبة الدولة العصبية والبيروقراطية الريعية ومثالها على مثالات سياسي واجتماعية اخرى جائزة، أو تصورت بعض القوى السياسية والحزبية الناشئة جوازها واهتدت به. والكلام على إسهام "الطبقات" المنقادة أو الخاضعة، أي المحكومين، في إنشاء المباني السياسية والاجتماعية على الوجوه التي تنشأ عليها، وقد تستقر بعض الوقت، لا يعدو تقرير واقعة اجتماعية مجتمعية عريضة وحاسمة تنبه الى ولادة الحوادث والمنعطفات والمباني من نزاعات جوهرية. وتعتمل هذه في قلب الجماعات، وتصوغ سياقاتُها وحوادثها وملابساتها المباني التي تسوس عليها الجماعات مصائرها. وليس معنى التقرير ان "الطبقات" الخاضعة تشارك الطبقات المسيطرة التبعة عن مترتبات النزاعات، وعن الاشكال السياسية والاجتماعية التي تتمخض هذه النزاعات عنها، وحسب. فافتراض ان المثال السياسي والاجتماعي الغالب في وقت من الاوقات، أي الدولة العصبية والبيروقراطية الريعية ومجتمعها، هو مولود طبيعي وتلقائي للسيطرة الاستعمارية، ولآثارها في حركات التحرر الاستقلالية وفي مباني مجتمعاتها ودولها، يهمل من غير تسويغ أو تنبيه تعليل النزاعات الحادة التي لم تخلُ منها هذه المجتمعات في حقبتيها الاستعمارية والاستقلالية، وظل يضطرب بها مجتمع الدولة العصبية البيروقراطية والريعية (المشرقية العربية). فأسفرت عن "الحركات" والمعارضات الاسلامية والمدنية التي قامت ونشطت في البلدان التي غلب عليها مثال الدولة هذه، في العقدين العاشر من القرن العشرين والاول من القرن التالي ونصف العقد الثاني منه. وإذا أعفيت "الطبقات" المحكومة من الاسهام في بلورة المثال الغالب، ثم المتصدع والآفل، وحمل كلاً وجميعاً، أو كتلة واحدة، على إرادة المستعمر السابق، لم يعقل شيء من نشوء المثال واستقراره المأزوم، ولا من قيام "الحركات الثورية" أو من عملها ومحاولاتها وتنظيمها وبرامجها، من قبل ومن بعد. ولم تعقل أخيراً الحركات التي هزت بلدان الدول العصبية البيروقراطية والريعية ومجتمعاتها، ولاقت المصائر المتفرقة التي لاقتها وتلاقيها، وصدرت عن تصدع المثال وانهياره بعد تبديده موارده في تحصين عصبيته وإعالة بيروقراطية، وتغذية ريوعه.