الاثنين، 21 فبراير 2011

الحركة المصرية المدنية والديموقراطية في مرآة لغتها


المستقبل، 20/2/2011
منذ اليوم الأول أو ربما الثاني لاعتصامهم في ميدان التحرير بالقاهرة، في 25 يناير (كانون الثاني)، سمّى المصريون المعتصمون والمتظاهرون فعلهم هذا، أي خروجهم إلى التجمع والتظاهر وطلبهم إلى "النظام" ورأسه أن يرحل، "ثورة". وقالوا "ثورة 25 يناير" من غير تردد ولا تلعثم، ربما تيمناً بما كانت آلت اليه قبل 11 يوماً الحركة المدنية والديموقراطية التونسية، وراء الحاجز الليبي الأفريقي وصحرائه. فشاءت التسمية بتاريخ الاعتصام المصري الأول اختصار الأسابيع التونسية، منذ حرق محمد البوعزيزي نفسه إلى تنحي الرئيس السابق ولجوئه مستجيراً بمجير عربي، والابتداءَ من حيث انتهى أهل تونس وشعبها. فيجمع اسمُ "ثورة 25 يناير" مطلع الحركة، وخطوتها الأولى ورجاءها واستقبالَها الزمن الآتي واحتمالاته الكثيرة والمتضاربة، إلى خاتمتها المأمولة والسعيدة. فهي، على هذا وإذا صح هذا، منتصرة وظافرة وغالبة منذ باكورة أيامها وإيذانها.
[الثورة
وقد تكون التسمية بيوم الحركة الأول رداً ضمنياً على "ثورة 23 يوليو" (تموز 1952). وهي الاسم الرسمي لانقلاب فريق من ضباط الجيش المصري الملكي على نظام القصر الحاكم منذ قرن وثلث قرن (يومها، في 1952) وخديوية محمد علي باشا، نائب السلطان العثماني قسراً على مصر. فـ"ثورة 25 يناير"، اسماً وصيغة، هي النظير الصوري والشكلي واللفظي لاسم المبتدأ التاريخي والرمزي الذي أراد طي صفحة طويلة من تاريخ مصر والمصريين وابتداء صفحة جديدة بريئة من معاني الصفحة السابقة وشاراتها، وهي الظلم والفساد والاحتلال والفقر والضعف. وإلى 11 شباط حَكَمَ حسني مبارك الدولة المصرية والمصريين وسندُه هو "ثورة "23 يوليو". فالفريق المتنحي قسراً مولود من "جمهورية" مصر، ومن نظام السياسة وموازين القوى والهيئات والمراتب الذي صنعته الثورة العتيدة. وهو وارث بعض مباني هذا النظام ومداميكه وأسسه منذ خطوة الثورة الاولى وفاتحتها.
واسم الوليد التاريخي الجديد يحاكي الاسمَ القديم، ويقوم بإزائه صنواً له ونداً، وينسخه ويمحوه معاً وفي آن. فهو مدعو إلى القيام محله علماً على زمن وعهد جديدين ومختلفين مأمولين. وكثُرٌ المصريون الذي قالوا من ميدان التحرير بالقاهرة، منذ تعيين حسني مبارك اللواء عمر سليمان نائباً لرئيس الجمهورية إلى حين تلاوة "السيد النائب" بيان "التخلي"، أن تولي النائب العسكري صلاحيات الرئيس العسكري هو قرينة على دوام النظام العسكري الثابت وإزمانه منذ ستين عاماً (وبعضهم ضبط الحساب ودقق فقال 58 عاماً، والعام الجاري لا يزال وليداً). والمصريون هؤلاء أنفسهم قالوا أو زادوا أن ثورتهم "مدنية"، و"لا ينفع" أن يتولى الجيش الحكم خلفاً لنفسه. وتلتمس القيادات المتفرقة والمتضافرة معنى مشتركاً هو ارادة الانقطاع من تاريخ مضى وطوي، والعزم على ابتداء تاريخ آخر أولُ تعريفه بعد مصريته وثوريته أو جدته، أنه مدني وشبابي وسلمي وتلقائي وعمومي. والنعوت هذه، وهي من باب النسبة والاضافة، كثيرة المعاني. وتستخرج معانيها أو تصاغ وتخصص من طريق مقارنتها بالمعاني الظرفية والسياقية التي "ترد" عليها، وتناقشها، وتتخفف أو تتحرر منها ومن ملابساتها.
[الشعب
فالثورية أو الثورة، على ما تقدم، تقوم مقام النظير والضد والطي من سلف "يوليو" الثقيل والمُعْلِم. والمدنية تُتِمُّ معنى الضدية، وتثبت مضمون التفرق وصورته الحسية الظاهرة والمائلة. وهي تنسب "الثورة" إلى المدنيين، من غير العسكريين بديهة وطبعاً، ومن غير أهل الدولة والسياسة والقوة كذلك، وربما أولاً. وتتصل النسبة أو الصفة المدنية بالنسبة المصرية والنسبة التلقائية والعمومية الجمهورية. فالجمهور المصري، أو "الشعب"، تعرفه مساواته، أفراداً وجماعات دينية اعتقادية وجغرافية واجتماعية، وانتفاء المراتب منه، على خلاف الجيش، وهو جسم أو سلك على حدة، وعلى خلاف الدولة والسياسة والوظيفة والادارة، وأهلها أو اهاليها. وترد صفة أو نسبة المدنية، والفئات الاخرى المتواطئة والمتصلة، على نازع العسكريين المصريين، وغير المصريين، إلى حصر جماعتهم وأنسبائهم ومتعلقاتهم في سلك أو جسم منفصل وقائم بنفسه. فإما يتعالى على جمهور المدنيين العاميين أو هو يزعم القيام محلهم ومقامهم، ويدعي العبارة عنهم، والنطق بخفايا مكنوناتهم وطويتهم، و"التسلط" أو الاضطلاع بالسلطان عنهم وعليهم.
[المدنية
وتبدو النسبة المدنية إنكاراً صريحاً لسجل التاريخ السياسي العسكري الذي دوَّن تاريخ المصريين، دولة ومجتمعاً، في أثناء الستين عاماً المنصرمة. فالمدنية تريد نقل "التاريخ"، أو الفعل التاريخي، والثورة آيته والعَلَم عليه، من الاختصاص السلكي او "المهني" به إلى عموميته المدنية وأسوته أو مساواته الجمهورية والعامية والاجتماعية. ولعل انكار "البطولة" أو القيادة أو الامتياز (بالعلم أو "الوعي" أو الاستشراف) على نواة الداعين إلى الاعتصام والتظاهر والاحتجاج وهو انكار خص به الداعون أنفسهم قبل أن يعموا به سواهم ويستثنوا "الشهداء" منه- وجه من وجوه نقد المراتب والسلطات العسكرية والادارية والسياسية والتقنية، ووجه من وجوه النقض عليها، معاً. فالفعل التاريخي يفترض قوة ودالة وعلماً ودراية يُحمِّلها إياه "صناع" التاريخ ومحترفو صناعته وأهل العلم بهذه الصناعة ("الطليعة" أو "التنظيم الطليعي" على ما سمى جمال عبد الناصر العيون والارصاد الحزبية والامنية في صفوف الادارة والهيئات والحزب نفسه). وهذه، القوة والدالة والعلم والدراية، ليست من صفات العامة أو العوام المدنيين والجمهور. ولم يُعطَها ويُخَصّ بها الا الخواص والنخب، او القادة و"القيادة" على ما تسمي الشلل أو الطغمات الحاكمة والديكتاتورية في الجوار المشرقي نفسَها (وهي، أخيراً، "دوائر القرار"، أو "الدوائر"، في الجماعات المذهبية المسلحة و"المقاومة").
ونهض وينهض إلى اليوم وإلى اجل غير معلوم، في بلداننا ومجتمعاتنا، شطر غالب من دالة الولاية والسلطان والحكم، على الاختصاص بالفعل التاريخي و"الثورة". ونسبت البلدان والاوطان والجماعات والحقب، في عصر الجماعات والشعوب و"الجماهير"، إلى آباء أبطال. فقيل مصر عبد الناصر وسوريا الاسد وعراق صدام وايران الخميني، على سبيل المديح والتعظيم. وأوكل إلى هؤلاء تجسيد الامم، وانبعاث القوة في اجسادها الواهنة ودولها الضعيفة، وتوحيد روحها المتفرقة والمبعثرة في الانانيات العصبية الصغيرة والضيقة (بعثرة أجزاء الإله الفرعون في أراضي مصر قبل انبعاثها في أوزيريس). وكانت أسلاك القوة وأجهزتها ووزاراتها وقادتها هي الرواق المؤدي إلى رأس الدولة وكرسي السلطان، وهي المنصة والرافعة إلى الرأس والكرسي هاتين.
[الشباب
ومعظم المعاني الاخرى، التي نسبتها الحركة إلى نفسها او حملت نفسها عليها، المعنى الشبابي والمعنى السلمي والمعنى التلقائي والعمومي، تتضافر على بسط المعنى الوطني المصري والمدني وجلائه. فالشباب المبادر والمعتصم والمتظاهر هم شباب، وحركتهم شبابية، على وجه التقرير المادي والحسّي والوصف الاحصائي الكمي. ولا ينفك هذا الوجه من اعلان الابوة التاريخية "والثورية" للصفحة الجديدة التي يريد الشباب ابتداءها ، وبادروا اليها. فهم من هذا الوجه، الشبابي، يتخففون من المسؤولية عن زمن ما قبل "الثورة"، وعن السكوت عن الطغيان والفساد والركود والتسليم للتعسف والقهر. فهم إما كانوا لم يولدوا بعد، قبل 30 سنة، أو كانوا في سن لم يبلغوا فيها رشدهم وتكليفهم السياسي والاجتماعي. فما "يتفتح في جناين مصر" اليوم، على النحو المصري المدني و"الثوري" الذي يتفتح عليه، إنما يولد ولادة طبيعية وتلقائية من تربة متجددة لا عهد لتاريخ مصر بها منذ آلاف السنين سبعة آلاف سنة على قول الموغلين المتطرفين، أو أربعة على قول "المعتدلين"، أو مئتين على زعم المقللين والمقرِّبين.
واختصار الزمن يقرب الحركة المدنية الديموقراطية من القائمين بها، والمبادرين إليها، من الشباب. ويجعلها وديعة بين أيدي أصحابها وصانعيها، ماضياً وحاضراً و(يرجون) مستقبلاً. وعليه، فهم لم يرثوها من "الهوية المصرية" البالغة من العمر 4 آلاف سنة، على تأريخ الرئيس المتخلي في خطبته الثانية. ولم تتحدر إليهم، على زعم سائر ومضمر، من أيدي آبائهم الذي أوكلوا "ثورتهم" المفترضة قبل ستين عاماً إلى "البطل. فأسرع إلى تقمص الثورة والنهضة و"الاخوة المواطنين" والدولة والكرامة جميعاً، وإلى جمعها وحلِّها في "دوره" و"بطولته" و"فلسفته"، وفي سلكه العسكري وضباطه. ولا ينافي هذا الوطنية المصرية ولا يخالفها. فالحركة المدنية الديموقراطية وطنية مصرية، هذه المرة، على معنى "التفتح"، والولادة الارضية، والانتساب إلى الفعل الارادي والحر. ويخالف هذا الهوية الثابتة او "عبقرية المكان"، وميراثها الثقيل وسندها القوي والمقيد معاً.
وما "يستحقه" المصريون ومصر معهم، على قول جهير تواتر على ألسنة المعتصمين والمتظاهرين، ولم ينالوه، وحجب عنهم طوال الستين سنة المنقضية - ما يستحقونه هو تثمير موقع مصر "العبقري" (نهراً وبحراً وبراً وشرياناً قاريين)، وتماسك مجتمعها العريق، ودالة صنيعها الحضاري (وظلاله البربرية) على أمم إقليمها، وعدد سكانها ومواردهم. وهذه العوامل قد تُحمل على ريع يعود على "أصحابه" بعوائد مياه النيل وقناة السويس (5 مليارات دولار) والسياحة (7-8 مليارات) والنفط والغاز وتحويلات اليد العاملة الفائضة والمهاجرة والمساعدات العسكرية الاميركية. وحظ التثمير والانتاج والعمل الحي من العوامل الجغرافية السياسية والاستراتجية هذه قليل وضئيل. وهي توكل إلى "اصحاب" الدولة السيطرة على التوزيع والمكافآت والاعالة. ويقتضي التثمير المرجو حرية المصريين الراشدة، والاقرار بها من غير مراوغة ولا تجسيد اجماع بواسطة علاقات سياسية يتولاها مواطنون متفرقو الاهواء والمصالح والمنازع، ولا يجمعون إلا على دستورهم وقواعده المحكِّمة في اتفاقهم وخلافهم، وفي تقسيم سلطات دولتهم وتعاونها، إلخ. على صورة المعتصمين المتظاهرين ومثالهم. وهذا الحال هو عنوان كرامة وقوة لا تشبهان الكرامة والقوة الريعيتين والناجمتين عن انتصاب "البطل" سلطاناً مطلقاً والشعب رعيةً منصاعة.
[المراسلة
وتقرير المعنى الشبابي ينسب الحركة المدنية الديموقراطية إلى الآلات والوسائل والتقنيات التي توسل بها الشباب (سناً) إلى بث دعوتهم، وإلى تأليب المصريين على التعسف والعنف القاتلين. فالمداولة والمحاورة والمراسلة من طريق المدونات الاجتماعية الرقمية، وهي العمدة في التأليب الشبابي، لا تشترط مركزاً، ولا إدارة، ولا برنامجاً. وقبل هذه كلها وبعدها لا تشترط "أعلين" أو ولاية ومرتبة. فهي تدعو دعوة ملحة إلى تناسل "المراكز" وتوالدها بعضها من بعض، من غير التحجر على "مركزية" أم، أو مرجعية تقليد أو اجتهاد أو علم وفهم. فتوسعُ التبليغ والاتصال، وتعاظمُ أعداد المبلغين (على الوجهين) والمنخرطين التلقائيين أو العفويين، لا يعود على "المبتدئ"، وهو حكماً واضطراراً جميع وكثير، بمرتبة تتقدم على الآخرين، وتلحقهم بها. والامران، التوسع والتعاظم، يجريان على صورة الاغصان الملتفة التي يشجر وينجم بعضها من بعض، فلا يتميز فيها أول من آخر، ولا موصول من منقطع.
ومثال الأغصان الملتفة والمتكبكبة يحول بين المراقب (الامني الاستخباراتي أو المنخرط الناشط) وبين توقع جهات التوسع والتعاظم ومظانهما ومواقعهما وجمهور هذه وتلك. ولا ريب في أن تعذر التوقع، بدوره، يخلط الزمن الآتي وأوقاته وحوادثه ووقائعه خلطاً مقلقاً ومفاجئاً، على خلاف ما يريد جهاز السلطان الامني وعلى الضد من رغبته وسعيه وتخطيطه. وبينما دأبُ النظام الامني هو الحجبُ (على ما صنعت الادارة الحزبية الصينية في أثناء الحركة المصرية وسبقتها "الادارات" المصرية والسورية والايرانية) تنزع المداولة والمحاورة والمراسلة الالكترونية والرقمية إلى "الانفجار" والتعالق والتكاثر. ولعل الالتفاف الشجري هذا هو أشد ما يخشاه السلطان الحاكم بقوة الاجهزة، وتخويفها وارهابها وبقوة التجسيد الجامع والمانع. فالالتفاف الشجري المولود من مدونة "6 أبريل" ومن مدونة "كلنا خالد سعيد" وهي الموقع الذي وقفه وائل غنيم الغوغلي على المدون خالد سعيد، قتيل جهاز الامن المصري قبل عام جزاء أعماله التدوينية التي انقلبت، على زعم قتلته وقادتهم، قطعة حشيشة ابتلعها خالد سعيد وغص بها غصة مميته الالتفاف هذا يخرج على استواء التوقع الزمني الامني والاستخباراتي وعلى استقامته. وقد يلد خروجه المفاجآت والحوادث غير المرتقبة، والمنعطفات الداهمة.
[الذاتية
وهذا شأن الكثرة، كثرة متداولي الرأي والمتحاورين والمتراسلين. فمفاعيل الكثرة متنقلة ومتداعية. وتلملم النثرات من كل حدب وصوب، وتجمع الاصداء المترددة في أفق لا يتكلف الجمع والتنضيد والترتيب، ولا يشترطها. وما خُشي أن يقود إلى "فوضى" مرسلة ولا قيد عليها، وهي خشية تلازم دعاوى أهل "التنظيم" ومحترفيه وبيروقراطييه المحلَّفين، قاد حقيقة وفعلاً، إلى تماسك وانضباط ذاتيين مشهودين. والتماسك والانضباط الذاتيان ظهرا وتبلورا في خضم الامتحان الامني والاهلي القاسي الذي فرضه على المعتصمين قمعُ قوى الامن ثم انسحابها، وهجوم عصابات البلطجة الرثة واللصوص على المعتصمين المتظاهرين، وعلى أهل المدينة ومرافقها. وقد يكون هذا قرينة على أن الحركة الوطنية المدنية والديموقراطية المصرية، والشبابية على المعاني المتقدمة، تتحدر من مصادر يفترض بعضها وربما معظمها نظماً دقيقاً لعلاقات متداولي الرأي والمتحاورين والمتراسلين بعضهم ببعض. وتفترض هذه المصادر في "الشباب" دراية شكلية واجرائية قد لا تكون أضعف أثراً من التنظيم الصناعي في "الطليعة" العمالية. ولكن الاقتصار في التحري عن المصادر على الانترنت والمدونات والمواقع والمنتديات والشبكات يبخس المصادر الاخرى حقها من التأثير.
فشطر من المعتصمين والمتظاهرين الذين انتظموا صفوفاً وخطوطاً ومتاريس في وجه عصابات الامن الداشرة، وعصابات المرتزقة والمسجونين الرثة، هم من الاداريين وأهل المهن الحرة والطلاب العاملين في مرافق مكتبية وصناعية معقدة، واعتادوا التنسيق والاستباق واحتساب الطوارئ في أعمالهم. وشطر آخر، هم بعض الشطر الاول، له باع طويلة في الانشطة الحزبية والجماعية، وما تقتضيه من تخطيط ومبادرة ومدافعة وردع وحماية. ومشاركة الاخوانيين وناشطي المنظمات غير الحكومية واليساريين والناصريين وبعض الامنيين والعسكريين الذين انضموا إلى الحركة المدنية الديموقراطية، كانت (المشاركة) مدداً مادياً وتنظيمياً حاسماً. ولكن المصادر الاجرائية التعليمية، إذا جازت العبارة، لا تطغى على المصادر المعنوية و"الاخلاقية"، على ما نوّه الصحافي الفلسطيني محمد هواش. وليس محقاً ولا منصفاً القول السائر أن شباب الحركة المدنية الديموقراطية لم يروا من أهلهم، ومن الجيل السابق، ولم "يرثوا" تالياً إلا الخنوع والتسليم أو التعلق بالحزب الطليعي المستبد والتعويل عليه.
فاحتجاجات القضاة على التزوير الانتخابي (وتنحيتهم عن اللجان جزاء تنديدهم)، وحركة "كفاية" وتظاهراتها الشجاعة، ومبادرة أيمن نور إلى انشاء حزب مستقل وترشحه إلى انتخابات الرئاسة وحيداً أعزل، وسعي بعض الاخوانيين في انشاء حزب وسطي وميل بعض آخر إلى الانكفاء على دعوة غير سياسية وضميرية، ورفض محمد البرادعي الترشح قبل الغاء مواد الدستور المتعسفة، ويقظة نازع مطلبي في صفوف العمال والعاملين في مرافق الوكالة والمراقبة والخدمات العينية، إلى الجمعيات غير الحكومية وفرق الابحاث المستقلة هذه وغيرها مثلها غلَّبت معايير النزاهة والاستقامة والعدالة والمسؤولية الفردية والجماعية على احتساب الفرص، وتحكيم معايير التكتيل المصلحي وموازين القوى والمنافسة على النفوذ والحصص والانخراط "الواقعي" والاستدخالي في الابنية القائمة. والارجح أن جنوح السلطان العسكري الامني والاوليغارشي ("الاعمال") إلى انتهاك القوانين وتفصيلها على مقاسات مواليه وزبائنه، وإلى استعمال الجماعات الهامشية والرثة في المضاربات والاستحواذات والعمولات غير المشروعة، وفي القمع والتأديب والاغتيال، هذا الجنوح حمل مصريين كثيرين على تقديم الادانة الاخلاقية وأحكامها القاطعة على الادانة السياسية النسبية و"المتزنة". وتوسلُ أجهزة السلطان المنفرد والطاغي بـ"الجماهير"، وتعبئتها الحاشدة في مساندة سياسات "الرياس" والقيادات والمرشدين وتخويف المتحفظين والمعارضين والمعتدلين و"الاعداء"، هي من السنن الناصرية والبعثية والخمينية ومن مناهج التيارات الشعبوية والاهلية المتسلطة الراسخة. ولعل هذا في جملة ما حمل قيادات الانظمة والتيارات والجماعات القومية والمذهبية على التلويح بتأييد الحركتين المدنيتين التونسية والمصرية، بعد تأويلهما تأويلاً شعبوياً "مناهضاً للامبريالية" وإسلاموياً، ضمناً او علناً. ويخلط هذا التأويل خلطاً متعمداً بين المنازع الشعبية الوطنية والمدنية، وهذه المنازع تقر بكثرة الجماعات وتفرق مصالحها وبرامجها في اطار الشعب الواحد والدولة الدستورية الواحدة، وبين تجييش الجماعات الهامشية والرثة "المؤطرة" وإخضاع الشعب (وجماعاته الكثيرة) بواسطتها وبإرهابها، على ما يُرى هنا وهناك منذ عقود.
وتصدي المتظاهرين المعتصمين للمشادات والاشتباكات الداخلية بين المتظاهرين أو بعض كتلهم وأفرادهم، بالهتاف "سلمية! سلمية!" كناية عن التزام الحركة فض المنازعات من طريق الاحتكام إلى المحاورة والاحتجاج بالكلام والمنطق، يترتب على مدنيتها وشبابيتها وعموميتها الشعبية. وهو علامة على مجافاتها المنازع التسلطية والحزبية والثأرية الاعتقادية والاجتماعية. فالحركة ليست جبهة مختلطة تحشر في كتلة موحدة المتظلمين والمهمشين وسواقط الجماعات والطبقات المتفرقة، وتعول على إذابتهم ومحو خصائصهم واحتياجاتتهم المتباينة والمتنازعة، وتنصيب سلطان يجسدهم على هذه الحال من الذوبان والانكار والانتشاء. والمثال هذا سبق ان نصبته الناصرية والبعث والخمينية والمنظمات القومية والاهلية المسلحة فخاً سطت بواسطته على الجماهير المنقادة إلى دعاوى هذه الحركات وتلويحاتها.
والدعاوى والتلويحات هذه ليست سراباً كلها. فعلى خلاف الحركة المصرية المدنية والديموقراطية، وعلى الضد من تواضعها وقصرها موضوعاتها على المسائل الداخلية وعلاقات المصريين بعضهم ببعض ومحكوميهم بحكامهم قدمت الحركات الدينية والقومية القضايا "العظيمة" والصراعات الاقليمية والدولية ومعضلات الهويات والمصائر التاريخية على المشاغل والمشكلات الركنية مثل موقع الدولة من المجتمع، وتنازع كتل المصالح المتفرقة، والتمثيل على منازعاتها في هيئات، والتحكيم في الخلافات والمنازعات، وتقييد السلطات ومراقبتها من غير شلها، وتنمية الموارد وسياساتها، وغيرها. وناطت حل المشاغل والمشكلات هذه بمكانة الدولة من "صراع الامم". وفي نهاية المطاف عَجِب جمال عبد الناصر من استعصاء تسيير مستشفى القصر العيني على المنتصرين بيسر، على زعمه، في معركة السويس. فالتعبئة تحت لواء قومي أو ديني عصبي، واختصار الامة او الشعب في قيادة و"بطل"، والدعوة إلى الانصهار والذوبان في مقاومة "الموت"، على قول شكيب أرسلان وخميني وخلفائه في الدول الغربية، هذه جميعاً تنفي السياسة من داخل الكيان الوطني، أو الامة، وترفعها نصباً ووثناً يسحقان الشعب وجماعاته. والحركة المصرية بعد الحركة التونسية قامت على النصب والوثن هذين، وسعت في تحطيمهما لعل ينهض على انقاضهما "دين" الانسانية الراشدة.

ليست هناك تعليقات: