الجمعة، 28 أغسطس 2009

الدعوة القومية - الاسلامية الى الإجماع على «المقاومة» تنزع عن الدولة الوطنية صفتها السياسية والدستورية


الحياة- 27 /8/ 2009

تنيط «حماس» علاقتها بالسلطة الفلسطينية، والخطوات والاجراءات الآيلة الى توحيد شطري الكيان الوطني الفلسطيني الممزق وهيئاته، تالياً، بمسألة أولى تتصدر المسائل الأخرى هي اطلاق معتقلي الحركة الاسلامية «السياسيين» في سجون سلطة رام الله، على قول الحركة. ومع كل مسألة - من حوار المنظتمين الكبيرتين، «حماس» و «فتح» غداة كارثة غزة، الى الاعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية في أوائل 2010، وبين الحوار والإعداد انعقاد مؤتمر «فتح» السادس وتجديد اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية - اشترطت الحركة الاسلامية الحاكمة في غزة على حكومة السلطة في الضفة الغربية، وعلى «فتح» من ورائها، «تحرير» أسراها من الأسر. وهي تحصيهم بـ 700 أسير، وتجمعهم الى أسرى السجون الاسرائيلية ومعتقلي هذه السجون، وفيهم أسرى «فتح» والمنظمات الحليفة أو القريبة. وكان حؤول «حماس» بين مندوبي «فتح» الى المؤتمر العام السادس وبين السفر الى بيت لحم، وتعطيل اقتراع المندوبين في انتخابات المؤتمر الختامية من طريق الهواتف النقالة، اجراء أرادته المنظمة الاسلامية رادعاً في حق «فتح» والسلطة، واقتصاصاً سياسياً من احتفاظ الاثنتين، وهما واحد في نظر الحركة، بمناضليها أو ناشطيها في الأسر السياسي.
وترد السلطة غالباً على هذا رداً مرتبكاً. فتنفي عن المعتقلين أو الموقوفين الصفة السياسية والوطنية. وتنسب اليهم، على ترد وتلعثم، أعمالاً جرمية عادية، أو تسوغ اعتقالهم بضبطهم وهم يخططون لاغتيالات على شاكلة خطة اغتيال محمود عباس في كمين نصب غير بعيد من المقاطعة، عشية سلخ «حماس» غزة عن السلطة وانفرادها بحكم القطاع. ونفت المنظمة المتهمة التهمة، ولا تزال على نفيها. ولا يتستر النفي على مطالبة «حماس» لناشطيها ومقاتليها في الضفة الغربية، بصفة سياسية تحملهم على «المقاومة»، قاتلوا ادارات السلطة و «فتح» أم قاتلوا القوات الاسرائيلية المرابطة، منذ 2002 وعملية «السور الواقي» إما داخل المدن والبلدات التي كانت القوات أخلتها أو على حدود المدن والبلدات هذه.
ومطالبة «حماس» لناشطيها ومقاتليها، في الضفة الغربية وفي غزة وبإزاء الاحتلال الاسرائيلي والسلطة الوطنية (أو «الاحتلال» الوطني)، على حد سواء، بصفة سياسية تعمهم كلهم، وتعم أعمالهم، هذه المطالبة تترتب على أصل وركن سياسيين جوهريين. فقول «حماس» أن معتقليها في الضفة الغربية هم معتقلون سياسيون يطعن في السلطة الوطنية، وينكر على الرئاسة والحكومة الفلسطينتين برام الله تذرعهما بصلاحياتهما الحكومية (السلطة) وغير الفصائلية (الوطنية) الى تعقب واعتقال من تعتقلهم، ثم الى مقاضاتهم ومعاقبتهم وانفاذ الأحكام فيهم. وتنزع «حماس» عن السلطة سندها القانوني والسياسي، وتحيلها الى أداة متعسفة بيد فصيل «فتح». وتجعل من الاعتقالات رداً ثأرياً أو «أهلياً» على سلطة «حماس» المنتخبة، والفائزة بالأغلبية والحاكمة باسمها. وعلى هذا، فإثبات صفة الحمساويين السياسية ينزع عن معتقِليهم وسجانيهم الصفة هذه، وينسبهم الى فصيل أهلي يناهض المنظمة الاسلامية ومجاهديها وجهادها.
وتصيب التهمة من «فتح» وجمهورها، ومن السلطة وأجهزتها الادارية والأمنية ومواطنيها، جرحاً لم يلتئم، وتثير شجوناً ملحة. والبرهان على أثر التهمة بعض مناقشات مؤتمر بيت لحم، وتصدي شطر غير قليل من المؤتمرين لتعريف «فتح» أو تجديد تعريفها بـ «حركة تحرير». ويجيز التعريف المتجدد والمستأنف هذا، على ما كرر بعض وجوه المؤتمرين على الشاشات التلفزيونية، بعث «المقاومة المسلحة» شكلاً مشروعاً من «أشكال المقاومة كلها». والذين خلصوا الى النتيجة هذه حمّلوا السياسة الاسرائيلية ومراوغتها وتعنتها، تبعة النتيجة والاضطرار اليها. وذكر بعض آخر، من طرف خفي، بإسهام «فتح» في «المقاومة المسلحة» ومنظماتها الكثيرة، وإعالتها بعض هذه المنظمات والأجنحة. ووسع زكريا الزبيدي، أحد المطلوبين البارزين وأحد وجوه جيل «فتح» الجديد، القول أمام العدسات أنه «مشروع شهادة» قبل أن يكون قيادياً شاباً تعول عليه «فتح» في مداواة الأفول والهرم والقعود. وأخيراً، انتخب المؤتمرون الى اللجنة المركزية بأصوات فاق عددها عدد الأصوات التي حازها الأعضاء الـ 17 الآخرون، المسؤول التنظيمي، أبو ماهر غنيم. وعميد اللجنة المركزية الجديد هو من معارضي اتفاق أوسلو، ركن السلطة الوطنية والذاتية الفلسطينية. وأخرج المؤتمرون من اللجنة المركزية العتيدة مفاوض اتفاق أوسلو الأول، أحمد قريع. وحُمل التنديد هذا على الفساد وليس على السياسة.
وهذه قرائن على ترجح لم تبرأ منه «فتح»، شأن جماعات عربية سياسية كثيرة، بين «الثورة» و «الدولة» على ما كانت خطابة الستينات تقول. وتترجمه خطابة اليوم ترجحاً بين «المقاومة» وبين «أميركا» أو الاستسلام. ويقود هذا «فتح» وحلفاءها في السلطة والحكومة الى التستر على السياسة التي تنتهجها في الضفة، ويضطلع بها سلام فياض (غير الفتحاوي)، غيرَ مقتصر على التنفيذ أو التقنية الادارية. ويتولى فياض في المناطق التي ينازع الاسرائيليين عليها، ويسهر هؤلاء على أمنهم فيها، توفير شروط حياة يومية ومدنية بمنأى جزئي من سيطرة المسلحين، ومن زج الشارع والأهالي في منازعاتهم ومناسباتهم واحتياجاتهم «الأمنية». واقتضى هذا من خبير البنك الدولي السابق حماية أجهزة الادارة المدنية والبلدية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية - والقضاء ليس ادارة - من تسلط «جماعات الأمن» على ما يسميهم الفلسطينيون. وحمل أجهزة الأمن على تولي أمن المواطنين والناس وليس الاقتصار على أمن قادة الأجهزة و «كوادر» المنظمات السياسية والمسلحة من طريق استدراج المنظمات المعادية الى القتال أو الاقتتال.
واضطر نهج فياض «فتح» وقياداتها وضباطها وموظفيها وجمهورها الى بعض الاعتدال وبعض الانضباط. وقبول الفتحاويين (بعض) الاعتدال والانضباط جزء من دفاع «فتح» عن نفسها ودوامها. وعاد هذا النهج على السلطة الوطنية بتأييد «شعبي» معتدل كذلك ومتواضع. وهو يحظى بتأييد أميركي وأوروبي حار، وببعض الرعاية الاسرائيلية. فإلى مصلحة الأطراف الثلاثة في امتلاك محمود عباس، و «فتح» محمود عباس وحلفائه، قواماً غير متهاو بإزاء بنيان «حماس» الأهلي المرصوص، ينفذ سلام فياض، فعلاً ومن غير دلالة إعلامية صاخبة، بعض بنود «خريطة الطريق» الأولى. وحين يدعو فياض الى اعلان دولة فلســـطينية من طرف واحد، في 2011، فإنما يربط الانجاز الوطني والأمني بانجاز سياسي مرجو يسوغه الشــــق الأول.
ويتصدر بنود «الخريطة» على ما معروف، بند محاربة الارهاب. وحمل البند هذا على الجد يدعو رئيس الحكومة، ومن ورائه رئيس السلطة وقادة الأجنحة والبيروقراطية الأمنية و «الأعيان» والتجار وبعض الجمهور، الى تعقب ناشطي «حماس» وحلفائها وأقنعتها.
ومئات المعتقلين والموقوفين الحمساويين في الضفة الغربية هم فعلاً مقاتلو «حماس» وناشطوها ومفتوها وخطباؤها ودعاتها وأطر جمعياتها ومدارسها، أي عدتها العسكرية والسياسية والاجتماعية. وهم في خدمة سياسة «حماس» وخطها الجهادي الأهلي، ونقضها على خط السلطة الفلسطينية المفترض، والمترتب على قبولها (المترجح) «خريطة الطريق». ولا ريب في أن فوز «حماس» الانتخابي في 2006، على رغم جزئيته ودَيْنه الى تصدع جسم «فتح» ومنازعاتها فوق دينه الى التأييد السياسي، توج بنيان «حماس» الأهلي العسكري والأمني، واسبغ عليه مشروعية «الدولة» الى مشروعية «الحركة». ولا ريب، من وجه آخر، في أن النصر الانتخابي أرسى الانقسام الفلسطيني على بنية تحتية أهلية جرّت الخلافات كلها الى الأسر الأهلي، وحالت بين المتنازعين وبين الاحتكام الى مرجع سياسي ووطني مشترك.
ويبلور الانقسام الفلسطيني القائم والمزمن، على النحو الذي أتمته «حماس» في 2006-2007 ثم في الحرب التي استدرجتها على غزة في 2008-2009، نهجاً عربياً - اسلامياً «شرق أوسطياً» توالت المنظمات الفلسطينية ثم السياسة السورية فالسياسة الايرانية - السورية، على حضانته ورعايته. وكان لبنان واللبنانيون، بعد الاردن، مختبر هذا النهج، ولا يزال (ولا يزالون). وركنه الأول فصل الدولة الوطنية، شعباً وجماعات وهيئات تمثيلية وأجساماً ادارية وعسكرية وأمنية، عن مصادر مشروعيتها، وشق المصادر هذه، وأولها «الشعب»، عن الدولة ومعارضتها به. و «الشعب» هذا ليس الشعب السياسي، المتفرق أحزاباً وآراء ومصالح وبلاداً وأحلافاً تجتمع على تحكيم شرعة مشتركة في خلافاتها، بل جزء «الأمة» الاسطوري والثابت على توكيله قيادة الأمة سوسه وأمره الى قيام الساعة («الأبد» الأسدي و «الإلهي» الخميني الحرسي).
ويترتب على الفصل والشقاق هذين تكفير الدولة الوطنية، ونسبتها الى «جاهلية» قومية أو دينية، علمانية ودولية عربية. ويستقيم الفصل والشقاق من طريق تخندق حزب أهلي، مذهبي ومحلي و «عامي» جماهيري ومنظم (على معنى التأطير والسوق)، خندقاً واحداً ومتصلاً. و «حزب الله» في لبنان هو مثال الخندق الأهلي القريب من الكمال الذي يقسم الدولة الوطنية خنادق، ويقصر الدولة على خندق منها يستوي والخنادق الأخرى في العموم السياسي، أو يقل عنها. ويقوم الخندق الأهلي نقيض الدولة، ويحتمي بها، وبحقوق انسانها، من تبعات سياسته على الأمن والحريات والاقتصاد. وتنحو «حماس» هذا النحو، ويؤخرها ربما ضعف مواردها الأهلية، وافتقار الفلسطينيين الى التراث التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي يتوافر اللبنانيين، ويفرقهم شيعاً وأهواء وينفخ في عزائمهم المبددة معاً.
ونوع الإجماع على «المقاومة» الذي تدعو إليه «حماس» و «حزب الله»، وعلى «دولهما» الراعية، إجماع على النمط الأسدي والنجادي الحرسي، لا يتوافر في الأحزاب السياسية، ولا في المجتمعات أو البلدان التي لا تحكمها عصبيات أهلية متسترة بأقنعة الدولة والهيئات والدساتير وتمييز السلطات بعضها من بعض. وعلى شاكلة «حماس» و «حزب الله» و «الجهاد» («وقواعده») و «جيش المهدي» و «جندالله» و «عصائب الحق»، يقتضي دوام المنظمات - الكيانات هذه، ووحدتها المرصوصة و «أمنها»، تعبئة متصلة لا تسوغها غير حال الحرب، الحقيقية أو المحتملة. والدولة أو السلطة التي لا تمتثل لحال الحرب هذه، ولا تسوس بلدانها وجماعاتها بسياسة الطوارئ والاحكام العرفية، تقوم بوجهها خنادق أهلية هي أشبه بـ «المناطق المحررة»، التي ترعاها حركات التمرد والثورات المسلحة في أميركا الجنوبية أو في افريقيا وآسيا الوسطى، سابقاً واليوم. وانفصال «حماس» بغزة، وتمردها على السلطة الوطنية، خاتمة متماسكة مع السياق الذي ولدت «حماس» منه. ورفضها الإقرار للسلطة برام الله، ولاجراءاتها، بصفة سياسية ودستورية، ينجم عن رفض الاقرار بسلطة تعلو سلطة الحرب الأهلية وغلبة فريق أهلي على فريق آخر وسحقه.
وانتشار عدوى الخنادق اللبنانية، من الخندق الخميني الشيعي الى طيف الخندق العوني المسيحي فالخندق الجنبلاطي الدرزي (وهذا يدعو السنّة الى ألا يكونوا «طائفة» ساعة إعلانه «خصوصية» جماعته)، سلاح ماضٍ في وجه تسلل المنازعة السياسية الى العصبية الأهلية. وعلى هذا، سوغ أحد الوزراء الدروز «الشباب» «خطة» صاحبه «السياسية»، على ما سماها (صحف 23 آب/اغسطس المحلية) بالقول: «أعتقد بعض المنظرين أنه ربما أصبح التقديمون الاشتراكيون (أي الدروز - الكاتب) يؤيدونهم ولا يؤيدون وليد جنبلاط. أعتقد بعض المنظرين أن أنصار وليد جنبلاط وجمهوره قد انفكوا عنه وبالتالي هذه وسيلة من وسائل الضغط للتأثير في موقف وليد جنبلاط». فما يرفض «نصير» وليد جنبلاط احتماله في «الجمهور» الجنبلاطي ترفضه العصبيات الأهلية الحاكمة في جماعاتها و «دولها» ومناطقها. فإذا لم يسعها الاستيلاء على الدولة، ولا الانفصال بجزء من الاقليم، استدخلت الدولة بـ «المقاومة» والحرب والعروبة والتحرير والمراوغة والوسطاء

الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

سيرة الواحد الفرد في مهبّ حوادث الاجتماع والتاريخ «العربيّين» المعاصرين


المستقبل - الاحد 23 آب 2009 2


قبل ثلاثين عاماً، توفي، ببغداد، محمد شرارة، أو محمد الشيخ علي شرارة، أبو ابراهيم، عمي، عن 74 عاماً. وقبل ثلاثين عاماً، حين وفاته ببغداد العراق، بلده الثاني أو الأول أو الأول الثاني معاً، على هوى الأوقات والأحوال، بدت الكتابة في رجل ليس غير عم الكاتب، تطفّلاً على القارئ وتجاوزاُ. فللقارئ مشاغل ليس فيها قرابات الكاتب المتطفل، من بقي منها ومن رحل ومن يزمع رحيلاً ووداعاً. ولكن أبا ابراهيم محمد ابن الشيخ علي شأنه ليس شأن والدة المتنبي و«أبيها الضخم». وليست قرابته ذريعة الكتابة والتأريخ. فسيرته - «محمد شرارة/ من الإيمان الى حرية الفكر» بقلم بلقيس شرارة، عن دار المدى (دمشق وبيروت وبغداد)، 2009 تتناول «مفترق الأشياء الفريد»، على قول أنطونان آرتو في المرء الفرد، الذي كانه (المفترق) وكانها (الأشياء والوقائع والناس). وهي تتعقب خطو رجل، أو امرءٍ، جِبِلّتُه الناس جميعاً»، على قول جان بول سارتر في نفسه، وعلى ما كان المترجَم وصاحب السيرة أحب ان يقال فيه، وأن يصدق القول فيه، وأظنه صادقاً.[ الحال الجمهوريةوالمفترق الفريد هذا، والجبلة، شطر منهما أعرفه من قرب، وعن كثب، على ما تزعم بعض طرق القول وأماشيها على زعمها. ولا يقتصر الأمر على المعرفة. فهو يتعداها الى الاشتراك في الصنع، وفي الكون. فبعض «الأشياء» التي كان عمي مفترقها، أو اجتمعت عنده، وكانت سيرته وحوادثه وليدة اجتماعها وانعقادها عليه، هي «أشياء» تحدرت الى الكاتب، أنا ابن اخيه الشقيق على مضض شديد (شأن «الأنساب» المشكلة وبقيتها في دوامة حياة المدن وأهوائها؟). ولم يقتصر تحدرها عليّ، بديهة. وإلا دخلت فيما يدخل فيه ما لا يهم غيري، وحق فيها القول انها غير مهمة، ولا تدعو الى الهم على الملأ ورؤوس الأشهاد، وإلى الكتابة والمداولة. فهي جزء من عوامل في مصائر عامة ومشتركة. وهي بعض وقائع ماض يمضي شطر منه خفيفاً وبديداً، وشطرٌ أو بعضٌ آخر لا يمضي على قول مؤرخ فرنسي في الحقبة «الألمانية» من تاريخ مواطنيه. وهذا شأن المواضي التي يعصى تعقلُها وتدبرها وفهمها «اصحابها». فحكمها التكرار والبقاء او الإزمان فكرة في الذهن والصدر تلح وتعود على بدء. ومن تلح عليهم الفكرة المزمنة واللعينة يعيدون على انفسهم رواية الحوادث، بدايتها وسياقتها، على نحو يخلصهم من تبعات فعل فعلوه وأتوه، أو يزيح عنهم تبعات إمساك عن فعل أحجموا عنه، ثم يعودون الى الإقرار المعذب بالفعل أو الإمساك، ويرجعون عن الإقرار به، لا إلى غاية أو قرار (وليس هذا وصفاً لحال مقدَّم مذهبي لبناني ومن مقدمي حروب الأهل والمقدمين، تنتابه تصورات «تاريخه» نوبات موجعة يشفى منها ثم تراجعه).والتعقل والتدبر والفهم، وإيقاعها على الوقائع التاريخية، ليس، على وجه الدقة، من هواجسنا وشواغلنا الجماعية أو الفردية، وليست مما يقض مضاجعنا. ونحن، إذا جاز الإطلاق، قلما نحمل أفعالنا على أفعال، أي على اجتهاد رأي وعلى حكم تلزم مترتباته وذيوله صاحبه، على نحو ما يلزمه اعتقاده مسوغات الرأي ومقدماته. فالأفعال صدرت عن «الكبراء» أم عن «العامة» والجمهور، هي أعمال أوجبتها معتقدات، على ما يحسب «المثالي»، أودعت إليها ضرورات لا فكاك منها، على ما يحسب «المادي». ولعل من الأمور الثمينة في سيرة المترجَم، ابي ابراهيم محمد بن الشيخ علي شرارة، تواتر الأفعال والاجتهادات في وقائع حياته، وتوليه أفعاله واجتهاداته هذه، وتحمله التبعة عنها، وكتابته في أحيان كثيرة رأيه فيما حصل، وفيما قر قراره عليه. وهو في معظم احواله كان امرءاً سائراً، أو من الجمهور، «في الناس لا شرط ولا أنصار»، على قول محمد مهدي الجواهري مجايله وصاحبه وربما صديقه في بعض الأوقات. وجمع، الى حاله الجمهورية والعامة، التعقيب كتابةً، والتعليل والتسويغ والوصف. فهو شاهد مدوِّن على خروج المرء العامي، العربي لساناً وثقافة وانتساباً أو نسباً سياسياً وبلاداً، من الأجسام الجمعية ومبانيها القديمة والمولَّدة الى مبانٍ مولَّدة أخرى تلتمس، على تراجع واضطراب شديدين، طرقها ومنطقها وعملها في حقول أنقاض غامضة المعالم، على أضعف القول.فالفتى المولود ببنت جبيل في عائلة يتوارث بعض أسرها طلب العلم (الديني) الإمامي، إما في مدارس جبل عامل، أو في النجف أو في بعض مدن ايران، بينما تشترك أسرها الأخرى، والغالبة عدداً، في أبواب المعاش المعروفة مثل التجارة والزراعة والحرف والكد، لحق بالنجف غداة الحرب العالمية الأولى، طالباً. وكان يومها في الخامسة عشرة. وشهد في موطنه الأول، يوم لم يكن الموطن لبنانياً بعد، بعض وقائع السلطنة العثمانية في نزعها الأخير وحربها العظيمة. ومن الوقائع هذه التجنيد، والفرار منه والتخفي، والقحط والجوع وغلاء الأسعار. وحين نزل الفتى العاشق (على الملأ)، والمنازعُ والدَه على عشقه وحقه فيه، العراق، كانت ذيول ثورة العشرين، ومقاومة عشائر الفرات إصعاد القوات البريطانية من ميناء البصرة وشط العرب الى بغداد، أصداءً في الأخبار والروايات. ونصبت الدوائر البريطانية فيصل بن الحسين، شريف مكة السابق، ملكاً مفترضاً جامعاً على بلاد رافدين لا تحصى منازع أقوامها وأنسابهم ومذاهبهم وخلافاتهم ومصالحهم وأحلافهم، على قول العامل الأموي الثقفي القاسي «فيهم» قبل 13 قرناً (يومها).[ رسومُ العامةودرس الفتى المهاجر الى البلدة العراقية «علوم الدين» طوال 15 عاماً توجتها إجازة الاجتهاد. وفي الأثناء، في 1930، عاد الى لبنان الجنوبي، وبنى بإحدى بنات آل الزين. وعاد عريساً، في الخامسة والعشرين، الى المدينة الترابية والكالحة. وفي منتصف العشرينات منح الجنسية العراقية مع «مهاجرين» آخرين مثله، فيهم وأولهم فيصل بن الحسين، الحجازي مولداً وإقامة. وحين بلغ درجة الاجتهاد في الفقه، وتخوله إجازته هذه الانتصاب الى إمامة اهل قرية أو بلدة أهلها شيعة إماميون وجعفريون مثله، ترك العمامة وعلمها، وما تجيز له من «حق» في «الحقوق» التي يؤديها المأمومون الى شيخهم. وكانت ذريعة الترك ضعف أود المأمومين وعسرهم، وهم اهل ضيعة قريبة من بلدة المعمم الشاب. وتبطن الذريعة دواعي كثيرة أخرى مثل رغبة «العالم» في مباشرة حياة شخصية وعائلية ومهنية وعامة بعيدة من رسوم «العلماء» السائرة والمعروفة. فهو أديب فوق ما هو فقيه. وهو زوج ووالد وصديق وقريب وصاحب فوق ما هو مفت ومدرس. وبدت له دواعي الاختلاط بالمتعلمين الموظفين، وهم معظم «الفئات المتوسطة» في مجتمعات الدول الناشئة غداة الحرب الأولى، ومشاطرتهم اختيار وجوه العيش المحدثة والطارئة في السكن واللباس والمخالطة والمصاهرة والمحادثة وتربية الأولاد والاضطلاع بدور عام بدت له الدواعي هذه أقوى من دواعي التزام سمت «العالم» المعروف والموروث والثابت.فخرج من سلك المعممين الفقهاء والمدرسين «العلماء» الى خليط لا يضبطه سلك. فزاول تعليم العربية وآدابها في مدارس وزارة المعارف العراقية. وتنقل بين مدن العراق، جنوب بغداد وشمالها وببغداد نفسها. وكتب في صحف محلية. ومال الى رأي «الإصلاحيين» و «النهضويين» و «التطوريين» و «التقدميين». وهو رأي عام، على معنى العمومية غير المقيدة بفروق تولت منازعاتٌ ومناقشات علنية وطويلة بلورتَها في أعمال ومذاهب. واشتركت في الرأي العام هذا، في صوغه وفي بثه وتلقيه بالقبول، جماعات مختلفة المصادر الأهلية والمرتبية والاجتماعية والبلدانية، وعلى استواء ثقافي بلغ حد التجانس. والقول ان المعمم العاملي النجفي، شأن بعض أقرانه القلائل، خرج على الهيئة الدينية الفقهية والعلمية وقام أو ثار، مبالغة تاريخية واجتماعية (على معنى الاجتماعيات). فلم يتبع تركَ العمامةِ والانتصابِ للفتوى والتحكيم في معاملات «رعية» ريفية وعباداتها، لا نقد للعقائد، ولا شقاق على أركان الاجتماع «القديم» ولا مفاصلة مع اهل هذا الاجتماع. ولم يكن حتى طلاق بالحسنى بل انصراف كل في سبيله وكأن عقداً لم يعقد بين المتعاقدين السابقين. وإذا كان ترك بعض المعممين الإماميين الشبان العامة في العقد الرابع من القرن الماضي عَرَضاَ من أعراض أحوال التدين الجديدة، ومرآة انعطاف دنيوي ومدني، فالأرجح ان تفوقه دلالة وخطراً أعراضٌ أخرى مثل تخلي طلبة محتملين من أبناء أسر «علماء» معممين عريقة وراسخة، عن طلب «العلم». وهذا ظاهر في بيان أعداد طلبة النجف، وضمور هذه الأعداد في منتصف العقد السادس، على ما أرخ حنا بطاطو على عجل. وعاصرت الظاهرة هذه ترك نساء المدن المسلمات، الحجاب، ثم غطاء الرأس، ولبسهن تدريجاً لباساً «يصف» اجسادهن، على قول الرسول في ثوب ماريا القبطية. ولا ريب في ان ارتياد المدارس، ثم العمل بموجب كفاءة مدرسية، الى اتساع الإدارات، وتعاظم مرافق السوق والهجرة من الأرياف واكتظاظ المدن واختلاط أهلها، تظاهرات انقلاب العلاقات الاجتماعية انقلاباً حاداً لا يأتلف معنى واحد من سيروراته المتفاوتة.ولم ينته الأمر بالنجفي السابق، ومدرس اللغة العربية وآدابها، والكاتب الصحافي المتأدب، الى الانخراط في الحياة السياسية الحزبية، «نصيراً للسلم» شيوعياً و «ديموقراطياً شعبياً»، إلا في أعقاب عقدين من الزمن (عند انتصاف الخمسينات). وفي الأثناء، استضاف المدرس والأديب في بيته ببغداد، حلقة من الشعراء الشبان، نساء ورجالاً، في سن طلابه أو فوق هذه السن بقليل، كانوا في اوائل من طووا الشعر العربي التقليدي، بناء وعروضاً وموضوعات وتعريفاً لمحل القول الشعري من المقالات «الأدبية». وفي المسألة الأدبية هذه، شأن المسألة «الدينية» من قبل، غلبت الرسوم الاجتماعية والثقافية، مثل علاقة الأجيال بعضها ببعض والاختلاط بين الجنسين واتصال عمل النشر والطباعة بدوائر التعارف وحلقاته وهي في طور لم «يؤلّف» جمهوراً من القراء والمتذوقين بعد. فمضيف الحلقة التي عدت فيمن عدت بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند حيدري وعبد الوهاب البياتي وآخرين، لم يشارك المتحلقين «عملهم» الشعري، إذا جازت الكلمة في المعرض هذا. ولم تربطه بهم أواصر الكتابة، أو «الإنتاج» على ما قيل من بعد، ولا التسويغ الثقافي والنظري. وهو بقي في ما كتب ونظم - فهو استمر ناظماً على بحر وقافية، وعلى مديح الراوي في القافية - بقي على منهاجه «النجفي» المعتدل.[ التقطع والعودة والهجرةوالاعتدال الديني والأدبي والاجتماعي والتربوي والسياسي، وميزانه على ما مر رأي إصلاحي ونهضوي وتطوري وتقدمي، لم يحفظ المترجَم من نوائب العصر حين عصفت عواصفه، واحتدمت منازعاته. فاعتقله الأمن الهاشمي السعيدي (نسبة الى رجل العراق القوي نوري السعيد) عاماً من غير تهمة غير الرأي. وطرده من عمله. ولاحق بعض أولاده. وتنازعه انقسام الحزب الشيوعي العراقي فريقين يبدع واحدهما الآخر، ويحكم فيه بالردة، ويؤلب الأولاد على الآباء. فاضطر المدرس الكاتب، ومضيف الأصدقاء والصحب، والحزبي اخيراً، الى ترك وطنه العراقي وفيه أسرته وأقرانه وأصحابه، وهو كان قضى فيه 35 عاماً، الى بيروت. ومذذاك توالت فصول التنقل والتقطع والعودة والهجرة طوال العقدين المريرين من تاريخ العراق المعاصر. فبعد أعوام من العمل المرهق في تعليم مدرسي «جماهيري» ببيروت، سافر المنفي الى عراقه وإلى دوامة منازعات البلد المذهبية والقومية والحزبية المسلحة والعنيفة.وانقلب طلب الحرية والاستقلال عن يد ضباط الجيش التقدميين والناصريين والبعثيين القلائل، بذريعة اشتداد وطأة القمع السعيدية (وهي اشتدت فعلاً وحقيقة)، كابوساً ثقيلاً من الاقتتال والانفجارات والاغتيالات والعداوات المتأججة والانقلابات المتربصة. ولم يسلم المعلّق الصحافي السياسي من عداوة جيرانه الناصريين ونقمتهم. فرماه بعض أولادهم بالحجارة. وأعاده «العهد» التقدمي، القاسمي، الى السجن. وفصله من عمله. ودب الانقسام في الحزب الشيوعي العراقي. وكثرت الاغتيالات من غير ان يتضح من يأمر بها، أهو جهاز محترف أنشأه رأس الحكم العسكري أم جماعات منشقة يورط بعضها بعضاً، وينتقم بعضها من بعض. فاستجاب الكاتب الخارج من السجن لتوه، والذي حاول حزبه توريطه في توقيع مقالات تعلن الشقاق على عبدالكريم قاسم، نصيحةً بمغادرة العراق. فسافر الى الصين مدرساً ومترجماً ورقيباً، ومراقَباً، حين شب الخلاف الصيني السوفياتي. وعرت الصين الماوية حمى ظهرت نذرها في 1961 1962 وأوردتها مورد الثورة الثقافية، أي الحرب الأهلية والاجتماعية الحزبية التي لم تخرج منها فعلاً إلا في 1978. وشهد المنفي منجزات «الماركسية اللينينية، الستالينية والماوية، تزمتاً وصرامة بدا التزمت والصرامة النجفيان، قياساً عليهما، يسراً وأنساً. وهالته القسوة السارية في ثنايا علاقات الناس بعضهم ببعض، وفي جنباتها، ومن القرائن عليها دوام حراثة الأرض على ظهور البشر وأكتافهم ورقابهم. فأنكر ما رأى وما خمّن. واستعجل السفر، مرة أخرى.وكانت المحطة القريبة والمتاحة هي موسكو، حيث إحدى بناته. وهي الناشطة الحزبية، والشيوعية منذ فتوتها. ومر بموسكو عائداً الى لبنان، أي بيروت. وفي المقارنة ببكين وجوارها، بدت موسكو واحة مدنية وإلفة وفساد، معاً. ولكن المدينة لم تدعه الى نزولها طويلاً، ولم تستمله. وتعذرت عليه العودة الى العراق الممزق والمتناحر، والخارج من انقلاب الى انقلاب. فرجع الى مقامه البيروتي المضني والكئيب والهامشي. وبقيت أسرته، أو معظمها، ببغداد في مهب حرب أهلية ومذهبية و «عقائدية»، أو إيديولوجية، مرسلة لا تقر باسمها وحالها، ولا مخرج منها، ولا قيد عليها من غير اقتتال جماعاتها اقتتالاً إفناءُ العدو أفقُه الأقرب. وكانت الحملة الأميركية والغربية، «الصدم والترويع»، غداة 40 عاماً، المخرج المتاح. وحين عاد البعثيون، واستولوا على حكم العراق، في 1968، ترك المدرس اللبناني العراقي بيروت الى بغداد، وهي مرة أخرى مسرح ثارات قديمة ومتجددة. وحف موت بعض أقرب الأهل، بالعودة الرابعة أو الخامسة. واضطر الى «عودة» أخرى، في 1974، عشية انفجار لبنان وتصدعه المزمنين، الى بنت جبيل. وأقام بها الى 1977، بمنأى من بيروت. وعاد الى بغداد. وبعثرت الاعتقالات والاغتيالات المقنعة الأقرباء. وأفضى التواء كاحل الى موت عاجل و«هادئ» في المستشفى. وانتقل الميراث العراقي الثقيل الى بعض الذرية. فحمل «الغسق» بقية الرجل الأقرب إليه على اختيار الموت.وعلى هذا، تنقَّل، والأدق القول ترجح (ابو ابراهيم) محمد الشيخ علي شرارة في أثناء ثمانية عقود لم تتم، استهلها أو استهلته مع أوائل القرن العشرين، وطواها أو طوته مع انعطافة القرن «القصير» (1914- 1991 بين بداية الحرب الكبيرة الأولى وبين نهاية الحرب الباردة، على قول أحد مؤرخيه) صوب خاتمته الوشيكة، ترجح بين بلدات ومواطن وعوالم وحوادث (وأصحاب) شديدة التباين. فكان مفترقها الفريد وملتقاها، على ما تقدم القول، وكانت الجبلة التي جبل منها، واستوى صورتها التي لا يشاركه أحد في «نوعها». والفرادة هذه ليست امتيازاً ولا مكانة، على خلاف التلويح الرومنطيقي والجبراني بها. والعودة إليها ليست من هذا الباب. وهي مشكلة ومسألة فوق ما هي مفتاح أو تعليل. فمن تروى سيرته على النحو الذي تقدمت روايتها عليه قد لا يخرج من الرواية إلا بركام مفهرس أو غير مفهرس من أسماء الأعلام والأماكن، ومن الوقائع والحوادث المؤرخة، وثبتٍ بالكتابات والآراء والمشاعر. وبين هذه وتلك يصل اسم علم هو مادة في معجم مواد. وحال الركام والبعثرة والجوار المحض تلازم السيرة، وهي مبنى أول من مبانيها، وحكم ما لا يصدر عن ضرورة، شأن المُحْدَث كله، على قول المتكلمين.ورواية سيرة «كاملة» ومفصلة، خاصة وعامة، جواباً عن سؤال: من (يكون) فلان؟ هذه الرواية، والاضطرار إليها ليستقيم الجواب، هي من أعراض دخول مجتمعاتنا «العربية» فصلاً فردياً وسِيرياً من تاريخها الاجتماعي. فلا يستوفي معاني الفصل هذا الكثيرة والمحتملة انعقاد الرواية على الأبواب أو العوامل المفترضة، الجمعية والمجملة المعروفة، مثل الجماعات الأهلية والبلدان والمهن. وتطرق رأي الواحد، وهو في هذا المعرض المترجَم، وأهوائه ومنازعه الى انتهاج هذه الطريق أو تلك، والمضي عليها أو الميل عنها الى أخرى قريبة أو بعيدة، من القرائن على كثرة العوامل والموارد في السيرة، وتفرقها.

الجمعة، 21 أغسطس 2009

حزام أمان الدور الإيراني الإقليمي الراجح وضمان دوام القيادة «الإسلامية

الحياة- 13 أغسطس 2009

اندلعت حرب صيف 2006، قبل ثلاثة أعوام، بمبادرة من حزب «المقاومة الإسلامية»، الشيعية الخمينية، في لبنان. وكان الإيذان بها مهاجمة قوات الحزب الشيعي المسلح دورية اسرائيلية وراء خط الحدود الدولية، وهذا رسمته لجنة من الأمم المتحدة والجيش اللبناني غداة انسحاب القوات الإسرائيلية المحتلة في عام 2000. وتذرع الجيش الإسرائيلي بابتداء المنظمة الأهلية المسلحة الهجوم، وانتهاك الحدود والهدنة المضطربة، فأراد «سحق» المنظمة المهاجمة في حرب محدودة. وأعدت المنظمة الأهلية المسلحة دفاعاً قوامه 1 - مهاجمة العدو، قوات وأرضاً وسكاناً، داخل حدوده، و2 - التحصن من سلاحه الجوي وقوة نيرانه بالبلدات والسكان، وهؤلاء ارتضوا القيام من المنظمة محل الدرع الواقية، و3 - الزام الحكومة الدستورية التضامن مع القوة الأهلية المهاجمة، واحتسابها قوة وطنية، وتمثيل مصالحها بإزاء المجتمع الدولي على الصفة الجامعة والمشتركة هذه.
وآذنت حرب «حزب الله» واسرائيل بسياسة اقليمية وداخلية (لبنانية) من صنف جديد، خلفت «السلم» الإقليمي الذي رعته السياسة السورية منذ استيلائها على الدولة اللبنانية بعد اتفاق الطائف (1989) الى خروجها العسكري من الأراضي الوطنية، وجلائها عنها. فما رابطت قوات عسكرية سورية على الأراضي اللبنانية، وتولى موظفو دمشق وأنصارها المحليون إدارة الدولة وهيئاتها ومرافقها، كان جلياً أن الأراضي اللبنانية التي تحتلها القوات الإسرائيلية هي مسرح احتياطي وفرعي في الحرب «العربية» - الإسرائيلية الباقية، أي الحرب السورية - الإسرائيلية، المستبعدة منذ 1973 وغير المرغوبة. وعلى هذا، وسع ساسة سورية، ومعهم حلفاؤهم في ايران، خوض حرب منخفضة العنف، ولا يترتب عليها أثر في الميزان العسكري الإقليمي، هي من روافد الدور السوري الأسدي و «القومي» في المساحات الثلاث، ومن عناصر مفاوضة الحكم الأسدي المتطاولة الدول الإقليمية والقوى الدولية على مكانته ودوره.
وأنجزت الدولة العبرية انسحابها على رغم الإنكار والاحتجاج السوريين. وتولى الرئيس القادم، يومها، بشار الأسد، أحد أدواره السياسية التجريبية الأولى. فأنذر الإسرائيليين، إذا هم أصروا على انسحابهم من الأراضي اللبنانية، من غير اتفاق مع الحاكم السوري على «السلام الشامل»، وركنه الجولان، بـ «اضطرابات» لا تحمد الدولة العبرية عقباها، ميدانها الأراضي اللبنانية. ففي الأثناء، في الأعوام 1982 - 2000، رعت السياسة الأسدية المنظمة الأهلية العسكرية الشيعية. وتولى «الحرس الثوري» الإيراني، تحت عباءة المرشد ومن مال خمسه (على قول الشيخ صبحي الطفيلي، أمين عام «حزب الله» الرسمي الأول)، حضانة المنظمة، وتدريبها وتسليحها واصطفاء مراتبها وقياداتها. وعاد ريع الرعاية السياسية والاستخبارية، أو معظمه، الى الذراع السورية، واحتياجاتها المحلية والإقليمية، وأول الاحتياجات هذه حفظ الجولان، وتصدر «القيادة» السورية السياسة العربية في القضية الفلسطينية وفروعها الكثيرة، من لبنان وفيه. والمنظمة الأهلية والعسكرية الشيعية «اللبنانية» مفتاح البنيان هذا. ويدعو الى حمل التهديد السوري على محمل الجد، على ما نصح يومها ايفغيني بريماكوف، وزير الخارجية الروسي، دور الحاكم السوري في بناء المنظمة الأهلية العسكرية، وتحكمه في استعمالها.
فلما أجلى اللبنانيون، والسند الدولي الذي حظوا به، الشطر الظاهر والعسكري من السيطرة السورية، وثنوا بانتخاب مجلس نيابي خسرت السياسية الأسدية كلمتها الفصل فيه، وأقرت الحكومة الطلب الى الأمم المتحدة إنشاء محكمة مختلطة تتولى النظر في جريمة اغتيال رفيق الحريري وجرائم الاغتيال والترويع المتصلة بالجريمة الأم - تهددت الأمور هذه الانجاز السياسي والاستراتيجي السوري، ثم السوري - الإيراني، في لبنان بالتقويض. وركن الانجاز هو استقلال المنظمة الأهلية والعسكرية الشيعية بحكم طائفتها وبلادها، أو مناطقها، «نيابة» عن الدولة الوطنية والمشتركة وعلى رغمها، وانفرادها بإدارة السكان والأرض، أمناً وموارد ومجتمعات وعلاقات خارجية وولاية (أو هوية). وترتب عملياً على الاستقلال والانفراد ازدواج الدولة ومشروعيتها، وتعليق سلطاتها وهيئاتها، ورهن عمل السلطات والهيئات بقوة نقض مسلطة عليها، وتستظهر بأمر واقع متخلف عن تاريخ مديد من الحروب الملبننة في رعاية عروبية، فلسطينية وسورية، ثم ايرانية وارفة.
فكان على القوى الأهلية الشيعية المسلحة، غداة الجلاء السوري العسكري، تولي دوام ازدواج الدولة، وما ينجم عنه من تعليق السلطات والهيئات، وإبطال مفاعيل قراراتها ومفاعيل سياستها الجديدة والمستقلة. وأداة الازدواج ودوامه هي «المقاومة»، الوطنية والفلسطينية والعربية والإسلامية، تباعاً ومعاً. فهي مسوغ تدفق السلاح والمقاتلين والمال والمنظمات والسياسات على «أرض السيبة (السباء)» اللبنانية، ومسوغ «تعميمها» أخيراً. و «المقاومة» هي ركن مقارعة الدولة الانعزالية، «العاطلة» (وليد جنبلاط) والسياسات «الاستكبارية» (شيخ مدينة صور في القوة الفرنسية تحت لواء «يونيفيل»). وهي أداة دمج لبنان المنفصل في رحاب المنطقة العربية، وقضاياها الحيوية والعظيمة التي ينزع لبنان، كيانياً ووجودياً، الى نسيانها، والتلهي بقضايا ثانوية مثل أمن اللبنانيين ومصالحهم وازدهارهم ومنازعاتهم المحلية والطائفية التافهة.
والمآل الذي تؤول اليه «هوية المقاومة»، أو «المقاومة هويةً»، هو إقامة البلد، لبنان أو فلسطين أو سورية (على نحو آخر)، على شفير الحرب الإقليمية، الإسرائيلية - «العربية»، المستدرجة، والحرب الأهلية المرافقة أو السائرة في ركاب الأولى. ومنذ 2006، والطيف الذي يخيم على المشرق العربي، ويجول في أرجائه، هو طيف أو أطياف حرب الاختيار التالية التي قد تلجأ طهران الى استدعائها وتباشرها بالواسطة والإنابة. ولم يحدث هذا سوى مرة (ثانية) واحدة هي حرب غزة في أيام 2000 الأخيرة و2009 الأولى. فالقرائن كلها كانت تدل، من غير لبس، على إعداد الدولة العبرية خطة هجوم كاسح على غزة المستقلة أو المنفصلة، وعلى نواة حكمها، أو التحكم فيها والتسلط عليها، «حماس». ولم تضيع «حماس»، وقيادتها الدمشقية على وجه الخصوص، الفرصة. فامتنعت من تجديد «هدنة» مهلهلة ومزرية، على شاكلة السياسة والإدارة الحمساويتين، ومضت على اطلاق الصواريخ «التكتيكية» على سديروت وعسقلان، وعلى المستوطنات القريبة. وانتظرت المفعول الثابت والمترتب على صواريخها «غير المضرة» و «غير الفعالة»، على ما تقول المنظمة الإسلامية الأصولية في صواريخها، وهو الهجوم الإسرائيلي.
وعدةُ جوابها وردها على العملية الإسرائيلية لا تختلف كثيراً عن عدة المنظمة الخمينية المسلحة في لبنان، وهي إحاطة نفسها بكتلة أهلية مرصوصة تدين للمنظمة بالولاء الأعمى، وتدين لها بمقومات الحياة اليومية، ومرافق المعاش. وفي نهاية المطاف، وهو مطاف من النزوح والبطالة والخوف والفقر ومن تدمير العلاقات والعرى الاجتماعية والسياسية، تمسي المنظمة المسلحة ملجأ هوية الكتلة الأهلية الوحيد. فيسع المنظمة المسلحة، حين بلوغ الأمر هذا المبلغ من العراء والتحلل، أن تفعل ما تشاء في كتلتها الأهلية المرصوصة وبها. فهيمنة المنظمة المسلحة على الكتلة الأهلية، وعلى «مجتمعها» الحربي أو المقاوم، تحبط الحساب السياسي الذي يضبط أعمال العدو الحربية. فجزت الكتلةُ الشيعية، وبعض الحلفاء، «حزب الله» على حربه على اسرائيل، واستدراجه رد هذه المرتجل والبائس، تعصباً له، ومساندة لتهوره في الداخل والخارج، وخشية من اعلان التحفظ عن غلوه في استفزازاته وفي موالاته. وجزت الكتلة الأهلية الغزاوية، وشطر من كتلة الضفة الغربية، قيادة «حماس» على استدراجها المتعمد والمدمر تعصباً وولاء وسكوتاً.
وهذا ما تحرص القيادة الإيرانية على رعايته، وتتولى، في حالي «حزب الله» و «حماس»، تمتينه وتوفير فرص دوامه. فالجبهات «العربية» - الإسرائيلية المضطربة هي حزام أمان السيطرة الخمينية على إيران، وهي ضمان دوامها، ومورد قوة عظيم في مفاوضة القيادة الخمينية الدول الكبيرة على أمنها ودورها. ولا يتكتم الدعاة المذهبيون «الإسلاميون» على الأمر. فيصرح أحدهم (في صحف 27 تموز/ يوليو)، من لبنان: «المسألة لا تتصل بتاتاً بما يسمونه طموحات ايران النووية، بل بمصادرة القضية الفلسطينية، وانهائها، ولا سبيل لهم الى ذلك مع ايران قوية، وممانعة وداعمة للمقاومة وحركات التحرر».
وعشية شن «المقاومة» الخمينية عمليتها في 12 تموز (يوليو) 2006 من لبنان، كانت «ممانعة» ايران النووية تمتحن امتحاناً قاسياً. ويومها، أخفقت مفاوضة علي لاريجاني الدولَ الأوروبية الثلاث على ارجاء عرضها معاقبة الحكومة الإيرانية على مجلس الأمن، واستصدارها القرار الأممي الأول بالعقوبات. وعشية مضي «حماس» على قصف صواريخها، كان «دعم» إيران القوية «المقاومة وحركات التحرر» ينتهك في مفاوضات سورية - إسرائيلية غير مباشرة تتوسط فيها تركيا «الأوروبية» والسنية و «العثمانية». فاقتضى الأمر بعض التصويب، واحراج الدول العربية - الإسلامية التي لم يحرجها الهجوم الإسرائيلي على حدود «شيعية»، وإحراج الوسيط التركي. وفي الأحوال كلها، ليس من العسير على إيران الخمينية، وعلى قوى «الممانعة والمقاومة»، ترجمة مشكلات إيران هذه، الدولية والإقليمية والداخلية الأهلية، في «لغة» فلسطينية وعربية مبينة، لا تشوبها عجمة أو جمجمة من أي صنف.
وتقتضي الترجمة الفورية والسريعة إقامة بلدان «الطوق»، على رغم المعاهدتين المصرية - الإسرائيلية والأردنية - الإسرائيلية، على اضطراب وشقاق داخليين، وعلى خلاف أهلي و «وطني». فهذه، الاضطراب والشقاق والخلاف، تتيح إبطال سياسات دولية واقليمية مهادنة وغير حربية. وهي تستدرج، في منطقة مشرعة على المنافسات والمنازعات والتكتلات المتقلبة، الى المقايضات والصفقات. وتستتبع تعليقَ الدولة، أي نظام السيطرة السياسي والاجتماعي، واضعاف أجهزة التحكيم والقرار والإنفاذ. وأنجزت «المنظمتان» الإسلاميتان» و «المقاومتان» في لبنان وفلسطين هذا التعليق على نحوين متباينين، ولكنهما يقودان الى نتيجة مشتركة، هي امتلاكهما «الحق» في المبادرة الى شن الحرب على اسرائيل، وإلزام الدولة الوطنية (أو ما يقوم مقامها في فلسطين و «أراضيها») و «النظام» العربي التضامن معهما وحمايتهما، والانفراد بالسلطة أو التسلط على الكتلة الأهلية التي ارتصت حولهما.
و «الحق» هذا، وفروعه، يحميه ويرعاه رعايةً قريبة استقرار السياسة الداخلية على شقاق اهلي طرفاه شعب مقاوم، في جهة، ونظيره «حزب أميركي» أو متأمرك ومتصهين في الجهة الأخرى. وإذا سوغت الأحوال الفلسطينية، الجغرافية والسياسية والأهلية، شق السلطة كيانين و «دولتين»، فالأحوال اللبنانية تسوغ شق الدولة سلطات وهيئات وحقوقاً وأجهزة متنازعة ومتكافئة في ميزان المشروعية والتمثيل والعدد. وفي الأثناء، يحتاج الحزب الخميني المسلح و «حلفاء» سورية الأسدية، و «السيدان» الوليان، الى غلاف الدولة اللبنانية، ومواردها الإقليمية والدولية وحصانتها، قيداً على ثمن المغامرات المتهورة. وصيغة الحكومة الوطنية جزء من القيد هذا

الأربعاء، 29 يوليو 2009

ثلاثة أعوام على حرب تستحيل الهزيمة فيها... والنصر حليف لا نفع منه

المستقبل، 26/7/2009
منذ نيف وقرن، أي منذ الحرب الروسية – اليابانية في 1905 على وجه الدقة، وأهل "الشرق"، شرق كيبلينغ الذي تعريفه هو نفسه واستحالة التقائه بصنوه ونقيضه وصادمه، "الغرب"، يصبون الى شيء واحد هو الانتصار العسكري على الصنو والنقيض والصادم أو الصدّام "الحضاري"، المفترض هذا. فيوم انتصرت قوات الامبراطور الياباني الإلهي، وهو إلهي شأن الأباطرة كلهم وشأن ولاتهم وعمالهم وسفرائهم والمتطلعين الى الولاية، على قوات القيصر المقدس، وأغرقت بوارج الأميرال هايهاشيرو توغو ودارعاته وزوارق الطوربيد السريعة سفن الأميرال الروسي زينوفي روديستفينسكي وأسطول البلطيق الذي يقوده في بحر اليابان، بمضيق تسوشيما – هلل أهل الشرق، من طنجة ودكار، غرباً، الى فان فونغ وكام رانه، جنوب بورت – أرثر وفلادينو ستوك، شرقاً.

"الثورة من فوق"
وأسهم أهل الشرق الأوسط، منعقد طرق التجارة والمواصلة والاستيلاء "الإجباري" (بشار الأسد) بين القارات الثلاث القديمة، في مديح إخوانهم الشرقيين المنتصرين على أشباه غربيين وقاصرين عن نصب أوتادهم وخيامهم ورحالهم في قلب الصحن الغربي. فنظموا قصائد وطنية ونهضوية لا تحصى في يقظة بلد مطلع الشمس على الكرة الأرضية. وذهبوا الى ان "العلم"، وهم عزوا إليه النصر المبين، مقسوم بالسوية في أمم الأرض، و "نحن" منها. فلن يحول حائل من دين ومعتقد بين بلوغ العلم، وفنونه وثمراته وآلاته، عقول أمم الشرق الأخرى وسواعدها. وينتصر أميرالات الأمة، شأن أجدادهم، الأروام، في أم الصواري أو في خليج القسطنطينية، على مثال هايهاشيرو توغو، ويلقنون "العالم" درساً لا ينساه.
والحق ان درس تسوشيما وبورت – آرثر كان عسيراً على التلقين، أي على العمل به، والحذو عليه. فالانتصار الياباني كان ثمرة "ثورة من فوق"، على مثال ألماني بروسي انتهت بعض إجراءاته ومناهجه الى الكليات الحربية العثمانية منذ بعض الوقت. وتقتضي "الثورة من فوق" تولي بيروقراطية عسكرية قومية، شديدة المراس والشكيمة والشوكة، تجنيد "الشعب" تحت لوائها، نيابة عن لواء امبراطور سماوي، وخوض حروب التوحيد الداخلي و "التحديث" والإنتاج وإرساء المكانة الإقليمية والدولية المهابة، معاً، على شاكلة حرب واحدة ومتصلة، بعضها مجازي ومعظمها حقيقي. وتفترض "الثورة من فوق"، على المثال الألماني البروسي او على المثال الياباني، وعلى مثال تركي كمالي من بعد، نهوض جزء من أهل القوة والسلطان، أو كتلة مرصوصة ومتغلبة منهم، بالثورة، وحشدهم الكتلة الأعظم من الجمهور في مسارحها وميادينها. ولا يستقيم هذا من غير تحطيم الكتلة المرصوصة والمتغلبة الكتلَ المترددة، والضيقة الأفق والمنكفئة على مصالحها المحدودة والخاصة. والترجمة العملية هي شن حروب أهلية موضعية وجراحية، والاستقواء على القوى "الإقطاعية" والمحلية بمنطق "الدولة" المركزية الذي الذي يتستر به، غالباً، منطق امبراطوري أو سلطاني، فاتح ومستول، والامبراطورية قد تكون حركة أسرية وشعبية معاً، على قول المؤرخين البريطانيين جيب وبووين في السلطنة العثمانية. وهي أسرية على معنى مرتبي، أو طبقي، يضوي أهل "الشرف" والرفعة والأصلاب العالية، وبعضها مصطنع أو منحول ومجلوب في قوم ائتلفوا، قرابة ولغة ومعتقداً وسكناً، من أقوام. وهي شعبية على معنى يشمل القوم كلهم، ويرفعهم بإزاء الأقوام الأخرى من اهل بلاد الفتوح والاستيلاء، ويخصهم بوظائف وعوائد وشارات ليست مقسومة بالسوية في الأقوام كلها أو كلهم.
والاختبار الحربي والعسكري لا غنى للثورات من فوق عنه، وعن نجاحها فيه. فهو سُلَّمها الى دمج قومها أو شعبها في كتلة واحدة ومرصوصة، لحمتها الرمز وقوته وتعاليه عن "حدود" الأفراد، وعن خفتهم في ميزان المصائر الكونية ووقتهم العابر والقصير. وهو مسوغ التضحيات العظيمة التي لا تقوم نهضة، ولا يقوم انبعاث إلا بها وجراءها. ولولا غاليبولي، في 1915 – 1916، وخسارة قوات الحلفاء على الشاطئ التركي الأوروبي، لما وسع مصطفى كمال من بعد استنهاض الترك، وقيادة إبائهم الإذعان للفرمانات البريطانية والفرنسية وحربهم عليها. ولما وسعه استعادة تركيا التركية العثمانية في حرب استقلالية توجتها معاهدة لوزان (1923) ودامت نحو نصف عقد، وكانت "حرب شعب" وطنية من غير حزب أو "طليعة" متسلطة، على خلاف المثال الصيني الماوي وذيوله المدمرة. وعلى الوجه السالب للمثال نفسه، أودت خسارة مصر، في قيادة جمال عبدالناصر، "حرب" حزيران 1967 بحركة التوحيد العربية الوليدة وبقيادتها المصرية. وكان "انتصار" السويس الملتبس، في 1956، باباً على الدمج المصري – السوري، غداة نيف وسنة واحدة على إحرازه. فإذا استحال النصر العسكري على اصحاب "الثورة من فوق" وقادتها، ضعفت دالتهم على الجماعات الأهلية، والكتل الاجتماعية، في الداخل الوطني. وخرج الأقران والأشقاء الإقليميون عليهم، وخسروا حروب التوحيد و "التحديث" والإنتاج والمكانة (والكرامة) جميعاً.
فخرجت من "تحت" العباءة الناصرية العربية، أو من جوارها القريب، حركات أهلية، عامية ووطنية معاً، دعاها قيامها خارج أجهزة الدولة والإدارة – وشطرها الفلسطيني الغالب كان خارج معظم أرضه الوطنية، وخسرها قبل نحو عشرين سنة – إلى انتهاج ما حسبه دعاتها وألسنتها حرباً شعبية وغير نظامية. وعللت الحركات هذه "الهزيمة" العربية المفترضة واحدة، وهي كثيرة على كثرة المسهمين والمساهمين فيها، بصدورها من "فوق"، أي من الدولة. وحملت الحركات الأهلية والعامية الوطنية الدولةَ على التسلط والاستئثار، والتحدر من الاستعمار والتجزئة. وحملتها على الامتثال لمعايير قانونية دولية ظالمة ومجحفة تسري على الضعفاء وتقضي، فيما تقضي فيه، بتسليح يقصّر عن "التوازن الاستراتيجي"، ويلجم الرغبة الشعبية العارمة في القتال والكفاح المسلح، ومقارعة المحتل، وبناء المجتمع الأصيل والمقتدر، معاً وجميعاً. فجمعت حركات "المقاومة"، في مقالة أو سياسة واحدة، الإنكار على الدولة الوطنية، الفئوية والتابعة والقطرية والقانونية والمهادنة، والدعوة الى "شعب" أو ثورة من غير دولة ولا قيد على شعب الثورة أو ثورة الشعب.

البحث عن الدولة... وتدميرها
ودمج بعض المؤرخين الفلسطينيين الأمرين أو الوجهين في وجه واحد غير متناقض ولا متدافع هو "البحث عن الدولة"، على وسم يزيد صايغ تأريخه "الكفاح المسلح" الفلسطيني. ولما قصر المؤرخ تأريخه على الوقائع والحوادث التي سبقت اتفاقات أوسلو، في أواخر 1993، وسعه التخفف من ثقل التأليف بين الطعن على الدولة الوطنية، وعلى صورها الفعلية وأبنيتها الماثلة، وبين طلبها من طريق "ثورة" تبطلها، أصولاً وفروعاً، وتخنق في المهد، أي في اثناء خروج "الشعب" على الدول ووصايتها، نشأتها وسيرورة النشأة وعواملها. فكانت سيرورة "البحث عن الدولة" الوطنية الفلسطينية، أي تاريخ الحركة الوطنية والاستقلالية الفلسطينية المسلحة والمدنية معاً، سيرورة تدمير شروط الدولة، وإبطال نشوئها عن إجماع وطني وشعبي عليها وعلى سيادتها ووحدتها. وما أوكل إليه الاضطلاع بإيجاب الشعب والدولة معاً، وهو الحرب الوطنية والانتصار فيها، أو "الكفاح المسلح" في المصطلح الفلسطيني والعربي، اضطلع بالدور الأوفى والغالب في موازنة نقيضين. فوازن توحيدَ الفلسطينيين وشتاتهم على شرط سياسي مشترك (هو شرط "الثورة") بخلاف التوحيد هذا. وشرذمهم فصائلَ نصبت الواحدة منها نفسها دولة تامة الأوصاف والشمائل، ولا تفتقر إلا الى السيادة.
وانقلب الشتات على النهج الذي تولى، أو أراد تولي تجاوزه وتخطيه الى بلورة وحدة سياسية متماسكة ومتعالية عن عوامل تفريق الشتات هذا. وقصّر "الكفاح المسلح" الفلسطيني، وروافده العربية المحلية أو القطرية، عن خوض حرب وطنية واستقلالية مقيدة بغاية سياسية واضحة و "معقولة"، هي الدولة الوطنية فتقوم الحركة الوطنية والاستقلالية مقام نواة الدولة وحاضنتها و "رحمها"، أو مقام فصلها الأول إذا استغني عن الصور العضوية المتفائلة، ومقام بنية سياسية تستبقها وترهص بها. والقول ان السبب في القصور هو ضعف تكافؤ المتحاربَيْن، أو تقدم أحدهما (الإسرائيلي) وعصريته وحداثته وتأخر الآخر (الفلسطيني)، على ما ذهب إليه وليد الخالدي وقبله ياسين الحافظ، يغفل عن ان ضعف التكافؤ هذا كان التشخيص الذي انتهى إليه دعاة "الكفاح المسلح". واقترح الدعاة معالجته بحرب غير نظامية في مستطاعها، على ما حسبوا وذهب إليه قبلهم بعض تمائم "حرب الشعب" وألويتها، تصريف القوة وموازينها على ترتيب آخر. فينتج الترتيب للضعيف، "المتأخر" أو "المتخلف"، تعظيم موارده وتثميرها في ميادين يتقدم فيها الدفاع على الهجوم، والتملص على الاشتباك، وتتقدم المطاولة على الحسم، والمناوشات الكثيرة على المعركة، وعمق الميدان على الجبهة. وعلى هذا، تقلص الميادين المختلفة فاعلية موارد الخصم أو العدو، على ما توالى على الشرح استراتيجيو الأحزاب الشيوعية المقاتلة في الصين والهند الصينية.
ولم تؤت الحرب غير النظامية، وغير المتكافئة، أُكلها المفترض والمرجو. لم تحرز نصراً استراتيجياً واحداً. وعندما أنجز المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون اتفاق اوسلو، و "عادت" اجزاء من بيروقراطية المنظمات المسلحة الى الوطن، وقامت مقام الفصل الأول من الدولة الوطنية والمستقلة، لم تؤذن "العودة"، على الصورة التي حصلت عليها، بقيام دولة وطنية جامعة. فإلى الملاحظات المعروفة والسائرة على اتفاق أوسلو، مثل تركه المسائل الحاسمة (مسائل "الوضع النهائي". الحدود والسيادة و "عودة" اللاجئين والمستوطنات) معلقة وموكولة الى المفاوضات اللاحقة وظروفها، يلاحظ أن من فاوضوا على الاتفاق، أي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وهي قيادة "الكفاح المسلح" الفلسطيني الإسمية وغير المركزية، ليسوا قيادة الداخل إلا جزئياً. وهم هذا على وجه متخلف عن وقت سبق نشأة منظمات جديدة نامية، اسلامية ومحلية. وكان مرجع المفاوضة الفعلي والماثل السنوات الخمس أو الست (1987 – 1993) التي تقدمت، وملأتها حوادث "الانتفاضة الأولى"، على ما سمي الفصل هذا من الحركة الوطنية والاستقلالية الفلسطينية.

الشقاق الأهلي
وعلى رغم الدور الكبير والبارز الذي تولته بعض منظمات منظمة التحرير في أثناء السنوات هذه، في الحركة الداخلة ووصل الداخل بالشتات القريب والبعيد على وجه الخصوص وفي التمثيل على الرابطة الفلسطينية المشتركة، أدت المنظمات الأهلية والإسلامية الجديدة والمحلية دوراً ذاتياً، تعبوياً وتأطيرياً، فاق ربما نظيره "الخارجي" والمتمرس بالعمل المنظم والسري. وهذه القوى لم تشترك في المفاوضات السياسية الفلسطينية – الإسرائيلية، ولم تستشر فيها. وقد لا يعود هذا الى تعنت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، والى نازع رأسها (ياسر عرفات) الى الانفراد بالرأي ومزاولته قيادة العمل السياسي على شاكلة قيادة الحركات أو الجماعات السرية، وحسب. فإلى حقيقة هذا كله، ثمة واقعة راجحة وحاسمة هي صدور حركة المقاومة الإسلامية ("حماس")، ثم حركة الجهاد الإسلامي بفلسطين، عن مقدمات وملابسات فلسطينية داخلية ومحلية، أهلية واعتقادية واجتماعية وأمنية وسياسية وجيلية، مختلفة عن المقدمات التي صدرت عنها منظمات "الكفاح المسلح" خارج "فلسطين" وأراضيها الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، و "الأردنية" و "المصرية" سابقاً.
فولد مع "الانتفاضة الأولى"، الى زخم القيام الأهلي والعصبي الداخلي والذاتي على الاحتلال المتمدد والمستوطن والخانق، شقاق فلسطيني أهلي وسياسي عميق بين أهل الشتات وأهل الداخل، وبين أهل الداخل أنفسهم. فناشطو أهل الداخل و "مناضلوه" الإسلاميون يرون أنفسهم، ونضالهم السياسي والعسكري والأمني والاجتماعي، نفياً للنفي الإسرائيلي. فهم، على ما يرون أنفسهم ويريدونها، رد قاطع وباتّ على نفي أو اقتلاع قاطع وبات. ويتوسل النفي هذا بالقوة والقسر المفرطين من غير تحفظ. ورسم الاحتلال المباشر والعام منذ 1967، واستيلاء الحمى المهدوية على جزء من الشعب الإسرائيلي غداة دخول قواته الجزء الشرقي والتوراتي من فلسطين – مستقبلاً مظلماً، جماعياً وفردياً، لم يعد إلا بتفاقم الظلمة والعزلة وامتدادهما. وعلى خلاف حال الجاليات الفلسطينية في الملاجئ العربية، استحال عملياً على الأفراد فك رابطتهم المصيرية بمصائر جماعتهم، والانسلاخ عن المصائر المحتومة هذه. فمن امتنع عليهم الخلاص أو الخروج الجسدي والمادي، وشطر من فلسطينيين الأراضي المحتلة هم نازحون أو لاجئون مثنى وثلاثاً، حملوا إقامتهم الاضطرارية والقسرية على محنة لا خلاص منها إلا بمعجزة أو بالموت. ومن ليست حالهم هذه من الفلسطينيين، أوليست كل حالهم، ويكابدون نتائج الاحتلال الخارجية أو "السطحية" مثل القيود الثقيلة على الانتقال والمداهمات من دون وطأة الاختناق والاكتظاظ والفقر وإهدار الدم التي تنيخ على صدور معظم أهل غزة خصوصاً – يراهم "إخوانهم" ومواطنوهم، ومن هذه حالهم، أغراباً وشطراً من شعب آخر.
وليس حمل الحمساويين والجهاديين، وربما عامة الغزاويين وبعض أهل مدن الضفة الغربية القريبة من الخط الأزرق ومن المستوطنات الكبيرة، أعيانَ السلطة الوطنية الفلسطينية ونافذيها ورؤوس أجهزتها وأنصارها، على "أجندة أميركية" يعملون بوحيها، ليس الحمل هذا ترديداً خالصاً لرطانة ايرانية وخمينية حرسية. والحمساويون والجهاديون، شأن الحزب اللهيين وكثرة من الأمليين في لبنان، على يقين من أن الانشطار والشقاق الفلسطينيين (واللبنانيين) لم يبقيا على رابطة وطنية جامعة. وعندما يسعى الحمساويون، شأن الحزب اللهيين، في إنشاء "دولتهم"، والاستقلال بها عن الدولة الوطنية المشتركة وبيروقراطيتها المسترخية ووجهائها المعتدلين والعاقلين، أو في ضم الدولة القائمة الى سلطانهم، وإرسائها على "المقاومة" والأعمال العسكرية والاستخباراتية والأمنية الخاصة وعلى أعمال الإعالة الاجتماعية الخيرية، فهم لا يعدون استتمام الانقسام الحاد الذي أصاب الجسم الوطني المفترض، ومماشاة الانقسام هذا ومحاكاته. ويغتذي الانقسام من معين كثير الوجوه والمصادر. يشفع بعضها ببعض، ويحققه ويثبته. فيقوي الانتماء الاجتماعي والسكني والتربوي والصحي الانتساب العصبي والأهلي. ويجمع التدين وشعائره ومراتبه فتات الأسر والعائلات، ولكنه يقرها على خصائصها وخصوصياتها وتفرقها، في آن. ويحاكي العمل السري والأمني الأبنية القرابية والمنازع الفردية "البطولية" المولودة منها، ومن تفتتها وتشرذمها وأحلافها المرتجلة. وتصل الأخبار والروايات والذاكرة أوقات الجماعات بعضها ببعض، وتنظم أفعالها بناظم زمني ودرامي تتقاسمه وحدها، ويسوغ مراتبها ومكاناتها بمعزل من "عالم" السياسة العلني.
وتتضافر الأحوال هذه على عزل أصحابها وجماعاتها، وعلى تحصينهم من الاشتراك في سنن سياسة واجتماع "سويين" و "عاديين"، على ما يحسب من يحتكمون الى "حس سليم" سائر ومتقاسم (والكاتب يعد نفسه، ساذجاً، في هؤلاء). والحق أن الاعتزال والتحصين هما من موارد قوة المعتزلين والمتحصنين. وهم يسعون فيهما، ولا سبيل الى تثبيت انكفاء الجماعات المستميتة في مقاومتها وراء أسوار وجدران حصينة وسميكة من المعتقدات، والأبنية الاجتماعية والسياسات، من غير طريق "المفاصلة"، على قول مريدي سيد قطب وبعض قرائه من الجهاديين والتكفيريين. ولا يبدو هؤلاء - وهم معظم الطاقم السياسي أو القيادي الحمساوي، والطاقم الحزب اللهي، وألسنة أجهزة القوة من باسدران وباسيج وكتاب صحافيين وخطباء ايرانيين، ومحللين وديبلوماسيين سوريين – لا يبدون قادمين من كوكب غير الكوكب الأرضي إلا لأنهم يتكلمون "لغتهم" الخاصة في لغة العموم المشتركة ظاهراً. فهم، على شاكلة يزدي، علاّمة محمود أحمدي نجاد وشيخه ومفتيه وعضو مجلس صيانة الدستور، ينتخبون ويقترعون ويميزون الفاضل من المفضول، ويبيحون كثرة المرشحين على شرط استيفائهم كلهم صفات المفاضلة. ولكنهم، في هذا كله، لا يسلِّمون إلا للكلمة الفصل الإلهية، ومستودعها المرشد والولي الفقيه ونائب إمام الزمان.

إقحام اللغات
وحين يكرر حسن نصرالله وأنصاره أن حربه، قبل ثلاثة أعوام، "إلهية"، وهو قبل إعمال الصفة هذه وبعد إعمالها، يبدو متكلماً بلغة مفهومة، ومعبراً عن معانٍ تقبل التصديق (الحمل على ما صدق) والتشكيك والرد، يفهم السامع أو القارئ (المشاهد) "العادي" أن المتكلم الخطيب يقحم في كلامه، وعلى كلامه، ما يخرج عن عقد المكالمة. ولا مدخل لـ "إيمان" السامع أو "إسلامه" في الأمر. فما ينكره من إعمال الخطيب الصفة "الإلهية" هو حملها على ملكية خاصة من العسير عليه، أو المحال. ابراز صكها الإسمي. وهو يحمل الصفة، تارة أخرى، على وقف ذُري، يعود ريعه الى ذريته أو ذراريه. فلا يستوفي الوقف المصلحة العامة، بل يؤلب بعض الأمة على بعض، على خلاف القصد من الأوقاف والحبوس. وفيما عدا إعمال الصفة، وطلب ريعها ووقف هذا الريع على الخطيب وأصحابه وأنصاره ومريديه، يتكلم الخطيب لغة سائرة هي لغة المصالح والمنافع والأضرار والموازين المعروفة والمشتركة. فلا عجب إذا حمل السامع "التأله" على تطفيف في كيل التخاطب والتفاهم. فهو يدخل على الوزن، أو الزنة، وعلى الميزان، ما لا يسع السامع، أي الجمهور، مناقشته بالحجة. فإما أن يسلِّم وإما أن ينكر. ويخرج، في الحالين، عن لغة الخطيب ومنها. وجزاء "الخروج عن اللغة"، على قول ابن عربي المتصوف، أو آيته، هو الجنون. الجنون أو التصهين والتأمرك. وفي نهاية المطاف ينبغي أن تخسر اللغة قوتها على الأداء والتعارف والاحتجاج، وأن تنقلب اصطلاحاً محضاً، على شاكلة حالها في رواية جورج أورويل "1984". فتفصل بين المتسلطين من أهل الاصطلاح، وبين الناس "العاديين"، وتفرق هؤلاء وتشتتهم.
وتجري الحرب غير المتكافئة، وهي حرب أهلية وداخلية على "الشعب الآخر" وشطره المنافق (على قول حسين شريعتمداري الكيهاني الخامنئي والنجادي) وحرب على ولي أمره المحتل والمستكبر، على هذا المثال. وقصر سامي كوهين، في كتابه في الجيش الاسرائيلي ("تساحال") وامتحانه بها (باريس، 2009، دار سوي)، الحرب غير المتكافئة على الحروب الإسرائيلية – الفلسطينية، وفصولها السابقة واللاحقة. واطّرح الحروب الأهلية والداخلية. وهذا معالجة تحمل سياقة واحدة، أو أصلاً من أصول كثيرة، على جملة السياقات، وتقدمها عليها. فهو يعرِّف الحرب غير المتكافئة الإسرائيلية – الفلسطينية، أو حرب الضعيف، غير المسلح بسلاح يكافئ تسلح القوي، على القوي تعريفاً سياسياً. والتعريف السياسي، أو بالغاية السياسية، هو "رأي" الضعيف، الفلسطيني أو الحزب اللهي. فالضعيف لا يطيق الحرب النظامية. فهي تغلّب العامل التقني، وهو العامل الذي تشيل كفة الضعيف و "الفقير" في ميزانه. وهي تعزل ميدان الحرب أو المعركة من الميادين الاجتماعية الأخرى، وتقصر المعركة على قوتين "فنيتين" أو مجردتين تستفرغان في اشتباكهما عدتهما من الدراية والتدريب والتجهيز والخبرة والشجاعة.
وعلى خلاف الحرب النظامية، تزج الحرب غير النظامية في الميدان بـ "الشعب" كله، وتدعوه الى الحجز بين القوات غير النظامية وبين قوات العدو النظامية، أي الى تلقي الرد بصدره. و "الدعوة" هذه، على فرض الاستجابة، تفترض في الداعي، أي في القوة الحزبية والعسكرية والأمنية المبادرة الى الاشتباك والقتال والقتل والمتعمدة قتل المدنيين وتوسيع ميدان الاشتباك، التعويل على تضامن "الشعب" معه، وجواز التعويل هذا. فإذا ردّت قوة العدو النظامية على مصدر النار أو القتل، وهو مصدر مفترض ومخمَّن حين يسدل الشعب عباءته الليلية على المقاتلين، وعلى قول فرانتز فانون المارتينيكي – "الجزائري"، رداً "مفرطاً"، وهذا شأن الرد الإسرائيلي على العموم، أو مع الرد المفرط في الأهالي، وفي مرافق السكن والجوار، خسائر تعزى الى قوات العدو النظامية، ويتحمل المسؤولية العينية والمباشرة عنها.
وجر العدو النظامي الى رد غير متكافئ، فيصيب أولاً غير المقاتلين ومصالحهم، هو جوهر الحرب غير المتكافئة، على تعريف سامي كوهين. فالفصل الذي يلي الرد الجامح والمدمر هو التفاف المصابين الفعليين والمحتملين حول القوة غير النظامية، وتضامنهم معها. ويمثل الكاتب على رأيه بولادة "حزب الله" في أعقاب الحملة الاسرائيلية "سلامة الجليل" في لبنان، وباستيلاء "حماس" على غزة على أنقاض السلطة الفلسطينية وأجهزتها، وبالحربين الأخيرتين بين "حزب الله" و "حماس" وبين الدولة العبرية. فالانتصار العسكري الذي سعت فيه شعوب "الشرق"، وأخطأته "الثورات (العربية) من فوق"، في مستطاع حركات "المقاومة" الإسلامية والعامية، اليوم، انجازه من طريق شقها مجتمعاتها وبلدانها، وجرها الى حروب أهلية وخارجية معاً لا تترتب عليها مسؤوليات ولا تبعات. وإبطال المحاسبة في بلدان ألفت بعض الشيء أنظمة وأبنية نيابية، على رغم ضعف فصلها بين السلطات واستئثار قوة غالبة ومتسلطة بمعظم السلطة، نهج لم تبتدعه الخمينية الإيرانية ولا "البعث" الصدامي أو الأسدي ولا الناصرية الشعبوية قبل هذا وتلك. ولكن الخمينية أرست النهج هذا، وروافده الاجتماعية والفكرية الكثيرة، على "تأليه" السلطان تأليهاً لم يتجاسر على القول به مذهب فكري أو رأي آخر معاصر.

السبت، 18 يوليو 2009

العراق يخرج من الاحتلال ... إلى «المقاومة» أم إلى السياسة والدولة؟

الحياة, 17 /7/ 2009

بينما كانت الوحدات الأميركية العسكرية المرابطة في المدن العراقية تخلي عشرات المواقع الى قواعد بضواحي المدن أو في عرض المناطق غير الآهلة، في 29 - 30 حزيران (يونيو)، حيا رئيس الوزراء، نوري المالكي، نهاية الفصل هذا على طريق تحرير العراق من الاحتلال. وعزا إنجازه الى الاتفاق العراقي - الأميركي الذي فاوض هو، أي حكومته، عليه، ووقعته الدولتان في أواخر 2008، متأخرتين نحو عشرة أشهر. وأبرز المالكي - وهو الى رئاسته الحكومة العراقية الأطول عمراً في العهد «الأميركي» والاستقلالي، رئيس حزب الدعوة الشيعي والمنتصر في انتخابات مجالس المحافظات في مطلع 2009، والممهد لطي الائتلاف الشيعي وتصدر قوة عراقية مختلطة في الانتخابات العامة الآتية - أبرز حلول المعاهدة المشتركة محل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن مرجعاً ترجع إليه الدولتان المتعاهدتان، وتقضي في خلافاتهما الأمنية والعسكرية والاقتصادية. ومن جهته، رحب رئيس الجمهورية، جلال طالباني، بالخطوة الأولى على طريق إنفاذ المعاهدة، ولم ينس ما بدا أن رئيس الوزراء، وهو دستورياً ليس رئيس «وزرائه» بل رئيس وزراء المجلس النيابي، أهمله، وهو تحية الولايات المتحدة وقواتها على دورها في طي صفحة صدام حسين وبعثه وعروبته الدامية، وكشف الغمة عن صدور العراقيين. وهؤلاء استحال عليهم إزاحة ثقل صدام حسين الساحق في أثناء ثلث القرن الذي ساسهم فيه «فتى العرب»، على ما سماه ميشال عفلق، مؤسس البعث الدمشقي.
وعلق فريد زكريا، كاتب الافتتاحية الأولى في «نيوزويك» الأميركية، على ذيول المرحلة الأولى من الانسحاب الأميركي، فمدح موقف المالكي من الاحتلال، ورأى فيه دليل فطنة ودراية. فالتنديد باحتلال عسكري أجنبي في بلد أو مجتمع عربي إسلامي يشتري، على الدوام، ميلاً «شعبياً» أو جماهيرياً يتوسله السياسي الحاذق (على مثال صدام حسين وحافظ الأسد وابنه وخليفته) الى تحصين مواقعه وتوسيعها. ورد المعلق شكر طالباني الأميركيين الى دَيْن خاص يدين به كرد (كردستان) العراق الى رعاية هؤلاء حكمهم الذاتي. والحق أن الفرق بين الموقفين ليس فرقاً بين واحد وطني عراقي، وآخر «قومي» (نسبة الى القوم الكردي) أو عصبي ومحلي. فكلاهما عصبي. والمالكي يسترضي بموقفه شيعة العراق عموماً، وحزب منافسه وخصمه الداخلي الأول، صاحب «جيش المهدي» الذي هزمه رئيس الوزراء في مدينة الصدر والنجف والبصرة بواسطة القوات الأميركية، خصوصاً. وهو سارع الى تنظيم عروض أمنية وعسكرية، احتفالاً بالانسحاب الأميركي، حمل فيها الجنود والشرطة صوراً زيتية كبيرة لشخصه الكريم. فيذهب سوء الظن بالمشاهدين الى سوابق بعيدة ومريرة لم تشفِ بعض الناس من الرغبة في ترديدها. ويشدد النكير على استعادة بعض البعثيين الى أجهزة الدولة والإدارة، أشار بالاستعادة هذه ممثلو الجماعات السنية أم اقترحها، من طرف خفي أو غامز، بعض كبار السياسيين الأميركيين في زياراتهم، وآخرهم نائب الرئيس الأميركي.
فأثارت دعوة جو بايدن الجماعات و «الكيانات» (السياسية) العراقية، غداة الانسحاب من المدن، الى تحمل تبعاتها عاجلاً، وذلك من طريق إقرار قانون الثروة (النفطية) الوطنية وإقرار إحصاء نفوس عام وبت مسألة كركوك والمسألة الاتحادية، لغطاً لم يتبدد غداة عشرة أيام على الزيارة. وحملت حيرة بعض المراقبين العراقيين من الردود على دعوة بايدن «الاستقلالية»، ومن إعراب سياسيين عراقيين كثر عن قلقهم من تهديد نائب الرئيس الأميركي بنفض الولايات المتحدة يدها إذا لم يتول العراقيون قضايا مصالحتهم الداخلية (المذهبية والقومية والحزبية السياسية) على وجه السرعة، حملتهم على تعليل الردود المتخبطة والخائفة هذه برأي ذهب إليه بايدن يوم كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس (2006). واقترح يومها تقسيم العراق ثلاث ولايات اتحادية، واحدة جنوبية شيعية وثانية عربية سنية في الوسط وثالثة شمالية كردستانية. والمساواة بين تهديد أو رأي تشخصي، في خضم استعار حرب أهلية مذهبية كلفت القوات الأميركية (الى كلفتها المحلية الباهظة) ثمناً ثقيلاً، وبين إيجاب معيار سياسي يترجم خطة سبق التفاوض عليها وإقرارها، إنما هي مرآة خلط وتردد عراقيين فادحين.
فما يريده السياسيون الشيعة هو تسليم الجماعات السنية والكردية لهم بالوطنية العامة والمشتركة، وبأهليتهم السياسية لتولي الحكم، من غير نزولهم عن صفتهم العصبية، ومن غير الارتقاء بإدارتهم الى الجمع بين أطراف الميول والعصبيات والمصالح المتفرقة والمختلفة. ويقود هذا، في أحوال كثيرة، الى إرساء الأهلية الوطنية والسياسية على اضطلاع مفترض بدور راجح في «التحرير»، أو في إجلاء الأجنبي عن الأراضي الوطنية، أو في «دحره»، على زعم أنصار «القاعدة» الجهاديين، وبعض أنصار أجنحة بعثية تتردد في مفاوضة الاحتلال، وعلى زعم جماعات «مهدية» وصدرية وحرسية مقيمة على آرائها في «المقاومة». ويترتب على إرساء الجدارة الوطنية والسياسية في العراق على المعيار العروبي والإسلامي الجهادي، ما ترتب عليه ويترتب في بلدان المشرق الأخرى، في لبنان وفلسطين والأردن وسورية، أي شق شعب الدولة الوطني «الواحد» شعبين سياسيين وأهليين، أو ثلاثة. وعلى هذا، يستعيض شيعة العراق أو يود معظمهم الاستعاضة بدورهم الاستقلالي والمقاوم عن تولي مهمات ثقيلة مثل دمج «الصحوات» في جسم أمني وعسكري وطني متماسك، ومفاوضة الكرد العراقيين مفاوضة حقيقية على توزيع مصادر الثروة والعوائد وتعويضهم بعض الغبن والظلم الفادحين اللذين أنزلهما بهم التسلط العروبي السابق.
ويود الكرد، من وجه آخر، الاستعاضة بتحريك الجروح النازفة والفظيعة التي أوقعها فيهم الحكم البعثي والقومي الاستبدادي، وحماية إدارتهم الذاتية وحدهم وبمعزل من العراقيين الآخرين، من عودة مثل هذا الحكم متوسلاً نعرات وعصبيات موارد أخرى جديدة. ويمنّ السنّة العراقيون على الجماعات العراقية الأخرى بدورهم في انعطاف البلد نحو بعض الأمن، وكسر شوكة جهاديي «القاعدة» والحرس «المهدي» وقوميي البعث. ويريدون، لقاء الدور الثابت هذا، تعويض خسائر جماعتهم كلها مرة واحدة، من غير أداء حساب (فردي) عن أعمال سابقة مدانة. وبعضها، مثل «تعريب» كركوك، لا يزال يجر أحمالاً ثقيلة، ويعرقل السعي في حلول مقسطة (على أقساط وعادلة). وتزعم الواحدة من الجماعات هذه، على تفاوت بينها في صوغ مزاعمها، أنها تمثل صلب الوطنية العراقية وجماعها، وحدها، وأنها ضمان تماسك الدولة النهائي والناجز. ولا تشك الواحدة من الجماعات، والجماعات كلها ومجتمعة، في إلحاح قضاياها، وضرورة بتها أولاً وعاجلاً، ومن غير اختبار ولا مفاوضة فعلية، ولا مراحل. فما تراه الجماعات، كل جماعة على وجه، متاحاً الآن - بينما الانسحاب الأميركي في مراحله الأولى، ولم يهزم الإرهاب تماماً، ولا تزال إيران وسورية تتمتعان بنفوذ داخلي وإقليمي يستدعي الموازنة بين ردعهما واستمالتهما، ولم ترسخ الدولة العراقية الجديدة مكانتها العربية الإقليمية بعد، وتلتمس تركيا طريق حل المسألة الكردية، ولم يبلغ استخراج النفط مستوى مجزياً - تحسب أنه قد يمتنع منها، ومن متناولها عند تبدل الأحوال و «الدول».
وعلى هذا فالعراقيون، كتلاً وجماعات وسياسيين من غير مساواة مفتعلة في ما بينهم، يدينون بآداب السياسة التي تدين بها شعوب جوارهم، المشرقي العربي و «العجمي»، القريب. فتجييشهم المدمر في حروب «تحرير» قومية وإقليمية وداخلية أهلية، تحت لواء قادة مناضلين ومهيبين، لم يحملهم على إنكار نهج السياسة الذي يلخص هذه في أدوار إقليمية مزعومة يتحصن بها استبداد بالسلطة يخول، بدوره، الحاكم الفرد البت في المسائل الحيوية الداخلية من طريق كم الأفواه والعقول والاغتيالات والتزوير والحملات العسكرية، وتأخيرها الى مراتب ثانوية. والى اليوم، لم يدعُ نوري المالكي، ولا غيره، الى أولوية تحرير القدس، أو استئصال الصهيونية، أو نصرة غزة، أو التحكيم في خلافات الفلسطينيين واللبنانيين والكويتيين والأردنيين على وحدة دولهم وعلى علاقاتهم الدولية، ولا دعوا الى إلحاح القضايا هذه، وتقدمها مسائل الخلاف الداخلية. ولكن بعض القوى الأهلية العراقية، مثل الحرس «المهدي» وبقايا «حرسيي» بدر وجهاديي الزرقاوي و «خلفائه»، ليس بمنأى من الاهتداء الى «البوصلة» هذه وبها، على قول صحافة قومية مزمنة. فهي الطريق الى الاستواء «قوة إقليمية» تخطب ودها «الدول».

الاثنين، 13 يوليو 2009

الموت في قلب الاجتماع سبيل أمثل الى توحيده ونفي السياسة منه

المستقبل - الاحد 12 تموز 2009 -

كانت مأثرة محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق واللاحق، الأولى حين انتُخب رئيساً، في 2005، على إيران، وخرج من إغفال رئاسة بلدية طهران وتنكيرها، وفاز على علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الرئيس السابق الأشهر والمشير على روح الله خميني، المرشد والقائد الأعلى للقوات المسلحة، بقبول وقف القتال على الحدود الغربية الجنوبية مع العراق بعد 8 أعوام من النزف ومقتل 400 الى 600 ألف ايراني ـ كانت مأثرته الأولى تسمية نحو 4700 ساحة عامة من ساحات مدن إيران وبلداتها وقراها بأسماء مقاتلين من الحرس الثوري سقطوا في اثناء القتال على الجبهات الإيرانية ـ العراقية الكثيرة والطويلة والمتحركة. فأمر الرئيس الحرسي، والمخطط المُدُني ـ ووارث كرباسجي، رئيس البلدية السابق وأحد وجوه "مهندسي البناء" أو "البنائين"، ومستشار حملة مهدي كروبي المرشح الى رئاسة الجمهورية في حزيران 2009 منافساً أحمدي نجاد مرة ثانية الى "يسار" مير حسين موسوي ـ برفع أسماء زملائه القدامى الذين أبلوا بلاء لم يبله هو، على قول بعض ألسنة الشك والنميمة.[الجبانات أصولاًولا يستقيم اسم شاهد إمامي، توكل إليه الشهادة على قوة الغيب، وعلى غشيانها عالم الأحياء والحضور، من غير "رسمه"، على ما كان العشاق الأولاد يقولون حين إهدائهم صورتهم الشمسية أو الفوتوغرافية الى معشوقهم (أو معشوقتهم وحبيبتهم). فأمر صاحب الثورة الإسلامية "الثانية"، وهو يريد الإيرانية الشيعية والحرسية، بنصب الصور، وعلى معظمها الغالب وجوه فتيان وشبان لم يبلغوا العشرين ملونة بالأخضر الأزرق أو الأزرق الأخضر، بأعلى محل من الساحات. فوسع الوجوه الفتية، الملتحية لحية خفيفة، والعيون الشاخصة الى أفق بعيد يعشي بعدُه النظر ويرده حاسراً وقلقاً، وسعها رعاية الساحات، ومن ورائها مدنها وبلداتها، وناسها وأهلها في رواحهم وغدوهم، وفي عمل نهارهم وليلهم. فالحرسي في حياته لم ينفك حرسياً في مماته، وانتظاره امتلاء الدنيا عدلاً بعد ان ملئت جوراً تحت لواء مهديه. والرئيس أحمدي نجاد، المنتسب اسماً الى العترة النبوية (فهو صار "أحمدياً"، بعد ان كان حمل اسماً "أرمنياً"، ونجاده، أي حمائل سيفه على عاتقه يقاتل به دون اهل "بيته"، والإنجاد هو القرب من الأهل)، حسب منذ ما قبل انتخابه رئيساً، وانتصاره المدوي على بعض أعيان "مناصب" الجمهورية بحول المرشد وعونه، أنه مدعو وربما مبعوث الى هداية الأمة الحائرة، على قول ابن ميمون (الموسوي القرطبي)، والقلقة (على قول عبدالحسين شرف الدين، الموسوي الحسيني والصوري).وبعث أسماء من قضوا في قتال الظلم ونواصبه، ورسومهم وظلالهم، جزء من ولاية اهل الحق هؤلاء على أهل الضلال. فالبعث الإسمي والرسمي هذا يلحق مجتمع الأحياء والحضور والشهود والسعي بـ "مدينة" أهل الغيبة والعلم، ويجعلهم في رعايتهم. ويحقق هذا تبعية الحاضر الشاهد، ودنياه المتفرقة والمبعثرة أجزاء وأبعاضاً، للغائب المستتر والمحتجب، الواحد والمجتمع. فإذا اقتصرت دنيا الحاضر الشاهد على الالتحاق ضاحيةً ضئيلة بدنيا الغيبة، وأنكر أهل الحاضر الشاهد المراتب الظاهرة، وطعنوا في ثباتها (أو "ثابتها"، على قول بعض اصحاب التحول المبدع) وصدقها، فربما آذن ذلك بدنو الفرج من سلطان الظاهر ومراتبه الظالمة والمميتة. وعلياءُ الشهداء المقاتلين على المدن والبلاد والساحات، وضحكُ الموت في شفتيهم ضحكاً أقرب الى لوعة الحزن، ورعايتهم من حيث هم اهلهم وهدايتهم الى الحق، قد تشبِّه هذه إلحاق المدينة بمقبرة أمواتها أو جبانتها، على القول العربي العامي والفصيح السابق. وهذا، أي قيام مدن البشر الأحياء ضواحيَ على حدة من جباناتها، وانتصاب الجبانات أصولاً، ليس مما ينكره الرجل ومن يعتقدون ما يعتقد.وفي بعض أحاديث يرويها المحدثون عن كبار اصحابهم، واهل هدايتهم، ويرفعونها الى النبي، حديث "الأمة العالمة"، أو حديث مدينة السد، على ما يسميها كبير محدثي الإمامية وشيخهم "الصدوق"، ابن بابويه القمي (ت في 381هـ/ 991م). والأمة العالمة هذه، من قوم موسى على قول المحدث، هي نهاية مطاف ذي القرنين (الاسكندر من غير شك) بالأرض. والفاتح المعروف يزدوج في الرواية الإمامية ـ ولياً وحجةً على العباد والخلق. وترفع الرواية شأن الفاتح العظيم فتقول انه "من يُجري الله على سنته القائمَ (المهدي المنتظر) من ولد (النبي)، فيبلِّغه شرق الأرض وغربها حتى لا يبقي منهلاً ولا موضعاً منها، من سهل أو جبل، وطئه ذو القرنين، إلا وطئه (المهدي)، ويُظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، ويملأ به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً" (ص 374 من مصنف أبن بابويه: "إكمال الدين وإتمام النعمة في إثبات الرجعة"، النجف، 1970).فإذا بلغ الفاتح اليوناني ـ وروايته أو قصصه انتشرت في ربوع المشرق الهلنستي، ثم الروماني فالبيزنطي فالعربي، منذ القرن الثالث الميلادي، واشتهرت شهرة "قصة عنتر" أو "قصة سيف بن ذي يزن" ـ نهاية مطافه بالأرض، وبلغ تخومها المرئية والمعروفة، وحاذى عتبة غيبها، "وجد أمة مقسطة عادلة". وآية قسطها وعدلها انهم، الأمة أي ناسها، "يقسمون بالسوية ويحكمون بالعدل"، حرفياً ومن غير تأويل باطن ولا ظاهر. وهم "يتواسون ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة". وهذا، أي وحدة الحال ووحدة الكلمة (أو الرأي والسياسة، توسعاً) وموافقة الكلمة الحال، نادر وقليل، وعز كثيراً في القرن الرابع للهجرة. وهو قرنُ تخلّعِ الخلافة العباسية ممالكَ محلية ومذهبية لا تحصى، وفي الممالك هذه ثلاث شيعية إمامية (البويهية والحمدانية والعبيدية الفاطمية) على نحو أو آخر.فما السر الخفي والمؤكد في الوحدتين المعجزتين؟ لا تلبث الرواية، وهي حديث من أحاديث الأئمة المتناقلة، أن تكشف الغطاء، فتقول من غير مقدمات: "قبور موتاهم (أو جبانتهم، على ما مر) في أفنيتهم، وعلى أبواب دورهم وبيوتهم". فسكنهم، أي سكن أحيائهم وأمواتهم، واحد كذلك. وعلى هذه المقدمة، أو الشرط، تتوالى حلقات الوصف والتقرير. وهي حلقات كناية يتوالد أو يتناسل بعضها من بعض. وتقوم الحلقة منها من الحلقة التالية مقام المقدمة والشرط. فمن هذه حال موتاهم وأحيائهم "ليس لبيوتهم أبواب". والباب قرينة على الحاجز والحِدَةِ والفرق أو الافتراق، وأمارة على المرتبة. وعليه، "ليس عليهم أمراء" يعلونهم بالأمر والقوة والسيف. "وليس بينهم قضاة"، يقضون في خلافاتهم ومظالمهم بالحكومة والسنن والشرع.ومن هذا شأنهم وحالهم "ليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف"، بديهة. فهذه كلها طبقات وفروق. وهم واحد، على أنحاء الواحد ووجوه الوحدة كلها. فبإزاء الموت، "المسوِّي الأعظم" على قول أحدهم فيه، ولكن على معنى ديني قديم، لا ينهض فرق ولا يستوي. فالناس سواسية، والكون والفساد قانون للاستثناء. فـ "لا يتفاضلون ولا يختلفون، ولا يتنازعون، ولا يَسْبون، ولا يقتلون، ولا تصيبهم الآفات. فهم اجتماع لا يتماسك بالسياسة، ومراتبها وتفاضلها ودولها وحواجزها وقضائها، بل من طريق نصبه الموت في وسطه، وبمحل الركن منه. ويخال المرء أهل هذا الاجتماع موتى في انتظار سكنى القبور، بجوار بيوتهم ودورهم، لولا تعمدهم ما يفعلون. والتعمد ليس في مقدور الموتى. وإذا سألهم ذو القرنين، وهو المتخفف من عالم نقيض عالمهم حرفاً بحرف، لماذا قبور موتاهم في أفنية بيوتهم، أجابوا: "فعلنا ذلك عمداً لئلا ننسى الموت..."، ولئلا ينسوا الموتى، من غير شك. فإذا ذو القرنين إرهاص بالإمام الثاني عشر، والقائم من آل محمد، وصاحب الزمان، ومهدي هذه الأمة، فالأمة العالمة إرهاص بشيعته المقيمة على انتظاره.ولا يشك محمود أحمدي نجاد، ولا وليه الفقيه (عالم عصره الأول) وإخوته الحرسيون والشرطيون من الباسيج، وأنصارهم، في أنه (انهم) وارث (وارثو) المدينة الفاضلة هذه، ويتحدرون من اصلاب أهلها. وهو وهم مقيمون على انتظار ظهور مالئ الدنيا عدلاً، ربما غداة استيلاء من دوخها فتحاً ورعباً، على ما ينبه المحدث. وأنا لم أقرأ أقوال محمود أحمدي نجاد، الحجتي (من انصار الحجتية المهدية)، في ظهور المهدي، وفي محله هو من الظهور أو الخروج هذا. ولكن بعض أفعال الرجل وأقواله، والحق يقال: كثيراً من الأفعال والأقوال هذه، يحمل على القطع بأن بينه وبين صاحب الزمان، على ما لا يشك هو ولا يرتاب، سبباً وقرابة.[من الأمة العالمة الى الأمة الجاهلةوقد تكون صور الحرسيين وأسماؤهم على جدران الساحات الكثيرة، وفي أعاليها، صدى من أصداء الأمة العالمة، وتعمدها ذكرى موتاها، ونصبها إياهم ميزاناً ومثالاً، ونفيها السياسة ومراتبها وقضاءها ومشاغلها الدنيوية والعالمية من اجتماعها، واستباقها عدل الإمام العادل وتراحم مدينته ووحدة حالها وكلمتها. وهذا ما اقتبسته الأحزاب الخمينية من الحزب الأول والأم. وهو لا يعدو استنتاج عاشوراء الحسين وكربلاءه نتائج معنوية وصورية وشعائرية تترتب عليها من غير وساطة ولا إعمال فكر. والموتى الموسدون القبور في أفنية البيوت هم "أهل البيت" حقاً، أو هم شيعتهم التي ينتسب أهل المدينة العالمة إليهم، ويتحدرون من اصلابهم. وحفظ ذكر "أهل البيت" وإحياؤه لا ينفك من التدين الإمامي. ومجالس الذكر والتعزية ركن من أركان هذا التدين. ويفوق إحياء المجالس، في أوساط العامة والجمهور، مكانة ومقاماً ما يصرح به أهل "العلم"، وما يقولونه على رؤوس الأشهاد أو يكتبونه. وشيعة "أهل البيت"، شأن هؤلاء أنفسهم، قتلوا مظلومين، على ما لا يشك الشيعة. ويعزو حديث الأمة العالمة الظلم المفضي الى القتل، الى نسيان الموت والموتى، وإلى إنكار الغيبة والغياب أو الغفلة عنهما. وعلى خلاف النسيان والإنكار، يُسلم التذكر الى وحدة من غير منازعة ولا فرق، وربما من غير حياة ولا عالم. فذو القرنين لا يبلغ مدينة الشيعة الإمامية الفاضلة، المقيمة على حضانة قبور سلفها، والمرهصة بعدل مهديها وقسطه، إلا بعد بلوغه ذروة السلطان، وفتحه معظم الأرض المعمورة، واستيلائه عليه. والمدينة الفاضلة الإمامية لا تجوز إلا بعد طيّ التاريخ والاجتماع البشريين، على الصورة التي عرف التاريخ والاجتماع عليها الى اليوم، وإلى قيام الساعة من غير ريب.والعودة الى التاريخ والاجتماع، أو خروج أهل الأمة العالمة الى ممالك ذي القرنين، والنزول بين أظهرها بعد ان خلفها "الرجل الصالح" خراباً ويباباً، وأرض حرب وقتال ومنازعة ومفاضلة وسعي مرير في الحياة وزينتها، من منازعة ومفاضلة وتفرق ونسيان الموت والموتى، هو ما تهجم عليه الأمة الإمامية (الإيرانية)، وتقتحمه غير هيابة ولا مترددة، وتزعم لنفسها القوة على "مقاومته"، ثم على "إصلاحه" من طريق التمثل بها والسير على نهجها، على ما لا ينفك الرئيس المستأنَف الرئاسة يقول ويدعو (فقال في يوم الصناعة والتعدين ان القوى الغربية شككت في الانتخابات الإيرانية الرئاسية "لتصرف الأنظار عن مشكلاتها الاقتصادية". وكان ذهب، حين انفجرت الأزمة المصرفية، في ايلول 2008، الى ان على بلاد العالم الاقتداء بإيران، وبناء اقتصاد سليم على مثال اقتصادها. وهو يعزو "تدخل" الدول الغربية في شؤون ايران الداخلية الى إقبال الإيرانيين على انتخاباتهم، وإحجام الناخبين الغربيين عن الاقتراع. ومثل هذا كثير).وعودة الأمة العالمة والفاضلة الى المدينة الجاهلة والمنافقة تقتضي احتفاظ الأمة بركنها، ورعايتها هذا الركن، وهو مكانة الموت والموتى من اجتماعها، ومن نظامه وعقده. ومرتبة الشهداء، وحملهم على باب "الشهداء الأحياء"، وتصدرهم المراتب، بعد جمعهم هم ومن "ينتظرون" الشهادة في أجسام أو أسلاك قتالية وإدارية واقتصادية بيروقراطية، ليست زخرفة خطابية وحسب. والصدور عن أمة الشهداء وجبانتهم، على ما يزعم أهل الولاية، يرسي سلطان من يسعهم الصدور هذا واتخذوه عملاً وحرفة وحالاً، على ركن مكين، ويكاد لا ينازع. وهو لا ينازع حقيقة وفعلاً ما لم تحمل أصول الثورة الإيرانية في 1978 ـ 1979، وفصولها على المسألة والمنازعة والخلاف، أي على نقيض حال الأمة العالمة و "علمها" المفترض. فتذكر الموت والموتى، ونصبه مبنى الاجتماع وركنه ومحوره، واتقاء الحياة وصروفها ومصائرها بواسطة التذكر هذا ومن طريقه، إنما الغاية منه (ومنها) نفي السياسة، وتطهير الاجتماع منها، ومن منازعاتها وإعمال الرأي والتدبير في شؤونها.والحق ان التشيع الإمامي لا يتستر على معنى قوله بالإمامة والوصاية والاصطفاء وحفظ الميثاق وتواصل الذرية بعضها في بعض، وبكنيتها، وتجريدها من الاختيار. فينسب المحدثون الإماميون الى بعض الأئمة ما يسمونه تأويلاً للآيات القرآنية بالموازنة. فالآية (إني خالق بشراً من طين...) هي ميزان الآية (... إني جاعل في الأرض خليفة). ويخلص المفسر من نصب وتنوين "بشراً" و "خليفة" بصيغة اسم الفاعل الإلهي الواحد الى أن من "ادعى انه يختار الإمام (الخليفة) وجب ان يخلق بشراً من طين" (ابن بابويه، ص 211 ـ 121 وص9). وعندما قال يزدي، "شيخ" محمود أحمدي نجاد وصاحب تقليده وفتواه وعضو مجلس خبراء الدستور، ان الانتخاب الى الولايات والأعمال والرئاسات بدعة، وقال احمد خاتمي أحد خطباء الجمعة بطهران ان علي خامنئي "يحكم بموجب إرادة إلهية" ويحل قتل من يخالفه و "يتحداه"، فهما لم يتعديا ولا تجاوزا الاحتجاج الإمامي وتأويله بالموازنة.[الخروجوتخليص الإمامة أو الولاية، وفروعها من الأعمال والرئاسات والتدبير، من الاختيار والرأي والاقتراع ـ ما لم يكن الاقتراع مبايعة تزكي ميل الولي (العالم) الى "أحد المرشحين، رئيس جمهوريتنا الخدوم والكادح والدؤوب المعتمَد"، على قول خامنئي في أحمدي نجاد ـ مراد الإمامية منه تخليص "الأمة" من المنازعة والسياسة وأهوائها ومسارحها. وإذا استحال على "الأمة" ان تتماسك بجبانة موتاها، واستضافة تذكر الموت في مباني الاجتماع وأركانه وعلاقاته، على حدةٍ من صخب العالم وفتنته وأهوائه، فقد يجب عليها اقتحام العالم هذا، وانتهاج سياسة ذي القرنين فيه وسنته قبل "صلاحه"، ونزوله مدينة السد بمنأى من ياجوج وماجوج. ولكن يبقى من مثال الأمة العالمة، وصفاتها وفقهها، أمران: الأول ولاية الموت والغيب وهيمنتها عليها، والثاني استئصال الخلاف والمنازعة والسياسة منها بواسطة الموتى وتسويتهم البشر الأحياء بعضهم ببعض. فعلى الأمة العالمة، والحال هذه، ان تخرج من مدينتها وحِدَتها واعتزالها، وتشن حرباً "عالمية" أو "كونية"، على قول أجدادنا الأقربين، على المدائن الطاغوتية والجاهلة. والخروج، على ما سمى الإخباريون حركات التمرد والانتفاض على السلطان، باب من أبواب تاريخ التشيع الإمامي لازم هذا التاريخ، وقام منه مقام قبلته و "فكرته الناظمة"، على قول فيلسوف تروتسكي في الثورة (ولعل مديح ميشال فوكو "روحانية" الخروج الإيراني الشعبي "السياسية"، تحت لواء خميني، مرده الى اعتراض الخروج سلسلة الأسباب والنتائج القاهرة، وتجويزه الحادثة حيث لا يؤذن بها نذير ولا بشير).والخروج الأعظم هو "مجيء" القائم أو ظهوره. فإذا كانت سكينة القبور مثال السلم (الامبراطوري، "الاسكندري"، على قول بعضهم في "السلم السوفياتي" الذي استظل صواريخ إس إس ـ20 في أوائل الثمانينات الأوروبية)، فالحرب العامة هي آية "نهاية الزمان" المهدوية والمزلزلة. ففي بعض الأثر ان من آيات نهاية الزمان، ومجيء المهدي، "حصار الكوفة بالرصد والخندق، وتخزيق الزوايا في سكك (المدينة)، وتعطيل المساجد أربعين ليلة، ويسبى من الكوفة سبعون ألف بكر، وتقبل من شرق الأرض رايات غير معلمة يسوقها رجل من آل محمد عليه السلام، يسير الرعب امامها شهراً حتى ينزلوا الكوفة مطالبين بدم آبائهم". والكوفة هذه، على رواية أحد اصحاب اخبارها حسين احمد البراقي النجفي، انقلبت من أم الأمصار العربية الى مدينة مقابر. وحين مر بها ابن جبير، ثم ابن بطوطة، في القرنين الثاني عشر للميلاد والرابع عشر، وقعا على "الخراب (الذي) استولى عليها بسبب ايدي العدوان التي امتدت إليها، وفسادها، من عرب خفاجة المجاورين لها، فإنهم يقطعون طريقها، ولا سور عليها" (على قول ابن بطوطة في 1324م). وهي تدين بانبعاثها في إهاب مدينة أخرى قريبة هي النجف الى القبور التي وارت اجداث بعض "أهل البيت" وصحابتهم من امثال عروة بن هانئ وعبدالله بن الحسن المثلث ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط ومسلم بن عقيل ومحمد بن ابراهيم طباطبا وابراهيم أحمر العين بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى والحسين بن موسى الكاظم وعبدالله بن الحسن المكفوف بن الحسن الأفطس والعباس بن الحسن المثلث، الى اصحاب "القبور الخمسة": "وهو عَلَم لا يخفى"، على قول البراقي النجفي. فكان بناء محمد مهدي بحر العلوم النجفي، في أواخر القرن التاسع عشر، "العلامات والمحاريب"، في "المقامات الشريفة"، إيذاناً بانبعاث مدينة الموتى والجبانات من خرابها في انتظار حصارها بـ "الرعب"، وانتصار القائم به، على نحو ما نَصَرَ الله بالرعب ذا القرنين من قبل.وآية الرعب الزلزلة، وكانت هذه مكتوبة على جدران المدن اللبنانية القريبة من البلاد التي احتلتها قوات الدولة العبرية، وتشن منها غاراتها على "المناطق المحررة"، وعلى المقاتلين المحتمين بأهل المناطق هذه ومرافقها. فلم يخل جدار على طريق عام من طريق صور، في الثمانينات، أو طرق بعلبك أو ضواحي الشياح وبير العبد وحارة حريك وبرج البراجنة، من توليف الآية الأولى من سورة الحج: (يأيها الناس... إن زلزلة الساعة شيء عظيم). وتركُ (اتقوا ربكم) من الآية يراد به تعظيم أثر الزلزلة في النفوس، وسد ملاذ التقوى وذريعتها على الأثر المخيف. وفي أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية الطويلة (1980ـ 1988)، وهي حرب وصفها الإيرانيون بـ "المفروضة" عليهم والباغية ولكنهم لم يتركوا وسيلة من وسائل إطالتها بعد 1982 إلا توسلوا بها، صورت الدعاوة الخمينية وقائع الحرب في صورة الزلزلة الأخيرة. والزلزلة هي قرين الرؤيا اليوحناوية والغنوصية. فحين فتح الختمان السادس والسابع من "الكتاب المكتوب من داخل"، بين يدي الجالس على العرش، "إذا بزلزلة عظيمة وقد اسودت الشمس كمِسْح الشعر، والقمر كله صار مثل الدم". و "حدثت رعود وأصوات وبروق وزلزلة"، و "حدث برد ونار يخالطهما دم وأُلقيا على الأرض فاحترق ثلث الأرض، واحترق ثلث الشجر، وكل عشب أخضر احترق".[تذكر الرعبوالرعد والزلزال والشهاب والأبابيل هي من اسماء الصواريخ الإيرانية. وحلت الأسماء هذه محل اسماء تقتصر على اصطلاح مجرد وعار من الإيحاءات والظلال القصصية العاصفة، مثل "سكود" أو "إس إس". وتضطلع الأسماء في عالم الرؤى، والرؤيا المفردة، بدور قصصي شعبي قد يتجاوز الدور العملي الوظيفي، أو يتضافر معه على الانتصار بالرعب، ومن طريق الرعب. ولم "يسلم" العدو من عدوى القصص الإيراني الإمامي. ففي تقرير عسكري استخباري نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية (ونقلته بعض الصحف العربية عن نشرة "المصدر" الفلسطينية في 4 تموز)، أن "حزب الله" استخلص دروس حرب تموز 2006، وأعد نفسه، ويعدها، الى "يوم الحساب"، على قول الصحيفة التقريري، وليس المجازي. ويصف التقرير، المفترض تقريراً وصفياً، أحوال الحزب المقاتل على نحو ما يرغب الحزب نفسه في وصف أحواله، وعلى نحو ما يرى الى نفسه في مرآة قصصية ولغوية ملحمية. فأنصاره "في كل مكان"، واستخباراته لا تخفاها واردة ولا شاردة. ولكن الحال هذه تبدو عامة ومجردة، ولا تقع تحت الحواس. والتمثيل على الخفاء والغيب عسير، على ما تعرف الديانات كلها. فيشخص التقرير مكافئ "في كل مكان" وصنوه الحسي والمخيف تشخيصاً سالباً. فيقول: "أنصار (الحزب) لا يروحون ويجيئون شاهري السلاح، وملطخي الوجوه بالشحن الأسود". فإذا هم لا يظهرون بمكان معروف، وإذا هم غير معلمين (أو شاهرين علاماتهم)، فما ذلك إلا ظاهر مخادع وغفل يلبسه باطن مخيف.والقناع الغفل هذا لا يحول بين التقرير وبين إحصاء ما لا سبيل الى إحصائه، وإلى العلم به. والإحصاء ـ شأنه في عبارة: أحصى عليه أنفاسه ـ علم إلهي أو علم علاّم الغيوب من طريق جيوش الملائكة والجن والحن وأشباههم وأصنافهم. ولا يدعو هذا كاتب أو كتاب التقرير إلى الإحجام عن التخمين. فيقطع، غير متردد، بأن عدد مقاتلي الحزب الخميني المسلح المدربين والمجهزين يبلغ الثمانية آلاف مقاتل. وكانت الاستخبارات الإسرائيلية زعمت في اثناء حرب صيف 2006 التي أخذتها على غرة منها وخاضتها على غير بصيرة، أن عدد المقاتلين هو نحو 2500، وأنها قتلت نحو ربع العدد هذا في الحرب التي دامت نيفاً وشهراً. وينشر التقدير الاستخباري، وهو ركن معالجة عملية أو عملانية عسكرية محتملة، الآلاف الثمانية في ما لا يقل عن 500 موقع. فهو يزعم ان الجماعة المقاتلة من 15 مقاتلاً مدرباً. وهؤلاء "وحدة دفاعية قائمة برأسها، وتستقل بقيادتها وهيكليتها وسلاح هندستها وسلاحها المضاد للطيران ومكامنها وخطط انتشارها رداً على احتدام المعركة". فإذا قسم الآلاف الثمانية على 15 مقاتلاً، وسع الوحدات المفترضة ان تبث مقاتليها وسلاحها في نواحي لبنان كلها من غير استثناء. وبعض الوحدات هذه ينتشر جنوب الليطاني، حيث يحظر عليه القرار 1701 الانتشار، وبعضها أو كثرتها ينتشر شمال الليطاني. و"الشمال" هذا عريض وعميق. فهو يشمل بيروت كلها، والبقاع على امتداده، وما بين الليطاني وبين بيروت. والصواريخ الشمالية أثقل من الجنوبية، وأدق إصابة، وأخفى على عين العدو ورصده، فغشيان جماعات المقاتلين القليلة العدد، والمستقلة بقيادتها الميدانية وعتادها، الأرض والبلاد والناس، هو رد حزبهم على عمليات برية، عريضة والتفافية، يتوقع الحزب ان تقوم بها القوات الإسرائيلية، وتنفذها فرق كثيرة، في جولة آتية. ويخطط الانتشار الحزب اللهي المزمع لتفادي إنزال العمليات البرية، على خلاف الحرب الجوية السابقة، الشلل في القصف الصاروخي، سلاح الحزب العسكري الأمضى. فإذا شاغلت القوات البرية المهاجمة بعض الوحدات بجنوب الليطاني، واضطرتها الى الاشتباك وترك القصف، لم يقيد هذا الوحدات الأخرى، ولم يحل بينها وبين المضي على القصف. ولعل بيت القصيد في الخطة الني ينسبها التقرير الإسرائيلي الى الحزب الخميني المقاتل هو إنشاء طاقة تمكنه من "إطلاق الف صاروخ في اليوم الواحد على إسرائيل طوال 60 يوماً من غير انقطاع". والقياس هو على أربعة آلاف صاروخ أطلقت قبل 3 أعوام في أثناء 33 يوماً دامتها العمليات القتالية.ويجر القياس الى قياس صنوه ونظيره: ففي أيام الحرب الميمونة السابقة، والمقيدة برغبة أميركية وأوروبية في حماية تماسك الدولة أو الحكومة اللبنانية بإزاء "معارضتها" المسلحة والمغامرة، أنزلت القوات الإسرائيلية بلبنان واللبنانيين خسائر بشرية ومادية وسياسية واجتماعية لم يعوض معظمها، غداة انقضاء 3 أعوام عليها. والخسائر السياسية والاجتماعية الى البشرية، الى تفاقم وتعاظم. وهي تنيخ بأثقالها وسلاسلها وكراهيتها ومرارتها على حياتنا اليومية، وعلى علاقاتنا بعضنا ببعض، والواحد بغيره وبنفسه، والحاضر بالماضي والآتي. وسرى الرعب في أوصال الحياة والأحياء. وحل "تذكره"، على مثال تذكر أهل الأمة العالمة الموت، محل الرابطة الاجتماعية الأولى. ويشرب الرعب هذا من معين دمج الحياة المدنية في المهمات العسكرية، وإدخال السعي اليومي في الباب الأمني، وتغليب الأمن السياسي والبوليسي على المعاش، وحمل السياسة على العصابة، والقيادة على التأديب، وتخليص الحق على الغارة. وتقتضي "ثقافة المقاومة" والزلزلة هذه ألا تنتحي زاوية من زوايا الحياة الخاصة أو العامة ناحية على حدة، أو تستقل بشأنها، وألا يحسب أحد انه في منأى، لبعض الوقت، من الزلزلة المتربصة وراء المنعطف. وروى إيزاك شافيس سينجر، وهو روائي يهودي ترك بولونيا الى أميركا عشية الحرب الثانية وأقام على الكتابة بلغة اليديش المولدة والهجينة، أنه أعرب يوماً الى أبيه المتدين والمحافظ عن رغبته في تعلم الألمانية. فرد الأب مندهشاً ومستغرباً: انظروا الى هذا! قد يأتي المسيح من آل داود بين ليلة وضحاها، ويحسب الولد الغر ان في الوقت متسعاً لتعلم الألمانية!وهذا قبس من الانتظار المهدوي وبعض وحيه. وقد تبدو ترجمته السياسية ملفاً نووياً، وتخصيباً، وتصديراً للثورة، وعمليات أمنية تخريبية في دول الجوار وثأرية في الأقاليم البعيدة، وتظاهرات ومواكب مليونية، وتخييمات ثقيلة، وانتخابات مزورة وصورية، وإفساداً جماهيرياً، وحروباً غب الطلب ـ قد تبدو ترجمته هذه افتراضاً بعيداً وضعيفاً ما لم يُنتبه الى نفي السياسة من الاجتماع المترتب على الترجمة هذه. فاستدراج الحياة، خاصة فردية أم مشتركة عامة، الى دائرةٍ "كل شيء (فيها) جائز"، على قول البابية في الوقت الذي يتوسط نسخ الشريعة السابقة وانتظار الشريعة الآتية، وفي جوار القبور والجبانات، وتحت أنظار الموتى، يحبط الفعل، ويحيله نزوة عبثية لا طائل منها.


الخميس، 25 يونيو 2009

أجهزة القوة المركزية في طهران تحسم الموقف الرسمي و«الإسلامي»

الحياة- 24 يونيو 2009
بدت صورة محمود أحمدي نجاد وهو يخطب جمعاً من بضع عشرات من العلماء المعممين (بعمامات بيض معظمها) غداة خطبة علي خامنئي، في 19 حزيران (يونيو)، وحسمه الرأي في انتخابات 12 وتزكيته «التلميذ الصغير»، على ما وصف الرئيس المنتخب نفسه، وفوزه - بدت الصورة غريبة بعض الشيء. فجنرال الحرس الثوري السابق، وعضو استخباراته وجهازه العملي والتنفيذي، على زعم نمساوي متجدد، لا يقف خطيباً، بعد فوز متنازع، في من يفترض فيهم انهم قاعدته السياسية و «الاجتماعية» والإيديولوجية، وأمثاله وزملاؤه.
وليس من يقف موقفه في العلماء المعممين هو من يفترض فيه انه زميلهم، ومن مرتبتهم «علماً» وفقهاً وتدريساً، وهو آية الله (العظمى، على سبيل الاختيار) علي خامنئي. وعلى رغم ان خامنئي رئيس اركان فقهاء الجمهورية وعلمائها، لم يخص ضباط الحرس والشرطة والجيش والاستخبارات بخطبة غير تلك التي قرأها على مصلي الجمعة بطهران. فهو برز على شاكلة قائد «اجهزة القوة»، على قول روسي يخصص أدوات القمع بالتسمية والوظيفة. والمرشد ومرجع الفقه والتقليد في دولة تنتسب الى دين وإيمان واعتقاد، قصر كلامه الفصل، بحسب ما ينص الدستور على مرتبته، على شؤون «سياسية»، والأصح على شؤون إدارية إحصائية وإجرائية وبوليسية. فلم يحتج، ولم يقارع الحجة بالحجة، والمنطق بالمنطق، والبرهان بالبرهان. فتوعد وتهدد و أنذر وخوف. فكان قوله قول ضابط أمن، من الحرس أو من الباسيج، وليس قول مدرس مجتهد، يحاضر في السطوح والخارج وفي مبادئ استنباط الأحكام، على قول الإماميين في علمائهم وطلبتهم.
ولا نعلم ما قاله محمود احمدي نجاد وهو يخطب جمهوره من الحاج والأغوات، على ما يسمي الإيرانيون معمميهم. ولكن ما لم يفت المعلقين ملاحظته هو إحجام كبار العلماء ومدرسي الحوزات بقم ومشهد وشيراز ويزد، الى طهران، عن الخوض في انتخابات الجمهورية «الإسلامية» التي تستظل علمهم وفقههم و «قيادتهم»، ويتبوأون في مجالسها الانتصابية (الرقابية) مراتب الحسم والبت. وكان مير حسين موسوي ناشد العلماء الكبار، مساء 12 حزيران، وحال مبادرة بعض اجهزة السلطة الأمنية والإعلامية إلى إجراءات وإعلانات أظهرت خروجها عن التحفظ وميلها الى الرئيس الحرسي والأمني-، تركَ انزوائهم وصمتهم غير المعتاد، والإدلاء برأيهم فيما يحصل ويُفتأت. وبعض منه، إن لم يكن معظمه، يحصل باسمهم ويستقوي بولايتهم وفقههم. وأدرك بعض المراقبين ان الغرض من مناشدة موسوي العلماء هو تلافي دعوة الناخبين المقترعين الى التظاهر، وحماية اقتراعهم وأصواتهم من مصادرة اجهزة وزارة الداخلية، وأجهزة القوة الأخرى لها.
ولكن علماء الحوزة «الناطقة»، والجهورية النطق، على ما دعاها إليه روح الله خميني وثنّى على دعوته نجل محمد باقر الصدر العراقي ، لزم معظمهم الصمت. وتركوا، ما خلا آية الله صانعي وحسين منتظري «المعتقل»، عشرات الملايين من المقترعين الإيرانيين، المسلمين، وجهاً لوجه وعشرات الآلاف من «الخالدين» (اسم فرقة الحرس الشاهنشاهي والامبراطوري الخاص) الجدد. وهم أحجموا عن الكلام، رأياً غير ملزم أو فتوى، وعزفوا عنه. ولم يعلنوا تأييدهم المرشد، من وجه آخر، ربما تفادياً لظهورهم، أو ظهور مكانتهم ودورهم على حقيقتهما الضعيفة والهزيلة. فالجمهورية «الإسلامية» ناطت بعلم العالم الفقيه صفته الدينية المفترضة، وأرست على العلم هذا وصل ما انقطع من حبل الإيمان والرأي الصحيح والسديد. وهي تولت جسم العلماء وسلكهم وهيئتهم، وخشيت انقساماتهم، وتحفظهم، وانصراف معظمهم عن وعودها لهم. ولم ينفع هذا كله. فجاء انتخاب رئيس بلدية طهران (يومها)، والحرسي الاستخباري، الغامض الدور والماضي والسيرة، وهو أول «مدني» غير معمم يتبوأ منصب الرئاسة، جاء ايذاناً بتردي مرتبة العلماء بين مراتب الجمهورية وبضعفها.
وصمَمُ العلماء، اليوم، عن نداء «المدني» موسوي، وفي صفه خاتمي ورفسنجاني من زملائهم الى منتظري، وإحجامهم عن التورط في تأييد خامنئي، ولزومهم صمتاً موارباً، قد تكون من القرائن على إدراك العلماء، جسم الجمهورية «الإسلامية» الأول وعلمها على هويتها المفترضة، ضعفَ مرتبتهم، وتقدم المراتب الأخرى، الأمنية والعسكرية والتعبوية والاقتصادية، عليها. واستباق خامنئي، ووزارة الداخلية، الاحتكام الى مجلس صيانة الدستور الذي يبت في الترشح الى الانتخابات، وإلى مجلس الخبراء الذي يراقب أعمال الهيئات وفي مقدمها المرشد نفسه، والعلماء هم الشطر الراجح من هيئات المراقبة والنظارة والحسبة - الاستباق هذا قد يكون عبارة عن «نقل» خامنئي ولاءه، أو التماسه عوامل قوته من الهيئات الدستورية الى اجهزة القوة.
وبعض هذا، مقدماتُه في سياسة محمود أحمدي نجاد، وفي النهج الذي توجه احمدي نجاد، وأعانه على تتويجه خامنئي في 2005. فالميل الى حماية النظام «الإسلامي»، اي الخميني، من طريق سياسة ردع نووي حازمة ومغامرة، وبواسطة طوق من المنظمات العسكرية والأمنية الموالية، على مثال «حزب الله» و «حماس» و «لواء بدر» السابق واللاحق، والمبادرة الى حروب اختيار واستنزاف إقليمية، تقتضي سلطة مركزية متماكـسة ومرصوصـة في الـداخل والـخارج مـعاً.
ولا يتفق المقتضى المركزي العسكري هذا مع كثرةِ الهيئات الرقابية، وربما تنازِعها، المتخلفَيْن عن الحركة الشعبية و «الجمهورية» التي حملت فقيه قم الى قيادة إيران. فمهمة قيادة الدولة الإقليمية التي تتوق الى «العظمة» تشترط من غير شك تمتعها بمشروعية «إسلامية» متينة. ولكن حماية الدولة هذه، في الداخل والجوار، لا تقع في المرتبة الأولى على عاتق الجسم العلمائي. وانقساماته لا تؤهله للاضطلاع بحماية الدولة او النظام. وعلى هذا، فالانتخابات على صورتها السابقة، واحتكامها الى منافسة حقيقية على رغم تصفية المرشحين، لم تبق الشكل الأمثل لـ «إنتاج» قيادة مشاغلها العسكري والأمنية غالبة. فينبغي ألا تكون الانتخابات مرآة قيادة مركبة، أو منقسمة في الداخل، شأنها في الخارج. وهذا برنامج المرحلة القادمة. ولكن ربما بعد فوات الأوان. فالإيرانيون ثلموا الصورة الحرسية، وأظهروا الانقسام في قلب «الامبراطورية» الإقليمية. فليس المتظاهرون والمتظاهرات وحدهم في ورطة. وقد تكون ورطة اركان الحرس والباسيج وأجهزة القوة أشد وأقسى وأبأس عاقبة