الثلاثاء، 16 مارس 2010

الحادثة الإرهابية في رواية جون أوبدايك الأميركية

عمل الرواية يبني الحادثة وأصحابها ومسارحها... تخصيصاً وتوسيطاً واستعارة فارقة
المستقبل 14/3/2010

يروي جون أوبدايك (1932 – 2009) في "رابّيت مدرَكاً"، 1971، حادثة قتل إرهابية غير متعمدة. والحادثة اقترفها في ولاية تقع بوسط الولايات المتحدة، في 1969، أشباه من كانوا يقتلون السود في الخمسينات والستينات المنصرمة، في ولايات الجنوب الأميركي، من بيض الطبقات الوسطى و "حلفائهم" وأنصارهم ومأجوريهم المرتثين، والزائلين عن مرتبة مضطربة، وعلى شاكلة قتلهم. وعلى هذا، فإرهابيو الرواية الأميركية الكبيرة ليسوا السود، ولا المهاجرين الجدد، ولا مهاجري الجيل الثاني – بل الرابع، على قول فيليب روث في "(موسيقى) ريفية أميركية" – ولا "العرب المسلمين الأميركيين". وغداة 35 عاماً على روايته هذه، يتناول أوبدايك في"إرهابي" (2006) قصة الفتى التلميذ أحمد عشماوي، المولود من مصري مهاجر ومن ممرضة أميركية شقراء، وإعداده تفجير شاحنة في نفق بضاحية نيوجيرزي. وبين روايتي جون أوبدايك، يقص فيليب روث، في الجزء الثاني من "ثلاثية" ضعيفة الأواصر، نشر في 1997، انخراط ميري ليفوف، بنت سيمور ليفوف "السويدي" وارث مصنع القفازات في نيوارك، في حرب السود على البيض تحت لواء "الفهود"، وقتلها عمداً نساء صادفتهن في "عمليتها". وعلى جهة ثقافية وجغرافية بلدانية وتاريخية بعيدة، عمد علاء الأسواني، "بناية يعقوبيان" (2002)، الى تعقب انقلاب طه محمد الشاذلي من طالب جامعي قصارى أمنيته لباس بزة شرطي الى جهادي مقاتل، من غير ان يقصر تعقبه على الانقلاب هذا.
وتناول قتل إرهابي في رواية، أو عمل روائي، قد يكون امتحاناً روائياً قاسياً. فحمل الجريمة على فاعلها يدعو الى اختصار هذا الحمل في علاقة سببية. وتبدد العلاقة السببية، وما يكتنفها من تعليل نفسي تحليلي (فرويدي) وثقافي ويلابسها من اسباب اجتماعية، الحادثة الروائية. فتنخرط هذه في "سلسلة الوقائع" المولود بعضها من بعض ولادة يستوفي "ولدُها سرَّ أبيه". وعلى هذا، تخرج الحادثة عن سمت الولادة، وعن إضمارها ابتداءً يحيط سلفاً بأقدار المولود ومصائره. والمقارنة بين روايتي أوبدايك، ورواية روث على نحو أضيق، وبين قصة علاء الأسواني، تختبر "عمل" الرواية في مادة الإرهاب، وإنشاءها المادة هذه إنشاءً روائياً، من غير زعم ان المقارنة تحتمل الإفضاء الى استخلاص ما يشبه منهجاً أو طريقة. فهي (المقارنة) ليست معيارية، ولا هي مقايسة أو حملاً على قياس أول، بل هي وصفية وتشريحية ووظائفية، أو هذا سائقها من غير ادعاء انها وفت به والتزمته. والجزء الأول من المقارنة هو بعض عمل في إطار IFPO (المعهد الفرنسي للشرق الأدنى) رعاه فرانك ميرمييه F.Mermier، مدير المعهد السابق.

الإقبال على الالتباس

وتروي "رابّيت مدرَكاً" قصة متماسكة، "بدايتها" القصصية المباشرة، وذريعتها، انفصال هارولد انغستروم وجانيس سبرينغر، وترك هذه زوجها، عامل الرينيوتيب في مطبعة قادمة على صرف بعض أعمالها، الى عشيقها. فيسعى الزوج في امرأة تشاركه فراشه، في انتظار عودة زوجته التي يراها وشيكة. و "يقع" على جيل بيندليتون، المدمنة والهاربة من امها وزوج الأم، وعلى سكيتير، وسيطها الأسود و "مرشدها" الفكري وقوادها. ويحل هذان في ضيافة العازب الموقت على مرأى من ضاحية البلدة وأهلها الجدد والمحافظين. فيريد بعض هؤلاء تأديب المضيف على استضافته نواة "القبيلة" الهيبية، ويوعزون بحرق مرأب المنزل أو يتولون الحرق بأيديهم. فتقتل الصبية في الحريق الإرهابي والمفتعل. ويهرب الوسيط الأسود من التهمة. وتروع الحادثة الزوجة، وتخيفها على ابنها، وفي الأثناء يهجرها عشيقها المريض، فيعود الزوجان واحدهما الى الآخر، أو الى فراش مشترك في غرفة موتيل بضاحية البلدة. وإيجاز القصة على النحو، الأمين، هذا يعريها من معظم ناسها وتواريخهم، ومن معظم الأفعال وسياقاتها، ويسكت عن الدواعي كلها، وعن مصادرها ومواردها، وعن المقالات ولغاتها، والأماكن وخرائطها. ويبدد الإيجاز الفرادة والتواتر على قدر ما يبدد المفاجأة والتوقع، وصدورَ الحوادث عن المنازع القديمة ونجومها عن ظروف طارئة، معاً.
فحين يسأل شرطي يتولى التحقيق في حادثة الحريق المفتعل الذي أودى بالصبية جيل بيندليتون، الضيفة على هاري (هارولد) آنغستروم، الملقب برابّيت، عن الشاب الأسود الهارب، وهو الضيف الثاني في منزل هاري، والمظنون في الحريق المفتعل، يسأله: هل كان الشاب الأسود، هيوبرت جونسون المدعو سكيتير، يرهبكم؟ يجيب صاحب البيت ومضيف الصبية والشاب: "لا، كان يسلينا". وسؤال الشرطي المحقق – وهو يبطن تهمة بالإرهاب تقع على شاب أسود سبق ان حارب جندياً في فيتنام، ويتناول المخدرات الثقيلة ويتجر بها، ويخطب خطابة حادة ومتصلة في حقوق السود ويصور نفسه "مسيحاً منتظراً" – صدى مباشر وآني للوقت الذي تحصل فيه حوادث رواية جون اوبدايك "رابّيت مدرَكاً" ووقائعها، أي صيف عام 1969 وخريفه. ففي الأشهر الخمسة أو الستة الأخيرة من العام وقعت حوادث عرقية في بعض مدن الولايات المتحدة الأميركية، أبرزها مدينة يورك، رددت أصداء اغتيال مارتن لوثر كينغ في اوائل نيسان (ابريل) 1968 في مدينة ممفيس الجنوبية، وخلفت 46 قتيلاً ومئات الجرحى. واتفقت حركة السود الأميركيين على وجوهها المتفرقة، المدنية السلمية والأهلية أو القومية المسلحة والاجتماعية العمالية والثقافية الحياتية اليومية، مع الاحتجاجات الطالبية العريضة على حرب فيتنام والتجنيد الإلزامي، وشيوع مذاهب موسيقية وغنائية ومسرحية واستعراضية احتفالية تؤدى على مثال الشعائر الجماهيرية وتمزج الغناء والموسيقى والرقص بتناول مخدرات وجهر صور "الحب" على الملأ.
ويربط سؤال الشرطي الحادثة الجرمية الملتبسة، أي قضاء الفتاة البيضاء الفتية والهاربة من دار أمها الثرية في حريق منزل تركته صاحبته وألجأ إليه صاحبُه "العازب" الصبية التائهة والشاب الأسود الهارب، بجملة حوادث ووقائع خاصة وعامة، معاصرة ومتواقتة. فالإرهاب، أي تقصد القتل بواسطة الحريق المفتعل، جريمة يحملها الشرطي، وهو الرجل الأبيض المحلي الأشيب الشعر والمتخفف من شارة سلك الشرطة والمكسور الأنف، على فعل يرتكبه مظنونون يدخلون في باب أو فئة. ولا ريب في أن شاباً ملوناً ومن غير عمل ومطلوباً بحيازة مخدر وهارباً متخفياً، يسلك طريقاً لا التواء فيها الى باب المظنونين وكتلتهم. فهو، على قول الشرطي، من سود برِيوير، المدينة الصغيرة التي ولد بها هاري انغستروم ونشأ ويعمل ويقيم ومنزله المحترق بضاحيتها الجديدة، بينْ فيلاس. وسود بروير متصلون، على معنى المواطأة، بسود فيلادلفيا وكامدين ونيوارك، معاقل حركة السود الناشطة القريبة والكبيرة. وراقبت الشرطة سكيتير، المتنازع الاسم بين هيوبرت جونسون وبين هيوبرت فارنسويرث ومن غير هيوبرت في الحالين، وهي على علم بضآلة شأنه ومرتبته. ولكنها أملت في تعقب خطوه الى الكتلة ذات الشأن، والعالية المرتبة في العالم المضطرب بضاحية "الحدود والقوانين"، على ما شعر نلسون، ابن هاري، وهاري نفسه من بعد ("أحس في نفسه تعاظم ما يشبه موجة أو كتلة من عشق القانون"). والواقعة الأخيرة في جملة الوقائع العرقية الملونة التي تقود استدلال الشرطة ومحققيها هي حادثة يورك. ويستدرج المحقق مضيف الصبية التي قضت لتوها احتراقاً، الى متابعته على رأيه في الاضطرابات العرقية، والاجتماعية والسياسية و "الثقافية"، فيخاطبه بسؤال ليس سؤالاً: "لا نرغب هنا في حصول يورك أخرى، على ما أظن؟" وكانت يورك مسرحاً لهرجة أهلية ملونة أطلق سود مسلحون في أثنائها الرصاص من بنادق ومسدسات، واختلط فيها "السياسيون" الناشطون والمنظمون بمروجي المخدرات والبطالين والمسجونين السابقين. والخليط هذا، شأن ما يشكل تمييزه وتبويبه على القانون ورجاله وذراعه، يخشاه رجال الشرطة. وهو مزلق الى التباس الوقائع والفاعلين والنوايا وضياع حدودها ومسالكها، وتالياً الى اضطراب أحكامها.
ويقبل الروائي إقبالاً قوياً، يكاد يكون محموماً على الالتباس الذي يخشاه الشرطي ويعلم انه لا مناص له من الخوض فيه من غير رجاء تركه والتخفف منه، فهو مادة عمله وطينة الحياة التي يعالج عمله بعض شرائحها وأحوالها. وشرطيه، شرطي الروائي – شأن هاري بطله ونلسون ابن هاري وجيل القتيلة حرقاً وسكيتير أسوده وغيرهم – يتحرى وجه الإرهاب، من طريق سؤال صاحب المنزل المحروق عمداً عن ترهيب الشاب المتواري مضيفَه الغريب، بين وجوه أخرى جائزة، تجوِّزها جهات هبوب الحوادث ومصادر هذه الحوادث ومسالكها الظاهرة. فهو يستجوبه (أي يطلب جوابه)، قبل الإرهاب، عن علة المادة الحارقة في مرأب السيارة، وعن حيث كان ساعة ارتكاب الجريمة والذين يسعهم إثبات صدق قوله وذريعة براءته، على رسم تدرج تحقيق أولي في جريمة "عادية" (إذا جازت الصفة). وينتقل الى باب سؤال آخر، أكثر تخصيصاً من السؤالين العامين الأولين، يتناول استضافة رابيت الشابة الفتية وصديقها الأسود الهارب. وفي الأثناء، بين السؤال عن مكان الرجل حين شب الحريق القاتل وبين طلب السبب في الاستضافة والداعي إليها، يُعلم محققون على طرف الهاتف سيارة الشرطة الآخر المحقق بثمرة تحريهم صدق زعم هاري وتصديق الزعم. ويستقوي المحقق بالتصديق. فيطرح على المضيف وملجئ القتيلة والهارب سؤالاً يتناول خصوصية غامضة أو مشبوهة، وداعياً جائزاً الى القتل: قد تكون القتيلة حاملاً من مضيفها وأراد هذا التخفف منها، ومن جنينها، فأشعل النار في منزله وقتل مضيفته "الثقيلة"، وأشبهَ معظم الذين يفتعلون تحريق منازلهم عمداً (والملاحظة الإحصائية هذه يدرك رابّيت مغزاها تلية وقت قصير حين يخبره شرطي آخر هو حارس المنزل ان التأمين يعوضه خسائره كاملة" ما دام العقار اشتري من طريق التسليف). فيجيب ان الشابة كانت، شأن بنات وقتها ونسائه مذذاك، تتقي الحمل و "الوقوع" فيه، بواسطة حبوب تحول دونه. ولا يحتاج المحقق الى جملة ثانية تشرح الأولى، وتعقّب عليها. فيدعو محادثه الى التكلم في حالها، وفيما انتهى بها وبالشاب الأسود إليه هو، وإلى منزله وضيافته.

التعريف البوليسي الثقافي

وتوجز الإجابة المقتضبة ما ربما لم يعمل المضيف فكره فيه من قبل. فلا يرى مسوغاً لاستضافته الصبية اليافعة والتائهة، ومدمنة المخدرات الثقيلة وداعية سلام الكائنات الصوفي، غير مغادرة زوجته منزلهما، ولحاقها بعشيقها اليوناني الأصل شارلي ستافروس، الموظف في وكالة أبيها بائع سيارات "تويوتا" اليابانية في السوق الأميركية (وهذا من سمات العصر وقسماته الاقتصادية والاجتماعية). ولم يكن هاري رأى رأياً آخر يوم دعاه أحد زملائه السود في المطبعة التي يعمل فيها جنباً الى جنب مع والده، قبل نحو خمسة أشهر، الى الخروج من انكفائه المفترض على نفسه جراء ترك زوجته منزلهما، وعزيمته الزميل على موافاته الى مقصف وناد ليلي يرتاده السود، لعله يقع على امرأة يضاجعها وتضاجعه، ولوح الزميل الأسود بهذا من قبيل الوعد، وتحل محل زوجته على ما يليق برجل في مثل حاله. فجيل أشبه ببديل من غائبـ(ـة). وهي جرّت الى المضافة صاحبها الذي علقته وعلقها، وكانت الماريجوانا ومن بعدها حقن الإل إس دي صلة عقدهما المدمرة. ويوضح المضيفُ للمحقق ان طرده سكيتير، لو عزم على طرده من بيته، لم يكن ليبقي جيل وحدها في ضيافته ويفصل بينها وبين صاحبها، ولكانت لحقت به وهو واسطتها الى الماريجوانا والحقن في العروق. وعلى هذا، فالضيفان نزلا في ضيافته من طريق فجوة خلفتها المرأة وراءها حين غادرت البيت ولحقت بعشيق "رد(ها) الى نفسـ(ـها)" و "جلا(ها) على حقيقتـ(ـها)"، على قولها في لغة الوقت النسوية، ورطانته السائرة والشائعة.
وكان شرطي أول التقاه صاحبُ المنزل وولده حال وصولهما الى المنزل المشتعل – بعد دقائق من مهاتفة سكيتير الهارب هاري المدعو الى عشاء ببيت بيغي فوسناشت الجارة والصديقة، وإبلاغه خبر الحادثة قبل هربه – تولى تحقيقاً أولياً في الهويات وتعريف الأشخاص، بحيال الحريق وإزائه وفي وسط الفضوليين المتجمهرين وجلبتهم ولغطهم. ويعدّ صاحبُ البيت، وهو ينظر الى الحريق والإطفائيين ويداري غضب ولده منه وتهمته له بتخليه عن جيل الى سكيتير وتركه حمايتها منه، قاطني البيت المنكوب ونزلاءه، ويحصيهم ويعرّفهم اسماً وسناً وجنساً وصفة، على مسمع من الشرطي المدوّن. وحين استيفاء التعريف الأولي، وظهور غرابة الجمع في المنزل الصغير بين رب الأسرة وولده الفتي وبين الشابة الفتية والشاب الأسود، من غير معرفة وثيقة ولا صلة صداقة أو قرابة، يفترض الشرطي المدون ان الجمع المتباعد هذا لا يفهم التئامه إلا على مثال رهط المساكنة "الجنسية"، أو قبيلة المساكنة، الذي شاع في شباب حركة الاحتجاج على الحرب الأميركية وجمهور "الثقافة النقيض" واستعراضاتها ومشاهدها واحتفالاتها. فيخلص المدون من تعريف الأربعة – انغستروم، وولده نلسون المولود لهاري انغستروم وجانيس المولودة سبرينغر الغائبة، وجيل بيندليتون المؤودة في البيت المحترق والقادمة من مدينة ستونينغتون بولاية كونيكتيكيت، والمدعو سكيتير ربما فارنسويرث على ما يظن هاري وربما اسم آخر من بريوير نفسها – يخلص الى ان رابطتهم هي رابطة مساكني رهط أو قبيلة. وقوام الرابطة هذه هو تداول الأقران والأزواج والمضاجعات وتعاطي المخدرات، والتعيش من الاحتيال على "الرعاية"، والإعداد للاحتفالات "القبلية" المشتركة والتظاهرات "اليسارية". ويرد هاري تهمة الشرطي المدون، أي حمله اجتماع الأربعة ومساكنتهم على مساكنة قبلية وينفيها نفياً سياسياً، وهو الوجه الذي يحسب ان التهمة تصدر عنه ومنه. فيقول ساخراً: "رباه، لا! أنا محافظ واقترعت لهيوبرت همفري" (في انتخابات 1968، وهي انتخابات حاسمة خرجت الرئاسة الأميركية فيها من الديموقراطيين بعد ولايتين وفاز فيها الجمهوري ريتشارد نيكسون على المرشح الديموقراطي الرمادي الذي حل محل روبرت كينيدي، بعد اغتياله).
وتحري الشرطة، في هذا الفصل من الاستجواب الأولي الذي تولاه الشرطي المدون تلية اندلاع النار وفي الوقت التالي عن يد الشرطي المحقق، الإرهاب وعنه، على معنيي الترهيب المعنوي النفسي وتعمد القتل ثأراً عرقياً أو تستراً، هذا التحري بوليسي اجتماعي وثقافي سياسي. وسائقه أو ميزانه هو قرب سكيتير أو بعده من مثال الأسود "القومي" الذي تجتمع فيه دواعي الخروج على القانون وانتهاك سنن الحياة "الأميركية" العادية، على نحو ما يصفها جون أوبدايك وصفاً مادياً مستفيضاً. وتراوغ أجوبة رابيت التحقيق المستظهر بالمثال والرسم النمطيين. ورده (على) السؤال المباشر عن الترهيب بالقول ان سكيتير كان يسليهم، نقض على دواعي السؤال، وعلى المثال والرسوم البوليسيين السياسيين المضمرين في السؤال. فالمخدرات وتجارتها واللون والسن والمساكنة والهرب والبطالة والخطابة القومية، إذا صدق المثال والرسم وهما صادقان لأنهما يحظيان بقبول اجتماعي، ينبغي ان تستوفي علة الجريمة او عللها. وهي توجب تهمة من تجتمع فيه، وعليه، العوامل والقرائن هذه كلها. ويذهب المضيف، وهو صاحب البيت والشاهد الأول، الى ان المظنون مسلٍّ، ولا يصلح مسوغاً لتهمة أو ظن يصمد لتحقيق جاد. والقول هذا ينسب الشاب الأسود الى المسرح أو الى المحاكاة الإيمائية والاستعراضية، وإلى فن الخطابة والتشبيه. ويعطفه على الظرف الذي جمعه، هو هارولد انغستروم، بسكيتير المرة الأولى. فهما التقيا في المقصف أو الملهى الليلي، "بار الأصدقاء"، عشية اليوم الذي دعاه فيه زميله الأسود، بيوكانان، الى مقصف لا يغشاه غير السود، ويقوم بإزاء جسر البلدة فوق النهر، بريوير، في بلوم ستريت. والملهى الأسود ("أسود، على ما يرى رابيت، ليس إلا بعضاً من لغة السياسة"، يكتب أوبدايك في مطلع الفقرة التي تُدخل رابيت الى "بار الأصدقاء"، مسرح أدوار وملعب أقنعة وميدان أطوار وأحوال. ورابيت، حين يخطو خطواته الأولى، يبدو في عيون السود التي تستدير إليه وتثبته "رجلاً أبيض كبيراً ورخواً في بزة مناسبة (...) يشبه كرة سلة تنتظر رميها". وأول ظهور سكيتير، في الملهى الى جنب بايب، المغنية و "المامّا" والمومس لقاء 50 دولاراً الليلة، هو في صورة "لسان أجفل رابّيت من بياضه: فم ملؤه لحم أبيض". وتُتمّ صورةُ الفتى "اليافع، وشعر لحيته المجتمع في طرف ذقنه (كأنه) عصارة ما قدِر على إنباته"، القناعَ المسرحي الذي يمثل سكيتير فيه وعليه. واسمه لقب أو اصطلاح مسرحي كذلك. وعلى هذا فهو لا ينسبه الى أسرة أو أبوين أو رابطة تتعقب تحدره وأصوله وفروعه، ويقصره على صحب يتردد إليهم اليوم، ويسمون بالاسم هذا ظهوراته. وترجح الشهرة، او اسم العائلة اللاحق بين جونسون وبين فارنسويرث (وفارنسويرث شهرة زميل أسود قديم، من جيل والد انغستروم، في المطبعة)، قرينة على رجحان الدور والاصطلاح والسيرة وحوادثها على "الأصل" أو الرابطة التي تعرف الاسم والهوية وتعين موضعهما من جملة مواضع. وتتوالى قسمات الصورة الظاهرة. فبعد اللسان الأبيض والفم الممتلئ به وطرف اللحية المجتمع بطرف الذقن واليفاعة، يلم الوصف بجمجمة الرأس الضيقة و "فراش الصوف الأسود السميك قدر بوصة" على الرأس. وتخلل هذا كله تناول المادة المخدرة في لفافات السجائر وتداول اللفافات.

المَسْرحة والأفول

ويرهص اللسان، وبروزه ولونه وكلامه الحاد واستدراج حدته تعقيباً مستشرفاً ("يعود عليك لسانك بالشر يا ولد"، "وقاحاتك احفظْها في عقب حذائك"، يقول له بيوكانان في الملهى)، يرهص بمعظم الدور الذي يضطلع به سكيتير في أثناء نزوله ضيفاً على رابيت. فهو، في الأثناء، لم ينفك يتكلم ويروي ويعلِّم ويشرح ويخطب ويقرأ ويقرئ مواضع من كتب انتخبها وأعْلمها بشارات. وكلامه وروايته وتعليمه وخطبه... هي معظم مادة ضيافته وتستهلك معظم وقت هذه الضيافة. ومسرحتُها هي ركن روائيتها. فالخطب الطويلة وملخصات الكتب إنما هي شروح على الحوادث الكبيرة المعاصرة، وأولها حركات السود القومية والاحتجاجات الحادة على الحرب الأميركية بفيتنام وفصول من الحرب نفسها، ومعلقات ملحمية وتاريخية بعضها هاذٍ وبعضها صاحٍ عليها. والثلاثة، غير سكيتير، هم الجمهور المصغي على تباين مراتب الإصغاء، وهو المؤدي الكاهن والوسيط. وأداؤه أو كهانته، كان موضع أخذ ورد وتأويل. فزعم، في ثنايا بعض المطولات الخطابية وتضاعيف سحب الانتشاء، انه المسيح المخلص. وقبل ان يسر هاري الى الشرطي المحقق ان هيوبرت جونسون أو فارنسويرث، يوم كان يعرفه بسكيتير وحسب ويقنع من معرفته بالاسم المنتحل هذا، ان الفتى الأسود كان يسليهم ولم يكن يرهبهم، كان هاري تلقاء مسرح الفتى وبإزائه جمهوراً كوميدياً. وآية كوميدياه محاكاته اللاهية والساخرة، من غير مرارة ولا إفراط، بعض توقيعات المؤدي الخطيب اللفظية. فهو اعتاد توقيع جمله، وقطع الجمل الواحدة من الأخرى بلفظة يكررها تعني "مفهوم؟" أو "معلوم؟". وهذا التوقيع لم يلبث هاري ان أخذ يرد به على سكيتير، ويحمل اللفظة، وهي "محط كلام" ونافلة من نوافله، على محمل الجد، إمعاناً في مسرحة هازلة.
وحين يمضي المحقق على تأويل "شخصية" سكيتير تأويلاً سياسياً وبوليسياً وقصصياً ينتهي منه الى تحقيق تهمته بالقتل، وافتعال الحريق سعياً في القتل، فينسبه الى الجماعات السوداء القومية والمسلحة، يلاحظ المضيف ان ضيفه السابق والمتخفي بعد الحريق "كان يبدو، إذا أصغى المرء إليه، وقد تخطى الثورة الى ما بعدها، وأشبه المتصوف، وليس مجرماً قاتلاً". وهذه هي الصيغة الجادة للمسلي المسرحي التي ذهب إليها رابيت نفسه قبل دقائق. والصيغة الجادة تتناول سكيتير على الوجه الذي قد يرى هو الى نفسه عليه. ونمت بالصيغة هذه أقوال سكيتير في "الفهود السود"، وبعض أعلام حركات السود ("نحن فتنتك إيها الرجل الأبيض وشطر من أحلامك. نحن كابوس التكنولوجيا، والطبيعة الطيبة واليانعة التي دمرتموها في أنفسكم حين غرقتم في النهم الدنيء. نحن نفايات الثورة الصناعية، ولذا فنحن الثورة التالية"، يقول سكيتير لهاري في ختام مناقشة مستفيضة موضوعها اميركا والسود). ولعل تخطي الثورة الى ما بعدها، وشبه التصوف، هو نفسه ما رآه هاري لتوه تسلية ومسرحاً. وحين يعمد سكيتير الى تعريف نفسه و "حركته" ومثاله التعريف الخطابي الذي يتوسل به، ولا سبيل له الى غيره وهو مترجح بين جمهور مسرحه وخطابته وبين تجارته وتخفيه وأصدقائه، يجمع في التعريف روافد حركة الشباب الأميركية ومنازعها – اللونية العرقية والفوضوية والنسوية والعمرية والخلاصية والبيئية المسالمة و "السياسية". والحق ان هذه الروافد ينبغي تعريفها على وجوه الأضداد: فالرافد اللوني العرقي هو الرد الأسود على "التاريخ" الأبيض، وقيام السود على البيض، وإيجابهم في قيامهم قيماً تخالف قيم "عدوهم". ويصح هذا في الرافد النسوي، وفي إبطال "العقلانية" التقنية... ولا يُخلص من تعريف على وجوه الأضداد، ونفيها اضدادها، الى سياسة تسوغ حزباً ثورياً، على المعنى الذي يقصده الشرطي المحقق، ويفهمه عامل المطبعة في بلدة بريوير. فسكيتير تخطى الثورة الى التصوف. ويريد هاري بهذا انه تخطى السياسة الى ما لا يجتمع في تعريف مركب، ولا يقتضي قتلاً، حقيقةً ومجازاً في آن.
وتناولُ سكيتير على وجه الضيف المسلي والمتصوف، أو على وجه المناضل القومي الأسود والقاتل الإرهابي الجائز، في الوقت الذي يلي احتراق المنزل، لا يستوفي إيحاءات الشاب الأسود الروائية، ولا يلم بالوجه الذي يراه عليه نلسون – ابن هاري انغستروم وبعض من "جمهور" سكيتير القليل وربيب جيل ورفيق نزهاتها في سيارة البورش البيضاء وربما "رفيق" أشياء أُخر – في الوقت هذا. ويطل نلسون (نيلي في بعض المخاطبات) في سياقة الوقائع والحوادث التي تلت الحريق وبلوغ خبره صاحب المنزل وعودته وابنه من زيارته الى جارة قريبة، ويحْضُر الولد الوقائعَ وسياقتها على نحو متنازع ومشكك في والده. فبينما الاثنان، الوالد والولد، في طريقهما الى المنزل المحترق، ويتولى الوالد سوق سيارة "موستونغ" أعارته إياها الجارة القريبة المطلقة ووالدة زميل ابنه، تمر بسيارتهما "كتلة حمراء" هي سيارة إطفاء كبيرة ومسرعة. فتهتز لمرورها سيارة "الموستونغ"، وتنحرف الى وسط الطريق حيث لا تزال ظاهرة بقايا سكة حديد الترامواي الآفلة والمعطلة. فيحسب الفتى ان أباه فقد سيطرته على المركبة، وينبهه الى الأمر. فيجيب الأب، وهو رياضي ولاعب كرة سلة سابق ونجم فريق البلدة قبل نحو 15 عاماً يوم كان في العشرين، يجيب جازماً ومنتخياً: "أبداً. ليس أباك" (ليس من يفقد سيطرته... أباك، أي بأبيك). وقوله هذا هو من بقايا فتوة رياضية ومراهقة آفلة. ومبنى حوادث الرواية أو "فرصة" حبكها الأولى، إنما هو على الأفول هذا وأزمته، في معرض الرواح الى مسرح الكارثة. ويقيس الأفول الفرق بين الحوادث، على الوجه الذي يسع القارئ فهمها عليه، وبين مزاعم الشخصية الأولى في نفسها وعن نفسها. ويطل الولد على الحادثة، وعلى محل أبيه منها، من نافذة انحراف السيارة عن خط سيرها المستوي، وجنوحها الى موضع لا تزال ماثلة فيه آثار الماضي القريب، ماضي البلدة وماضي والده. ويُروى هذا الشطر من الرواية فيما الاثنان رائحان الى مسرح الحريق المتعمد الذي قتل الضيفة الصبية "جزاء" استضافة عامل طباعة الرونيوتيب، المنفصل عن زوجته، الصبية الهيبية والأسود المتصوف، وإعلانه الضيافة على ملأ ضاحية سكنية جديدة تحلها طبقة متوسطة محافظة وخائفة.
ويسبق الولد أباه الى مشاهدة التماع ألسنة النار في الأفق القريب، قبل انعطاف السيارة الى اليمين انعطافة حادة تقود الى شهود حي بينْ فيلاس والإطلالة عليه سريعاً. فينبه مرة ثانية، الأب الى أعراض الحريق واتفاقها مع محل المنزل. فيرد الأب جازماً ان الحي أبعد من الموضع. وينكر ان تكون أعراض اللهب البادية قرينة على حريق منزلهما. ولا تكاد السيارة تنعطف يميناً، وينفرج مشهد الحي، حتى يدرك هاري ان ابنه صدق فيما نبه إليه لتوه، وأن السطح المشتعل "قبة محمرة" هو سطح بيت الأسرة الصغيرة. ويسبق الولد والده، مرة ثالثة، حين يوقف الوالد السائق السيارة على تخوم الحشد الذي يحجز بين المنزل المحترق وبينهما. وتحول كثافة الحشد، على بعد منزلين من منزلهما، بين الأب وبين المضي قدماً وبلوغ المنزل. وأما الولد فينسل ويوارب ويمضي صوب مقصده و "يتوارى"، حين يضطر الوالد الى المدافعة بكتفيه وصدره، والاعتذار الى المحتشدين عن مدافعته يُجهر مِلك المنزل المحترق (على خلاف تواري الولد، ووسع الولد فعل هذا نكرة من غير تعريف). وحين يتوسط الرجل، اخيراً، فناء المبنى المحترق الأمامي، ويشاهد من قرب الشطر المحترق وجمهور المتفرجين من اهل الحي والبلدة، يجمع توسطه، والنظر الذي يتيحه التوسط، أطراف علاقة معقدة يسعه وحده جمعها. و "وحده" هذه تفصله من ولده الفتي. فهو، على خلاف ولده، في وسط "جزيرة الضوء" التي يصنعها "السينمائيون"، وهم مصورو شبكات التلفزيون عند منعطف عقد السبعينات وصحافيوها المتهافتون على رواية الحوادث ومتفرقاتها من طريق الصورة الحية، قبل ان يُنسبوا الى حرفة التلفزيون وقبل ان تلتهم الحرفة هذه السينما. ويدرك الفرقَ السينمائي هذا من بلغ الثلاثين تقريباً في أواخر العقد السابع من القرن العشرين، وعاصر النزول الأميركي على القمر – ومشاهد النزول هي لازمة رواية جون أوبدايك هذه ومعلَمها التاريخي المباشر. وهو يتوسط دائرة الضوء السينمائية أو التلفزيونية، من وجه، ولكنه، من وجه آخر ملازم، "هامشي وبعيد ويغلبه الحنين ومكفوف (الاستجابة)". فمن دخل لتوه دائرة الضوء الإعلامي والتلفزيوني الوليد، ولم يألفها بعد وهو طابع حرفي ومهدَّد في حرفته الآفلة، من هذا شأنه لا عجب إذا شدته مشاعره ومنازعه الى الهامش والماضي والحِدَة، فدخل الحاضر أو استقبله وهو يمشي القهقرى، على قول ماركس وقبله هيغيل في ولوج الجماعات والمجتمعات غير المعاصرة تماماً، وصاحبة "الوعي غير المطابق"، التاريخ الكبير.

البناء على الاستعارة

ولكن الولد يخسر سبقه، إذا صدقت العبارة، حال بلوغه ووالده مسرح العمل الإرهابي وجريمة القتل غير المتعمد التي نجمت عنه. ويسع الوالد رؤيا مشهد الاحتراق، وحمل المشهد وعوامله المتفرقة على صورة مركبة ومعللة، على نحو ما يسعه التأريخ لبعض العوامل (فلاقط التلفزيون فوق قبة القرميد ركب على مرحلتين، فعوضت الثانية تقصير الأولى عن تلافي اشتباك موجات البث والالتقاط مع اجهزة الجيران المتكاثرة) ومقارنة الجزء بالآخر (فاللاقط يهتز تحت وقع ألسنة اللهب اهتزاز "شجرة هزيلة لا تزال متماسكة بخيط ما أو ببعض آصرة تشدها الى جذورها"، وسحابة الدخان الأصفر الكثيفة تخرج من انهيار زاوية المنزل فوق حجرة النوم "رمادية وذهبية، لزجة وذائبة مثل بوظة سكر تنفر من يدي الحلونجي الملطختين"). ويقول الشرطي بصوت مسموع، وهو يكلم نفسه ويجيب غير متعمد ولا قاصد عن رعب الولد والوالد وربما، ان من صادف وجوده في الحجرة، إذا كان ثمة احد فيها، قضى "شواء" منذ نصف ساعة، فيكرر ما سبق ان قاله الإطفائي، "مطمئناً" الولد وأبيه الى ان فتاة نائمة حين ينتشر دخان الاحتراق، ويملأ حجرة النوم، لا بد قضت اختناقاً قبل ان تتسنى لها يقظة. وبينما يكرر الشرطي قول الإطفائي يصيب الغثيان والتقيؤ الولد، فيميل بعضه على بعض، ويخرج من جوفه ما يثقل عليه، وينوء صدره وكاهلاه بحمله وحفظه. فيستدرك الوالد على ما فاته حين بلوغه فناء البيت المحترق وأثبت له ولابنه موت الضيفة الصبية في الحجرة. فلم يملك الولد غير تهمة والده بالقتل، وتهديده بالموت جزاء فعلته. ولحظتذاك، أفلت الولد من والده، وأراد مهاجمته وضربه وركله، ونسبه الى مواطأة سكيتير على قتل جيل. وحامى رجال الشرطة والإطفائيون عن الوالد وأمسكوا بالولد. وأوّل هاري تهمة نلسون، ابنه، على وجه إناسي ونفساني مرحلي: فالولد في هذه السن لا يفقه جواز المصادفة ووقوعها، ويحسب ان كل ما يحدث في دنيا البشر إنما يحدث عمداً وقصداً، والراشدون البالغون وأولهم الآباء، يُسألون عما يحدث سؤال تبعة ومسؤولية. وعزا نلسون موت الفتاة، رفيقته و "أخته" على معنى الشراكة في رعاية الأب (على ما قال الأب للمحقق) و "صديقة" الأب و "ضحية" سكيتير معاً، الى تخلي هاري عن جيل بيندليتون وتركها لقمة الى "الأسود المقيم معنا"، على ما يشرح الولد ويصرخ على مسمع الشرطة الممسكين به ليحولوا بينه وبين مهاجمة والده. ويعزو الولد الى نفسه القوة على تخليص الصبية، وإيقاظها وإخراجها من سريرها وحملها، وهي "الخفيفة على الحمل"، خارج النار والحريق. ويردد الولد مرتين "أعرف ان في مستطاعي" تخليصها. ويحقق الفتى ذو الثلاثة عشر ربيعاً خاطر أبيه في شأن إنسانية المقادير والتحكم الإرادي فيها. يرى نفسه سوبرمان لا يعييه اقتحام النار وسحب الدخان، وإيقاظ "الأميرة النائمة في الغابة" من غرة الحريق المميتة، بينما يشرح الإطفائي لرابيت جواباً عن توقع ابنه او تخيله حيدة النائم عن فعل الحريق وبقاءه حياً، وعن سؤال الأب الأطفائي ("وهذا ضرب من الحيوانات القاضمة المسنة، كث الحاجبين وأسنانه الطويلة تغشاها الصفرة") عما إذا كانت جيل خرجت الى الشرفة – استحالةَ مثل هذا الخروج حين يفاجئ الحريق النائم في نومه.
وحين يقر في روع الولد ان صديقته قضت، وتتسرب الى رئتيه آثار احتراق البلاستيك والدهان وغيرهما من المواد المركبة، يغلبه الغثيان، ويعيد والدَه الى حضانته ورعايته. وينقاد هو الى الرعاية الأبوية، ويخلي "الولد" بين ابيه وبين "لمسه". ويمسك الوالد كتفي ابنه و "يتراءى له انه يحاول الحفاظ خارج الماء على سمكة كبيرة تريد العودة والغطس عميقاً وإلا ماتت". فيعود الأب سند ابنه، ومتكأ كتفيه. ويحنو عليه حنو الأم الغائبة والصديقة التي قضت، فيرد الى خلف رأسه المائل الى أمام الشعر الطويل "النسائي" المنسدل على رقبته "الحارة"، على حسبان الأب الحسي والجسماني، ويجدله شنيوراً أو شينيوناً وقاية من قذارة القيء. ويحاول الأب أن يفيد من عودة الوصلة و "الحرارة" بينه وبين ابنه، فيتذرع بها الى طمأنة الابن، على رغم ما سمع الابن ورأى، الى خلاص جيل من الحريق والموت، وإلى رواحها ونأيها بنفسها بعيداً منهما. والطمأنة المصطنعة والمتعمدة وجه من وجوه حماية الولد – السمكة من الغرق، ومن وجوه موازنة الفرق الكبير والخطير بين "ثقل" الولد، كناية عن تعرضه لموت الصبية الصديقة وعن وطأة الموت، وبين خفة "عظامه"، كناية عن يفاعته ورخص بنيته وهشاشتها. ويبني الكاتب على استعارة السمكة المستعادة، وهو أعملها لتوه، استعارة جديدة تردد صدى الحادثة القمرية المعاصرة: فيكتب ان الحادثة - مقتل جيل في الحريق، وما سبق الحريق من إقامة مشتركة في منزل غادرته "ربته"، وما تخلل الإقامة من "مشاهد" ومن مسموعات - أشبه بصاروخ جوبيتر عاصف وصاعق سندُه، أو بنية ركيزة انطلاقه إثر اشتعال وقوده، ضعيف ويتهدده الانهيار تحت وطأة انطلاق الصاروخ. والاستعارتان ماديتان، الأولى مائية والثانية فضائية هوائية ونارية، على تبويب الصور والمجازات الشعرية تبويباً اسقطسياً. والأولى جسدية ووجدانية على معنى إحساس النفس (بـ)نفسها، وآبدة على مثال الرسوم النمطية، والثانية ذهنية مجردة وتقنية ظرفية. وتترجح كتابة الرواية بين الحدين هذه، وتدعو الى قراءتها على الحدين على رغم تفاوتهما وتفرق منزعيهما.
وحادثة القتل الإرهابية اختبار انعقاد الحدين على رواية حادثة، وروايتها على حدِّ حادثة مروية رواية روائية معاصرة (على ما في العبارة من تكرار آمل ألا يكون لاغياً او لغواً). ولعل تضافر الاستعارتين على رغم منزعيهما الماديين والديناميين المختلفين، على أداء حال الولد المفترضة، قرينة على اضطلاع "فن الرواية (الأميركية المعاصرة؟) بسرد الحوادث الفريدة والمتواترة، المفاجئة والمتوقعة، الصادرة عن منازع قديمة والناجمة عن ظروف ومصادفات طارئة، معاً وجميعاً. ويتولى السرد شبك الناس (وتواريخهم) والأفعال (وسياقاتها) والدواعي مصادرها ومواردها والمقالات (ولغاتها) والأماكن (وخرائطها) على حدود الفرادة والتواتر والمفاجأة والتوقع... ويتولى سلكَ هذه وأولئك، على الحدود وشرائطها، من غير تفريط بالكثرة وبعثرتها واضطرابها ولا قسرٍ على الواحد الجامع والمتصل، من وجه، ومن غير انقياد الى كثرة مرسلة "لا إمام لـ(أفرادها)" او آحادها، على قول بعض فقهاء المسلمين في الفوضى السياسية أو نفيٍ بات وقاطع لمنازع التضافر والالتقاء والانعقاد، من وجه آخر. وذريعة أوبدايك الى هذا تكثير الوسائط، ودوائر الرواية، وتخصيص السياقات على أنواعها وضروبها. فـ "أزمة" هاري، وهي إدراك "أميركا" إياه بعد ان أدركت أباه وهدمته على قوله هو في أبيه، لا تحصى وجوهها الشخصية والعامة. فإلى قلق العروة الزوجية، "جراء" خسارة الزوجين ولداً إذا صح رد القلق والاضطراب الى سبب، وإلى قلق الزوجين البالغين سناً هي حد الانقلاب من حال الشباب الى الاكتهال الجسماني والمعنوي، يبعث على القلق مرض الأم المصابة برعاش باركينسون، وهرم الوالد الخائف من قصوره عن رعايتها ورعاية نفسه وبيته، وبلوغ الولد سناً مضطربة، وتشككه في والده وأهله شأن أترابه، وانتشار الطلاق والانفصال في أوساط زملاء الدراسة السابقين في ثانوية البلدة، وعصف مسألة السود وحرب فيتنام وحركات الاحتجاج و "ثقافته" في الشباب والمجتمع الأميركيين، وفي سياسة الولايات المتحدة، وتطاول آثار المسألة العرقية والحرب الخارجية الى الهوية الأميركية و "وطنية" المهاجرين من الجيل الثاني. وفي الأثناء تنتقل البلدة من طور الى طور، وتنقسم أماكن قديمة (مونت جادج، حيث يقيم الوالدان) وأخرى جديدة (بين فيلاس حيث يقيم الابن ومن هم على شاكلته عملاً ودخلاً)، ومهناً قديمة وأخرى مستحدثة، ويتركها بعض سكانها القدامى ويفد إليها سكان جدد، وتميل عمارة مبانيها الى مواد مركبة، وإلى "الأجنحة" في الضاحية القريبة. وتمثل اميركا البعيدة بعض الشيء، في تلفزيونها وإنجازها القمري وبرامج تسليتها ونشرات أخبارها ولغات جماعاتها (السوداء والنسوية والموسيقية...) وضعف رابطتها العائلية واستقبالها السلع المستوردة من انحاء العالم. ولكن هذا، وغيره، لكان ينقلب اجتماعيات مبعثرة لولا روايته على وجوه المسرحة والمحاكاة والاستعارة، على ما مر.

تصدي البرادعي الى رأس السلطة المصرية ونواة النظام... لا يعفي من تناول الفروع

الحياة 13/3/2010
بادر المصري محمد البرادعي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، والحائز جائزة نوبل للسلام في 2005 الى الترشح الى منصب رئاسة جمهورية مصر ، ومقارعة الرئيس المستقر في رأس الهرم السياسي منذ نحو 30 عاماً (يتمها في الانتخابات التالية، في 2011). وهو اشترط على قبوله الترشح تعديل المواد الدستورية الثلاث التي تقيد المرشحين برعاية حزب، وبتزكية عدد من اعضاء مجلس الشعب ومجلس الشورى ومجالس المحافظات، من وجه، وتماشي أو تؤاتي «النظام» ومرشحيه، فلا تقيد عدد الولايات، والرئيس المصري يتم ولاية سادسة وعزم على ولاية سابعة، وتشكل لجنة الإشراف العامة على الانتخابات على نحو لا يضمن نزاهتها ضماناً قضائياً صارماً، من وجه آخر. ويفترض اشتراط المرشح الى الترشح والمنافسة إضعافَ السد الدستوري الموكل به تحصين مرشحي الجماعة الحاكمة وحمايتهم من غائلة المنافسة والمفاجأة، ثقة كبيرة بقوة الحاجة الشعبية والوطنية المصرية، وربما بقوة الحاجة الدولية، الى الخروج من توالد النظام السياسي والاجتماعي المحلي، وتناسله وتجدده، خروجاً هادئاً أو غير «ثوري»، لا داخلياً ولا خارجياً.

وتصدي المرشح مباشرة لمنصب الرئاسة ترتَّب من غير شك على موقع المنصب المركزي والحاسم في البنية السياسية. فهو أراد مجاراة النظام على إيلائه المنصب موقعه هذا، والدلالة على عزمه العمل السياسي والفاعل الناجز، و «التغيير» من غير إرجاء، على قول «الجمعية الوطنية» التي أنشأها مع 30 «ناشطاً» سياسياً في ختام الأسبوع الأول الذي قضاه في القاهرة قبل سفره الى برلين وسيول ونيويورك. وعلى خلاف عمرو موسى، زميله السابق في السلك الديبلوماسي، ووزير خارجية مصر قبل توليه الأمانة العامة لجامعة الدول العربية «عقاباً» له على شعبيته المفترضة، لا يحسب المرشح المشترك ان الطريق الى الرئاسة «مغلق». وهو، على الأرجح، ليس في مستطاعه افتراض الغلق، أو الانغلاق هذا إذا شاء التعويل على أثر مبادرته السياسي والشعبي. فإسهامه في الحياة السياسية الراكدة والمتصحرة، على مثال رائج تخلفه الأنظمة المركزية والمتسلطة في بلدانها ودولها ومجتمعاتها، يبدو ممتنعاً أو بعيداً إذا هو عوَّل على مفاعيل أو نتائج عمل سياسي طويل يبدأه، على ما يدعوه إليه جمال حسني مبارك، من زيارات المدن والبلدات والنجوع.

والحق ان هذا صنف من الدوائر المغلقة التي تنثرها الأنظمة السياسية المتسلطة على طريق خلافتها والخروج «المأمون» من أسرها وتوالدها. فإذا كان المرشح الى خلافة صاحب السلطان المتربع في سدة الحكم من أنصاره، أي من «أولاده» وربائبه، استحال إصلاح النظام. فثورات البلاطات قليلة، وغالباً ما تؤدي الى تكريس تقاليد تسلط جديدة، على شاكلة ما حصل في تونس قبل نحو... ربع قرن. وثورة البلاط «الناجحة»، على مثال حركة ميخائيل غورباتشوف، لا تأمن، على رغم بطء السلحفاة (على ما مدح آخر حاكم سوفياتي شيوعي) وحذرها، ردة الجهاز والجمهور عليها معاً، ولا النزاع الأهلي الذي قد يعصف بالدولة والبلد. وإذا ترشح الى الخلافة رجل (أو امرأة) من خارج السرايات والنادي المنتخب، بدا قصوره، وقصور تجربته السابقة، عن معالجة مشكلات البلد وأزماته المتزاحمة والمتراكمة والملحة، فاضحاً.

وهذا، أي الفرق بين المشكلات الجسيمة وبين سبل المعالجة المتاحة في وقت قصير (هو وقت الولاية الرئاسية)، ليس كله افتعالاً دعائياً تتوسل به الطبقة السائدة الى تأبيد سيادتها. وهو من أفخاخ الدوائر المغلقة المتخلفة عن السلطان المركزي والمنفرد كذلك. فمثل هذا السلطان يصرف الأمور بواسطة أجهزة يملؤها عاملون لا رقابة عليهم ولا حسبة، ويدعوهم التأهيل والأجر الضعيفان الى البطالة الإدارية والفساد. وما يسمى تعسفاً، «بيروقراطية» (وهذه تفترض تقسيم عمل فنياً صارماً)، ويحمل على تقاليد مصرية عريقة وراسخة، هو فعلاً ركيزة متينة من ركائز السلطان السياسي والإداري والاجتماعي في مصر. ولا سبيل إلى الإصلاح والتغيير السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين من غير معالجة الترهل «البيروقراطي» العددي والإجرائي، ومن غير مبادرة مجتمعية مشتركة وفردية الى الاضطلاع بتبعات السياسة («توزيع» السلطة) والإنتاج (حفزه وتعظيمه وتكثير مداخله ومخارجه وتداوله).

وفي الحالين، حال الخلافة من خارج وحال التغيير والتصدي لثقل ركائز النظام المقفل، يبدو تعيين أو تعريف الرئاسة هدفاً مباشراً للمبادرة السياسية مغامرة متسرعة. ولكن هذا التعيين أو التعريف للهدف السياسي المباشر لا مفر منه في نظام سياسي واجتماعي يرزح تحت أثقال سلطان مركزي فردي، و «بيروقراطية» ملتفة الدوائر والأطواق، وجماعات متناثرة الإرادات ومتناقضة المصالح. ولعل الموظف الإداري والدولي السابق استسهل بعض الشيء محاسبة حسني مبارك، وولاياته الكثيرة ونظامه السياسي والاجتماعي الموروث معظمه عن سلفيه، على نتائجه الاجتماعية والاقتصادية الفاقعة. فعمد الى افتراض بعض هذه النتائج وتسويدها، وعظم أرقام الفقر، وأخّر تصنيف مصر على سلمي العدالة الاجتماعية والتنمية الدوليين، على ما انتبه بعض المعلقين.

والتسويد جزء من المباشرة السياسية والدعائية الانتخابية. وهو جزء من تصوير العمل السياسي المزمع في صورة إنقاذية وبطولية. ويغفل المسودون عن ان صاحب السلطان المركزي يتربع في قلبها. والطعن في «إنجازات» السلطان المركزي والفردي، حاكماً وإدارات وفئات اجتماعية غالبة وموالية، ينبغي ألا يعفي الطاعنين من تعليل دوام التربع هذا، أي من النظر إلى الإنجازات، المتواضعة ربما (قياساً على الإمكانات؟ الحاجات؟ الفرص؟)، من غير غلو يحيد بالنظر عن التقويم الفعلي. فدوام النظام الذي ورث حسني مبارك رئاسته من سلفيه العسكريين، وتولى تدبيره وقتاً بلغ الى اليوم نحو ضعفي الولاية الناصرية وثلاثة أضعاف ولاية السادات، ليس من غير لقاء أو إنجاز على الوجوه السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية. وثمن الإنجاز باهظ، على ما يرى كثيرون من مصر وخارجها. واقتراح إنجاز مختلف، أعلى على ما يفترض بداهة، يقتضي اقتراح الثمن.

وإسراع بعضهم الى اقتراح مثال أو نموذج كوري (جنوبي) أو او ماليزي، مثاله بدوره ومن قبله اليابان، وتضمين المثال هذا ثمناً يفترض معروفاً، الاقتراح والتضمين لا يقربان المسألة من الفهم او من البت. فالاقتراح يغفل وقائع راجحة. الواقعة الأولى هي وقوع اليابان وكوريا تحت إدارة احتلال أميركية كانت لها يد طولى في إنشاء الحياة السياسية والاجتماعية المحلية على الشاكلة التي تصورت عليها غداة الحرب الثانية (فسبق الإصلاح الزراعي، في منتصف الأربعينات، بكوريا استقرار طبقات متوسطة محلية متماسكة). والواقعة الثانية هي سبق حرب دولية أو إقليمية مدمرة ابتداء سيرورة المثال الإنتاجي أو انطلاقه. واضطلع سبق الحرب بدور راجح في خلافة الإقبال المحموم على الإنتاج التوسعَ العسكري أو مقاومة التوسع الصيني الماوي. والواقعة الثالثة هي دوام الحكم متسلطاً أو ديكتاتورياً عسكرياً طوال عقود، كانت سيرورة البناء الاقتصادي الرأسمالي في أثنائها تخطو خطواتها المتعاقبة والمتراكمة. والواقعة الرابعة هي سبق ريادة يابانية، قبل الحرب، ما كان على بعض الوجوه استئنافاً لهذه الريادة، وإعمالاً لخبرات حصلت طوال سبعة عقود (أولها انقلاب أسرة مايجي في 1868). والواقعة الخامسة المغفلة هي وقوع السيرورة الآسيوية في فصل بناء وإعمار ونهوض عام من دمار الحرب.

والحق ان هذه الوجوه أو الفروق هي هوامش على مسألة التغيير وحركته الوطنية المصرية المزمعة والمرجوة، على رغم مكانة مسألة الثمن التي تطرق إليها بعض من تناولوا ترشح البرادعي من المصريين، وأجابوا عنها من طريق المثال أو النموذج، أو من طريقة المقارنة به. وإسداء «النصيحة» الى الموظف الإداري الدولي السابق بالتصدي للشروط السياسية لبلوغ الرئاسة، قبل الترشح إليها أو إلى الترشح الى الترشح، دعوة تنزع عن المبادرة إلحاحها وتحفيزها وربما إيحاءاتها العاجلة. ولكن «الأسئلة» الكثيرة والمعقدة التي تطرحها أبنية السلطان المركزي والفردي على الحياة السياسية المصرية، أي على إحيائها وانبعاثها وتحريكها، وتقيد بها «عنق» الاحياء والتحريك، لا يجيب عنها مثال سابق، ولا اضطلاع رئاسة من فوق أو مجتمع من تحت بالمبادرة.

الثلاثاء، 2 مارس 2010

رجال الخطابة العمومية ونساء التبديد المرسل

المستقبل، 28/2/2010
يعود الكلام في التآبين العربية (-الإسلامية، غالباً) الى الرجال. فإليهم يعود (الحق) في الوقوف على المنابر. والقول الأدق أنهم يعتلون المنابر. والمنبر، على هذا، صهوة حصان أو فرس. واعتلاؤه لا يعلي المتكلم أو يرفعه فوق السامعين ومرتبتهم وحسب، ولو في أثناء الكلام، بل يذكِّر المتكلم، ويوجب ذكورة راجحة وظاهرة. والاعتلاء، شأن الانتصاب للكلام أو الخطابة، حال أولى من أحوال الوطء. وفي "مصارع العشاق" (سراج القاري)، وفي غيره كثير، "علاها فخالطها فاشتملت منه على ولد". والتأبين خطابة. ويكاد يكون الخلوص من الذكورة الى الخطابة تحصيل حاصل ليس إلا. فالخطابة تمتّ الى العلو والاعتلاء والوطء والانتصاب، بديهة. وتمتّ من وجه ملازم، الى ابتداء القول وتجويده والابتكار فيه. وتفترض هذه سلطان إيجاب وإثبات تستوي به ومعه النفس تامة، تكليفاً وقياماً بالتبعة. وهذه كلها لا تتأتى للنساء و "طباعهن" وبنيتهن أو خلقهن.
ولم تشذ أقرب التآبين (المعروفة) زمناً إلينا، وهي تناولت ضحايا طائرة الشركة الأثيوبية، عن السمت المذكَّر. فتناوب رجال الأهل والأقارب، آباءً وأبناءً واعماماً وأبناء عم، ومشايخ معممين إذا عز الأهل والأقارب نسباً، تناوبوا على القول في أحبائهم. فمدحوهم بما يليق بهم، وحيوا فضائلهم ووصلوا بينهم وبين من قضى قبلهم وبينهم وبين الأحياء من أهلهم ومواطنيهم. وحمَّلوهم اخيراً الأسى واللوعة والرجاء. وفي معظم الكلام الذي قيل في التآبين، وهو يقتصر على ما انتخبته الصحف وأذاعته، تناول الخطباء ما يقيم بين الموتى وبين الأحياء لحمة وآصرة. وهذه يصنعها الأحياء ويجهلون ما عسى يصنع بها الذين رحلوا. وكلام الأحياء يتوجه على أمثالهم، حتى في حذوه على السلف البعيد والعظيم، وفي احتجاجه لتقليدهم.
واختصاص رجال الأهل بالخطابة في تأبين الموتى يقتضي تضمين التأبين معاني دون غيرها، أو صنفاً مذكَّراً من المعاني. وهذه المعاني اجتماعية وسياسية، على توسع في تأويل الصفتين المتصلتين. ومضمارها أو مسرحها هو خارج البيت ووشائجه القريبة والحميمة وغير المتداولة. وتتفق قسمة الذكور والإناث مع قسمة الخارج السياسي الاجتماعي والداخل البيتي. ويفترض تولي الرجال الخطابة والقول في الموتى، وبعضهم نساء وهم موتى الرجال والنساء من الأهل والمحبين والأصدقاء والأصحاب، تناول الفضائل الاجتماعية والسياسية، والمديح بها. وهذا ما لم تبخل به الخطب، فلهجت بهذه الفضائل وأطنبت في الثناء عليها ومديحها. وجمعت الموتى إلى الأحياء في أبواب مشتركة وواحدة، وحملت هؤلاء وأولئك على سعي واحد. وبعض الخطباء، من أعلاهم ذِكراً ومكانة، جندوا من يؤبنونهم، وأهلهم السابقين والخالفين معهم، في ميادينهم ومجالاتهم، وأثبتوهم مياسم على قضاياهم الكبيرة وأعلاماً. وأدخل خطباء آخرون، من خاصة الأهل، فقيدهم في باب عام ومشترك، واستبشروا خيراً باستقبال الباب العريض والواحد هذا خسارتهم الغالية.
وعلى القسمة المعهودة، سكت الرجال الخطباء حكماً عن الوجوه غير الاجتماعية ولا السياسية من صفات الراحلين، ومن رابطتهم هم، الأهل الخطباء، بالراحلين. فالوالد الذي يؤبن ابنه، أو الشقيق الذي يؤبن شقيقه، وغيرهما مثلهما، بينه وبين فقيدها ما لا يتكلم فيه، وليس في متناول تأبينه ولا مقام التأبين عموماً. وهذا يُترك، بحسب القسمة، الى النساء والقصَّر، الى البكاء والعويل والنشيج والصراخ المتمادي والمخنوق، وإلى القسمات الملتوية والعينين الغائرتين والعروق النافرة واللون الشاحب والمفاصل المتراخية والعرق المتصبب والأجسام المضطربة والمطوحة والأيدي المصفقة، اليد باليد والخدين باليد والصدر باليد والقبضة. ويُترك الى اللون الأسود والمنديل الأبيض على الرأس وباليد، وإلى التلويح والزغاريد المتفجعة وما يشبه رقص الذبيح ويحاكيه.
وبينما يتكلم الرجال كلامهم العام، كلام العلانية التي يتشاركونها ويتشاركون بعضها (وجلها في لبنان) مع النساء، تبث النساء، ويبث الرجال في سرهم، "كلاماً" أو عبارةً على مبان وطبقات وتصاريف مختلفة وأخرى. وكلام النساء وعبارتهن تقول ما لا يُعتلى به منبر، ولا تستقيم خطابة، ولا يُمدح صاحب فضائل وشمائل تمثل، على ما ينبغي، على بطولة أو رجولة. فتستظل النساء المنابر، ويوقعن خطب الرجال بالآهات والزفرات، وبالأنين المكظوم والمكتوم، والنظرات الواجمة والعيون المقرحة، والانتباهة المباغتة والطافرة في الجسم والمطوفة به طواف الغاشية في المغشي المسكون. وعلى حين يقتضي المنبر من معتليه وفارسه وخطيبه التكلم بكلام متصل ورصين ومعقول، فيحل المصاب على عوض ونظير، ويكافئ (معنى) المصاب ويملأ صدعه بالرجاء والخلاص ورد الآخِر على بدء أول، فلا تضيع ذرة من الحوادث الماضية - تخلي حركات النساء العصيات على العزاء بين أنفسهن (وأنفسهن في هذه الحال هي أجسادهن وانفعالاتهن وصفحة هذه وتلك) وبين جهر ما لا ينقاد الى عوض أو كفء أو ملء. فيقلن الخسارة على وجهها المرسل لا إلى حد أو غاية. وتكني الأعين السادرة والفائضة بعتمة مائجة ومتلاطمة عن جحيم الإقامة المجنونة على وقت لا ينقضي، مصلوب على جواز سياق زمن مختلف كان ليفضي الى غير المصير القاصم الذي صار إليه المسافر.
فيخرجهن صليبهن من اقتصاد العلانية العامة والاجتماعية، وخطابتها وتثميرها، الى تبديد لا قاع له، ولا تؤدي عنه لغة متعارفة ترصف المعاني، وتخزنها وتراكمها. فالرجال يروون سير الراحلين رواية تقايض السير بمصائر ومعان مشتركة، اجتماعية وسياسية، مثل الهجرة والتهجير والكرامة والطلب والسعي وغيرها على شبهها. وتستولي منظمات الرجال وأحزابهم على السير والمعاني هذه، وتدخلها في المعرض الذي يحفظها على حال "مفيدة"، وتتيح مقايضتها على وجه قيمة تبادل رمزية. فتحتسب الخسارة في باب جرائم العدو، ودأبه في توهين عزيمة الأمة وطليعتها المسلحة والمؤمنة والمظفرة، أو في باب عجز "الدولة" وتقصيرها في حق جماعة من الناس.
وعلى هذا، ليست الخسارة ابتداءً، ولا حادثة فريدة، وإنما هي حلقة من حلقات "أيام" وسجال يطول، على ما تقول المنظمات العسكرية والأمنية في وقائعها. وليس معنى الرجوع من الحادثة السجالية والمدبرة الى الخطأ البشري انحيازاً الى النساء وفاجعتهن الفريدة. فصيغ الرواية البطولية وصورها الجماعية لا يفحمها بروز الحادثة العارية على صورة الخطب المحموم، أو خطباً محموماً من غير صورة. فتمضي على احتساب الخسارة في ميزان جامع واحد، او كفة ميزان واحدة، يقوم اصحابها (اصحاب الرواية البطولية) على رعاية الجمع ويتولون تثميره.
فيحيا الراحل بعد رحيله، "حياتين"، واحدة يتعهدها من تصلهم به رابطة "نسائية"، وأخرى يتعهدها أهل الجمع والمنع من الرجال والخطباء والفقهاء والمقاتلين. وتمييز الحياتين الواحدة من الأخرى قد يجعل محالاً على "النساء" تعرف فقيدهم (وليس فقيدهن وحدهن). فإذا جاء وقت صفح جماعي ورجوع عن خزن الضغينة أو الثأر من فروع العدو إن لم يكن من أصوله أو اصله الواحد والثابت، بقيت الرابطة "النسائية" وحدها ملجأ ومستودع ذاكرة حية. ومصادرة "النساء" على فقيدهم وخسارتهم لا ترضى ازدواج الآصرة بالفقيد الراحل، وتريد اختصارها في رابطة تسد الطرق كلها الى الصفح، وتؤبد الضغينة الجماعية. فينبغي، على مذهب أهل الجمع والمنع، ألا يعتقد الواحد جواز آصرة بصديق، أو حبيب، أو صاحب، يصنع بها ما يشاء، أو ما يقدر على صنعه، ويرغب في صنعه. فإخراج الراحل الصديق، أو الحبيب أو الصاحب، من الجمهرة لا يؤمن إلا يخرج منها الأحياء، أو أن يدعوهم الى اختيارهم علل عمل هي ثمرة اختيارهم ورأيهم واجتهادهم.

الجمعة، 26 فبراير 2010

العوامل التي تضافرت على رعاية طهران الحروب غير المتكافئة... تنحسر

الحياة، 24/2/2010
في سياق ما كان يسميه المعلقون والمراقبون في أثناء الحرب الباردة «الشوبرة» و«الشهورة»، أو الحركات العنترية والمسرحية المفرطة، أجمع الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد، وخالد مشعل والسيد حسن نصرالله، على أمرين: إسرائيل تعد العدة لحرب قادمة ووشيكة يتوقع أحمدي نجاد انفجارها في الربيع، والحرب الآتية إقليمية أي تشمل الجبهات الفلسطينية واللبنانية، بداهة، والسورية هذه المرة. والقرينة القاطعة على الاشتراك السوري الأكيد هو تهديد وزير الخارجية الهادئ والوديع البلدات والمدن الإسرائيلية بصواريخه، على ما قال خطيب «مهدِّد» جدي وثقة. ولما كانت الجبهة الإيرانية هي بؤرة الأزمة، غداة رجوع الحكم الإيراني، أو واجهته الرئاسية والوزارية، عن مبادلة اليورانيوم الضعيف التخصيب بيورانيوم عالي التخصيب بواسطة روسيا وفرنسا (وتركيا احتياطاً)، أضمر التلويح بانفجار الحرب الإقليمية العتيدة ضم إيران إليها، أو انضمامها، ومن طريق إيران العراق. فينقلب «الهلال الشيعي» المفترض، ونجمته الغزاوية والسنية، مسرح حرب مفضياً الى أبواب الجحيم أو هو الدائرة الأولى من الجحيم نفسه.

وعلى نحو أقل درامية وأضيق نطاقاً، وأقرب الى التصور وإلى الواقع، «يقتصر» التهديد، ومصادره الكثيرة، على الحزام الإيراني في جنوب لبنان، على ضفتي الليطاني وجهتيه. ففي الحزام هذا تتكدس الثارات والمخاوف والحسابات والأسلحة والورطات بمقادير ملتهبة. وعلى جهتي الحزام تعلو نبرات التهديد وتحتد، وتطاول الجوار السوري، العسكري والسياسي. ولا شك في ان سابقة صيف 2006 وحربه تدعو الى «الشوبرة» الموسمية والمتصلة بظروف متضافرة. والسابقة اندلعت في دوامة المفاوضة الدولية على معاقبة الحكم الإيراني على انتهاكه الحظر النووي، وغداة إجماع مفاوضي امين المجلس الأمن القومي والمفاوض النووي الأولى يومها، علي لاريجاني، على قرار مجلس الأمن بفرض عقوبات جديدة على طهران.

وأتاحت الحرب، يومها، للأطراف كلها الهرب من مآزق متراكمة. فأغرقت الحرب الإيرانية مجلس الأمن ودوله الدائمة والموقتة في دوامة ديبلوماسية بالواسطة وغير متكافئة لم تخرج منها دولة واحدة متماسكة الجانب. واضطرت اكثر من دولة أوروبية الى التورط في قوات فصل معززة تعرضها للارتهان لقوى محلية وإقليمية ضالعة في المسألة الإيرانية من قريب أو بعيد. وفجرت الحرب خلافات عربية وإسلامية مزمنة وأضعفت الصفوف العربية الكثيرة والمتناقضة. ومهدت الطريق الى انقسام الجبهة الفلسطينية. وحملت السياسة السورية على توسيط تركيا في مفاوضاتها غير المباشرة مع إسرائيل، وكانت هذه المفاوضات جسر دمشق الى استمالة رعاية دولية، أميركية وأوروبية، خسرتها مع اغتيال رفيق الحريري. والحرب هذه، على رغم تظهيرها رجحان الكفة الإيرانية على الكفة السورية في لبنان، مهدت الطريق الى تجدد الدور السوري في تعطيل دورة الحياة السياسية الداخلية، والمقايضة على التعطيل وعلى «التيسير». ومهدت الطريق كذلك الى استراتيجية الجماعة الشيعية المسلحة، وجمهورها والحلفاء، استدخال الدولة والمجتمع اللبنانيين، وتجزئتهما وازدواجهما، والتحرر من الاختيار بين الحرب الأهلية والاستيلاء المعلنين وبين الرضوخ لإرادة كثرة الناخبين وعمل الهيئات الدستورية، والاقتصار على معارضة سياسية «تهضم» الولاية الإيرانية في لبنان.

وتورطت السياسة الأميركية في ما احتسبته تعويضاً عن حرج الأحوال العراقية جراء ضلوع «القاعدة» والحرس الثوري الإيراني والاستخبارات السورية معاً في انفجار عنف مذهبي وعصبي مدمر، اجتاح الجماعات العراقية، وأغرقها في فوضى عارمة. فكان شأن هزيمة إيرانية في الحزام اللبناني، بعد الهزيمة السورية، ان يخلخل التماسك الإيراني السوري، ويضعف قبضة طهران في العراق وفلسطين ولبنان وسورية نفسها. وانساقت تل ابيب وراء تقدير هزيل وضعيف لسياسات إيران الإقليمية، ولصور الحروب الجديدة المترتبة على السياسات هذه ودور هذه الحروب. وفي نهاية مطاف موقت، حبلت «الساحة» الفلسطينية بحرب غزة. وآذنت حرب «حماس»، غداة سنتين ونصف السنة على حرب الحزب الخميني المسلح، بإخراج سورية من مفاوضاتها «التركية»، وتكريس الانقسام الفلسطيني وتتويجه بـ «دولتين» وإناطة التحكيم في فلسطين بتكتل إقليمي ودولي يعول على دوام المراوحة علاجاً. وآذنت بتركيب «هلال» إخواني وسني يضم مصر والأردن وسورية، وبعض دول الخليج، أو شطراً من جماهيرها وشارعها، الى «الجهاد» الإيراني.

وهو حصاد، ظاهراً وفعلاً، عظيم. ولكنه حصاد باهظ. فالسياسة التي أدت إليه عوّلت على إشعال المشرق العربي بحروب غير متكافئة تزنر بها إيران، «عاصمة» العالمين العربي والإسلامي، «الكيان الصهيوني»، وتستدرج من طريقها الولايات المتحدة وأوروبا الأطلسية الى إطفاء بؤر أشعلتها هي أو أشعلتها فروع «القاعدة»، وتؤدي الى الطعن في عدوان الدائرة الأوروبية – الأميركية، «الصليبية»، على «الإسلام» والمسلمين. ويفترض نجاح هذه السياسة انقياد الإيرانيين إليها، ورضاهم بها، ومبايعتهم دولتهم والطاقم الحاكم، على استمرارها وتكلفتها. وما لم يكن ظاهراً إبان اندلاع الحربين «الإراديتين»، وهو صدوع السيطرة الحرسية، والخمينية ربما، على الإيرانيين، خرج الى العلن. والسبب الأرجح في خروجه الى العلن إرادة الحرسيين الإيرانيين تولي السلطة كلها، من غير اقتسامها مع الأجنحة الأخرى التي كان روح الله خميني حريصاً على إشراكها في الإجماع الشكلي على «الثورة». وتوسل الحرسيون الى تولي السلطة كلها، من فوق ومن غير قيد المفاوضات الطويلة والمقيِّدة بين كتل الطبقة المسيطرة والنافذة، توسلوا بخطتهم النووية، وشطريها الداخلي والإقليمي، والعسكري والقومي الديني «السياسي».

والمحصلة، غداة نحو 5 سنوات على إحكام القبضة الحرسية، هي «اللوحة» السياسية الراهنة. فروسيا، الشريكة النووية المتواطئة والمراوغة، تكبح شراكتها العسكرية الدفاعية (شبكة صواريخ إس 300) والذريعة المدنية للتخصيب (مفاعل بوشهر)، وتقلص عباءتها الديبلوماسية. ولا تألو الديبلوماسية الأميركية جهداً في سبيل تعطيل الذرائع الروسية، من سحب عناصر الدرع الصاروخية من شرق أوروبا الى التوسط في انضمام روسيا الى منظمة التجارة العالمية. ولا تزال الصين عند رأيها اللين في التسلح الإيراني. ولكن التلويح الحرسي الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، رداً على العقوبات الغربية والدولية وتشديدها وليس رداً على الحرب، الى مساع ديبلوماسية شرق أوسطية كثيرة المصادر، قد يحملان بكين، وهي لانت في مسألتي تايوان والتيبيت الحيويتين و «الداخليتين»، على معالجة أقرب الى مرتبها الدولية المفترضة من المعالجة «القومية» والتجارية.

وقد يدعو تقرير مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الجديد، يوكيا أمانو، وظنه الظنون المباشرة، علناً، في سياسة إيران الحالية، وليس في سياستها العائدة الى 1984، الهند وتركيا والبرازيل، ودولاً أخرى، الى إقامة جدار أقوى تماسكاً وإلحاحاً بوجه المطامح الحرسية المتهورة. ويحدو على ذلك اضطلاع الحرسيين في قمع الإيرانيين، ونفخهم في مغامرات النطاق الإقليمي القريب. ويحدو عليه، من وجه آخر، إنتهاج أوباما الذي تُصْليه السياسة الإيرانية كراهية وحقداً لم تُصْلهما سلفه، نهجاً متعرجاً انتزع من طهران معظم ذرائعها، واستجاب ما كانت تزعم أنه مقدمات تمهيدية لا غنى عنها قبل المفاوضة على الخطة النووية.

و «أصدقاء» إيران الحرسية الإقليميون أقرب الى محاسبتها والتحفظ عنها من ذي قبل. فتركيا غل وأردوغان وأحمد داود أوغلو قد تخسر مرتكز عقيدتها الاستراتيجية، ودورها الشرق أوسطي والوسطي الآسيوي، إذا مضت طهران على تصلبها وإذكاء البؤر المتفجرة. وتميل سورية الى شفع الوساطة التركية برافدين، أميركي وفرنسي، من غير تخليها عن التباس سياساتها التكويني ورعاياتها المنازع «المقاوِمة». ولكن حماية الالتباس ودوامه أمست، بعد الفصلين العراقي واللبناني (الحريري)، في حاجة الى سياسة أكثر تعقيداً من سياسة التستر المزدوجة السابقة. وليس تردي دورها العربي والإقليمي قياساً على الغلبة الإيرانية، أقل الدواعي قوة الى تقييد تهور الحليف الحرسي، على رغم تملص النظام الأسدي من ضوابط داخلية ليس في مستطاع طهران الضرب عنها صفحاً. وأما بعض «الأصدقاء» الخليجيين فلم يستجيبوا مناشدة طهران إياهم التنصل من إعلان واشنطن عزمها على نشر عناصر درع مضادة للصواريخ في قواعد على أراضيهم. فسكتت الدوحة. وذكرت الكويت بالتزامات سابقة.

وأما ساحتا «الجهوزية على مستوى إزالة الصهاينة»، أي الحزام اللبناني والقطاع الفلسطيني، وهما مصدرا التنبؤ أو التكهن بالحرب بعد أن كانتا مسرحها، فحالهما، على الوجه الإيراني وفي ميزان سياسة طهران، تلوِّح بأفق مكفهر. وإذا كان ما تكرره ألسنة الحرسيين اللبنانيين، في الصباح والمساء والظهر، من أن حرب إسرائيل على الجماعة الشيعية المسلحة «لم تعد نزهة»، وترتب خسائر عسكرية ومدنية وديبلوماسية معنوية على إسرائيل والإسرائيليين، صحيحاً ولا شك فيه، فلا شك، كذلك، في أن مبادرة الحزام الحرسي الى الحرب لم تبق ميسورة، على قدر ما كانت عليه في صيف 2006. فالإنجاز العسكري والمعنوي الحزب اللهي والإيراني من ورائه، وقوامه التماسك من الانهيار وإحجام اللبنانيين والحكومة عن التنصل من مغامرة الجماعة المسلحة، كان جزاؤه الدمار الكبير الذي ألحقه سلاح الطيران الإسرائيلي في المرافق المدنية والسكن وبعض الأهالي.

ونقلَ الدمارُ المتعمد الردعَ من القوة المقاتلة، وهذه قاتلت في وسط الأهالي ومرافق سكنهم واتخذتهم ترساً، الى الدائرة المدنية والأهلية والإدارية. فالخسارة القاصمة التي كان ينبغي أن تنزل في القوة المقاتلة وتشل قتالها، على ما هي الحال في حرب متكافئة و «عادية»، تفادتها القوة المقاتلة المتخفية في ثنايا السكان الراضين بالأمر. فأصابت السكان أنفسهم ومنازلهم وطرقاتهم واتصالاتهم وأعمالهم. ويمضي التهديد الإسرائيلي على توسيع الدمار في النطاق نفسه. فيعلن عن استهدافه بيروت ومرافق الخدمات المركزية والحيوية في حرب تالية. وهو يقر، والحال هذه، بأن القوة المقاتلة عصية على الإدراك والضرب. فهي خارج قسمة المدني والعسكري، وخارج السياسة وموازينها. ودعمت الجماعة الشيعية المسلحة خروجها هذا من السياسة وموازينها، فابتدعت «التوافق» تكريساً لخروجها من قسمة المدني والعسكري، ومن موازين السياسة معاً. فهي تشل بالقوة المسلحة والعصبية الأهلية عمل الدولة والمؤسسات، ولكنها لا تستولي على الدولة والمؤسسات استيلاءً تاماً، ولا تبطل العملية الانتخابية، ولا تزورها تزويراً فاضحاً.

وهذه السياسة، وهي احتيال متمادٍ على الحياة السياسية ونظامها ووظائفها وقيمها، لم تؤد الى اطمئنان الجماعة الشيعية المسلحة الى سكوت اللبنانيين عن انتهاكاتها واحتيالها. فخطيب الجماعة، ومعاونوه، لا ينفكون ينددون بتحميلهم المسؤولية عن الحرب التي يلوحون بها، وتلاحقهم ويلاحقهم هاجسها، على رغم «انتصارهم» المفترض، على نحو ما يرزح كابوسها الثقيل على صدور اللبنانيين. وهذا شرخ أعمق من الشرخ الإيراني بين القيادة الحرسية وبين جمهور الإيرانيين، ومن صنف قريب من الصنف الإيراني. وهو يقود الى تنصل معظم اللبنانيين من الجماعة المسلحة والحرسية، على نحو ما قاد الى تنصل معظم الفلسطينيين من «حماس» «المتشيعة»، على قول مناوئيها. و «انتصار» الجماعتين المسلحتين، اللبنانية والفلسطينية، لم يحل، عملياً، دون ارتداعهما، ولا حال دون تحفظ وليهما الإقليمي، وإن لم يحل دون إمعانهما في انتهاج سياسة تؤدي الى تصديع «الدولة»، وانتهاك حقوق المواطنين وحملهم على التخلي عن حرياتهم، وإلى استشراء الفساد الجماهيري وانتشاره في الحياة الاجتماعية والسياسية على حد سواء.

ولا ريب في أن الحروب الإيرانية الإقليمية، والأزمات التي سبقتها ومهدت لها وفجرتها، أو صحبتها، لم تحتج الى ما يسوغها التسويغ التام. و«الأوراق» التي تملكها السياسة الإيرانية الحرسية، وصنعتها في ظروف سابقة، وبعضها مولود من ظروف غير مصطنعة كلها – هذه الأوراق تدعو الى انتهاج السياسة المتهورة والمغامرة التي تتصدرها الجماعة الحاكمة بطهران. واجتماع التحفظ الدولي والإقليمي المتعاظم، والشروخ الداخلية في المركز والأطراف، والأكلاف الباهظة المترتبة على الحروب السابقة، لا يدعو الى الانقياد الى حرب عاجلة. فالالتباسات الكثيرة التي تترجح في دوائرها القوى الضالعة في أكثر بؤر توتر العالم تعقيداً لا يحسمها، على الأرجح، إلا مباشرة طهران صنع قنبلتها، وتركيبها رأساً في صاروخ متوسط المدى. وهذا غير وشيك، على ما يردد خبراء وقادة على مستويات متفاوتة. ومعنى هذا أن «الجحيم» الراهن مزمن.

الثلاثاء، 23 فبراير 2010

للخلاص من العقائد الشمولية والبداوة السياسية والمحاصصة المتوحشة والمدمرة

رسالة البطريرك الماروني تستأنف التفكير السياسي اللبناني في الصيغة ومقدماتها ونتائجها
النهار، 21/2/2010


امتازت رسالة البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير إلى الموارنة اللبنانيين في مناسبة يوبيل 1600 سنة على وفاة القديس مار مارون (9 شباط الجاري)، في سعة تطرقها إلى المشكلات الراهنة لـ"الشعب" الماروني وسائر "الشعوب" اللبنانية، في ضوء اختبارات ثلث القرن الأخير وحوادث العقد المنصرم. وهنا قراءة في هذه الرسالة.
تسرد رسالة البطريرك الماروني اللبناني المشرقي (الكاثوليكي) الى الموارنة الإكليركيين والعلمانيين، في مناسبة الصوم الكبير ويوبيل 1600 سنة على وفاة أب الطائفة وقديسها الأول، الموسومة "في مار مارون... المارونية... ولبنان" (في 9 شباط 2010، والصحف التي أكرمت الرسالة بمقتطفات منها، شأن "النهار"، اقتصرت على ربعها)، تاريخاً روحياً، وثقافياً اجتماعياً، وسياسياً، للجماعة التي تعرف نفسها بنسبها الطوعي والحر الى اسم مارون و "حركته". والتاريخ الذي تسرده الرسالة الخامسة والعشرون، على عدد سنوات ولاية نصر الله صفير البطريركية المارونية، وترويه، تتناول به معاني الحركة الدينية "والثقافة التجديدية"، وعلاقتها بعضها ببعض، ومآل هذه المعاني ومصائرها ومفاعيلها في مدى اليوم وزمنه، أي في بلدان العالم المعاصر ودوائرها الجغرافية، وفي خضم الحوادث المعاصرة وسياقاتها. وصفة الرسالة هذه تميزها من معظم سابقاتها في المناسبة الدينية والشعائرية نفسها، ومن مئات بيانات مجالس المطارنة والأساقفة والموارنة الشهرية. وقد لا تقرن إلا ببعض نصوص المجمع الماروني البطريركي، وببعض النصوص التي أعدت للسينودوس من اجل لبنان وأدرجت أجزاء منها في البيان السينودي الأسقفي والبابوي (الإرشاد).



الميثاق، الطائفية

والامتياز، وليس التميز وحده، مرده الى غنى التناول وسعته، وتطرقه الى مشكلات "الشعب" الماروني الراهنة من غير تستر، وإلى تجديد الرسالة الأفكار واللغة في ضوء اختبارات ثلث القرن الأخير وحوادث العقد المنصرم. فالرسالة، من هذا الباب، تشبه بعض ما اضطلع به المجمع الفاتيكاني الثاني في ولايتي أو أسقفيتي يوحنا الثالث والعشرين وبولس السادس (1962 – 1965) من "استئناف" فكري وثقافي. والاستئناف يتخطى المراجعة الجزئية الى بلورة بناء يرتب المعاني على ترتيب ومعيار جديدين ومتماسكين. ويبعث الترتيب والتماسك في الرسالة، أجزاء وكلاً، قوة ووضوحاً ومباشرة قلما يجدها القارئ في بيانات سابقة، مارونية ومسيحية وسياسية لبنانية وعربية.
وينهض البناء على تعريف "الميثاق" أو التعاقد والتعاهد ما بين الطوائف اللبنانية في جوهره بـ"فعل إرادة وفعل حرية في آن (و) تجسيد لقيم روحية متفاعلة (و) مسألة تنمية وترقية للإنسان اللبناني – العربي – المشرقي..." ويفترض التعاقد والتواثق "أفراداً" أو آحاداً سابقين على تعاهدهم وتواثقهم. والأفراد، في المعرض الاجتماعي والسياسي، ليسوا الناس فرادى، واحداً واحداً، فهم هويات جماعية، شعوب تنفرد وتختص "بخصائص اثنية ومذهب واحد وتاريخ قديم"، أو طوائف. ولا تحجم الرسالة، ولا تتحفظ عن الدلالة الى الجماعات الطائفية (المذهبية) اللبنانية، وتسميتها بهذا الاسم، وحملها على شعب، على المعنى الذي تقدم للتو، وعلى هوية. وما ينكره معظم "السياسيين"، وهو تعريف اللبنانيين جماعات متفرقة تعصب الواحدة منها رابطة أهلية (قرابية ونسبية) يتولى رعايتها ولحمتها معتقد يضطلع بالتشريع في أركان الإيمان وفي المعاملات معاً، وتروي تاريخها وتتراواه على الوجهين هذين، الأهلي والديني – ما ينكره معظم "السياسيين" المحليين والعرب تقر به الرسالة البطريركية، إقراراً صريحاً، ولا ترى غضاضة في إقرارها.
وهذا مبعث سؤال وحيرة وقلق. وبعضنا (فليس منا من يبرأ من هذا النازع) يبعثه الكلام على شعب نظير الطائفة، على معنى الطائفة الدينية المذهبية، وعلى جماعة وجماعات، على الشفقة أو على السخرية أو على التنديد الصريح بالتخلف والانغلاق. وجواب الرسالة، شأن المجمع البطريركي من قبل (الملف الثالث، النص 19 الفقرة 45، 2006، الكنيسة المارونية والسياسة من: الكنيسة المارونية وعالم اليوم) جوابان. الأول يجبه المسألة، والثاني ينيطها بالمعالجة كلاً وجميعاً، ويرد من طريق إطار المعالجة وأجوبتها العامة وأجوبتها الجزئية والفرعية. وفي الرسالة اليوبيلية، يتناول الجواب الأول مسألة الطائفية في الفقرة 15 من الرسالة (ومقتطفات "النهار" أغفلت أجزاء من الفقرة هذه). ويذهب ما سقط من الانتخاب الى ان الميثاق، ركن المعنى اللبناني (الإنساني والتاريخي والإلهي)، إذا تحول عن جوهره "أصبح مجرد مطامع متضاربة ومفاوضة ومقايضة ومحاصصة ومجرد تسوية وتوازنات". والطائفية هي هذا، في ملة البطريرك واعتقاده، أي "أخطر مؤامرة على القضية (وهو) يسقط الرهان على الانفتاح والحوار ويفرض الانغلاق والزبائينة والإقطاعية".
فمن غير خشية مفارقة يقول صاحب الرسالة اليوبيلية ان الصيغة الميثاقية هي خلاف الطائفية، والطائفية هي "خطيئة" اصحاب الصيغة وأطرافها، و "سقوطها" المتنكر لأركان تواثقهم. وتخالف المقالة البطريركية المقالة العلمانية المفترضة، والمقالات القومية والمذهبية الأصولية، جميعاً. فهذه، على تفرقها اللفظي والمعنوي، تكاد تجمع على وصم الصيغة، أو "التركيبة" على قول مراجعين كثر مسلمين ومسيحيين في "مجالسهم" المحصنة بالأمانة والجَمْجمة، بطائفية كيانية، "بغيضة" و "انعزالية" و "شيحوية" من غير شك ولا تردد ولا فحص.
والجواب الثاني، من طريق المعالجة العامة، هو الراجح في ميزان الاحتجاج. فالرسالة ترسي الميثاق الوطني حقيقةً، على الجماعات او الطوائف أو الشعب (وبعض المعلقين يحسب ان حمله اللبنانيين على "شعوب" فتح من فتوح التحليل والفهم والصدق، ويبني على فتحه قصراً صحافياً منيفاً، وهذا ملقى على قارعة النصوص البطريركية من غير دعوى). والحق ان إنكار بني عاملة، وهو نسب شيعة لبنان الإماميين "الإثني"، على قول الرسالة، أو بني معروف، وهو نسب الموحدين الدروز، ومزيج القبائل العربية والكردية والتركية والبربرية التي يتحدر منها سنّة لبنان، الى الأرمن والسريان والكلدان والأشوريين والعلويين والأروام الملكيين – إنكار هؤلاء كلهم انتسابهم الى أعراقهم أو آبائهم، وإلى معتقداتهم الجامعة بين "عشائرهم" وأجبابهم وقراهم وأحيائهم أو خططهم، وروايتهم حوادث تواريخهم على الترتيب المزدوج والمتصل الأهلي النسبي والأهلي المذهبي، لهو (الإنكار) العجب العجاب. فالقوم، وهم أقوام لا يعرفون هوية غير هوية الآباء والأجداد والأولاد، على قول وثيقة الحزب الخميني المسلح الثانية، والوطن هو الموطن، على معنى "مسارح قضّاها الشباب هنالكا"، على معاني المسارح كلها: من طريق العين في عيناتا الى دروب التسلل والوديان والمكامن المسلحة وقواعد التدريب.
وهم، أي القوم، يتزوج ويصاهر بعضهم بعضاً. ومعظم زواجهم، وعلى الخصوص زواج عامتهم بعد نصف قرن من الإقامة في غير ملتهم، خوف "الموت في علتهم"، هو في دائرة أهل مذهبهم، وعلى شرع المذهب. والإكراه في هذا، وفي غيره، قليل. وهو لا يصدر عن "النفوس"، على خلاف رسم النفوس/ النصوص السائر، بل عن أركان الاجتماع التاريخي، وبناء الهويات المشتركة والسياسية والثقافية في نطاق الجماعة، والنفسية، أي تلك التي ترجع الى النفس، نفساً نفساً. فماذا ينكر الناعون على الطوائف، أي على الجماعات الأهلية والاعتقادية والتاريخية، حين يطعنون في خصوصياتها أو مرة أخرى: الأهلية والاعتقادية والتاريخية؟ هم يزعمون ان مطعنهم يقتصر على قيام الكيانات الطائفية وعصبياتها حاجزاً ما بين الجماعات والأفراد وبين الوطن الواحد. ويسمون هذا "طائفية سياسية".



العدد "الديموقراطي" والعصبية

ويفترض في التسمية أن تزيل اللبس ما بين الكيانات، أو "الوجودات" الجماعية، التاريخية والاجتماعية والإيمانية، وبين انحرافها السياسي المفضي الى "الانغلاق والزبائنية والإقطاعية"، على قول رسالة اليوبيل. والصيغة السياسية، في "الطائفية السياسية"، معناها المتعارف هو قانون الانتخابات، وقيود الاقتراع والناخبين، وتقسيم الدوائر، وعدد النواب وفق قيود الناخبين في الدوائر. وهو في نهاية هذا المطاف، العددي والإحصائي و"الحصصي"، هو توزيع الرئاسات والوزارات ووظائف الإدارات العامة. فالسياسة، في "سياسية" الطائفية والدعوة الى إلغائها، هي الحصص والشطور، وتوزيعها، وهي المراتب والمناصب والرئاسات وموازينها. وهي، الى هذا، الأواصر والميول، أو العصبيات والولاءات والأحلاف والعداوات. والحظوة بالحصص والمراتب تسوّغ تقديم أواصر وميول على أخرى مخالفة أو مباينة، وعلى مقادير أخرى.
فالدعوة الى إلغاء الطائفية السياسية، على المعنى المتقدم، يترتب عليها التسليم لمحاصصة برية، أو متوحشة، غير مدجنة ولا مهذبة، وتترك قياد توزيع الحصص وترتيب الولاءات على غارب الصراع وموازينه "الواقعة". ولا يتوقع، على أي وجه، أن يؤدي الصراع المتروك على عواهنه الى غير تعبئة العصبيات الداخلية، وتكتيل أهلها، وإطفاء خلافاتها، وميلها كلها الى جهة واحدة، ونشدانها المؤازرة من غير شرط، وانقيادها الى استتباع من الضرب غير المقيد ولا المشروط نفسه. ولا تستقيم سياسة، ولا رابطة سياسية وطنية، مع المحاصصة البرية هذه. وترك العنان لها هو أقرب طريق الى تدمير الدولة الوطنية، وإلغاء السياسة ورفع رايات الطائفية على أنقاضها. وأما الدعوة الى احتساب الحصص والمراتب والأحلاف على معيار أو ميزان مختلف فلا يؤدي، على ما حصل ويحصل في لبنان، في رعاية "عربية" جهورية أو متلعثمة منذ نيف وثلث القرن، الى غير طائفيات أهلية متشنجة ومحمومة. ولا ريب في أن ما يسعى فيه دعاة الإلغاء أو الاحتساب الجديد و "العادل"، أو الإحصائي العددي و"الديموقراطي"، هو النفخ في الطائفيات، وتحريك تشنجها وحميتها و"طبيعتها". والدور الذي تدور فيه الدعوة "العددية الديموقراطية"، و"الشعبية"، يقحمها فيه تعويلها على تعبئة عصبيتها، وتماسك أهلها بإزاء الجماعات الأخرى، في سبيل الحظوة بالحصص والمراتب والأحلاف التي تخولها إياها، على ما تحسب، أرجحيتها العددية. فتتوسل بالعدد الديموقراطي، ورجحانه الإحصائي، كسر الميزان كله.
وتتعمد الدعوة، أي أصحابها، الغفلة، أو انهم غافلون فعلاً، عن ان الاحتكام الى العدد في الاقتراع الانتخابي يفترض انحلال الجماعات الآلية أو الميكانيكية، وهي الجماعات العصبية والقرابية والدينية في المرتبة الأولى، الى أفراد وآحاد. وهؤلاء يختارون من بعد طوعاً، على هذا القدر أو ذاك، روابطهم وأواصرهم وتكتلاتهم الاجتماعية والسياسية والجغرافية والثقافية. ويسنّون الشرائع (على ترجمة عادل زعيتر) والقوانين والمراسيم والإرادات في أحوالهم كلها. فهم مصدر "الحاكمية" المدنية أو الولاية. ومعلوم ان حكم هذا، في بعض الصيغ الإخوانية وفي ولاية الفقيه الخمينية، التبديع والتكفير والحمل على الجاهلية. وديانتهم نفسها، بهذه الحال وإذ ذاك، لا تبقى تسليماً مطمئناً لـ "تعليم" حرفي محكم ومتوارث، بل تتعاورها الأسئلة والاختبارات والتجارب من جهاتها كلها. فالزعم ان الانتخاب "الشعبي" الى المجلس التشريعي، واستنتاجه تالياً بنية السلطة التنفيذية والإدارات ومنازع السياسات، إذا أطلق فيهما عامل العدد، وأقامت الجماعات العصبية على تماسكها الآلي، يلدان ديموقراطية غير طائفية، هذا الزعم يستمد بداهته من بداوة سياسية وأهلية مسترسلة. وهي وليدة تجربة "سياسية" أهلية فعلاً، على معنى العصبية، وعلى معنى الاستيلاء والغلبة بالقوة وأمرها الواقع.



الأصول الأولى

قد لا يكون هذا بيت القصيد، على رغم خطره، إذا نظر المرء إليه في ضوء الرسالة البطريركية. والاختبار اللبناني المستمر. فالأصل، في الضوء المزدوج، هو تعريف السياسة، وتعريف الميثاق و(الدولة) الوطنية تالياً. ولا يقصد بالتعريف الوصف، ولا تعيين الشيء أو الموضوع وافتراضه خارج الفعل والإرادة والرغبة. وعلى هذا، فالكلام على "تعريف" السياسة، والظن ان ثمة معياراً "موضوعياً" أو "علمياً" يقرر "علماء" وأهل معرفة في ضوئه إذا كان فعل ما سياسة أم لا، إنما هو كلام سياسي ومعياري من ادناه الى أقصاه. والحق ان رسالة اليوبيل تدعو صراحة وجهراً الى إعلان جماعات اللبنانيين وأفرادهم السياسة التي يريدونها، ويرغبون فيها، ويرونها محجة لسعيهم وأفعالهم، وقطباً يديرون عليه علاقاتهم وهيئاتهم وتنظيماتهم. وتقديم الميثاق والعهد على عصبية الجماعات، وعلى منازعها "الحيوية" (الداروينية)، التوسعية والسلطانية، يشهر مفهوماً للسياسة، وعن السياسة، يخالف البداوة الأهلية. فهذه تسعى في تجرمة العدد والعصب والولاء (إلى) مراتب قوة ونفوذ ثابتة، و(إلى) قطبي ولاية وعداوة لازمين ومقيمين لا فكاك منهما. وتعم البداوةُ الأهلية علاقات المواطنين بعضهم ببعض، وهي العلاقات التي تجعلهم جماعة سياسية وطنية ومدنية، بمعيار علاقات الدول بعضها ببعض وتشملها بهذا المعيار. ويقوم شطر من علاقات الدول، إلى اليوم، على ميزان سلطاني امبراطوري، ويجيز تحكيم الحرب والقوة في حسم المنازعات.
وعلى هذا تثبت الرسالة البطريركية الجماعات، ورابطتها الأهلية والاعتقادية والتاريخية، اصلاً ومبتدأ. وهذا إقرار بالصورة التي ترى عليها معظم الجماعات نفسها، وصدوع بها. والإقرار والصدوع هذان يرسيان السياسة المقترحة على ذاتية إنسانية متنوعة. ويستتبع الخروجُ عليها أو ازدراؤها انقلاب السياسة قسراً وتعسفاً خارجيين واستبداديين. ولكن إثباتها أو إيجابها على هذا النحو والوجه لا ينكفئ على نفسه، ولا يبقى أسير الأصل "الأول" المفترض. فيصحب الإيجابَ المنفصل هذا إيجاب كثرة مركبة ومؤتلفة، هي الكثرة السياسية الميثاقية. والكثرة الميثاقية هي مناط السياسة الوطنية والمدنية، والأصل الذي تتفرع عليه الحقوق والحريات، وتنشأ عنه الهوية الجامعة والمضطربة شأن الأفعال الإنسانية الحرة كلها. فالكثرة هي الأصل الأول، السياسي وليس الأهلي العصبي والحيوي، على رغم ما في إثبات الكثرة اصلاً أول من مجازفة. فهو أي ثبات الكثرة، يعول على شراكة "الكثيرين"، والتزامهم الشراكة ومداولاتها، وقسرهم أنفسهم على المداولة والانضباط عليها وعلى نتائجها. وهذا مرهق ومعنت، قياساً على حسم المنزع العصبي الأهلي وعجلته، وعلى صولته وجولته في ميدان تنفرد به أهواء "حديدانية" تشبِّه على صاحبها الفرد والفذ خيالات العظمة والقوة، وتقلص مشاغله وسعيه الى دائرة ضيقة وفقيرة.
وتتناول الرسالة مسألة التعاهد الميثاقي، وإرساء السياسة الوطنية المدنية على ركنه، واقتراحه مناطاً للحياة السياسية العامة وتفضيله على سياسة العصب والسلطان، تتناولها من وجهين: الوجه الأول هو مقدمات التعاهد والتواثق وشروطهما، والوجه الثاني هو نتائجهما. ويفترض قرار الجماعة السياسية، الوطنية المدنية، على ميثاق أو عقدٍ كثرةَ

المتعاقدين، وسواسيتهم فعلاً (على وجه الوقائع) وحقاً (في ميزان الحقوق والقوانين). ويفترض، من ناحية أخرى، حريتهم، وإقبالهم على التعاقد إقبال المريد غير المكرَه والمدرِك تبعات تعاقده، والملتزم التعاقد وتبعاته – الى حين طلبه التحلل منها أو من بعضها، أو اقتراحه تعاقداً آخر أو فك التعاقد وحله. والكثرة الثابتة والراسخة ليست شرطاً منطقياً أو ذهنياً للتعاقد، وعلى التعاقد، فيقال: التعاقد يفترض متعاقدين اثنين على التقليل ولا يتعاقد الواحد مع نفسه (وهذه فيها نظر). فهي والتعاقد صنوان متكافئان. ويوجب المتعاقدون من طريق تعاقدهم افتراقهم، وقيام واحدهم بنفسه، وولايته عليها، "فعل حرية وفعل إرادة"، من وجه. ويوجب، من وجه آخر، توجهه على مواثقه ومعاهده، وتحمّل تبعاته وكفالته وضمانه بإزاء نفسه، وبإزاء غيره، "مسألة تنمية وترقية".
وتبني الرسالة اليوبيلية على الاقتراح هذا تأويلاً للميثاق اللبناني هو في مثابة صيغة جديدة تخلف الصيغة الحرفية والتعاقدية القانونية التي غلبت على معظم الكتابات التي تناولت "مساكنة" اللبنانيين بعضهم بعضاً و "تعايشهم" و "أممهم"، على ما قال عبدالحسين شرف الدين في أمته "القلقة". فتذهب الى ان الميثاق "هو فعل ثقة بالقضية اللبنانية صاغته بل التزمته الطوائف اللبنانية، يوم هربت الى هنا (وهي) إنما جاءت لصون هذا التراث (الروحي). وهكذا كان الميثاق جزءاً من دواخل ضمائرها، فصادقت عليه ضمناً كل أقلية وافدة الى هذه الديار... ولأنه تعبير عن إيمان وحقيقة وشرف فإن ميثاقاً كهذا لا يجوز ان يكتب لأن ضمانه الوحيد هو الإيمان بالله والثقة بالإنسان". وعلى هذا "فنحن... نثبت ذاتنا ولا نطلب ضماناً من أحد... (وقضيتنا هي) قضية الخصوصية والفرادة...". ويقود اقتراحُ السياسة ومزاولتها وتعهدها على هذا الوجه، من يدعوهم الاقتراحُ، ويتوجه عليهم، يقودهم الى مشارف اختبار أخلاقي وعملي وسياسي عسير، قد لا يكون لنا طاقة به. ونكصنا، نحن اللبنانيين، عنه في معظم الأوقات والأحيان.



المطاف المهاجر

ويبدو لي ان ما يذهب إليه البطريرك الأنطاكي المشرقي والمسكوني في هذا الموضع في رسالته يستقوي (أو يحتج) على تخاذلنا عن احتمال تبعات لبنان السياسية الوطنية والمدنية – وهو يقول "الروحية" و"الإلهية" – الشريفة بتجربة تاريخية تتعدانا معانيها ونحن من اضطلع بها، في وقت واحد. وهو يؤرخ لما سماه عمر فاخوري (نعم!) "الحقيقة اللبنانية" (1944) تأريخ استعادة وحفظ وديعة على رجاء حركة خلاص تاريخية. فلا ينسى ان ابتداء "الحركة" المارونية، والشعب الماروني تالياً، ولبنان في خاتمة مطاف تاريخي مهاجر، كان استجابة دعوة تولاها امرؤ فرد، إجازته من نفس حرة ومن تلبية. وليس من تولية أو إلباس فروة، على قول كتاب الحوليات العثمانية، ولا من انتساب الى أهل أو محل أو سلطان. و"الحركة" هذه حلت معنى وجماعة وأرضاً. ولكن المعنى والجماعة والأرض أقامت على التماس محجة لا قرار تقر عليه. وهي أقرب الى الجهة منها الى الموضع، على ما في القول هذا من رجع غنوصي لا يرضاه، على ما أحسب، البطريرك الخلقدوني.
فالهجرة أو المُهاجَرة – رواية، وسعياً في أقاليم المعمورة واضطراباً بين أظهرها، واستصلاحاً للمحرث بجوار الأديرة – هي دأب "الحركة" وميزانها ومنزعها العميق. وحمل الجماعات الأهلية والدينية الاعتقادية اللبنانية على المهاجرة، وليس على الإقامة ولو على سبيل التمصير، يغلِّب تطلعها الى المرحلة التالية من رحلتها ورجائها وسعيها على الأصل الذي تتحدر منه، رحماً ودماً ونسباً. وتقدم المهاجرةُ – وهي عند بعض المسلمين الى الله ورسوله، وإلى "المعاهدة خوف الأعرابية" على ما ذكّر عثمان بن عفان أبا ذر الغفاري – المهاجر الفرد، والمتخفف من عصبيته الآلية، على الجماعة الدموية، وتدعو الى الغربة ومخالطة الغرباء، واجتراح نسب جديد يجمع المهاجر ويضويه الى "أهل" جدد لم تلدهم آباء المهاجرين ولا أمهاتهم. ويتعاقد المهاجر الغريب على نسبه الجديد، أو آصرته وعروته السياسيتين هذه المرة، تعاقداً حراً و"مشروطاً"، على قول الإيرانيين مطلع القرن العشرين في حركتهم الدستورية.
ويرسي الميثاق، وهو مشروطتنا ودستورنا وعهدنا، الواحد والواحدة على نسبين متنازعين. فلا يطمئن ذو النسبين الى نسب واحد. ولا يدعوه اطمئنانه الى الحسبان الصلِف والادعاء الأرعن انه هو القائم على الأهل وعميدهم، أو هو "صاحب الدولة" المكلف والمفوض. والتأويل البطريركي لتاريخ الموارنة على هذا النحو من المعاني يخرجه من أصالة نسبية وأهلية مستعلية وبطولية، ويقيد منزعة الى التربع في سلطان دولة بوليسية وخاوية. ويدعو الجماعات اللبنانية الى إيجاب روايتها لتواريخها، والدخول في الميثاق من أبوابها هي، وليس من باب المارونية على معانيها المتفرقة. فالائتلاف، وهو اسم آخر للميثاق، يجمع "المعذبين والمتألمين والمهمّشين... والمطرودين من أوطانهم والمضطهدين في حرياتهم". وهو يجمعهم على إيجاب حرياتهم وحقوقهم، وعلى تعاهدهم في اجتماع سياسي مشروط ومقيد بالكثرة و(مشروعية) المنازعة والمداولة والعلانية.
والوجه الثاني، وهو نتائج التعاهد والتواثق (بعد مقدماته وشروطه)، يتناول ما ترتب ويترتب على إرساء السياسة الوطنية المدنية على ركن التعاهد الميثاقي واقتراح هذا مناطاً ومبنى للحياة السياسية العامة - على علل الإرساء و(اقتراح) المناط هذين. وتحصي الرسالة اليوبيلية المترتبات الأولى والبارزة. وهي اجتماع "الهوية اللبنانية... من هويات متعددة هي هويات الطوائف، (فهي) المألفة الجامعة بين هذه الهويات المختلقة والمؤتلفة في ميثاق الحياة المشتركة". وهي، ثانياً، "قيام نظام يحترم الكرامة البشرية ويتيح ممارسة الحريات السياسية، الشخصية منها والجماعية، ويتبنى الديموقراطية نظاماً للحكم". وما خلا الإشارة السريعة والغامضة الى "تنمية وترقية الإنسان اللبناني – العربي – المشرقي"، تغضي الرسالة اليوبيلية، حياءً ربما، عن نتيجة ثالثة ترتبت على التعاهد الميثاقي هي اضطلاع المجتمع اللبناني العامي، أفراداً و"جمعيات" (على معنى الروابط الطوعية والتلقائية) وشركات، بإنماء المرافق والعوائد وتلبية بعض الخدمات الأساسية، إنماءً وتلبية يتقدمان نظيريهما "القطاعيين" جودة وعدالة.
ويجر هذا على اللبنانيين، وعلى نظامهم السياسي والاجتماعي والثقافي "برمته"، على قول مستأسد، ضغينة "القوى العقائدية الشمولية، القومية منها والدينية الأصولية". وتتهدد هذه القوى وطن اللبنانيين بإيقاعه في "مأساة" حكم هذه القوى، و"تجربة (حكمها) القاتلة". وتمثل الرسالة على المصير المخوف هذا بـ"تهديد السلاح" المسلط على حقوق اللبنانيين وحرياتهم، وعلى اجتماعهم السياسي وهيئات الدولة وميثاقها الدستوري. وهذه المحنة "نفي للبنان، وتمزيق لهويته الوطنية، وإلغاء لحرية ابنائه، ومدخل الى الحرب الداخلية فيه"، على طريق "زوالـ(ـه)". وليس هذا وصفاً للسلاح الحزب اللهي، الإيراني والسوري، وحده، ولا تنديداً بـ"تفاهم" المعاون الماروني الانكشاري، و"المقاوم" المتفرج والمقاول، مع ولاية الجماعة الشيعية المسلحة وإقطاعها. ويتطاول الوصف المندد سوابق كثيرة، منها السابقة الفلسطينية القريبة، والسابقة الإسرائيلية، والسوابق الأمنية العروبية و "اللبنانية"، وغيرها.
وحمل السلاح، والحكم بواسطته، على "القوى العقائدية الشمولية القومية منها والدينية والأصولية"، وجمعهما، السلاح والحكم، معاً، لا يقتصر على لبنان واللبنانيين. والرسالة البطريركية كلها إنما تكني بلبنان واللبنانيين عن خلاف أو شقاق عربي وإسلامي، أو يرجى عربياً وإسلامياً، مداره على السياسة، والمجتمعات السياسية في "الشرق الأوسط". وكان لبنان واللبنانيون مسرح اختبار لهذا الشقاق. وهو لم ينقض ولم يطوَ. فالميثاق، على معناه الذي تقدم، "أكبر تحد للإيديولوجيات الشمولية والعرقية والدينية والأصولية التسلطية في المنطقة. وهو ما جعل هذه الإيديولوجيات تعلن عداءها لقضيتنا ولوجودنا من الأساس، شعباً وكياناً ودولة ونظاماً، ولا تزال!". والكناية بالميثاق والتعاهد والكثرة والمداولة والعلانية والخروج من العصبية الأهلية والولاء الواحد، عن الصيغة اللبنانية، تدعو (الكناية) اللبنانيين الى الانخراط مرغمين ومضطرين، في الشقاق العربي والإسلامي الذي يكاد، الى اليوم ولولا الحركة الإيرانية وبعض الإرهاصات العراقية والمصرية ربما، يقتصر عليهم.
وهذا نذير شؤم مخيم. فما تسميه الرسالة "إيديولوجيات شمولية وعرقية ودينية وأصولية متسلطة" على وجه السرعة، ولكن حيثياتها اللبنانية والمارونية تصفه وصفاً دقيقاً مرّ بعض تفصيله، ما تسميه بهذه الأسماء نفذ الى قلب حركات عربية تتصدرها القوى الفلسطينية، وقوضها من داخل وخارج، وحرفها عن المنازعة السياسية الوطنية الى المقامرات الأمنية الدامية.
ولعل سكوت الرسالة، ورسائل قبلها كثيرة، عن المسألة الفلسطينية مرده الى التباس القضية الوطنية العادلة، إذا استثنيت هوامش مدنية قليلة ومتأخرة، بأحط صور "السياسة" والعصبيات والثارات والنعرات والمساومات. وانتصب لصوغ المسألة، وبناء حركتها الوطنية المفترضة، وقيادتها، والعبارة عنها، أشباه من قادوا حركات الرعاع الدامية في أوروبا بين الحربين العالميتين. ويتصدى أشباه الأشباه هؤلاء اليوم الى سوس اللبنانيين، جماعات وأفراداً ودولة. وهم يرثون لبناناً هزيلاً تخلف عن عصابات القتل والابتزاز والخوات والشعوذة. ولكن هذا اللبنان ليس طارئاً ولا غريباً. فهو منزع من منازعنا حين تعيينا سياسة التواثق المرهقة. ويداوي اللبنانيون منذ شباط 2005 على أقرب تقدير، هذا الصنف من منازعهم. وهم ليسوا في خيرة من أمر مداواتهم هذه إذا شاؤوا "تجسيد مصير الشرق كله".

الاثنين، 15 فبراير 2010

هوي طائرة الرحلة 409 من بيروت الى أديس أبابا غير بعيد من الضاحية النوارة والمجاهدة


وقت الكارثة ووقت الخلاص واحد... أخاك أم الذئب
المستقبل، 14/2/2010
طائرة "البوينغ" 737 التي أقلعت في جو عاصف بعد منتصف ليل 24 – 25 كانون الثاني 2010 من مطار رفيق الحريري الدولي، قاصدة أديس أبابا الأثيوبية، وعلى متنها 90 راكباً وطياراً ومضيفاً ومضيفة، وهوت بعد ست دقائق تقريباً في قاع البحر القريب من بلدة الناعمة – هذه الطائرة إيذان بأن شيئاً يشبه حادثة غير متوقعة، وناجماً عن تضافر عوامل يعصى بعضها السيطرة والتحكم والإعداد، أمسى الشيء هذا غير جائز في حسباننا، نحن (الشطر العريض من) اللبنانيين المعاصرين، ووارثي العقود الأخيرة من التاريخ اللبناني وحوادثه.
ولا يشبه هوي الطائرة في الساعات الأولى والمعتمة والضريرة من اليوم الخامس والعشرين حادثة، على معنى الجواز والإمكان وتضافر العوامل غير المقدّر والاضطرار، لأن تلقف الواقعة واستقبالها وتأويلها وفهمها حَمَلتها، حال وقوعها وحدوثها، على تدبير إنسي وتقني تام لا يحتمل المصادفة ولا الخطأ ولا الجواز ولا الضرورة، أي حملت الحادثة على "خطة" ماهرة، وإنفاذ شيطاني معمٍّ ودقيق. فالكارثة الإنسانية والتقنية جريمة سياسية مدبرة وكاملة. وتعريفها هذا هو جواب عن سؤال سياسي وبوليسي تقليدي هو: من يستفيد من الجريمة؟ ويترتب السؤال بدوره على حمل السياسة على اثنينية الصديق والعدو، وعلى حصر السياسة في صراع الاثنين هذين، وتعريفها بفن إدارة الصراع المميت.

الحرب والهجرة
وصراع الصديق والعدو، أو "نحن" القومية وخلافها العرقي والطبيعي والحضاري، حرب حقيقية أفقها الماثل هو الموت والتقتيل والتدمير. وهي حرب لا تهدأ ولا تفتر، على رغم الظاهر الخادع. ويبيت السكون الظاهر عملاً وإعداداً دؤوبين يجعلان السلم قناعاً لحرب مستعرة ومستترة. ولا تقتصر الحرب على ميدان دون ميدان، فساحتها الميادين كلها، لا يستثنى ميدان مدني من ميدان عسكري محض. والمحاربون هم القوم او الشعب أو الأمة. فلا يأمن طفل أو ولد أو مسن او امرأة على نفسه، ولا يحصنه من القتل سن أو ضعف أو جنس، أو اعتزال ساحة الحرب وقصور عن خوضها.
ولم يكن في مستطاع طائرة الخطوط الأثيوبية النأي بـ "حالها"، أي بواقعة هويها من الجو العاصف والملبد الى قاع البحر الهائج والمائج وهي لم تترك الأجواء اللبنانية بعد، من الحرب أو الصراع المميت و "المطلق". ويقود الى زج الطائرة المنكوبة في الحرب، وفي الأعمال العدائية، نقلها 54 لبنانياً مسافرين الى بعض المهاجر بشرق افريقيا (تنزانيا وشطري الكونغو وليبيريا وأنغولا...). ولا يشفع بحياد الطائرة، وطيارَيْها الاثنين، حملها 22 اثيوبياً، الى 7 اثيوبيين آخرين هم طاقمها، وامرأة فرنسية، ولا يخرجها هذا من دائرة الحرب والعدوان وتعمد القتل.
فاللبنانيون الـ54 صيد حربي وعسكري ثمين، ولا يسع العدو تفويته أو الإغضاء عنه. ففي المنكوبين القتلى نحو 40 لبنانياً جنوبياً شيعياً. ويتحدر الأربعون من صور والنبطية وبنت جبيل وبعلبك، الأقضية. والأربع عشرة الباقون يتحدرون من الشوف الدرزي، وجبيل والبترون المسيحيين، وعكار المختلط (السني والمسيحي). وبعض المسافرين الشيعة هم من أعيان المهاجرين ووجوههم في مهاجرهم ووطنهم. ويجمعون عراقة النسب المهجري، أو الإقامة المديدة والمجربة، الى علو الكعب في الأعمال، والسعة في التوظيف واستقدام الأهل والأصحاب والأبناء الى مهاجرهم. ومعظم الضحايا شبان أو في الفصل الناضج من شبابهم والأول من اكتهالهم. ولا يزيد عمن بلغوا الخمسين أو جاوزوها. وعددهم نظير عدد من لم يبلغوا عامهم العاشر.
وهذه كلها دواع تدعو العدو الى الرصد والبيات والقتل. وفي تأبين من وسع أهله تأبينه ودفنه، وهؤلاء قلة، نسب المؤبِّنون أو خطباء التأبين المعممون الضحايا الى "جنوبهم" وأرضهم وأهلهم وبلداتهم، ويستقيم هذا النسب من غير شك في الدفن عموماً. ومن هذه الطريق نسبوهم الى طائفتهم ومعتقدهم وهجرتهم. وهذا كذلك يستقيم في الميزان نفسه. ولكن بعضهم، وهم أعلاهم كعباً ومرتبة وأوسعهم ثراءً، احتُسبوا شهداء أرضهم وطائفتهم وهجرتهم ومقاومتهم، أو "مقاومة" الأرض والطائفة والهجرة معاً. وخطباء التأبين المعممون معظمهم الغالب من مناضلي "حزب الله" وكوادره ومسؤوليه. وفي اليومين الأولين غداة الحادثة، قبل مبادرة شيخ الحزب الشيعي المسلح الى مخاطبة أمة حزبه، لم يشك خطباء التأبين في أنهم يؤبنون شهداء مقاتلين حقيقة وليس مجازاً. فذهبوا، على مثال أحد مقدميهم، الى ان الفقيد المسجى هو واحد من "شعب المقاومة"، وأن "خسارته"، في ساحة المعركة والحرب ضمناً، لا تضعف الشعب هذا، ولا تفت في عضده. وحمل آخر، غداة أسبوعين على احتراق الطائرة، الولد الذي يؤبنه ويرثيه، وآلام أهله، على سابقة البلدة في الصبر على العدوان الإسرائيلي وعلى أذاه وضرره.

فتوى الأرض

وما بنى عليه رأي عام أهلي ومذهبي تعليله انفجار الطائرة، أو احتراقها وسقوطها، على وجه الاغتيال المتعمد، وهذا حال سقوطها وفي ضوء "قرائن" لا يعتد بها، هو أولاً تعريف الجماعة المذهبية التي ينتسب إليها معظم الركاب نفسها تعريفاً حربياً أو سياسياً صراعياً. فلا يشك معظم الجماعة، نخباً وعامة، انهم أمة مقاتلة ومحاربة حملت على القتال دفاعاً عن وجودها ودينها وبيضتها، على ما كان يقول فقهاء الأحكام السلطانية. وحرب الجماعة المسلمة، أو الأمة، الدفاعية، حرب عادلة، على خلاف حرب عدوها الظالم والباغي والمستكبر. وأمارة الظلم والبغي هي ان العدو الصهيوني "زرع" في أرض ليست أرضه، واغتصب ما لا يملك، وشتت بالقوة أهل الأرض المسلمين. واحتجاجه بإبادة نزلت به، واضطرته الى المجيء الى فلسطين، مردود، ولا سند له، على ما لا ينفك محمود احمدي نجاد يقول، مستأنفاً "فتوى" أفتى بها مرشد "الثورة الإسلامية" بإيران ومؤسس "الجمهورية".
ونشأت الجماعة الشيعية المسلحة، أو المجاهدة والمقاومة، عن الفتى هذه. فالمرشد الأول لبس عباءة الإسلام "الواحد"، وألبسها ثورته ودولته وجهازه "العلمائي" وحرسه المقاتل واستخباراته وشرطته الأهلية. وأدار "الإسلام" على الأراضي المقدسة، أرض المبعث والدعوة وأرض الإسراء والمعراج وقبلة الصلاة الأولى. وبعث "المسلمين" على محاربة "الاحتلالين"، وندب حاجه وأهل مذهبه الى الحرب على الجبهتين الإقليميتين. ورجع عن الجبهة الأولى مضطراً. وبقيت الجبهة الثانية التي "أحياها" الهجوم العسكري الإسرائيلي في 1982، ونفخ حياة مسمومة فيها. فأخرج منها الفلسطينيين "السنّة"، وأسلمها الى الشيعة الإماميين في لبنان، وعلى الخصوص في جنوبه، وإلى "راعيهم"، وراعي بلدهم ومحروميهم وإمامهم، السوري المدرع والرادع والراصد والمستطلع.
ومذذاك، والذراع المجاهدة أو الجهادية تخوض على الأرض اللبنانية حروبها على عدو مزدوج وواحد هو العدو الأميركي – الصهيوني، وتنتصر. والوجه الأميركي هو وجه نصير الشاه محمد رضا بهلوي، "المقبور" على قول الولي الفقيه الذي استبدل في بيانات "جهاده" البسملة المعروفة (بسم الله الرحمن الرحيم) بأخرى (بسم الله قاصم الجبارين)، وسنده الأمني والسياسي وحليفه، والمشير عليه في 1963 بإصلاحات كافرة مثل الإقرار للنساء بالحق في الاقتراع والترشح والنيابة وإعفائهن من إجازة الزوج أو الأب أو الولي حين السفر، إلخ. وهي حملت المدرس بحوزة قم على "الخروج"، وإعلان الثورة على الظالم الأجنبي وذيله الداخلي معاً. والوجه الإسرائيلي (الصهيوني اليهودي) هو وجه المحتل بفلسطين ولبنان والأردن وسوريا، ومصر قبلها، والغاصب والمجتاح والقاتل والمشرد والمقتلع... وتكفلت "الثورة الإسلامية بإيران" وهي الأصل والرأس، بفرعها بلبنان، ورعته رعاية الأصل الفرع، وحضنته حضانة الولي المولى. وعاهد الفرع الأصل على الولاء المطلق، وعلى "الجهاد" ومونه. وتحولت الذراع العسكرية والأمنية "مجتمع حرب"، ومجتمعاً نقيضاً، وولاية مقاتلة أو مَسْلَحَة، على قول عربي منقول عن مصطلح روماني يدل على التخوم المسلحة والمرابطة بإزاء الأعداء.
ولم تؤد الانتصارات المدوية والساحقة والمتعاظمة، من مهاجمة السفارات ومقار القيادات العسكرية "الصليبية" واليهودية واحتجاز "الجواسيس"، الى إجلاء المحتل عن معظم الأرض، وتحرير الأسرى في سجونه، واستدراجه الى حرب لم يبلغ فيها هدفاً واحداً من أهدافه المعلنة وأولها سحق الحزب المسلح ونزع سلاحه، والمضي على التسلح على رغم القرارات الدولية ومراقبة قوات الأمم المتحدة، والانقلاب على الأبنية السياسية اللبنانية التي تقيد انفراد جماعة أهلية واحدة بإدارة الدولة ورسم سياساتها وتحول دونه – لم تؤد الانتصارات هذه الى اطمئنان الجماعة الشيعية المسلحة، وجهازها المتغلب، الى مناعتها، وحضانة اللبنانيين إياها. فتفاقم الشقاق السياسي والأهلي. وذر التشكك والارتياب قرنيهما. وصار التلويح بالسلاح والقتل، وفرط اجسام الدولة المشتركة وهيئاتها، وقطع الطرق واحتلال الساحات، وشل دورة الحياة الاقتصادية واستدراج العدو الى جولات مدمرة، ميزانَ الحكم والتدبير "السياسيين". وانقلبت المشاركة في الحكم، وهي البرنامج الرسمي المعلن للجماعة المسلحة والمقاتلة، ترهيباً وعدواناً يومياً على الجوار، وحملات تأديب يومية على الأهالي. وانقلبت الأحلاف بين "الطوائف" عهوداً ومؤامرات ثنائية، وتكتلات مرصوصة لا يتطاول إليها نظر أو مناقشة.
فالتعريف الحربي والمذهبي، معاً، نصب الجماعة كياناً قائماً في نفسه، وقلعة محاصرة ومنيعة لا تؤتى إلا من داخل، على صورة حرب الثغور والرباطات والقلاع في كتب الحرب الإسلامية. فهي قد تُسمَّم مياه شربها وشفتها، أو قد يُدس الطاعون في بعض اللحوم التي تأكلها. وقد يستمال ويُشترى بعض ضعفاء النفوس فيها، ويغتال بعض فرسانها على حين غرة، على روايات وقصص صارت مجازات، ولا تنفك تفعل في النفوس وتنشئها. وليس عماد مغنية ومصرعه، وحسن نصر الله وتخفّيه، آخر فصولها. وتجدد القصص والروايات هذه، وتستأنفها، وتحملها على وقائع راهنة، إنجازاتُ تقنية، إلكترونية ورقمية، يتباهى الجهاز السياسي العسكري والأمني ببراعته في ميدانها. ورفعها الأصل الإيراني والفرع اللبناني على حد سواء علماً على التقدم والسبق العلميين، وعلى القوة المنيعة والمرهوبة. ويترتب الاستدخال، أو الإتيان من داخل، على القوة والمنعة. فلا تنفك ألسنة الجهاز ودعاوته الخطابية، على الشاشات قبل الإذاعات والبيانات المكتوبة، والمقروءة، تنفخ في الانتصارات الرائعة وتصور قدوم عصر جديد و "فجر" بكر، يعلو فيه علي خامنئي ومحمود أحمدي نجاد وحسن نصر الله وجنرالات الحرس الثوري وتلاميذهم المحليون "جورج بوش" و "البنتاغون" ونتانياهو وغابي اشكينازي وبريطانيا اللئيمة والمخادعة.

الوقت السياسي والعسكري
وفي دنيا المخاض الخلاصي وانقلاب العلامات، هذه، يختلط الظاهر بالباطن والباطن بالظاهر، فلا تعلم أخاك أم الذئب، على قول العرب في أوقات مترجحة بين الظلمة الزاحفة وبين بقايا النهار والضوء، ويلتبس فيها الخيط الأسود بالخيط الأبيض. وهذا الوقت سياسي عسكري واجتماعي وثقافي واقتصادي، معاً. وآياته الماثلة حوادث ايران القريبة، وجنوح أقرب المقربين الى مرشد الثورة، ونائب إمام العصر، من أمثال رفسنجاني ومير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي الى الكيد للثورة والإسلام وإيران ومراسلة الأعداء والتمهيد لهم. وفي لبنان نفسه، تتصل حلقات أخاك أم الذئب، من اغتيال رفيق الحريري وحمله على مقاتلي إسرائيل، الى شبكات التجسس والاغتيال المبثوثة في مواضع غير متوقعة في انحاء لبنان كلها. ويمتحن الوقت الجماعة المسلحة، ومجتمعها المحارب والنقيض، ويمتحن يقظتها وتنبهها امتحاناً عسيراً. فإذا أغضت جزءاً ضئيلاً من الثانية، في أي موضع من مواضعها، أو فرد من أفرادها، عاجلها العدو اللئيم بسمه وجرثومته وعبوته وذبذبة إرساله الأرضي أو الفضائي.
وجسم الجماعة المسلحة والخلاصية كله أهداف عسكرية ومشروعة، على حكم العدو و "شره المطلق". وهو لا يراعي حرمة مقاتل أو مسالم أو مستأمن يحسب انه يستظل قوانين دولية ومدنية ترعى التجارة أو النقل أو الأطعمة. ومشاهد حربه في غزة، قبل سنة قريبة، شاهدة إلى الأبد على همجيته المترامية والمرسلة. ونظيرها ومثلها حربه على لبنان، وتمثيله في الأولاد والرضع والآمنين في الملاجئ. والحربان زادتا العدو المهزوم والمكلوم، وهو يستشعر نهايته، ووهن بيته وانهياره، خبثاً ولؤماً وخفاء وجبناً. واغتيالاته، وغاراته على مختبرات زراعية يزعم انها تؤوي إنشاءات نووية، وتهديداته إيران الإسلام، وسوريا الصمود، ولبنان المقاومة، كلها قرائن على ارتباكه وإصابته بالهستيريا. ومن هذه حاله، لا راد له، لا من سياسة - وهو يحارب "حماس" ليحصد "القاعدة" على قول الرئيس السوري -، ولا من بصيرة - وهو يمزق شعبه ويستعدي أصدقاءه الأتراك -، ولا من أخلاق أو دين على ما يُرى في "الشتات" المتلفز والموثق.
وجماع الأفكار والأحكام والصور والبدائه هذه هو "ثقافة المقاومة"، على قول كبار مثقفيها، من معممي الجماعة المقاتلة وخطبائها "المدنيين" أيام الجمع والآحاد في الأحزان والأتراح الى سفراء الحليف المشكور. فلما وقعت الواقعة في ليل الاثنين الأليل والبهيم والكافر (الحاجب) لم يشك اهالي نحو الأربعين راكباً "جنوبياً"، وأهلهم الأقربون والأبعد فالأبعد، وشطر أعرض من اللبنانيين يتحدرون تعليلاً ونظراً في الحوادث من الحروب الملبننة واختلاطها، لم يشك هؤلاء في مصدر النازلة. وهجمت على عقول الأهل المفجوعين وصدورهم في "ليل النقع" هذا، حين "لا شمس ولا قمر" على قول الشاعر الأعمى بشار بن برد، رسوم الجريمة الواضحة. فالطائرة اثيوبية. وأثيوبيا حليف اسرائيل وأميركا على الساحل الشرقي من البحر الأحمر، وتنازع العرب والمسلمين، والحليف الإرتري، على باب المندب والسيطرة عليه، على ما جهر أحد رأسيي "قاعدة الجهاد في جزيرة العرب". والبحر الأحمر شريان متصدر في لعبة الأبحر الاستراتيجية الكبيرة (ربط بحر قزوين بالبحر الأسود والبحر المتوسط حول "محور" تركي – سوري، على ما قال الرئيس السوري مستقبلاً نظيره التركي صيف 2009). وهو ممر نفط وبوارج حربية وتجارة عظيمة وسلاح ومقاتلين، ورئة سعودية ومصرية وسودانية، ويصل حوض المتوسط ببحر العرب والمحيط الهندي، الى أمور أخرى لا تخفى قارئاً تقريبياً لخريطة تقريبية.
ومن أول أخبار غزيرة انتهت الى اهالي المنكوبين بأقاربهم خبر يتناول ربان الطائرة الأثيوبي. فقيل ان الربان، وهو واحد اثنين، انحرف عن الخط الذي أشار برج المراقبة القريب عليه بسلوكه الى خط آخر أودى به، وبالطائرة والمسافرين، الى التهلكة. وبعض الصحف أبرزت في عناوينها الأولى خبر الطيار الأثيوبي، وعلقت تحقيق النبأ على الصندوق الأسود، وانتشاله من لجة البحر الهائج والعميق. والتعليق هذا أوحى بربط مجهول وخفي بمجهول أشد خفاء، وأبعد غوراً. واتصل خبر الطيار الأثيوبي بخبر فرعي ذهب الى ان الطيار رفض إرجاء الرحلة، على ما اقترح عليه برج المراقبة، بحسب من أراد الظن الحسن في برج المراقبة، أي في الدولة. ومن ظن شراً وسوءاً في جزء الدولة هذا، وفي الدولة كلاً وجميعاً وهي دولة "تهجير" على قول مرجع علامة، ذهب الى ان برج المراقبة لم يقترح شيئاً من هذا القبيل على الطيار المغامر، في أحسن الأحوال، والمتآمر في شرها. واضطر البرج العتيد الى الرد من طرف خفي. فقال ان طائرة سبقت طائرة الخط الأثيوبي الى الإقلاع بخمس دقائق، وأخرى أقلعت بعد الطائرة العاثرة الحظ بخمس دقائق، ولم يصبهما مكروه.
وروى شاهد عيان، صادف أنه سوري، يقيم بأحد أطراف السكن القريب من المطار، انه سمع انفجاراً قبالة شاطئ خلدة، بين المطار وبين الناعمة التي سقطت الطائرة نظيرها، ورأى في الوقت نفسه "كتلة من النار تهوي في البحر". وكانت السماء ملبدة، والعواصف الرعدية والبروق تصم الآذان وتخطط السماء، على ما كتبت نادية تويني قبل نصف قرن. وصورت آلة تصوير أمنية في احد المصانع القريبة انفجارين ضعيفين سبقا اشتعال الطيارة. وباشرت فرق الإنقاذ العمل في الساعة 3.30 صباحاً. واستنجدت الحكومة اللبنانية بمن يسعه الإنجاد والإغاثة. فكانت إحدى قطع الأسطول الأميركي السادس والحربي، "يو إس إس راميدج"، الأسرع تلبية، والأقرب الى محل الحادثة.
وآذنت المصادفة هذه – وهي ليست مصادفة على وجه الدقة، فسفن وقطع الأسطول السادس، وبعض قطع البحريتين الألمانية والإسبانية منذ إقرار القرار 1701 وانتدابها الى مراقبة تهريب السلاح الى "حزب الله"، تجوب مياه المتوسط بين تركيا واليونان شمالاً وإسرائيل ومصر جنوباً – آذنت في الساعات الأولى بعيد الحادثة بتأويل محكم لا ثغرة فيه. ومفاد التأويل ان الطائرة هوت بصاروخ أرضي أصابها، أو فجرتها عبوة من داخل. وتذرعت قطعة الأسطول السادس المتربصة بالحادثة، وأسرعت الى الشاطئ وهو يؤوي مرفأ أو أكثر في إشراف وكلاء الحزب المسلح والمقاتل والمحاصر، تصوره وتراقبه وترصد أحواله. وبعد "راميدج" الأميركية، يوم الاثنين العتيد، جاءت قطع من "اليونيفيل" الدولية المعززة غداة صيف 2006 و "حرب" "الواعد الصادق"، وهي على هذا شريكة في حصار "المقاومة" و "شعبها"، وفي حماية إسرائيل منها، جاءت وشاركت الجاسوس الأميركي المتكاثر والمتناسل سفناً في التصوير والرصد والاستطلاع. وفي 9 شباط، غداة نيف وأسبوعين على الحادثة، اضطر وزير الإعلام الى القول ان قطع بحرية "اليونيفيل" لا تحتاج الى سقوط الطائرة ذريعة الى التفتيش المراقبة، فهي تؤدي المهمة هذه بموجب تكليف دولي طلبته الحكومة اللبنانية، وكان وزراء الجماعة المسلحة أشد المتلهفين إليه.
فقضى "أصحاب" الدولة، وهم اصحاب لقبها طبعاً، نهار الاثنين الكالح والكئيب في الرد على كهانة المتكهنين في اسباب نكبة الطائرة وقضاء ركابها المرجح. فقال رئيس الجمهورية انه ينتظر التحقيق قبل الجزم بعمل تخريبي، ويستبعد الى ساعتها مثل هذا العمل. ولا يزال وزير الإعلام، عشية الأسبوع الثالث، على الرأي هذا، على رغم بيان الشركة الأثيوبية. فعُدّ قوله "استباقاً" و "انحيازاً" و "تبرئة ذمة"، على قول أهلٍ ومراسلين ومتحاورين على الشبكة. ودفع رئيس مجلس الوزراء عدداً من التهم، الأولى ان الحادثة ما كانت لتحصل لو سيّرت شركة طيران الشرق الأوسط خطاً الى شرق افريقيا، ولم تنزل عن الخط هذا لشركة دولة "أميركية"، وحليفة العدو الصهيوني، طمعاً في الربح (وعلى رأس الشركة مدير سني من آل الحوت البيروتيين، اضطر قبل 8 أعوام الى صرف مئات من العاملين فيها لقاء تعويضات، إنقاذاً لها من تراكم العجز، وهو مذذاك محل تهمة وشبهة اقتصاديتين وإداريتين ومذهبيتين).
والثانية ان الدولة، "دولته"، تستعين بسفن غربية تُكره الاستعانة بها شرعاً وأخلاقاً وسياسة. وهو – أي سعد الحريري وبعض "وزرائه" مثل وزير الدفاع (وهو "وزير" رئيس الجمهورية) ووزير الأشغال العامة والنقل (وهو "وزير" الزعيم الدرزي وليد جنبلاط) – إنما دعاها الى الإسعاف بوحي من انحيازه وتأمركه ورأيه الضعيف في العدو الصهيو – اميركي، على قول لبناني سائر اقتبسه اسماعيل هنية قبل أشهر قليلة. وردد في 8 شباط، محاوراً الـ "بي بي سي" العربية، أنه لا يبالي بما تقوله "محطات التلفزيون" في انحيازه وميوله. ودفع وزير الأشغال والنقل، في اليوم عينه، عن نفسه تهمة مجاراة السياسة الأميركية، وتملقها، واستقوى بمواقفه "المعروفة" وآرائه في هذه السياسة. فالمؤامرة الغادرة والمنتقمة لم تمت فكرتها في الأثناء. وزادها استعاراً في هشيم الظنون، و "ثقافة المقاومة"، خبط البحث عن هيكل الطائرة، وأسراها وجثثهم المقيدة الى مقاعدهم، وعن الصندوقين السوداوين وعسر إخراج أحدهما، ثم إخراجه من غير الجزء الذي يدون "ذاكرة" المخابرات.


إعلام السدة
والحق ان الإعلام الكارثي والرؤيوي الذي تناول الحادثة المروعة، وخلى بين الظنون والتخمينات المفجوعة وبين خروجها مخرج أخبار الثقات وحديثهم، هو البث التلفزيوني الحي والحربي والجماهيري. وكانت الجزيرة القطرية أول من اختبر مثل هذا البث على نطاق كوني، غداة 11 ايلول 2001 مباشرة، بأفغانستان، ثم بلبنان وفلسطين. وربما سبقتها "المنار" الحزب اللهية، على نطاق أضيق في حزيران 2000، في أثناء الجلاء الإسرائيلي واستعادة الجماعة الأهلية وجهازها ما كان، الى الأمس، حزاماً وشريطاً. والإعلام المصور والحي يقضي بمباشرة التصوير والنقل والبث في اثناء حصول الحادثة من غير وسيط ظاهر. وعليه، انتقلت محطات التلفزيون اللبنانية، وبعض العربية، الى مسارح الحادثة، على الشاطئ نظير المواضع الحائرة التي ظُنت مهاوي الطائرة المحتملة. وهذه تنقلت مع قطع الطائرة المتناثرة، بين اللاذقية وطرطوس شمالاً وبين صور جنوباً. ومن الشاطئ راحت الى مستشفى رفيق الحريري الحكومي، حيث جمعت البقايا وأُجريت الفحوص، وإلى القيادة البحرية والدفاع المدني، وإلى مدافن التشييع والتأبين.
وتربع أهالي الضحايا في سدة الإعلام وصدارته. فهم "محاربو" الخنادق الأمامية، والممتحنون في لحمهم ودمهم، ومرآة مجتمع الحرب والنقيض، ولسانه الجهوري، وصوت مشاعره المتأججة والصادقة. وهم صنو أهالي غزة الفلسطينيين في اثناء حرب "حماس" والجيش الإسرائيلي، وصنو جماهير الشيعة اللبنانيين في اثناء حرب "حزب الله" والقوات الإسرائيلية، في مرايا المحطات التلفزيونية المقاتلة، شأن "المنار" و "الجزيرة" وغيرهما. ومثل هذا الإعلام يصدر الجماهير المصابة وحسب. فهو يجعل مصابها، وما تقوله في المصاب هذا ساعة قولها، معيار الفهم والشعور والحكم الأخير والقاطع. والشاشة، وتعليق المذيع، هما صورة المعيار الماثلة. ولا يقدح في هذا الزعم، ولا يطعن فيه، صدور من يتفجعون ويبكون ويصرخون عن آلامهم وخسارتهم، في المرتبة الأولى، وعن أحكام شائعة في أهلهم وجماعتهم، في المرتبة الثانية. والمصيبة، في الحرب أم في الكارثة الطبيعية، تجمع الأهل والجماعة على يقين عميق صنعته الاختبارات المشتركة، ورعته مصالح استقرت عليها اختبارات الجماعة ومنازعاتها وغلبة من غلب عليها.
ويستقوي الإعلام "الحي" – وصفته المزعومة هذه يراد بها نصبه نقيضاً لإعلام ميت ومعلب على شاكلة إعلام السي إن إن في حرب الخليج (العراق) الثانية أو إعلام المراسلين المرافقين وحدات أميركية مقاتلة في غزو العراق قبل 7 أعوام – وهو إعلام مباشر وخام، يستقوي بحضور وجدان الجماعة الأهلية، ووجدان الضحية، حضوراً صارخاً هو (يفترض) صوت الحقيقة المدوي والعميق. ويترتب الرأي المفحم والبديهي هذا على رأي سابق مصنوع ومغرض. فهو ينسب ما يقوله المنكوبون، كانوا منكوبي طائرة هوت في عاصفة أم منكوبي قصف بالقذائف الفوسفورية في عملية حربية مدبرة، الى الحقيقة. وتصح هذه النسبة وتسري ما اتفق قولهم الواحد والمجمع مع آراء جهاز قوة منفرد بالسيطرة والسلطان. ويزعم الجهاز على الدوام، في إيران الحرسية ولبنان "المقاوم" وسورية الأسدية وفلسطين الحمساوية والعراق الصدري وغيرها طبعاً، انه صورة الجماعة الأهلية، وأن سلطانه الأمني والإيديولوجي الخطابي هو روح الجماعة وصدرها وذراعها. فإذا لم تجهر الأصوات الوجدانية هذه "الحقيقة"، ولم تجهرها وحدها، عمد الجهاز الى خنق الأصوات، وإطفاء الصور والشاشات، وإبطاء الشبكات، وقطع المراسلة، وحجب المواقع، على ما يختبر الإيرانيون والسوريون وغيرهم اليوم.
فحمل المشاعر الملتاعة في أوقات المصائب والنوازل، صدفة أم تدبيراً، على حقائق السياسة "الموضوعية"، وتعمد إغفال "الثقافة" التي تصدر عنها المشاعر والأحكام، والتدليل بها على صدق رأي وقول وشعور تحقق المذهب السياسي الذي يرعاه جهاز أمني ودعاوي مدبِّر ومتسلط – هذا كله من أسلحة حرب إعلامية كثيرة الجبهات. والحرب الإعلامية هذه، شأن الحرب السياسية (الأهلية والعصبية)، والقتال بالسلاح، حرب غير متكافئة. وهي تُشن على عقول الجمهور ومشاعره، وعلى السياسة المدنية والوطنية وعلى مداولاتها وهيئاتها ومنازعاتها وانقساماتها المعقولة. وما ترسخه هذه الحرب هو نظام عبودية إرادية تضرب بجذورها في "أعماق" النفوس ودواخلها.

الاثنين، 8 فبراير 2010

لبنان الواحد مسؤولية الدولة والحركة الاستقلالية ولبنان «المقاوم» ريعه إقليمي

الحياة، 8/2/2010

 كرر رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري، في معظم عواصم جولته الديبلوماسية الأولى، أن مهاجمة القوات الإسرائيلية جزءاً من لبنان، منطقة جغرافية أو «جماعة»، عدوان على لبنان كله، وعلى الدولة اللبنانية. ورحب بعض أعيان «المقاومة الإسلامية (الشيعية)» بما حرص الحريري على إعلانه بباريس والقاهرة، على وجه الخصوص. وهو استدرج البلدين المضيفين الى تزكية الإعلان والموافقة عليه على نحوين مختلفين ومتفاوتين. فتحفظ وزير الخارجية الفرنسي، على خلاف نظيره المصري، عن احتمال جر السياسة الإيرانية لبنان الى نزاع عسكري في معرض طمأنته اللبنانيين الى استقرار الحال على حدودهم الجنوبية.

والحق أن مديح قادة المنظمة الشيعية المسلحة مقالة رئيس الحكومة في صفة عدوان إسرائيلي جائز على الأراضي اللبنانية والمجتمع الأهلي، وترحيبهم بها، لا يبطل التباس الموقفين، ولا ينفيه، ولا يوضحه. فما ذهب إليه رئيس الحكومة هو أن الدولة اللبنانية، أرضاً وشعباً ومؤسسات، «واحدة لا تتجزأ» على قول الفرنسيين في جمهوريتهم، وقول دساتير الدول كلها في دولها. وينص الأصل الدستوري والسياسي هذا على اضطلاع الدولة الوطنية بصلاحيات الوحدة الواحدة ومقتضياتها، من احتكار التشريع والديبلوماسية والحرب والإدارة والجباية العامة، وعلى قيامها بواجباتها، وهي حماية حقوق المواطنين في الأمن والحريات والاحتلال، لقاء الاحتكار الأول ونظيره. وعلى قاعدة الوحدة هذه، وبناء عليها، يساوي العدوان على جزء من أراضي الدولة، وعلى بعض مواطنيها، العدوان عليها كلها، وعليهم كلهم. ويقر مجتمع الدول، والدولة الوطنية (اللبنانية) أحد «أفراده»، تالياً بصفة العدوان العامة على الدولة، ويساوي مهاجمة الجزء بمهاجمة الكل السياسي والحقيقي والمعنوي. فإذا أعملت الدولة الوطنية حقها في الدفاع عن مواطنيها وأراضيها، بالسلاح والقتال أو بالمقاضاة والاحتكام الى الهيئات الدولية أو بالاثنين، ساند مجتمع الدول إعمالها حقها، وأيده، ومد الدولة المعتدى عليها بوسائل الرد الديبلوماسية السياسية والمادية العسكرية والاقتصادية. وتعهدَ أداءَ الدولة وظائفها، أي مزاولة صلاحياتها وقيامها بحقوق مواطنيها.

وما يذهب إليه رئيس مجلس الوزراء يُلزمه به، وبالذهاب إليه وقوله، المنصبُ الذي يتولاه على رأس مجلس الوزراء، وتعريف المنصب في الدستور، من وجه أول. ويقضي المنصب بتمثيل مصلحة الدولة وشعبها، والسيادة والوحـدة يتقدمان المصلحة، وهما شرط إنفاذها. وتلزم السياسة، من وجه آخر، من يتصدى لرئاسة الحكومة استمالة الجماعات الجزئية، ودمج مصلحتها وحقوقها الجزئية الى الدفاع عن نفسها، إذا خصها العدو بالهجوم، بمعزل من الجماعة الوطنية الواحدة. فلا تتذرع بأمنها، جماعة وأفراداً، الى التسلح وإنشاء المعاقل والمحميات والمعازل. ولا تتذرع بانتهاك السيادة الى الانتصاب محامية عــنها، ورادعة العدو، وحدها. وتبني على الذريعة هذه سياسة خارجية منفردة، ومفهوماً للأمة يترتب عليه هدم الدولة الوطنية.

ويتجاوز موقف سعد الحريري، والتزامُه تعريف الدستور لدوره وموقعه وموجباتهما، الوقائع السياسية والاجتماعية والأمنية القائمة والغالبة، ويغضي عنها. فما ينبغي أن «يشتريه» التزام السيادة والوحدة الوطنيتين، وهو ترك «المجتمع الخاص»، «المقاوم»، التسلح وملحقاته وتخليه عن الشقاق الأمني والأهلي على الدولة، لا يرى «المجتمع الخاص»، أي جهازه المتمكن، أنه يستحق المقايضة. فهو لا يساوي النزول عما يحسب أنه يتمتع به من حصانة ومكانة سياسية داخلية، ودور إقليمي، يقاسم «حلفاءه» وأولياءه ريوعها وعوائدها. فالتعاقد الذي تنشأ عنه الدولة الوطنية، ويعوض احتكار الصلاحيات بتعهد الحقوق والقيام بها، يُعلن الجهاز الشيعي المسلح على الملأ تحلله منه وانتهاكه وطعنه فيه (مقالة: «اعملوا» دولة أولاً ثم «نفاوضكم»). ويماشيه «مجتمعه الخاص» عموماً على تحلله وانتهاكه وطعنه.

والحجة التي يؤيد بها خروجه على الدولة الوطنية تستند الى جملة الوقائع والحقائق اللبنانية والملبننة المشهودة، والمترتبة على ضعف الدولة الوطنية والمدنية، وعلى دوران عوامل الضعف في دائرة مفرغة، تفاقم السياسات العربية والإقليمية دورانها وتفريغ دائرتها. والجهاز الشيعي المسلح، وارث الحروب الملبننة وعواملها وقواها، لا يقتصر على جملة الوقائع والحقائق، ويتعداها الى الطعن في أركان الإنشاء السياسي والدستوري الوطني، وفي أصول الإنشاء. فحال تأليف الحكومة، وجمعها القوى المتناثرة التي جمعتها، وإقرارها بياناً متداعياً يساوي الأصل الجامع المفترض (الشعب) بفرع أهلي جزئي («المقاومة») ويقدم الداعي السياسي الموعود على الموجب الدستوري الصريح، تولى أحد وكلاء الجهاز العتيد تحريك الطعن التقليدي الأول في كيان الدولة اللبنانية، وهو «الطائفية السياسية»، على تعريفها العروبي الاثني. وثنّى بمسألة تخفيض سن الاقتراع في الانتخابات البلدية الوشيكة الى سن 18 وإشراك نحو ربع مليون ناخب فيها فوق ثلثيهم من الطوائف الإسلامية. وفكَّ المسألةَ هذه من مسألة قرنت على الدوام بها، هي تسجيل المتحدرين من أصل لبناني في سجلات الناخبين.

ويتناول الأمران المتصلان، الطائفية السياسية والقيد الانتخابي البلدي فالنيابي، الأصل السياسي والدستوري الوطني. فهما يتطرقان الى تعريف أطراف التعاقد وهويتهم، ويزِينان الأطراف هذه في ميزان العدد «الديموقراطي».

ولما كان المسيحيون اللبنانيون أقلية عددية منذ نشأة الدولة اللبــــنانية في 1919 - 1920، فالعودة المستمرة الى الخلل العددي ترمي الى التشكيك في «حكمــهم» الدولة، وفي تعريف أركان ســـياسات الوطنية. وركن السياسات الأول هو الاستقلال والسيادة. والاستقلال والسيادة في الإطار والمصطلح اللبناني، وفي ضوء تاريخ لبنان السياسي والاجتماعي ومنازعاته، يحملهما الشطر «العروبي» (وهو اليوم غيره بالأمس) على الانفصال عن «سورية» أسطورية وغير تاريخية، يمثل عليها ساستها وأجهزتها وعصبيتها الأهلية المفترضة («قوميتها»)، وليس نظامها السياسي أو ميزان العلاقات بين مواطنيها وكتلها وما يصنعون وينجزون بواسطة الميزان هذا.

ويُخلص من التنويه المزمن بخلل ميزان الطوائف العددي الى الطعن في استقامة سياسات تنهض على الاستقلال والسيادة والمصالح الوطنية، وتنسب الى «المسيحيين»، والى منازع مسيحية هي على الدوام «انعزالية». فالتحفظ عن التسلط السوري الحزبي والأمني والريعي (بالأصالة والوكالة)، وعن «حل» الدولة اللبنانية واللبنانيين في التخيير السوري العروبي والمذهبي بين إسرائيل وبين «العروبة» (أو «المقاومة» منذ بعض الوقت)، يفسر انحيازاً الى الصهيونية، أو تصهيناً وتأمركاً، وقبل أشهر قليلة سعودة. فما تنكره «العروبة» السياسية والبوليسية على الدولة اللبنانية المستقلة، اليوم، هو «عملها»، ودوام هذا العمل ولو متعثراً، من غير حاجة الى انفراد جهاز عــسكري وأمني حزبي بإدارة الدولة، ومن غير اضطرار الى حال طـــوارئ مقيمة تفتح الباب على مصراعيه بوجه التعسف والقهر والإذلال من غير قيد. والحال اللبنانية هي ثمرة اشتراك المجتمع، طبقات اجتماعية وجماعات أهلية متنازعة، في تعريف الدولة أولاً، وفي إدارتها المقيدة ثانياً. وإدارة من هذا الطراز لا يسعها اعتزال مجتمعها وقواه المتفرقة والمختلفة، طبعاً، ولا يمكنها اعتزال المجتمع الدولي وقياداته وهيئاته وتحكيمه، على تضاربها وذهابها مذاهب شتى.

وينسب العروبيون، السابقون واللاحقون، اشتراك المجتمع في إدارة الدولة، وفي تعريف نظامها وسياساتها، الى المسيحيين اللبنانيين. ويحملونهم، تالياً، المسؤولية عن ضعف عصبيتها العروبية، وعسر التسلط عليها، وعلى مجتمعها وجماعاتها، تسلطاً بوليسياً «جامعاً». وهذا صحيح على أكثر من وجه. ولكن تعليله وتأويله السياسيين والأيديولوجيين، على النحو العروبي، تضليل خالص، وافتراء محض. وهما، التعليل والتأويل، مرآة مشكلات النظم السياسية والاجتماعية العروبية فوق ما هما مرآة «النظام برمته» (على قول الرئيس السوري الى الصحافي الأميركي «العروبي» سيمور هيرش). فالعصبية الأهلية العروبية، المزعومة «قومية»، «ممانعة» و «مقاومة»، هي وليدة الافتقار الداخلي الى مجتمع فعلي ناهض ومؤثر، وثمرة سحق الجهاز الحاكم القوى الاجتماعية وتعقيمها وتخويفها. فلا تقوم قائمة لمجتمع من غير الإقرار بافتراق مصالح جماعاته وطبقاته وفئاته، وبجواز المنازعة على تعريف المصالح الجزئية والعامة المشتركة. ويترتب على افتراق المصالح وجواز المنازعة عليها، وتمثيلهما (الافتراق والمنازعة) في هيئات الدولة، صوغ وطنية مركبة ومقيدة بكثرة المصادر التاريخية.

ولا يتفق هذا مع الفكرة «القومية» الفجة والفظة والخاوية التي يعتقدها «الجهاز» السوري، ويروج لها، ويختصرها أنصاره وصنائعه، اليوم، في «المقاومة» والأعمال العسكرية والعمليات الأمنية، هنا وهناك. وأنشأ الجهاز العتيد في أثناء عهده اللبناني الطويل جناحاً لبنانياً أوكل إليه الانقلاب على المركب السياسي والاجتماعي اللبناني. وألصق بهذا، من غير مزاح (في ضوء هوية الجهاز و «طبيعته») وصمة الطائفية. وستر، هو وأنصاره وصنائعه، بالوصمة هذه استبداده وهشاشته وعزلته ومراوحته. فيحارب الجهاز «الطائفية السياسية»، أي المركب السياسي والاجتماعي الوطني، بعوام المذاهب، وبجماعاتها المعدمة، وبعصبياتها المنكفئة والمستميتة. ويرفع أعلاماً عليها «سياسيين» من الطراز المعروف، وموظفين وحواشي «يرفعون» نواباً ووزراء وإداريين وإعلاميين. ولعل تسليح «المقاومة الإسلامية»، وتحزيب شيعة لبنان وتعصيبهم، هو ذروة «الموازنة» والاختصاص والطعن. ففصل «المقاومة» الشيعية من الجسم اللبناني، وتخصيص طائفتها المذهبية بالتمثيل على الركن المزعوم الذي ينبغي أن تنهض عليه الدولة وتستوي، يراد به تصديع المركب السياسي والاجتماعي، وبخس الوطنية التي نشأت عنه وإبطالها.

وبينما يدعو أحد وكلاء الجهاز المحليين الى «إلغاء الطائفية السياسية» وخفض سن الاقتراع في الانتخابات البلدية الوشيكة الى 18 سنة، يشن بعض فروع الفروع حملة دامية على المنظمات السياسية المسيحية التقليدية. ويخصون بعض أركان الحركة الاستقلالية، سمير جعجع وأمانة «14 آذار» (مارس)، بحملتهم على «عودة الظاهرة الانعزالية»، على قول عميد ركن «لحودي» و «مرابط». وينثرون المنظمات «الناصرية السنّية» على المدى اللبناني. ويوكلون إليها، وإلى نظيرها الدرزي، تحقيق كلام الرئيس السوري. ويجددون نصب «القضية الفلسطينية» محوراً يختصر السياسة والدولة. وينتهون من هذا الى وحدانية «المقاومة»، والبناء عليها عصبية جامعة ومانعة ومنكفئة. فيلوح بها ساسة إيران وساسة سورية على حد واحد، وينسبونها الى «ولايتهم» أو «قيادتهم»، والى تمويلهم وتسليحهم وأجهزتهم. ويشنون بواسطتها حروباً ترتب على من يطَّرحونهم من «القومية» الدمار، والتضامن غير المشروط معهم. وهذه الحروب الإرادية أو المختارة سلاح ماضٍ بيد الجهاز العصبي والبوليسي المتسلط، وبيد «طبقته»، على المعنى الاجتماعي. وهي وسيلة قاطعة في الاستيلاء على السلطة «الواحدة»، على نحو ما هي حجة راجحة، ولا ترد، على بقاء السلطة بيد المستولين عليها. وهم، على ما يظهر أكثر فأكثر، لصوصها.