الأحد، 24 يوليو 2011
محمد أبي سمرا في "طرابس ساحة الله وميناء الحداثة"...مدوَّنة المترحّل الغريب في الأقاليم المتحرّكة وأخلاط أهلها وهجنائها
الأحد، 17 يوليو 2011
الحرسيّون يقاضون الجريمة والعقاب
الأحد، 10 يوليو 2011
حوار مع اليد الدموية والغادرة؟
المستقبل، 3/7/2011
بينما كان نحو 200 معارض (ومعارضة طبعاً) سوري وسجين سابق في معتقلات النظام الاسدي وصاحب رأي يلتقون في فندق سميراميس بدمشق، في 27 حزيران، عقدت "هيئة الحوار الوطني" وأعضاؤها التسعة في رئاسة فاروق الشرع، نائب الرئيس، اجتماعاً آخر في مقر من المقرات الحكومية.
وفي أثناء الاجتماعين المتواقتين عمداً، والتعمد عملياً هو في يد السلطات ووسيلة من وسائلها الى دمغ اللقاء المعارض بمعنى تتوخى فرضه عليه – في الاثناء استقبل رأس النظام نائباً أميركياً ديموقراطياً هو دينيس كوسيتيتش وآخر بريطانياً محافظاً هو بروكس نيومارك. ونوه بيان رئاسي بزيارة النائبين، وتذرع بها الى تجديد مزاعمه في سياسته وأغراضه، والى الايهام بأن الزيارتين الفرديتين هما مرآة انعطاف سياسي وايذان بـ"مفاوضة" جانبية، على ما أوحى مساعد وزير الخارجية السوري الى بوق صحافي لبناني من أبواب الخدمة الكثيرة.
وأرادت بثينة شعبان، الاعلامية الاعلانية، الايحاء بأن تواقت اجتماعي بعض المعارضين وأصحاب الرأي و"هيئة الحوار الوطني" (المزعومين) دلالة عميقة ذهب صحافيون "مأذونون" ومجازون، إجازتُهم من مخدومهم، الى أن لقاء بعض المعارضين العلني معناه "الحوار ينطلق". وهو "الحوار" الذي ينسبه رأس الجهاز الامني العشائري الى نفسه وجهازه. فيزعم أن "الحوار الوطني بات عنوان المرحلة الحالية" – وهي مرحلة ابتدأتها كتابة أولاد درعا على جدرانها "الشعب يريد اسقاط النظام". واستأنفتها، فصلاً بعد فصل، تظاهرات المدن والارياف والدساكر والحارات، والتظاهرات في النهار والليل على رغم الحصار والتجويع وقصف الترويع الميداني والاعتقالات الجماعية والقناصة المتربصين والمروحيات المحومة في سماء محافظة ادلب والمتعقبة الهاربين الى الملجأ والمنفى التركي.
ويغفل التوازي الظاهر والمتعمد، بإراداة وتخطيط بوليسيين ومسرحيين، العنصر الجوهري والثابت وهو دوام حملة الاعتقالات الجماعية في جسر الشغور والقرى التي تحوطها و"فرار أهلها الى الاراضي التركية". وطاولت الاعتقالات، في اليوم العتيد إياه، 400 طالب بمدينة حلب الجامعية، "أحيلوا الى القضاء" (بعد التحقيق "الطاحن" معهم، على قول حسن نصرالله في عنجر، أم قبله؟)، وتهمتهم هي "الشغب وتحقير رئيس الدولة". والى الطلاب الـ400، أحصى جمال صائب، وهو معارض نزح الى تركيا، 500 معتقل آخر شحنوا في شاحنات عسكرية الى جسر الشغور، قبيل بلوغ صحافيي الجولة الاعلامية والديبلوماسية المدبرة البلدة، وحملوا على "تمثيل" أدوار الاهالي النازحين والهاربين، وملء المدينة الخالية والمقفرة بأشباه أهلها. وهو انجاز مسرحي وبوليسي آخر في سجل بيروقراطية أمنية وبوليسية تقرن العنف المتمادي بـ"المساخر"، على ما سمى بعض الكتاب العرب المسرح المملوكي.
فهذا اللقاء الدمشقي لبعض معارضي الرأي والقلم والموقف – وهم يجمعون مدد اعتقال تفوق عمر مدينة دمشق (نحو 3 آلاف سنة) -، أهو من تدبير المسرح البوليسي، ويعود عليه برداً وسلاماً وتسويغاً؟ وانقاد اليه "مثقفون" سذج لا يدرون ما يفعلون ويستحقون لوم تنسيقيات المتظاهرين على غفلتهم وحسن نيتهم؟ أم هو انجاز انتزعه المعارضون، ويعود إفضاله الى المتظاهرين والمعتقلين والنازحين، والى الجرحى المكتومين الذين لا يحصون عدداً، والى الورود الراعفة التي تفتحت في الحدائق السورية وتربتها الملونة والمخططة كأجنحة العصافير بالمطر، على قول ناديا تويني حمادة؟
والكلام في لقاء سميراميس بدمشق، والداعي الى تحفظ اتحاد تنسيقيات الثورة السورية عن "عقده تحت مظلة النظام" ("... وذلك من دون تخوين لأي من الاشخاص الحضور فيه"، على قول البيان مستدركاً ومتمماً)، هو كلام في ملابسات الانعقاد الذي تحكم فيه الجهاز البوليسي والعصبي. والملابسات هي الانعقاد ومكانه وعلانيته، ومن باب آخر بعض الغائبين ربما. وليس كلاماً في الحاضرين، وهم فوق الشبهة. ولا كلاماً في تقارير المناقشة والبيان الختامي والعهد الذي تعهده المشاركون وأخذوه على أنفسهم. وهذا ما لم يعب عليه اتحاد التنسيقيات غير صدوره عن اللقاء، أي عن ملابسات حصوله والتئامه.
وعلى نحو ما يستجيب اللقاء، أي ملابسات انعقاده، بعض دواعي الجهاز البوليسي والعصبي السياسية والمسرحية، يستجيب بيان اتحاد التنسيقيات الدواعي نفسها على وجهها أو مقلبها الآخر. فالبيان يقصد تبديد معنى (وهو ابتداء "الحوار" المزعوم الذي اضطرت السلطة الى اللغو به) يلوح الجهاز الاسدي به بينما هو يمضي على بث الترويع والقتل والارهاب والكذب في البلاد والناس. وتبديد هذا المعنى هو ما تولاه اللقاء في أعماله نفسها، وتولاه أصحابه وعاقدوه في أنفسهم، وهم ليسوا محل تشكيك التنسيقيات ولا تجريحها. ويبطل اللقاء معنى ابتداء "الحوار" المزعوم الذي تريد الخطب الرسمية حمله عليه، من طريق أخرى هي الانعقاد نفسه.
فلم يكن للقاء معارضين – لم يتستروا على رأيهم في الاستبداد الاسدي وقايضوا الرأي المعلن والصريح أعوام اعتقال- أن يحصل قبل تظاهرات الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية، وثباتها وتعاظمها وتوسعها. والجهاز البوليسي العشائري والعصبي حين يجيز لقاء معتقليه السابقين، ومعارضيه المنددين بتسلطه واستيلائه ومصادرته المجتمع وجماعاته على حقوق أفراده الانسانية والمدنية والسياسية، هذا الجهاز انما ينصاع مرغماً وضعيفاً لميزان قوى جديد نشأ عن حركة السوريين الوطنية والمدنية. وفي وسع الحركة الوطنية والمدنية هذه ان ترى الى انعقاد اللقاء نصراً متواضعاً (قياساً على قيامها) وفرعياً أحرزته على سلطان جائر ومتناقض يفزع الى المراوغة والمسرحة ستراً لضعفه وكذبه وعماه.
ولكن الخلاف بين بعض المعارضين وبين اتحاد التنسيقيات لا يقتصر على وجوه تأويل الواقعة ومحلها من علاقة الحركة الوطنية المدنية بالجهاز المتسلط. فهو يتناول كذلك مسألتين رئيسيتين: الاولى هي ميزان القوى والمشارب داخل الحركة. وتتناول الثانية مسالك الخروج من الازمة السياسية العامة التي افتتحتها الحركة، وزج تكالب الجهاز البوليسي والعشائري الدولة والمجتمع السوريين فيها من غير احتساب طريق عودة. فقوى الحركة الوطنية المدنية ليست متجانسة ولا متناغمة. وهي مولودة من مخاضات وسياقات متفرقة، لم يتح القمع والشرذمة والتحجير والتحجر على الفروق والاختبارات، الـتأليف بينها. فيبدو بعضها (المدني "الخالص") متحفظاً عن بعضها الآخر (الأهلي "الاسلامي").
ويبدو الجناح الآخر، إذا صدق تبويب أو فرز الحركة المختلطة، مستلهماً ماضياً دامياً لم يصب الجناح المدني على نحو ما أصابه هو. وكلام الجناح الاهلي و"الاسلامي"، وهو الغالب على التظاهرات والتنسيقيات، على النظام المستولي وعنفه ومراوغته لا يقصد به حاضر النظام وحده. وهو يندد بماض يحسب الجناح الاهلي، على ما يفهم من بعض ألسنته، أنه لا يتقاسمه وسائر السوريين، مدنيين ومتعلمين ويساريين وناصريين على هذا القدر أو ذاك، قسمة عادلة. فهو يرى أنه هو الاجدر بحماية الامانة وتعهدها. وقد يحسب أن هذا يخوله "حصة" تفوق حصة غيره من الحركة.
وتتقدم مسألة الخروج من الازمة العامة المسألة الاولى، وهما متصلتان. فقد يحسب الجناح الاهلي أن تصدع النظام وانهياره يتوجان الازمة تلقائياً، وهما مفتاح حلها "الطبيعي" وتصفية ذيولها من غير بقية. والحسبان هذا، الى تفاؤله المفرط، يغفل عن أثمان التصدع والانهيار الانسانية والاجتماعية والاقتصادية والمعنوية الباهظة. ووحدها "قيادة" الجهاز البوليسي والعصبي يسعها، في ضوء التاريخ الفظيع الذي خلفته هذه القيادة في سوريا وفلسطين ولبنان، استخفاف الاثمان هذه. فالتصديع والانهيار، إذا لم تتدارك مخلفاتهما المدمرة والانتحارية جسورٌ ووصلات وقناطر تسوغ اختيار انصار الجهاز الباقين، قلوا أو كثروا، تكلفة أقل دماراً، تصورا في صورة المخرج الاضطراري والشمشوني. وهذا ما تريد "قيادة" الجهاز اقناع السوريين، والعالم أجمعين وفيهم المجتمع الدولي، به.
والحق أن اشتراطات لقاء المعارضين بدمشق على السلطة المستولية (الكف عن العنف والنار والقمع، والاقرار بالتظاهر من غير ترخيص، والاعتراف بالكيانات الحزبية والجمعيات القائمة من غير قيد ولا شرط، وإلغاء المواد "الفرعونية" من "الدستور"...) مقدمة لقبول الحوار، هذه الاشتراطات يترتب عليها نتائج سياسية كفيلة بإطاحة الجهاز من أركانه. فإذا عجز القمع الدموي والغادر عن ثني المتظاهرين عن التظاهر، فما هي حال التظاهر والمتظاهرين إذا ارتفع سيف القمع المرسل وغير المقيد عن الاعناق والصدور؟ وإذا أمسكت "قيادة" الجهاز المستولي عن المضي على تلبية شروط الحوار، وعمدت الى اسكات من أغضت عن لقائهم، كشفت عن كذبها، وفضحت ما تشتري به انتظار بعض القوى المحلية والاقليمية والدولية وترددها. وثبتت قذافيتها. وحقَّ إذ ذاك إنقاذ السوريين وسوريا من "قيادة" المَقاتل والحروب الاهلية والمعتقلات كلاً وجميعاً.
ضغينة "الدولة" العربية على المجتمع
(الى الصديقين النيرين والكريمين(
المستقبل - الاحد 12 حزيران 2011
علل الرئيس السوري، بشار الأسد، إنشاء هيئة الحوار الوطني في الفاتح من حزيران، بين جمعة "حماة الديار" وجمعة "أطفال الحرية" (والعَلَم عليهم القتيل حمزة الخطيب الدرعاوي الحوراني)، تعليلاً لازماً وذاتياً. فقال ان "هذا الحوار"، في إطار هيئة سمّى هو أعضاءها واختارهم وحده من أحزاب أو تيارات تشترك في "إدارة" البلاد تحت لواء الحزب الحاكم وقيادته "الدولة والمجتمع" منذ عقود طويلة، "أصبح ممكناً وقادراً على توفير نتائج أفضل". وأما السر في نجاعة "الحوار" اليوم وعقمه البارحة أو قبل البارحة، فليس إلا مجيئه "بعد صدور العديد من القرارات والمراسيم التي تسهم في تعزيز الوحدة، وتعزيز المشاركة...". فـ "الحوار" الرئاسي السوري، وهو ليس بعد إلا هيئة صادرة عن إرادة رئاسية وسلطانية تغرف من ديوان الخاص أو ممتلكات السلطان وحواشيه ودوائره، هذا "الحوار" لا يدين لغير الإرادة نفسها بحصوله في هذا الوقت. وما يسميه بيان رئاسي، أسدي كذلك، "الحالة الراهنة وما اتسمت به من اضطراب سياسي واجتماعي"، إنما هو ذريعة الفرمان المنقضية والمنصرمة، وليس الداعي الى "الحوار" ولا مسوغه الملحّ والسبب فيه.
فالرئاسة الأسدية تريد القول إنها لا تصدر، في حركاتها وسكناتها، إلا عن نفسها. ونفسها هذه هي قراراتها السابقة، ومراسيمها "الجمهورية" الهمايونية. فقبل يوم واحد من لقاء الأسد الثاني هيئة حواره، وهي في رئاسة نائبه ووزير خارجية أبيه منذ 1980 1984 وخارجيته هو الى 2006، مهدت الإرادة السنية لحوارها المزمع بإصدار "عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل 31 أيار". و "العفو العام" المزعوم وهو شديد التخصيص، ولا يطعن في مسوغات الأحكام التي يعفو عنها، ولا في الهيئات القضائية ومعظمها عرفي وأمني التي تلفظت بالأحكام، ولا في ظروف التوقيف والتحقيق والمقاضاة والإنفاذ ومعظمها حصل خارج الشروط القضائية ومقتضياتها هذا العفو مناورة سياسية وبوليسية ترمي الى استرضاء إسلاميين يظن الجهاز الأسدي أنهم يضطلعون بدور راجح في حركة الاحتجاج العريضة والوطنية التي تهز الجماعات السورية ومجتمعها.
وقبل نحو الشهرين صدرت إرادات همايونية أخرى. فقضت واحدة باسترضاء أكراد سوريا الذين استبعدهم إحصاء سكاني (بعثي) في 1966. وأقرت بنسبتهم وأهليتهم الوطنيتين، وما يترتب على الإقرار من إجراءات وخدمات، من غير التعويض عن خسائر رتبها إغفالهم وإنكارهم المتعسفان عليهم وعلى أولادهم وأحفادهم طوال ثلث القرن المنصرم. وكان قضى إجراء آخر، من الضرب نفسه وفي الوقت نفسه، بإلغاء أحكام الطوارئ الأمنية والبولسية. وسوغت هذه تصريف شؤون السوريين الداخلية والخارجية على طريقة وَلَدَت سنوات 1978 1982 الدامية، وكان شهر آذار 1982 في حماه ذروتها الفظيعة والباقية على الزمن. ولوحت "المستشارة" المثقفة بثينة شعبان ببعث الذروة المروعة الفصل الاول من الوقائع الدرعاوية. والمرسوم الذي ألغى احكام الطوارئ، الصورية والإسمية (فللطوارئ نفسها أحكام ظالمة لم يتقيد الجهاز الحاكم بها وانتهكها على الدوام)، أحيا قوانين سابقة استثنائية سنت غداة الكارثة الفلسطينية أو في سياقة حوادثها.
داخلُ الضرورة
فهذه هي المقدمات المنطقية والشكلية التي يخالها الجهاز الهمايوني "ضرورية"، ويعلق على "إنجازها" إنشاءه هيئته ولجانه ومؤتمراته وبت إجراءاته وقراراته. ويحسب الجهازُ أنه هو وحده مستودع الضرورة، ومصدر الإرادات والفرمانات. ولا يُسلّم لغيره أي جمهور السوريين، وجماعاتهم الأهلية والقومية والدينية، أو لأحزابهم السياسية ونواديهم وجمعياتهم المكبوتة، أو لروابطهم وأواصرهم وميولهم والتزاماتهم الإقليمية والدولية بجواز التأثير والفعل السياسيين أو الاجتماعيين او الثقافيين فيه هو، وفي سياسته وقراراته. وهو يتوهم انه مولود من نفسه، ومن عبقرية منشئه الخارقة والفريدة، وأنه سليل إرادته التي يدين السوريون (وهم في حسبانه "سورية" منذ أوغاريت الى فتح لبنان وبينهما حطين) بوحدتهم "القومية"، و "مجدهم" الدولي والإقليمي، ومهابتهم المفحمة، وإقامتهم على حالهم نصباً لا يحول ولا يزول.
ومثل الداخل المنفصل هذا، والقائم بنفسه والمتحدر منها، لا يلد حوادث "غير ضرورية". والحوادث المصطنعة وغير الضرورية هي تلك التي لا تولد من قرارات أو مراسيم أو أفكار همايونية. وهذه على الدوام مدروسة، وموقتة التوقيت الصحيح والدقيق، ومستوفية شرائط الاستقرار والاستقلال والكرامة المفتاحية. وهي ليست، قطعاً، بنت تظاهرات مدسوسة، وأعمال قتل وتخريب مأجورة وصبيانية، وإيعازات اميركية وصهيونية. فهذه تريد الحؤول بين "سوريا" وبين قيادة التغيرات العربية التي أسقطت أنظمة مسايرة وممالقة (على خلاف الممانعة) وكان يقدر لها ان تنصب سوريا (- الأسد) قطباً ومحوراً، على قول فيصل المقداد، أحد أركان الجهاز الأسدي ونائب وزير خارجيته، الى محطة تلفزيون أميركية. وزعم الجهاز السوري المتسلط أنه لا يستجيب "الضغوط" ("لا أحد يضغط علينا"، على قول عبدالحليم خدام حين كان في المعية المتربعة)، ولا يستدرج بـ "الجزرة"، وجه يلازم أسطورته في قيامه بنفسه وإرادته. وهو لا يتهيّب السؤال "المادي" والتاريخي عن ولادة القرارات والمراسيم بعضها من بعض: فإذا كان المرسوم مولوداً من مرسوم سابق، فممن أو ممَّ ولد المرسوم "الأول"؟ وهذا على مثال (سابق): إذا كانت الأفكار وليدة التربية وأفكار المربي، "فمن يربي المربي"؟
وانتصاب الجهاز الأسدي مصدراً و "أباً" أول، وفاعلاً تاريخياً غير مقيد بمجتمع، أو بجماعات (طوائف عشائر ومذاهب) وأقوام (عرب وأكراد وكلدو- اشوريين وسريان، على ملة مؤتمري أنطاليا)، وطبقات ومراتب اجتماعية (تجار من هنا وطبقات وسطى من هناك) لا يماشي فكرة أو مثالاً سارياً ومقبولاً، فحسب، وإنما هو عصارة تجربة تاريخية مديدة وراسخة في تقاليد سياسية واجتماعية وثقافية، عربية وإسلامية، عريقة ومتجددة. فالجهاز الأسدي "انقلابي"، على ما كان "الأستاذ" ميشال عفلق يقول في بعثه. وهو كان يعني ان الحزب السياسي غير التقليدي ينهض على إرادة "جيل عربي جديد" وشباب انقطع من "الانحطاط" (التجزئة القطرية وغلبة الاستعمار والفقر والجهل والمرض)، وصنع "مصيره" أو "قدره"، الوحدة والحرية والاشتراكية، بإرادته. وهو، من وجه آخر أقرب الى الوقائع، انقلابي على معنى تقني، عسكري وأمني بوليسي وميليشياوي، على وصف الروائي الإيطالي كروتسيو مالابارته.
وشرط الانقلاب، على المعنى هذا، وهو شرط حصوله وبالأحرى شرط نجاحه وبلوغه غايته واستيلاء أصحابه على السلطة ثم دوامهم فيها، هذا الشرط هو الخواء والفراغ الاجتماعيان أو المجتمعيان. فينبغي ان يحصل الاستيلاء بينما الناس نيام، ويغطون في سبات عميق، على قول تروتسكي المجازي. فلا يدعو "الناس" وهم مجتمع الروابط الأهلية والأهواء والمثالات السياسية والتاريخية والمصالح الحيوية والحاجات والسير الفردية (وهذه كله "تُترجم" كتل حارات وسكك وجمعيات وروابط وأحزاب وأصناف وحلقات شبيبة ومدارس ومساجد وكنائس ونقابات وقدامى هذا السلك أو ذاك...) لا يدعوهم داعٍ قوي وملحّ الى التصدي للمستولين، وانتزاع انفسهم من دعة الحياة العادية وأمنها الظاهر، وتكلُّف المحاماة عن معيار رابطة سياسية حرة ومشتركة ومضطرِبة تعريفاً. ولا يستقر قرار للاستيلاء على السلطة من وراء أظهر الناس إذا لم يبق الناس سادرين في نومهم وسباتهم، ولم ينازعوا "أهل القوة"، على قول عربي صريح وفظ، سلطتهم وانتصابهم "الدولة"، راعية الشعب والأمة والوطن. فتنوب "الدولة"، وهي في هذا المعرض جهاز القوة المستولية والحاجزة بين الجماعات ومجتمعها وبين إدراة شؤونها المشتركة والمتنازعة، عن رعيتها أو رعاياها، وتوحدهم في إرادتها، وتصهرهم كتلة صماء ومنقادة.
معيارية عنيفة
وعلى هذا، يتولى قطب السلطة المنقلب والمستولي التمثيل على استقلال "الدولة" ووحدتها وقوتها، وعلى مفارقتها المجتمع وجماعاته وطبقاته وأهوائه ومنازعاته. ولكنه يتولى كذلك تحطيم المجتمع وجماعاته، وتقويض أبنيته الموروثة والمحدثة، واستتباع هذه وتلك. والقسمة الفعلية والوظيفية، قسمة الدولة والمجتمع، صبغها الجهاز الأسدي في طوريه، أو مرحلتيه، بصبغة معيارية عنيفة، قولاً وفعلاً. فإذا مثَّل قطبُ الدولة، أو الجهاز الحاكم والمستولي، على الوحدة والقوة المجتمعة والعلو، واقتصر الأمر والإدارة من فوق والملك عليه وحده (شخصاً فرداً وأقارب صلبٍ وأعواناً وموالٍ وصنائع)، مثَّل قطب المجتمع والجماعات على التفرق والتشرذم والاقتتال والضعف والارتهان. وفي مقابل الواحد، المجتمع في نفسه والمولود منها، حَضَر مجتمع متناثر ومتشظٍ، حملته الجماعةُ المذهبية والسلكية (سلك الضباط) والاجتماعية (المتحدرة من الفلاحين وصغار المزارعين الجبليين) المستوليةُ على التحلل مذاهب وطوائف وبلاداً وأقواماً وأهالي وطبقات اجتماعية وأحزاباً متناحرة ومتحاربة. وهي تتعمد، اليوم، رده الى تحلله.
وبالغ الجهاز الأسدي في القسمة، وفي المعيارية، فربط "دولته" أو استيلاءه بقطب مجرد هو السياسة "القومية" والمناهضة للإمبريالية. وجمع الوجهين القومي والمناهض، مرحلياً و "أبدياً"، في مسألة فلسطين، وإدارة "الصراع" و"لعبة" الأمم" (الكبيرة) عليها وعلى مصيرها. ودولته، أو جهاز قوته المستولية والمتسلطة، هي الدولة السورية على الأراضي السورية. وهي من باب آخر وأوْلى الدولة العربية، ودولة الولاية على "القضايا" العربية في أقطارها الوطنية في انتظار الولاية على الأراضي العربية والرعايا العرب. ويقتضي تسويغ قسمة الدولة والمجتمع، وإرساؤها على معيارية قاطعة، كما يقتضي تعليق قطب الدولة على سياسة الوحدة القومية وخوض "الصراع الأممي" (على قول "القوميين السوريين" وراء الحدود وفي الشوير ورأس بيروت والبترون)، رمي المجتمع وجماعاته وانقساماته بأرذل النعوت وأحقرها. ويسوغ هذا، قبل الرمي وبعده وفي أثنائه، سوم الجماعات والانقسامات وسوسها بسياسة البهائم المتوحشة.
وعلى هذا الوجه، ليس لبنان "الطائفي" و"الانعزالي"، والمنقسم على نفسه منذ الأزل (وهو الكيان المحدث والمفتعل) حزبين متقاتلين واحدهما عربي قومي والآخر هجين وغربي الهوى على ما لا ينفك بشار الأسد يردد في خطبه كلها ليس لبنان هذا إلا تجسيد قطب المجتمع وجماعاته في مرآة "الدولة" الأسدية المتعالية والمفارقة المتخيلة. ويحقق لبنان، واللبنانيون بديهة، على هذه الصورة الكريهة والمخيفة والباعثة على قلق ممض وكابوسي يصدِّع الذكورة والرجولة، أضغاثَ "الدولة" العروبية. فهو يمثل على جواز أو إمكان دولة يقوم بإزائها وحيالها مجتمع منقسم ومتنازع، يقر بطوائفه ومذاهبه وشيعه ومناطقه وطبقاته وأحزابه وأهوائه ويشهرها على الملأ. ولا يحول هذا بين الدولة بين الحكم المتواضع والمجزي، ولا بين المجتمع وبين تجديد علاقاته المتقلبة والمتغيرة. ولم يحل بين الاثنين، الدولة والمجتمع، وبين تقييد واحدهما الآخر وموازنته، وإلزامه حدوداً لا يتجاوزها. فلم يسع جماعة أن تتسلط على الدولة، وتلحقها بمصالحها إلحاقاً متعسفاً وضيقاً. ولم يسع الدولة توحيد المجتمع وجماعاته قسراً أو شكلاً في حزب واحد ومستولٍ. فلم تتق الانقسام والترجح بين القطبين المتنازعين. وولدت الحال هذه حياة مضطربة، شأن الحيوات الحقيقية، ومتقلبة. وأوسعت المضمار للاضطراب والتقلب، وللابتكار المتلجلج، على قدر ما رغب اللبنانيون وأطاقوا.
ولا عجب إذا أنكرت "القيادات" الأمنية والعسكرية البيروقراطية والعشائرية "الحال" اللبنانية، على الصورة التي استوت عليها طوال نصف القرن "الكياني"، أشد الإنكار وأشنعه. فهي تطعن في مصالح "القيادات" وعليها، وتبرز خواء "دولها" وتآكلها وراء أقنعة القوة والجبروت. ولكن الإنكار لم يقتصر، ولا يقتصر، على "القيادات" هذه، وهو يتعداها الى المتعلمين والكتّاب والناشطين الثقافيين والاجتماعيين. فيكتب، على سبيل المثل، أحد أصحابنا في تعليل "إخفاق ثورة الأرز" (منذ خريف 2004 وشتاء 2005 الى اليوم) فيعزوه الى "عدم قدرة الائتلاف الطوائفي على تجاوز بنيته الطائفية، وميل الجمهور العريض الى تكريس الزعامات التقليدية، (وإلى) إخفاق ثورة الأرز في تقديم نخبة شبابية تستولي على القيادة السياسية بقدر ما تطيح بالولاءات التقليدية وتغادر طوائفيتها" (نوافذ المستقبل، 5/6/2011، يوسف بزي). وتكرر المقالة وهي يستولد "تعليلها" اللفظي النتائج (الطائفية) من المقدمات (الطائفية والتقليد)، ويفوِّت الوقائع الوسيطة وحلقاتها العقيدة "الفلسطينية التقدمية"، أو "الإسلامية التقدمية"، على ما سمي حلف المنظمات الفلسطينية المسلحة و"الأحزاب والقوى والشخصيات" العروبية المحلية في أثناء العقد الثامن (1971 - 1982) من القرن الماضي. وهذه العقيدة هي ركن سياسات الولايات والوصايات القومية العروبية والإسلامية، ومزاولتها السياسة على شاكلة العمليات الأمنية والبوليسية التي تشهدها اليوم درعا وجسر الشغور وحماه وحمص وبانياس والبيضا والرستن ودير الزور والحسكة والسويداء، الى ضواحٍ وبلدان أخرى كثيرة.
"السياسي"
ولعل حلقة الوقائع البارزة التي يفوِّتها أو يغفلها التعليل المفترض، اليساري الوطني والتقدمي، والنقد "الثقافي" السوري الرسمي والمعارض، هي حلقة الاستيلاء الأهلي والعسكري، الانقلابي و"المشترك"، الذي تولته القوى والمنظمات المسلحة "التحررية" و"القومية الوحدوية". فالحروب الأهلية في البلدان العربية المتفرقة، المعلنة والمستترة الدابة ("العاسة" على قول أحد أصحابنا)، انفجرت مع الاستيلاء الأمني العسكري البيروقراطي - العشائري، وتنطح قياداته الى القيام مقام الدولة والسياسة، وذلك من طريق شل المجتمع وجماعاته، والإبقاء على أنصاب وظلال منقطعة من الفعل ومتقوقعة على خوائها. وليس من طريق الاشتراك في أبنية مركبة يتولى أصحابُها المنازعة العلنية والتجريبية على تدبير علاقاتهم وتصور غاياتها. فـ "خارجُ" الطوائف استقر معناه الفعلي، والحال هذه، على الاستيلاء "البيروقراطي المركزي" (ماكس فيبير) والعشائري المذهبي والثأري. وسبقت بشائرُ هذا "الخارج" في سوريا والعراق ومصر و"فلسطين" (الشتات الداخلي والعربي)، وبعض دول الخليج وشمال افريقيا، نظيرها اللبناني الذي حملت عليه: فقيل انها "تلبننت".
والإنكار على لبنان الطائفي، شأن الإنكار على التعصب السني السوري وعلى التشيع العراقي الشعوبي ألخ.. ومعارضته بخارج وطني أو قومي مزعوم، قُصدت بهما (الانكار والمعارضة) من غير شك "الساحة اللبنانية"، ومعتركها وروافد المعترك العروبية والإسلامية. ولكن "الساحة" نُصبت آيةً على مصير المجتمعات (وجماعاتها) العربية الأخرى، وعبرة لها، إذا هي لم تسلس أمرَها الى "القيادات" البيروقراطية العشائرية المستولية على السلطان والموارد. وساند "العرب" هذا التزوير الى وقت قريب. وعلى مثال مسرحي وجدلي بارع، لا يشوبه غير الإفراط في الافتعال البوليسي، حُملت الحروبُ الملبننة، وفاتحتُها الفلسطينية والعربية الصريحة والفاضحة، على حادثة داخلية محض حبل به تاريخ الجماعات اللبنانية منذ دبيبه الأول وحبوه. وحُملت مدافعة (بعض) الداخل، وجبهه الحلف المسلح والمشترك، على "التصهين" و"التأمرك" قبل ان يجتمعا في "صهيو أمركة" تفجر الضحك الأصفر.
ولا ريب ان هذا السياق لا يعذر، لا من قريب ولا من بعيد، مقتلة محمد عقلة "الإخواني" في تلامذة أكاديمية حلب العسكرية (1977). ولكن المقتلة المشينة، شأن تهجير الكرنتينا و"احتلال" "القوات اللبنانية" الشوف، لا تسوغ حمل روابط الجماعات الأهلية الدينية، وعصبياتها او ملاجئها الدفاعية، على الشر المستطير والوجودي. فهي ليست هذا إلا في مرآة الأجهزة المستولية، الصدامية والقذافية والأسدية والجبريلية والعرفاتية والحزب اللهية... والدعوة الى نصب التماثيل في بيروت وأسواقها، رداً على الكنائس والمساجد ونقضاً عليها على ما اقترح داعية سوري مترجح يصفه بعض الاوروبيين بـ"الكوسموبوليتية" -، وعلى منوالها الحملة الأخيرة الكاريكاتورية في سبيل إسقاط النظام الطائفي (اللبناني حصراً)، شاهدان على خواء المخيلة السياسية و"الشاعرية" التي تحدو الى اليوم، الخروجَ من الطوائف. فمقصد الخروج هو الى القيادة البيروقراطية والعشائرية، من طريق "فلسطين" وديربان (1 و2 وقريباً 3) و "النبوة المستمرة" و "الروحانية السياسية" و"المقاومة"... وأما "الشباب" فكان صدام حسين علماً عليه: فهو كان في الواحدة والثلاثين في 1968 الميمونة، وكان "رفيقه" حافظ الأسد في الأربعين حين تصدر "التصحيح"، وهو صحبه صحبة رعاية وتربص منذ 1963 (وكان في الثالثة والثلاثين) وغيرهما مثلهما. ودعوى الاقتراع في الثامنة عشرة صاحبها هو بعض أعتى الخيول الهرمة والمتصابية.
ولا يقطع هذا دابر "نقد" الطائفية. ولا يُسكت، بالأحرى، النازع الوطني المدني والديموقراطي الدستوري. فالنقض على الدولة، وعلى انتصابها تمثيلاً رمزياً وليس مادياً على وحدة الجماعة الوطنية، هذا النقض لا يسوغ الحط بالمجتمع وجماعاته التاريخية الى مستوى الغريزة والبهيمة. وهاتان "علاجهما" القتل والاغتيال والاعتقال والقيادة المستولية والسيادة الفصامية. فالسياسة، أو ما يسميه بعضهم "السياسي" ويقصدون به تصريف القوة وأبنية الإنشاء والموازنة الركنية، تصورت الى اليوم في مجتمعاتنا العربية في صورة القيادات المستولية والقاهرة. وأناطت هذه القيادات وحدة المجتمعات الوطنية باستيلائها وقهرها. وحظيت ببعض القبول والتسليم لقاء السمت "القومي" الجامع الذي رسمته على وجهها. ولكن تحطيمها المجتمع وجماعاته لم يرم الى إرساء التوحيد السياسي على قاعدة اجتماعية عريضة ومتصلة. ورمى، حقيقة، الى إنكار السياسة، وإنكار الرابطة، أو الآصرة السياسية الفاعلة والمؤثرة، على المجتمع وجماعاته الأهلية. فعلى زعم القيادات البيروقراطية العشائرية، لا ينتج المجتمع إلا طوائف متناحرة. والبرهان "لبنان". واليوم، البرهان هو "الجماعات الإرهابية المسلحة" و "اغتيالات" رجال الأمن في المدن والبلدات السورية. والحركات الوطنية المدنية والديموقراطية الدستورية، العربية، حركات سياسية في المرتبة الأولى. وعلى عاتقها التمثيلُ، للمرة الأولى ربما، على إنشاءٍ سياسي ليس شرطه إرساء السيادة او الولاية على أنقاض الجماعات وخوائها، ولا حل الجماعات في "جسمه" وفي إسمه، ولا إسكات المنازعات تحت كتلة ساحقة من الاجهزة والعصبيات.
الأربعاء، 22 يونيو 2011
ما وراء العبث بالإعلام وتضليله... تبديد الواقع وسد ذرائعه
في مدوناتِ أو مرويات تنازعِ الحكّام والمحكومين على رواية وقائع أو حقائق تدور على ما يفعله الحكام في المحكومين، واقعتان قريبتان وفريدتان هما معسكرات الاعتقال السوفياتية ("الغولاغ" منذ "تقصي" ألكسندر سولجنتسين الكبير والمستفيض في 1974) ومعسكرات الإبادة الألمانية النازية. وأودت الأولى بين 1918، غداة محاولة اغتيال لينين، و1953، غداة موت ستالين والإقلاع عن سياسة الاعتقال الجماعي، بنحو 15 مليون "سوفياتي". ولا يحتسب في هؤلاء من قضوا في المجاعات والتهجير القسري والانتفاضات الكثيرة التي لابست سياسة "بناء القواعد المادية للاشتراكية" ونجمت عنها. وقتلت الثانية 6 ملايين من يهود أوروبا، و300 الى 400 ألف من الغجر الرحل وربما 200 ألف من المرضى المزمنين والمصابين بعلل وراثية. وكانت معسكرات الاعتقال السوفياتية شبكة أمنية وإدارية "قضائية" وإنتاجية ومعنوية عظيمة، ومرفقاً معروفاً من مرافق "دولة العمال والفلاحين" وديكتاتوريتهم الديموقراطية، قبل ان توقَف الديكتاتورية على البروليتاريا حدها وصاحبة الحق الصراح فيها. وخصت القيادة النازية شبكة معسكرات الإبادة، اليهودية في المرتبة الأولى، عشية 1942 وتلية شنها الحرب الهائلة على الأراضي الروسية في تموز 1941 وتعثر هذه الحرب مع تبكير الخريف البارد بالقدوم، خصتها بموارد غزيرة وباهظة، وخلف حجبها عن الجبهات المنتشرة بنواحي أوروبا وأفريقيا وبحار الأرض خللاً ظاهراً أصاب مسارح البلقان وجنوب أوروبا وشمال افريقيا.
ولم تحل الآثار الفادحة في الناس والحوادث والمرافق بين أهل الحكم والقوة، ووكالاتهم السياسية والدعاوية جزء منهم، وبين إنكار هؤلاء، "واقعة" المعسكرات من أصلها، ونفي حقيقتها وحصولها. وبعض الإنكار لا يزال الى اليوم سائراً، ومن ثمراته "رسالة" روجيه غارودي قبل عقد وبعض العقد. وحين هرب مهندس روسي الى "الغرب" الأميركي في 1949، وكتب "اخترت الحرية"، وروى بعض الوقائع الأمنية والاجتماعية والمعيشية السوفياتية، ندد جهاز الحزب الشيوعي الفرنسي الصحافي و "الإيديولوجي" بكاتب الشهادة، ونسبها الى الكذب المتعمد والصريح. وحملها على حرب الاستخبارات الأميركية، وحمل مصدقيها على عملاء مأجورين ومختلقين. ومن لم تحسم المعتقلات النهمة والأكولة سنيّ حياتهم، وكانت لهم حياةٌ بعد المعسكرات وأعوامها الطويلة أو "القصيرة"، بعضهم تستر على هذا الشطر "المعيب" (على ما ترى الأجهزة وقد يتابع الناس الأجهزة على رأيها بعض الوقت) من حياتهم. ولم يزح الستر عنه لا في السيرة العامة التي اضطر المعتقل السابق الى كتابتها، ولا في السيرة الخاصة التي أسرَّ بها إلى أخص خواصه، على ما روى المؤرخ البريطاني اورلاندو فيغز في عمله "الهامسون" (كناية عن تعمّد المعتقلين السابقين إغفال حوادث حياتهم وإذا رووها عمدوا الى الهمس أو الوشوشة).
من "كُتبت" لهم حياة بعد معتقلات "العمل" السوفياتية، ومعسكرات الإبادة، وخرجوا منها ظلالاً رمادية وأطيافاً مغبرة، قال بعضهم – من كتب منهم أو من كلَّم أهله وأصدقاءه – انهم استَبَقوا تكذيب روايتهم وخبرهم والتشكك المتوقعين فيهما، وآثروا الصمت. وبعضهم أقام على تشككه في حقيقة ما رأى وعانى وخَبِر الى أن قضى ومات. وهذا قرينة على تجديد المعتقلات الجماعية، السوفياتية والنازية، واقعة الاعتقال الجماعي، وبنية المعتقلات ودورها الاجتماعي والسياسي، الى دورها العسكري والأمني الذي تحدرت ربما منه. فهي مثّلت على صنع بشرية جديدة لا تستبقي من البشرية الإنسانية المعروفة من قبل، وقوامها التعارف، إلا صفتها الحيوانية أو البيولوجية. وهذا ما تعاقب على قوله بريموليفي الإيطالي ("أيكون هذا إنساناً") وروبير آنتيلم الفرنسي ("النوع البشري") ويوليوس مارغولين البيلاروسي – الفلسطيني ("رحلة في بلاد الزيكا" أو "الحال غير الإنسانية"). وكلهم كتبوا قبل 1950، وحالَ العتقِ من المعتقلات الألمانية والروسية.
والسمة المبتكرة التي تستوقف في هذا المعرض، وهي وجه من تجديد المعتقلات الجماهيرية والجماعية على النحو الكلياني الشمولي (أو التوتاليتاري)، وابتكارها ما لم تُسبق إليه، هذه السمة هي استباق الخبر عن حادثة الاعتقال والمعتقلات، وإبطال هذا الخبر وإنكاره، على رغم تناوله عشرات الآلاف من الناس في وقت واحد قصير، والطعن في صدقه، وفي جواز ما يخبر عنه وحقيقته. فإذا خرج حياً من دَخَلَ الليل البهيم والأليل هذا، وأراد وصف ابتلاءه وابتلاء إخوة شقائه الفظيع، ألفى الجلادين وأصحابَ "نظام التجميع" والاعتقال قد سبقوا وصفه وروايته قبل ان يتصدى لهما، ويهمَّ بهما. وكذبوهما التكذيب الذي يَفترض ألا تقوم قائمة من بعد لرواية أو وصف يتناولان وقائع الاعتقال في معتقلات "العمل" السوفياتية والإبادة النازية الألمانية.
الاختلاط والتكذيب
ولا يتوسل التكذيب والإنكار المضمون بردٍ أو مناقشة أو تعليل حوادث يُقر بها تعليلاً مخالفاً. فالتكذيب والإنكار، في هذه الحال، هما في صلب الحوادث وكيانها. وهي من مادة تعصى التصديق، وتستدرج الإنكار والتكذيب من تلقاء نفسها، إذا جاز الكلام على "نفس". فمعسكرات الاعتقال الجماعية السوفياتية نشأت عن "روافد" وجماعات وحوادث ومنازعات وتشريعات وإدارات، أحصى بعضها ألكسندر سولجنتسين في أوائل العقد الثامن من القرن الماضي، وهذه "الروافد" يستحيل على المراقب جمعها أو ضمها في باب واحد او مؤسسة مشتركة. فما القاسم الذي قد يشترك فيه معتقلون جرموا في محاولة اغتيال لينين غداة انتصار البلاشفة على خصومهم وحلفائهم، ومحازبون شيوعيون تربعوا الى أمس قريب في سدة القيادة وشاركوا لينين نفسه الإعداد للانقلاب الثوري، وبعضهم شايعه من غير تردد، وبعض ثانٍ تحفّظ عن آرائه وأفعاله، وبعض ثالث ناوأه قبل أن يماشيه؟ وإلى هؤلاء وأولئك ضُمت جماعات متنافرة من المجرمين والجانحين "العاديين"، ومن "الطبقات" الغالبة والمسيطرة السابقة، ومن أقوام يُظن في أبنيتهم الاجتماعية ومعتقداتهم نازع الى مقاومة السيطرة الجديدة ومعاندتها ومواطأة أعدائها...
فاختلط "السياسي" بالمعتقد والمعاش والاجتماع والرأي والجنوح والجريمة والأخلاق والقرابة والهندام والمشاعر المعلنة والمفترضة ومقاصد القيادة الحزبية ومراتبها، اختلاطاً يعصى تمييزُ عناصره ومكوناته العقلَ العادي والخارق معاً. ومثَّلت السجون والمعتقلات، المتفرقة في أنحاء أوسع بلدان الأرض مساحة، والموحدة تدريجاً في إدارة بيروقراطية وأمنية متماسكة (اجتمعت "لفظة" "غولاغ" من أحرف كلماتها الأولى ومعناها الإدارة المركزية للمعتقلات) مثَّلت على وحدة قسرية واعتباطية. ولا قوام للوحدة هذه خارج سياسات القيادة الحزبية الحاكمة وفرماناتها الأمنية وغير الأمنية، فلم ينتبه أحد عملياً، لا عامة الناس، ولا المعتقلون أنفسهم، ولا المحازبون، ولا القياديون في المراتب المتوسطة ومعظم دوائر القيادة العليا، ولا "مسؤولو" الأجهزة الأمنية، الى ولادة أرخبيل المعتقلات المنتشرة خفية في طول عموم الروسيا وعرض أحزمة فتوحها. وبالأحرى ألا ينتبه أحد الى تبلور معنى متواطئ أو دور متضافر ومتماسك مقصود.
فإذا أنجز البناء العظيم والعبثي، على ما لاحظ خروتشوف على بعض ثمراته الكهربائية والمائية الضخمة غير المجدية، حال الستار الحديدي الداخلي، المصنوع من خوف وصمت وعزلة واضطراب وإجماع قسري، بين قدامى المعتقلين والمسجونين الناجين من الموت الجسدي والمعنوي وبين الكلام والإخبار. ويروي يوليوس مارغولين، البيلاروسي المولد والروسي اللغة الأم ولغة الكتابة، أن عدداً من معتقلي المعتقلات الجماعية لا يغادرون المعتقلات فعلاً حين انقضاء "محكوميتهم". فبعضهم يبقى في المعتقل، أو في أحد المعتقلات، موظفاً أو عاملاً إدارياً يتولى عملاً كان يقوم به منذ بعض الوقت وهو مسجون. وبعضهم يخرج من المعتقل الى جواره القريب، ويختاره منزلاً، وهو على يقين من خسارته المنزل السابق، وأهله وأسرته وعلاقاته. وبعض ثالث يثبته الجنون أو "ذهاب" العقل، في معتقله. وينتحر عدد كبير، قياساً على نظيرهم خارج المعتقلات، ويسدل موتهم الصمت على فظائع لا تصدق.
وهؤلاء، على تفرقهم، وأحوالهم الكثيرة والمختلفة، مصادر أو روافد صمت ثقيل وعميم يطبق على المعتقلات، وقارتها المترامية الأطراف، وعلى أهليها، وتجاربهم وأخبارهم. وينيخ الصمت، ومعه الإغفال، على ركن من أركان النظام المستبد والرابض على محكوميه وعبيد حزبه الحاكم (وليس رعاياه أو رعيته، وجذر اللفظة لا يخلو من أصداء معنى الاعتناء والحفظ والتكاثر، على خلاف معاني القهر والقتل والحجز التي لا تنفك من الاعتقال الجماعي والتأديبي الأمني والسياسي ومن ثمراته القاتلة والمميتة). ويتوسل الاستبداد بالمعتقلين الى إنكار واقعة المعتقلات، وإلى تبديد الواقعة، على رغم عِظَم كتلتها وعدد أهليها وضحاياها ودورها في استواء السلطان الغاشم والساحق على صورته. فالمعتقلون هم أداة الإنكار والتبديد الأولى، على رغم منهم. والسلطان الغاشم والقاهر قَدِر على صناعة واقعة "فرعونية" عظيمة، اجتماعية وإدارية ومادية، واستطاع صناعة إنكارها وإغفالها والسكوت عنها، معاً. وهذا طبع من طبائع الاستبداد سبق طبائعه الملكية المتأخرة التي أحصاها بعض الكتّاب الإيطاليين (واقتبس عنهم "عثمانيون" عرب إحصاءهم).
وحملَ الضحايا على الصمت، وربما على النسيان والإنكار حتى حين يخلو المرء بنفسه وإليها، سبقُ التشكيك والتكذيب الروايةَ، وإسراعُهما إليها قبل تصورها في الكلام والقول والذهن. فحين يختلق السلطان "الفرعوني"، أي البيروقراطي الصناعي في المعرض الشيوعي والمعرض النازي، واقعة المعتقلات الجماعية وكتلتها العظيمة، يُخرجها عمداً، وبناءً على أبنيته السياسية والإيديولوجية والتنظيمية العامة التي تتصدرها بنية الحزب القائد والطليعي، من عالم الحياة المشترك والمتعارَف الذي يتقاسمه عموم الناس، وينفيها من العالم المشترك والمتقاسَم هذا. والإخراج والنفي يتبلوران في المكان وتخصيصه (على حدة من الأماكن)، وفي الجمع بين من لا تجمعهم رابطة وحشرِهم على نحو يعدمون معه خاصاً يخصهم وحدهم. ويتبلوران في المراتب المفروضة، وفي اللغة الآمرة والبذيئة، والعمل المجرد من غاية مفهومة ومعروفة. والمعايير السائدة في قارة المعتقلات ليست أضعف إخراجاً من عالم الحياة المشترك، أو نفياً منه. فالنجاة بالنفس، والتنافس على البقاء والاقتتال في سبيله، والسعي في الحظوة، والتسلط على الضعفاء، والتسليم بالحال ولأصحاب الأمر، كلها أحكام وموازين تقطِّع أضعف عروة قد تجمع بين اثنين، وتُسْلم المعتقلين الى وحدة وعزلة مدمرتين.
تفترض الرواية، أو الخبر عن حادثة أو واقعة من حوادث عالم الحياة المشترك والمتقاسَم، بعض الاجتماع والإجماع على معنى أو دلالة، وعلى لغة تؤدي (عن) المعنى أو الدلالة. وعالم المعتقلات الجماعية يمعن، وهذه وظيفته الأولى، في تقطيع عرى الاجتماع والروابط التي تتيح أداء الواقعة الى النفس قبل الغير، والخبر أو الإخبار عنها، وحمل صاحب الخبر وراويه على الصدق أو الكذب أو عليهما معاً جزئياً. وعالم المعتقلات يقتل الرغبة في الإخبار والرواية والقص، على ما حصل للآلاف المؤلفة من المعتقلين. فتقطيع الأواصر والوشائج الإنسانية والمعنوية، على وجهها غير الحيواني أو البيولوجي وسلطانه، يُبطل ما يجتمع جماعة من الناس عليه ويُجمعون، ويستدلون به الى قيام "واقع". فهذا، على الدوام، عالم يحتكمون إلى حقيقته ضمناً، في مخاطبتهم بعضهم بعضاً، تصديقاً أو تكذيباً. والسلطان الصناعي والبيروقراطي الكلي يحقق ما أراده السلطان الديني القبلي والعصبي (أو مثاله الخلدوني، على زعم صاحبنا) من إنشاء الاجتماع والمناسبة بين الاجتماع السلطاني وبين أفهام ناسه وعقولهم ومخاطباتهم. وهذا، أي إنشاء "الواقع" والمناسبة بينه وبين أهله، لم يبلغه السلطان الديني العصبي، ولا أنجزته طبائع الاستبداد "التقليدي".
فإذا شاء المعتقلون السابقون الخبر عن "عالم" المعتقلات، والمعتقلات الجماعية نقض (على) معنى عالم مشترك ومتقاسَم ومتعارَف، خانتهم العبارة، وأرتج عليهم، وخافوا الكذب والتكذيب. واستهولوا غرابة ما كانوا فيه، أو ما هم فيه، إذا هم حاولوا الكتابة في المعتقل. واستولى عليهم بطلان أو إبطال "العالم" هذا نفسه بنفسه، وإنكاره حقيقته وصدق الخبر عنه تالياً حين هو كائن ويكون، أو في طور الكون. والحق ان عالم المعتقلات الجماعية، معتقلات العمل الشيوعية أو معتقلات الإبادة النازية، لم يستوِ واقعة مادية، سياسية وتاريخية، إلا غداة هدمه وطيه، ومعه مئات الآلاف من أهليه. وهو استوى هذه الواقعة، على هذه الشاكلة، في أعمال بعض الإخباريين ورواياتهم، ثم في أعمال المؤرخين وبعض السينمائيين القلائل.
تكذيب الشاهد
ولكن دروس المعتقلات وعالمِها وهي دروس سياسية امنية و"روائية"، باقية لم تطوَ. وهي اليوم، أي غداة نحو ثلثي القرن على هدمها، جزء لا يتجزّأ من جهاز السلطان المتمادي و "دولته" القاهرة والمنتصبة بإزاء مجتمعها وأهليه وحشاً ضارياً. والدرس الأول يقضي بحمل الناس على تكذيب ما يرونه رأي العين، ويلمسونه لمس اليد، والطعن في حقيقته وصدقه. فحي البلد بمدينة درعا بحوران، من أعمال الجمهورية العربية السورية (3 أكاذيب في 3 ألفاظ، على ما كان ليقول أحد دارسي الكليانية السوفياتية المبكرين)، لم يُحرم الذين يعدون 15 ألفاً من التغذية بالماء والكهرباء، والاتصال بخطوط الهاتف، والإمداد بالحليب والزيت والطحين، منذ 16 آذار 2011 حين طوقتهم قوات "خاصة". وهؤلاء، أهل حي البلد الى جنوب الشرق من درعا، لم يكبّروا ساعة صلاة المغرب ولم يردفوا التكبير بطلب الحليب لأولادهم والماء لهم جميعاً. ولم تحاول القوات المحاصرة تغطية التكبير والاستغاثة بإطلاق الرصاص، على ما سمع كريستيان كلانيه ("لوموند"، في 10 حزيران) بأذنيه. وحين استجاب بعض أهل قرى الجوار نداء أهل حي البلد، غداة نحو 5 أسابيع على ضرب الحصار، ومشوا الى أبواب المدينة حاملين أغصان الزيتون الى الجنود، و "غالونات" الماء الى الأهالي، لم يرد جنود "الخاص" على أهل الزيتون والماء برصاص قاتل أردى، في 29 نيسان، مئتي ضحية، على ما أحصت "هيومان رايتس ووتش" نقلاً عن الأهالي والأقارب والشهود (وليس المستشفيات، فلا "مشفى" بحي البلد).
ويطوق الحصار درعا كلها، منذ اوائل نيسان. ويحظر على أهلها إغاثة أهل حي البلد. وبعض أهل حي البلد اتفق ضربُ طوق الحصار الأول على الحي القديم مع خروجهم من حيهم، فلا سبيل الى عودتهم الى "بلدهم". فبعض سعوا، ويسميهم كريستيان كلانيه وهو حادَثَهم علي وحسين وأحمد، في العودة الى منازلهم وجرحوا برصاص القنص، أو اعتقلوا أياماً في سجن مرتجل وعذّبوا أو خطفوا. ومذذاك، صار هذا نهجاً في سياسة البلدات المتمردة والمتظاهرة، القريبة من الحدود التركية – السورية ومخيماتها، فتحاصر البلدات، وتخلى وتشرّد، وتقطع مواردها، وتُطوق طرق الخروج، ويحتفل بالعودة... وروى بعض شبان درعا للصحافي الفرنسي، وهو دخل درعا خلس في 25 أيار وطرد منها في 27، أن 8 جنود من الذين كانوا يؤدون خدمتهم العسكرية الإلزامية أُعدموا، وأشهد زملاؤهم ورفاقهم على قتلهم جزاء امتناعهم من إطلاق النار، وتحتسبهم احصاءاات الجهاز الحاكم في شهدائه. ويرتدي ضباط "الخاص" صدرية معدنية تحمي من رصاص الثأر والغضب والانشقاق.
الخبر على الهوية
فهذا وغيره مثله كثير، وبعضه بثت أشرطة صوره وأصواته على مواقع كثيرة وحفظت على "يوتيوب" وفي مدونات تلفزيونية، كذب في كذب. وهو ابن مشاهد وحوادث حسية. ولا يؤيد الشاهد الحسي، المرئي والمسموع، حقيقة المشهد أو الواقعة، على ما يحسب الظن العامي والساذج البالغ حد البله، على ما يذهب إليه مذيعو "ويكيليكس" والمتنصتون على أجهزة الاتصال "المقاوِمة"، الموازية والمقرصنة. فعلى مذهب "الخاص" السوري، الأمني الإعلامي والسياسي، ليس الشاهد الحسي المصور إلا مرآة ماثلة لمقاصد من يلوحون به أو يصدقونه ويحتكمون إليه. ويدعو الدرس الثاني المستقى من كتلة المعتقلات الى تعليق الخبر، ولو كان سنده اسماً ظاهراً وصورة مؤرخة وصوتاً ولوناً فاضحين، على صاحب الخبر أو مصدره. فيَحْسُن الخبر، ويحمل على الصدق، إذا كان ناقله من "أنسباء" الحاكم، وموظفي بعض أجهزته. ويُفحص المحدِّث قبل الفحص عن مادة الحادثة، وقبل النظر في وسائط النقل. فالتكذيب والتصديق معيارهما "الهوية" ومثل القتل على الهوية، والتعذيب والسجن عليها في حروب أو مقاتل الجماعات العربية الأهلية. وعلى هذا، تنكر حقيقة صورة حمزة الخطيب الصريحة، وحقيقة جروحاته وتعذيبه والتمثيل به قبل قتله وبعده. وتنكر حقيقة رواية الأهل، ويغفل انتظار الشهر قبل تسليم جثمان الولد. ويوكل الى طبيب "شرعي"، موظف في دائرة إدارية ومحل تهمة لا يرقى الشك إليها، "وصف" حال الجثمان. وذلك على ما ينبغي أن تكون عليه حاله.
الشهود الثالثون
فمن ألزم ما يلزم "الوصفَ" البوليسي المركزي والعصبي العشائري، ثالثاً، هو إبطال الشهادة الثالثة، وإنكار جوازها، اصلاً. وفي حال حمزة الخطيب، وغيره عشرات الأولاد ومئات الرجال والنساء، استدرج إعلانُ مصدر من الحركة الوطنية والمدنية السورية اسم الضحية والصورة ومحل القتل أو الاغتيال، نفياً قاطعاً. ويتوجه النفي الجازم على الجماعة المبادرة الى الإعلان قبل ان يتوجه على الحادثة أو الواقعة، وعلى مادتها وصفتها. ويترتب على هذا الطعن في جواز شهادة الأهل. فإلى تقرير الطبيب "الشرعي" و "المكلف" – على معنى التكليف الخميني، وحمله الشاهد والقاتل المفترض (في قضية الطيار الحربي اللبناني سامر حنا) على حجب شهادته عن المحقق "الكافر" أو غير العدل – أسرع رئيس "الدولة" إلى دعوة أهل القتيل الى "استقبالهم". وخرج الأهل المكلومون بكماً. وهم لم ينفوا تقرير "الخبير"
إبطال الاعلام
ويعمم الجهاز البيروقراطي الأمني والعصبي (المذهبي والأهلي) رابعاً، صيغة إبطال الشاهد الثالث على الإعلام كله، مرئيَّه ومسموعه ومكتوبه وإلكترونيه. فالاحتكام الى افتراض مثل هذا الشاهد، أو المصدر، يقيد صدق المصدر الجهازي. وهذه إما ان تكون مطابقة أو تتهاوى. وإخراج عيون الإعلام الأجنبي، وآلات رصده وإخباره وبثه، من الأراضي السورية حال حصول الحادثة السياسية المفاجئة والداهمة، وتعطيل شبكات الاتصال وتعمّد التعطيل أيام الخميس (قبل الصلاة الجامعة في المساجد) والجمعة والسبت، هذه كلها وسائل إبطال الشاهد الثالث أو الشهود الثالثون. وهذه كلها عطلها اعلام الطوارئ قبل نصف قرن. والشهود الثالثون هم "المصادر المستقلة" التي يستقوي بها الإعلام، وتقوم بها حرية الإعلام والرأي والاعتقاد، واستطراداً حرية الانتداء والاجتماع والانتقال. وهم، الشهود الثالثون، الكثرة التي تقوم بها الوقائع، ويبلغ من طريقها الإجماع على حقيقة هذه الوقائع و "موضوعيتها". وإذا امتنع الإجماع، وهو غالباً ما يمتنع، استقر الاحتكام الى معيار أو نهج تُطلب الموضوعية من جهته، وبواسطة تحكيمه. ويحارب الجهاز البيروقراطي والعصبي هذا المعيار حرباً شرسة. وهو يفضل نقض معايير الاستدلال كلها، وتبديد فكرة حقيقة ما، ولو كانت "حقيقته"على الإقرار بالكثرة وشهودها (و "عملية" لمياء شكور قرينة بليغة).
الحرب الاهلية في الخبر
فينبغي، في سبيل عموم الشبهة والشك، رمي حرية الإعلام والانتقال والتقصي كلها بالانحياز والميل والتخريب. ويدعو هذا، خامساً، الى بث الحرب الأهلية العامة في الإعلام والرأي، وحملهما عليها. وهذا ملحق "صناعي" وبيروقراطي من ملحقات إرساء الحرب الأهلية "الجديدة"، المذهبية الدينية والقومية والبلدية والثقافية والإقليمية، على منظمات شعبية وجماهيرية مؤطرة ومتماسكة. ويختلف الطور الجديد من الحروب الداخلية، على المثال البعثي العراقي الصدامي ثم السوري الأسدي، والخميني الإيراني فالفلسطيني واللبناني المعرَّبين من بعد، اختلافاً عميقاً عن المنازعات التقليدية المحلية، والمنافسة الظرفية والرخوة على الموارد و "الامتيازات" على مثالها اللبناني المنصرم والآنف. والعامل الجديد الحاسم هو تكتيل الجماعات الأهلية المتفرقة والمشرذمة في أجسام منظمة ومؤطرة تستند الى بيروقراطية تعبوية متماسكة ومركزية، أمنية وعسكرية وإيديولوجية و"اقتصادية" توزيعية. فإما أن تنشأ دولة أهلية موازية، على المثال الحزب اللهي تصدع وحدة الدولة الوطنية الاقليمية والقانونية والادارية، وتقسِّمها إقطاعات تقطعها مواليها، وتخرطها في كتلة محلية وإقليمية مرصوصة. وإما ان تنسلخ بطانةُ دولة ظلٍ تستدخل الدولة الوطنية القائمة، وتتسلط على هيئاتها وعلى أبنية المجتمع، وتحارب العصبية المستولية المجتمع وجماعاته بأجهزة الدولة المستدخلة هذه، على المثال الأسدي والخميني والفتحاوي والحماسي اليوم، والصدامي بالأمس.
أعراس اعلامية
ولعل الأعوام العشر الأخيرة، و"إنجازاتها" الإعلامية وحروب تضليلها الشرق أوسطية (من نيويورك الى أبو غريب ومن رصيف السان جورج ببيروت الى الاغتيالات المتصلة وقضايا التحقيق فيها)، شاهد على علاقة الحروب الأهلية والإقليمية المتناسلة والمتجددة بصروح الإعلام المتمايلة والمترجحة وبتشييدها وإعمالها والنواح على خسارتها. وتنزل السياسة الأسدية محل القلب من الحروب الأهلية الإقليمية، ومن حروب الإعلام، معاً. فمن حرب العراق، وفروعها الأهلية والإرهابية والإقليمية، والقرار 1559 واغتيال رفيق الحريري وذيوله الإجرامية والقضائية المتمادية الى اليوم، إلى انفجار الخلاف على النووي الإيراني وحرب صيف 2006 بين الجماعة الخمينية المسلحة وإسرائيل وقصف إسرائيل نواة المفاعل النووي السوري في خريف 2007، فحرب "حماس" وإسرائيل في 2008 – 2009 و "حرب" حصار غزة في حزيران 2009 – من تلك الى هذه اضطلع الإعلام المصور والدعاوي (دعاوة + دعاية) بدور راجح في اختلاق "الشارع" وإثارته وتجنيده تحت راية قضايا مشهدية ومبتورة، وتحت ألوية أصحاب قضايا يقودون جمهورهم الى التخبط والاستنزاف. واضطلع بدور لا يقل قوة في ولادة الحركات الوطنية المدنية. ولعل هذا الدور هو السبب في انتخاب الاغتيالات في لبنان منذ صيف 2004، عدداً من الاعلاميين وأهل العلانية هدفاً.
وكان لبنان واللبنانيون ساحة "مميزة" للعب الإقليمي. ونجم عن هذا اختصاصه بمسلسل إعلامي نازف تنقل بين المسؤولية عن اغتيال رفيق الحريري وتحقيقات المحققين الدوليين وإنشاء المحكمة الدولية وتقاريرها والشهود والمتهومين المفترضين والقتلة الحقيقيين والمتخفين. وفي الأعراس التلفزيونية والفضائية كان على الدوام للسياسة السورية وأعوانها وروافدها ووكلائها أقراص، وليس قرص واحد في العرس. وبعض الأعوان والوكلاء انقلب مشخصاً تلفزيونياً تتخاطفه برامج المحاورات "السياسية" الضاحكة والهازلة. فعرّج الرئيس السوري في خطبته اللبنانية الاولى شتاء 2005 على تناول آلات التصوير التظاهرات تقريباً وتبعيداً ("زوم إن" و"زوم آوت"). وسما جوهر ميشال عون و "إصلاحه وتغييره" في وقفة أسبوعية إعلامية، متلفزة و "لطيفة"، حولت كيمياؤها الهزل والسُفْهَ ذهباً سياسياً صافياً. وأما أمير أمراء الحرب على العناكب الغربية الواهية والمتداعية، عشية الرجعة و"الفرج" فتكشف عن رفيق مكاشفات وسمير أسمار عشايا في ملعب الراية، الحسن التسمية، لا يبارى. فليلة مكاشفاته وأسماره لا يغمض للمجاهدين وصحبهم جفنٌ، على قول ملتزم سهرٍ وسمرٍ آخرين.