الأحد، 23 أكتوبر 2011

مشاهد" التاريخ السياسي والاجتماعي العربي المعاصرة في ضوء كتاب حنا بطاطو "الكبير" في العراق: بلوغ مراكز السلطة العربية استيلاء واحتكار

 المستقبل - الاحد 23 تشرين الأول 2011
يحسب من يقرأ أن "نحو ألفي شخصية عشائرية من مدن متفرقة" فيهم رؤساء عشائر أكراد، اجتمعوا في مؤتمر عقد إحياءً لذكرى "ثورة 1920"، وعظموا دور العشائر "الواضح" و "ولاءها الوطني" في "بناء البلد خلال كل مراحله السابقة والحالية"، واضطلاعها بـ "وحدة العراق والشعب العراقي... لا فرق بين عشيرة وعشيرة"، واستئناف "الأحفاد" صنيع "أولئك الرجال في ثورة العشرين" وثباتهم على "قيم العشائر منذ ذلك الوقت" وهي قيم المجتمع كله وصورة عن "طبيعته العشائرية" (الشيخ فلاح العداي من عشائر الأنبار)، وقيامهم بـ "لحمة (العراقيين) الواحدة" كرداً وعرباً ومحاماتهم عنها دون من يريد "تمزيق شمل العراقيين وانتهاك "خط الوحدة الوطنية الأحمر" (الشيخ سالار عبدالوهاب باجلان باسم ستة من شيوخ عشائر أربي ودهوك) يحسب من يقرأ هذا، وغيره مثله كثير، أن المؤتمر العتيد انعقد في العهد الملكي، وفي رعاية شيخ العراق الأول وشريفه المتحدر من "عشيرة" بني هاشم. ولكن المؤتمر عقده المؤتمرون في أواخر حزيران المنصرم.

وهو وجه من وجوه "النشاط" السياسي أو الأهلي المحموم الذي يعتمل في ثنايا "المجتمع" العراقي منذ سقوط صدام حسين، ونظام عشيرته وحكمها، قبل 8 أعوام ونصف العام تحت وقع "الصدم والترويع"، على ما سميت عملية القصف الأميركية العنيفة قبيل الحملة البرية. ويعمد أهل السياسة في العراق، حزبيين ونواباً منتخبين على الصفة الحزبية والسياسية الوطنية والجامعة أم مندوبين عن جماعات وتيارات محلية وعصبية، إلى إعمال المصطلح أو المرجع العشائري والمحلي والمذهبي والقومي في مناقشاتهم وسجالاتهم، ثورية أو صراحة ومباشرة. فإذا استعاد رئيس البرلمان العراقي، أسامة النجيفي (من "القائمة العراقية" المختلطة) اقتراحاً سائراً يقضي بتخصيص الأنبار، السنية السكان والشاسعة المساحة، بإقليم على غرار إقليم كردستان، وهو لا يخرج عن بعض مندرجات الدستور العراقي الجديد، جبهه بعض أعضاء كتلته الكبيرة، "العراقية"، وبعض أعضاء كتلته الصغيرة، "عراقيون"، بالتنديد، وطعنوا في أنانيته المذهبية وغير الوطنية. وردوا عليه احتجاجه بـ "تهميش" أهل محافظته وملته. ونبهوه إلى أن "سوء الخدمات والبطالة والفقر تطاول الجميع بلا تمييز" (ميسون الدملوجي باسم "العراقية"). وأبدى بعض نواب "التحالف الكردستاني" اهتماماً بما قاله رئيس البرلمان في أثناء إقامته بواشنطن في أواخر حزيران. وعطفوا التصريح بطلب الإقليم السني العربي على ميل الأكراد إلى "تشكيل الأقاليم الأخرى"، ونفيهم عنها شبهة "التقسيم" (مؤيد طبيب باسم "التحالف").

فوالق انقسامات وصراعات

ويتفق هذا، وهو مرآة ميول استقلالية "ذاتية" لا تذهب الى الانفصال وتحول دون الاندماج والبحث في سبله وشرائطه، مع النزاعات المحلية، "الأمنية" ظاهراً والأهلية فعلاً، التي تتغذى منها أعمال الإرهاب في بغداد وديالى والأنبار والموصل وكركوك، في الوسط والشمال، وفي كربلاء والنجف والناصرية والبصرة جنوباً. وتبدو النزاعات المحلية، على صورة تفجيرات أو اغتيالات، قرينة على استقرار بطانة اجتماعية تحتية وعريضة تلازم "المتن" الضيق والمهشم، وتغذي خروجاً متعاظماً وراجحاً على قانون ضعيف الحيلة واليد والدالة، ويتناهب حيزه أو دائرته، شأن تنازع أهل القوة ("الناس اللي فوق") وأهل الضعف ("الناس اللي تحت"). وتصب في "الهامش" العريض هذا روافد كثيرة يختلط فيها المهجَّرون، وسواقط المراتب والطبقات المتفرقة، والمجرمون المستقلون، والمجرمون المنظمون، والمقاتلون الناشطون، والمحتالون، والمتسلقون، وحواشي السياسيين، وغيرهم. والمناقشات السياسية المترجحة في المسائل الكبيرة مثل الفيديرالية وقانون الطاقة والنفط والمادة 140 من الدستور (وضع كركوك) وتقاسم المناصب الحكومية والعلاقة بالأقطاب الإقليميين والمعاهدة الأمنية العراقية الأميركية والفساد "العظيم"، هذه المناقشات مرآة ثبات الخلافات والتناحرات العراقية على حالها وعجز الجماعات والهيئات عن تخطيها.

ويذهب معلقون ومراقبون كثر الى ان وجوه الأزمة، والمسوخ الغريبة التي تفرعت عنها، إنما حبلت بها الأعوام الطويلة (35 عاماً) التي استبد في أثنائها بالسلطة حزب صدام حسين و "بعثه" وعشيرته. وكان الغزو الأميركي، وانهيار الأبنية الركيكة التي كانت ترعى تماسك "الدولة" الظاهر (والظاهر في هذا المضمار جوهري) تحت وطأته الفظة، قابلة الأزمة ووضعها وولائدها الممسوخة. ولكن زيارة عمل حنا بطاطو الكبير "العراق/ الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية" (1978 بالإنكليزية و1990- 1992 بالعربية، في ترجمة عفيف الرزاز، التقريبية والمضطربة على زعمي) في ضوء الوقائع التي أعقبت قيام الجمهورية الى انفراد صدام حسين بالسلطة (هذا تولاه العمل نفسه) وقيادته حربي الخليج، وتلك التي خلفها انهيار الرجل ونظامه واحتلال العراق ثم محاولة بناء العراق الجديد المتعثر والشاق، هذه الزيارة تنبه الى قيام العراق، مجتمعا(ت) ودولة (دويلات)، على فوالق انقسامات وصراعات عصيت سيطرة الجماعات المتصارعة عليها. وربما لم تسع الجماعات والهيئات المتفرقة في السيطرة على فوالق الانقسامات والصراعات، ولم تتنبه الى خطورتها وصلابة مكسرها، إذا استثني فيصل الأول ابن الشريف حسين. وهو كان في موقع نافذ ومقيد معاً. وينبغي على الأرجح استثناء كامل الجادرجي كذلك، وهو أحد أركان تيارات المثقفين "التقدميين" والليبراليين معاً ومنظماتهم وصحفهم، على رغم ضعف دوره السياسي. وهو انتهى به إدراكه جسامة الانقسامات والصراعات، وانصراف العراقيين عن تدبرها، الى الاستقالة من العمل السياسي، غداة نصف قرن من مباشرته ومراقبته مراقبة نفاذة. وقد يحصي الواحد في عداد القلة القليلة من الذين تنبهوا على فداحة "المادة" العراقية طاغيتي العراق الحديث، نوري السعيد وصدام حسين. وهما تمثيل حاد على إدراك عدمي للفداحة العصبية على الترويض والسوس. واتفق هذا وميولهما العميقة والجامحة الى تسلط لا قيد عليه.

والحق أن ما يسوغ زيارة عمل حنا بطاطو الفريد في بابه، الباب التاريخي والاجتماعي "العربي" والمعاصر، اليوم على وجه الخصوص، لا يقتصر على شبه مفترض وظاهر بين أحوال اليوم وأحوال الأمس القريب والأبعد التي أحاط العمل بها على نحو قلما تكلفه باحث مؤرخ في مجتمع مشرقي. وهذا الشبه، إذا اتفق وثبت، لا ينفي فروقاً عميقة لم يغفل عنها الباحث المتقصي، وأنزلها في محل القلب من تقصيه التاريخي. فموضوع عمله، على رغم وسمه التشريحي والوصفي وقرب جداوله الكثيرة من التبويب القَبَلي (نسبة الى "قبائل" الجمجمة وتقابل أجزائها الاثنيني)، هو المنازعات الاجتماعية والأهلية وأطوارها و "دينامياتها"، ولو على صورة الطياحة والخبط البعيدة من الانضباط الفيزيائي والميكانيكي الذي توحي به اللفظة.

مدافعة الدولة

ولعل ما أوهم بثبات المثال الذي جرى عليه التقصي، أو بـ "اسطاطيقيته" (على خلاف ديناميته)، هو جمعه بين منهجين: واحد تغلب عليه الروابط الجزئية والموضعية المباشرة والمغلقة، على ما يُرى في جداول الأبواب الاستقصائية التي تنزلها الطواقم السياسية المتفرقة و "القيادات"، وثانٍ عام وعريض يفصح عنه حنا بطاطو في خلاصاته الختامية وينتسب الى نظرية "نمو التخلف"، على ما صاغها عليه اندريه غوندير فرانك وفريق من الماركسيين في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن العشرين. وينحو النهجان نحوين من العسير التأليف بينهما. والأدق القول ان الباحث الكاتب لم يتكلف مؤونة التأليف الشاقة، أو هو لم يحمل التأليف على تتمة عمله "الضرورية". فصرف جسم العمل الأعظم الى وصف مفصل تناول ثنايا الجماعات، واقتص حوادثها على هدي علاقة "تمثيل" أو "تعبير" بقيت معاييرها مضمرة وغامضة أو مفترضة بدهية. وحاك في الختام خيطاً جامعاً أناط به تعليل إصابة علاقات الطبقات الاجتماعية بخلل أو تشويه جراء إدخال بريطانيا المستعمرة عاملاً غريباً هو ربط العراق بالسوق العالمية الصناعية وسلعها، وتحويل الامتيازات لمصلحة أوروبا (عوض السلطنة العثمانية التركية)، وغلبة وسائل النقل البخارية، وسلخ محافظات العراق العربية الشمالية عن دائرة تجارتها السورية أو الشامية... ونجم عن الربط هذا، على ما يكتب بطاطو، تردي الاقتصاد المحلي القائم على الحرف وصناعة المراكب والنقل التقليدي (على الجمال والمراكب الشراعية) وانهياره، واستقرار زراعة قبلية متصلة بالسوق على إنتاج كفائي ورعوي، واستملاك المشاعات القبلية والأميرية الشاسعة وجمعها بين أيدي المشايخ القبليين والأغوات عنوة، وتصدع الجماعات القبلية وطوائف الحرف والطرق الصوفية، وهجرة جماعات عريضة الى المدن وانخراطها في الجيش والشرطة والإدارات ومرافق العمل "البسيطة"... (الفصل 24، الجزء الثالث).

ولكن عمل الباحث الفلسطيني النسب، والأميركي التدريس، يتخطى بما لا يقاس التعليق "المنهجي" المزعوم الذي ألفه معلقو أو قراء "اليد الثانية"، ممن لم يتكلفوا عناء جمع المادة الأولى، أو التحري عنها في مواضعها وتمييزها، وسلكها في جُمل وسياقات إحصائية وروائية متماسكة ودالة قبل محاولة تأويلها واقتراحه، واختبار التأويل ومتانته. وما يدعو الى استئناف النظر في العمل، وهو لم يُعمَل إلا إعمالاً ضعيفاً وقليلاً (قياساً على استدراج "المناضلين" مديحاً وتطبيلاً مقيمين، أو من غير مقايسة ولا مقارنة)، ويدعو إلى إدامته، وتوسيع حقله، اتصاله العميق بأطوار المجتمعات المشرقية اللاحقة والراهنة، وربما الآتية إذا جاز التكهن والاستباق على حذر شديد. فحرص الكاتب المتقصي على تعقب أطوار الجماعات والأحوال طوراً بعد طور، وتحريه الدقيق عن تحدر الطور من الآخر، واتصال اللاحق بالسالف أو انقطاعه منه، وحياده عن سكته، بعثه على استخراج المزمن من العارض، أو البنيوي من الحادث. ولم يفترض البنيوي كامناً ومضمراً، ولا افترض العارض عبثاً. فقاده التقصي التاريخي الجامع، على نحو فحصِ الطبيب المعالِج وجوه قول "المريض" وأحواله "كلها"، وحملِه الوجوه والأحوال على كلٍّ وجميع دالّين، إلى تدوين ما ألح وتكرر طوال نيف وقرن بين انهيار عهد المماليك والفصل الأخير من التنظيمات العثمانية وبين استيلاء البعث في صيغته الصدامية التكريتية على الحكم والمجتمع العراقيين. وقد يكون ما ألح وتكرر (أو هذا ما أزعمه على تبعتي وحدي) هو مدافعة الجماعات العراقية، طبقات قديمة وكتلاً وسيطة، وحركات جديدة، الأبنية السياسية والوطنية الناشئة والمركزية مدافعة نشطة وفاعلة، وإنشاء الطبقات والكتل والحركات من علاقاتها ومراتبها ومبانيها ومنازعاتها دوائر منكفئة، وخنادق حصينة، تجعل من بلوغ السلطة ومراكزها استيلاءً واحتكاراً، من غير مشاطرة أو منازعة مشروعة. وعلى هذا، يضم الفريق المستولي الدولة ومراكزها وسلطاتها ومواردها إلى مِلكه و "ديوانه الخاص"، على قول عثماني وسلطاني سائر. ويَبْقى على حاله قبل الاستيلاء المركزي، أي جماعة أهلية أو كتلة أهلية مركبة تقتسم أجنحتها وكتلها الفرعية، و "أفرادها"، "المصالح" والعوائد والريوع.

ويفترض هذا (ويترتب عليه، في آن) إقامة الجماعات الكثيرة، المذهبية والمحلية والنَّسبية القرابية والقومية الإثنية والاجتماعية (عملاً وموارد وإقامة وموقعاً من الجماعات الأخرى في إطار "الكل" المفترض وحركة بيانية)، على فروقها ولحماتها أو عصبياتها، أي على حصونها وخنادقها بإزاء الجماعات الأخرى. وهو يفترض كذلك تعظيم الفروق والمراتب بين الكتلة المستولية وبين الكتل الأخرى، المنفية حكماً من "دولة" الكتلة المستولية. فسند الاستيلاء الجديد، وهو ما تعول عليه الكتلة المستولية في سبيل إدامة سلطانها وتعظيمه، هذا السند ليس معايير استملاك وتوزيع جديدة ومشتركة أو عامة فيؤدي إعمالها إلى ذهاب الشطر الأعظم من الموارد والمراكز إلى جماعة دون جماعة (مثل جعل الكفاءة محل النسب، أو تقديم الثراء على المكانة...)، وعلى ترتيب الجماعات المتفرقة والمتنازعة على مراتب لا يهدأ تداولها، وتدور المنازعة عليه (على التداول). وإنما السند، الوحيد ما أمكن، هو توسيع الهوة بين قوة الكتلة المستولية، وغالباً المنقلبة بالقوة العسكرية على الكتلة السابقة، وبين الكتل والجماعات التي نفاها الانقلاب الجديد من مراكز القوة ومواردها وأسبابها. وينبغي ان تكون محصلة الصراع على المراكز والموارد صفراً، فما يستولي عليه الطاقم المستولي يحسن أن يسلبه وينتزعه من المغلوبين المنفيين. وشرط دوام الغلبة والاستيلاء اللازم، وهو يلزم الطاقم المنقلب، هو ضعف المغلوبين.

اختصاص "طبقة" السلطة

ويرعى أهل القوة الجدد، ما داموا في السلطة وملكوا مقاليدها ومواردها، تجديد ضعف خصومهم ومعارضيهم ومغلوبيهم و "رعاياهم" (وهؤلاء واحد أو يفترضهم نظام الحكم واحداً)، وبقاء الهوة بين "الحاكم" و "المحكوم" على حالها من الاتساع الفاغر، والعمق الذي لا يردم. وفي مقابلة أهل القوة المتربعين في السلطة، والمجمعين على الاحتفاظ بها والملتحمين أولاً على هذا "البرنامج" وليس على غيره، يرعى الخصوم المعارضون والمغلوبون لحمتهم وانفصالهم وهويتهم، أو هوياتهم الأهلية، على حدة من الحكم، اي من الدولة الوطنية المفترضة. ويعدون العدة سراً أو علناً، لخلافة الحاكم المستولي وعصبيته. وعلى هذا مدار السياسة. ويسد الصراع القطبي والعصبي المجاري المفضية إلى أبنية أو هيئات سياسية وتمثيلية مركبة ومشتركة. فلا يقتصر غرض الصراع، والحال هذه، على المحل أو الوظيفة والدور، أو على تداول المحل أو الدور، بل يتعداهما (ويتعدى التداول) إلى "جسم" السلطة وصورتها المنغرسة في الكيان الجماعي العصبي والأهلي، وفي لحمه ودمه وقدسه. ويحيل هذا الدولة، أي معنى الأمر (والسلطة) ودالته وأجهزته، إلى مرتبة و "طبقة" منفصلتين ينزلهما أهلٌ أي أصحاب يختصون بهما، بالمرتبة و "الطبقة"، ولا يشاركهم الاختصاص إلا من يختاره الأهل، ويلحقونه بهم إلحاق أهل النسب الصريح مواليهم المهجّنين والمولدين بهم، وهذا احتلال أو فتح على المعنى الحرفي.

ومثال المتغلب بهذه الحال هو مثال المحتل الفاتح والغاصب، على ما ذهب إليه بنجامان كونستان في نابليون الامبراطور أوائل القرن التاسع عشر. أو هو مثال شيخ الأسرة و "ربها" وطاغيتها (على قول اليونان في علاقة رأس الأسرة غير السياسية بأسرته وعبيده وممتلكاته). ومن يتنطح الى الشراكة، وهي لا يسعها الاقتصار على الشراكة وتجد نفسها مقودة الى الاستيلاء والاستحواذ التامين، ينقلب على رغمه عدوّاً وجودياً أو كيانياً يُحتكم في "خروجه" (معارضته) إلى السيف، أو القتل الأهلي والاغتيال والنفي، وكلها إجراءات وأفعال "غير قضائية".

ويستحيل أن يترتب على الحرب الأهلية الكلية هذه، وأفقُها الماثلُ على رغم امتناعه العملي والإجرائي هو الإفناء المتبادل، تعاقد أو تعاهد على معايير المنازعة، وعلى تقييدها تالياً بقيود تنشأ عنها السياسة المدنية أو ينشأ عنها افتراض أفق يؤدي الى الانقسام والدمج والشراكة، ولو على مضض شديد. ويؤدي هذا، فيما يؤدي إليه، إلى إلغاء الفرق بين الداخل (الوطني) وبين الخارج ("القومي" أو الديني أو الإقليمي)، وبين السلم الأهلي وبين الحرب (الأهلية أو الخارجية)، وبين القوانين العادية وبين القوانين الاستثنائية، وبين العام وبين الخاص، وبين الدولة وبين الجماعات ومجتمعها. ويفترض في هذا ان تتضافر مفاعيله على تقوية القوي (الحاكم) وإضعاف الضعيف (المحكوم)، وعلى تعزيز لحمة الأول والإمعان في تفريق الثاني وتذريره. ويجتمع من هذا مثال للسياسة والاجتماع خرافي أو أسطوري قريب من تمثيل القصص الديني على حال الجماعات ومجتمعاتها قبل "الرسالات السماوية" ومبعث الأنبياء في أقوامهم، وقريب من تمثيل هوبس على حال البشر "الذئبية" قبل التأنس من طريق "الملك" والنزول عن آلات القتل والاقتتال إلى واحد يحتكرها لقاء بسط الأمن والسلم.

والخوض في مثل الأحوال المفترضة والمتخيلة هذه ليس من شيم حنا بطاطو. وليس القصد من الاستطراد المتقدم نسبته إليه. فهو التزم، في عمله، القرب الشديد من الوقائع والحوادث، ومن سياقاتها وجملها المتصلة أو المنقطعة. ولم يسلِّم بالأبواب والتصنيفات المركبة، ودعوتها المتفرق المتناثر إلى الاجتماع و"التسستم"، على نحت عبدالله العلايلي واستنان حسن قبيسي عليه، إلا على مضض ومضطراً ومن غير إجحاف أو افتعال. ولعل "طريقته" المتحفظة عن التركيب والبناء والتجريد هي ما أمكنه من تشخيص التقاء "المجتمع" العراقي، على المثال الذئبي أو السبعي (من السباع والمسبعة) العصبي، بأبنية الدولة الاضطرارية، على صورتها المملوكية العثمانية السلطانية، والاستعمارية (الكولونيالية) البريطانية "الحديثة"، من غير افتعال. فالدولة، على صورتيها هاتين وعلى رغم اختلاف عميق بينهما، تحمل على التأليف والجمع والترتيب، وتدرج الفروق في هذه (التأليف...) حين تنزع الجماعات نزاعاً شديداً إلى التذرر أو إلى ترتيب جامع قسري واضطراري، أو إلى الاثنين معاً. فلا تخرج، على ما يصف بطاطو، من التفرق الى الاندماج والالتحام، أو "الوحدة"، بل تبني منازعاتها ومصافها (صفوفها) على مثالات جديدة. فتستثمر احتمالات مضمرة في ضربي المثالات، وتصنع من زواج احتمالات الضربين، ومن قرانهما، تاريخاً فاجعاً وتافهاً معاً على شاكلة تواريخنا المعاصرة.

الخميس، 13 أكتوبر 2011

رفاه ورزان وسمر وصواحبهن... أنفـ(ا)س الصدق الزكية

المستقبل -9/10/2011
في العاشر من أيلول المنصرم، كانت رفاه ناشد، "الدكتورة"، أو المحللة والمعالجة النفسية السورية ويقال أنها الوحيدة من نوعها وحرفتها في "سوريا الأسد" السوية الصحة النفسية من غير طبابة- تهم بمغادرة مطار دمشق إلى باريس، حيث تنتظرها بنتها وحفيدها البكر من بنتها وبيدها جواز سفرها القانوني وسمة المغادرة. وبينما كانت تكالم زوجها مودعة، رأت رجال أمن "عصبيين"، على ما قالت لزوجها ووصفت، يفتشون المسافرين ويفحصون جوازاتهم مستعجلين وفظين. وقبل أن يبلغ رجال الامن بغيتهم، وهي "الدكتورة" المسافرة، ويضطروها إلى اطفاء هاتفها، وسعها القول لزوجها أنها هي مقصد المفتشين والتحريين، وأنهم بإزائها، ويمدون يدهم إلى جوازها. ومذذاك ورفاه ناشد في سجن مختلط، "سياسي" وجنائي. وتجيز السلطات زيارتها لزوجها وابنتها (أو ابنها) مرة في الأسبوع، نصف ساعة ووقوفاً، وفي غمرة هرج ومرج تحول دون سمع الواحد محادثه. فإذا كان المحادث (المحادثة) يشكو آثار سرطان شفي منه متأخراً، وأعراض ضغط حاد، وبلغ منتصف عقده السابع تقريباً، واعتقل عنوة وفجأة في الظروف التي اعتقل فيها، وهو مسجون في قاووش غريب ولم يعد العدة لنزوله قدَّر الواحد أثر الحال هذه في المرأة الأسيرة.

والمحللة والمعالجة النفسية لم تسبق لها مشاركة، من أي صنف، في"السياسة". فهي لم توقع بياناً من قبل (ولا من بعد)، ولم تتظاهر، ولم تكتب مقالاً ولا أدلت بمقابلة او محاورة، ولم تنتسب بالأحرى إلى منظمة. فليس في وسع سجانيها، وهم لم يتهموها، أن يظنوا فيها توهينَ نفسية الأمة، ودس الدسائس لدى العدو والتحريض على الدولة، وبث التفرقة المذهبية والطائفية، أو الانضمام إلى جماعة مسلحة والاعتداء على قوات الأمن في أثناء قيامها بوظيفتها... فلا يصح في الطبيبة ما ربما صح في الولدين حمزة الخطيب وزينب الحسني، أو "المغني" ابراهيم القاشوش، ومن غير شك في هيثم مطر وأنس الشغري، والآلاف من القتلى المحققين والمفقودين ومن الرهائن الأسرى. والقرينة الوحيدة والفريدة، فرادة احتراف السيدة حرفتها وعملها، على فعلة ارتكبتها الأسيرة العنوة هي جمعها، قبل أيام قليلة من الحملة الأمنية عليها وهي من طريقها إلى استقبال حفيدتها البكر، أولاداً وأطفالاً في دير للآباء اليسوعيين بضاحية دمشق، ومحاولتها علاج رعبهم ورهبتهم واضطرابهم من طريق دعوتهم إلى الاعراب عنها، والكلام فيها، والاستماع إليهم وهم يتكلمون.

ونهجُ العلاج الذي تنتهجه "الطبيبة" السورية يقوم على الكلام "الحر"، على ما يوصف تداعي الأفكار والخواطر والذكريات والمشاعر والكلمات الذي يدعى إليه "المريض" أو المعالَج. وهو تسمّيه المدرسة التي تنتمي إليها السيدة "القائم بالتأويل"، كناية عن تولي المعالَج نفسه تأويل أقواله وتداعياته وأحلامه واستنباطه أو إنشائه معانيها المضمرة والكامنة أو الخفية عليه. ومبرر النهج هذا، في آخر المطاف، هو أن المرض أو الاضطراب من صنع المريض، على نحو ما الاستبداد السياسي هو صنيعة "إرادة عبودية"، ولا سبب له "طبيعياً". والتحليل (النفسي) "علاج بالكلام" أو القول. وذهب بعض مزاوليه إلى وصف خصوصيته، وهي اقتصاره على طبابة قولية من غير عقاقير ولا كهرباء، بقطيعته من الإيحاء (أو التنويم المغناطيسي). فقالوا، في معرض إنكارهم الصيغة السوفياتية التي جعلت من الطب النفسي أداة تطويع المعارضين والمنشقين بواسطة العقاقير والكهرباء والايحاء، إن "التحليل يبدأ حيث ينتهي الإيحاء".

وعلى هذا ربما، بدت دعوة المعالجة او المحللة الأولاد والفتيان إلى الخوض في مخاوفهم وكوابيسهم، والعبارة عنها، والتشارك فيها، تحريضاً على الخروج على الإيحاء والتسليم بسلطان تأويل وتعليل الواحد غير المنازع. ولعل الأثقَل وطأة على السلطان المستولي هو المنازعة أو الانقسام والاختلاف، ولو لجأت هذه إلى طوية النفس وولدت كوابيس وأضغاثاً وهذياناً وهواجس وتعاسة، أو ولدت أعصبة موصوفة. فالسلطان الواحد، وهذا زعم ساذج وطفلي يسأله عنه التحليل النفسي سؤالاً ملحاً، يحسب في تشاوفه وتعاظمه وهذيانه أنه دواء الانقسامات والمنازعات كلها، بما فيها انقسام النفس وحزنها وتأسيها ("القرآنيين")، ومنازعتها نفسها. فالأصل، في النفس، هو الانقسام والكثرة. ومعالجة الانقسام والكثرة بالإيحاء، أي بالوحدة وتخييلها وترديد ذكرها، وبالإلزام بالصمت والخرس والصمم، وبنصب الرقيب والواشي والمخبر صاحب الحق في الكلام (أي في نفي الكلام وحقيقته)، هذه "المعالجة" هي خلاف المهنة التي تمتهنها رفاه ناشد، مهنة "حامل (ة) القول".

وما فعلته السيدة، أو رضيت الاشتراك في فعله امينة لمهنتها، يتعقب سلطانَ الواحد إلى أركانه وأسسه الدفينة والخبيئة. فالسلطان الأسدي في شقه العشائري الأهلي الذي ينفي جواز تطرق الاختلاف إلى "الدم"، وفي شقه الاستخباري البيروقراطي الذي يتوهم في نفسه القدرة على استباق الاحتمالات كلها- تراوده أخيلة التسلل إلى أدق أوردة النفوس والأجساد وإلى مصادر الكلام. وهو يحمل البواطن والدواخل، في قلب المدن العصية وأحيائها الداخلية ووراء أبوابها وحواجز طرقاتها المملوكية وسككها، على تمرد وعصيان خطيرين ومهينين. وهو يخوض منذ نحو 7 أشهر مديدة ومريرة حرباً "كلية" أو شاملة (على المعنى السياسي النظامي) على متظاهرين "أحرار"، يتداعون إلى التظاهر والكلام والغناء والإنشاد والرقص تداعياً حراً، ويحتكمون إلى الكلام والاجتماع والمداولة المسالِمة في دعواهم أو دعاويهم، ويخرجون على الإيحاء بوحدة وسلم واستقرار لا قائمة لها إلا في عصبية أهل الدولة المتسلطين، وفي أبنية تسلطهم المتآكلة. ولا تعدو مزاعم السلطان الأسدي مزاعم حليفه الإيراني (حيت يحرِّم على جعفر بناهي الاخراج السينمائي طوال 20 عاماً فيرد جعفر على التحريم بـ"هذا ليس فيلماً")، أو سنده الصيني (حين يخطف في وضح النهار المعمار إيَ وايواي ويخفيه 81 يوماً) وسنده الآخر الروسي (وسجله القانوني والحقوقي "أعظم" من أن يتعقب).

وربما ينبغي حمل السلطان الأسدي وجهاز استخبارات سلاح الجو الذي ورثه السلطان الابن عن والده السلطان واعتقل رفاه ناشد، على النباهة حين جرَّم الدعوة "التحليلية" إلى جهر الخوف والاضطراب بالكلام والعبارة العلنيين. فجزاء الكلام والإسرار والهمس، على مسمع اولاد، بالاعتقال عنوة قد يكون قرينة على فهم عميق للحوادث السورية التي تنتظمها الحركة المدنية والوطنية الديموقراطية المشهودة. وما كتبه أسامة محمد ("الحياة"، في 3 تشرين الأول الجاري) يدل على هذا الفهم، من الوجه المقابل:" هل المتظاهرون السوريون بشر جدد أبدعوا زمناً جمعياً معاشاً هو الأمان (...) وهو التظاهرة". فما ينزع الطاغية إلى الغفلة عنه ("وول ستريت جورنل" في أوائل آذار 2011...) هو ما نبهت إحدى سيدات العصر عقلاً وفهماً عليه، أي ابتداء البشر تاريخاً جديداً حين ولادتهم وابتدائهم حياة (عضوية) جديدة.

والموظف الأمني، والحارس المخابراتي، والواشي بالتلاميذ والأولاد، والصحافي "المقاوم" الملّي والمعذب والغاضب والمشايع الأمن والاستقرار والوحدة القومية في نهاية الأمر، هم خدم السلطان الواحد والكلياني لأنهم لا يرون ابتداء الحوادث والقول أو جواز ابتداء هذا وتلك. فيؤدي آيخمان ما أوكل إليها أداؤه لأن هذا هو سنة الحياة والكون. وهو يؤدي مهمات وظيفته مزمجراً وغاضباً، وصامتاً عن الكلام والمخاطبة والمحاورة. ويخص بصمته المنازعةَ أو التشكك في غيره وفي نفسه، وهو في شأنه هذا، على خلاف رزان زيتونة ("نوافذ" "المستقبل"، في 17 أيلول 2011)، ورفاه ناشد على نحو آخر. فحين تناولت رزان زيتونة الحركة المدنية الوطنية والديموقراطية السورية، حركتها وحركة صواحبها وأصحابها، كان كلامها في خلافات الحركة ومناقشاتها وانقسام بعض تياراتها وأجنحتها على مسألة المسالمة والعنف.

وعلى هذا المثال، أو من غير مثال (من غير إجازة إلا من النفس، على قول بعض زملاء رفاه)، جرت سمر يزبك حين روت ما أُشهدت عليه من فنون السَّجن والتعذيب والقهر، وما جُنبت معاناته المادية وحماها منه نسبها وقرابتها و"دمها". وسبق أن روى سولجنتسين، في مطلع "أرخبيل الغولاغ"، تسليمه، هو الضابط المخلوع الرتبة لتوه، بحمل أحد جنود الصف حقيبته وهو في طريقه الى المعتقل. وهو نبه إلى أن التسليم بمراتب المعتقل، والسلطان الذي أنشأه، من أركان إرادة العبودية المضمرة. ونبه، في موضع آخر، إلى أن سكوت المعتقلين، حين اعتقالهم فجراً أو غلساً، عن الصراخ وتأليب الجيران على البوليس الحزبي والشيوعي، أسفر عن اطمئنان هؤلاء إلى مسوغ وظيفتهم وأدائها على الوجه الإداري والتنفيذي الأعمى.

فما تشترك فيه السوريات الثلاث، وهن يتشاركنه منذ بداية الحركة مع الآلاف من السوريين والسوريات، هو نصبهن القول الحر (ومعياره الصدق)، وتداوله والمداولة فيه، علماً على استقلال المرء (والمرأة) بالرأي والإقبال على المداولة فرداً مجتهداً ومختلفاً. ولا يدرك هذا إلا من طريق الاقرار بالمنازعة والعبارة عنها علناً، والمداولة فيها وفي موضوعاتها. وطلب الوحدة واستعجال "تجاوز" الخلافات في أطر تمثيل وتكليف مشتركة ثم واحدة، وإسكات الفروق بين الجماعات الأهلية والمحلية والقومية والطبقية والسياسية، قرائن على إلحاح نازع السلطان الواحد على "الرعايا"، سياسيين ومثقفين. والسوريات الثلاث داعيات سياسة، ومزاولات سياسة من نوع آخر.

الاثنين، 26 سبتمبر 2011

منطقة الفنادق ووادي أبو جميل... ذهاباً وإياباً

المستقبل - الاحد 25 أيلول 2011 - 
تشيد، اليوم (منذ نحو العقدين)، أعلى المباني، وأغلاها سعراً، وأقربها مطلاً على البحر وحجباً له عن المقيمين في المباني المنتشرة على منحدرات بيروت وشرفاتها ومصاطبها، غرباً وجنوباً وشرقاً وجنوباً، في دائرة سُميت، في أثناء الحروب المتعاقبة، "منطقة الفنادق" (عطفاً على "نوافذ"، "المستقبل" في 18 أيلول 2011). وقصدت التسمية دائرة أوسع من تلك التي جمعت فندق سان جورج وفينيسيا وهوليداي إن، في تدرج متصل من "العراقة" الفائتة إلى الحداثة السياحية والسوقية، وبعض فروعها القريبة في كتلة واحدة نواتها الزيتونة وجادة الفرنسيين. ووادي أبو جميل و"وطاه" البحري إلى جوار المرفأ الغربي. وتشترك أجزاء الكتلة، وهي سفوح "التلال" التي تعلوها وتطل عليها من الزيدانية والظريف غرباً إلى القنطاري وكركول الدروز والبطريركية وزقاق البلاط وطلعة الاميركان شرقاً، تشترك في قرابتها بالأجانب الكثر على أصنافهم، وفي مقدمهم الاميركيون، حول جامعتهم ومستشفاهم، والفرنسيون، حول المرفأ والهيئات السياسية وآداب المعاشرة. وتشترك، من وجه قريب، بالهجنة والجوار المختلط الذي تسوّغه علّو المرتبة الاجتماعية. وتشاطرت الدائرة وتقاسمتها، على مقادير متفاوتة، جماعات أهلية، طائفية ومذهبية وبلدية كثيرة، بعضها نزلها باكراً فكان هناك يوم كانت مدينة (داخل) السور حية. وبعض آخر تأخر نزوله إلى انعقاد الأمر إلى الانتداب ومصالحه المشتركة، من ترامواي إلى كهرباء وماء، والمرفأ قبلها جميعاً. فحملته الهجرة إلى هناك.

فلم تكد "الحرب"، على ما بدت في مستهلها الكاذب والمخادع، تنفجر حتى كان الاستيلاء على "منطقة الفنادق"، أو "تطهيرها" أو تخليصها أو التحصن فيها ومنها، في رأس المقاصد الحربية المتدافعة والمتناقضة، الرمزية والأدبية والمادية الملموسة. فهي، في حسبان المقاتلين المسيحيين وأهلهم، تتمة المرفأ والجميزة وفوش واللنبي والوادي، أي الحصون المتقدمة التي عمرها وأحياها بعد ركود النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وجددتها المثاقفة. وهي جسر النواة السكنية الجغرافية إلى أحياء مختلطة يتصدرها رأس بيروت، وتتصل من طريق شارع سبيرز، وشارع ميشال شيحا وشارع كليمنصو فالقنطاري وميناء الحصن بوادي أبوجميل وما يليه إلى الشرق. فالمرابطة بها حماية أمامية للمرفأ، حبل السرة مع الخارج على خلاف المطار الممتنع و"البعيد" والقائم في ديرة العدو. وهي كذلك عَلَم على اتصال بيروت في عهدة المقاتلين. وأعالي الفنادق، وأولها وأعلاها هوليداي إن، منصة مراقبة وقنص وقصف، نظير برج المر، في وسعها شل المقاتلين الفلسطينيين والعروبيين المسلمين، وتعظيم كلفة سيطرتهم على الأحياء القريبة.

وأما المقاتلون العروبيون الفلسطينيون الكثيرو المصادر والولاءات والتسلح، والمسلمون اللبنانيون الأهليون، و"الوطنيون" على زعمهم من يساريين وقوميين مختلطين- فتصور لهم بقاء الدائرة هذه بيد "الكتائب" استمراراً على استدخال العدو الأهلي والأجنبي الغريب والمستولي، والأثرياء الذين بدلوا جلدهم، "منطاقَهم" الوطنية، أي ديراتهم ومرابعهم وحماهم العائلي المتخيَّل. ودعا المقاتلين العروبيين إلى الحؤول دون تحصن المقاتلين المسيحيين في هذا الشطر من السهل الساحلي اتقاء القنص والقتل والشلل الناجم عنهما، ودعتهم إليه إرادة قطع أواصر الجماعات المختلطة بعضها ببعض، ورغبة بعض القيادات الفلسطينية (مثل "فتح" والجبهة الشعبية) والعروبية اليسارية في جمع سكان مختلطين تحت جناحها المشترك. وهي دواع ونوازع متضاربة. وحسم التضارب والتنازع مبادرة منظمة مسلحة فلسطينية "سورية" مشتركة (على معنى "القوات المشتركة" لاحقاً وهي اسم على مسمى فلسطيني)، شأن "الصاعقة" و"القيادة العامة"، إلى مهاجمة أحياء بيروت المختلطة، سكناً، والتجارية والسياحية، مرافق وموارد. وحمل هذه المنظمات، السورية الولاء، على شن "جولاتها" داخل أحياء السكن المختلط، في أطراف الصنايع ورمل الظريف والبطريركية وزقاق البلاط والقنطاري وكليمنصو، ومن بعدها في الفنادق والأسواق، استيلاء "فتح" وحلفائها ومواليها المحليين على جبهة طريق الشام والخط الأخضر (لاحقاً)، بين الضاحيتين الجنوبيتين الكبيرتين، وحشد المنظمة الفلسطينية المسلحة الأم، والمتنقلة الولاءات العربية غير السورية، أنصارها ومسلحيها وحلفاءها على الجبهة هذه، وحلقاتها المتفرقة.

فكان على "سوريي" المنظمات الفلسطينية المسلحة، ولبنانيي بعض المنظمات الأهلية البلدية والأهلية، السنّية والناصرية ("المرابطون" و"الاتحاد الاشتراكي"...)، إشعال حربهم الخاصة على جبهة فرعية ظاهراً. وأغرى بإشعال هذه الجبهة، الداخلية والاجتماعية والطرفية، تهديدُ الحرب عليها جماعات مسيحية ميسورة، وحملها هي وأحزابها المفترضة على نشدان الحماية من "الدولة" التي ترعى هذه الحرب وتغذيها، ومقايضة "الحماية الموضعية" نفوذاً وغنائم. ولا ريب في أن اجتياح أحياء الأثرياء و"الخواجات" المفترضين، ومصادرتها (على قول نايف حواتمة و"أبو ليلى" العراقي تيمناً بلينين وعميله الجورجي "كوبا" ستالين)، وحمايتها (على معنى الحزب "القومي الاجتماعي" حين تقاضى 600 ألف دولار لقاء جلائه عن مبنى احتله نحو ربع قرن في منتصف التسعينات) من احتلال مهاجرين ومهجرين غفلٍ من تعريف سياسي منظم و"ممسوك" على المعنى الأسدي والعمّالي المعروف لا ريب في أن اجتياح هذه الاحياء شبَّه على المقاتلين الأشداء، المتيمين بالعروبة التقدمية وبمناهضة الامبريالية، جمع النافع الى الاخلاقي والنضالي.

وعلى هذا، تعاقبت الجولات الأولى، وأغار عوام "ضحايا الضحايا" (إدوارد سعيد) من المخيمات الاقليمية، وعوام أهل الضواحي السنية، من الطريق الجديدة ونازحي البقاع الغربي وإقليم الخروب وكفرشوبا وشبعا، على دار السباء أو السبي هذه. فأجلوا السكان، واستولوا على ممتلكاتهم ومنازلهم، وحطموا المرافق السياحية والفندقية التي خلفها روادها، وأنزلوا بأرض الأنقاض والطلول والنفايات والخرائب هذه مهجَّري الضواحي الشرقية ومخيماتها، وبعض أقاربهم من بعدهم. وكان هؤلاء، بعد جلاء "فتح" على الخصوص وتشتت انصارها ومواليها المحليين، مادة الجماعة الخمينية والحرسية المسلحة، هم وأهلهم وأبناء عمومتهم وخؤولتهم. وحين وضعت الحروب الداخلية، في أعقاب تغيير أقنعة وجلود كثيرة، أوزارها، آل تقاضي أثمان التهجير وتعويضاته إلى من لم يكن لهم ناقة ولا جمل في انفجار حرب النهب والسلب والسطو بأرض السباء والخلاء هذه.

وانقلبت ارض السباء أو الدائرة العقارية التي تخلفت عنها ونواتُها الفنادقُ القديمة المتجددة وبعض الفنادق الجديدة، وذراعاها الساحليان العريضان إلى المرفأ شرقاً وإلى الروشة غرباً، والشرفات والمنحدرات المطلة عليها، ولسان "سوليدير" المولود من أكوام النفايات المجتمعة طوال 15 عاماً ولم يفتأ الناس في أثنائها "ينفون" القمامة والأوساخ والقاذورات والردم انقلبت واحة عمران وعمارة متعالية ومتنطحة. ولم يقتصر الامر على دائرة الاعمار المبرمج، فتخطاها إلى الجهات الأخرى وروافدها ووصلاتها وفروعها. وفي نهاية المطاف، الموقتة، بيع المتر المربع المبني في بعض هذه شقق هذه النواة بـ15 ألف دولار أميركي. وبلغت مساحة الشقة الواحدة في المباني العالية ألف متر مربع. وهذه الأسعار النيويوركية أو اللندنية تنسب إلى "مرحلة دبي من (مراحل) الرأسمالية"، على قول الأميركي مايك ديفيس.

ويترتب على انقلاب القاع الصفصف في دار الحرب واديْ ذهب، على ما سمي مهْجر وادي أبو جميل حين إخلائه من المهجرين وتعويضهم "أتعاب" إقامتهم القسرية في رعاية جماعتهم المسلحة والحرسية، وهو عم "ذهبه" شركة الاعمار وجماعة المقاولين في الدائرة العقارية كلها أصولاً وفروعاً، يترتب على الانقلاب لون من الاقامة بالمدن اجتماعي خالص إذا جازت العبارة. فسكان المباني هذه، في طول الدائرة وعرضها المتسعَيْن، لا رابطة بينهم غير إقامتهم الخالصة أو المحض. وهم لم ينزلهم منازلهم الفسيحة والمشرقة والمضيئة والهانئة إلا بلوغ مداخيلهم، وهي ريوع وعوائد فوق ما هي أجور ومرتبات بديهة، العتبة التي بلغتها. وهذه العتبة فردية، ولا تبلغها الجماعات والأسر إلا في أحوال سياسية واقتصادية قليلة. وعلى هذا فهم ينزلون شققهم ودورهم وطبقاتهم أفراداً وأسراً ضيقة ونواتية، أي طبقة اجتماعية مجردة. ولا يقدح في هذا شراء والدٍ سياسي ورجل أعمال وابنيه ثلاث شقق أو طبقات معاً في مبنى واحد، هو المبنى الذي مر الكلام عليه (الالف متر المربعة، الـ15 ألف دولار للمتر الواحد...). فهم الاستثناء أو هم مثاله إذا تكرر.

والشراء والبيع في هذا المرفق لا يقتصران على الاستعمال وقيمه، أي على الوجه المتصل بالحاجات وتلبيتها. وهما يحتسبان التبادل َوالسوق والربح كذلك، على شاكلة "تجارة" الاسهم والعملات. وبعض المباني المُعْلَمة لا تزال خالية، وقد انقضى فوق العقد على إنشائها وتمامها وإضاءتها، على رغم بيع بعض شققها وطبقاتها. وتعاظم ثمنها يطمئن مشتريها إلى أن سلعتهم غير خاسرة، واحجامهم عن السكن المادي والعيني قرينة حصافة تجارية حقيقية. وينزع هذا أو هو يؤدي فعلاً إلى ارساء المتصرفين في سلعة السكن والإقامة على صفتهم الطبقية المجردة، والمتخففة من روابط "طبيعية" تقيد السيولة السوقية والسهمية والنقدية، وتشد السلعة إلى شرائط مادية تحصر قيمتها بتوافر هذه الشرائط وبدوامها.

وعلى خلاف هذه الحال، وعلى طرف نقيض منها، أعاد الاعمارُ الاهالي المهجريَّن والمهاجرين النازحين الذين التحقوا في أثناء العقد ونصف العقد (1976- 1992) بمن سبقوهم إلى الاقامة بـ"الفنادق" والقنطاري وو"الوادي" وكليمنصو، إلى الضواحي الجنوبية الممتدة والمتوسعة والمنتصبة قطباً سكنياً أهلياً ورمزياً وسياسياً بإزاء بيروت "القديمة". وأتاحت العودة، وهي التحام بالأهل أو ببعض اجزائهم وليست إقامة مستأنفة في مكان واحد ، تكتيلاً طوعياً ومقصوداً جمع أهلاً واحداً في دائرة متصلة على هذا القدر أو ذاك. وكان تناثر الضواحي من قبل، بين النبعة وسن الفيل وعين السيدة وتل الزعتر من ناحية والشياح والغبيري وصفير والرمل العالي من ناحية ثانية، فرّق الأهل الواحد في "مدن" متباعدة. وإذا صدرت، اليوم، نشرة "اجتماعية منوعة شهرية، وسُميت باسم "الضاحية" ("توزع مجاناً")، تناولت في صدر موضوعاتها "آل شمص عائلة بفروع كثيرة تتوزع في أكثر من 70 بلدة" و"شباب النبعة... التهجير حولهم نجوماً في الضاحية". فروابط الدم والاسم والجوار تتقدم تعريف الجماعات، وهي مناط لحمتها وتفرقها، والعامل الاقوى أثراً في أطوارها. وهذه الروابط هي شرائط "طبيعية" سابقة، وقيد ملزم على الانتقال والإقامة، والشراء والبيع، وعلى جواز اكتساب شيء من الأشياء، مثل بيت السكن، صفة السلعة المجردة، أو انتفاء هذه الصفة وامتناعها.

وعلى هذا، سلكت الجماعتان اللتان ربطت الحروب "اللبنانية" بينهما، في هذا الموضع من بيروت، برابطة المجابهة و"التناقض"، عل قول شيوعي سابق ومتحول، طريقين شتى، سلعياً طبقياً مجرداً واستعمالياً أهلياً مجسماً. ولا يبدو أن الخيط انقطع. فعلى الشاطئ الصخري بين "الدروندي" ("مقهى الشرق" سابقاً و"الحاج داود" في وقت اسبق وأول)، شرق خليج عين المريسة ومرسى صياديها، وبين "الريفييرا" بجل البحر، إلى الجنوب الغربي من حرم الجامعة الاميركية تستحم جماعات من السابحين القادمين في معظمهم من الضواحي، وتجمعها نشرة "الضاحية" في مفرد على شاكلة منظماتها الأهلية الغالبة.

وقبل حوالي الشهر تصدرت افتتاحية رئيس تحرير صحيفة يومية "ملية"، أي شعبية باللغة الفارسية مثل "فولك" الألمانية العرقية، كتبها صاحبها بحبر وجودي ولغة سفيرية سلمانية، وروى فيها "عودة" كادحي حي السلم في ختام نهار منجمي رأسمالي وبريطاني، إلى مياه المتوسط الدافئة. ويلوم رئيس التحرير العتيد، وغير المؤسس، كادحيه على تركهم أرصفة كورنيش المنارة، والمباني المطلة، من غير الاستيلاء عليها أو، على التقليل، تحطيمها. فهي موئل "قناص" أبدي لا يزال يملأ غرف هوليدي إن، ويتناسل في عشرات المباني الشاهقة التي تحجب البحر عن أهل المدينة وتتعاظم أسعارها مع كل أزمة مصرفية أو سهمية أو نقدية أو سيادية. وتقصر عشرات "القيادات العامة" ويقصر عشرات "أحمد جبريل" الفلسطيني العروبي الأسدي القذافي عن قنصه، على ما كان قال محمود درويش مجنِّساً (على مثال "حاصر حصارك).

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

بيروت السفح والسهل والميناء جدار على البحر وجدار على الجبل


المستقبل، الاحد 18 أيلول 2011  
منذ نحو ثلاثة أشهر أو أربعة أتجنب الوقوف الثابت بإزاء النافذة الصغيرة التي يطل منها المطبخ على البحر الأبيض المتوسط وعلى الجبل القريب والمتواري شمالاً. ويُرى في البعيد مرفأ بيروت وجسور التحميل والتفريغ المعدنية وبطون الاهراءات الحجرية المكورة وأجزاء من مقدمات السفن ومؤخراتها وسطوحها وصواريها من غير أشرعة. وفي أقصى المرفأ يرى بعض سوره أو سنسوله ميمماً صوب البحر، ومبتدئاً إبحاراً يتولاه غيره ولا طاقة له هو به. والداعي إلى تجنب الوقوف والنظر المتمعن ليس ما يتراءى في البعيد، وأحدس فيه وأتذكره من وراء سطوح المباني القريبة والبعيدة وبيوت المصاعد والأدراج المدببة والمكعبة وجدرانها الواطئة وخزانات مياهها ولواقطها النحيلة والمائلة في اتجاهات كثيرة. فبين المرفأ وبين ظهر الصوصة أو تلة البطريركية، على الطريق من زقاق البلاط أو برج المر – على تسمية مادية يفهمها سواقو دراجات "الدِليفري" فوق ما يفهمون أحجية "حي ذي طابع تراثي"- إلى كركول الدروز الدارس ("كان كركول الدروز" على قوم زعيم طللي)، بين هذه وذاك حجابات صفيقة ومتدافعة من مبان لا تستقر صفحاتها أو واجهاتها ولا صورها الجانبية على قرار أو رسم. وتجتمع المباني والأسطح وظهورها النازعة إلى العلو والمتنابذة على التستر على المرفأ اجتماعَ الأهل على التستر على عيب أو على الثأر من عيب. فلا يرى منه، ولا من البحر القريب، إلا نتف يستعين المقيم منذ عقد ونصف العقد بالذاكرة المريرة والمجهدة على سلكها في صورة.
  ولكن ما لن يعتم، على وجه اليقين، أن يتوارى وراء مبنى حديث يضاهي مبنى ظهر الصوصة علواً يبدأ في منخفض عنه يبلغ طبقتين أو ثلاث على التقدير، ليس المرفأ، ولا شطر الشاطئ بين المرفأ وبين السان جورج أو لسان "سوليدير" في البحر، ولا الجزء المتوسط من زقاق البلاط شرق مدرسة مار يوسف الظهور، بل هو الخلاء الذي يلي البطريركية، المدرسة والكرسي، إلى الشمال. ولا يحول بيني، بإزاء نافذة المطبخ أو من شرفته، وبين قرميد مدرسة الحريري الثانية ومدرسة مار يوسف الظهور المتلألئ وأشجار الأولى القليلة والداكنة الاخضرار. فالقرميد والأشجار في وسط المنحدر وعلى جيد التلة – على ما كان قال الأعمام الأدباء ويقول أولادهم إلى اليوم حين يكتبون في بلدتهم ويتذكرون – أمرهما غريب. فهما، شأن مبنى البطريركية الذي بني على شاكلة سرايا عثمانية او دير جبلي وهو سبق انشاء السراي الكبير والقريب في أوائل القرن العشرين، وشأن ليسيه (ثانوية) عبد القادر الفرنسية من قبل، من بقايا بيروت قديمة وآفلة مع أفول أسر الأعيان (آل بيهم) والخواجات وسكنهم المنفصل والفسيح على شرفات المدينة الأهلية وخليطها، و(مع) طي أحياء السفراء الغربيين (البريطاني على بوابة رمل الظريف الشرقية الشمالية والألماني في "فيلا" عبد القادر الجزائري) ومدارس الجاليات والارساليات والطوائف (الأرمنية إلى الفرنسية والرهبانية الانثوية). فلم يبق قرميد إلا على مباني المدارس الواطئة، أو بعضها المتجدد عن يد رفيق الحريري التعليمي والمدرسي البلدي. ولم يبق شجر إلا في أرجائها.
  وسطوح القرميد المتبقية والقليلة صائرة الى التواري عن مطل النافذة والشرفة المعلقتين في الطبقة الثامنة من المبنى القائم في ظهر الصوصة، على مقربة من ذروة كركول الدروز وتلته العالية، والمتوجهتين على البحر وإليه. وحين يشهق المبنى الجديد علواً، ويحجب جداره المتصل والأخرس أحمر القرميد وأخضر السروات الداكن والصنوبرات الفاتح والمضيء، فيسدل كذلك جزءاً جديداً من حاجز هائل على البحر. ويصل الجزءَ هذا بأجزاء كثيرة تخرج تباعاً من اماكن مبعثرة، منذ أوائل سبعينات القرن الماضي، وربما قبلها بعقد من السنين. وتتضافر، وكأنها متواعدة ومتواطئة، على رفع حاجز يحجز بين المدينة، وأحيائها وشوراعها وأهلها، وبين بحرها وشاطئها. فإذا لم يقم الواحد في شقة من شقق المباني التي يأتلف منها الحاجز تباعاً، استحال عليه استقبال البحر ولو من بعيد. ولم يسعفه قيام المبنى الذي يسكن إحدى شققه في موضع مرتفع من التلال المحيطة بقصعة بيروت، والمطلة على سهلها الضيق بين مصب النهر شمالاً وشرقاً (أو الجميزة والرميل، تقريباً) وبين جل البحر وسفح المنارة القديمة جنوباً وغرباً (وصولاً إلى الرملة البيضاء تبعيداً).
  وينقض هذا أو يخالف بعض دواعي الرسم الذي جرى عليه إنشاء المباني والتوسع العقاري الى أحياء بيروت "المحدثة"، أي تلك التي اختطتها حركات النزوح والسكن والإقامة والجوار في أواخر القرن التاسع عشر غداة تشغيل مرفأ بيروت في ثمانيناته وغداة شق طريق بيروت – دمشق في أواخر ستيناته وعمارة الأشرفية والشطر الشرقي من المدينة في أعقاب استقرار المتصرفية والفراغ من حروب الغرضيات والفتن. فالأحياء المحدثة بنيت وارتفعت على التلال والمصاطب والبسط والأبراج والحصون والقناطر والرؤوس والطلعات المطلة على البحر وشريط السهل الساحلي الضيق. وهذا ما تشي به الأسماء القديمة ومعانيها المطوية: تلة الاشرفية او جبلها وتلة الدروز وتلة الخياط وتلة الزيدانية (أو رملها) والمصيطبة والبسطة التحتا والبسطة الفوقا وبرج أبي حيدر وميناء الحصن والقنطاري وراس بيروت وطلعة جنبلاط وطلعة العكاوي... فبناء البيوت على منحدرات التلال و"الجبال" والروابي المُصعِدة من السهل والمخلِّفة وراءها منبسطاً أو سفحاً تجتمع فيه مياه السيول المنحدرة، أخرج الأهالي من مدينة السور والمستنقع وبحر الأمواج الهاجمة. فأشرفوا على الشاطئ والبحر، وعلى الجبل إلى الشرق. وحمل الأعيان والأثرياء والميسورون الشرفة (البلكون) وعمارتها على معناها الحرفي. وكان هؤلاء سبقوا عامة الأهالي إلى رفع منازلهم وأعمدتها وشرفاتها وشبابيكها وصفحاتها الملونة وأدراجها وقرميدها على أطراف التلال وحروفها، واستقبلوا بها البحر والشاطئ.
  وعلى هذا، فسدُّ البحر بحاجز متسلسل من المباني العالية والمنتشرة في ثنايا بيروت قبل أن تنيخ بكلكلها على أمتار قليلة من الماء، يخالف معنى المدينة الذي يفهمه أهلها، وينكره، وينتهك رسم توسعها المضمر، وينقلب على أركانها البيئية وعلاقاتها بالعناصر والتضاريس التي نشأت عنها مسارحها وإيقاعاتها. وما كان في الستينات وأوائل السبعينات، عشية اندلاع الحروب الملبننة، استثناء سياحياً ومجتمعاً في دائرة الزيتونة – ميناء الحصن وفنادقها، شاع وفشا بطيئاً في التسعينات، وهجم في نصف العقد الأخير من غير قيد ولا كابح. فطوال عقد 1960 وسنواته شذ فندق فينيسيا وحده بجوار نصب فندق سان جورج أو معلمه المعماري والتاريخي، عن تواضع بالم بيتش واكسلسيور وريجيس وبيفرلي وحلقة المرابع المتصلة حول "خليج" عين المريسة. وانتصب الفندق الجديد، على خلاف جاره البحري ومينائه ونادي التزلج المتفرع عنه، مرفقاً برياً وعالياً يبلغ عدد طبقاته ثلاثة أضعاف عدد طبقات المنافس العريق بإزائه. وإذا كان المنافس شيد على النحو الذي شيّد عليه في عقد 1930 تيمناً بمثال متوسطي مشرقي فرنسي إيطالي، لازوردي (كوت دازور) جنوبي وبندقي"مشبِّه"، وشاءه أصحابُه ومعماره، مرشح الحزب الشيوعي إلى دائرة بيروت الأولى ورئيس حركة أنصار السلم في لبنان، مقصداً أو نادياً للأعيان المختلطين والأثرياء القدامى والجدد ومحترفي السفر العابر الغربيين، تخلى صاحب الفندق الجديد نجيب صالحة، احد أوائل وجوه الهجرة التجارية إلى المملكة العربية السعودية، والشركة التي أنشأها وصممت فينيسيا، عن أضعف طمع في الفرادة أو العراقة المقلِّدة. فاحتذى الفندق الأنيق والناحل والملون بلون الحجر الرملي الفاتح، على حاله اليوم بعد عقد ونصف العقد على انبعاثه وتكاثره، على مثال راج في أنحاء العالم، وقدم البساطة والخدمة العملية على المعايير الأخرى.
  وسَنَد المبنى العالي (يومها) ظهره إلى مصطبة مستوية بين قصر القنطاري (وهو تركته رئاسة الجمهورية في 1958 إلى صربا بضاحية جونيه الكسروانية قبل نزولها بعبدا) وبين مخرج وادي أبو جميل إلى دور آل الداعوق وسور حديقة القنصلية الفرنسية ومدخل عين المريسة فالجامعة الأميركية إلى آخر شارع بلس والمَطَل على كورنيش المنارة. وعلى جهتي الطريق هذه – وهي شريط عريض إذا أدخلت فيه الطريق الموازية الأولى، من كنيسة مار الياس المارونية ومبنى بنك البحر المتوسط إلى مركز جيفينور (كليمنصو)، وألحقت الطريق الموازية الثانية من برج المر وقصر القنطاري إلى مركز أريسكو، غير بعيد من المصرف المركزي، فالحمرا إلى السادات- تسابقت على الارتفاع والعلو، طوال نصف قرن تحتسب فيه أعوام الحروب الساخنة الخمسة عشرة (1975-1990)، عشرات الأبراج والمراكز والبنايات. فانقضى عقد كامل بين تشييد فينيسيا وبين انتصاب الهوليداي إن بظهره. وما أضمره الفندق الأول من ابتذال سياحي وعملي قريب، على بعض التستر والحياء الجماليين، أدل به من غير تحفظ الفندق الثاني. فبلغت طبقاته ضعفي عدد طبقات فينيسيا، وهو شيد على مرتفع. واشتطت واجهته عرضاً. واختارت إدارة "السلسلة الفندقية" التي بنته عمارة صناعية. فلم تبقِ أثراً للأعمدة، أو لأقواس النوافذ والشرفات، أو للألوان المتوسطية. فانتصب على حد المصطبة، وظهره إلى البحر وهو يبعد عنه ثلاثين متراً، مارد متجهم من غير قسمات، تعلو طبقاته بعضها بعضاً كأنها فم واحد، كثير الشفاه الممطوطة والجافة، حل محل الوجه كله وتولى العبارة عنه.  
وكان المبنى المقحم إيذاناً مبكراً بشريط متقطع ومتراصف من المباني التي تشبهه، حجباً للبحر وحجزاً بين الشاطئ وبين المباني على منحدرات التلة الغربية الشمالية العريضة من بيروت. وكان مركز ستاركو، بقلب أبو جميل، جدد مباني المكاتب بجوار فينيسيا وفي سنة قريبة من تاريخ بنائه. ولم تبلغ طبقاته العشر، إلا أنه علا المباني حوله، ويعود معظمها إلى عهد الانتداب بين الحربين. فلم يلبث مركز جيفينور، بين فينيسيا وبين الهوليداي إن وقتاً، أن انتصب على مقربة من مستشفى الجامعة الأميركية، غير بعيد من القنصلية الفرنسية. وهما معلمان تاريخيان أجنبيان شيدا، حين شيدا، في جهة طرفية من بيروت، أرضاً وجهة وسكاناً ومرتبةً اجتماعية. وكان السبَّاق إلى رفع المباني التجارية والمكتبية إلى نحو الـ50 الى 60 متراً، وإلى العمارة بالزجاج والألمنيوم. واليوم، حين أنظر من الشرفة الغربية إلى البحر، وقد استحال أفقاً وراء ركام المباني المتكأكئة والمرصوصة، أرى إلى يساري في طرف المنظر ثلاثة حروف، الجيم والفاء والياء، مضاءة بالأبيض، هو زاوية مثلث زاويتاه الأخريان اسم مبنى ليبرتي تاور جنوباً وأريسكو سنتر (بالضوء الأحمر) شرقاً. وعلى طول طريق الترامواي القديمة، من الهوليداي إن فمحطة الداعوق ومدرسة الإدارة العليا (وارثة القنصلية الفرنسية)، يبرز سنةً بعد سنة مبنى جديد لا يقل عدد دوره عن الـ15 – 20 دوراً.
وفي موازاة صف المباني هذه، على كورنيش المنارة بين عين المريسة وحرم الجامعة الأميركية، ارتفعت في السنتين الأخيرتين سبحة مبانٍ كانت حبتها الأولى، قبل نحو العقد، بناية الأحلام، وبلغت اليوم الست. وفي الأثناء تخففت عين المريسة الخلفية، وراء كورنيش المنارة، من بقية البيوت القديمة الواطئة، وكانت زينة هذه الجهة من الشاطئ لعين المسافر القادم من البحر، وراحة جسم المقيم ونفسه. وترتفع يوماً بعد يوم إلى جنب الطريق الضيقة، أبراج يكاد يتسع الواحد منها إلى سكن حي كامل. وعلى الجهة المقابلة، على الطريق المفضية إلى المرفأ، بإزاء فينيسيا، يتوسط فندق فورسيزنز كوكبة من المباني المعلقة. وهي مقدمة مبانٍ تشيَّد وراءها، على المنحدر من "تلال الوادي" (وادي أبو جميل سابقاً) إلى كورنيش المرفأ، وبين ستاركو شرقاً ومركز بنك المتوسط غرباً.
 فإذا خرجتُ إلى شرفة الشقة الجنوبية – وهي كانت إلى سنتين ونصف السنة تطل على بيوت أثرية من طبقة واحدة، وتستظل أشجاراً معمرة وباسقة تحف قصراً متهاوياً ومقفراً، وخَلَفها مبنى جديد من 13 طبقة بينه وبين الشرفة 5 أمتار – ووجهت وجهي إلى الشرق، حجب الجبل أو كاد صف من المباني يتصل من الصيفي والتباريس شمالاً وشرقاً، حيث برج الغزال منذ عقدين وبرج التباريس منذ سنتين، إلى اليسوعية وفرن الحايك ومار متر والأشرفية (التلة نفسها). وخط "الجبهة" الصفيقة هذه يتوسط الأشرفية، على معناها الواسع، على طول الحرف الفاصل بين منحدريها، الشرقي إلى السيوفي والغابة والجعيتاوي، والغربي إلى الناصرة والسوديكو واليسوعية. وبرج رزق هو شيخ هذا الصف، ونظير برج المر ومعاصر بناء لم يكتمل ولم يبلغ غايته بعد نحو 4 عقود من ابتدائه. فإذا دار العمران دورته، ومضت اسعار العقارات على تعاظمها، ألفى ساكن تلال المدينة النازل بين سفح الجبل وبين شاطئ البحر نفسه بين جدارين أو سورين: واحدٍ يسدل على البحر وآخر يحجب الجبل.  

الأحد، 4 سبتمبر 2011

العلاج بـ"المقاومة"... واشتراكاته المميتة

المستقبل - الاحد 4 أيلول 2011
لم يغب عن أحد أن الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية العربية والإقليمية (إذا جُمعت إيران "الخضراء" إليها، ولم تستبعد منها وجوه من الرغبات والنزعات التركية...) سكتت عن مسائل "قومية" واستراتيجية ثقيلة وراهنة، وأطنبت في تناول المسائل الداخلية، الدستورية والاجرائية الإدارية والاجتماعية. وفي أحيان كثيرة، ظهر الإطناب، شأن السكوت والعزوف، في الأفعال فوق ظهوره في الأقوال. فمشاهد ساحة التحرير بالقاهرة والفصول التي سبقتها وأدت إليها، ومسيرات المدن والبلدات والأحياء السورية وشعاراتها، وملابسات نشأة المجلس الوطني الانتقالي الليبي ببنغازي ومسيراته العسكرية من بنغازي في الشرق والزاوية في الغرب ومبادراته على الجبهة الديبلوماسية، ودور بلدة بوزيد في بلورة الحركة التونسية هذه كلها أسفرت عن اشتراك الحركات في وطنية مدنية عامة ومسالمة (ما وسعها الأمر)، وإمساكها عن إعلان الانتساب الحاد والمقاتل إلى قطب إيديولوجي أو اعتقادي من الأقطاب القائمة والكامنة.

وبعضهم ينسب هذه الحال إلى الخبث والنوايا المبيتة، أو إلى تكتيك قد يكون أكثر نجاعة من خطط العسكري الفذ والممثل المسرحي الفريد المتحدر من قذاذفة سرت وسبها. ولا يعدم هذا التعليل حججاً. وليس أقل الحجج وزناً قوة التيارات الاسلامية في البلدان والمجتمعات المتحركة، وقِدَم تراثها في التنظيم والتعبئة، وبداهة تواطئها مع النزعات الشعبية الأولية، وتوسلها بشبكة المساجد والجمعيات الأهلية المتفرقة وتوافر الموارد المحلية والعربية لها... وإذا صح أو صدق هذا الاحتجاج في تعليل نهج بعض التيارات الاسلامية في مراحل متأخرة من الحركات المدنية الديموقراطية تواقتت و"انتصارها" أو بشائره الظاهرة، فإنه لا يصلح في تعليل قيام هذه الحركات ونهوضها أو "خروجها" على الطواغيت.

ولكن الأقرب إلى الملاحظة المباشرة والسطحية ربما هو افتقار الحركات المدنية هذه إلى "سياسة"، أي إلى نهج في تدبير ولاية الدولة والجماعة الوطنية السياسية على علاقات الداخل ونزاعاته، وعلى علاقات الخارج ونزاعاته. فهي تبدو حركات غير سياسية، قياساً على جهرِ الجماعات الحاكمة المستولية، وبعض الجماعات الأهلية المستعلية على أهلها ومجتمعها و"دولتها"، ملابستها وحدها السيادة والقوة والصراع والمناعة و"الصمود" والمكاسرة، إلى آخر المصطلح الخطابي الحربي والقومي الديني. فمن الانقلابات العسكرية العربية الأولى، في النصف الأول من القرن العشرين، إلى خلايا "القاعدة" والمنظمات "الجهادية" المتفرقة في أواخره، وبين هذه وتلك منظمات التحرير الوطني العسكرية والأمنية الكثيرة كان تحصيل القوة، ومكافأة قوة العدو وحلفائه، مسوغ هذه كلها. وهو لا يزال مسوغ دوامها للذين يتربعون في سدتها، والتمسك المستميت، بمقاليدها. وحَسِب أهلُ القوة، على شاكلة نائب رئيس سوري سابق، أن معارضيهم قاصرون عن "إدارة مدرسة ابتدائية". فالأحرى أن يقصروا عن هذا "الشأن العظيم" (على قول بعض المعصومين في الولاية) و"الكينوني"، على قول بعض مريديهم الذين يتصدون اليوم لإنفاذ خطة الكهرباء (اللبنانية) وقطع الموازنة واختصار السنة السجنية وتعقب مخالفات البناء وجمع القرائن على اغتيال اسرائيل "آباء" أنصارها ومريديها.

وتسلطت "الدولة"، وهي اختصرت في أجهزة القوة والانفاذ وقياداتها إذا لم تُصرف هي وفكرتها من العمل وتبطل هيئاتها ومؤسساتها وأجسامها أصلاً (على ما فعل القذافي وأصَّل الأمر نظرياً)، تسلطت على الاجسام الأهلية والاجتماعية والموارد والهويات وشاراتها، وسطت عليها. واصطنعت بدائل لها وأقامتها محل الجماعات، وألحقتها بأجهزتها، وحالت بينها وبين الفعل والنماء وحالت بين الأفراد وبين حرياتهم واختباراتهم. وحملت سيرةَ المصادرة والتسلط والقهر على ضرورات مراكمة القوة والاعداد لحرب فاصلة. وقد تدوم الحرب الموعودة قروناً. وقد لا تقع، وينهار بيت العدو العنكبوتي أو يعجل فرج صاحب الزمان في انهياره. وفي الاثناء لا مناص من "السير على تعبئة" أو "كبكبة"، على قول الطبري في الخوارج خصوصاً. والتعبئة أو الكبكبة تعني الاستثناء والطوارئ والأحكام العرفية والحق في القتل من غير إنذار وفي التهيئة من غير احتياط، تقي وقوانين الأحزاب والإعلام المتعسفة من جهة الحاكم والمسؤولة من جهة الرعية، وامتيازات "أبواب العزيزية" وأسوارها العالية، والثأر الدهري من مظالم من "حكمونا" دهراً بالتعسف والقتل ورميهم بالامبريالية والعمالة والكيل بمكيالين والخروج على القانون والحق إلى قيام الساعة. وهذا نظام حرب أهلية دابة وأحياناً منفجرة، حصنه عصبية جماعة مستولية ومهددة على الدوام.

وهذه كلها إذا اجتمعت، على ما حصل في غير مجتمع عربي في نحو نصف القرن الأخير، ترتب عليها تصديع الدولة الوطنية وأبنيتها السياسية والحقوقية والإقليمية (حدودها والتزاماتها الجغرافية) والإدارية التقنية. فتذهب الطبقات الحاكمة الصعبية العشائرية والبيروقراطية، إلى أن مراكمة القوة تسوغ انتهاك الحدود والقيود التي تقوم الدولة عليها، وتفترضها على وجه الحاجة والضرورة كثرةُ الجماعات وتنازع المصالح والهويات الجزئية. ويؤدي ترك الجماعات والطبقات الاجتماعية والافراد نهباً لجماعة خاصة وأهلية متسلطة إلى حمل دفاع الجماعة أو الفئة أو الفرد عن نفسها (أو نفسه) إضعافاً لقوة "الدولة"، وتواطؤاً عليها مع العدو الكثير الوجوه والأقنعة. وعلى هذا، فعدو "الدولة" العشائرية والبيروقراطية الأول والعنيد هو مجتمع الجماعات الكثيرة، الدينية المذهبية والمحلية والعصبية القرابية والقومية، والمصالح المهنية والسلكية والطبقية، والانتماءات الطوعية الحزبية السياسية والجمعية والفردية الثقافية الذوقية. والكثرة هذه لا "علاج" لها بالدولة وأبنيتها التمثيلية والقانونية والسيادية، وعلانيتها وإقرارها بالمنازعة والخلاف والتحكيم والاقتراع. و"العلاج" الثاني هو الارهاب أو "الاستئصال"، على قول جزائري سار وذاع في أعوام الحرب الأهلية (1992 1999).

ولم يشك أهل القوة المستولون، وهم من العسكر ومن شُعَبه الأمنية، أو من أحزاب تصل متعسكرة ومن جماعات ضعيفة وهامشية وفقيرة على وجوه الفقر كلها، لم يشكوا في أن تقييد السلطان المرسل بالدولة الوطنية وأبنيتها وقوانينها، وبالمنازعات الاجتماعية وعلانيتها وكثرة الجماعات والمواطنين، يقضي بشلل السلطان. ولا يترك للولاية والقيادة والاستيلاء إلا حصة ضئيلة لا تليق بهم ولا تمكنهم من حماية سلطانهم وعصبيتهم، ولا من اضطلاعهم بالمهمات القومية والسيادية العظيمة التي يريدونها لأنفسهم وأولادهم وعصبيتهم وأنصارهم و"أمتهم".

فيسعى السلطان العصبي والبيروقراطي المرسل في تصدر المعارك والساحات "القومية"، إما من طريق تفريق الجماعات الوطنية والمحلية الهشة واستعداء بعضها على بعض، وإرهاب بعضها وشراء بعضها بالواسطة. فيستدخل مباشرة او مواربة الكيانات الوطنية القلقة والمترجحة. والقلق والترجح حالها كلها. ويؤلب الجماعات الواحدة على الأخرى، والكل على الكل أو الأجزاء على الأجزاء. ويغذي المنازعات والشبهات بالاغتيال والتسليح والتكتيل والعزل والحماية. فينبغي أن يظل أفق الحروب الأهلية، وليس الحرب الواحدة و"الجامعة"، ماثلاً وقريباً، وتبقى جذواتها حية. وينبغي ألا تنفك المنازعات الأهلية من خيط يربطها بجبهة "الحرب على الغرب" وامبرياليته وصهيونيته وصليبيته وعدوانه الشرس على الوطن والأمة والسيادة والوحدة. وكل تحفظ عن القيادة وحكمتها هو خروج وحرابة، على قول بعض قضاة طهران الحرسيين والميدانيين وحسبان ضباط الجهاز الأسدي وأبنائهم وأبناء مواليهم. فتماسك الكتلة الأهلية "القومية" والاقليمية، ومرآتها جبهة أحمدي نجاد نصرالله "بشار"، رهن أعمال التصديع الداخلي والتأليف الاصطناعي المديدة هذه.

وما صنعته أنظمة حزبية وعسكرية وأمنية في بلدانها ومجتمعاتها ودولها من "فوق"، من مناصب الدولة وقمم الأجهزة العالية والنافذة والمتسلطة، صنعت مثله على صورة أتم وأبدع، بواسطة القوى والجماعات والمنازعات الأهلية والمحلية في الجوار الفلسطيني واللبناني والعراقي. فرفعت القوى والجماعات انجازها على انقاض الحروب الداخلية المتشابكة بالحروب والنزاعات الاقليمية. وتولت أذرع "المقاومة" ("الاسلامية")، كل واحدة في دائرتها المتخلفة عن دولتها الوطنية المفترضة، ما سبق أن تولته الأجهزة العشائرية البيروقراطية في اطار "نظامها" (الصدامي، الاسدي، القذافي...) المزعوم. فكتلت جماعاتها الأهلية كتلة مرصوصة ومستقلة في سياق انشاء جبهة ثابتة ومشتعلة مع الاحتلال، وفي سياق اشتباكات فرعية مع أعداء الداخل والحلفاء الفاترين، والجماعات المتحفظة. ودعا تسليحها وعسكرتها وهيمنتها على قرار الحرب الجماعات الأخرى إلى الانكفاء والتحاجز ونشدان الحماية.

ففشت "طائفية" عصبية حديثة، بل شديدة الحداثة والبيروقراطية والتنظيمية والشبكية. وجمعت في حزمة واحدة الروابط المباشرة والدموية إلى شاغل الاضطلاع بالخلاص الكوني. وشبكت مدخل الشارع الضيق بجادات العولمة وطرق التموين الحيوية، على قول الجنرالات الجويين والبحريين الايرانيين في وصف مناوراتهم. واستخلصت "المقاومة" من الاقليم المتصل ديرات ومضارب وحارات ومسالك استقلت بها وحدها، وألحقتها بمراكز اقليمية، ودمجتها فيها. واستدخلت أبنية الدولة وهيئاتها وإداراتها وأجهزتها، واقتطعت حصصاً منها معاييرُ عملها ووظائفها هي معايير ولاء "المقاومة" ومهماتها. فاستحال إجماع الحد الأدنى العملي. وما ابتدأته الأجهزة المستولية في "الدولة" من تصديع الدولة الوطنية، وتشطير جماعاتها وأقاليمها، وتحاجز مواطنيها واستعدائهم على الحكم وفكرته، تولت "المقاومة" وجيوشها الخاصة وجماهيرها التي تعيلها وتحشدها وأحكامها العرفية وحروبها الماثلة والوشيكة، استتمامه وتتويجه وإنزاله من ذرى السلطة إلى زوايا الجماعات المعتمة.

وترث الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية الدمار الفظيع والثقيل الذي خلفته "سياسة" الأجهزة المستولية، وأحالت دولها ومجتمعاتها إليه. ومفهوم الولاية أو السيادة هو في منزلة الركن من الاستيلاء وسياسته. فمن طريقه وذريعته نفي المجتمع وجماعاته من الدولة، وتدبيرها، واستعدي بعضها على بعض، واختصرت الرابطة السياسية في التعصب على "الخارج" والحرب على "العدو" والولاء للجهاز المتسلط. وقوضت أبنية الكيان الوطني السياسي، وحلّت في مدى لا ناظم له غير علاقات القوة والعنف. وحملت الحدود والقيود الجغرافية والقانونية والوظيفية على تعسف لا مسوغ له غير احتيال الطاغوت على المستضعفين، وتحكم الامبريالية في الجماهير والشعوب. ولعل هذا النهج في رأس الدواعي إلى نشأة الحركات هذه، والقرينة الأقوى على جدتها وحداثتها وسياسيتها. والانعطاف لا يزال في بواكيره.

الأحد، 28 أغسطس 2011

سقط الطاغية ... فأين "المقاومة"؟


المستقبل، 28/8/2011
  أوقع انهيار "جماهيرية" معمر القذافي – بعد نحو خمسة أشهر من قتال مركب اختلط فيه المقاتلون الليبيون، المرتجلون والمتفرقون أهواء ومصادر ومصالح، بقوات الأطلسي الجوية واستخبارييها الأرضيين ومموليها الخليجيين وبـ"قوات" الإعلام المتلفز واليقظ – شطراً من الآراء العربية "العامة"، ومذاهبها وتياراتها، في حيرة تتفاوت شدتها بين قطاع رأي وآخر. فلم يشك بعض الشطر هذا في أن جموع الليبيين، من نفوسة غرباً إلى بنغازي شرقاً وبينهما مدن الشمال النفطية، لم تكن إلا وقود حرب "الأطلسي"، الأميركي ولم لا الاسرائيلي من وراء الستارة، على جزء من الوطن العربي أو جزء من المسلمين وأمتهم. وذلك تمهيداً لاستكمال نهب ثروات الشعب المنكوب، وزعزعة هويته. وعليه، فحال الأمة في أفغانستان وعلى الحدود الأفغانية – الباكستانية وفي العراق وفلسطين ولبنان وسوريا، والخليج أو ضفته الغربية، واحدة. وتدعو إلى المقاومة والممانعة والتصدي للاستعمار في حلله المتجددة.
  ولا يحمل هذا الرأي أصحابه على تخفيف حكمهم في معمر القذافي، أو على التردد في نعته بالطغيان والانحراف والتبديد والجنون والاجرام. وبعضهم يمزج هذا كله بعمالته للأميركيين وتآمره وإياهم ومشورتهم. فينتهي أصحاب الرأي المترجح، وهو رأيان متفرقان، إلى حال يرثى لها (إذا كان ثمة من في وسعه أن يرثي): فالسلطان الذي يستحق ألف مرة أن يطاح إنما يطيحه من تحوم عليهم ألف شبهة، ليست أولاها قاعديته البن لادنية ولا الأخيرة أطلسيته المعيبة والفاضحة. وهذا دور يدور ولا يُخرج منه. والحق أن أصحاب هذا الترجح يستطيبون الدوران في حلقة الزار هذه. ولهم أجران عظيمان على بكاء مزدوج: واحدٍ يندب الاستبداد ولعنته وتناسله، وآخر يسيل دماً على هجنة الأمة المخدوعة والمغدورة من بيت ابيها وعترتها.
  وما كان كامناً في الموقف من الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية العربية سوغت له الحركة الليبية المتعثرة والمترجحة – في أعقاب نيف وأربعين سنة من مساعي نفي الليبيين من ليبيا، وإخراجهم وطردهم منها مادياً ومعنوياً (على وصف أحمد ابراهيم الفقيه النفَّاذ، في "الحياة" اللندنية، 22 آب الجاري) – الظهور إلى العلانية قبل أن يفتضح مع الحركة السورية. فتصفيق بعض ضباط الباسدران، وحجج المعممين على منبر جامعة طهران، المعتدل والموارب للحركة المصرية (وهم لم ينتبهوا للحوادث التونسية البعيدة والراطنة بلغة وطنية ومدنية) دعاهم إليه إسقاطُ الحركة طغياناً داخلياً متعسفاً وثقيلاً يرتدي حلة جغرافية استراتيجية "أميركية"، أو غربية، ومناوئة حكماً للسياسة الإيرانية العسكرية والإيديولوجية المذهبية والتوسعية. وزعمت دعاوة الضباط والمعممين بإيران،  و(بعض) لبنان والعراق وسوريا (حيث الضباط والأهل آيات وألوية معاً)، أن السبب في الخروج على الوالي الظالم ليس ظلمه وفساده واستبداده بالأمر و"الحال" وحده وقهره "الرعية" وإذلالها، بل مسايرته بعض السياسات الخارجية الفظة، وتصديه لمطامع إقليمية (إيرانية) تفوق فظاظتها فظاظة السياسات الأميركية؛ وتورث اقتتالاً مدمراً لا تُرى خاتمته.
  وتذرعت السياسة الايرانية الحرسية والمذهبية بالوجه الثاني الذي سماه متظاهرو ساحة التحرير بالقاهرة "كره الاميركان" (في هتاف أول هو "لا مبارك ولا سليمان/ احنا كرهنا الاميركان") إلى غمط الوجه الأول والبارز الذي عاد إليه المتظاهرون المصريون، وصدروه حركتهم، وسموه "إسقاط الطغيان" (ولخصه هتاف نسخ السابق "لا مبارك ولا سليمان/ يسقط يسقط الطغيان"). ويندرج التذرع في صنيع سياسي لا يمت الى التحري عن حقيقة الحركة المدنية الديموقراطية والوطنية، وعن منازعها العميقة، بصلة أو بسبب. فما يسعى فيه قادة الباسدران وخطباء الجمعة في طهران وقم، ويريد جمعَ فُتاته وأكله أركانُ الأجهزة الخاصة الأسدية وعصبيتهم، هو الاستيلاء على رافعة أو عقدة مسالك ومحاور تخولهم مد نفوذهم إلى الجماعات القريبة من مركز السلطان والبعيدة. ومناهضة القوى والدول الكبيرة والنافذة، وحمل النزاع (الفعلي) معها على نزاع واحد ثابت ومطلق، هي رافعة مجربة، متناسلة ومتصلة منذ الحروب الصليبية (أو فتح خيبر، على ما يهتف بعضهم) إلى هبوط طائرة جيفري فيلتمان بمطار بنغازي في طريقه الى القاهرة.
  وتمييز إسقاط الطغيان، أي الحركة الديموقراطية الساعية في لجم السلطة المتعسفة والمرسلة وتقييدها بهيئات الدولة التمثيلية والدستورية القانونية وبمصالح المجتمع والجماعات المتفرقة وكياناتها التاريخية الموروثة والمتجددة ،من كره الاميركان، وهو الكناية الظرفية عن المطالبة بالاستقلال الوطني والندية الدولية الكريمة والعادلة والمسؤولة، لا ينفي علاقة التبعية بالاستبداد السياسي. ولكن المثال الايراني – الخميني، والسوري – الأسدي قبله، والليبي - القذافي، يكذب صيغة العلاقة في حلتها أو حللها الإيرانية والسورية والليبية وغيرها. فالحلل هذه جمعت وتجمع نزعة قومية "استقلالية" وعدائية متطرفة الى استبداد سياسي وبوليسي لا قيد عليه لا من داخل ولا من خارج. والمفاضلة بين النازعين، على ما لا ينفك يصنع التخيير الإيراني الحرسي والسوري "الجمهوري" والمدرع بين الانصياع وبين الخيانة، تتحول عبثاً ولغواً حين يختصر الاستبداد المذهبي العصبي والجهازي البيروقراطي السياسة، والحياة السياسية كلاً وجميعاً، في "مقاومته". ويترتب على "مقاومته" وعلى مكانتها، في المركز وفي الأطراف والولايات، تصديع أبنية الحكم والدولة المدنية والقانونية، ومصادرة الحريات والحقوق الشخصية والعامة، والتحريض على الحرب الأهلية، وترسيخ تفاوت حاد وملح بين جماعات السكان والأهالي والأفراد، والانقطاع من أطوار العلاقات الدولية ومكتسباتها، وإناخة القوة المتسلطة العصبية على المجتمع وعلاقاته وحاجاته.
  وتعريف الحياة السياسية على هذا النحو، وإرساؤها على هذه الأركان والمباني، قادا إلى الموقف من انهيار القذافي ورهطه. وقادا من قبل الى الموقف من انهيار سوريا الأسدية، على صورتها القاتمة الموروثة من نظام الوحدة الناصري ففصول البعث الثلاثة أو الأربعة (إذا عد حكم الوارث فصلاً مستقلاً). فتسويغ اجتثاث السياسة، وخلافاتها ونزاعاتها ومداولاتها وتحكيمها ومساوماتها، بضرورات الاستقلال والانكفاء والمناعة القومية، لا يُخرج منه إلى أفق زمني أو إلى سياسة إصلاحية يعلق عليها المواطنون آمالهم وتوقعاتهم. واليسر النسبي الذي غلب على التغيير الديموقراطي في تونس ومصر، والبلدان خضعا طويلاً للنفوذ الغربي، قياساً على استعصاء هذا التغيير في ليبيا وسوريا وإيران، قرينة ربما على قوة أثر العصبية القومية المنكفئة والعدائية في تغذية الاستيلاء الأهلي والبيروقراطي الجهازي والتمكين له.
  فالنعي على الخارج وعلى تدخله وسيطرته، و"تشويهه" الأبنية الداخلية، يتوسل بحقائق ينبغي ألا تنكر الى أكاذيب لا راد لها، ولا سبيل الى ردها إلا بـ"ثورة". وهذه لا تتفادى الحرب الأهلية، إذا أفلحت في تفاديها، إلا بعسر شديد. والترتيب السياسي الذي يقدم طلب الاستقلال القومي والأهلي والعصبي في رعاية سلطة بيروقراطية مركزية على طلب السياسة المدنية والديموقراطية والوطنية ومعيارها، وعلى إنشاء الدولة في كنفها وعملاً بموجباتها، هذا الترتيب ليس مرآة طبيعة الأمور وسننها في مجتمعات الأمم المستعمرة سابقاً، والمهددة الهوية. فهو مطية "الطبقة" الحاكمة ومصلحتها في احتكار السلطة والموارد، وإقصاء الجماعات والطبقات الأخرى من هذه وتلك. وهو، أي الترتيب، جزء من حرب أهلية غالباً ما تشنها الطبقات والجماعات الضعيفة والطرفية على كيان الدولة وبنيانها الحقوقي القانوني الضعيف قبل بنيانها الاجتماعي والاقتصادي. وهو جزء من استراتيجية استيلاء هذه الطبقات والجماعات على السلطة، والاحتفاظ بها في منأى من النزاع السياسي والاجتماعي السلمي.
  وقد تكون الحروب الداخلية اللبنانية، وهي فصول نزاعات داخلية وإقليمية أهلية واجتماعية وبلدية معلقة على أدوار ومصالح خارجية وملبننة، المثال الجليّ والحاد على مفاعيل الترتيب هذا. فما أنجزه اللبنانيون، وفي مقدمهم جماعاتهم المسيحية، غداة الحرب الثانية، أي قبل ثلثي قرن تقريباً، يفوق ما تسعى في بلوغه الحركات الوطنية والمدنية والديموقراطية العربية في حقول الحريات المدنية والسياسية، والحقوق الانسانية، وتقييد سيطرة الدولة والإدارة والقضاء. وحُصِّلت هذه من طريق روابط وثيقة وقديمة بالغرب الرأسمالي الاستعماري والليبرالي الديموقراطي، من غير انفصال. وبدا هذا في نظر المنظمات الفلسطينية المسلحة، وشطر من اللبنانيين العروبيين، والشارع العربي الناصري والإسلامي، ضئيلاً، ولا يقارن بالمكاسب القومية المتوقعة والمقدرة، وسرابها القاتل. وجاز إنكار قيمة الأبنية السياسية والاجتماعية الديموقراطية والليبرالية، وتأخيرها عن معيار العصبية الأهلية وحصادها "القومي" الاستبدادي والمدمر، جراء إدراجها المجتمعات الوطنية ودولها في سياقات عالمية مشتركة، مدنية وزمنية، ومجيئها من طريق جماعات محلية مسيحية.
  وتستر إنكار "الطائفية" (المسيحية دون غيرها، و"اللبنانوية" دون الطائفيات العربيات والاسلاميات) إنكاراً عنيفاً قومياً ومذهبياً وثقافياً، على نازع ساحق إلى إنكار استقلال المجتمع وجماعاته عن الدولة والسلطة، وغمط الجماعات حقوقها في كياناتها وتواريخها غير الانفصالية بالضرورة. وتستر أولاً على ازدراء مكانة الديموقراطية والليبرالية ومحلهما من مصائر المجتمعات والدول العربية. وها يعود ما طُرد وحطم معظمه في الباب اللبناني، وقبله في باب "التنظيمات" العثمانية، بذريعة غربيته ونصرانيته أو رأسماليته وامبرياليته، من أبواب عربية (وإسلامية) وشعبية مشرعة.   

الأحد، 7 أغسطس 2011

الجهاز العشائري ـ الأمني يشنّ حرب عصابات على مجتمع السوريين السياسي ورابطة الدولة الوطنية

المستقبل - الاحد 7 آب 2011
في مطلع الاسبوع الاخير من تموز المنصرم، قبل حملة حماة الثانية وغداة انقضاء 4 أشهر وأسبوع على خروج الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية الى العلن، قتلت "قوات الامن" نحو 11 شخصاً، أو "ما لا يقل عن" هذا العدد على تقدير عمار القربي، رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان، في مدينة أو بلدة كناكر (25 ألفاً) بريف دمشق، الى جنوب دمشق الغربي. وأعلن "اتحاد تنسيقيات الثورة السورية" اسماء 7 من القتلى وسن معظمهم. و4 منهم لم يبلغوا العشرين حين قضوا. ونظمت "العملية الامنية" على شاكلة غارة تولاها تراكس، أو جرافة، هَدَم البيوت على أصحابها. وحمت الجرافة دبابات القوات المسلحة او قوات الامن، وقطعت الطرق الداخلية ورابطت على المفترقات وبوابات الدخول الى البلدة. وقامت هذه بحملة اعتقالات طاولت 250 من اهالي كناكر. والغارة "الامنية" أو الانتقامية، على البلدة الجنوبية الغربية، بريف دمشق المحاذي خراج درعا، هو رد جواب على تزويد البلدة، وغيرها من بلدات خراج دمشق، زميلاتها الدرعاوية المؤن، واسهامها في كسر الحصار التمويني الذي تضربه وحدات التدخل المتحركة على المدن والبلدات الناشطة.
التنسيقية والائتلاف
ودرعا نفسها تحتل أسواقها، وعلى الخصوص ساحة الحرية فيها (سابقاً ساحة السرايا) قوات تدخل عسكرية وأمنية، في عشرات سيارات الامن، يحمل أفرادها هراوات. وعودة قوات التدخل، وسياراتها وهراواتها، الى احتلال المدينة، والى مداهمة "القرى" او البلدات التي تصلها بالعاصمة وتصل العاصمة بها مثل برزة والحجر الاسود والسيدة زينب والكسوة وحرستا، وهذه من دمشق "الكبرى" والمتصلة- على خلاف زعم قوى "الاعلام" الرسمية التي أخرجتها من الخريطة الدمشقية تهويناً وتصغيراً من شأن الحركة المدنية في دمشق نفسها- هذه العودة مردها الى دعوة أهلها الى التضامن مع ... حمص وحماة والمدن المحاصرة الاخرى. وهي المدن التي تتظاهر نهاراً و(أكثر فأكثر) ليلاً تضامناً مع درعا والمدن الاخرى المتضامنة والمتظاهرة والمحاصرة. وعلى هذا، نشأت روابط قوية وثابتة من المدن وبين المدن، من "درعا الى القامشلي"، وبين الارياف، في جهات سوريا المتفرقة كلها، بلاداً أو جهات وسكاناً وتجارة وادارة وهيئات مهنية، وأمست الروابط هذه دائرية. وتخطت التأثير الصادر عن بؤرة، شأن درعا في الفصل الاول من الحركة ثم حمص في الفصل الثاني ومعها بانياس فحماة فالحسكة فإدلب...، نحو بؤرة اخرى. وتجاوزت العلاقة الخطية او الرأسية الى شبكة متماسكة ومتضافرة أفعوانية، إذا جازت العبارة.
فالسوريون بنوا، ولا ينفكون يبنون تماسكهم وأواصرهم و"تنسيقياتهم" على مراتبها الوطنية والمحلية (شأن اتحاد تنسيقية حرستا وعربين وزملكا التي نعت في 27/7 محمود طه قاسم "المتزوج منذ ثلاثة أشهر" وقتيل قوات "الامن" على مفرق قرية سليمة وهو عائد على دراجته النارية من عمله)- في ثنايا حركتهم الوطنية والمدنية، وفي سياقتها الكثيرة الفروع والملتفة. وهم يسعون في النهوض جماعة وطنية متضامنة، ومؤتلفة من أهالٍ وأحياء ومدن وأرياف وعشائر وأقوام وطوائف وطبقات. ويرجو "المراقب"، المتعاطف والمتضامن والنصير، أن تكون "التنسيقية" إحياء وتجديداً "للائتلاف"، ولـ"حزب" الائتلاف أو تياره العثماني (في أوائل القرن العشرين) بإزاء "الحزب الاتحادي" المركزي والاندماجي والدمجي قسراً. وأورث ضباط قوميون تُرك اتحاديون البلدانَ والمجتمعات العربية انقلابييها الاوائل الى عتبة النصف الثاني من القرن العشرين. فكان حسني الزعيم، الانقلابي السوري الاول، أحد أواخر هؤلاء الضباط العرب. وهو خلف الضباط العراقيين الذين استولوا على حكم العراق في 1937 1941. ولعل حسم نزاع الاتحاديين، القوميين المتعصبين وقادة الجهاز العسكري البيروقراطي والمحترف، والائتلافيين، وهم ليبراليو الادارة المتحالفون مع ممثلي الاقوام والمجتمعات المحلية والوطنية، لمصلحة الاتحاديين كان فاتحة من فواتح بناء "الدولة" العربية المشرقية على الركن العصبي (العشائري والاهلي) والبيروقراطي العسكري والامني الذي غلب على معظم بلدان المشرق وحركاتها السياسية. وتمثل عليه "القيادة" السورية الاسدية خير تمثيل، غداة انهيار صدام حسين.
فما تضطلع به تنسيقيات الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية المتحدرة من المنتديات والبيانات والمنابر والتيارات، منذ نحو 5 اشهر، لا يقتصر على جمع معارضة شعبية متراصة في وجه الحلف العصبي البيروقراطي الذي ينيخ بثقله على المجتمع السوري، ويحول دون استواء الحكم على صورة الدولة المدنية المشروعة. فهي، الى استيلاء هذه المعارضة، ورص صفوفها، تصنع خيوطاً وجسوراً بين الجماعات الاهلية والبلدية والافراد، وترسي النسيج أو البنيان على لحمة سياسية وطنية، عَرْضية وائتلافية، تنحو نحو التعاقد الحر أو تعاقد أحرار، على الاشتراك سواسية في دولة ووطن (أمة) جامعين ولا ينفكان في طور الجمع والتأليف. فلا تنزل "الدولة القومية" الناجزة والخاوية، وهي فعلاً متعينة في حلف عصبي اداري يتقاسم السلطة والاجهزة والعوائد، جسماً قاهراً وساحقاً على الرعايا والاهل، المتفاوتين كعباً ومكاناً، وعلى البلاد. والانشاء، الوطني والسياسي على هذا المثال، في مجتمع مثل المجتمع السوري سلط عليه الاستيلاء الانقلابي البعثي، في أطواره الثلاثة او الاربعة وفي الطور الناصري و"الوحدوي" السابق، عوامل تفريق وتآكل وتعصب، يقتضي (الانشاء) تدبيراً وحكمة، وحِلماً وحصافة وتأليفاً في المصطلح القديم، من ضرب أو صنف لا عهد للسياسات العربية الانقلابية والاستيلائية، في شقيها وركنيها الاهلي العصبي والجهازي المركزي، به.
التمرد الرسمي
ويحقق هذا الزعمَ ويؤيده نهجُ الكتلة السورية الاسدية في معالجة ما تسميه التنسيقيات "الثورة" (وما يليق به ربما أكثر وسمُ الحركة الوطنية المدنية الديموقراطية السورية، وينزهه عما علق بالثورات العربية الاقليمية وانقلاباتها العسكرية، وحركاتها المسلحة الاهلية والمتعسفة وفوضاها المدمرة، من دواعي النفور والصد). فالكتلة الاسدية المتسلطة تعالج حوادث الحركة الوطنية والمدنية ووقائعها، أي اجتماعاتها وتظاهراتها واعتصاماتها واعلاناتها، على الطريقة التي انتهجتها وعرفت بها حروب العصابات، أو حروب الغوار. وهي حروب غارات على الدولة وهيئاتها ومواطنيها ومرافقها. فـ"الدولة" المزعومة تغير على جماعات الاهالي، وعلى مساكنهم وطرقاتهم ومواصلاتهم وجسورهم ومحالهم ودكاكينهم ومساجدهم ومنتدياتهم، وتُعمل في هذه تقطيعاً وتخريباً وهدماً، وفي الناس ارهاباً وتخويفاً وعزلاً وتبعيداً وتحريضاً. وما يتولاه "التمرد" وهو الاسم البوليسي والعسكري الذي سمت به اجهزة مكافحة الانتفاضات الفلاحية، الاوروبية والاميركية، الحركات الاستقلالية و"العالمثالثية" والاجتماعية المسلحة في خمسينات القرن الماضي- وهو تقطيع أوصال جهاز الدولة المتصلة والمتشابكة، وعزل أجزاء البلاد والمجتمع بعضها عن بعض، وتخريب المنشآت وشل الاعمال وتهديد الامن، تتولاه اليوم في سورية (الاخوين الاسد ورهطهما ودوائر "الحلف" ومراتبه الجهازية المصلحية والطائفية) غارات العصابات الاهلية الرسمية و"ألوية الموت" والقتل والاغتيال. وذلك باسم "الدولة"، ونيابة عنها، وتعويضاً عن قصورها عن انجاز المهمات هذه في اطار الاجهزة الرسمية المتماسكة.
وينتدب المركز، وهو النواة القيادية المزدوجة الصفة، قوات مختلطة، أمنية وعسكرية رسمية في زيها المتميز والظاهر وأخرى "مدنية" أهلية في حل من امساك العسكريين والامنيين الرسميين المفترض، وتتولى قتل المتلكئين والمترددين، ينتدب المركز القوات المختلطة الى مواقع ومناطق ذات أدوار معنوية وجغرافية بارزة. ويمهد لتجريده حملتَه تمهيداً "اعلامياً" ومسرحياً حاداً، على شاكلة ذاك الذي سبق الحملة التأديبية والدامية على جسر الشغور ثم على البوكمال. واليوم على حماة. فيعلن عن مقتل عدد كبير من رجاله، ويعزو القتل الى جماعات مسلحة محلية، ويسوغ حملته المختلطة بتلبية نداء الاهالي واستغاثتهم. وكأن الدول تفتقر الى مسوغ مباشر من القانون ومن وظيفتها يدعوها الى بسط الامن. فتوَسِّطُ المواطنين وتلتمس العذر منهم. ويسدل المركز الغفل ستاراً صفيقاً على وقائع الحملة نفسها. فلا شهود من الاهالي، ولا من الصحافة، ولا من جمعيات حقوق الانسان، ولا من البعثات الاجنبية، ولا من الجهاز الذي نفذ العملية. وحين دعي بعض الديبلوماسيين الاجانب، وفيهم السفير الاميركي، الى جسر الشغور بعد حملة التأديب التي لا شاهد عليها، ولا أثر لها في وثيقة مصورة معاصرة، جيء الى البلدة ببعض اهل بلدات مجاورة أو قريبة، وعُهد اليهم بأداء دور العائدين الى بلدتهم الآمنة بعد أن تحررت من مروعيها ومرهبيها بإنعام من القوات المختلطة...
وتشبه الحملات البوليسية والارهابية المختلطة، وعزلها المناطق التي تقصدها، وفرزها السكان والاهالي فريقين، وتصفيتها في ظل يضطرب بين السر والعلن الفريق "المشبوه" والتمثيل به نهج العمليات الثورية الذي انتهجته حركات كاستروية وغيفارية وماوية في أميركا اللاتينية لعل "الطريق المضيء" في قيادة غوزمان بالبيرو المثالَ عليها. فالعمليات الثورية والحملات التأديبية التي تشنها الطوابير الاسدية المختلطة ترميان الى حماية "البؤر" و"القواعد" المحررة، أو المسلوخة من كيان المجتمع المتصل في كنف دولة (طيفية في احيان كثيرة) مشتركة، وإخراجها من هذا الكنف الى عراء سيطرة مباشرة لا قيد عليها من طيف الدولة. وقبل اقتحام حماة في الاول من آب، سلّط جدولُ جمعية حقوقية مدنية ("أفاز" ومعها "انسان" وسام طريف) أحصت 3 آلاف مخطوف ليسوا في عداد الـ13 ألف معتقل الى يومها (من 26 ألفاً اعتقلوا في وقت من الاوقات وأفرج عن بعضهم في اثناء الاشهر الخمسة المنصرمة) ولا هم في عداد الـ1650 قتيلاً، الضوءَ على وجه آخر شبيه بأعمال العصابات الخاصة، الثورية وشبه الرسمية، في كولومبيا الاميركية اللاتينية. (وهذه الارقام يضاف اليها نحو مئتي قتيل وبضعة آلاف من المعتقلين وربما مئات من المفقودين). فمعتقلات قوات كولومبيا الثورية ("فارك")، وهي المنظمة التي احتجزت بيتينكور المرشحة الرئاسية الكولومبية الفرنسية نحو 5 سنوات، تعج بآلاف المخطوفين المدنيين من الاصناف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كلها. والصيغة الاسدية والمحلية تبلورت في فصل "القيء الاهلي"، على ما سمى أحدهم أعوام 1979 1982 وغداتها المباشرة. فمذ ذاك لا يُعلم شيء عن مصير عشرات الآلاف (40 ألفاً؟ 60 ألفا؟ 70 ألفاً؟) من المفقودين الذين تبددت آثارهم بين السجن والتخفي والتوقيف والتحقيق والخطف والتصيفة المواربة.
سوريا (الاسد) من غير السوريين
وقطع الاتصالات الهاتفية والالكترونية، واغراق المناطق المستهدفة في الظلام وحجب التيار الكهربائي عنها، والحؤول بينها وبين التموين بالسلع الاساسية، ومراقبة أماكن الاجتماع المتوقعة والمقدرة (مثل المساجد وصالات الاعراس والفنادق ونوادي النقابات المهنية) ومحاصرتها وإحراق بعضها، وتعقب الجرحى الى المستشفيات والعيادات الخاصة- هذه كلها وسائل يتوسل بها الجهاز العصبي والبيروقراطي المستولي الى انتزاع الاهالي من الكتلة الوطنية السورية، والى فك عرى العمران والاجتماع والخيوط التي نسجتها الدولة، منذ عهد الولايات فالانتداب فالاستقلال فالديكتاتورية، بين الاهالي. وذلك من تلقاء (قيام) الدولة والادارة واضطلاعها بوظائفها. ومهاجمة الجهاز العصبي - البيروقراطي الاسدي وشائج العمران والاجتماع المدنيين وروابطهما وأبنيتهما الحيوية، جزء من الحرب الاهلية العميقة التي استولى من طريقها هذا الجهاز على آلات الغلبة والقهر والعزل، واختصر الحُكم والدولة فيها.
فلا يطيق الجهاز دوام روابط اجتماعية بين جماعات السكان والافراد، ولا سريانها في عروق عمران مشترك، ولو في حدودها الخدمية والاجرائية الدنيا. فهو يقحم وساطته ومشيئته في عمل الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الاساسية، وفي العلاقات المتبادلة التي تنشئها بين الاهالي. فلا ينزع الناس الى التوهم في أنفسهم القوةَ على التواصل التلقائي، خارج مشيئة الرأس العشائري الاهلي والاجهزة الامنية والادارية التي تصدر عن إرادته وأمره القاهرين. فإذا أقدرت الابنيةُ الاجتماعية والادارية، المتخلف بعضها عن "انجاز" الجهاز الاسدي، السوريين على التواصل ارتد الجهاز على ابنية التواصل ومسالكه، وأعمل فيها تحطيماً وتدميراً، على نحو ما يصنع في مداخل حماة ووسطها. فهي، الابنية والمسالك، تنم بكيان عمراني وطني مستقل وقائم بنفسه، وملازم لكيان الجماعة الوطنية والاهلية السورية وأجيالها المتعاقبة.
وعلى هذا، "ينزل" التسلط الارعن والاحمق من الابنية المعنوية والسياسية، شأن الصحافة والاعلام والانتخاب والتحزب والتحالف، الى الابنية الادارية والمادية. ففي الاوقات "العادية"، وجَّه الجهاز المستولي شفرة سكينه (سكاكينه ومقصه ومقصاته) الى الابنية المعنوية والسياسية هذه. فحال بينها وبين انشاء دائرة علانية عامة ومشتركة يسهم في رفعها، وفي رصف حجارتها ومداميكها، من يمثلون جماعات واجساماً خاصة متفرقة، بلدية وأهلية واقتصادية واعتقادية وعصبية، ويسعون في بلورة لحمة سياسية جامعة تتعالى عن الجماعات ومصالحها، وتؤلف بين بعض كتلها وأجنحتها، وتنافس على التمثيل والحكم. واحتكر الجهاز المستولي مُلكية الابنية المعنوية والسياسية، على المعنى المادي والحقوقي للملكية، وانفرد بها، أو نصَّب بعض فروعه ومراقبيه ولياً مطلقاً عليها. فلفّق في حق من ارتضى، في وقت أول، شراكتَهم الانتخابية والنيابية، وأقر لهم بصفة تمثيلية واجتماعية مستقلة، تهماً أحالتهم بين ليلة وضحاها مجرمين ومتآمرين ومحتالين. وضيّق تضييقاً خانقاً على هامش اعلامي هزيل وطرفي. ولم يقصر انقلابه وتضييقه على إعمال الوسائل القانونية والادارية الكثيرة والطيعة التي لا ينازعه عليها منازع. فعمد الى وسائل من خارج اطار العدة القضائية والادارية، وهي المتاحة على مصراعيها، مثل حوادث السير القاتلة، والسطو على الممتلكات والاموال، والتحريض الخاص والغفل على "المنحرفين" وسد أبواب العمل في وجوههم.
فولاية السلطات العامة واحتكارها من غير استثناء، وانتداب الموالي المطواعين والمقيدين الى تصريف بعض اعمالها التنفيذية، لم تحمل على اقتسام السلطان، على أدنى درجات الاقتسام وأقلها. ومثل هذا الانقسام على أدنى درجاته، يفترض الاشتراك في شيء عام ومشترك، ويقر بقصور السلطان، وصاحبه (رأس) الجهاز العشائري البيروقراطي، عن الاضطلاع وحده، ومن غير حاجة الى شركاء متعاقدين، بالتمثيل على "سوريا" (الاسدية)، وتجسيدها وجمع متفرقها (المنكر والمبطل) في نفسه. وينكر السلطان الاسدي و"دولته" انكاراً ضارياً وشرساً حاجته الى شركاء يتعاقد معهم على تمثيل "سوريا". وهذه تعلو السوريين، الافراد والاعيان، وتلتهمهم وتبطل حقيقتهم المادية المتفرقة والتاريخية والاجتماعية. والنظام الاسدي في غنى عن ولاء السوريين، وبالاحرى عن محبتهم واقتناعهم. ويريد منهم، على معنى الاكراه، الطاعة والسمع. ولا يترتب هذا على ضرب من الدهاء والمواربة المعقدة، بل على صنف الاستيلاء الخاص الذي ينفر من أي قيد لا بد أن ينجم عن العقد والشراكة والائتلاف والاقرار بالكثرة الاهلية والاجتماعية. وهذا "سر" الكراهية الحاقدة التي يصليها الجهاز المستولي وأنصاره اللبنانيون الاعراف السياسية اللبنانية، وجهرها الوقح طائفتيها وميثاقيتها، أي كثرتها.
حملة التطويق
وعلى هذا، لا يدعو الاستيلاء على مقاليد الدولة ومرافقها وهيئاتها النيابية والقضائية وادارتها، وعلى مواردها، واحتكار السلطان، وملء قلبه الرمزي والتمثيل عليه من غير شريك، لا يدعو هذا كله الجهازَ أي رأسَه الى الفعل من داخل الدولة ومقاليدها وأبنيتها وأحكامها. فهو يؤثر إعمال الوسائل الخاصة، والمنافية للقانون والخارجة عليه. ويتعمد مهاجمة سفارات الدول الاجنبية بواسطة محازبين انصار وأجراء، وليس من طريق أعراف ديبلوماسية واجراءات تؤدي معاني الانكار والتحفظ والتنديد. والاعراف والاجراءات الديبلوماسية،شأن طرق القضاء والادارة ولوائحهما، قرينة على كيان دولة مقيد بإقرار ملزم، ويبادل الالتزامات بمثلها ونظيرها. وأما المحازبون الانصار والموالي فلا قيد عليهم، ولا يلزمهم اقرار أو تبادل. وهم عَرَض الاستيلاء الخاص، الاسدي العشائري والجهازي، على "سوريا" وتمرد هذا الاستيلاء على العمومية الديبلوماسية القانونية. فهم، على الاراضي السورية هذه المرة، صنو "حلفاء" الجهاز الاسدي وصنائعه وأجرائه ومُديِّه أو "سكاكينه الثانية"، على قول أجنبي، في لبنان وفلسطين والعراق، وفي المنظمات "الجهادية" التي ترعى مرابع المشرق وجنباته. ولا غنى للجهاز عن "الحلفاء" والصنائع والاجراء والمدي "الثانية" بإزاء أنواع وأصناف كثيرة من الخصوم والاعداء والمعارضين والمتحفظين المحليين والاقليميين. وبعض "الحلفاء" انخرط في أبنية دول، وكيانات دول وطنية، ولم يكف عن خوض حرب عصابات وطياحة على دولته الوطنية المفترضة. وآية حربهم انشاء مرافق موازية لمرافق الدولة، وإخراج مناطق "محررة" من ادارتها، واقتطاع "شعب" أو "أمة" من الكيان السياسي والحقوقي المتصل. وتترتب "الطائفية" في سوريا ولبنان والعراق، وفي غيرها، على تسليح الطوائف الغالبة واللابسة زيّ "الدولة"، والمتسلطة باسمها.
ويروي معارضون سوريون كرد أن بعض "الامن" الاسدي دعاهم الى التظاهر الآمن في أيام الجمع على شرط ترك العلم السوري الواحد، والتلويح محله وبدلاً منه بعلم "حزب العمال الكردستاني". وذلك آنَ عبدُالله أوجلان، زعيم الحزب وأسير قلعة في عرض بحر استانبول، يفاوض الحكومة التركية على ترك حرب حزبه على الدولة التركية وجيشها ومناطقها المختلطة. وحمل مراقبون كثر عمليات "الكردستاني" الدامية الاخيرة على قيادة الحزب الطليقة والمتعاطفة مع الامن السوري والمتمردة على أوجلان وسياسته المعتدلة. ويُصدَّق رأي المراقبين هذا في ضوء نهج "القيادة" الاسدية في أثناء الاشهر الخمسة الاخيرة. فهي سعت في تقسيم السوريين طوائف ومذاهب. فاستجابت المطاليب "الفئوية": إعادة المحجبات الى التدريس، وغلق الكازينو "المنكر"، وتجنيس "الاجانب" الكرد في الحزام العربي، ورشوة الموظفين وبعض أهالي الارياف بعلاوات على الرواتب وبمساعدات عينية، وزيادة علامات الاستلحاق في امتحانات الشهادة الرسمية، وتخفيض سن تقاعد العاملين... وهذه اجراءات صريحة ومباشرة. وأما المطاليب السياسية والمشتركة، مثل حرية العمل السياسي وحرية الاعلام والاحتكام الى القوانين المدنية وإلغاء القيادة الفرعونية، فرد عليها رأس الجهاز المستولي بالتسويف و"التشاور" وبالقتل والاقتحام والخطف والاعتقال والتهجير، أي بحملة التطويق الاخيرة على قول ماوي سائر. فحيث يفترض الجواب السياسي، والتوجه الى السوريين على صفة المواطنين العامة والجامعة، يصيب البكم والعيّ رأسَ الجهاز وسياسته. وهذا مفهوم وجلي: شرط الجواب السياسي اطار الدولة الواحدة والمتماسكة والمشتركة. وهذا على طرف نقيض السلطان الاسدي. فإذا اجتمع السوريون، من غير انكار جماعاتهم أو اختلاف أحوالهم ومشاربهم، على وطنية سياسية مدنية وديموقراطية، دعاهم "النظام" الى الانفراط اسلاميين وكرداً ومعوزين ومتقاعدين وتلاميذ. فأما أن يكون السلطان الاسدي، العشائري والبيروقراطي، ركن "سوريا" وكتلتها ولحمتها ومسكتها وحده من غير شريك، وإما كان حُكم السوريين التفتت والتشرذم والاقتتال والعمالة. ولا لبس في خروج السوريين، والوطنية السورية، من أسر التخيير بين الامرين العقيمين.