السبت، 16 نوفمبر 2013

الحرب هوى الدولة... الخمينية والاسدية والبوتينية: "التاريخ العظيم" والحياة الضئيلة

 المستقبل11 تشرين الثاني 2013

 لم يطق، إذن، الوزير الخطير، والمفاوض المبارز والمناضل، والديبلوماسي "البطل"، محمد جواد ظريف، وهو جمع أمانة مجلس الامن القومي العامة التي يتولى المرشد الامام الوصاية عليها الى تفويض وزارة الخارجية، وهي من قطائع رئيس الجمهورية الاسلامية المنتخب، لم يطق الرجل الشك في حسن تعهده الامانة التي أوكله بها المرشد والرئيس معاً (عطفاً على مقالة "نوافذ" – المستقبل، في 20/10/2013). فخارت قواه، ودب الوهن في أوصاله، واضطر الى مزاولة الرياضة، البدنية والروحية على الارجح، والى التنبه اليقظ الى ما يوحي به مرشد "الثورة" الى حجابه الكثر، قادة الحرس الثوري وأسلحته ومفوضيه وقادة شرطة الباسيج الشعبيين وأعضاء المجالس (حراس الدستور وصيانته وتشخيص مصلحة الثورة والشورى والامن القومي...)، والمستشارين على مراتبهم، وآيات الله على درجاتهم، ووكلاء الاوقاف والأضرحة على عتباتهم ودويلاتهم وعوائدهم. والولي، وولايته تتطاول الى أحكام العبادة وأحكام المعاملات ويلي من الناس الوساوس والهواجس، يلهم حجابه ووسائطه وسفراءه آراء أو مقالات لا تحصى أوجهها ولا معانيها.
 القول في الرأيين
 فمن قائل أن المفاوضة على تخصيب اليورانيوم في نسبة 20 في المئة، وهي مدخل الى الـ90 في المئة العتيدة والموصلة الى السلاح "الاعظم" (بعد الايمان والتصديق والطاعة)، جائزة. وربما جائزة المفاوضة على موقع فوردو الحصين، وعلى موقع بارشين ومياهه الثقيلة، وعلى البروتوكول الاضافي وإقراره بحق الوكالة الدولية في زيارة المواقع بغتة ومن غير سابق إخبار. ومن قائل أن هذه كلها "خطوط حمر". ومن قائل مرة أن المفاوضة جائزة، ثم عائد في قوله الاول الى قول آخر ينفي ما "نقل" عنه. والمرشد ينفخ في القولين والرأيين، ولا يجزم في تفضيل أحدهما أو ترجيحه. وفي الاثناء، تستفيق بلدية طهران، الممتازة، على انتهاك شعارات "الموت لأمريكا" شارات ولافتات رسمية فتنزعها من غير رحمة، بعد أن ندد بها مندوب المرشد الاول الى قيادة القوات المسلحة في أثناء حرب العراق وإيران، الشيخ رفسنجاني، وأسند رأيه الى أثر نقله عن شيخه وإمامه، وندد بالمندد أحد قادة "الباسدران" السابقين وكذَّب الرواية عن خميني.
 وتدور حرب الروايات والاسانيد على "البطولة" الايرانية، أولاً وآخراً. فالسلاح الذري، أو الصناعة الذرية ومفاعلاتها الحلال والمفضية الى سلاح أعظم حرام، هو مناط "عظمة" إيران وعلامة استوائها "قوة نووية" وعالمية "مركزية" على ما لا ينفك ضابط الاستخبارات السابق في "الباسدران" ورئيس مجلس بلدية طهران من بعد ومحظي علي خامنئي في دورة الانتخابات الرئاسية الثانية (في 2005) وفي الدورة الاولى في 2009، والشاهد على نور المهدي، محمود أحمدي نجاد، يردد ويعيد. ويترجم رأي "الخامنئي" أو قضاؤه عن عقيدة "الامة" الايرانية العظيمة، وهوى شعب (أو شعوب) إيران، وإجماعه. وذلك على قول لا يشكك فيه معظم الصحافيين الغربيين. وإذا جهر 80 الى 90 في المئة من الايرانيين، في الاسبوع الثالث من تشرين الاول 2013، على زعم استفتاء رأي تولته هيئة محلية عن تكليف الشيخ حسن روحاني، تأييدهم نهجه هذا، ونشدانه "التفاهم" والولايات المتحدة على فك الحصار النفطي والمصرفي المالي عن النظام الباسدراني الساعي في صناعة نووية وصاروخية عسكرية، طعن المرشد في الاستفتاء وجوازه، أصلاً وفروعاً، حين متعلق الامر هو فتاوى الفقيه غير المعصوم وإيحاءاته الكثيرة.
 ولعل هذا ما رمى الوهن والضعف في ظهر الوزير وركبتيه. و"هذا" هو احتمال الغلط في تأويل مقاصد المرشد، وتالياً جواز الحياد عن صراط هذه المقاصد، وخيانة عظمة ايران الخمينية – الخامنئية، ومكانتها الاقليمية – الدولية التي تبوأتها منذ شرعت في رفع مداميك الصناعة المباركة (بيد الشعوب المظلومة والمستضعفة) واللعينة (بيد قوى الاستكبار وسلاطين الكفر والظلم). ويصدر جواز الخطأ عن أمرين كلاهما مؤتلف من أضداد يعصى فهمها سواد الناس والرعية: احتجاب مقاصد أو غايات المرشد (و"فريقه") وراء غياهب المعاني "الالهية"، وسُدُفها الخفية، وسمو المرشد ولغته على لغات العامة واستبطانه ما لا تدركه العامة،  ويستغلق على الجمهور (وحَمَل هذا أبا حامد الغزالي، في "فضائح الباطنية"، على التنبيه الى استحالة "الترجمة" عن لغة الباطن المكنون والخفي الى لغة الظاهر المشترك والمتداول إلا بواسطة لغة ثالثة، متداولة ومفهومة في اللغة العمومية من غير زيادة ولا نقصان ولا مرتبة خصوصية في الفهم أو العبارة...).
 وزعم خصوصية لغة الباطن لا يستقيم إلا بزعم الصدور عن الغيب ومرتبته المفارقة صدوراً لا توسط فيه. وآية الصدور المباشر هي الاعجاز: إعجاز الكون والحدوث، وإعجاز البقاء (في السلطة)، وإعجاز الانتصار (الحرسي على الخصوص)، وإعجاز المكانة "المحورية" والدور والنفوذ، وإعجاز اجتراح الآلات والتقنيات و"العلوم" بقوة وسليقة "ذاتيتين" وأصيلتين مستغنيتين غنى ناجزاً عن علوم الغرب وآلاته وتقنياته. ولا يقدح في الزعم لا تجارة عبد القدير خان ولا سرقات بيونغ يانغ. والحصار الخانق والشديد، وعمره الفعلي لا يتعدى السنتين الاخيرتين، و"العدوان" المزمن والرمزي والظالم على نحو "مذهل"، هما القرينة القاطعة على "استقلال" إيران الخمينية، وقيامها بنفسها ورأسها، أي بأود حربها الماحقة على أمريكا وقواتها وعلى مواليها من دول ومجتمعات متواطئة ومنقادة وأراضٍ حاضنة وخانعة. وقبل أن يقر وزير الخزانة "الروحاني" الجديد بأن الاقتصاد الايراني لم يحدث إلا زهاء 127 الف فرصة عمل أو وظيفة طيلة 8 أعوام ميمونة، وليس 7 ملايين على زعم جوق الترويج والدعاوة المتحلق حول ضابط "الحرس الثوري" السابق، وبأن احتياط الحزينة قريب من الصفر ولم يبصر السبعين ملياراً من الدولارات ولا في المنام- كان المذهب الرسمي، وهو لا يزال سارياً في ولايات الاطراف وقطائعها العراقية والسورية واللبنانية، أن الحصار والمقاطعة الغربيين واللئيمين هما فرصة إيران المبارزة وذريعتها الى الاكتفاء الذاتي، وانتاج ما يحرمها منه الغرب الآفل والمأزوم حتى الزوال والانهيار.
الحرب الكونية
 فلا تنتاب الحيرة الايرانيين الذين يوالون القيادة الحوزية – الحرسية إذا هم سألوا السؤال الاميركي الممض بين يدي الارهاب القاعدي والجهادي: لماذا يكرهوننا؟ فالجواب الواثق سبق السؤال الذي لا يطرح، أصلاً، في هذه الصيغة. وهو (أي الجواب): هم يستميتون في حربهم "الكونية" (بشار الاسد وجوقه) علينا لأننا أقوياء ومحوريون و"مفتاحيون" (فاروق الشرع سابقاً) ومنتصرون على الدوام، ومسلمون أولاً وآخراً. ويفترض الجواب العتيد، والثابت على مر الرئاسات وأطوار الايرانيين، في مرآة اقتراعهم المتقلب وظروفهم المضطربة، أن مصدر القوة هو "النظام" الخميني، وعسكرته الدولة والمجتمع، وتعبئته الايرانيين والاشياع المذهبيين في "مقاومة" عالمية حاسمة تدك حصون الهيمنة حصناً بعد حصن، وموقعاً بعد موقع. وتقتضي "المقاومة" – على معنى الحرب الكونية المنتصرة والمفروضة وعلى رغم هذا المزمنة الى قيام الساعة والفَرَج القريب والمنظور (ولا تخلو خطبة من خطب حجة الاسلام حسن نصرالله نصف الشهرية من ضرب موعد تقريبي لها) – دمج الامة والشعب في الامة والشعب، ودمجهما في المرشد وقيادته، واستواء المرشد "جنرالاً" عاماً على أمة مقاتلين، قتالها فرض عين على آحادها واحداً واحداً، وليس فرض كفاية على من يفون بالغرض ويكفون غيرهم بهاء القتال وجماله وروعته.
 ويشتري النظام الخميني – الخامنئي والحرسي ولاء مواليه الايرانيين و"العرب" والباكستانيين والافغان بأنهم "قوة"، على قولهم في احد اعلامهم العراقيين، أو بأنهم "الاقوى"، على قول أحد نوابهم اللبنانيين متواضعاً، والمنتصرون على "أعظم قوة عسكرية في المنطقة" وكاسرو "آحادية أميركا"...، وهم يجددون قيامهم على حالهم هذه، وبقاءهم عليها، من طريق مناورات تتسلسل لا إلى نهاية، وتُعمل أسلحة فتاكة وسرية تخفى أسرارها الدقيقة على العدو اللدود ولا تهدد مسالماً ساكناً ومحايداً، بالغا ًما بلغ حقده الدفين والاكيد على عظمة ايران و"مقاومتها". ولقاء هذا الثمن، أي التربع في سدة القوة المخيفة التي يحفها العوز والفقر والبطالة والاعتيال على مورد واحد وتحفها العزلة والشكوك وتضطر الى الكذب والايهام المقيمين لقاء القوة على الايرانيين ورعية "الولايات" و"الاقاليم" النزول عن أي رغبة أو شهوة غير شهوة السلاح المدمر وانتصاراته الموعودة، الماضية والناجزة والآتية لا ريب فيها، ونظام السلاح الحاكم. ومرض الوزير ظريف هو من ثمار تربية نظام السلاح، وآثاره في اجساد رعيته، خاصتها أو نخبها وعامتها أو محكوميها.
 وما قد يبدو تكهناً وتخميناً في سرائر وطوايا الشطر الموالي من الايرانيين والرعية الآخرين، الواسطة اليه هي مقالات المتسلطين عليهم وأعرافهم وأحكامهم وسياساتهم "السلطانية" أو الامبراطورية، يفشي نظيرَه وشبَهَه، أو نظائره وأشباهه، ما يقوله جهراً سوفياتيون سابقون، من قبل ومن بعد، في دولتهم ومجتمعهم، وفي أنفسهم، اليوم وفي أمس قريب. وجمعت سفيلتانا الكسْييفيتش، في نهاية الانسان الاحمر أو زمن الخيبة (على ما مر في العجالة السابقة) اعترافات ناسٍ عاديين، من أعمار وأحوال وبلدان وأهواء متفرقة. وبعضهم اختارته، وضربت له موعداً، وحادثته وحاورته، وسجلت أقواله أو دونتها كتابة على مرأى منه. وبعضهم التقتهم صدفة واتفاقاً في ساحة عامة، ومناسبة أو غير مناسبة، وطرحت عليهم اسئلتها. وهي تعرِّف أسئلتها سلباً: "هي ليست أسئلة عن الاشتراكية"، ثم إيجاباً "... بل (أسئلة) عن الحب والغيرة والطفولة والشيخوخة، وعن الموسيقى والرقص وحلاقة الشعر وآلاف جزئيات حياة مضت". وهي ترى أن هذه الاسئلة "تدرج الكارثة في اطار أليف، وتحمل على رواية شيء ما" (من المقدمة).
 ويسوغ هذا الضرب من الاسئلة اعتناق بعض السوفياتيين المثال السوفياتي في أطواره الاربعة (طور أو جيل ستالين، ثم خروتشيف، ثم بريجنيف، فطور غورباتشيف، على ترتيبها) اعتناقاً يستحيل معه سلخهم عنه أو انتزاعه منهم. فالدولة السوفياتية، شأن شبهها أو نظيرها الخميني الحرسي والاسدي "السوري"، "ًصارت عالمهم، وقامت مقام كل ما عداها، وحلت محل حياتهم نفسها. فلم يقدروا على مغادرة التاريخ العظيم، ولا وسعهم وداعَه، والخلودَ الى الهناء والرضا على نحو آخر، والمغامرة بالارتماء في أحضان حياة خاصة وشخصية...". وتخلص سفيلتانا ألكسْييفيتش الى قول مجمَل لا تستثني منه نفسها ولا من هم مثلها:" الحق أننا في قراراتنا أهل حرب وقتال".  
الحياة الخاصة والشخصية
 وتخالف الحال الروسية الاحوال الاسلامية والعربية في مسألة بازة ومتصدرة هي مكانة الحياة الخاصة والشخصية، ودورها في التصدي لهيمنة "الدولة"، أو الجماعة القومية والدينية الغالبة على "الامر" (أحكام السلطة الدقيقة والوريدية) كله وعلى وجوهه المتداخلة والمتشابكة. والحياة الخاصة والشخصية، في مرآة أقوال الروس في أحوالهم وحوادث تاريخهم ومنعطفاتهم- من الحرب الاهلية الى العهد الستاليني وتصنيعه وسحقه الارياف والقوميات وتصفياته ومعسكرات اعتقاله والحرب الثانية التي اهمل الاعداد لها وأرجأه-، تتخطى الصورة الغائمة والذاتية النفسية "فالعاطفية" المفترضة، وهذه ننسبها نحن أهل العربية الى مصطفى لطفي المنفلوطي المصري "وعبراته" أو الى جبران خليل جبران اللبناني المهجري و"أجنحته المتكسرة" و"عواصفه" و"دمعة وابتسامة"، الى أنماط علاقات وانتاج وتوزيع واستهلاك الرأسمالية ومنازعها المتفرقة والمختلفة. فإذا كان ترتب على اشتراكية "ديكتاتورية البروليتاريا" وبيروقراطيتها اللينينية والستالينية هوى جارف بـ"التاريخ العظيم"، وهو لا محالة تاريخ حروب حديثة وعلى شفير الابادة المتبادلة وهاويتها الرادعة (على قول استراتيجي متفائل وعقلاني)، صرف العزوفُ عن العظمة النووية، وسدتها الالهية على ما لا يشك أئمة الصلاة السابقون في قرى "أرياف" تبريز وأصفهان ومشهد وعبادان وغيرها، عامةَ الناس والرعايا الى التشاغل بـ"توافه" الامور.
 ولا يفتأ محاورو الكاتبة المدونة، ناقلة الحديث العامي وغير النبوي ولا الإمامي، من السوفيات أو الذين ينسبون أنفسهم طوعاً الى "الامبراطورية" البائدة، (لا يفتأون) يحصون علامات الانحطاط والأمارات الدامغة عليه في السلع الجديدة التي تدفقت على السوق الروسية حال فتح منافذ في جدران الحزام الامني والعسكري والاقتصادي والذهني السوفياتي. فالمقانق، الى الجينز بديهة، وماركات السجائر الغربية والملابس المُعْلَمة الداخلية و"الخارجية"، والبرادات وأجهزة التلفزيون والمسجلات (قبل الهواتف الخليوية وفروعها الكثيرة والمتجددة) والسيارات وشقق السكن، والطائرات الخاصة للقلة المتربعة في الذروة الضيقة، هذه السلع، أو الكماليات أو المعمرة على ما سميت في خمسينات القرن الماضي، يرميها القوم السوفياتي، والمقيم على قوميته أو عصبيته، على نحو ما يرمي الشاتم الشتيمة أو البصقة في وجه مشتومه.
 ويعوِّل الناقم، أو الناقمة، على تصاغر السلع الضئيلة والتافهة وتلك التي يحسبها ضئيلة "بذيئة" (مثل "كيلوت" النساء وصداريتهن) بإزاء الانتصار على "النازية" وعدد قتلاه والصناعة العسكرية التي صنعت دبابات ت-55 وت- 62 وت -72 (التي تصب حممها المدمرة منذ نحو 30 شهراً على السوريين وقراهم وبلداتهم وأحياء مدنهم)، ثم حاكت القنبلة الذرية فالهيدروجينية والنيوترونية والقاذفات الاسراتيجية وحاملات الطائرات والغواصات. فـ"المواطن السوفياتي"، والعبارة خُلفٌ أو تناقض يسعى في القول، يرى سند العظمة في حصاد الحروب، الداخلية والخارجية "الوطنية"، من القتلى، وفي المهابة والاحترام اللذين يشعان من بلد نهض بهذا الحصاد المروع، واستأنف سيرته في قوات مسلحة تسليحاً ثقيلاً ويفترض ساحقاً (ولم يربح المتسلحون به حرباً كبيرة واحدة منذ الحرب الثانية).
 ويساوي الناقمون "السوفياتيون" الحريةَ – أو الحريات المدنية والشخصية والسياسية التي جبه بها بعض انصار غورباتشيف ثم يلتسن النظام الحزبي والعسكري (الستراتوقراطي، على قول كاستورياديس في ثمانينات القرن الماضي) السوفياتي – بهذه السلع "الوضيعة". فتتردد على ألسنتهم المعارضة القديمة، الغربية ثم السوفياتية، بين "المدافع وبين الزبدة"، كناية عن صرف الاستثمارات والموارد المالية والانتاجية والبشرية إما الى الصناعة الحربية وإما الى الصناعات الاستهلاكية والمعيشية. وكنى منكرو سياسة خروتشيف، في خمسينات القرن الماضي وأوائل العقد اللاحق، عن ازدرائهم سعي خالف ستالين في تقييد الفريق العسكري والصناعي الراجح والمهيمن وفي إيلاء انتاج السلع الاستهلاكية "الغولاش"، باسم النبات الغذائي الذي حض أمين اللجنة المركزية يومها على زراعته والعناية به. وإذا اثمرت "الحرية" التي دعا غورباتشيف الى تحكيم بعض معاييرها في سياسة الدولة السوفياتية ونظمها "المنزلية" والخارجية، وأعمل بعض أحكامها في تناول التاريخ السوفياتي وأبنيته الامنية والسياسية والثقافية، انحلالَ النظم هذه، حمل الناقمون الانحلال، والفوضى المروعة التي تفتق عنها، على "حرية" غايدير وتشوبايس السوقية الرأسمالية، وعلى زيف نشدان الرفاه و"تدبير الملذات" و"هَمْ ذاتِ النفس"، على ما وسم ميشيل فوكو بعض اعماله الاخيرة والمنشورة بعنايته. ومال هؤلاء الناقمون والمقيمون على "الحياة السوفياتية" والحنين اليها، الى وصم ما يحيد عن "المدافع" الى "الزبدة" بالخيانة والوضاعة.
 وتقوم معارضة "ضعف" الانسان، على وصف قرآني، وميوله الانانية والدنيوية السلعية والسوقية المستوردة في لغة العصر التي يتوسل بها الشيخ حسن روحاني وأنصاره الى انتقاد سلفه وتبديده 750 مليار دولار- تقوم من عظمة السياسة والولاية "العادلة" والعالمة الخمينية والامامية مقام الركن. وأنكر آية الله المنفي الى النجف بالعراق، في محاضراته في الحكومة الاسلامية أو ولاية الفقيه (1969)، على علماء الدين التلهي بأحكام "الحيض والنفاس" عن أحكام الولاية والسياسة والسلطان، وتركها الى الحاكم المدني الكافر والفاسد حكماً وطبعاً. وتابعه محمد حسين فضل الله وغيره على ركنية معارضته، وعلى انكاره وطعنه على العلماء القاعدين (عن الجهاد) والساكتين (عن الظلم). فعدوا الضعف كفراً أو بمنزلته. وحملوا طلب "الحاكمية"، ووضعها موضعها الالهي الاصيل، والصدور عن هذا الموضع و"تحريك المواضع والبؤر المعادية للاستكبار" والجهاد في هذا السبيل، (حملوا هذه) على انتهاج "منطق القوة" في القرآن والاسلام الصحيح. وتمجيد "الشهادة" و"الجهاد" و"خط الرسالة" و"سادة قافلة الوجود" (على قول الجماعة الخمينية المسلحة بلبنان في بعض قتلاها المعممين الاوائل) إنما هو الوجه الظاهر والسائر من العقيدة الحربية والعسكرية التي تختصر الاجتماع السياسي، او الاجتماع كله، في "المدافع" أو القوة النووية والرعب الذي يلقيه "الحرس الثوري" في قلوب الاعداء ("والاصدقاء"؟).
 النساء
 فليست "الحياة الخاصة والشخصية"، وهي في مناقشات واعترافات محادثي ألكسْييفيتش تشمل اختبار الصداقة والحب والدراسة والمهنة والموسيقى والقراءة ومحل الاقامة والسكن وروابط الاسرة والسفر وغيرها مثلها وائتلافها في سيرة مختارة على مقادير متفاوتة، هي قطب الاختيار الثاني في الحسبان الايراني أو الخميني الرسمي. ففي مقابلة الحكومة أو الولاية، أو سياسة الحرب، وعلى خلافها و"نقيضها"، ليس ثمة إلا ضعف الحياة الحيوانية التي تمثل عليها النساء وأحوالهن أي أحوال أجسادهن الوظيفية والطبيعية. وحين أراد خطيب الجماعة الخمينية (اللبنانية) المسلحة التنديد بسياسة رفيق الحريري الاقتصادية، في 2002 – 2003، خاطب الحكومة بالقول: تخلينا لكم عن شؤون الطحين والمازوت وقبلنا تحمّل أعباء المقاومة فأسأتم التدبير (على خلافنا، ضمناً). وعلى هذا، عاد الخطيب نفسه، غداة 2008 وأيامها المجيدة، الى القول أن في مستطاع حزبه المسلح، و"يحهم"، حكم بلد "مئة مرة أكبر من لبنان"، وهو يفهم الحكم شأن مرشده ولاية أمنية وعسكرية واعتقادية على رعية تفترض سادرة في ضعفها وملذاتها ولهوها، وشأن حليفه وصديقه السوري المتربع على القلوب المحبة والنابضة على إيقاع "السياسة الخارجية" التي ينتهجها على خطو والده المظفر (في لبنان وعليه وفي حلب وحماة في وقت قريب).

 والروس الذين توجهت عليهم الكاتبة بأسئلتها، وتمضِّهم خسارة القوة السوفياتية المهابة والقاتلة في الداخل والخارج، لا يجهلون ما لحقهم وحل بهم وبأصدقائهم وأصحابهم وأقاربهم بذريعة سياسة القوة هذه، وعماها وتهورها في احيان كثيرة، وازدرائها حياة البشر وحقوقهم وكرامتهم. ولكن "التاريخ العظيم" وتصديق المشاركة فيه من طريق الاقبال على الموت، والانقياد للحض عليه، وتمجيد المشيرين به و"جنرالاته" وسدنته، يرمي ستارة سوداء على دلالة الوقائع. فيحشرها في باب "الثورة المضادة" أو باب "الفتنة". وفي الاحوال كلها يخرجها من إطار الحياة السوية والكريمة. وإذا برز عدو لا يقل استماتة وشهوة سلطة، و"عظمة" مطلب ومعتقد، شأن مقاتلي "القاعدة" وأشباههم الاسلاميين، تعرف الحرسيون، ومعهم "قوات الدفاع الوطني" و"المقاومة الاسلامية" (الخمينية – الخامنئية) والخبراء الروس، على عدوهم الذي يليق بهم ويليقون به. فساحات حروب هؤلاء وأولئك ومسارحها تدعو الى الابادة والقتل الذريع. ومرض الاجساد والنفوس أضعف الايمان. 

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

مرض الوزير الباشكاتب حين أشكلت عليه إرادة المرشد المبرقع

المستقبل 20/10/2023

قرأ احد ابرز السياسيين الديبلوماسيين في ايران، السيد محمد جواد ظريف، وزير خارجية الرئيس الجديد والمنتخب في الدورة الاولى بعدد اصوات ساوى ما جمعه منافسوه جميعاً، وهم بعض أبرز سدنة الجمهورية الخمينية الامامية الاثني عشرية، على ما اثبت دستورها بالحرف- قرأ في صحيفة "كيهان" شبه الرسمية عنواناً أول (مانشيت)، عريضاً ومفصلاً، يبلِّغ الجمهور على الملأ أن الوزير أقر بأن المحاورة الهاتفية بين الرئيس الشيخ حجة الاسلام حسن روحاني وبين باراك أوباما، الرئيس الاميركي الخامس والاربعين، والاول على وشك الاقلاع من مطار نيويورك قافلاً الى إيران، "لم تكن مناسبة"، وأن "المحادثات الطويلة" بينه وبين محمد جواد ظريف وبين جون كيري، نظيره الاميركي، "خطأ في خطأ". وطُبعت إدانة حسن شريعتمداري في صدر الصحيفة اليومية في 8 تشرين الاول، الشهر الجاري، غداة عودة الفريق الرئاسي الديبلوماسي الايراني "منتصراً" من دورة هيئة الامم المتحدة العامة، الثامنة والستين، والخطابة فيها.
وفي الاثناء أو قبلها بقليل (في 6 تشرين الاول)، التأمت لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الايراني، وناقشت تقريراً أعده وزير الخارجية العتيد، تناول فيه رحلته ورئيسه الميمونة والمظفرة الى مدينة مقر الامم المتحدة. وتعد اللجنة بضع عشرة نائباً شوروياً، بينهم حسين نقوي حسيني، وهو من السادة على ما ينم اسمه أو تنم أسماؤه. وفيهم، حكماً، رئيس اللجنة، الثابت في رئاستها ثبات رفسنجاني في بعض رئاسته، الشيخ بروجُردي، وهو من وجوه "النظام" البارزة. وإليهما، ثمة منصور حقيقت- بور، نائب رئيس اللجنة، والمتغيب عن الجلسة على الاغلب. فلما قرأ الوزير عناوين "كيهان"، وهي صحيفة على سبيل المجاز مثل بعض الصحف المحلية الهستيرية وورقة تبليغ أمنية وإدارية في غد وشيك إن لم يكن اليوم، كتب على حائطه في وسيلة الاتصال الاجتماعي الاشهر، "فايسبوك"، أنه أصيب، في اليوم نفسه، بـ"ألم شديد في الظهر والساقين (أم الركبتين؟) و(عجز) عن المشي أو الجلوس"، فاضطر الى إلغاء مواعيد واعدها في مقر وزارة الخارجية.
ولكن "4-5 ساعات من الإخلاد الى الراحة لم تعالج المشكلة"، على قوله. فذهب الديبلوماسي القلق والمرهق من محادثاته الطويلة مع وزير شرس على شاكلة جون كيري، وهي دامت نحو 45 دقيقة أو 2700 ثانية (على ما كان الجنرال الرئيس إميل لحود أحصى)، الى المستشفى وعرض جسمه، أو بالأحرى نفسه المعذبة على آلة تصوير بالرنين المغناطيسي، وليس على آلة تصوير بالاشعة السينية العامية والتافهة على نحو ما تصنع العامة الآمنة من تحريض "كيهان" و"مانشيتاتها" المدمرة. فأفشى الرنين المغناطيسي سر الالم الشديد في الظهر، وهو آية الصلابة والتماسك والسند، وفي الركبتين، وهما من آلات الرجولة والثبات في أبدان المحاربين الفرسان. وقال (الرنين): ان مشكلتـ(ك) سببها إرهاق وتشنج عضلات". وعلى غرار العرافات والعرافين أو الكاهنات والكهنة، أوصى أو أمر الرنين العائد من نيويورك غازياً (على قول أنصار طيب رجب اردوغان في بطلهم حين عودته من دافوس في 2009 ومقاطعته شمعون بيريس الاسرائيلي بالمعالجة) "بواسطة مزاولة الرياضة".
وتطرق المفاوض الحديد(ي) الى الجمل الأربع التي صدرها حسين شريعتمداري "حميم" المرشد آية الله العظمى والسيد حاج آغا (وهي ألقابه المضمونة) علي خامنئي الموسوي، ووكيله على رأس "كيهان"، ولسانه في القضايا القومية الكبيرة مثل "قضية" البحرين وإيرانيتها التاريخية صحيفتَه، فلاحظ هادئاً ومنصفاً، أن "ساعة ونصف الساعة من المحادثات الجدية والصريحة والخاصة (لا تلخص) بأربع عبارات لا يتماشى مضمونها مع ما (قاله)". ويلوم صاحب الحساب "الاتصالي" من "يقضون من تلقاء أنفسهم في نزاهة (الآخرين)"، ويدعون ولاءً خاصاً للمرشد، وصدوراً عن إرادته وإدانته المفترضة. ويختم المفاوض المؤتمن على بلوغ أجهزة تخصيب اليورانيوم في الخنادق الجبلية الحصينة بفوردو بعد نانطنز عتبة الخصوبة النووية العسكرية بقول عميقٍ عمق المراوغة والمكر "الإلهيين" والخامنئيين استطراداً وفيضاً: "ألم يبن لهم أن المرشد، لو أراد، لكان أعرب عن موقفه واضحاً من غير لبس؟".
وهذا بيت القصيد. المرشد ومقاصده وعزائمه ومسالك إبانته عن هذه وتلك. والمرشد من لحم ودم، وجُبِل من طين ولم يجبل من نور، على قول أثر من آثار "المعصومين" في جبلَّتهم هم الاثنا عشر المكتوبون بنور أخضر على قائم العرش. وهو حاضر، ملء البصر والعين، وكلامه ملء السمع، وبلاغته ملء العقول والصدور والافهام. وحضوره أو شهوده، في لغة القوم ومصطلحهم، يحمله السفيرُ الدولي الايراني والمفاوض القديم الذي يتذكر الامين العام لجامعة الدول العربية المغمور نبيل العربي لطفه ودماثته (وجه "المرونة" من "المرونة البطولية")، على غيب أو غيبة تنطوي على معاني لا يسبر غورها. فالغالب على الشاشات البيض ومحطات الاذاعة والمواقع الالكترونية من غير منازع، والخارج على الدوام منتصراً من الاشتباكات الانتخابية الايرانية و"ليل نقعها" حين لا شمس ولا قمر إلا جبين المرشد ووجهه الصبوح، هو نفسه لم يستبن لأقرب المقربين إليه، وهم ألسنته وأذرعته وأعصابه وهم "عيناه" (خميني في "الباسدران")، ما أراده، وما بيَّنه، وما تعمد الإغماض فيه والاشارة، وربما الجمجمة على طريقة عرف بها الاعاجم على زعم العرب قبل الشعوبية.
والمناقشة في "إرادة" المرشد ومعاني "بيانه" كأنها عود على بدايات الكلام الاسلامي:" فأراد (هل أراد الله) أن يُعصى؟"، سأل واحدهم وقد وقف في مسألة حرية المخلوق في ارتكاب المعصية والله خالق السماوات والارض وحوادثهما، وذهب ضمناً الى أن حمل المعصية على الخالق، وتحميلها المخلوق، خُلف أخلاقي لا يحتمل. فرد الآخر: "أفعُصي كارهاً؟"، مرغماً ومضطراً وهو الجبار وقاهر الجبارين، على ما ذكرت بيانات "الجهاد الاسلامي" حين ابتدأ "الجهاد" العتيد، في 1985، جهاده الإلهي فخطف فيمن خطف ميشال سورا، المستشرق "البشع"، والمنكر جبروت القاهر، والحاجب نور العرش بيده. والسؤالان وجهان جدليان لاستحالتين متماسكتين منطقياً، وتماسكهما قرينة على خلوهما من قضية يقضي فيها الرأي من طريق التجريب والاختبار.
والرأي أو الحكم من طريق التجريب والاختبار في إرادة المرشد وقصده، في مسألة المفاوضة على السياسة النووية والعسكرية الايرانية، ممتنع أو مستحيل أو متناقض، على رغم أن الفقيه وولي "المسلمين" وأمورهم حي يرزق، ويستعجل فرج إمام الزمان مثلنا كلنا وهو يصرف الامور الثقيلة، مثل محمد خاتمي ومير حسين موسوي وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني وغيرهم مثلهم، نيابة عنه. والقرينة الدامغة على جدلية المقاصد الخامنئية، وإيجابها أو إثباتها الحقيقة في الضدين والرأيين، هي تملص "الواقعة"، موضوع الاختبار والتجريب المفترضين، من الرواية والخبر. فما دار أو حصل في لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في 6 تشرين الاول من عام السعد 2013 (م)، ودام ساعة ونصف الساعة، على أحد قولين، وحضره الوزير والنواب الشورويون وفيهم حسن نقوي حسيني ومنصور حقيقت- بور، يعصى الرواية المحكمة، على ما يقال في التفسير أو على ما قالت المعتزلة، ويترجح أو يتعثر في الرواية المشتبهة، على قولهم كذلك. فيصر مخبر "كيهان" ومدارِها الشرعي، النائب حقيقت-بور، على ان وزير روحاني قال ان المحادثة الهاتفية بين الرئيسين غير مناسبة وأنه، هو الوزير، استرسل في محادثة نظيره الاميركي اللعين واستمرأ. ويصر النائب حسين نقوي حسيني، الناطق باسم اللجنة، على "ضعف" الخبر الكيهاني، والشريعتمداري تالياً، والخامنئي من بعد لو جاز الرفع الى "الحلقة" الاولى او السبب غير المشروط.
وهذا ليس لاهوتاً، بل هو ناسوت خالص على قول حسن قبيسي. وهو ناسوت، على معنى لاهوتي، أي "طبيعة" بشرية وإنسية، وجسد من لحم ودم وعظم وأعصاب، مرة أخرى. فإنكار المنكرين، من نواب شورويين سمعوا بآذانهم ورأوا بأم العين، وتصديق المصدقين وهم شأن المنكرين سمعوا ورأوا، على قول الانجيلي، هذا الانكار أنزل "المرض" والوهن في معاون الرئيس الايراني على تصريف الشؤون والعلاقات والعداوات والحروب الخارجية. فمرض الرجل- وهو صاحب رجال أشداء خاضوا بحوراً من الدماء والاشلاء في العقود الثلاثة ونصف العقد التي انصرمت منذ شباط 1979، وقتلوا وقُتلوا واغتالوا واغتيلوا، ونصب أعينهم منذ عقدين من الزمن تقريباً امتلاك السلاح "الاعظم" والقاضي في "القرار الاخير"- حين أذاعت صحيفة "يحجب" صاحبها أو مديرها بابَ المرشد أو الولي، ويميط بعض الحجاب عن مكنون سره وإرادته وقصده.
و"مرض" محمد جواد ظريف، التقني ووزير التدبير والتنفيذ من غير تكليف (وهي أبواب من الاحكام السلطانية نبهت اليها مقدمات رضوان السيد في "التراث"، من غير تخصيص)، سبق أن تناوله أحد الأناسين الفرنسيين الاوائل، مارسيل موس، في عشرينات القرن العشرين. وخصه ببحث فحص عن موت (لا قدر الله!) أناس استراليين أوائل أو أصيلين، من بعض قبائل أهل البلاد، يقودهم الى حتفهم حسبانهم أو يقينهم بأنهم "ملعونون"، وأن لاعِنَهم أفلح في استمالة قوة سحرية نافذة الى جانبه. فلا جدوى من مقاومة الإصابة ومعاندتها، ومن التمسك بأسباب الحياة والبقاء على قيدها. فينتحي الموقن باللعنة ناحية من قرية قبيله وأهله، ويقطع أواصره وروابطه بهم وبمعاشهم، ويقلص حركاته وسعيه الى أقل القليل. وينقطع من الصيد والحرب والكلام والطعام والمخالطة، ويقبض تنفسه، ويثوي على احد جنبيه، ويغرق في سبات عميق لا يشبه "نعاس" الموت بين الاهل، على زعم جبور الدويهي في أقاصيصه الاولى.
ولا يصدق القول في الميت لعنةً أو ملعوناً انه انتحر، أو أنه قتل نفسه عمداً. فـ"الانتحار الغيري"، على خلاف "الانتحار الأناني"، على ما سماهما إميل دوركهايم (خال مارسيل موس قرابةً)، مشروط بفعل معلوم النتيجة هو الارتماء فيما يؤدي الى موت محقق مثل تفجير حزام ناسف أو سيارة مفخخة... أما الميت ملعوناً فيدخل سيرورة بطيئة وطويلة تُسْلمه الى ثأر لاعِنه، وقوة سحره المميتة، من سبل أو طرق لا علم له بها. فالفاعل، في هذا المعرض، خفي القصد والارادة، تلفه غيبة تحجبه عن الافهام والتعليل. ولا يستقيم الخفاء والغيبة والحجاب إلا في إطار "عالم" أو "دنيا" خلقهما خالق مفارق تلتبس معاني خليقته، وبالأحرى أن تلتبس معانيه هو، على مخلوقاته الفاهمة والعاقلة. فمدحت كتب آداب السياسة "المدنية" المدونة بالعربية والمتداولة في مجتمعات غلب عليها الحكام المسلمون، وهي معظمها فارسي، حسن غوص الوزير على معاني الحوادث المشتبهة والحيل التي جبلت منها، وجبل منها البشر وشؤونهم.
والوزير ظريف، شأن ملايين من المريدين المقاتلين ("المبارزين") وغير المقاتلين، يسعى بين ظهراني اجتماع سياسي موكول به التشابه. وعموم المتشابهات يحمل "الناس"، المريدين والانصار والباسدران والباسيج والمتحزبين، على قطع الأنفاس بين يدي المحتجب أو المبرقع، وهو اسمه في إحدى قصص بورخيس أو "خيالاته". فهو الفقيه، العارف، وهو ولي العمل أو الأعمال. وهم، المريدون والأنصار...، يضبطون أعمالهم على إرادات ومقاصد يختلفون على تفسير متشابهها، ويقتتلون فيه. والمبرقع "يمسك" عالم المريدين والانصار والجنود "أن يسوخ"، على قول محمد بن علي الباقر، ويلحم نثاره وشراذمه في اجتماع أو مجتمع. فلا يدين أهل هذا المجتمع، "الإمامي"، لإمامهم ومرشدهم ونائب صاحب زمانهم ونبيهم "المستمر"، بلُحمتهم وحسب، بل يدينون له بـ"كيانهم" أو "كينونتهم". فهم "نحن"، وليسوا هملاً وعمى وفوضى من غير هوية ولا مرجع تقليد وضبط وفهم وعمل، من طريقه. فإذا اختل فهمهم إرادته، أو حسبوا أن فهمها اشكل عليهم، "مرضوا" و"ساخوا": ضعفت ظهورهم واصطكت ركابهم، واستحال عليهم تقرير ما قيل وما لم يقل، وتبلبلت ألسنتهم في انتظار تصدي المرشد الإمام العدل لتقويمها.

وبعيداً من طهران ونيويورك، على المنقلب الشرقي والشمالي من الهضبة الايرانية وما يليها من بلاد القوقاز، روت البيلاروسية (الروسية البيضاء) سفيلتانا ألكسييفيتش، وهي روسية الاقامة والرحلة والعمل (الأدبي والصحافي) سير مئات من أمثاله أو أشباه محمد جواد ظريف، على هذا القدر أو ذاك من الشبه والمثل. ووسمت كتابها بـ"نهاية الانسان الاحمر أو زمن الخيبة" (بالفرنسية، عن "أكت سود"، باريس، 2013، أيلول، وطبع بالروسية في السنة نفسها، بفروميا، موسكو). وفي أخبار سفيلتانا ألكسييفيتش يموت نساء ورجال كثيرون، على شاكلة موت "ملعوني" مارسيل موسل الاستراليين، اشتباهاً وإشكالاً وفهماً مستوحداً، إذا جازت العبارة، غداة موت ستالين فعلاً، وانهيار المجد السوفياتي والامبراطورية والوطن، وحسر التاريخ برقعه ولثامه عن بحور دماء وجبال اشلاء امتنع صرف معناها أو استغلق. وقد يستحق هذا فصلاً آخر أو عجالة أخرى.
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=591536

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

تهمة الكيمياء غير المردودة

المستقبل، 23/9/2013

حسب الرئيس الروسي البوليسي، فلادمير بوتين، أن في مستطاعه إبراء ذمة حليفه ومولاه ودخيله (أو محميِّه) الرئيس السوري، بشار حافظ الاسد، من محرقة غاز السارين بغوطة دمشق الشرقية، في 21 آب (أغسطس)، قبل أيام قليلة من صدور تقرير لجنة تحقيق الامم المتحدة في استعمال الأسلحة الكيماوية. وأعلن رجل الاستخبارات السابق، وبطل "أيام" غروزني وبيسلان ومسرح بطرسبورغ ومجازرها، براءة مولاه في صدر صحيفة أميركية "كبرى" أهدته موقع افتتاحياتها. فقبل الهدية، وأقبل عليها إقبال النهم، الطفيلي الأشعبي، على مآدب الأعراس والأتراح. فمدَّ يديه وقدميه، ولم يقتصر على دفع التهمة عن "زبونه"، ومَدينه المثقل بديونه القاتلة. فمضى على تجريم السوريين المقاتلين في الغوطة، وجزم بإدانتهم ومسؤوليتهم عن قصف الضاحية الريفية القريبة بالغاز المميت، وبصواريخ أرض – أرض، وهي تشير زوايا محركاتها، أو بقيتها، المغروسة في الارض، إلى اطلاقها من هضبة قاسيون ومخازنها الحصينة، على ما لاحظ مراقبون ومصورون قبل ثلاثة أسابيع من تقرير التحقيق الاممي.
 ولا ينتهك استعجال التهمة وصدورُها عن الاتحادي الروسي الاول ورأس الفيديرالية الامني المزمن، دعوةً روسية ديبلوماسية الى الأناة، وانتظار ختام التحقيق، والاتعاظ بسابقة خان العسل واشتباهها وإلقائها بعض الشبهة على مقاتلين إسلاميين، وحسب. فالاستعجال يضرب عرض الحائط بكل هذا معاً، ولكنه ينم على نحو صريح وصارخ بسياسة بوتينية و"سوفياتية" راسخة وأصيلة انتهجها عقيد الكي جي بي في معالجة قيام الشيشان على استبداد موسكو وصلفها واحتقارها "الوطنيين المحليين"، على ما سمت القوى الفاتحة والاستعمارية كلها أهل البلاد المستعمرة الاصليين، و"إدارتهم" إدارة كولونيالية لا تتورع عن الاستئصال. واستوى في هذا الصنف من "الادارة" الاستعمار الهولندي وصنوه البرتغالي ووارث الاثنين الانكليزي والمنافس الفرنسي فالألماني. ولم يقصر "الوجود" السوري في لبنان، ولا قصر "ضحايا (الفلسطينيون) الضحايا (اليهود)"، بحسب عبارة إدوارد سعيد الخالدة، في المضمار. والعمائم الخمينية والحراب الحرسية  تسوس البلوش وأهل سيستان بما هم أهل له جزاء ضلوعهم في سفك الدماء الزكية وقتل المظلومين...
 فأعمل "القيصر"، أو قيصرون، في بلاد الشيشان- عدا القصف بالمروحيات المدرعة والمصفحة وهي من مفاخر الصناعة الحربية المحلية، وهدم البيوت على رؤوس الناس والاعتقال الجماعي، والتعذيب المدمر، والخطف والاغتصاب والتهجير- أعمل سلاحاً ماضياً يكاد يكون "ميتافيزيقياً"، على قول لورنس في سند الدعوة الشريفية المجازية الديني، هو حمل الثائرين على القهر الروسي على ارهابيين أصوليين وسفاحين إسلاميين. وسوغت التهمة ، وهي نظير تهمة الادارات الاستعمارية العسكرية المحاربين الاهليين بالتوحش او على وجه التخفيف والتلطيف بالبربرية، حرب الابادة على بلاد الشيشان، واستعمال "المولى" قديروف ولجانه وقوات دفاعه الوطني على الابادة، وندبه من بعدها الى إنهاض غروزني العاصمة من أطلالها وأنقاضها، وإطلاق يد قديروف الشاب في اغتيال صحافيين محققين روس في مقدمهم أنَّا بوليتكوفسكايا. وبعثت الحرب البوتينية، وبعض فصولها المصطنعة والبوليسية وفصلها "الوطني والمحلي" الاهلي الاخير، في صفوف الحركة الوطنية الشيشانية إرهابيين حقيقيين وقاعديين أصيلين.
 وهذا نهج قلما يخطئ دلالةَ المستولين وأهل القوة العارية الى الحروب الاهلية، والغرق في رمالها وأوحالها المتحركة والمعتمة. وبوتين لم يبتكر هذا النهج. وليس بشار حافظ الاسد السائر الاول على خَط أو طريق أهل السابقة. وهو خالفُ حجة في الحرب على الظلاميين المبتدعين وفي فقه هذه الحرب، ومعاصر أحد أئمة هذا الفقه وآياته وحليفه الصدوق. وحين تلجأ مساعدة الرئيس السوري، الدكتورة اللغوية والألسنية بثينة شعبان، الى رواية المحرقة الدمشقية على طريقة "ألف ليلة وليلة" فرنكشتينية ودراكولية (قالت: الارهابيون التكفيريون الوهابيون أغاروا على قرى ريف اللاذقية وطرطوس، في 20 آب أو قبله بقليل، وقتلوا 1428 نفساً من السكان، العلويين، ونقلوهم الى الغوطة، وكفنوهم هناك بأكفان بيض وصوروهم، وقالوا انهم قتلاهم، أي صرعى بشار الاسد وحلقة ضباطه القريبة، حين هم ضحايا الارهابيين الخليجيين)، فهي لا تنافس بعض الروائيين "اللبنانيين – الفلسطينيين" فحسب، وتبزهم في مضمار التراث والابداع، بل تلقن أحد سادة التجسس الروسي سابقاً على ألمانيا، والمنصور على الشيشان، درساً في التخييل والإصعاد في معارج الغرابة والعَجَب.
 وتوسل غيرُ مشكك في مسؤولية الرئيس السوري عن محرقة السارين بالغوطة بحجة حسبها لا ترد: لماذا انتظر المقاتل الشريف، على ما قال أبوه في نفسه، والمستقيم عشية قدوم لجنة تحقيق أممية الى دمشق ليقصف الارهابيين الوهابيين، وبعض أولادهم (426 من 1428) ونسائهم، بالغاز المميت؟ ألا يدل الامر على غباء تكذبه إدارة "الملف اللبناني" في 2000-2005 ثم 2005 – 2013؟ ومجابهة المحكمة الدولية المختلطة في قضية رفيق الحريري والقضايا المتصلة الاخرى؟ وخلافة الجماعة الحرسية والخمينية المسلحة على الادارة العتيدة والبارعة؟ وغيرها من بينات الذكاء وآياته التي لا ترد. والحق أن التسليم بمنطق المناقشة، حين يتولى تقصٍ مادي التحقيق والفحص والتثبت، مضيعة وقت لا طائل منها.
 ولكن الداعي الثقيل والمرير الى القلق والحزن هو استحالة الرد على مزاعم العين (الجاسوس) والمشيرة الدكتورة بالقول: القتل بالسارين، أو بغيره مثله من آلات القتل الخسيسة والارهابية، ليس من شيم أي فريق من فرق المعارضة أو الثورة (على المعنى الحرفي) السورية، وهو وقف على قوات "العصابة" وأعوانها. والرد على هذه الشاكلة، أي بإطلاق، مستحيل حتى لو ثبت أن المواقع الـ14 التي ذهب تقرير التحقيق الدولي الى ان سلاحاً كيميائياً استعمل فيها ليس فيها موقع واحد يتحمل فريق من المقاتلين التبعة عن استعمال السلاح فيه. فالحق أن في صفوف المقاتلين المتفرقين والمختلفين، ومن ينسبون الى "الثورة" أو ينتسبون إليها، ولم تكذب بعض تظاهرات الأهلين نسبتهم وعلاقتهم حين ظهرت فرق "المسوِّدين" بجوار باب الهوى قبل عام وبعض عام- من استجابوا النهج الاسدي والبوتيني والحرسي، وولغوا فيه، وساروا عليه.
 وحين طرحت على "ثورات" عربية سابقة، مثل الفلسطينية وربيبتها اللبنانية ("الوطنية" أو العروبية) واليمنية قبلها وبعدها والجزائرية قبلها كلها والعراقية اليوم (!)، مسألة الطوارئ والاستثناء العرفي أجمعت هذه "الثورات"، وأهلوها ومناضلوها، على ازدراء المسألة، وانكار حقها في المناقشة وحظها من التشاغل. وحُملت الانتهاكات، وهي لم تلبث أن انقلبت نهجاً معتاداً وسائراً، على استثناءات ظرفية ومؤسفة قبل أن يرمى بالمسؤولية عنها "مستوى وعي" المقاتل العادي، وإرث القمع والاستغلال الماضيين، وعنف العدو وشراسته، والطائفية التي خلفها الاستعمار وينفخ فيها عملاؤه، و"النيوليبرالية" المتوحشة والمتربعة في سدة العولمة، والحاجة الى المَدَد الخارجي... ولم تشذ "الثورة" السورية، وعلى الاخص في فصلها الثاني غداة تدمير قوات الاسد باب عمرو بحمص، عن السنن العربية الموروثة. ويتفق هذا مع تعهد حركات الاحتجاج المتناثرة قادة طارئون ومرتجلون، تساقطوا من الابنية الاجتماعية في اثناء انحلالها وتصدعها الطويلين قبل الانفجار، ولم "تهذبهم" أو تؤدبهم وتعركهم حياة سياسية مجربة.
 وهذا وغيره مما يتداوله، منذ بعض الوقت، كتاب سوريون متكاثرون، أو أتاحت "الثورة" نشر كتاباتهم على نحو ما دعتهم الى الرأي والكتابة والعلانية، صحيح. فإذا اضيفت إليه كثرة الجماعات السورية، وتنافرها الموروث، وانتهاج "العصابة" وأسلافها سياسة تفريق وتمييز وترهيب متصلة، بدا التعليل متماسكاً ومعقولاً. وبدت المقارنة بحركات التحرر، واضطرارها المفترض الى الارهاب جواباً عن وطأة السيطرة الاستعمارية وتحجيرها الشعب المغلوب على سلبيته، جائزة. وعلى هذا، ساغ قول من دفعوا تهمة الارهاب عن جبهة النصرة، حين قدمت بعض فصائلها القليلة والهزيلة بعد أشهر على ابتداء حركة الاحتجاج السورية، ورأوا أن بشار الاسد هو مصدر الارهاب الوحيد في سوريا، ولا إرهابي غيره وغير أنصاره وقيادته. ومن يقاتل هذا الارهابي لا يجوز أن ينسب بدوره الى الارهاب.
 وهذا "مذهب" جبهوي واعتقاد ستاليني سوفياتي. وهو يترتب على احتجاج أو قياس مقدمته الاولى والكبيرة أن عداوة الشر السياسي توحِّد على نقيضه وخلافه، وتجرد النقيض من أوساخ نقيضه وعلائقه، موقتاً. فلا ينبغي أن يدب الخلاف في "الجبهة" التي تقاتل الرئيس السوري وعصابته وحوشيته. وأما لماذا تقاتل "الجبهة"، وأجزاؤها وجماعاتها وكتلها، "العصابة" فسؤال مبكر وفج على الدوام، على زعم الجبهويين الأقحاح. وهؤلاء، على شاكلة الشيوعيين بين الحربين، قد يديرون الظهر لحلفاء الامس "المتآمرين"، ويرتمون في أحضان هتلر، ويتقاسمون بولندا وجمهوريات البلطيق وإياه من غير تردد. ويفترض الجبهويون، وهم في سوريا اليوم كثيرون وعلى رأسهم شيوخ "الحمر والسمر" أو المزيج الشيوعي والقومي، أن رص الصفوف اليوم حنكة شأن فضها غداً. ويفتقر الحساب والتعليل هذان الى عامل أو بعدٍ رئيسي، مكانة معنوية ودوراً عملياً، هو العمومية. فإذا لم تحتسب الأجزاء، الاهلية والقومية والدينية، مكسباً مشتركاً وجامعاً من ثورتها وانتصارها، وخشيت أو خشي بعضها انتكاسته حين انتصار الحركة، تهدد الثورةَ خطر مميت. وليس التفكك أو التصريح هو مصدر الخطر الوحيد. فافتقار الثورة الى العمومية المعنوية والعملية المصلحية يحط بها الى ذرائعية فقيرة. والتنديد بالارهاب الذي يصيبنا، وغض النظر عن إرهاب يصيب العدو، قصر نظر وعمى عن شروط مصلحة عامة، وإرادة عامة لاحقاً. وحين يدعو بعض أعلام المعارضة السورية اليوم الى التهوين من شأن السلاح الكيميائي، وحمله على تفصيل يتعلق بأمن اسرائيل ولا يقدم أو يؤخر في حرب الموت السوري الذريع، يستأنف هؤلاء إطراح العمومية، ويقللون من شأنها، على شاكلة الساكتين عن الارهاب ما لم يصبهم هم وأصاب "أهل" بشار الاسد ومقاتليه.

  والطَلب الى "العالم"، والى "الاصدقاء الاميركان" (على قول سليم إدريس) على نحو خاص، حماية السوريين من جرائم "العصابة" وسلاحها لا يستقيم إذا لم يحمِ السوريون أنفسَهم من بعض "اصدقائهم" والمقاتلين نصرة لهم أو "للاسلام"، على زعمهم. فواجب الحماية أو المسؤولية عنها واجب عمومي ومسؤولية دولية. والارهابيون سواسية، كانوا في المباني الحكومية المحصنة أم في اللجان الشرعية والدوريات التي تقتل الاولاد حين تتناول ألسنتهم "المقدسات". وهذا ليس درساً في الواقعية السياسية، على المثال المدرسي والامني... السوري أو الاسدي، وإنما دعوة الى عمومية تقدم المعنى السياسي الجامع، وهو في هذا المعرض المعنى الوطني السوري، على المعاني الاقليمية والدولية المضمرة أو المعلنة. والدروس الاخلاقية في الأنانيات الدولية والقومية، وفي الانحياز الى هذه المصلحة أو تلك، هذر مكرر وشديد الشبه بالبذاءة.  

جان – بيار فيليو يضبط وقت "الشرق الاوسط الجديد" على ساعة الثورة السورية: ثورة من تحتٍ وداخلٍ وحاضر رداً على تاريخ فوقي وخارجي ومفوَّت؟

المستقبل، 6/10/2013
 يصدِّر جان – بيار فيليو كتابه "الشرق الاوسط الجديد/ الشعوب على توقيت الثورة السورية" (أواخر تشرين الاول 2012، باريس، مكتبة آرتيم فايار) برواية طرفة أو خبر من أخبار سوريا "الغائمة" او المضطربة في 2012، اي السنة التي كتب في اثنائها كتابه الثاني في "الثورة العربية". والخبر يروي حكاية ضابط سوري انشق عن جيش النظام و"عصاباته"، ويقسم في أواخر الشتاء بشمال غرب البلاد على علم الاستقلال أمام جمع من المقاتلين المسلحين التزامه التنديد بجرائم عصابات النظام وحماية المتظاهرين والابرياء، جنباً الى جنب الجيش السوري الحر. وتستخف الحماسة الضابط، وهو يختم قسمه، فيهتف، على ما هتف على الدوام طيلة "حياة عبودية" متأصلة: "عاشت سوريا الاسد!". فينفجر الحضور بالضحك. ويعقب الكاتب على الخبر، ويمهد لإهدائه عمله، فيكتب: "هذه هي الحرية، أن تدرك مدى إذعانك من قبل وأن تضحك منه". فالضحك هو وليد الايقان بأن الرجوع الى ما مضى أو استئناف الماضي مستحيل، وبأن غاشية الموت لا تعف عن مكان أو عن أحد والحياة على وشك الانتصار: "هذا الكتاب هدية (مهدى) الى كل الذين ضحكوا وانتصروا". ويعلِّق بصدر الصفحة التالية شاهداً من "يوميات ديكتاتور" (2011) لزكريا تامر، كاتب الأقصوصة السوري، يجري على لسان الطاغية قوله أنه رفع جداراً بينه وبين شعبه، ليس خوفاً من شعبه على ما حسب الاغبياء، بل حباً به، و"حماية له من غضب(ه)". 
حرية وقتامة
 والحق أن الاهداء والتصدير يستوقفان القارئ، وهو أحد القراء الكثر على ما أرجو، أو قد يستوقفانه في ضوء الكتاب كله وصفحاته الاربعمئة، وفيها نحو 70 صفحة من الهوامش والملاحق والمراجع والفهارس. فهتاف الضابط المنشق بحياة "الاسد"، والاسد الاب لم يتورع عن "ملاعبة" الأبد (على مثال ملاعب الأسنة، الفارس والشاعر) وهو يعاني سكرات المرض الفاتك، يقود الى الضحك من طريق "انفجار" التناقض أو التفاوت الحاد بين حاضر القسم، المنقلب على الابد الاسدي، ودوام "التعييش" الآلي أو الميكانيكي الذي يفترضه سارياً ونافذاً. وفيليو يقف معنى الضحك في المشهد الطريف وخبره على التناقض هذا، وعلى إدراك المفارقة ومباغتتها الشهود حين هم يحتفلون بما يحسبونه طيهم، من غير لبس، ماضي عبودية اعتادوها وسلموا بها دهراً أو أبداً عصى الطيَّ وامتنع منه. والقول ان معنى الضحك، في هذا الظرف أو هذه الحال، هو الحرية، لأنه إقرار أو تقرير بالتخفف من ماضٍ ثقيل، اجتزاء مجحف وشديد التفاؤل.
 والتأويل يغفل بعض إيحاءات المشهد وتلويحاته القاتمة. فالضابط العتيد انتظر سنة كاملة، على ابتداء الثورة والقيام على الطاغية الشاب، اقترف هو وعصاباته وميليشياته و"جيشه" (رغم كل شيء) في اثنائها الفظائع والجرائم التي تدينه، ولا يبرئه شهود مبايعته علمَ الاستقلال متأخراً من ارتكاب فظائع أُمر بارتكابها في اثناء السنة المنصرمة، وأطاع الامر طاعة صاغرة أو متحفظة، فسلم رأسه من الجز والاطاحة. ولا تخفى في صوت الضابط نبرة الانكار والتنصل: فهو يقسم على ألا ينصاع بعد اليوم لما انصاع له وسكت عنه وسوغه من جرائم في حق المتظاهرين. فالشهود قوامون، شأن "الثوريين" على العموم، على طهارة المقاتلين، ليس حاضراً أو مستقبلاً وحسب، بل ماضياً كذلك. والشكوك في ازدواج بعض الانصار والمقاتلين الجدد ليست كلها تهمة ظالمة، ولا افتئاتاً خالصاً، حين "يتمتع" العدو بالمقدار الذي تتمتع به "العصابة" من المراوغة والمخاتلة والتحلل من قيود المحظور الاخلاقي والانساني. فالضحك، والحال هذه، الضحك الصريح والساخر من النفس، يجلو مفارقة الجمع بين ترك "غاشية الخنوع" (محمد مهدي الجواهري) وبين إزمان لغتها ودوام هذه اللغة وشعائرها. ولكن لا يؤمن ألا يضمر هذا الضحك كذلك، حين امتحان الهزائم ويقظة الشكوك وانفجار الخلافات أو "مثلث" النفط والطائفية والعنف الأسود، سؤالاً عن طوية صاحب القسم الجديد، واستقامة عهده وقوة التزامه. فيسأل بعض الحضور نفسه، في أثناء الضحك أو بعده: ألم يفضح الهتاف ركاكة "إيمان" الضابط المعلن وحقيقة ولائه؟
 والإيحاءات الستالينية والبوليسية التي تنم بها هذه الملاحظات المتشككة لا تقتصر على إساءة الظن في صريح المعنى، ولا تزعم الفطنة. ولكنها مرآة التباس الاحوال السياسية، من غير شك، والوجدانية والبلاغية "العربية"، والسورية على الخصوص، كذلك. وعلى المنوال نفسه، لا أرى موجباً للاعجاب بخاطرة زكريا تامر، وانتخابها أو تعليقها بصدارة الكتاب. فهي لا تعدو طباقاً على افتراض عداوة الطاغية لـ"شعبه"، وبغضه له. فيقلب الكاتب الافتراض الى خلافه ونقيضه، ويجعل الحب والحماية محل البغضاء. ويوكل بالضد اللفظي وغير المتوقع، والعصي تخيله على "الاغبياء"، اجتراح معنى عميق ولا يدرك قاعه أو غوره، ويلقي بالتبعة عن إدراك العمق على القارئ وحده. ومثل هذا كثير في بعض الشعر العربي "الحديث"، على مثال طباق "الإقامة في التيه" المعروف والعريق. ومسايرة جان – بيار فيليو إيجاب المعنى وحقيقته من غير دليل أو شبهة، هي تثنية على فعل تامر، وتزكية له ومشايعة عليه.
 داخل / خارج
 وظاهر ما تقدم أنه تقويل عشرة أسطر نافلة، هي من حشو الكلام، وتمهيده، ما ينبغي ألا يُحمّله المتن الصلب والتحليل المتماسك. وهذا صحيح لولا تجاوب وتواشج قويان ومتينان يشدان حشو الكلام الى صلب التحليل والتعليل. فما يؤخذ (آخذه) على المتن والاحتجاج في أعقاب قراءة متقصية، على زعمي، هو ما قد يؤخذ على افتتاحه وتصديره الخاطفين والمستعجلين. فالكاتب يحتج (على معنى كتب الاحتجاج الديني والاعتقادي وعلى شاكلة الاسقف عمار البصري في منتصف القرن التاسع م أو أفلاطون في سقراط) لرأي يراه في "الثورة العربية" في صيغة الفرد، وهو قصد، في كتاب وسابق طبع أيلول 2011 (عن مكتبة فايار، باريس)، جميعاً من تونس ومصر والبحرين وليبيا واليمن وسوريا، الى الجزائر والمغرب وفلسطين... ويذهب فيليو الى ان "الانتفاضة الديموقراطية" العربية، في فصولها المتفرقة والمؤتلفة، هي جواب من تحتٍ (شعبي) وداخلٍ (اجتماعي وتاريخي) وحاضر معاصر عن معضلات البناء المصنطع، الخارجي والاستعماري، الذي فرضته القوى المتسلطة على الشرق الاوسط عشية الحرب العالمية الاولى، من طريق السلطنة العثمانية، وغداتها الانتدابية.
 وهو يعني بالاضطلاع، الفوقي والخارجي والفائت أو المفوَّت زمناً ووقتاً، أموراً  كثيرة، معظمها مضمر، مثل تقسيم بلدان الشرق الاوسط الى دول وكيانات سياسية وحقوقية جديدة ومبتدعة. فهي لم تستأنف كيانات على شاكلتها، داخل حدود جغرافية وأهلية وسياسية وثقافية راسخة ومتعارفة. وهو يمثل على رأيه هذا، بديهةً، بسوريا، "العربية" قوماً، والسورية أو الشامية طبيعة وأرضاً وتاريخاً امبراطورياً قديماً. فسوريا هذه، على نحو ما استقرت في حدودها الجمهورية والانتدابية بعد وأد "الحلم" الفيصلي الهاشمي والعسكري العثماني والاعياني المحلي، خرجت من نظام الولايات، وهو نصبها على رغم تقلبه الرجراج "قلب" الولايات العربية، الى نظام دول (-أمم) قسمها، على خلاف منطقه وأعرافه وما ندب إليه، دويلات وأقاليم ومذاهب وإدارات توسَّطها، وتوسط روابطها "الرأس" الانتدابي وأداته العسكرية القاصمة. وألحقها بالساحل، البيروتي اللبناني، وبتجاره وجمركه ومرفئه و"نصاراه" وخليطه. وهذه أثارت  في دمشق، كرسي الولاية الام قبل 1887، تاريخ انتخاب بيروت اسم ولاية ساحلية طويلة ومركبة، حفيظة حانقة. وسعت الادارة العثمانية، ومعها أعيان دمشق وعلماؤها وموظفوها، في إبطال الاسم والدور زماناً طويلاً. ولكنها اضطرت الى الصدوع بأحكام الوقائع الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية الجديدة. وهذه قضت بالاقرار بـ"حقوق" الجماعات الاهلية في السلطة والثروة والثقافة والائتلاف في كيانات اتحادية ذاتية. ولكنها، من وجه آخر، سلخت اسكندرون عن الدولة.
 فيلاحظ الباحث الفرنسي والديبلوماسي السابق (كان مستشاراً أول في السفارة الفرنسية بدمشق ونائب السفير، على ما يوضح وينبه) أن "السوريين" حملوا الاختبار الانتدابي على محنة تمزيق وإذلال قاسية، أنزلتها بهم، من فوق ومن خارج، القوة الاستعمارية المنتدبة. وتماشي الملاحظة التأويل السوري، العروبي والتقليدي، السائر والمتداول في أوساط السياسيين المحليين والمتعلمين الى اليوم تقريباً. وهو يستدرك على هذا التأويل، أو على بعض النتائج التي تحمِّلها "العقيدة" العروبية إياه. فـ"العقيدة" ترى أن "التجزئة القطرية" محنة عمت الأمة، أي فعلاً المشرق القريب، وعلاجها صدارة "سوريا" وغلبتها الاقليم الاستراتيجي الواحد. ويذهب الباحث الديبلوماسي الى أن ما تراه "سوريا" تقطيعاً وتجزيئاً لم يشك "اللبنانيون" في عوده عليهم، وعلى وطنهم الكبير، توسعاً وامتداداً. ولا شك "الاردنيون" في إيلائه جماعتهم دور الحاجز بين شبه جزيرة العرب وبين المشرق، والممر الضروري بين الشطرين. وانصرف العراق الى التأليف بين حواضره الثلاث، بغداد والبصرة والموصل.
 وينبه استدراك ثان الى أن احد مصادر الحقيقة والحيوية في ثورة السوريين هو تسليمها بسوريا، في حدودها الاقليمية الانتدابية والاستقلالية، دولة – أمة، وإطاراً مشتركاً لجماعاتها ونزاعاتها وإجماعاتها (أو تفاهماتها، في لغة ديبلوماسية العصر). ويتخلل التعليل والسرد التاريخيين استدراك ثالث مضمر يعزو الحقبة الاسدية، والبعثية عموماً، واستنقاعها "البريجنيفي" المنهك، الى ارساء حافظ الاسد عهده الطويل والعقيم على مقايضة اقليمية متراكبة: مقايضة الإمساك الاميركي بضبط المنظمات الفلسطينية المسلحة وتوريطها وشرذمتها والحؤول دون سيطرة "الحلف" الفلسطيني – اللبناني ثم الجماعة الحرسية والخمينية المسلحة على لبنان، ومقايضة المساندة السوفياتية بتسليح "اشتراكي" كثيف وبالتوسط بين موسكو وبين الخليج ورعاية تماسك "قومي" بإزاء اسرائيل لحمته مناهضة الامبريالية الغربية وحدها والسكوت عن الامبريالية السوفياتية... وتفترض المقايضة العتيدة، الاقليمية والدولية، مثالاً قومياً، وظيفياً وذرائعياً خالصاً، يشتري من السوريين استقالتهم وتسليمهم السياسيين والعلنيين لقاء "الدور" القومي والدولي المسرحي ورعاية موجباته التي لا تحصى ولا تدرك. وتنكر "الانتفاضة الديموقراطية" والوطنية الصفقة التي أرسى عليها جهاز الاسد سلطانه وامتيازات بعض دوائره، وتطعن عليها. وحسب الاسد الآخر قبيل اندلاع الحركة السورية، أن سلطانه حصين، وما يحصنه هو الصفقة "القومية" الموروثة. فخيبت الثورة، أي القيام الشعبي (تحت) والوطني (من داخل) على الاستيلاء العصبي والبيروقراطي الريعي حسبانه.
طيف "النهضة"
 ويلوح في ثنايا احتجاج الكاتب لرأيه أن ثمة نظيراً تحتياً وطنياً ومعاصراً (حديثاً)، سورياً، للمصادرة، المتسلطة والاجنبية (الاستعمارية) والمفوتة، على سوريا والسوريين. ويلوح في هذه الثنايا طيف يسميه الكاتب "النهضة"، ويستعيض بالاسم والطيف عن الايضاح. ويمثل عليه بانتفاضات و"حركات" (على ما سمت مرويات درزية لبنانية انتفاضات القرن التاسع عشر المحلية) معاصرة، يروي منها بشيء من التفصيل قيام جبل الدروز، في 1925، على الانتداب، والمقاومة الانتخابية البرلمانية التي أعقبته وأفضت الى 1936 ومعاهدتها. ولا يستوقف الكاتبَ اضطلاع جماعة "طرفية"، معتقداً ومقاماً او منزلاً وعدداً، بالمبادرة الى معارضة الانتداب وقتاله. فهو يقرر الواقعة، وصفتها، فلا يدعوه تقريرها الى مساءلتها عن معناها أو معانيها، ولا عن تساميها الى منزلة "الثورة العربية"، "الكبرى" أحياناً، ثم "السورية"، تواضعاً وتمييزاً من تاليتها الفلسطينية في 1936-1939. وسبقت ثورة جبل الدروز، "جبل العرب"، في النصف الثاني من العقد الثالث، ثورة اللجا الحوراني، أي جبل الدروز الداخلي، على ابراهيم بن محمد علي باشا المصري. وأثخنت حرب الساقة، أو المؤخرة، هذه في قوات الحملة المصرية على السلطنة، وعجلت في انسحاب الفاتح "العربي" وحليفه الفرنسي من الولايات العربية المشرقية وقلبها "السوري".
 والانتفاضتان الدرزيتان و"السوريتان" على سلطانين مختلفين، وهما يفصل بينهما نحو قرن من الزمن، ليستا انتفاضة واحدة في وقتين. ولكن ما يجمع بينهما هو "المواقع" التي ينزلها القوم المنتفض: الموقع المذهبي المنفصل والاقلوي، والموقع العصبي المنكفئ والمناهض الجباية "الحديثة" على الرأس والمساواة في التسليح بين أهل المذاهب والديانات المتفرقة، والموقع البلداني والقبلي المقدم "الارض والعرض" (وليد جنبلاط مفتتحاً معركة الجبل في صيف 1983) والحرب على غيرها من المعايير. ولا تحول هذه "المواقع" بين صاحبها، القوم المنتفض، وبين عقده على العروبة الجامعة والواحدة "الى الابد"، وبنائه بها. فالعروبة، في صيغتها السلالية والحربية الغالبة (وغير الحصرية)، تجيز أو تبيح "تعليق" الجماعة الجزئية الفرعية على الاصل المشترك والمفترض من غير وسيط "سياسي" ومادي (إداري أو مالي أو تمثيلي أو عسكري). وسوَّغ هذا تصدي بعض المسيحيين "العرب" الى تصدر الدعوة "القومية" العربية وشق تيار "النهضة" تيارين فكريين على ما يلاحظ بيار فيليو عرضاً. وعلى مثالهم، معنى وليس وقتاً، تصدرت أقليات متفرقة الى "قيادة" حركة قومية طيفية ومعنوية، على شاكلة التعليق النسبي والسلالي، وغلت في تصديها وبالغت على نحو المبالغة والغلو الاسديين العلويين.

 وأسهم هذا بسهم راجح في إنشاء عصبية الدولة أو عصبية السلطنة، أي في تنصيب العصبية المستولية والغالبة، وهي جزئية أو فرعية، عصبية جامعة وواحدة. ويتولى الطيف القومي، العروبي في هذا المعرض والاسلامي في معارض أخرى، توحيد العصبيتين في واحدة، من غير أن تنفكا اثنتين. وهذه العملية، اللاهوتية السياسية في جوهرها، هي ركن حمل "مصالح" العصبية المستولية على مصالح قومية مشتركة. وهي مسوغ نزع ما تتماسك به الجماعات المتفرقة، قومية أم مذهبية أم محلية أم اجتماعية أم اقتصادية، من روابط داخلية. ودخلت تحت هذا المسوغ، مع سيادة الناصرية ومثالها "القومي – الاجتماعي" على هذا القدر أو ذاك، سياسات التأميم وحل الاحزاب في الحزب الواحدة و"جبهته"  وبناء القاعدة المادية الاشتراكية والدولة الادارية والمرحلة "الوطنية الديموقراطية"، المتضافرة والمتواشجة. فالرابطة "القومية" المستولية تنهض على نفي الروابط والاواصر الاخرى كلها، عصبية دموية أم اعتقادية أم مصلحية أم سياسية مركبة، من غير أن يكون في مقدورها تدميرها او استيعابها ودمجها. وعلى هذا،  يبطن الاستيلاء العصبي، مهما بدا مستتباً وراسخاً، اضطراباً وقلقاً. فإذا نشدت الجماعة، أو "رمادها" ورميمها، حصتها من الهوية، على قول مايكل فالزير، أو من العوائد ومن السلطة، تصدع البناء، وتزعزت أركانه. فهل يلد التداعي، على هذا النحو، ثورة من تحت وداخل وحاضر؟ لا يجيب التأريخ شبه اليومي لوقائع الثورة، على ما يصنع الكاتب، عن السؤال. وبين أواخر تشرين الثاني من العام الماضي وبين اليوم انقلبت موازين ومعايير ومقاييس انقلاباً حاداً ولكنه لا يؤذن بارتسام ما يرغب الكاتب في ارتسامه، ويقول أنه يوشك أن يرتسم، ولو على سبيل الكناية، على نحو ما ابتدأ كتابه. 

الأحد، 1 سبتمبر 2013

ارتكاب جهاز حرب وأمن بشار الاسد محرقة الغوطة... صادف انفجار أزمات الانظمة الاخوانية عَرَضاً؟

المستقبل، 1/9/2013

ذهب التفكر والتذكر بكثيرين رأوا صور ضحايا غاز السارين الاسدي وقتلاه وصفوف المكفنين بالابيض الناصع في دمشق الشرقية و"مشافيها"، الى الغبار الاحمر الذي لف مضارب البرازانيين، العشيرة الكردية العراقية، في اواخر حرب صدام حسين – روح الله خميني، وحملة "الانفال" التي شنها الاول وابن عمه "علي الكيماوي" على كرد العراق. وتوسل بعض من تفكروا وتذكروا بالواقعة الكيماوية الى المقارنة بين الديكتاتورين البعثيين، أو الى التنديد بالسكوت الغربي عن إعمال الحليف العراقي سلاحاً محظوراً، لم يقر الحليف الظرفي بحظره شأن الرئيس السوري "الشاب" وطبيب العيون اليوم، وخلصوا الى شبه السكوت الغربي يومها بـ"سكوت" اليوم وغفلته.
 وفي غمرة ادانة "الغرب" وضعفه، أو التباس إدانته الاعمال البربرية التي يرتكبها طغاة عرب، ثم إبطال صفة العروبة ونسبتها ونفيها عن هؤلاء، ننسى أو ينسى معظمنا أن "مرجع" الكيماوي الاول و"حجته" العظمى، اذا جازت العبارة، إنما هو النظام النازي الهتلري وحرب إبادته الفعلية التي شنها بغاز الزيكلون(ب) على يهود أوروبا الوسطى والشرقية العزل في حجرات وأفران الغاز المقفلة في تريبلينكا وداخاو وآوشفيتز وغيرها، في مواضع كثيرة من "ارض الدم"، على قول أحد المؤرخين، أو البلاد المدماة بين ألمانيا (الهتلرية) وروسيا (الستالينية).
 وتصدرت القيادة الايرانية، الخمينية والحرسية النجادية، نكران الابادة اليهودية. وسوغت بانتفاء حقيقة الابادة وبطلانها اقتراح اقتراع ديموقراطي، عربي اسلامي ويهودي، على "وجود" الدولة العبرية، وإعادة المهاجرين اليها من بلدان العالم (الـ83، على عدد مصادر التكفيريين الجهاديين "العاملين" في سوريا الاسد اليوم) التي جاؤوا منها غصباً وعنوة. واحتج عرب كثر للرأي الايراني القيادي في بطلان الابادة في معسكرات الاعتقال ومرافقها الغازية. فهو جسر الى تقويض مشروعية الدولة العبرية، على ما يرون. والابادة، على هذا، اختراع يهودي صهيوني فظيع توسل به الصهاينة فسندوا اغتصابهم الى ظلم عظيم، "غير منطقي"، على قول "الدكتور بشار" الى صحيفة روسية في استعمال قواته الغاز القاتل في الغوطة الشرقية الآمنة، ومن "غير دليل"، على قول وزير خارجيته الصادق والعفيف اللسان، وليد المعلم (وهو صاحب الرواية الصادقة عن نسيب لحود، في الاسابيع التي سبقت اغتيال رفيق الحريري).
والتعلل بالاستحالة والامتناع وانتهاك المنطق والافتقار الى الدليل- بالامس في شأن الابادة الصناعية الهتلرية وفي شأن معسكرات العمل والقتل الستالينية والسوفياتية، واليوم في الشأن السوري- حجة مستعادة ومتواترة وسند الحجة، وربما السبب في الاحتجاج بها وتكراره او تواتره هو افتراضها ان الحاكم "القومي"، وجسد الدولة القومية (العروبية في معرضنا السوري) والاجتماعية (دولة المحرومين والفقراء والمظلومين)، وجيشها، لا يعقل إطلاقاً ان يقتلوا شعبهم. وهم "شعباً وقيادة وجيشاً" على قول المعلم أو "الشعب والجيش والمقاومة"، على قول العامل الخميني الحرسي، وحدة واحدة. وما ينكره هؤلاء، وامثالهم قديماً وعلى الدوام، ليس انفصال الدولة عن "الشعب" (المجتمع) وقيامها بإزائه وفوقه جسماً مرئياً وينبغي تقييده ومحاسبته والحؤول دون حلوله في الشعب وذوبانه فيه، فحسب. فهم ينكرون ان مزاعمهم في توحيدهم أنفسهم في الشعب تؤدي الى امتلاك سلطان هائل في وسعهم إعماله في تدمير جزء من "شعبهم الواحد"، وحمل هذا التدمير، بالغازات السامة او معسكرات الاعتقال او التطهير الاداري او "اللبننة" الاهلية، على "إصلاح" أو على صد عدوان إرهابي وأجنبي من 83 بلداً.
 وذهاب التداعي بالمتذكرين والمتفكرين الى حلبجة الكردية وعلي حسين المجيد "الكيماوي" وابن عمه صدام حسين، ووقوفهم عند هذه وهؤلاء، والتوسل به الى التنديد بالفعلة الاميركية، إنما يشيح النظر عما يُنكر حقيقته هذا الصنف من الطغاة الذين تلدهم المجتمعات والجماعات العربية والاسلامية بسخاء. ولعل مصادفة ارتكاب جهاز حرب و"أمن" بشار الاسد محرقة الغوطة ( او "شواءها" الفظيع"، وهي اللفظة العربية التي تجاوب اللفظة العبرية "شوواه"، المحرقة) انفجار ازمات الاسلام السياسي الحاكم في البلدان الثلاثة أو الاربعة (إذا احتسب العراق المالكي "الايراني" والخامنئي) أو الخمسة (إذا احتسبت سوريا "النصرة" و"دولة الشام والعراق الاسلامية")، لعل هذه المصادفة قرينة على استصحاب وحدة "الشعب والجيش والقيادة"، في صيغها المتفرقة، قتلاً أهلياً لا قيد عليه من عقل أو منطق أو سياسة.
فـ"أخونة" الدولة والمجتمع المصريين على رؤوس الاشهاد، وسطو "النهضة" واخوتها السلفيين على قمم الادارة التونسية وفرضهم معايير العمل والرأي على الدستور والحياة العامة وترك المستقلين الى إرهاب "انصار الشريعة"؛ وحلف الجماعات المسلحة والاهلية الليبية مع "إخوانيي" البلد المتناحر وإشهار نازعمهم الى الانفصال؛ وإغضاء نوري المالكي وانصاره عن غلبة دعاة الثأر الايراني من "سنة صدام" على اجهزة الامن والجيش العراقي والريوع العراقية؛ وهيمنة "النصرة" و"دولة الشام والعراق" على الشمال وبعض الشمال الشرقي وبعض الشمال الغربي في سوريا بعيداً من مسارح القتال العالي التكلفة بالمقاتلين في مدن السهل السوري؛ وأخيراً وليس آخراً تحصن الجماعات الخمينية والحرسية المسلحة في لبنان بخنادقها الاهلية وتجميدها الازمة المحلية وتعليقها على الانقسام الاقليمي العميق- هذه الازمات المتصدرة تكاد كلها تتحدر من صلب واحد. وهذا الصلب هو استعجال الحركات الاسلامية السياسية، وبعضها مسلح تسليحاً عرضياً وبعض آخر تسليحاً جوهرياً، ارساء ولايتها الجزئية والظرفية والانتخابية على توحيد قيادتها وشعبها والدولة الوطنية في كيان لا يتميز وأبدي (أو دستوري).
 ولا يستقيم هذا التوحيد، على هذه الشاكلة، إلا إذا حاز فريق واحد، تلمه عصبية واحدة، مفاتيح "الامر" كله، وأولها مفاتيح القوة والادارة والريع العام، أو العوائد الناجمة عن ولاية الدولة المادية والاعتبارية. وحيازة من هذا الصنف لا يكتب الدوام لها او الاستقرار إلا اذا ساد الفريق المستولي من غير شراكة، ولا منازعة أو منازع، كيان الدولة، ورضخ الفريق الآخر، من غير مقاومة ولا منازعة، الى دونيته وتجريده من الموارد والحقوق والحريات الكفيلة بتقسيم القوة السياسية تقسيماً مختلفاً، وتجديد موازين القوة. والنظام الذي يقر مثل هذا الترتيب هو نظام حرب أهلية بين "الجماعات التاريخية" الوطنية، الناشئة عن فروق اجتماعية سياسية وثقافية واعتقادية وجغرافية ومهنية متضافرة في أغلب الاوقات. والى هذا انتهى النظامان البعثيان "العلمانيان" في العراق وسوريا، وتسعى الانظمة الإخوانية الاسلامية فيه. واستعمال النظامين الغاز السام، على مقادير متفاوتة الى اليوم، قرينة قوية على آفاق الحرب الاهلية التي تحدو سعي أهل النظام والسلطان المستولِين في إحراز انتصار تام وساحق.
 وحادي الانتصار التام والساحق، أو سائقه، لازم الحروب الاهلية، الدينية والعرقية (اليهود "أشباه بشر" و"مرضى" و"حثالة") والاجتماعية (ستالين:"قائد البروليتاريا العالمية"). والقتل الطبي أو العلمي الكيمائي، أو الذري الذي تلوح به الخطابة الايرانية الحرسية، يدين بمكانته الى سرعته وأثره المضمون وربما الى يسر التستر على مصدره (لجان التحقيق...). ولكن الافتقار اليه لا يترك مريديه صفر الأيدي: فصرعى الرئيس الوالد حافظ الاسد في حماة بلغوا عشرات الآلاف في أسابيع قليلة وأخرسوا كل معارضة 3 عقود تامة وتفوق الوالد على الابن في هذا المضمار؛ ومئات آلاف القتلى الايرانيين والعراقيين في الحرب الطويلة سقطوا ثمن السعي في انتصار لا غبار عليه ومجلل بدم كثير يغذي سلطان الحرس الى عقود؛ والحروب الملبننة الاهلية والاقليمية قوضت مباني روابط سياسية وطنية ومشتركة الى أجيال قادمة؛ واسترسال القوات المسلحة المصرية في قتلٍ متمادٍ من غير تهديد عيني ومحقق ولا قواعد اشتباك معلنة، يسهم في سيادة منطق ثأري على منطق أمن الدولة المدني.
 فهو، القتل الطبي أو العلمي الكيميائي أو الذري، يحل محل "فوضى" الحياة السياسية، وكثرة جماعاتها ومماحكاتها ومنازعاتها وتنافر مصالحها، حلولاً سريعاً وباتاً، أو هو يزعم مثل هذا الدور. وهو قد يؤدي الدور الارهابي هذا الى وقت قريب وقصير. ولكن نجاحه هو مقتله: فهو يداوي داءً أخف وطأة من الدواء، على ما تنبه "التحالف" الغربي والعربي غداة محرقة الغوطة أو قال. والرد على منطق القتل الطبي والكيمائي، وعلى إرادته سرعة الحسم من غير إعمال سياسة وحرب "تقليديتين"، ولا يقتصر على الضحايا المباشرين، وأهلهم وأنصارهم. فـ"مناهضة النازية (الكيماوية)" فرض عين (وليس كفاية) عام، و"لو كان" ضحاياها يهوداً أو كرداً أو إيرانيين (في جزر مجنون) قبل أن يكونوا سوريين مسلمين وعرباً.

السبت، 17 أغسطس 2013

مقالات المراثي والتآبين في "الأولياء" والأصدقاء الديموقراطيين

المستقبل، 18/8/2013

هل كان صاحبنا، هاني درويش، على القدر من المطابقة- مطابقةِ حياته "مفهومَه" و"جوهرَه" ومطابقةِ حوادث حياته "معنى" هذه الحياة ووحدتها الجامعة الذي تنم به المراثي الصديقة والمتفجعة فيه؟ ففيما قرأت من هذه المراثي، ومعظمها على موقع "مدن" من غير ان تقتصر عليه، يبدو صاحبنا الراحل، المبكر والمستعجل، تام المعنى او المعاني، واحداً ومجتمعاً ومستوفياً شرائط المطابقة او الحقيقة، حقيقته هو في حياته وموته وحقيقته في نفوس من يبكونه ويلقون عليه تحية الوداع. وهو يستوفي هذه الشرائط على رغم جبلته التي يصفها محبوه، اليوم، بالإقبال والنهم والكثرة والحسية والحدس.
الإجماع
والاعتذار عن هذا، ان كان موجب للاعتذار على ما اشك طبعاً، بالمقام أو الموقف والتعلل بدواعي هذا أو ذاك، يحمل المراثي على باب من ابواب القول وفن من فنونه. وعلى هذا، فأصحابها ليسوا إلا "وسطاء" هذا الباب أو الفن، وناطقين بما يمليه عليهم، ويُنطقهم به. وهذا ليس "عيباً". وعلى ما نقول، أي على مقالاتنا، قيود كثيرة تضيِّق على فرادة الاحاسيس والمشاعر، على ما نبه سلف كثير وبصير. ولكن الاجماع او شبه الاجماع على توحيد صاحبنا الراحل في مفهومه، أو معناه الجامع والتام قد لا يترتب على المقام او الموقف وحده، ويدخل على الارجح في باب (الرغبة في ) الاجماع.
وختام العمر أو تمامه وبلوغه غايته- وهذا تعسف يفترض على الناس الإقرار به تسليماً ودفعاً لتهمة الظلم او الشطط التي قد تنسب الى من "لا يحمد على مكروه سواه"- يؤذن بتلبية هذه الرغبة وإشباعها أو إروائها. فالانسان الناجز والتام، على خلاف الانسان التقريبي على قول تريستان تزارا (صاحب "دادا")، وهو من أحال الموتُ حوادثَ سيرته ووقائعها المتقلبة والمضطربة والجائزة قدراً مقسوماً (مالرو)، هذا الانسان، على هذه الحال، نهب لتأويل سيرته على مثال يدعو الى الاجماع، وتحمل عليه شهوة الإجماع. وجائزة الاجماع مزدوجة. فهو قرينة على إيفاء الراحل حقيقته، وبلوغ هذه الحقيقة يقيناً من غير شك. ولولا هذا لم يكن إجماع، في حسبان ان الحق واحد والخطأ كثير. والاجماع على صفة الراحل المستوي في تمامه، من وجه ثان، دليل على إصابة المجمعين حقيقة "موضوعهم" أو موضوع مقالاتهم، وهو الصديق الراحل ورفيق السمر والغواية والرواية والاحاسيس والمشاعر (على معنى الشعائر والطقوس).
وعلى هذا، توهم المقالات المجمعة في الراحلين والمراثي فيهم- وكلها تريد استخلاص سيرة الراحل معنى او حقيقة استودعتها الآلهة، في عليائها، الحياةَ المضطربة، وبثها في ثناياها وجنباتها- أصحاب المقالات ان ما ساقهم الى اجماعهم إنما هو إقرارهم بحقيقة صاحبهم، وجهرهم إياها من غير لبس، على رغم خفائها او التباس ظهورها. وليست حقيقة الصديق الراحل منقطعة انقطاعاً تاماً من حقيقة اصحاب المقالات والمراثي فيه. وتعرُّفهم حقيقةَ ما كان وهو بعد يتقلب بين أظهرها، يحاول قرباً من مثاله المطوي في ضمائر الآلهة أو من نصبه وتمثاله (على ما كان اليونانيون يحسبون) ومن روايته الاخيرة التي يجوز تناقلها ولا يجوز نقل "الاولى" عنه (على ما حسب المحدثون المسلمون) هذا التعرف شهادة لهم بالإصابة والصدق. وهو، أي التعرف، يعِّرفهم بدورهم جماعةً، ويصف ما هم، أي هويتهم، وينسبهم في انفسهم الى صاحبهم وصديقهم. وهذه حال صوفية وعرفانية لا تبلغ ولو في المنام: ان يكون الواحد من الإنس هو نفسه، مستغرقاً فيها مثل استغراق الشيء الأصم، وأن يجد نفسه وجداناً ويزدوج "إنسين" لا الى غاية أو الى عدد معلوم. وهذا الهوى الملح، ومثاله المعكوس هو هوى يسوع وجلجلته، حمله بعضهم على عَرَض يقضي في "الانسان" بترجح مقيم ولا طائل منه، على قول سارتر في السطرين الاخيرين من كتابه الجامع الاول. فإنسان الهوى يرغب في الاستغراق في كون الشيء أو كينونته الجوهرية، ويرغب في الانفكاك من نفسه وكينونته الجوهرية، والخروج منها الى غير(ية) متفرقة تتقلب على جانبي اللحظة، وتصل بين اللحظات، وتعلق الوصلة على خيط أفق. وأصحاب المقالات في راحلهم وصديقهم يجمعون في أنفسهم استواء صاحبهم في تمامه ودوامهم على اضطرابهم وقلقهم الزمني المزمن.
و"الاولياء" القديسون، و"الابطال" الفاتحون و"العلماء السوقة" و"الشعراء" الأعلام، و"الشهداء" المحتسبون، كلهم، على وجوه متفرقة ومتضافرة، وسائط بين (عالم) الشاهد وبين الغيب، بين عالم "ما تحت القمر" المتقلب والمحسوس وبين عالم الأكوان "الخالدة" والثابتة. ويفترض هؤلاء، اي الاولياء والأبطال والعلماء والشعراء والشهداء، هيئات أو أجساماً اجتماعية وجماعات متماسكة ومتعارفة ومتواضعة على معايير وموازين مشتركة، تتولى انتخابهم وتسميتهم وترتيبهم على مراتب يُقرّ بها الجمهور. وقد يبادر بعض اطراف الجمهور الى اقتراح إقرار الأعيان على مرتبتهم، أو تطويبهم ورسامتهم على قول بعض هذه الهيئات العريقة والمحترفة. وتتفق مبادرة الجمهور والمنازعَ "الديموقراطية" الشائعة وهذه اقرب الى العامية (من العامة والعوام) منها الى الديموقراطية المعقدة والمعضلة. وتنبهت المنظمات الشللية التي يحاكي تنظيمها رسوم العصابات والمافيات على قوة هذه المنازع. فنسبت مديحها، أو تهنئتها في المناسبات، أو توليها أعمال القمع والقتل، الى "الجماهير" من غير وسيط، والى إرادتها الفاعلة.
والمتعلمون الكتّاب، على المعنى الحرفي للاسمين: من تلقوا أو لقنوا تعليماً ومن يكتبون أو يطبعون وينشرون ما يكتبون، جمهور عريض، ولا ينفك يتسع يوماً بعد يوم. وهو تعاظم، في العقد ونصف العقد أو في العقدين الاخيرين، فوق التصور الديموقراطي المتفائل، وتوقعه عموم "الثقافة" معظم المواطنين او السكان. ولم يقتصر هذا الجمهور، بعد شيوع دخول الشبكة العنكبوتية وتكاثر وسائط الاتصال الاجتماعي، على "الطبقات الوسطى" التي كانت "جديدة" في ستينات وسبعينات القرن العشرين، وفاضت من بعد فئات وجماعات وشرائح وطبقات مهنية وتقنية ومكتبية ضعيفة التأهيل، وعظيمة العدد والدور والانتشار في بلدان العالم وأصقاعه كلها. وعلى نحو ما قلب هذا الجمهور بعض معايير السياسة رأساً على عقب، فابتكر أو أوجب "حكومة الرأي" ("العمومي"، على رغم تفرقه دوائر وأحكاماً ونِسباً ومتوسطات) والاستطلاعات والاقتراع اليومي، قلب كذلك معايير الانتخاب أو الاصطفاء والتجمع والولاء والتصديق وفي ختام هذه الولاية والبطولة والابداع والكشف.
فيخرج الأولياء والابطال والملهمون المبدعون والشهداء، اليوم، من صفوف الجمهور، ولا يهبطون من "محل أرفع" ومفارق. فهذا المحل ذوى أو احتجب وراء الصنيع الدنيوي والزمني. ويترتب على اتخاذ المحل الارفع سنداً ومصدراً عنف فظيع تتوسل به حركات دينية مقاتلة و"سياسية" الى الإقناع، وتحتج بفظاعته وهوله وإثخانه على صدورها هي ودعوتها عن الحق وحاكميته ووعده. ويقترع الجمهور الاعلامي والالكتروني لأوليائه وأبطاله وأعلامه من طرقه المعلومة والمألوفة. وهو، في الاثناء، يسوّيهم على صيغ يرجحها ويميل اليها، ومن نافل القول انه يتعرف في هذه الصيغ (على) قسماته ووجهه ونفسه. فيتراءى فيهم بعد ان جلاهم، "إلهاً" دنيوياً وزمنياً جمهورياً، على صورته. والاولياء والابطال والملهمون والمبدعون والشهداء الجمهوريون- على مثال هاني درويش أخيراً، وعلى مثالات سابقة قريبة هي إدوارد سعيد ونزار قباني ومحمود درويش ومي غصوب وجوزيف سماحة وغيرهم ربما ممن لم أعرف من بعيد أو قريب- ليسوا وسطاء بين عالمين مختلفين ومتباينين، على ما تقدم القول في "الاولياء" التقليديين. ولعل امتيازهم، والداعي الى تطويبهم والاقرار لهم بخصوص المرتبة وليس علوها، هو تمثيلهم الساطع على وجه من وجوه لحمة الجماعة (الجمهور)، وعلى رغبتها الأليمة في الالتحام حين يعز الالتحام ويمتنع.

الوسطاء
فهم وسطاء بين الجماعة، المتذررة و"الشعاع" على قول مجنون بني عامر، وبين نفسها ولحمة أفرادها وآحادها. وأدوار الآحاد هؤلاء على حال الافتراق والانفراد التي خلفتهم عليها أطوار الاجتماع الحديث والمعاصر. فلم "تُنجَز" الحال المحدثة ولم تصقل مراياها وعباراتها. ولم تصرم روابط العصبيات الأهلية وطبقاتها ومعاييرها ونواهيها على الخصوص. فتترجح صور الاولياء "العظام"، على عِظَم فرق ما بينهم، بين مثال الطوطم المقدس والفارق (العَلَم على الخصوصية والهوية وفرقهما في نظام فروق، على ما ذهب اليه كلود ليفي ستروس) وبين (غير) مثال الفضائل العادية والسائرة والمشتركة. فيمدح هاني درويش بالسهر والحماسة لكرة القدم والضحك والانفعال والكتابة التلقائية والمتطايرة، والمشاكسة والصداقة والشرب والبكاء وتذوق الغناء و"الأدوار".
ولا فرق في هذا بين فضائل ذاتية وفضائل عملية، على ما كان يقال. فهو واحد مجتمع، ولواء اجتماع وإجماع يوسطه جمهور (وهو الجمهور، في هذه الحال) بينه، أفراداً متباينين المصادر والموارد وسيراً وأذواقاً، وبين نفسه أو مرآتها وصورتها في المرآة. ولا حرج على بعض اصحاب المقالات في القول ان الرجل كان، على وجه المديح، "كاتباً صغيراً"، على خلاف "كبار الادباء" الذين جرت مصر على الإدلال بهم على "العرب" ومجتمعاتهم ومثقفيهم، و"تصديرهم" اليهم وإليها. فـ"الاديب الكبير" بعض من الماضي ومن عالمه الغريب و"الكاذب"، على زعم المعاصرين والمحدثين. و"الكاتب الصغير" معاصر حميم، تعوض معاصرته الحميمة ما ينقصه. وهي لكانت تعظم مرتبته، لو بقي معنى للعظمة والمرتبة في "عصر" أندي وارول، ونصبِه الواحد ميزان نفسه وتكثيره نسخاً عن نفسه معاً، على مذهب الفنان و"المجهِّز" الاميركي نفسه.
فلم يبق الولي البطل الملهم المبدع مثالاً، أو "مثلاً أعلى"، على ما كانت الخطب المدرسية تزعم وتطنب. فتدبير الحياة، على معنى يلم بـ"الفن" ولا يطرحه، لا يجري على مثال. وهو ارتجال محض مهما تقنع بالأعلام والقيم، وتذرع بالسنن واتقى بها المحاسبة والتبعة عن التأويل والرأي. ومن ينكرون على عوام الناس، من غير "الأئمة" و"الوارثين"، الحق في التدبير والارتجال والرأي، لا ينكرون عليهم انخراطهم مقاتلين مشاة، ووقود حروب أهلية ضريرة. وهم، "الإئمة"، ينعمون على "العوام" بصناعتهم صناعة عادلة تسوي بينهم كأسنان المشط، أو على نحو ما يسوي الموت بين الإنس. والطعن على الفرادة والاستثناء والإمامة، على ما يضمر ربما مديح المرء الخلو تقريباً من الصفات (الممتازة) حين مماته أو مدحه بما هو عليه من غير قياس أو مقارنة، بعض من ثقافة ديموقراطية تلتمس طريقها الضيقة في بلاد أو أرض لم يجلُ القدس عن بعض نواحيها بعد.
فهل من موجب للقول، بعد، أن ما تقدم ليس رأياً أو قولاً في "طبقة" المراثي والتآبين، لا في صاحبنا وصديقنا الراحل هاني درويش ولا في غيره؟ والزعم، كزعمي، ان المقالات في رحيله، وفيه، تجري على رسم وطريقة هما رسم وقت وطريقته، أو ثقافته. وهو لا يطعن في صدق أصحاب المقالات، ولا في صداقتهم أو علاقتهم بمن يكتبون فيه، ودعاهم رحيله المباغت والمبكر والأليم الى تذكره و"تحضيره"، على شاكلة تحضير الأرواح الذي لم نبرأ منه وقد لا نبرأ أبداً، أسفنا لذلك أم رضخنا على مضض أم طمأننا الامر الى دوام حال أليفة. ووصف الكتابة، على هذا النحو، بالمشعر أو الشعيرة لا يعدو التنبيه الى استواء علاقات صنف من الاصدقاء المعاصرين بمن يفقدون على حين غرة، على "خطابة" هي مثلهم مولودة من صور ومعان وأهواء لا يختارونها، أو هم يختارونها على قدر "اختيارها" لهم، على صفات وأبواب اجتماعهم وتفرقهم أفراداً وشللاً.

وبالغاً ما بلغ الانفعال، و(توهم) الصدق تالياً، من قوة، تتخطى الصور والمعاني والاهواء، وانتظامها في شعيرة وخطابة، مراد الاصدقاء وفرادة رابطتهم أو روابطهم بالراحلين من الاصحاب. والتخطي ليس صنو الإلزام والفرض. فهو أفق، أو نحو، أو منزع يدعو الى مسالك قول وعبارة، وربما الى ائتلافها وخرطها في "خريطة" ودليل. والأفق الذي تنزع اليه مراثينا، أو مراثي أصحابنا في صاحبنا، هو الرواية، على معناها "العربي" وربما اللبناني" المضطرب. فالولي البطل لا تعلوه سماء الكرامات والبطولات. وليس الداعي الى تذكرها وعرضها هو علو مكانتها أو "نبوغ" صاحبها الراحل وموافقته معايير التمام وميزانه. فالكلام على الصديق الراحل يشبه الكلام على عمل فني أثير: هو مقالة في الرغبة والعشق، وفيما يقوم مقام الباعث عليهما وموضوعهما معاً. وعندما كتب هاني مرثية في بعض اصدقائه، ومرثية في أبيه أوقف أباه في ممر مستشفى عار، فجر يوم خَلِق وكدِر، وهو يجر علاّقة مصل نحيلة، ويبحث عن مخرج من متاهة الحشر اللزجة..

السبت، 27 يوليو 2013

"البوابة التاسعة" تتحرى أحوال ساحات عربية في تونس والكويت وأبوظبي وبيروت...لقاء الجماعات والأمكنة والحوادث يجلو المدن على صورة اجتماع حي

المستقبل - 28/7/2013

 في الاشهر الثلاثين الاخيرة، منذ انتصاف كانون الاول 2010 في تونس، والساحات وأسماؤها تملأ آذان أهل (اللغة) العربية، أو تصمها إذا جاز التخلي عن التهذيب وسمْته. فمن دوار "7 نوفمبر" على جادة الحبيب بورقيبة التونسية الى ميدان التحرير بالقاهرة، ومن جادة أو طريق السبعين في صنعاء الى ساحة بنغازي الليبية قبل الساحة الخضراء بطرابلس الغرب وساحة اللؤلؤة في المنامة، وقبلها ساحة الحرية أو الشهداء ببيروت وساحة أو جادة أزادي (الحرية) بطهران، الى ساحات فرعية في عواصم المحافظات (سيدي جابر والقائد ابراهيم بالاسكندرية ...)، وأخيراً وليس آخراً ساحة تقسيم باستانبول فميدان التحرير بالقاهرة ثانية وكوكبة الساحات الأخرى - تلك التي شهدت بداية تظاهرة واعتصام مثل ساحة الارادة في الكويت وتلك التي آذن الاعتصام فيها، وهي ساحات البلد بدرعا والعباسيين بدمشق والساعة بحمص والعاصي بحماه وهنانو بحلب والتحرير بدير الزور بفض جموع المعتصمين وتفريقهم بالرصاص والاعتقال والحصار والقنص والقتل والتجويع والتشريد والنزوح والنفي تتدافع وتتآخى أسماء الساحات ومشاهدها واحتفالاتها ومواقعها وملامحها في أذهان أهل المجتمعات العربية (وغيرهم). ويجتمع من تدافعها وتآخيها ما يشبه مشهداً واحداً متصلاً ومتقلباً على وجوه لا تحصى. وهذا المشهد يذكر ببعض الرسوم والتصاوير التي زينت كتباً أوروبية روت فصول الخلق والتكوين في صفحة واحدة أو صفحتين متصلتين، أو تلك التي حاكت الفصول نفسها على بوابات الكنائس أو زجاجها الملون.
"الخلق"
وخطرت هذه ببال رئيس تحرير مجلة "البوابة التاسعة/ مقالات المدينة وأخبارها"، فادي طفيلي وأصحابه، وهذا ما لا شك فيه، أم ألمت ببالهم وطوفت به، فالعدد الثاني، الموسوم باسم مقتضب يتصدر الغلاف ويتوسطه:" الساحة"، يردد أصداء فصول "خلق" الساحات العربية وتكوينها السياسيين والاجتماعيين الرمزيين والمعنويين معاً وجميعاً. وسرعان ما يدرك قارئ "الساحة" / "البوابة التاسعة" أن مقالات العدد (وهو الثاني من المجلة البيروتية)، رغماً أو طوعاً، تتناول الساحات المتفرقة على وجه كائنات تاريخية واجتماعية حية تمور بالحركة والصخب، مجازاً وحرفياً، فوق تناولها على وجه أمكنة أو "جثة"، على ما كان أهل العربية يقولون ("وإنما المكان جثة"، على ما كتب سيبويه في "الكتاب"). فكأن تاريخ الثلاثين شهراً الاخيرة، وغير المنقطعة، حمل المجلة وكتابها على النظر الى (مادة) الساحة، من (باب) المدينة، نظراً سياسياً واجتماعياً- فالموضوع يحتمل معالجة وصفية تقريرية، موضعية أو مورفولوجية وطوبوغرافية، لعلها الأقرب الى العادات الجغرافية المألوفة والسائرة. ولكن التاريخ السياسي المعاصر- وهو في معرضنا تاريخ حركات عامية وديموقراطية، المساواة العمومية والحرية ركنان من أركانها على تفرق مصائرها واختلافها لابس الساحات، وخالطها. "فاشتملت منه" على حوادث جسيمة، وحبلت بمنعطفات عادت فولدتها في بعض هذه الساحات. وميدان التحرير القاهري عَلَم على أحوال الملابسة والمخالطة والاشتمال والحبل والولادة هذه. وعلى نحو ما ولد "أخوة" لميدان التحرير، هم محمد محمود وماسبيرو والاتحادية، ولدت ضرائر، على المثال القرابي والنسبي العربي، هي ساحة رابعة العدوية وساحة النهضة وميدان رمسيس. والقابلة، القانونية، أو الزائفة والمقلدة، هي حركات الجموع السياسية.
ومقالات "البوابة التاسعة"/ "الساحة" العربية كلها، وهي معظم مواد تتعقب الافعال والحوادث العامة (العامية والعمومية) والمشتركة التي وَلَدت الساحات على النحو الذي ألفناه منذ حوالي 30 شهراً، وبلغ ربما ذروته في الاسابيع الثلاثة أو الاربعة الاخيرة (إذا جمعنا، على ما ينبغي، ساحة تقسيم وحديقة غيزي الى سيرتنا أو ترجمتنا السياسية المصرية). فالساحة، عَلَماً وشارة ووقتاً، تؤرخ خروج بادرة سياسية عامة الى العلن. والخروج، في هذه السياقة، يحفظ من معانيه القديمة معنى الابتداء والانقطاع من حال متصلة ومقيمة، ومعنى الانكار والاحتجاج على سلطان غالب. وربما كانت مقالة لاريسا تشومياك في "مشاهد من السلطة: تجليات الاعتراض في تونس بن علي" (ص 49-61) تمثيلاً واضحاً وحاداً على سيرورة إيجاب الساحة أو ابتكارها واقعة عامة ومشتركة وليس مكاناً أو موضعاً فحسب.
البداية ... التونسية
والقرينة هي أن دوار أو ساحة "7 نوفمبر" والاسم يتيمن بتاريخ "ثورة" زين العابدين بن علي رئيس الاستخبارات، على الحبيب بورقيبة الرئيس المزمن والعجوز الذي أصيب بأعراض الشيخوخة- لم يستوِ بؤرة التظاهر والاحتجاج إلا في ختام حركة نقَّلت البؤر الواحدة تلو الأخرى. وتشترك البؤر المتعاقبة هذه في جمعها سمتين أو حالين: فهي عامة أو مشرَّعة على عموم المواطنين، وفي وسع هؤلاء التردد إليها، ولا يسعهم إذا مروا بها إلا الوقوع عليها، وهي من وجه آخر "في قبضة السياسة"، أي السلطان، ومسرح "دعاية سياسية للحكومة" أو دعوة الى الصدوع بالولاء لصورة بن علي، ولما سمي، منذ تقرير خروتشوف الى مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي العشرين (في خريف 1956)، "عبادة الشخصية" أو "عبادة الفرد". وتحصي لاريسا تشومياك مظاهر سطو رئيس الاستخبارات السابق على صفحات دوائر العلانية العامة والمشتركة: جدران المباني العالية والمطلة على المفترقات والجادات والساحات، ولوحات الاعلانات، والحدائق. ومن هذه، تسللت الصور الرتيبة و"الرئيسة" الى الكتب المدرسية ومسيرات الأعلام الرسمية، والى الانتخابات، وبطاقات الانشطة الثقافية والسياسية.
فرغبة بن علي وجهازه، ومن غير شك رغبة معمر القذافي والأسد الاب والاسد الابن وحسني مبارك وقبله الرئيسان العسكريان وعلي عبدالله صالح وبومدين الجزائري ومرشدي "الأمة"...، هي جمع موضوعات الرغبات والنزعات الجمعية وربما الفردية المتفرقة في "موضوع" أو غرض واحد، وفرض "الموضوع" لازمة تلح على الرعايا من الجهات كلها، ولا فكاك لهم منها. ويذكر هذا بإلحاح صورة انيتا إيكبيرغ الطاغية، في دعاية جدارية تحسِّن شرب الحليب من ماركة صناعية واستهلاكية، على فتى شريط فيلليني "اماركورد" ("الحبل المر"، أو حبل المشنقة): الفم الشره، والاسنان المفترسة في حلة بيضاء مميتة، والصدر العريض عرض اللجة الهائلة والعميقة، والاغنية الطقطوقة التي تتردد على مسمع الولد وتؤرقه ولا يطيق سماعها ولا فراقها والصمم عنها... وربما لم تبلغ مزاعم "الرؤساء القادة" وأجهزتهم الشيقة حد الطمع في مضاهاة "عمق" النوازع الجنسية، وقوة تشبثها وهيمنتها، ولكن تواضعهم لم يدعهم الى القناعة بشطر من المسارح العامة، والنزول الى الناس ومشاغلهم المشتركة والحيوية عن مسارح أخرى يتولون هم شغلها بصورهم وكلماتهم وغواياتهم.
وقبل التجمهر السياسي الصريح، واعلان الجمهور ("الشعب") إرادة رحيل الطاغية وإخلاءه مكاناً أو متسعاً يسع غيره الاضطراب فيه واقتسامه، يقصد الجمهور "مسرحاً بديلاً" يضطلع بالتمثيل على عام مشترك، أو عمومية مشتركة، جمهورية وعامة، ولا يكون مرآة أخرى ورتيبة "للواحد" الكامن وراء كل صفحة منبسطة، ولم تحلّها بعد صورة أو عين "بالفعل" سبقت الواحد المتربص الى التعيين، إذا تجرأت على السبق أو جاز لها أن تتجرأ. والمسرح البديل في حال تونس، هو ملعب كرة القدم. وعلى خلاف صفحة الجدار الفسيحة والمشرفة كلها على الملأ، من غير بقية تسرها وتطويها عن الارصاد أو الأعين الفاحصة، يسع ملعب كرة القدم وجمهوره التفرق مسارح وجماهير. وهو ذريعة الى تأليف الاناشيد والاغاني، والانقسام "أحزاباً" وروابط وشيعاً، والتستر بالنفخ في حماسة اللاعبين على انتقاد المتسلطين والمتنفذين والمجسدين في اسمهم وصورتهم الكل السياسي والاجتماعي.
والمقارنة بين الساحات والمفترقات والحدائق والجادات، حيث يتربع الاسم والصورة غير منازَعين تحت بصر الرقيب المهيمن والواحد، وبين ملعب كرة القدم، حيث تتيح الكثرة والهتافات والانقسامات (على منافسي الدوري الثنائي، النادي الافريقي والترجي التونسي) الاستعارة والتورية والكناية، هذه المقارنة تبرز الدلالة المسرحية للساحة الديموقراطية على نحو ما تبرز المبنى الطغياني والخانق للاسم الواحد والصورة الواحدة. ففضيلة كرة القدم في الدول الديكتاتورية ومجتمعاتها هي مسرحتها الانقسام وكثرة الادوار في الفريق الواحد. فلا لعب، على المعنى المسرحي وعلى المعنى الرياضي، إلا بقيام فريق بإزاء فريق آخر وعلى خلافه. ويقتضي لعب الفريق الواحد تولي اللاعبين، وهم كثير أو كثرة، وظائف متفرقة ومختلفة على رغم تضافرها على انجاز مهمة جامعة. وعلى هذا، فاللعب هو تربية على تقسيم العمل وعلى الجواز والاحتمال والحد، وتأديب بأدب المنازعة وأضدادها وجمالياتها وجزائها. فتربية الطغيان تزعم أن الفرق على وجوهه الكثيرة: فرق الفرد والفرد، وفرق الدولة والمجتمع، وفرق الحاكم والمحكوم، وفرق العام والخاص، وفرق الديني والسياسي، وفرق القانون والعرف، وفرق النافع واللذيذ... يضر بالإجماع المفترض ولا يؤمن من ألا يفضي الى التناحر.
الكويت و"الإرادة"
وتذهب مقالة ليّان الغصين، "الفضاء العام وتحولاته" (في دفتر من 24 صفحة على حدة أغفل ترقيم الصفحات، وقرن النص المكتوب على الصفحية الى يمين القارئ بصفحة مصورة كاملة الى يساره ما عدا الصفحات الثلاث قبل الاخيرة أو "الرابعة") الى الربط بين حركة سياسية اجتماعية كويتية دابة، أقرب الى التململ منها الى العبارة المبتورة والمتحصصة، وبين إيجاب ساحة الارادة "السياسية". وتصل الديوانيات، وهي مجالس ضيافة واستقبال ومداولة عائلية وبيتية، من جهة، وعامة مشرَّعة على الاختلاط (الأسري)، من جهة أخرى، الوجهين. وتشبه كويت الغصين تونس تشومياك شبهاً غير مباشر. ففي وسع السلطة الاميرية الكويتية سن قانون يحظر اجتماع 30 شخصاً معاً في مكان عام، غير منزلي أو بيتي. وينصب هذا الحظر بالجماعة التي تعدّ 30 شخصاً وتقصد التجمهر علانية على غرض مشترك، "خصماً" للسلطة يحق لهذه مقاضاته وتهمة اشتراكه أو جمهرته بالعدوان على العام والمصلحة العامة التي تتولى السلطة تمثيلها ورعايتها والصدور عنها.
وفي مرآة المقالة تبدو الكويت، أي عمرانها المديني والمعماري السكني المحدث (منذ 1952 والتخطيط البريطاني)، على طرف نقيض مع اجتماع العشرات او المئات من مواطنيها متظاهرين، ومسيرهم جماعة أو فريقاً مخالفين السلطة، ومطالبين بحقوق أو بتلبية احتياجات قد تنكر السلطة حقيقتها ومساغها. فالعمران المديني والمعماري هذا استقر، عن يد سلطة الوصاية البريطانية أولاً، على صورة تنبذ اجتماع "الثلاثين"، وتحول دونه. فليس في المدينة، أو "نسيجها العمراني، أرصفة وقف على المشاة من غير اصحاب السيارات والمركبات الآلية وسواقيها وركابها. وعلى هذا فالسير على الاقدام أو الرقص أو التريض أو المواعدة على ما تحصي الغصين، متعذر أو مميت وهو محظور قانونياً. وبين دوائر السكن، وبينها وبين دوائر العمل من مكاتب ومتاجر، أو دوائر الترويح، مسافات طويلة. ولا يُتصور اجتيازها "في المناخ الجاف" والحار الذي يتسلط على الكويت، شأن أمصار شبه جزيرة العرب وحواضرها وبواديها الاخرى. ويحول الطريق السريع الذي يصل دوائر الاقامة والعمل والترويح بين السكان وبين الالتقاء والاجتماع والضوي بعضهم الى بعض: فهو، أي الطريق، ذو اتجاهين واحدهما مغلق على الآخر ويستحيل الانتقال أو العبور من الواحد الى الآخر، ويستحيل تالياً على الناس الالتقاء وبالأحرى التجمهر. وشبكة الطرقة "دائرية وملتفة"، وعازلة. والبناء في هذه الدوائر يقدم ناطحات السحاب (او الابراج) على اصناف البناء الاخرى. والبيوت التقليدية، الطينية والواطئة والمتحلقة على صورة خلايا، جرفت لتخلي المحل للأبراج.
فيلتقي "الناشطون الكويتيون والفنانون" والاحتجاج حكر على قلتين أو جماعتين أقليتين تعريفاً وقد تضاف جماعة ثالثة هي "المثقفون" ورابعة هي "المهندسون"- في ساحة الاراداة، أو في مراكز تجارية تواتي عروضاً علنية، أو في "نسخ حديثة" عن الديوانية ومجلسها. والحق أن رواية ما تصنعه هذه الجماعات، وما تنوي صنعه، ومسرح أو مسارح صنعها، مشوشة. ولا يفهم قارئ المقالة، وهذه حالي، حقيقة ما يحصل على وجه الدقة. فالسيدة ليَّان الغصين تكتب: "ويتمسك الفنانون والمهندسون والمثقفون بحقهم في النزول الى الامكنة العامة والحضور فيها". وهذا واضح، وما يتمسك به هؤلاء هو فعل ظاهر ومادي، ومن نتائج فعله أو انجازه انتهاك نواهٍ سبق للسلطة أن نصت عليها وألزمت السكان "المواطنين" بها. ولكن التمثيل على الفعل المفترض لا يتناول فعلاً ظاهراً ومادياً بل "(اقتراح)... نسخة حديثة عن الديوانية... (على) مهرجان التصميم الدولي". وهذا ليس "نزولاً الى الامكنة العامة"، ولا "حضوراً فيها"، على خلاف الزعم. والقول ان اقتراح النسخة الحديثة عن الديوانية "(يشرك) العالم كله في الحفاظ على إرث الكويت" يعظم الامر، ويوهم بمساواة اقتراح أو "فعل" ثقافي وجمالي، ولا مشاحة في دلالته، "نزولاً" و"حضوراً" عامين ومشتركين.
والقول، في الفقرة نفسها، أن "فنانين من أمثال عليا فريد وأسيل اليعقوب يغيرون وجه الكويت، ويزرعونها بمعالم وتضاريس خيالية تجافي (أم تنكر أو تخالف؟) الواقع مجافاة تدعو الى اشكال جديدة من المشاركة في المكان العام" القول هذا "يجافي" حقيقة الحال، ويحمل التخييل، و"زراعته" وغشيانه الصور، على إنجاز "اشكال جديدة من المشاركة". وبين الامرين، التخييل والمشاركة، فرق ينبغي ألا يستهان به بذريعة صدور التخييل، أو اقتراح رسوم مدينية جديدة، عن أبنية رمزية وحاجات اجتماعية غير اعتباطية، أو بذريعة مماشاة الاقتراح قصداً شريفاً، ولا يطعن أحد، ولا ينبغي لأحد أن يطعن فيه، وهو "المشاركة في المكان العام". فبين "تخيل" عليا فريد وأسيل اليعقوب "المعالم والتضاريس " التي ترعى مشاركة عامة وبين تبني الكويتيين الخطط التي تضمن حقهم في المشاركة ومشاركتهم في إلزام السلطة بها، فرق كذاك الذي بين "تأويل العالم" وبين "تغييره"، في العبارة الثورية و"المادية" المعروفة. فقد يؤدي "توثيق مراحل التطوير العمراني الكويتية وتحليلها، و(رصد) أثر التغيرات المدينية في الوعي العام"، الى "(تغيير) أسس الالتزام السياسي في أقدم أمة في الخليج"، وقد يبقى التوثيق والرصد أثراً بعد عين، على قول بدوي قديم. وحملُ ما تراه نخبة جواباً شافياً عن مسائل حقيقية وملحة إذا لم تماش جماعات "عامية" هذه النخبة، ولم تدمج برنامجها في برنامج النخبة ولم توحد الجماعتان برنامجيهما على نحو أو آخر. هذا الحمل قوي الشبه بديكتاتورية متنورة وعقلانية. والتنوير والعقل، شأن العصبية الدينية الجامعة أو الهوى القومي والعرقي، لا يؤمن جنوحهما الى القسر والتعسف إذا هما غفلا عن "حقوق" أو علل غير متنورين ولا عقلانيين. وإكراه غير متنورين وغير عقلانيين، أو من يفترضون كذلك، على ما لا يريدون قسراً، باسم مصلحة "حقيقية" لا يقرون بها ولا يدركونها على هذا النحو، يسلط الضوء على بعض تناقضات التنوير والديموقراطية المولودة جزئياً منه.
وتدور بقية مقالة الغصين في فلك "أهمية الحفاظ على إرث الكويت الثقافي"، أو "الوقوف على ظاهرة هدم العمران الحداثوي" الذي شيد في اربعة عقود هي عقود 1940 1980، أو الطعن في برج الحمراء، أحد "صروح الاستهلاك المعولم". والرابط بين هذه الافكار وبين بعض مثالات الافعال المدينية غير الاستهلاكية (مثل المشي في السوق وارتياد "العشاق" الممرات الاسمنتية والمنشآت الرياضية حول المناطق السكنية وانتخابها "مكاناً لمواعيدهم السرية"...) غامض. ولا يخلص القارئ من هذه جميعاً الى دلالة الدور الذي اضطلعت به ساحة الارادة في تظاهرات الكويتيين، في 2006، على قانون الانتخابات وقصره اقتراع الناخب على مرشح واحد، وتقييده بهذا المرشح، عوضاً عن المرشحين الخمسة الذين طالبت بهم حملة "نبغيها خمسة". ولساحة الارادة سمتان فارقتان: فهي تشرف أو تطل على البحر، وعلى طريق الخليج الساحلية، شارع آل سالم، وتقوم قبالة مبنى البرلمان الكويتي. والبعد البحري " الملاحي" هو القاسم المشترك. وسمتها التاريخية الثالثة هي وراثتها ساحة الصفاة الداخلية، قلب مدينة الكويت في عهد ما قبل النفط. وعلى هذا، فتوسط الساحة الجديدة الاحتجاجات والحركات السياسية، واضطلاعها بدور قطب "المواعدات" العامة والعلنية (قضية البدون ودمجهم في المواطنة الكويتية، تنحية رئيس الوزراء الشيخ ناصر آل محمد آل الصباح "المفروض" بإرادة أميرية على رغم افتقاره الى سند نيابي برلماني...)، هو نظير تولي مجلس الامة الكويتي تمثيل عموم المواطنين، أو الجماعة الوطنية، بإزاء الحكم والحاكم. فهل يخرج الكويتيون من طريق السمات الثلاث أو بواسطتها من بعثرة وتفريق تضافرت على دوامهما الطرق الملتفة والدائرية والطريق السريع ذو الاتجاهين وطول المسافات بين دوائر السكن وبناء الابراج؟
أنقاض الخطة
وتبدو هذه، في مرآة محاورة تود رايس عبد الرحمن مخلوف، المهندس المعمار ومخطط أبو ظبي الاول (ص 62-77)، قدراً لا طاقة للبلدان الناشئة هذه ولأهلها على مقاومته. فحفيد شيخ الأزهر، وهو في العقد العاشر من عمره اليوم، يسر بصوت خافت أن خطته لم يبق منها شيء، وقد "تكون شبكة الطرق بقيت على حالها، ولكنها صارت أوسع". فمن خلفوه على التخطيط والعمارة تركوا البناء من طبقتين أو دورين، وأوصوا ببناء الابراج محلها. وذهب أدراج رياح "الحداثة" المفترضة اقتراح الرجل تشييد وحدات سكنية قوام الواحدة منها سبعة منازل حول فناء داخلي يجمع أهل البيوت، وهم أقارب، ويصلون فيه صلاة العشاء ويتزاورون. وتستقل الوحدة السكنية بمرافقها المشتركة، المدرسة للأولاد والمسجد للمصلين. فهذه "اندثرت". وانتقلت عدوى ما سماه مايك دايفيس "مرحلة دبي الرأسمالية" الى .... دبي، وكانت دبت في أبو ظبي. ولكن عقدة في لسان عبد الرحمن مخلوف تحول بينه وبين الاعراب عن رأيه في العدوى "الغريبة" التي دبت أولاً في الكويت، وانتشرت في أرجاء "المجتمعات" النفطية حين انفجر النفط في عروقها.
ويحقق صمت عبد الرحمن مخلوف افتراض التوارد أو التعالق بين "إرادات" الجماعات السياسية وبين تبلور ساحات عامة في المدن هي مسارح فعل هذه الإرادات، ومجلس هذا الفعل، وبعض معناه. فكل ما يقوله مخلوف ويرويه لا يخرج عما دار بينه وبين أمير أبوظبي وحده. ويختصر الامير، واعتباراته المخالفة اعتبارات المخطط المدني (في شأن السوق الذي حسب المخطط أنه المرحلة الاخيرة من الخطة وأمر الامير بالابتداء بها)، "أبوظبي"، "دولة" و"شعباً". فلا غرو ولا غرابة إذا تبددت صورة المدينة وخطة خِططها، في خريطة الطرق أو مجسمها، وفي الابراج و"ناطحات السحاب". وإذا كان الكلام على مدينة الكويت، "أقدم أمة خليجية" يتداعى كلاماً على البدانة والمواعدة والمشي وشراء أصوات المنتخبين في الديوانيات وتكلفة الأسهم النارية في ذكرى انقضاء 50 عاماً على الدستور والبعد الملاحي للشارع الساحلي... ويترك جانباً أموراً كثيرة أخرى مثل الانقسامات والمرتبية والعصبية والاجتماعية والمذهبية الجغرافية. فالكلام على تخطيط أبوظبي، ومن بعدها دبي، يقتصر على "إرادة" الحاكم وأعوانه والمشيرين عليه. وهذه الارادة لا يبدو منها، في معرض محاورة المعمار الكبير، إلا محوها أو إغفالها أبنية المدينة وصور اجتماع سكانها أو أهلها. فلا مدينة على معنى جغرافي أو مكاني خالص. والرأي هذا هو الوجه السالب لرأي موجب: تفترض المدينة عاملين متنازعين ومختلفين هما مجتمع (أو جماعة أفقية العلاقات والروابط) و"أمير" أو سلطة ودولة. فإذا اقتصر الامر على قطب صاحب الأمر أو وليه وحده انحلت خطط السكن والزيارات والصلاة والتدريس والمشي والمواعدة في "المسافات الكبيرة" والطرق السريعة و"الاستهلاك المعولم" وأبراجه.
بيروت "عالكولا"
وربما عثر سؤال طارق أبي سمرا (ص 23-35) عما حال بين عقدة طرق "عالكولا" (نظير "عالصور" البيروتية القديمة وإنما على معنى آخر: "بعد الكولا؟"، على ما يلاحظ الكاتب)، وهي ليست "محلة" ولا ساحة ولا محطة سفر(يات) ولا ضاحية بل ثنايا تأخذ من هذه الأحوال كلها بطرف أو ثنية- وبين الاستواء ساحة، على بعض جوابه: لم يكن المكان يوماً مسرح منازعة إنشائية"، إذا جازت العبارة، أو تأسيسية بين ما شبَّه مركزاً أو بؤرة وبين جماعة أو مجتمع أو أهل اجتماع. وتضافر الطرفية (المكانية والأهلية)، والوصلات أو المحطات والبوابات، وجزئية الجماعات المتقطعة والملحقة بـ"مراكز" أو مرافق نائية، لعل تضافر هذه الاحوال والسمات فاقم التفلت من المركز(ين) ومن قطبية المنازعة فلم يجتمع "جسم" المكان المتخلع في معنى متماسك من غير مشهد رمزي او حادثة "أولى"، فتعقد هذه بين الحوادث المتفرقة، الناس والمرافق والمصادر ومقاصد السعي، على مسرح منازعة متجددة الفصول والأدوار من غير ان تنفك واحدة، على سبيل التورية والاستعارة. وقد تتفرق "عالكولا" ساحات أو زوايا أو تنأى الواحدة فيها بحالها، شأن المجمع السكني الضخم الجديد والقوي الشبه بالعمارة "التوربو" في بلغراد (صورة ص 22، وصورة ص 17 البلغرادية) ووارث قصة المعمل المندثر، عن قريناتها او تندمج في كتلة من كتل الطريق الجديدة.
القاهرة وميدانها
وحين يؤرخ خالد أدهم لـ"نشوء ميدان التحرير" في القاهرة، وتقلبه بين "منعزل مائي، (و) طرف، ثم مركز" (ص 36-37)، يدعو القارئ أول ما يدعوه الى ملاحظة تجدد فصول المنازعة وأدوارها وانعقادها على قطبين وعلى مسرح أو ميدان. ففي 21 شباط 1946 "تقاطر عشرات الآلاف (من المصريين) الى وسط (القاهرة)... وعندما بلغ المتظاهرون (ميدان الاسماعيلية، التحرير من بعد) اتجهت نحوهم أربع مركبات عسكرية، وأصلتهم نيران رشاشاتها، فقتلت 23 متظاهراً". وسمى المتظاهرون اليوم المشهود، "يوم الجلاء" تيمناً بجلاء القوات البريطانية الذي يستبقونه، على نحو ما يستبقون اليوم "الرحيل" أو "النصر" أو "الكرامة". ولا يشك خالد أدهم في ان ميدان التحرير "كرسته ثورة 1952 (...) مركز المدينة الرمزي والسياسي المركزي للمدينة". والنعوت الاربعة، العمراني والرمزي والسياسي والمركزي، وهي على صيغة النسبة، تعيد وتبدي معنى واحداً على وجوهه: المعمارية الاجتماعية، والتاريخية الانشائية، والقطبية المشتركة، والمرتبية.
وتعقُّب أحوال المكان الخالص أو المحض، على النحو الذي يتعقبها عليه المؤرخ، حجة على ان الساحة لا "تولد" ساحة أو غير ساحة ("عالكولا" مثلاً) بل تصير ساحة، على مثال المرأة ومنوالها في سيرة سيمون دي بوفوار التاريخية والاناسية "الجنس الثاني". فأول أمره كان الميدان العتيد "مفازات من الوحل منتشرة بين سبخات واسعة في مستنقع كبير" وبعيدة من الكتلة الحضرية والسكانية القائمة الى الشرق. والى منتصف القرن التاسع عشر، توسعت المدينة على محور شمالي جنوبي، وقيدت تلال المقطم توسعها الى الشرق وأراضي الطمي وسماح النيل تمددها الى الغرب. وحرر انحراف مجرى النيل صوب الغرب، في القرنين الثالث عشر والرابع عشر (م)، أرضاً حملت من الماضي القريب والقديم الوحول والاستنقاع قبل أن يهذبها الاستعمال والاستصلاح البشريان و"المدنيان". والتمدين جاء على صورة السلطان والملك. فبنى ابراهيم، نائب السلطان على مصر، القصر العالي بين النيل وبين المدينة "الملكية" والاسلامية وزرع الارض. وحين خلف سعيد ابراهيم شيد قصر النيل، غير بعيد من القصر العالي. وخلف الجيش المصري وثكنه ووزارة حربه على قصر سعيد، على ما يليق بالقوة المسلحة وبحراستها "القصر" من المدينة، والفصل بين الاثنين. وبنى اسماعيل قصراً ثالثاً، الاسماعيلية، في الارض المستصلحة. وأباح هذه، على عرضها ورخصها، للمقاولين والباشوات والوزراء وقادة الجيش. فأخرج توسع المدينة من محور الشمال الجنوب، وقدم قطب الغرب عليه مفتتحاً الصفحة المحدثة، "الاوروبية" و"الكولونيالية"، عليه. فانقلبت المدينة من قاهرة أولى، بلدية وأهلية، الى "قاهرة ثانية"، بورجوازية وسياحية وإدارية سياسية. وعلى هذا، حل مبنى البرلمان محل الثكن العسكرية التي اخرجت من المخطط، على ما ينبغي في دولة حديثة لا يستوفي "جسد الملك"، لا الزائل الفاني والفردي ولا الرمزي أو الصوفي السلالي الباقي، تمثيلها أو التمثيل عليها.

وأقامت القاهرة "الجديدة"، وهي عصور وطبقات، على إدارة ظهرها الى النيل، والشخوص الى الاسماعيلية والقاهرة. وانتظر الميدان الاسماعيلي نحو قرن من الزمن، الى 1951 وغداة إخلاء الجيش البريطاني المحتل ثكن قصر النيل، لتتوسطه شارات إنشائية، مثل "المجمع" الوزاري والاداري، على صفة مركزية "ثقافية وسياسية". ونافست الميدان على الصدارة السياسية الرمزية ساحات أو ميادين أخرى مثل ميدان الاوبرا. والقرينة على "ميدانية" الأوبرا السياسية هي قصد "التظاهرات العامة" المكان، وانتخابه محجة ووجهة وموئلاً. ورفد كورنيش النيل، والفنادق الجديدة التي رعت السلطة "الوطنية" والعامية (الناصرية) تشييدها، الاسماعيلية التحرير بروافد جمهور عريض، ونازعها عليه وعلى استقطابه واستقباله. ونهضت الفنادق الكبيرة، سميراميس فشيبيرد فهيلتون، أقرب فأقرب الى النيل، والى الاهرام مما يلي النيل، علامات على دمج القاهرة البلدية والاهلية بالقاهرة المحدثة، الرأسمالية والوطنية، و"توحيد(هما)" على "مجرى النيل... الذي يربط البلاد بأسرها"، على قول خالد أدهم غير المقنع ولا المتماسك. فهو "يطير" على زعمي من تعاقب حلقات عمرانية واجتماعية وسياسية الى خلاصة "رمزية" مجردة مسوغها "احلام الماء"، على ما كان باشلار قال في الصور الشعرية السابحة في المادة الأولى الاسطورية. والملاحظة على موقع الميدان بين أحياء سكنية الى الشرق، هي امتداد القاهرة "الكلاسيكية"، وبين مبان رسمية تطوقه من الجهات الاخرى، أو "بين المدينة (مجتمعها) والدولة" تقيد الطيران ببينية عمرانية عامة وضعيفة الدلالة على هذا النحو. فالسعي في الاختصار الرمزي، والرغبة فيه، يدعوان ربما الى نهب الوقت والمسافات والمسارات والبيانات. وهو ما تدعو اليه الساحة حين تتألق في حادثة أو حوادث تاريخية غالباً ما يلابسها الفعل (المنازعة) والموت المأساوي (الرد على طلب الاقتسام) و"الاسطوري". ولكن التحجير على ألق الحادثة في بنية ثابتة يمزج ضربين او وقتين من التاريخ والتأريخ ويتعسف.