الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

العدو شعب ودولة ورتبة إنسانية دنيا... حملات القصف الجوي وسياستها المتمادية

المستقبل 12/10/2014

استفاقت الشعوب والمجتمعات العربية ذات 5 حزيران 1967 على خبر غريب يكاد لا يصدق، وهي لم تصدقه إلا في يوم الحرب السادس. ويزعم الخبر أن حرباً طاحنة زج فيها المتحاربون، وهم دول وشعوب، مئات الآلاف من الجنود، ودارت على مسارح مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة، حُسمت وعُرف من المنتصر فيها ومن الخاسر، في ساعات الفجر الاولى من يومها الاول. ووجه الغرابة أن أقرب الحروب إلينا زمناً، وهي «حرب» السويس، الملتبسة التباساً شديداً بالسياسة والديبلوماسية - والدعاوى الايديولوجية لم تميز دور القوات المحاربة فيها من دور المفاوضات والانذارات و»روح العصر» في أثناء وأعقاب تصفية الكولونيالية أو الاستعمار-، وقبلها حرب فلسطين، على ما سميت. وإذا احتسبت حروب التحرير، وتتوسطها حرب الجزائر (1954-1962)، في الحروب «القريبة» يومها، أي في أواخر ربيع 1967، ازدادت الحرب الخاطفة غرابة. فحسمُها في الساعات الاولى أخرجها من معاناة الحروب وتماديها في الزمن والمكان والجهد والآلام وأثقال الخسائر والدمار، وفي حسن انتهاز الفرصة والشجاعة والاحتمال، معاً. فهذه كلها، الزمان والمكان والجهد، والآلام المتمادية، تقتضي وقتاً طويلاً، وتُعمِل أسلحة معنوية ومادية من صنوف كثيرة تختبر كلها المطاولة والمراوغة والحيلة، ولا تبلغ غايتها إلا بعد نفاد هذه واستنزافها.

السلاح الحاسم

وعُزيت سرعة الحسم، على ما ظهر للعيان، الى استخدام سلاح جديد في حروبنا الاقليمية هو سلاح الجو أو الطيران الحربي. وهو سلاح دقيق ويشترط في الطيارين وطاقم الملاحة والصيانة دربة عالية ومراساً طويلاً، ومعرفة تقنية عميقة، وتنسيقاً بين وحدات السلاح وبين مراكز التحكم قوياً، وذهنية تحصل بالجهد والطلب. وهذا السلاح باهظ الأثمان، ولا يسع الوصول إليه، وشراء بعض وحداته، من يملك المال وحده، بل ينبغي لمن يريد شراءه أن يتمتع بـ»صداقة» البائع ورضاه وإجازته. ولا تقتصر هذه على وقت الشراء والبيع، بل ينبغي أن تدوم طوال وقت استعمال المركبة. فالصيانة جزء من الصفقة المالية والسياسية معاً. وشأن التقنيات التي تُعملها الامم والدول والشركات المتقدمة في صناعاتها، لا ينفك سلاح الجو ينتقل من طور الى طور أعلى، وأغلى ثمناً، وأشد تعقيداً. وعلى هذا، فلا نفع يرجى من سلاح جو، على الخصوص، لا يواكب أطوار التقنية وتقدمها «الثوري». والاستثمار في الطيران الحربي، نظير التكلفة البشرية والعلمية والمعنوية والمادية الضخمة، يشترط مردوداً أو عائداً أقله السيطرة التامة على اجواء الميدان أو المسرح الحربي.

ومعظم هذه الشروط لم يتوافر يومها في القوى العربية المحاربة. وبقي سلاح الجو، الى اليوم، ثغرة فاغرة في «الدرع» العربية والاقليمية، وعنصراً ضعيفاً أو ثانوياً في الحروب الاقليمية الوطنية، وفي الحروب الاهلية، على حد سواء. فما كسبه الجيشان السوري والمصري في الايام الاولى القليلة من حرب تشرين 1973، خسراه في الايام التالية جراء تفوق جوي وحربي اسرائيلي. واضطرت القيادتان العربيتان في أعقاب اجتياز القوات الاسرائيلية قناة السويس الى ضفتها الغربية، واستعادة هذه القوات مرتفعات الجولان على طريق دمشق، الى التسليم بوقف نار ترتبت عليه نتائج سياسية متفاوتة، ومتناقضة على بعض الوجوه. ولم تعصم بطولات الطيارين الايرانيين في الحرب بين العراق وإيران (1980- 1988)، واستماتتهم في الدفاع عن بلادهم- على رغم قيادة سياسية لم تكف عن تهمتهم، والتشكيك في وطنيتهم، والخشية من انقلابهم عليها (لم تعصم) إيران من تآكل اسطولها الجوي الحربي، ونضوب مصادر الامداد والصيانة. فانتهت حربُها، وهي استدرجت اليها عدوها القومي الطامع فيها، على قدر ما استدرجتها إليها أزمة حكمها الداخلية ومطامعها المذهبية الامبراطورية، على صورة مهينة لم تشف منها الى اليوم.

الجو والارض

ولكن الانتصار المدوي في 1967، والمهين على جهته الاخرى العربية، لم يحسم النزاع او الحرب الطويلة والمديدة. ولم يبلغ ما ينبغي للحرب المظفرة أن تبلغه وهو السلم ومعاهدته المبرمة، وإطفاء عوامل النزاع وأسبابه المتجددة، وتعيين مرجع تحكيم في الخلافات الطارئة يتمتع بدالة معنوية نافذة. واستقرت الجبهات من غير سلم، ولم تتجدد الحرب على رغم دوام خلاف مبدئي واستمراره، حيث وسع العدو المنتصر احتلال أراض وطنية، عريضة أو ضيقة. ووسعه المساومة والمفاوضة على الجلاء عنها لقاء اتفاق على «لا حرب»، في الحال السورية، وعلى معاهدة سلام، في الحالين المصرية والاردنية. وأدى الاحتلال من غير جلاء، أو احتمال جلاء، الى دوام النزاع ودخوله في أواخر عقده الخامس في الضفة الغربية وغزة (فلسطين «العربية» أو الفلسطينية).

وعلى هذا، فالحرب الجوية الحاسمة والخاطفة لم يحسمها سلاح الجو وحده، حيث حَسَمها على اضطراب وقلق مستمرين، إلا حين «نزل» الجنود الى البر، وقاتلوا في حرب برية تقليدية، وبين دول وطنية وإقليمية. وكان وزير الحرب الاسرائيلي، موشي دايان، حسب، حين دخل القدس الشرقية وبلغ حائط المبكى، وذلك على مثال أوروبي شاع في النصف الاول من القرن، أن سلاح الجو أنجز المهمة الاستراتيجية الموعودة والمأمولة: القضاء على الحرب، وإحقاق السلم العام من طريق السلاح المتفوق والحاسم وسيطرته على السماء، أو من «حكم السماء» (وهذا وسم كتاب توما هيبلير، الفرنسي، الصادر بالفرنسية في 2014 عن دار «ليه بريري أوردينير»، باريس، وعنوانه الفرعي: «التاريخ المعولم لعمليات القصف الجوية»). وصورة دايان الى مكتب وضع عليه جهاز تلفون بارز، وهو يقول لجمهور الصحافيين والمصورين المحتشدين حول المكتب والجالس إليه، إنه ينتظر رنين الهاتف من العواصم العربية المحاربة إيذاناً بدعوته الى التوقيع على معاهدات سلام ناجزة- مرآة هذا الحسبان الذي تحدَّر الى الرجل من تاريخ «كولونيالي» استعماري، على ما يصفه هيبلير اليوم، وعلى ما سبق ان وصفه من غير خجل ولا تزويق بعض أصحاب عمليات القصف من الجو.

وتعود دول غربية و»شرقية» (عربية)، في اواخر صيف 2014 العتيد والجاري، الى مسألة قريبة من التوسل بالقصف الجوي الى القضاء على عدو «أرضي» محلي وغير نظامي. والعودة هذه تحصل أو تقع في أعقاب عقد ونصف العقد من «الحروب» أو العمليات غير المتكافئة التي قاتلت فيها جيوش نظامية، تتفوق عدة (جوية على الخصوص) وعديداً بما لا يقاس على جماعات مقاتلة برية وغير نظامية. فمن أفغانستان وباكستان، منذ أيلول 2001 أو غداته الى اليوم، الى العراق (في 2003 2011) فلبنان (في 2006) وغزة (في 2008-2009 و2012 و2014) فليبيا التي تولى سلاح الجو الفرنسي والبريطاني حماية شرقها ثم شمالها من مدرعات القذافي طوال 2011؛ فسوريا (منذ قصف الجيش الرسمي المدن والارياف السورية بالبراميل المتفجرة في أوائل 2012 الى غزة عيد الاضحى وأيامه الاربعة)؛ الى العراق وسوريا من جديد، تعاقبت عمليات جوية معولمة تتشارك سمات وقسمات سياسية واجتماعية واحدة، الى تشاركها صفتها التقنية الظاهرة، المتفاوتة الشبه والمتقاربة. وبالغ الرئيس الاميركي الاخير، باراك أوباما، في إعمال سلاح الجو وصيغه الجديدة. فزاوج أعمالَ القصف بالطائرات وعمليات القصف أو «القتل»، على ما كان قال الوزير الاميركي الاسبق دونالد رامسفيلد، بواسطة الطائرات المسيَّرة من بعد ومن غير طيار (الدرون).

القرن الاول

ويؤرخ توماك كيبلير لهذا الضرب من العمليات في سياقات استخدامها وإعمالها، قبل أن يخلص الى دلالاتها المحتملة على أحوال الحرب والاجتماع والسياسة المعاصرة. فيصف وصفاً مفصلاً قصف الملازم جوليو غافوتي، السويسري الايطالي الطيار المتطوع في القوات الجوية الايطالية المقاتلة بطرابلس، في أول تشرين الثاني 1911- قبل قرن تام تقريباً من الحملة الجوية الاوروبية (والعربية) على قوات معمر القذافي وقبائله واحة عين زارة، على 15 كلم جنوب طرابلس الشرقي. و»قصر» غافوتي قصفه الجوي على القاء قنبلة يد (رمانة) على جماعة من المقاتلين في خيمة على حدة. وكان طيار فرنسي، بليريو، قاد طائرته فوق بحر المانش، بين أقصى الشاطئ الفرنسي الغربي شمالاً وبين دوفر البريطانية، في 25 تموز 1909. وعلق هنري ج ويلز، الروائي العلمي (الخيالي) الأشهر يومها وصاحب «حرب الأجواء» قبل انجاز بليريو طيرانه بسنوات قليلة، على الانجاز «الاجنبي» الصاعق. فقال ان المملكة المتحدة لم تعد جزيرة. وهو يضمر ان حصانة «سيدة البحار»، على ما كانت تسمى، تداعت وانتهت. وهو الاحساس الذي انتاب الولايات المتحدة، جمهوراً وسياسيين ومعلقين، صباح 11 أيلول 2001، حين هاجم 19 انتحارياً بنلادنياً برجيَ التجارة العالمي ثم البنتاغون فواشنطن.

وفي 1918، وكان مضى على «الحرب الكبرى» نحو 4 أعوام شديدة الوطأة المادية والمعنوية، قتل في أثنائها ملايين المقاتلين والمدنيين هبت «أعاصير الفولاذ» (إرنست يونغير الالماني) على الزرع والضرع، وثبت للشعوب والدول أن قوة النيران والغازات السامة والتحصن في عشرات الكيلومترات من الخنادق والملاجئ جعلت الحرب وخططها ومفاجآتها مستحيلة- خطط الحلفاء، وبريطانيا على رأسهم، لشن حرب جوية عامة على ألمانيا. وكانت هذه الحرب ذخيرتهم الاخيرة واليائسة، على شاكلة القنبلتين الذريتين الحاسمتين على هيروشيما وناكازاكي في آب 1945. ولم تبلغ الخطة مرحلة الانفاذ الاخيرة لأن قيادة الجيش الالماني أقرت بعبث المطاولة الحربية وتكلفتها الباهظة، واستسلمت. وطي الخطة في 1918 لم يطوِ أصداءها، ولا طوى ترددَ هذه الاصداء الى حين إنفاذها الخطة عن يد الطيران الحربي الألماني، هذه المرة، ومحاولة ضرب الحصار الجوي على الجزيرة البريطانية في 1941، تمهيداً لانزال بري على سواحلها يُخرجها من «المعركة» العالمية. وما عجز عنه الطيران الحربي الالماني في 1941، استأنفه بوسائل مدمرة طيران الحلفاء في 1943. فشنت آلاف الطائرات الحربية البريطانية والاميركية على مدن ألمانيا الصناعية، وفي مقدمها درسدن وهامبورغ، حملات «قصف استراتيجي» ضارية، خلفت مئات الآلاف من الضحايا المدنيين. ومهدت هذه الحملات تمهيداً ضعيفاً، والحق يقال، لاستسلام ألمانيا الهتلرية في أيار 1944.

وبين 1918 و1943-1945، رجع الطيران الحربي الاوروبي الى مسارحه السماوية الاثيرة، فوق المستعمرات وفي أجوائها، ورداً على انتفاضات أهلية محلية. وحملة القصف الاولى سبقت 1918. ففي 1916، شن الطيران الملكي (البريطاني) حملة على دارفور بالسودان. وفي 1919، كان المصريون خرجوا آلافاً مؤلفة يطالبون «الانجليز» بمفاوضة وفدهم على الاستقلال، فقصف الانجليز فلاحين مصريين في بعض أطراف الارياف في جوار السودان المضطرب. وشهد عام 1920 ذروة الاضطرابات الوطنية والقبلية في المستعمرات البريطانية المتفرقة: في السودان من جديد، وفي افغانستان مرات، وفي الصومال. وحين اندلعت الاضطرابات بالهند، في 1925، لجأ الجيش البريطاني الى طيرانه الحربي.

فاستقر دور السلاح الجديد أداة فضلى في قمع حركات المستعمرات بين شمال افريقيا، الى الغرب، ومناطق القبائل على الحدود الهندية الباكستانية (من بعد، أي قبل انفصال باكستان أو «استقلالها»). وحين اندلعت، في 1925، بسوريا، «ثورة الدروز» أو جبل العرب، على الانتداب الفرنسي، عمد جيش الشرق الفرنسي الى قاذفاته، فقصفت حمص في تشرين الاول. وخصّت مرفقها التجاري وأسواقها. فدمر القصف سوقين و114 دكاناً أو حانوتاً. وفي الاثناء، قصف الطيران البريطاني مناطق قبلية في العراق، كان المفوض السامي ألب بعض قبائلها على قبائل أخرى، فلما تخطت عشائر غير منضبطة ما رسم لها المفوض أدبها الطيران الحربي. واضطلعت قاعدة الحبانية الجوية بدور «بوليس» جوي في أنحاء العراق، وبجواره القريب. ففي 1928، قصفت طائرات حلقت من الحبانية سرايا «الاخوان» المتمردين على سياسة عاهل المملكة الوهابية والساعين في توسيعها الى الشمال الاردني والعراقي.

ويلاحظ هيبلير أن بلاد «التأديب» من الجو، وبواسطة سلاحه، هي التي جمعتها الاستراتيجية الاميركية، وجغرافيتها السياسية («الجيوبوليتيكية») في الشرق الأوسط الكبير أو الواسع. وهو استقر في حدوده الآتية أو القادمة، في النصف الثاني من القرن العشرين وإبان العقود الاربعة من الحرب الباردة، بين شمال افريقيا، الى الغرب على المحيط الاطلسي، وبين باكستان، الى الشرق، على ضفاف المحيط الهندي. وليست مكانة هذا المنبسط، وحدوده، سراً غامضاً أو خفياً. فهو ممر الطريق القارية التي تمتد من مصر الى الهند، وقناة السويس المائية قلبها وركنها. ورفد النفط ومكانة الشرق الاوسط برافد استراتيجي حقاً. فمنذ 1911، والبحرية البريطانية تعمل على النفط الذي حل محل الفحم الحجري، بينما أقام الاسطول الحربي الالماني، منافس الامبراطورية البحرية المتربعة في سدة القوة المهيمنة، على تشغيل محركاته بالفحم العتيد، والبطيء الاشتعال والسرعة. ولم يقتصر السبق البريطاني على ميزات النفط الحرارية والآلية، فزاد ميزة سياسية واجتماعية حاسمة هي «تحرير» الاسطول البريطاني، العسكري والتجاري، من قيد عمال المناجم البريطانيين عليه، وتخفيف قوة النقابات عن الطبقات الحاكمة. فهؤلاء، وهم شعبة قوية من الحركة العمالية البريطانية والاوروبية، كان في مستطاع إضرابهم عن العمل، تعليق تموين الاسطول بالفحم، وشله. وعلى هذا، فالنفط الاوسطي مصدر ميزة مزدوجة: مقارنةً بالخصم الالماني، وفي ميزان النزاع الاجتماعي الداخلي وتكلفة دمج الطبقة العمالية في الجسم الوطني.

نفقات وطبقات

ومسألة تقليص العبء المالي في البلدان المستعمرة نفسها (شأن تكلفة الدمج بواسطة الرعاية الاجتماعية والاجور) وفي مستعمراتها (أعيان الادارة الاستعمارية والمدنية) ليست ثانوية. فحال تولى سلاح الجو الملكي البريطاني إدارة العراق تقلصت نفقات المستعمَرة من 23 مليون جنيه استرليني في 1921-1922، الى 7.1 ملايين في العام التالي، فإلى 3.7 ملايين في 1926 1927. ويعزى التقليص الى التخلي عن نهج استعماري تقليدي، كان الاحتلال البري الكامل ركنه وغايته. فسلاح الجو الجديد قصر السيطرة البرية على مواضع بعينها. وعوَّض بمراقبته أرجاء البلد وجماعاته، وتشبيهه على الجماعات والافراد وقوعهم بمتناول عينه اليقظة «السامية» والمحيطة، الحاجة الى سيطرة مادية ومباشرة. ويتجدد إلحاح مسألة فصل القصف الجوي من الحرب البرية في خطط «التحالف» الدولي على «داعش»، على نحو ما طرح على «أصدقاء سوريا» في الامس القريب. ويقارن توما هيبلير انجاز المراقبة الشاملة والمحيطة في المستعمرات، باستحالة هذا الضرب من المراقبة في الحواضر الاوروبية، واقتصارها على السجون والمصحات والمستشفيات. (وهذه الاستحالة طوتها وتخطتها المجتمعات «الموصولة» أو المشبوكة التي تتيحها الشبكة ووسائط الاتصال الاجتماعية وودائع المعلومات في «المصارف» ووكالات الاستخبار...).

والحق ان قصف المستعمرات، وقبائلها وعشائرها وأقوامها وقراها، مهد الطريق الى عموم القصف الاستراتيجي «الشعوب»، أي جماعات المدنيين، والبنى التحتية الانتاجية والصناعية (في المرتبة الاولى)، في أوروبا وخارجها. والحلقة الاولى في سيرورة التمهيد هي انقلاب الحرب من حرب دول، وبين الدول، وتستبعد تالياً المرافق غير العسكرية غير المنخرطة في العمليات الحربية، الى حرب شعوب وأمم (دول أمم، على قول الغربيين) بأكملها. ودمج الشعوب أو الامم في دولها الديموقراطية والتمثيلية، برلمانية أو غير برلمانية، هو من ثمرات الثورات الديموقراطية والوطنية. فالقرن التاسع عشر وتتمته الطويلة في القرن التالي، الاوروبي والاميركي، جمع التوسع الامبريالي والاستعماري العالمي الى دمج الطبقات العاملة في الدول الوطنية وأبنيتها الاجتماعية والسياسية (دولة الرعاية والدولة التمثيلية). وما ردده بن لادن وألسنته الكثيرة غداة 11 أيلول (2001)- من أن الهجمات على مرافق مدنية عامة سائغة وجائزة لأن الناخبين المدنيين، أي الشعب جملةً، هم من نصب الدولة وأجهزتها ورؤساءها في موقع القيادة السياسية والعسكرية المسؤولة ليس إلا صدى أفكار شاعت بين الحربين العالميتين، وتداول على صوغها والاحتجاج لها منظرون بارزون من المشارب كلها. والحجة المتصدرة في الحالين واحدة.

وكانت الحملات الجوية على المستعمرات، أرضاً وأهلاً، أو بشراً وحجراً، تتذرع بوحدة «المتمردين» القبائليين والريفيين و(مع) قبائلهم وقراهم الى تسويغ قصف مضاربهم وديراتهم وزراعاتهم، من غير تمييز المقاتلين من أجسامهم الاهلية. ونبه داعية «الحرب الكلية» الاول، إريك لوديندورف، أحد قادة الاركان الالمان في اثناء الحرب العالمية الاولى وعضد هتلر في الفصول الاولى من الحركة النازية، الى ان الحروب الكولونيالية التي تنزل من فوق على القوم أو القبيلة، وتسحقها من غير بقية، هي حروب كلية. وسمى الالمان، من قبل ومن بعد، هذه الحروب «ثقافية». وأرادوا بالاسم حمل القوم و»ثقافته» على معان ومعايير أخلاقية خصوصية وعمومية معاً. وانتصروا، في هذا الضوء، لثورات الشعوب المستعمَرة على الدول االكبرى الغربية التي أقصيت ألمانيا من جوقها المهيمن، وهذا قريب من «الروح الثوري» الذي ترفع الحركات والعصائب الخمينية والحرسية في المشرق لواءه، وتبث «ثقافته» في دعواتها وتحريضها.

والشعوب (أي الأعراق) و»ثقافتها» الخصوصية والفريدة تهتدي بـ»رسائل» (من رسالة أو دعوة)، لم يعدُ ميشال عفلق بوصفه إحداها، أي «الرسالة» العربية، بالخالدة، الذهنية الكولونيالية السائدة بأوروبا وخارجها بين الحربين. والرسالة القومية الخالدة، على رغم خصوصيتها أو جراء الخصوصية الفريدة هذه، هي والخير (والحق) واحد لا يتميزان ولا ينفصلان. وإرادةُ القوم البقاءَ في خضم حروب الابادة الاستعمارية والداروينية التي تتهدد الاقوام وإرادتها بالعدم، وفي طليعتها الارادة الالمانية والقوم الالماني، قرينة لا تخطئ على إيجابها الخير والحق، وقيامها على الشر. ولعل هذا النهج في الاستدلال هو النواة المشتركة التي تتقاسمها حركات اليمين المتطرف والثوري مع النزعات الامبريالية الاوروبية والحركات العالمثالثية العلمانية والدينية المحدثة.

فهذه الانحاء الثلاثة من السعي في ختام التاريخ ونهايته، على بعد الشقة فيما بينها، تصنع في كل مرة عدواً لها «غير متكافئ»، أي لا يكافئها (أو لا يكافؤها) أخلاقياً واعتبارياً. وتنزع حربُ هذا العدو، وينزع قتالُه، الى استئصاله وإبادته، بعد جمعه في كيان مادي ومعنوي واحد ومنحط. واستنزال الموت عليه، بعد الدعاء بلعنه، شعاراً وهتافاً في بعض الأحيان، إلا أنه يردد صدى سنده الحربي الحقيقي أو المرجو، أي صدى سلاح الإبادة (الذري) الأعظم، أو سلاح العملية الانتحارية المتناسلة والمتكاثرة الى حد بلوغ 40 عملية في يوم واحد، وعلى جبهة واحدة، على ما حصل في مواضع كثيرة من «ولايات» العراق والشام «الاسلامية» المستحدثة. وهذا يحصل في كل يوم في المدن والبلدان السورية التي ينعم عليها «روح حافظ» (الأسد) بقصفه «الاستراتيجي».

السبت، 27 سبتمبر 2014

العراق «الشيعي» في عين تناقضات السياسات الإيرانية والإقليمية

المستقبل 28/9/2014
قد يكون أمر حيدر العبادي، رئيس الحكومة العراقية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، بوقف قصف المدن أو البلدات التي يتحصن بها وبأهلها مقاتلو «الدولة الاسلامية» قرينة أولى مقْنعة على تركه أحد أركان السياسة التي انتهجها سلفه، نوري المالكي. وأفضت هذه السياسة الى انهيار القوات المسلحة «الوطنية»، وانفضاض أهالي محافظات الغرب والشمال الغربي والوسط عن «دولة» المالكي وتحالفه «الوطني» وميلهم الى جماعات طرفية منهم، والى سعي تيارات الغالبية المذهبية وأحزابها في إنشاء جماعاتها ومنظماتها المسلحة والخاصة أو الاحتفاظ بها ورعايتها على رغم جلاء القوات الاميركية المحتلة قبل 3 أعوام. وكان قضى النهج المالكي، منذ انعطافة 2009-2010 التي قربته من إيران الحرسية ثم من سوريا الاسدية، بأخذ جمهور العراقيين السنة بجريرة الجماعات المسلحة الارهابية، البعثية الصدامية والاسلامية. فزعم نوري المالكي، ومعه قيادات تحالفه وجماهيره، أن الكثرة الانتخابية والبرلمانية التي يحظى بها وحلفاءه تخوله دمج قوى المعارضة، المتفرقة المشارب والمصادر والغايات، في معارضة «دينية» أي مذهبية متمردة ومسلحة واحدة. وهذا الدمج هو منتهى أمنية الجناح المذهبي والمسلح والغالي من المعارضة، وعلى رأسه «القاعدة» الارهابية وكتلها وفروعها، وآخرها «الدولة الاسلامية» (أو «داعش»، الى الامس وربما غداً).

ويترتب على دمج الكتلة الاهلية الكبيرة بمنظمات أقلوية وحركية جوازُ بل وجوبُ قصف أهالي الكتلة المدنية، في المدن والبلدات والنواحي، بمدفعية الميدان والطيران الحربي والبراميل، تيمناً بالشقيق السوري، واحتذاءً عليه وعلى ابتكاراته ونجاحاته المدوية، بذريعة استهداف مقاتلي المنظمة المسلحة، المستولية والغاصبة في أحيان كثيرة. فتوحيد طرفي المعارضة، المسلح الارهابي والاهلي السياسي، نهج سار عليه نوري المالكي الثاني (في اثناء ولايته الثانية بين 2009 و2014)، ورعته السياسة الايرانية في شقها الحرسي والاقليمي، على نحو ما وافق هواها وميولها في سوريا الاسد، وهي السبَّاقة الى تجريد اصناف المعارضة كلها من المشروعية. وأسهمت في صوغ هذا النهج وبلورته في لبنان «السوري» والمحتل متعاونة تعاوناً وثيقاً وقوة الاحتلال والردع والتقويض السورية. وعليه، قصف «جيش المالكي»، على ما سمته المعارضة السنية العراقية وبعض المعارضة الشيعية، الفلوجة والرمادي حين تحصنت ببعض أحيائهما قوات «داعش» وبعض حلفائها وخصومها معاً، مثل المجلس العسكري (للثوار من العشائر المحلية) والجيش الاسلامي وكتائب ثورة العشرين وفيلق عمر وكتائب جيش محمد. وسبق أن قتلت القوات المسلحة «العراقية»، في قيادة زعيم حزب الدعوة ورئيس الوزارات الكثيرة بالوكالة المتطاولة ولاية كاملة، معتصمين في الساحات العامة لم يبادروا الى استعمال السلاح، وحرصت قياداتهم الدينية والسياسية على التزامهم شعارات سياسية وطنية ومسالمة. وفي أعقاب المجزرة رفع المعتصمون والسياسيون والمشايخ والمعممون السنة مطلب إنشاء حرس وطني محلي في المحافظات، على غرار البيشمركة الكردية، يلجم المبادرة المركزية أي الشيعية الى القمع الانتقامي المفرط.

وتذرعت الكتلة المذهبية المستولية بتوحيد الجماعات المعارضة، المذهبية بدورها شأن الجماعات الحاكمة الشيعية، في كتلة واحدة، الى اقصائها من الحكم، وتجريمها على ماضيها الصدامي واستبدادها بالعراقييين وتعاونها مع القوات الاميركية (ولو دفعاً للحرب الاهلية المذهبية وللخسارة الفئوية والوطنية)، والى إضعاف مكانتها السياسية والاجتماعية والادارية والمعنوية تمهيداً لاطراح مطاليبها من المعادلات والموازنات الداخلية والاقليمية، ودمغ هذه المطاليب بمخالفة المعيار الوطني والخروج عليه. وكان الاحتلال السوري وحليفه (وخصمه وعدوه) الفلسطيني امتحن هذه الصيغة من التوحيد والدمج، طيلة العقد الثامن وشطر من العقد التاسع، في لبنان، قبل تدويرها وتجديدها في المرحلة الايرانية والحزب اللهية التالية. وأثمرت استيلاء كاملاً على لبنان، وشقاقاً عميقاً في جماعاته الاهلية وقياداته، وشللاً أصاب دولته وهيئاته وسلَّمه لقمة سائغة الى تجاذب إقليمي لا نهاية مرئية أو مقدَّرة له. ويبيح التوحيد، ونفي حقيقة الفروق العميقة في صفوف الجماعة الاهلية، الاستئثار بالسلطة والمصالح والعوائد، والتستر عليه بوحدة الدولة وكيانها المهدد على الدوام بانقسامات المجتمع وجماعاته القومية والمذهبية والعشائرية المحلية، وبعلاقات الجماعات الاقليمية المتضاربة.

وفي آخر مطاف هذا النهج في إدارة الدولة، والاستيلاء عليها وتحطيمها، تسوغ الحربُ المفتوحة والمعلنة على الخصم الاهلي أو المعارضة الاهلية، السنية في المعرض العراقي. فيذهب الجهاز المستولي والمتسلط الشيعي، الى أن حرب «دولته» وأجهزتها الامنية والعسكرية الطيعة، الى الاجهزة الاقتصادية والخدمية، على مناطق المعارضة وعشائرها وسكانها ووجوهها أو أعيانها، تستبق توحيد صفوف المعارضة الحتمي والكامن، وتعالجه بالكي قبل أن يستفحل. والاستباق المزعوم هو من قبيل تحقيق التوقع أو النبوءة بقوة ذاتية: فلا يعدم غلقُ باب التجنيد في القوات المسلحة والقوى الامنية أو في الادارات بوجه من تطوعوا قبل أعوام في صفوف الصحوات إعادةَ «أبناء العراق» على ما سموا، الى احضان جيوش الاسلاميين والبعثيين ومنظماتهم الارهابية وأنصارهم. وإذا تصدى السياسيون لمعالجة بعض عوامل الاقصاء والافقار، والتصنيف على مراتب جدارة وطنية تحط بناخبيهم وجماعاتهم الى مستوى المنبوذين، فاقترحوا: 1) تحويل ملف المساءلة والعدالة («استئصال البعث» سابقاً- الكاتب) الى «ملف قضائي»، و2) إقرار قانون العفو، و3) التقيد بالتوازن القومي والمذهبي في الولايات السياسية والادارية، و4)إعمال مجلس دفاع أعلى، و5) سن قانونَيْ مجلس الاتحاد والمحكمة الدستورية، و6) انجاز المصالحة الوطنية، و7) حمل التعاون مع الدول الاقليمية العربية على محمل الجد (سليم الجبوري، رئيس البرلمان)- صَنفت قوى التحالف الوطني المقترحات هذه في باب إحياء «النظام المقبور» الصدامي، وتلبية برنامج أنصاره. ولم تميز الاخوين النجيفي والاخوين العيساوي والهاشمي وصالح المطلك من سلسلة «الامراء» الذين توالوا على رأس الامارت والدول «الاسلامية» الجهادية وقضاة شرعهم. وهذا على نحو حمل الجماعة الحرسية الخمينية في لبنان اشرف ريفي ونهاد المشنوق ورشيد درباس، ومن ورائهم سعد الحريري وفؤاد السنيورة، على مقاتلين في «حزب» زياد علوكي وشادي مولوي وحسام صباغ، على افتراض انضواء الثلاثة في حزب واحد.

ويتصل اليوم مفعول هذا التصنيف أو التمييز العملي والتطهيري من العهد المالكي (والصدري والحكيمي والجعفري والعامري، على رغم التظاهر المراوغ بخلاف لا تترتب عليه نتائج فعلية) الى غداة استعادة أمرلي وعشرات القرى والبلدات السنية المجاورة. فحين بسط مقاتلون أكراد وشيعة سلطانهم على هذه البلاد، حيل بين الاهالي السنة الذين فروا أمام «داعش» وبين عودتهم الى بيوتهم. وأحرق «المحررون»، وفيهم «خبراء« ايرانيون حرسيون على رأسهم قاسم سليماني وقائده ومادحه محمد علي جعفري ربما، بيوت الهاربين اللاجئين بعد سرقتها ونهبها على مثال مشهور و»شرعي». ويلاحظ مراسل وكالة رويترز من سليمان بيك أن الحال ترهص بمراكمة «المظالم» التي شقت طريق «داعش» الى صفوف العراقيين السنة، واستمالتهم وألَّبتهم حولها. وقد تؤدي الغارات الاميركية، اليوم، الدور الذي أدته الحملة العسكرية الاميركية والاوروبية في 2003. فتتصور عدواناً أو «حملة صليبية» على أهل السنة المسلمين، وانتصاراً لخصومهم ومناوئيهم من أهل الشيعة، «الصفويين» و»الروافض» و»النصيريين» المتربعين في سدة بلاد الشام. وهذا ما تذهب إليه شعبة القاعدة في المغرب الاسلامي وشقيقتها القاعدة في جزيرة العرب، ونوه به يوسف القرضاوي وبعض خطباء مساجد ديالى. ويفتي مرشد الجمهورية الاسلامية في إيران و»قائد الثورة» بحرمة التحالف مع اليد الاميركية «الملوثة». ومصدر التلوث هو مناوأة «القوة العظمى» التي تجوب أساطيلها بحار العالم، وتخيف صواريخها وأقمارها الاصطناعية وصناعتها الذرية السلمية طواغيت الاستكبار (ويقصد قائد الباسيج بهذا كله إيران وحدها)، وتقرر فتطأطئ القوى الغربية الرأس (الجنرال صفوي نفسه).

ومزيج التعريفات والمواقف والسياسات عود على بدء حرب العراق وإسقاط صدام حسين ونظامه. فحلُّ جيش صدام، وكان الرجل «صاحب الجيش» حقاً، وهو في حال انحلال لا تذكر بأمجاده وانتصاراته على الحرس الخميني والجيش الايرانيين في 1987 و1988 (وهو دان بشطر منها الى التسليح والتمويل الخليجيين في المرتبة الاولى) لم يسوغه الخوف من الحيش مقدار ما سوغه التقرب من الشيعة العراقيين، واستمالتهم الى صف المحتل، وإشراكهم في بناء ديموقراطية رائدة في الشرق الاوسط لا تقوم لها قائمة بغير اشتراكهم. وقاتلت القوات الاميركية، ومعها بعض حلفائها، «التمرد» الذي تولته قوى أهلية وعسكرية سنية على الخصوص. ومهد القتال الاميركي الطريق الى سيطرة الشيعة العراقيين على الدولة. وفي الاثناء تقاسم الشيعة العراقيين موقفان: واحد لم يرَ خيراً في الانخراط في العملية السياسية، في رعاية عسكرية أجنبية حيوية، وآخر أظهر تحفظاً لفظياً شديداً عن الرعاية الاميركية. ولكنه ألمح الى اسهامه القوي في العمليات القتالية التي ينظمها السنة «الجهاديون» والبعثيون، وانتهى به المطاف الى الانخراط السياسي والمؤسسي، وقطف ثمرات انخراطه وغالى في تقدير حقوقه.

وفي الأثناء، تولت السياسة الايرانية على وجوهها، الدعوية والحوزوية الاكليركية والاجتماعية والاقتصادية تحت عباءة أمنية راجحة، استتباع القوى الشيعية المتفرقة، وإضعاف القوى الوطنية العراقوية، على ما قيل في بعض ضباط 1936-1941 وفي عبد الكريم قاسم (1958-1963)، من شيعة البلد. وحين ينوه قائد الحرس الثوري (الباسدران)، محمد علي جعفري، اليوم بمنظمة بدر التي تعد 20 ألف مقاتل «يتمتعون بخبرات اكتسبوها خلال تواجدهم في إيران إبان الحرب العراقية الايرانية (1980-1988)، وعلى رأسها هادي العامري، مرشح ايران والمالكي و»بدر» الفاشل الى وزارة الداخلية، فإنما يزكي الرجل جزءاً من شيعة العراق الذين اضطلعوا بدور سياسي وأمني عسكري مزدوج في الاعوام «الاميركية» من التاريخ العراقي القريب، وقاتلوا في صف الحرس وإدارته. وجَمَع هؤلاء، وهم يتخطون منظمة بدر الى قواعد المنظمات العسكرية الامنية الشيعية كلها وإلى الشطر الاعظم من الطواقم السياسية الشيعية، التنديد الحاد بـ»الاحتلال» الاميركي، واستغلال عباءته الى التسلط على الدولة، والاحتماء به من غارات الجماعات الارهابية السنية، والتذرع بحصانته (وإحصانهم) الى اغتيال الكفاءات السنية العسكرية والمدنية التي برزت في الحرب العراقية الايرانية والاشتراك الرمزي الهامشي في اغتيال أميركيين.

ويدين العراقيون بخروجهم من الحرب الاهلية والمذهبية الساحق الى السياسة الاميركية، والى سعيها في انقلاب سنة محافظات الوسط والغرب على إرهاب «الجهاديين» وقيامهم عليه. ويدين شيعة العراق على الخصوص الى من يسميهم مقتدى الصدر وقادة «عصائب أهل الحق» و»ألوية اليوم الموعود» وفرق «حزب الله» الخارجة من «جيش المهدي» و»أتباع» آل الصدر، «المحتلين» ويتهددهم بالقتل ويتظاهر تنديداً بهم، (يدينون) بتحطيم العمود الفقري لسيطرة بعث صدام على العراق، جيشاً وحزباً، وبخلافته على السلطة. ومصدر جوانب بارزة من المسألة العراقية، اليوم، غداة غزوة «الدولة الاسلامية» وتوسعها، هو استحواذ المنظمات والحركات والفوضويات الشيعية على السلطة بواسطة قوة أجنبية. وكانت القوة الاميركية مطية المنظمات والحركات الى الاستحواذ، من وجه، بينما تشكو هذه عجزاً مدقعاً عن تدبير السلطة التي آلت إليها من طريق الاستيلاء والعدد، وحاجة المحتل الى الاستقرار والمغادرة، وليس من طريق «عملية» سياسية وداخلية.

ولم ير شيعة العراق أو «نخبهم» الحاكمة، ومعهم الحلف الحرسي والاكليركي (الحبري العلمائي) والاوليغاركي (المؤلف من المحاسيب والاقارب والوكلاء والوسطاء) الايراني، ضيراً في التستر بالاميركيين واحتلالهم وبـ»مقاومتهم» الخفية الى استيلاء غير مقنَّع على العراق، والانفراد بالتمثيل على وحدته الوطنية والرمزية، والسطو على عوائده وريوعه وتحويله بقرة عوائد وريوع، أو «مزرعة» وإقطاعاً. وحسبوا على مثال سوري- إيراني مدمر، أن الاستعداء على المحتل السابق من الارهاب الذي أحياه الاحتلال ومنحته مقاومة الاحتلال ثم مقاومة خلفائه قوة هائلة، شهادةُ مشروعية لا نهاية لها. ولكن الاستيلاء والانفراد والسطو والتحويل- وهي سبقت إليها «العصابة» الاسدية وما تسعى العصابات الحرسية والاكليركية والاوليغاركية في انجازه- لم تحل دون فضح قصور الاحزاب والتيارات الشيعية المتحالفة والمتخاصمة عن إدارة الدولة التي آلت إليهم وسوس انقساماتها التاريخية والطارئة.

ولعل القرينة الصارخة على القصور الفاضح هي عزم الولايات المتحدة، ومنسق عملياتها العسكرية والأمنية الجديد أو المتجدد في العراق، جون ألن، على ألا تنشر وحدات مستشاريها في مناطق شيعية، تفادياً لاغتيالها أو خطفها، وعلى أن تحيي هي شبكاتها الاستخبارية التي انشأتها منذ أوائل 2007، وتبعث حلقات اتصالها الخاصة بالعشائر والسكان المحليين. فالاجراء الاول يدل من غير لبس على ان الجهة العراقية الحكومية لا تضمن التزام الصدر والحكيم والخزعلي والمالكي والعامري وأمثالهم التعاهد الاميركي الحكومي. فهي جماعات لا تقاتل إلا تحت ألويتها الاهلية، على ما صنعت في أمرلي وأماكن أخرى. و»اعتبارات» المقاومات» المهدية والحرسية تتقدم التزامات الحكومة الوطنية. والاجراء الثاني ينوب مناب ما عجزت الحكومة السابقة عن الاضطلاع به، أي رعاية علاقات ثقة بالجماعات السنية في محافظات الوسط والغرب والشمال الغربي، من وجه، ونسج خيوط أمنية واستخبارية بالاوساط التي يقدَّر ضعفها عن مقاومة التسلل الارهابي، إما تحت ذريعة المظلومية وإما جراء إغراء شراء الولاء، من وجه آخر.

والقصور الحكومي المزدوج يتوج النهج الايراني الحرسي الذي انتهجه العراق «الشيعي»، المذهبي والسياسي، منذ ما قبل انعطاف 2003. ففي مجتمعات وبلدان دول هشة التركيب، وشديدة التعقيد الاهلي والاقليمي، تنتهج القيادة الايرانية المضطربة والكثيرة الاجنحة سياسة أو سياسات آلت على الدوام الى انقسام أهلي عميق، مذهبي إسلامي، مشتبك مع انقسامات قومية وعصبية ومحلية لا تقل عمقاً وتأريثاً وجمعاً عن الانقسام الاول. وأدى «تصدير الثورة»، وهو أفضى الى الحرب العراقية الايرانية، وكبد الايرانيين فوق الـ500 ألف قتيل وانتهى بهزيمة إيران العسكرية، الى استعداء الشطر السني الغالب من الشعوب العربية، والى صراع إقليمي مرير حسبت القيادة الحوزوية والحرسية الاوليغاركية أن سباقها النووي وتصدرها الصراع «العربي» الاسرائيلي (وهو فلسطيني اسرائيلي في المرتبة الاولى) قمينان بحسمه لمصلحتها. وجددت أركان السياسات الايرانية الاقليمية الثلاثة الحروب الملبننة في لبنان، وحالت دون طي صفحة النزاعات الاهلية في العراق، ولم تلجم بعض أثرها في اليمن والبحرين والسودان، ونفخت في النيران السورية وكتلتها المتأججة.

فالحروب الاهلية تحتمل، على خلاف الحروب الاقليمية بين الدول والكيانات الدولية، سحق العدو وإخراجه من الموازنات السياسية التي تقر «الكيانات» الوطنية كلها بالحق في الوجود والدوام والاحتساب. وهو ما لا تقر به إيران الخمينية والثورية (الحرسية) لشعوبها وأقوامها وجماعاتها وأحزابها المعارضة، والسبب الاول في لهاثها وراء سراب سلطنة جديدة، على مثال عثماني، إمامي وشعبي، طالما دغدغ خيالات حكامها وشيوخها ومتعلميها منذ الاسرة الصفوية فالقاجارية فالبهلوية الى «النظام» الخميني. وأدرجت الطغمة الخمينية والحرسية الحاكمة شطراً من حوادث الشرق أوسط العربي في ربع القرن الاخير، وعلى الاخص في العقد ونصف العقد منه، في رواية سياسية واستراتيجية تمزج الوقائع بالاحلام والخيالات مزاجاً هاذياً، العبرة منها أن إيران الحرسية والفيلقية هي عمدة النظام الاقليمي والعالمي «الجديد» الذي طوى الانظمة القاهرة، العثماني التركي والبريطاني والروسي والاميركي. وهذه الرواية تستعير من الروايات التاريخية «الكبيرة» خط بيان عريضاً.

ويزعم خط الرواية الايرانية البيانية أن الولايات المتحدة، ومعها تحالفها الغربي، هُزمت في العراق وهزم حلفاؤها الاقليميون، واضطرت الى الجلاء خاوية الوفاض ومثخنة بجروح «المقاومة». ولم يبق من برنامج «الثورة الاسلامية» الايرانية، على هذا، بند واحد لم ينجز: ففلسطين حررت أو هي على طريق التحرر عن يد «حماس» و»الجهاد» طبعاً؛ والعراق عاد علماً على الاسلام الحقيقي والطريق التي اختطها أئمة الهدى بعد أن كان دار كفر علمانية أو سنية لا فرق؛ وسوريا سند المقاومة وهي تكاد تكون ولاية من ولايات «حزب الله»، حزب «الثورة الاسلامية في لبنان» والقوة الاقليمية المهيبة؛ وهذه أربع عواصم عربية (وصنعاء هي العاصمة الرابعة المتوقعة) توالي طهران أو تأتمر بأمرها، وكلها عواصم كانت معاقل للنفوذ الاميركي الاسرائيلي وحلفائه أو أتباعه الذليلين. فالهزيمة محققة وفادحة في عقر دار الاستكبار الكبير وملحقاته الصغيرة.

ولكن الحركات التكفيرية والارهابية والسلفية المقاتلة، مجازاً أو فعلاً، أبطلت هذه الرواية وكذبتها. وكانت انتفاضة الايرانيين في ربيع 2009 وصيفه السباقة الى التكذيب، وهي لا تمت الى النعوت المتقدمة بأضعف صلة أو رابطة. فلما انتفض سوريون متوسطون على نيف واربعة عقود من القهر الممانع والعروبي الامني، ومن العقم المدمر على الصعد كلها، فزع «النظام» وحلفاؤه الى طيف الارهاب التكفيري وفزاعته الرادعة، وجعلوه بديلاً من الفضيحة التي تفتق عنها قيام السوريين على جثة النظام المتحللة منذ عقود والمتربعة في خواء عزوفهم وقرفهم واستقالتهم. ولم تعجز أجهزة بشار وحافظ الاسد عن صد القيام عليها فحسب، بل اضطرت الى حضانة الجماعات «الجهادية» الارهابية والتعرض لأخطارها المميتة رجاء الحصول على حياد دولي وإقليمي بإزاء تدميرها العشوائي للمجتمع السوري وبلاده. وها هي اليوم تستجدي تبليغاً أميركياً وإقليمياً بعمليات التحالف، بينما تزعم السياسة الايرانية انها تريد «التنسيق» مع الاميركيين وترفض «القيادة» الاميركية، وتتداعى الرواية الاسطورية عن هشاشة يرثى لها. 

السبت، 6 سبتمبر 2014

على هامش ملحق «نوافذ» الخاص «المشرق... مسيحيين ومسلمين» ومقالاته إخفاق علاقات الجماعتين وجه من الحط بالحداثة إلى فولكلور أجوف

المستقبل 7/9/2014

خلا «المشرق... مسيحيين ومسلمين» (المستقبل/نوافذ، 24/8/2014) من بلدين، الاردن وفلسطين، هما من المشرق، وعلاقة مسيحييها ومسلميها بعضهم ببعض هي بمنزلة القلب منهما. وخلا كذلك من الجار المصري «الكبير». وهذا ربما استبعدته دائرة الجغرافيا غير السياسية ولا الاجتماعية، وتقطيعها البلدان والمجتمعات بحد الشفرة «الاستعمارية»، ولا تقل قسوة عن العصبية القبلية أو عن العصبية الاعتقادية الحشوية. فبقي في دائرة المشرق العريضة والمضطربة 3 بلدان هي لبنان والعراق وسوريا. والبَلَدان، الاول والثالث، مسرحا ضروب وأصناف من اختبارات واو العطف (في عنوان الملحق) ومصائرها ووجوهها، لا تحصى. وكانا، قبل محنة الموصل وسنجار والمدن الاخرى في أواخر الربيع المنصرم وأوائل الصيف والمحنة فصل من فصول محن عراقية متصلة وعامة على ما يذكِّر شاكر الأنباري، مرجع الكلام في «المسألة» الطائفية وشؤونها وشجونها. وعادت (ومنها العائد والعوائد) المرتبة المرجعية الاولى من المسألة الى «لبنان الطائفي»، على قول أحد أصحابنا غير مبتدئ ولا مبتدع، وعلى ما يصر بعض من لم يفيقوا بعد 40 شهراً مريرة ومروعة على التناثر السوري من هوام الوحدة الوطنية العميقة والراسخة.

ولا تلم مقالات «المشرق...»، اللبنانية والعراقية والسورية، إلا بالمدن أو البلدات الكبيرة والقوية الشبه بالمدن، من دون الارياف الشاسعة وسكانها المتنوعين والمختلفين، مصادرَ قومية ومعتقدات ومذاهب وعمراناً واجتماعاً ومعاشاً. فمن صيدا وطريق الجديدة وتلة الخياط والطيونة والشياح وعين الرمانة ببيروت الى القامشلي والحسكة وحلب ودمشق ودرعا وطرطوس واللاذقية، بسوريا، فإلى الكرادة والمسبح والعرصات وكمب الارمن والبتاوين والدورة ببغداد- وظلال بعيدة وضعيفة من قرية بجنوب لبنان وأخرى جردية بأقصى جنوب لبنان الشرقي، أو من يبرود بالقلمون السوري، أو الحامضية من قرى الرمادي- تطل جماعات مسيحية وأحياء وحارات ويطل أفراد في ثنايا الاخبار والروايات والذكريات ومقالات الاحتجاج والبرهان. وغلبة المدن، وأهلها وأخبارها، على المقالات «المشرقية» المترجحة، زمناً ووقتاً، بين أربعينات القرن العشرين وبين ثمانيناته (فيما يعود الى تأريخ المرويات ولا يعود الى الرأي وأحكامه)، والرواة من أهل هذه المدن، إقامةً إن لم يكن أصلاً وحسباً، وقطعهم التعليم من الارياف وأهلها وعاداتها هذه الغلبة ليست مدعاة عجب ولا دهشة.

الدين والاقاليم

ولكنها مشكلة، على المعنى الحرفي أو الاشتقاقي. فالمسيحيون تقصرهم صفتهم هذه على تدينهم بدين وإيمان، وعلى ما يتبع تدينهم هذا ويتفرع عليه من شعائر وسمت وإقامة ومشاعر وتلفظ بلغة وأسماء وغرابة أو اختلاف وسرائر ومهن أو أعمال... وهم هذا أو على هذا كله وغيره مثله. وينزع سكن المدن والبلدات المتمدينة الى تسوية سكانها على حد سواء أو واحد، ويحملهم على مثال مشترك. وهو يغمط أو يقلل علامات الاختلاف وقرائنه الداخلية أو البينية. فإذا نسبوا الى بلدانهم، أرياف وأقاليم أو مدناً، على ما يصنع غازي دحمان، تفتقوا عن فروق كثيرة: «... مسيحي حوراني ومسيحي حلبي ومسيحي حمصي ودمشقي... (فـ) العصبية المسيحية هي عصبية إقليمية مناطقية (و) يتعصب ابن حوران لحورانيته ويميل الى إبقاء منطقته من الديانات الاخرى أكثر من ميله لابن طائفته من منطقة ثانية».

وصاحب الملاحظة- وهي تصح في أوقات السلم فوق ما تصح في «أوقات الحرب»، على ما أرى- ريفي، من ريف محافظة درعا الغربي، حيث لا يقيم مسيحيون، وهم يقيمون إما «في المدينة نفسها (أ) وفي المناطق الشرقية». والمدن العربية المشرقية، والساحلية على الخصوص، هي مدن عثمانية الى أمس لا يعدو قرناً... ضخماً والحق يقال. وهي نشأت أو توسعت في أواخر القرن الثامن عشر، واستقبلت موجات النزوح العريضة من بوادي العشائر وأرياف الشاوية التي قسر أهلها على استجابة «دعوة» الاراضي المستصلحة حول المدن وزراعاتها السوقية التجارية والمصدّرة. وذلك على نحو ما حملوا على العمل في المشاغل الاوروبية والوطنية الجديدة، وفي مرافق أخرى قربتهم من «الغرب» وخدماته وتجارته وشروطه. فكانت الهجرة الى المدن، حيث «سبقت» العامة المسيحية، وسبق الأجانب وبعثاتهم القنصلية وتجارهم وإرسالياتهم ومدارسهم، تخلياً جزئياً وحقيقياً عن رسوم وسنن اجتماعية كثيرة غلبت غلبة تكاد تكون ساحقة على المعتقدات والافكار والمشاعر. ونشأت عن الهجرات وعن تصدع العمران المتوارث عامةً مسلمة أو عوام مسلمون، من خارج أهل المناصب والإدارة والحرب والتجارة والاقطاعات. وكتاب «نوافذ» هم، على الارجح، من ذرية هؤلاء العوام، مسيحيين (مسيحياً واحداً) و»مسلمين».

والارياف المشرقية لم ترعَ الفروق الدينية والمذهبية، الى الفروق البلدانية والاقليمية الكثيرة، وحسب. فهي كانت مدار نزاع حاد على الارض والعمل ونتاجهما وأخْرجَتهما، وعلى الجماعات ومعتقداتها. وطيلة خمسة قرون الى ستة كان المسلمون في الارياف قلة، وكان ذراري «النبط»، وهم خليط الفرق والجماعات المسيحية البلدية والاهلية والاقوام المترحلين من «الجبال» الأسيوية، هم الكثرة الغالبة. فالفلاحون وأهل الزرع «العرب»، أي المستعربون والمولدون، بقوا قلة قليلة ومتجددة. وبقي الزرع حرفة أهل الارض الاصليين ومهنتهم، المهينة في نظر المقاتلة والغزاة وأهل الريع و»الخوة». فكان أهل الزرع الاصليون القوامين على الغلال والتموين، وعلى الارض. وأقام بعضهم على هذه الحال الى مطالع القرن التاسع عشر. ومن سكن المدن والامصار من المسيحيين واليهود أو أقام على سكنها، ومن أسلم من أهل بلدان الفتوح، ولم يكن مسيحياً ولا يهودياً، عمل في المرافق الادارية والتقنية والكتابية، أي الدواوين والجباية والكتابة والطبابة والصيدلة والحرف.

وعلى هذا، لم يعرف المشرقيون المتأخرون (زمناً)، ولا عرف آباؤهم، وربما أجدادهم، مسيحيين إلا على شاكلتهم هم، عوامَ مدن متمدينة على الدوام وتفتقر الى مدنية متصلة. ولعل الافتقار، في رواياتنا اليوم، الى اختبار علاقات ريفية وبدوية، على شاكلة بداوة عرب شرق الاردن المسيحيين أو «بلاد مؤاب» في أوائل القرن العشرين أو أشوريي ريف الحسكة (عساف العساف)، دعا الروايات المتفرقة والمعاصرة الى الاحتفاء الأَخَوي بما يشبه شبهاً قوياً شعائر التسليك الشخصي والاجتماعي، أو شعائر الانتقال من حال خارجية متحررة من التبعات الى حال اندماجية مؤدبة، على ما سمتها الاناسيات. فالمسيحيون الذين تتعرض لهم الروايات معظمهم أهل مدينة أوائل. فهم سبقوا الى التطبع بطبائع يقتضيها أو يفترضها اختلاط الإقامة، وضعفُ أوامر الاسرة الواسعة ونواهيها وأحكام عملها الصارمة، وتعرض النساء للانظار والرغبات، والتحصيل الدراسي والمهني واختبار العمل والاقامة والتزاوج في ضوء دواعي التحصيل المزدوج وفرصه المتنوعة والكثيرة. وتنعقد هذه العوامل على إبراز من تعمل فيهم، وفي مجتمعاتهم، في صورة آحاد أفراد وأسماء، تصفهم سيرهم وحركاتهم وسكناتهم ووجوههم في هذه المواقف أو تلك.

أسماؤهم

فيحصرون الاخبار المروية بأسمائهم: مي المر وبيتها بالأشرفية وكميل شمعون زميل الصف في الجامعة العربية وسعيد عقل ومكتبه بعين الرمانة وجان دكاش وابنه نديم مقاتل «القوات اللبنانية»؛ ومريم القسيس جدة الام الكاثوليكية واليبرودية القلمونية والاب عفيف عسيران «الخوري (الراهب) المتوالي» وزملاء وزميلات دراسة الجامعة اللبنانية وملتقاها الدراسي والغرامي؛ وسمير أيشوع سرياني قامشلو ومخرجها المسرحي ووارث أصحاب صالات سينماها الاربع ومقاهيها الكثيرة والمحرض على إحياء تقاليد التشبه بالممثلات والممثلين وثيابهم وقبلاتهم وتسريحاتهم، وكابي موشي مسؤول المكتب السياسي في المنظمة الاثورية الديموقراطية (السريانية)؛ وفارس وإخوته وأبناء أعمامه الاشوريون المسيحيون المتقاتلون في ريف الحسكة وبيضهم الملون في عيد الفصح ووالد الصديق القادم من وادي النصارى المحوَّر «وادي النضارة»؛ وجوزفين جارة أم ذيب في بناية شهاب «الحديثة الضخمة» في الشياح والمدرِّسة زلفا الخوري في مدرسة الراهبات بفرن الشباك وأم جوزف مضيفة يوسف في ليلة عيد الميلاد وصاحبة القبلة الاولى الجانبية على وجهه ومتلقية القبلة الاولى التي طبعها الولد على وجه امرأة، وسوزان سكرتيرة مكتب المهندس؛ وجامعة البزاق الصباحية عن البلان في الحقل قبالة الضيعة واسكندر الحداد رفيق اللعب وآل الحداد صانعو السكاكين وأساتذة اللغة الفرنسية وعلم النفس والتصوير وفيليب التلميذ الثانوي المتواري والعائد والصديقة الآتية من القدس؛ ونوشا البلغارية ومنزل اهلها بكازنلك (مدينة الورود) ؛ و»البارون» بيدروس الحلبي وزوجته وابنتهما هاسميك (ياسمين) وساكو الجار الآخر الميكانيكي وكيفورك تاميزيان طبيب القلب قبل رحيله وصيدلي حي الهلك وحنا كعدة صاحب المطعم وأبو آكوب صاحب الخمارة وباسيل صاحب المشرب؛ وميشيل الطرطوسي والمشعنن وساكو الفتى الارمني الوسيم وصاحب قبلة مختلسة ومَرْضية أولى في مدخل بناية معتم بشارع القصاع الدمشقي وجانيت الشابة ومدرسة الرياضيات المتوفاة فجأة والمسجاة في كنيسة القصاع وسميرة وليندا صديقتا الوالدة وهيثم وديما اليبروديان وخالة ديما وأخوالها اليباردة؛ وفارس نوئيل لاعب الكرة البغدادي وزميل المدرسة المتفوق والمتمتع بـ45 دقيقة من الحرية في اثناء ساعة درس الدين وميسم الحسناء والمقيمة خلف الكنيسة حيث يتنقل المسيح بين 14 مرحلة من مراحل الجلجلة وسلوى زوجة الخال المورثة بناتها حسناً وتربية وهيئة جعلنهن محط رغبات أولاد العمات وأخت فوزي الطيار العسكري وصديق الصديق الذي بقي عاشقاً صاحبة الطلة الاولى الواقفة بباب بيت بولس وامتنع هو سليل العترة من «دمج عالمين متناقضين»؛ ووليم سركيس، صاحب الحانة البغدادية «المجنون» وجليس نجم والي حتى بعد تبدد «ضربة الناقوس وصوت المغني وهلهولة العرس»؛ والسيدة كوتية الخادمة قداديس كنيسة مار نقولا العجائبي الارثوذكسية بطرابلس لبنان وابنتها زكية ذات الاعوام الستة عشر والشديدة البياض والشعر الحالك السواد والعينين الواسعتين والعاشقة رفعت المصري ابن عبدالله المصري تاجر الاقمشة الحريرية ومقدمته على القريب الطبيب والهاربة الى طرطوس مع زوجها؛ و»سور» (الاخت الراهبة) أدلين، طاهية مدرسة العائلة المقدسة ببعبدا «القصيرة السمينة ذات الوجه المحمر« ومدرسة اللغة الفرنسية وقتيلة سقوط طائرة غادرت بها أدلين لبنان المشتعل الى وطنها فرنسا؛ والوالدة المتحدرة من «عائلة سريانية عتيقة جداً، من مدينة مديات» بديار بكر، وزوجها جورج عوض، المحامي وأحد أوائل البعثيين اللاذقانيين السوريين والسرياني الأصل كذلك، وأصحاب الاولاد المتنكرون بزي بابا نويل وواهبو الهدايا عشية الميلاد الى أولاد الاهل المسلمين؛ والسيدة قرعوني والسيد زوجها وانطوان ولور والقس قارئ الانجيل وزوجة الثري مضيفة عقد من السهر... (ينبغي الاعتذار الى القارئ عن الاطالة المفرطة وغير الوافية معاً، ولا عذر إلا الرغبة في الاستعادة والترجيح، «فإذا تركتَ، أدرتُ الاسطوانة في رأسي»، على ما يغني فيرّيه على لسان إحدى العاشقات).

وتضطلع المدرسة، مرفق التعليم على مراتبه ومراحله، بالدور الاول في التلاقي والتعارف والاختلاط وانعقاد المودات. وسبق المسيحيون، مدرسين وتلامذة، الى هذا المرفق الذي تعهدته ارساليات اجنبية دينية ورعته في وقت مبكر من التوسع الاوروبي، وأقامت على رعايته على رغم إخفاق «التبشير» والاستعمار»، على قول مسلمَيْن لبنانيين وبيروتيين حصرا غايات التدريس في هذين الغرضين (وبقي «الاستعمار» غائماً في ذهنهما الديني المحض). والسبق في هذا المضمار موقت ومتناقض. فهو لا يلبث أن يجر إقبال «المتأخرين» ولحاقهم بالسباقين. ولا يحجز حاجز دون الاقبال واللحاق و»النبوغ» في الشوط المشترك، على ما حصل في مجتمعات كثيرة قد يكون لبنان أقربها الى التمثيل والتحقيق. ومن «المتناقضات» تولي أسلاك رهبانية كاثوليكية توسيع التعليم في بلدان نفوذ دولها المستمِرة والمتحدِرة من ثورات ديموقراطية وتنويرية قامت على النظام القديم، وعلى حلف السيف الاريستوقراطي ومرشة الماء المقدس الكنسية. ومنها كذلك يقظة بعض المسلمين، من المتعلمين في المرتبة الاولى، على تراثهم وتقاليدهم، وخصائص هذه وذاك، وطلبهم «المفاصلة»، على قول سيد قطب، قبل التكفير والهجرة وقتال الجاهلية و»أصنامها»، والعودة الى «حكم الله» وشرعه. وعلى نحو ما طعن سيد قطب، المصري، في تولي المتعلمين المسلمين معلمين ومدرسين غير مسلمين، وتابعه على طعنه أساتذة خمينيون لبنانيون (بعضهم من منشأ غير مسلم)، تقضي الدائرة الشرعية في «الدولة الاسلامية» (البغدادية أو السامرائية الابراهيمية) اليوم بـ»اصلاح» التعليم وتطهره من آثار الغرب وعلومه فيه.

والتعليم، الإرسالي الخاص أو الرسمي الحكومي، جسر الى التعارف خارج المدرسة أو الجامعة، على نحو ما هو عقدة أو وصلة تقوي اختلاط السكن في الناحية الواحدة أو الحي الواحد، وتسوغه وتمده بذرائع تطيل أمده ووقته. فإذا بزملاء المدرسة أو زميلاتها أصدقاء طفولة ففتوة فشباب فـ»عمر». وهذا باب على الصداقات وروابط الهوى القوية، وباب على المثاقفة والانخراط في شراكات المكاتب الهندسية والقضائية والجمعيات المدنية والثقافية والسياسية. فإذا اجتمع الى هذا ضعفُ حجز المسيحيين المدينيين بين النساء وبين الرجال، أو الاختلاط والتعرض «الجنسيان»، ومشهديةُ الشعائر المسيحية وعلانيتها ومواكبها وتوسلها، الى الصوت والترنيم والصور، بالماء والضوء والالوان والسعف وأوضاع الجسم والوجه وعباراتهم الكثيرة- تمتع المسيحيون المشرقيون بمكانة أثيرة في قلوب المسلمين المشرقيين من أهل المدن والعصبيات الضعيفة والعامة والشبان والمتعلمين، وفي صدورهم وعقولهم.

ويفتقر الاحصاء المختصر هذا الى توقيت أوقاته المختلفة، وجغرافيتها، والى سياسياتها تالياً. فالكلام على مكانة أثيرة، أو على نفور، يفتقر الى تخصيص كثير الاوجه، في وسع من شاء التماسه جزئياً في مقالات «المشرق... مسيحيين ومسلمين». فما اقتصرت الروابط، واقتصر التعرض على فتيان (وفتيات) من غير اواصر عصبية قوية وفي طور الانشاء الذاتي أو «البحث عن الذات» (بحسب عبارة موروثة)، وخارج النزاعات الاهلية وتشمير الجماعات المرصوصة موقتاً لها، ارتفعت القيود عن الاقرار بالمكانة والسبق والريادة. ولا ينفك توافر شروط هذا الموقف من تبلور سياقات مدينية وعامية مؤاتية تتصدرها المنازع والميول الفردية، وتقدم معاييرَ الذوق والحكم والمناسبة المرسلة على معايير التقليد والقياس والاجماع المغلقة والمحصورة.

عشائر الطبقة الوسطى

ويترجح محمد أبي سمرا ترجحاً حاداً في تعريف السياقات المدينية الناشئة عن اختلاط أفراد متحدرين من «أصول» مختلفة. فيذهب، من وجه، الى أن «الغرباء» الذين يأتلف منهم حي السكن الجديد ينسج الواحد منهم من «الكلمات التي يسمعها محادثه ومن لهجته وملامحه وحركاته وثيابه وعمله، ملامح صورة ما لجاره الجديد». وهو يصنع هذا «ليكلمه ويتعرف إليه كشخص فرد». ومن وجه آخر، «يستقرئ له أصلاً وفصلاً ما، نسباً أو هوية سابقة على وفادته الى الحي وإقامته». ويجتمع الوجهان، الفردي المرسل والنَّسَبي السابق، على انشاء «بنيان رجراج ومتفاوت، أثناء تعارف السكان وتخالطهم وعلاقاتهم اليومية المتفاوتة التي تروح تجلو ذلك البنيان في مخيلاتهم المتغيرة والمتبدلة، وتملؤه بالصور وتهاويهمها». وتستثني الرواية من عموم السكان «عمال الطباعة وزمرة الزعران وسائسي الخيل في الاسطبلات». فهؤلاء جماعات متحجرة على هويات صلبة، كانت «(قوية) مادياً و(هامشية) معنوياً أو رمزياً ، في منتصف الستينات من القرن الماضي. وعلى حين تهاوى «الفضاء المشترك» الذي حاول السكان الوافدون والمختلطون إنشاؤه، وتمزق نسيجه، جنحت كتل من المقيمن، بعد أن يمم أولادهم شطر المدرسة والعمل والاقامة الثابتة والتحزب، وأمكنتهم تجارتهم وهجراتهم من شراء الشقق والمباني، الى استئناف عصبيات جامعة على أركان جديدة ليست المذاهب الدينية أقلها تماسكاً. وانقلبت هويات الهامش هويات محورية ومقاتلة، مادياً ومعنوياً رمزياً، وطلقت «الصورَ» وفرديتها. وصنعت من تساقطها الاول ذريعة الى كتل عريضة لاذ بها الضعفاء والمستوحدون والمتعثرون والمستضعفون المحرومون، وانتصبوا أعداء للمسيحيين واختلاطهم وفرديتهم ونسائهم ولغتهم العربية الرخوة ومدينيتهم وحسيتهم وغربيتهم...

ويؤيد وصف رستم محمود أحوال القامشلي ومرافقها «السريانية» ما يذهب إليه محمد أبي سمرا اليوم، وهو كان ذهب إليه قبل عقد من السنين، وتناول حوادث تعود الى أربعة عقود لبنانية تامة. فالمرافق «السريانية»، المسرح والسينما والمقهى والنادي، والكشافة والمسبح وفنون «الحياة» والمنظمة السياسية الديموقراطية والاهلية، حَمَلت على «تحرير الذات»، وطوت «الادوار التقليدية» البطريركية والعشائرية أو حاولت طيها. فقسمت الناس اثنين، أو حالين ودورين: «باتت الفتيات تقلد... فاتن حمامة ورقتها وثيابها وقبلاتها المسروقة (و) بات اليافعون يقلدون تسريحة ألفيس بريسلي...». وما صنعته الجماعات المتكتلة في الشياح، صنعته الناصرية الأمنية في القامشلي: «أغلقت نادي الرافدين، منبع كل... المؤسسات والمدنية... بأقفال حديدة صدئة»: فهجر رواد السينما صالاتها، ومقاهي المدينة «باتت صالات مضجرة لبيع البضائع الصينية التقليدية». فالمكلَّف أو ابن العشيرة، على نحوين مختلفين ومتضافرين، حلقة في سلسلة متماسكة من الفرائض والتبعات والحدود، فإذا تعداها وقع في الابتداع والهوى، وأضعف الجماعة والعشيرة. وعلى خلاف المكلَّف وابن العشيرة، «السريانيُّ» أو «ساكن الصور» مزدوج أو هو اثنان. فهو يعاني انقساماً يحول بينه وبين مطابقته نفسه مطابقة تامة وحلوله فيها، على خلاف مقتضى «طلب المُلك بعصبية»، على قول ابن خلدون عائباً على فرق الشيعة «الطالبيين» في زمانه «طلب الملك بغير عصبية»، ومنكراً عليهم الأمر.

وعلى هذا، فالمسيحيون المشرقيون المدينيون أهل مجتمع، على معنى تعاقدي وطوعي إرادي وفردي، وليسوا (لم يكونوا، في اواخر القرن التاسع والى منتصف القرن العشرين) أهل «دولة»، على معنى طلب الدولة والملك من طريق عصبية مستولية و»شوكة» ملتحمة. والفرق بين موارد القوة الاجتماعية وبين «ترجمتها» السياسية هو ثغرة مميتة ومدمرة في بنيان المجتمعات العربية والاسلامية ودولها. وإذا كانت المجتمعات مسرح منازعات حسية جمالية وفكرية وعملية أخلاقية، أو بقيت هذا المسرح الى النصف الثاني من القرن الماضي على رغم «الاخوان المسلمين»، فـ»الدولة» في مثالها العربي والاسلامي مدار استيلاء وغنيمة بالقوة المسلحة النظامية أو بالقوة الاهلية والعصبية. والفرق بين «الطبقة» المستولية وبين «رعية» المواطنين المذعنة هو الفرق بين الرؤساء والمشايخ الاقحاح والأسياد وبين «الناس» وعوامهم وسوادهم في أعقاب خروج القبائل من البادية (الاسطورية) الى الحضر وملكه وسلطانه وغاشيته وعبيده. فالانظمة السياسية التي تقوم على الفتوح والاستيلاء والريوع وأجهزة البيروقراطية غير القانونية ولا العقلانية، دأبها تحصين نفسها من «مجتمعاتها» و»حركات» أي انتفاضات هذه المجتمعات. فإذا كان مصدر «الحركات» جماعات من الخارج الملي والأهلي والسياسي والاجتماعي حق قمعها وقهرها وتمهيدها من غير بقية.

فحكاية المسيحيين المشرقيين، على ما رواها كُتّاب «نوافذ»، هي حكاية إخفاق مشرقي عميم. ويتطاول الاخفاق الى كل الجماعات التي سعت في إقامة جسور بين المجتمع، أي عملياً بين الطبقات الوسطى المدينية، وبين الحكم وهيئاته، أو سعت في ازدواج المحكومين أفراداً خاصين (مجتمعاً مدنياً) ومواطنين في دولة. وتطاول الاخفاق الذريع الى انشاء مدن ليست ائتلاف قرى وأحياء ومذاهب ومهن مختلطة ومتداعية، والى صوغ ثقافة ليست أصداء متنافرة لمثالات معيارية.

السبت، 23 أغسطس 2014

حين دقت مسز عايدة بوابةَ الأهل وردت الولد التائه إليهم...

المستقبل، 24/8/2014

  
                                                                                               
لا يذكر الولد الناشئ أو المترعرع في بعض أسر المسلمين الصيداوية، المدينة الساحلية والمختلطة، أو البنت جبيلية، الداخلية الريفية والشيعية من غير استثناء والقريبة من عين إبل المسيحية ويارون المختلطة، شأني، ابتداءً لـ"علمه" بالمسيحيين، وحضورهم عالَمه، وهو عالم أهله ودنياهم القريبة في أربعينات القرن العشرين. والحق أن تعريف أصحاب هذا العالم، وهم الأهل ودائرتهم الاقرب، بالمدن والبلدات الكبيرة، وبمواقعها وقربها من بلاد ينزلها مسيحيون أو بعدها من هذه البلاد، لا يستوفي أسباب "العلم" المبكر (أو المتأخر) كلها، ولا معظمها. فإلى قرب مساكن المسيحيين من مساكن الأهل المسلمين وجوارها القريب، وهذا القرب تشاركه سَكَنُ الجماعات الدينية المتفرقة في معظم المدن الصغيرة والقليلة السكان أو في البلدات والقرى يومذاك، أدى عامل آخر الدور البارز في التعارف والاختلاط المبكرين، هو الدراسة والتدريس.
 فالأسرتان اللتان رعتا نشأتي، أسرة أمي في صيدا وأسرة أبي في بنت جبيل، وغلبتا على حضانتها، وقامتا محل العائلة النواتية التي قوضها انفصال الوالدين السريع، هاتان الاسرتان كان التعلم والتعليم في مدرسة رسمية أو أهلية مختلطة تقليداً جارياً فيهما. فلم يقتصرا، التعلم والتعليم، على والدتي ووالدي، وهما تعارفا في دار المعلمين ببيروت (حوض الولاية) في ثلاثينات القرن الماضي، بل سبقا الى جدتي لأمي، وهي توفي عنها زوجها، التاجر المتواضع، ولما تبلغ الاربعين. وترك لها ستة أولاد، 4 بنات وولدان فتيان، ولم يترك إرثاً يعود عليها، وعلى أسرتها، بما يعيلهم. فتوسط بعض وجوه العائلة، وعلاقتهم بموظفي الانتداب الفرنسي لا تشكو الجفاء، وهي كانت تحسن القراءة والكتابة، فوسعهم تحصيل عملٍ في التدريس لقريبتهم، ومع العمل مرتبه أو راتبه الشهري والنقدي الجاري.
 وجدي لأبي كان شيخاً معمماً، درس على عمه، أخي والده ووالد زوجته من بعد. وكان عمه نجفياً شاباً، ومدرساً معروفاً. وحالت الحرب الاولى، بين حواجز ومواضع أخرى، دون سفر الشاب، جدي، الى النجف. فخلف عمه، وهذا توفي شاباً، على بقية مدرسته. فكان أن طلب معظم أولاد جدتي لأمي، خالاتي وأحد الخالين، ومعظم أولاد جدي لأبي، أعمامي وواحدة من العمتين، "العلم"، ودرسوا (ودرسن). ومعظمهم انتهى مدرساً أو معلماً وأستاذاً في مرافق الدولة التعليمية. وقلة يممت شطر التجارة وزاولتها في المهجر وراء البحار، وفي الوطن، على قول الناس الشائع يومها.
 وكان التلامذة والمعلمون، أولاداً وأهلاً، مسيحيين ومسلمين (ويهوداً بصيدا)، يختلطون. فيحضرون المدرسة معاً، ويتداولون الرأي في شؤون التدريس. وبعضهم كانوا يتزاورون، فلا تبقى المعرفة والمودة والإلفة حكراً على العاملين معاً أو على المتتلمذين، وتتخطى هؤلاء وأولئك الى الاهل والاقارب والجيران. ولم يكن ليفوت الجيران الفرق الظاهر، في القيافة والملبس، بين الزوار وبين من يزورون. ويعود تذكري الاول زيارة أصحاب أو اصدقاء مسيحيين اهلي بمحلة المصلبية، بصيدا القديمة المملوكية، الى الوقت المدرسي هذا. فأذكر أنني في وسط جمع من الاهل، هم أمي وجدتي وخالاتي وخالي، على الارجح، والحاجة عائشة – مالكة الدار التي كان أهلي يؤجرون مسكنهم منها، ويختلفون الى اليوم في شهرتها العائلية، فيذهب بعضهم الى انها من آل العيتاني، وأذكر أنها من آل كشلي، وهي عائلة الحاج صاحب الدكان في أسفل المبنى-. وربما كان أبي بين المجتمعين.
 وفي الجمع العائلي القريب رجل وامرأة على حدة من الاهل. والمرأة طويلة، عنقها الطويل والأملس والطري يزيدها طولاً ووجهها مبتسم من غير انقطاع. وتكشف ضحكاتها عن صفي أسنان بيضاء وقوية الالتماع، تحوطهما شفتان حمراوان وممتلئتان، ولا ريب في عودة حمرتهما الى قلم حمرة. ويجلل الرأس شعر قصير غريب يميل كذلك الى الحمرة. وتلبس المرأة الشابة، البيضاء والجميلة والضاحكة، تاييراً، من سترة وتنورة زرقاوتين. والى جنبها رجل يبدو أقل فتوة وضحكاً وانفعالاً منها. فهي تتوسط الجمع، والاهل مشدودون اليها والى روايتها، ويعلقون على كلامها. ويتردد في التعليقات اسمها، عايدة، أو مسز عايدة، أو نسبتها الى شهرة زوجها أو شهرتها هي، مسز قرعوني. وموضوع الكلام والرواية والانفعال هو أنا، العائد من تيه خارج المدرسة القريبة، وكنت "أدرس" في حضانتها الاولى، قادنا الى السكة الحديد في ضاحية صيدا، بين المدينة وبين مدرسة الاميركان الانجيلية، بجوار ما صار مخيم عين الحلوة في أعقاب سنتين ربما من رحلة "ضياعي"، على ما سمى الأهل الرحلة المرتجلة الى موضع لا علم لنا به ولا داعي أذكره في وسعي أن أسميه دعانا إليه.
 وحملني ربطُ أجزاء المشاهد بعضها الى بعض ووصلُها، وهذا ما رواه الاهل من بعد علي مرات كثيرة، حملني على خبر متماسك هو اننا "ضعنا"، زميلي وأنا، ولم يدر الأهل كيف يقتصون أثرنا، ولا أين. وكان الوقت بعد الظهر، وقريباً من الغروب، والفصل ربيعاً أو آخر الشتاء. وقضوا ساعات مرهقة من القلق والتخمين في أبشع التصورات والخيالات. وقبيل المساء، دق بوابة الدار زائران، السيدة قرعوني ، إذا صح أن هذا اسمها، وزوجها، ومعهما ولد البيت الضائع. وروت السيدة على الجمهرة الصغيرة انها وزوجها كانا يمران بجوار خط السكة، عائدين من زيارة أهل في المية ومية القريبة، ورأيا الولدين، فقالت عايدة أن احد الولدين يشبه ابن أخت توفيقة، خالتي وزميلة دراسة السيدة أو تدريسها. وأدركت أن الولدين هاربان أو تائهان. فما كان منها ومن زوجها إلا حمل الولدين في سيارتهما، أو في حنطور (عربة يجرها حصانان) كان بعض أهل صيدا يستعملونه في انتقالهم القريب.
 وهذا الجزء من الخبر لم يبق شيء منه في ذاكرتي. فأنا أذكر مشيي وصديقي بجوار السكة الحديد وعلى عارضات الخط، ووقوفنا على مصطبة محطة تشرف على السكة، وكلامنا الى رجلين سوداوين ينبغي أنهما كانا جنديين فرنسيين. وأذكر بعد هذا الجمع الذي استقبلنا، وأحاط بنا، والمرأة الطويلة والجميلة في تاييرها الازرق الانيق وحديثها ووقع حديثها علينا كلنا. وأما متى تركنا المدرسة، وكيف نوينا الرواح في نزهة، وما أدرانا من أين الذهاب، ومراحل الرحلة والتماسها مرحلة بعد أخرى، فلا دليل إليها، أي الى خاتمتها، إلا رواية السيدة، وروايات الرواية على ألسنة الاهل من بعد.
 وأردد اليوم أصداء الحادثة القديمة، وألمّ شتاتها، وأترك تحقيقها (ففي وسعي مكالمة بعض من حضروا الحادثة، ويحفظون الأسماء وربما الأقوال حفظاً دقيقاً، ولكنني لا أفعل وهذا ليس موضوعي ولا مطلبي)، لأن ما تفتقت عنه، أو ما حفظها وتماسكت به ولم تكف عن ترديده، هو جمعها علامات فارقة ومتضافرة عرَّفت في الحال، ثم من بَعدٍ متطاول ومتصل، اسماً (مسيحياً) ومعنى. فالمرأة الشابة تتقدم الزوجين، وترجح كفتها، ظهوراً وعبارة وتألقاً، في الميزان. وهذا علامة أو إشارة لم يخطئها انتباهي، وأنا اليف مجتمع نسائي: الجد توفي، ورأس الأسرة جدة عاملة وبكر بناتها العاملة كذلك، وكبير الخالين في المهجر وصغيرهما تلميذ خجول يدرس... ولكن ألق السيدة قرعوني من صنف آخر، ولا يمت بشبه الى ألوان نساء أهلي القاتمة والداكنة. ولا يقيد عبارة الوجه وقسماته، وفيها الشعر القصير وربما المصبوغ، القيد الذي يحول بين وجوه أهل خؤولتي وبين العبارة المسترسلة والمتدافعة والصاخبة. ولا أذكر أنني رأيت تاييراً على امرأة قبل تايير السيدة عايدة الازرق، "السماوي" الزرقة. ولم تقتصر أناقته على لونه وقماشته، وبساطة رسمه وقَصَّته. فقبة السترة تحيط بالرقبة برفق، ولا تستعجل ستر أعلى الصدر العالي، فتتصل الرقبة الطويلة بفسحة الصدر قبل أن تشد السترة على النهدين. والزوجان، السيدة قرعوني والسيد قرعوني، يجولان في حنطور، على الارجح، أو في سيارة، ويخرجان من المدينة القديمة الى ظواهرها، والى زياة أهل. وهما يخالطان الأهل من طريق المدرسة.
 ومذ ذاك، لم تفك المصادفات المتواترة العقد الذي ربط بين الاسم والمعنى "المسيحيين"، وهما جلتهما المرأة الصيداوية الجميلة والانيقة في حلة استهلال بهية، وبين التعليم على وجوهه الكثيرة. فغداة "الضياع" القصير انتقلت من مدرسة المقاصد الى "مدرسة الاميركان"، بضاحية صيدا الشرقية (وهي "شرق صيدا"، على ما سمت الصحافة ووسائل الاعلام سبحة الضواحي والقرى والبلدات التي هاجمها مقاتلون مسلمون شجعان، وحرقوا بعض بيوتها، وهجروا معظم أهاليها، واطفأوا أنوارها، غداة جلاء القوات الاسرائيلية عن صيدا المحتلة في شتاء 1985). وفي "مدرسة الاميركان"، الانجيلية والبروتستانتية، كان ابتداء النهار المدرسي اجتماعاً غريباً في قاعة واسعة، ربما كانت هنغاراً من مخلفات القوات البريطانية، صفت لصق جدارها العاري والمنحني مقاعد واطئة ومستطيلة من خشب. وكان التلامذة يدعون الى الجلوس والسكوت. وينهض رجل ثلاثيني أو اربعيني، شاحب الوجه وصقيله، عيناه حزينتان، يلبس بذلة رمادية لم يبدلها بغيرها طيلة سنتين قضيتهما في المدرسة، ياقتها عند مقدم الرقبة متصلة، على ما كان قساوسة البروتستانت يلبسون. ويتلو حكاية من كتاب سمعت أنه "الانجيل". ويدعو الحضور، بعد انتهائه من التلاوة، الى تأييد الحكاية وعبرتها برواية حوادث شهدوها، أو سمعوا بها، تخلص الى العبرة نفسها.
 وكانت المدرسة مختلطة، وكثير من تلامذتها هم من أولاد أقارب سبق أن رأيتهم في زيارات الاهل. وبعض المعلمات (من غير المعلمين؟ لا يعقل) كن من صديقات خالاتي، وبعضهن يترددن الى البيت العائلي. وإذا التقينا في المدرسة، في أوقات الفرص بين الدروس أو في أثناء طعام الغداء وربما في الصفوف، كن يقبلن علينا، ويكلمننا ويمازحننا. وبقي من السنتين هاتين، الى دخول الصفوف صنف من التلامذة، وهو اقتصر على تلميذ واحد في صفي سمي بالفلسطيني- بقيت حادثة فاجعة ترددت بعض اصدائها في بيت الأهل.
 ففي صبيحة أحد الايام، بينما كان التلامذة يتوافدون على المدرسة، وعلى قسمها "العالي" الذي يقوم على رابية مستديرة تطل أبنيتها الخشبية، ومنها هنغار الصلاة، على السهل أسفل الرابية، وعلى ساقية تجري مياهها القليلة بمحاذاة الرابية- انحدرت دراجة هوائية يركبها احد التلامذة من أعلى الرابية بسرعة خاطفة، وانحرفت قليلاً عن الجسر الضيق الذي يصل الرابية بالسهل، واصطدمت بالسور الواطئ والمطل على النهير الناضب. وهوى انطوان على حجر مستديرة وكبيرة مثل حجر رحى في وسط مجرى الماء الطيني، وتكوم جسده وكأنه نائم على جنب وذراعه في قميص قصيرة الكمين تحت رأسه، وتتقدم ساقه المنحنية والعارية في البنطلون القصير ساقه الأخرى.
 ولم يقل أحد شيئاً أو كلاماً، ولم تنفجر صرخة بالبكاء أو العويل. وبدت الحادثة، وما بقي منها هو اضجاع انطوان وحيداً على صخرة عريضة في وسط مجرى نهري ربيعي وطيني، بدت واقعةً من وقائع الطبيعة التي لا يد للبشر فيها مثلَ وقوع صاعقة على شجرة كثة ومائلة في سهل فسيح، ولا شاهد على وقوعها وعلى حرقها الشجرة إلا تخوم السهل البعيدة والمغبرة. وعلى نحو قريب من هذا، خلا مشهد انطوان نائماً على سرير النهر القريبة، والمنحدر الأجرد الى شمالها وشرقها، والسروات التي تحف بيوت الرابية الخشبية، في مواضعها، وفي انتظار مريب ومديد.
 ولم يعد أحد الى الكلام في الحادثة. والوقت الذي انقضى بعدها انخلع منها، ولم تخلق أثراً فيه. ولكن حداد الاهل على انطوان، وهو أخو معلمة من معلمات المدرسة وصديقة من صديقات الخالات، وصل عالم الاهل الحميم بالاسم "المسيحي"، وتخطى دائرة الرابطة المهنية. وهذه لم تختصر يوماً علاقات الصداقة والصحبة التي جمعت الخالات الى صديقاتهن وصواحبهن، وإلى أهل الصديقات والصواحب. وإذا كان التعليم ذريعة الاختلاط والتعارف فهو سرعان ما كان يفضي الى شراكة قريبة وحارة في شؤون الحياة اليومية الخاصة. فأخت انطوان حلت ضيفة أثيرة على بيوت الاقارب. ولما مرضَت، واضطرت الى الرواح الى بيروت، كانت إحدى الخالات رفيقة سَفرها ورواحها الى عيادة الطبيب. وبتنا نحن الثلاثة، ولست أذكر لماذا كنت في الركب، ببيت أقارب هناك. وسرت في الاحاديث الخافتة، وعلى وجوه الاهل، همهمة أوحت بأن من مشاغل الساعة الملحة زواج لور (من أي ثنية من ثنايا زمن لا أذكره خرج الاسم الرقيق والخافت؟)، وأن قسطاً من المهمة تتحملها بنات العائلة الصيداوية المسلمة والطرفية. والميل من زمالة التعليم الى الصداقة الشخصية والعائلية، فإلى تشارك شاغل الزواج والتزويج وما يفترضه من قرب وعلم بخفايا المفاوضة على بنود العقد وشروطه، كان (الميل) أليفاً وجزءاً من الاختلاط الاهلي الصيداوي الذي شهدته. فأمي كانت معلمة في مدرسة البنات "الرسمية"، الحكومية بصيدا. وكانت مديرة المدرسة الصغيرة والمبتدئة معلمة مسيحية إما من اهالي صيدا أنفسهم أو من أهالي ضاحية من ضواحيها القريبة. وتقيم المديرة المكتهلة، والغائرة العينين السوداوين في محجرين واسعين ووجه ناتئ العظام، والخفيفة شعر الرأس، غير بعيد من مبنى المدرسة، وتقيم معها أمها، وأختها التي تشبهها وينم وجهها بحلاوة باسمة ومريضة وموشكة على الذواء، وأخوها العازب والبالغ منتصف العقد الرابع والموظف الملاحي البارز. وفي صالون السيدة المديرة الضيق، وعلى كنباته الفردية المختصرة والقاسية المَجْلَس، والملابسة على الدوام أغطية من قماش سميك تستبق سمرته الوسخ المتوقع، كان الملبَّس الملون والسكري الضيافةَ الغالبة والرتيبة. فتتصدر الأم المنحنية الظهر، والمجعدة الوجه، الصالون. وتجلس الأخت في ثياب النوم تحت "روب" زهري ثابت، غير بعيد من الأم، وتبتسم وتحادث امي وإحدى خالاتي، وتحاول استدراجي الى مصافحتها، وترك خدي الى قبلتها. وفي الاثناء، تروح المديرة الى مطبخ الشقة وغرفها وتجيء، وتتولى الضيافة، والكلام، أو الشطر المهم منه.
 وأفضت الزيارات الكثيرة وغير المتبادلة، فأنا لا أذكر قيام المديرة وأختها وأخيها بزيارة الى بيت أهلي، الى أسفار صيفية قصدت بعض بلدات المتن، بكفيا وضهور الشوير والشوير وبولونيا وبتغرين، في سيارة عائلة المديرة بحثاً عن زوجة للأخ البحري العازب. والأمر لم يكن خفياً، ولا الكلام فيه موارباً. فيقال حال ركوننا السيارة، وجلوس الرجل بمقعد السواق، بعد شم العطور الغائمة والقبلات والسلام وتوزيع الملبس، أن مشوارنا اليوم الى البلدة الفلانية، حيت تنتظر فلانة زيارتنا. وفي الطريق، الطويل، الى البلدة البعيدة والغامضة تدور الاحاديث المفصلة على فلانة، فتتناول أوصافها على نحو ما قيل فيها، طولاً وعرضاً ووزناً ولونَ عينين ونظرة وحاجبين وجبهة وشعراً وأنفاً وخدين وبشرة وفماً وأسناناً. ولا يغضى عن "علمها" ودراستها، وعن عملها، إذا كنت تعمل، وعائد عملها. وينتقل التناول الى أهلها، ومن يكونون حسباً ونسباً وإسماً ومذهباً. فالخاطبون كاثوليك، على ما سمعت، ومن يقصدونها روم أرثوذكس. وأهلي لا يرون عيباً في روميتها. ويأمل الثلاثة، الخاطبون، ألا تنتبه والدتهم الى الهنة الهينة. وأما المسألة التي يكثر الكلام فيها، في هذه المرة وفي المرات كلها، فهي "الدوطة"، أو بائنة العروس المزمعة، أو "المال" الذي يهبه أهل العروس الى بنتهم حين يزفونها الى بيتها الجديد وزوجها.
فيأتلف من الكلام في الاوصاف والعيوب والحسب والنسب والممتلكات والعوائد، والمعروف المشهور والمقدر على التخمين، والقبض والبسط، وما تقدم إنفاقه وبذله وما لا يزال عالقاً، (يأتلف) ميزان دقيق لا يشبه ما كنت عرفته وفهمته من زيجات "المسلمين". فزواج الرجال على جهة الأعمام وأولادهم، مداره أو مدار الكلام فيه على "الحب" الذي يكنه هؤلاء، منذ طفولتهم البعيدة، لقريباتهم. وإذا بدا افتراض الحب عسيراً في أحوال تقتضي خطوبة امرأة غريبة وبعيدة المزار (بعيد مزار أهلها أو سكنهم)، دار الكلام على علاقات المناسبة الظاهرة بين الخطيبين، وعلى استحسان واحدهما الآخر وميله إليه. وسُكت عن المهر الإسمي، وهو جزء قليل من بنود العقد المضمرة أو المعلنة. وزواج الرجال، على جهة الاخوال وقراباتهم، لا يستدعي شروطاً طويلة، إذا استثنيت زيجات المغتربين والعائدين، أو بعضهم القليل، بثروة كبيرة تجيز الزواج ببنات الاعيان، وتجيز لبنات الأعيان استدراج بعض أبناء الفروع المتواضعة اللامعين والوسيمين واليافعين الى الزواج بهن.
 والحق أنه لم يكن لهذا كله، على جهاته المتفرقة، أثر يعتد به في مشاعرنا وميولنا وأهوائنا، نحن "الابناء". واضطلاع الاهل بدور بدا قوياً في ملابسات بحث الموظف البحري عن عروس ببلاد جبل لبنان النائية، لم يتستر على اضطراب دب في علاقات الاهل "العاطفية". ولا ريب في ان اختلاط الاهل الذي أجاز أسفار الخطوبة المشتركة، ولم يحل دون مناقشة كفتي الربح والخسارة من الميزان الذي توزن به العروس العتيدة، حمل الخالات الفتيات، وهن لم يبلغن العشرين، على تحكيم هواهن في عواطفهن ومشاعرهن وميولهن. ووقع هواهن، أو هوى بعضهن على أبناء جيران مسيحيين يقيمون بجوار مختلط، وبعض الابناء يتردد الى مدارس أخواتهم وهي نفسها مدارس الخالات والقريبات.
 وأتاح سكن أحياء الضاحية القريبة والجديدة، وجوارها المرسل والمختلط، وقربها من مدارس الارساليات، وضعف تماسك الأجسام العائلية وحداثة نزولها بهذه الجهة، وهي لم يبن بها مسجد الى اليوم غداة ستة عقود على ما تقدم روايته- التعارف والتقارب وتبادل الكلام والمجالسة. وبدا الشبان والفتيان المسيحيون، في أحوالهم وأفعالهم ودراستهم وخططهم وعلاقاتهم بأهلهم، مرآة سيرَ حياة وتواريخ شخصية متحررة، على مقادير متفاوتة، من قيود الاهل والسلف على الاقامة واللباس والدراسة والسينما والاجسام والمشاعر والكلام. واستخف ذلك هوى القريبات اللواتي تعلمن في مدارس الارساليات الاميركية أو الفرنسية، وسعين في كسب معاشهن من طريق التعلم، و"افتقرن" الى مثال والدٍ نافذ الكلمة والرأي والحكم أو الى أخ يخلفه على رسوم الصدارة الابوية. وبعض القريبات أُلزمن التخلي عن هواهن، وبعضهن تخلين طوعاً. فمنهن من أقام على "عهد" مستحيل، ومنهن من طوى العهد الى آخر أقرب من رسوم الاهل.
 وعاصَرَت هذه الحوادث، وهي لم تبلغ مبلغ الانعقاد على وقائع مشهودة ومشهورة، حوادث مشهودة وصارخة. فأحد أبناء عمومة أمي، وهو دارس فلسفة شاب وابن شيخ معمم، اعتنق الايمان المسيحي، أي تنصر وشهر نصرانيته ودخل الى سلك إحدى الرهبانيات. وقدم صيدا، ومولده ونشأته فيها، وأقام مدرساً بمدرسة الإخوة المريميين (الـ"فرير ماريست") على ألا يدعو الى ايمانه الجديد. وانتقل بعدها الى بيروت، ورعى ميتماً جمع بعض أيتام المسلمين، فأثارت رعايته حفيظة بعض دار الفتوى وتهمتهم. وكان يتردد على أهله وأهلي من غير تحفظ. ورأيته الى مائدة أمي غداة فض مخيم تل الزعتر بالقوة (في آب 1976)، وقدر عدد القتلى الفلسطينيين بألف أو 1200، وشغله أمن من بقي حياً ونقله الى مخيم صبرا القريب. وأحد أعيان أسرة أمي عرف بتردده علناً، عشية كل يوم من أيام الاسبوع، الى منزل أحد ميسوري المسيحيين، حيث يمضي السهرة الى ساعات الليل الاخيرة في حمع صغير من الوجهاء وموظفي الدولة. وزوجة الرجل الميسور إحدى جميلات صيدا الذائعات الصيت. فلم يشك أولاد الحي، وأنا فيهم، في ان السيدة الجميلة هي مدار السهر وقطبه. وحين تناول الحديث، فيما تناول، غداة خمسين عاماً على وفاة القريب ورجل الاسرة المضيفة، واقعة السهر التي دامت قرابة العقد من السنين، وألمحتُ الى رأيي وصحبي فيها، جزمت خالاتي في كذب الزعم وبطلانه. فالسيدة المسيحية الجميلة لم تبرح "طاهرة". ولما مر المشيعون بنعش القريب أمام شرفة السيدة، وألقت سلامها عليه، وهي غير القريبة وليست من الاهل، كان سلام الصديقة على صديق. 

السبت، 16 أغسطس 2014

القضاء المصري يقاضي مغتصبي نساء في ميدان التحرير: تقديم القانون على الحق يبطل الذوات والأفراد والحوادث

المستقبل، 17/8/2014







في الصورة الشمسية الملونة التي تتوسط مقالة صحيفة «الاخبار»، اليومية المصرية (26 يونيو/حزيران 2014)، في محاكمة «12 ذئباً بشرياً من المتهمين بهتك عرض السيدات والفتيات بميدان التحرير» القاهري، في 2 و8 حزيران من الشهر نفسه، وقبلها في 25 كانون الثاني (يناير) 2013، في الاحتفال بالذكرى الثانية «للثورة»- يرى القارئ 3 شبان يرفعون اليد اليمنى الى وجوههم، ويغطون الوجه باليد، ويديرون الرأس الى اليسار، وهو الجهة المقابلة لعدسة التصوير. ويتوسط الرجلين البالغين فتى يلبس، على خلاف صاحبيه، قميصاً قطنية بيضاء، قصيرة الكمين ومن غير ياقة، ويُدِل بقصة شعر دارجة: تتوسط الرأس لمة مجتمعة ومرفوعة بينما تكتفي أطرافه بشعر غير كث ولا «عبي».

والرجل القريب الى العدسة يلبس قميصاً طويلة الكمين، حرص على ثنيهما قبيل الكوعين، فبدت ذراعه عارية. وهو كذلك قص شعره قصة حديثة، على مثال «المارينز»: فحلق فوديه والجزء الاسفل من الرأس فوق الرقبة، عشية جلسة المحاكمة. ويتخلل رجال الامن وحرس السجن الثلاثة. فيتقدم الثلاثة حارس في زي قاتم يبدو انه يفتح القفل. ويتوسطهم ثان، من الامن المركزي، يلقي ذراعه على كتف الرجل ذي القميص المثنية الكمين. ويتأخر ثالث، من الامن المركزي، يسوق اثنين من المتهمين، الفتى والشاب الثالث الذي لا يظهر منه غير رأسه ويده التي تحجب وجهه. والستة يستقبلون بوجوههم وصدورهم الحاجز المعدني المخرَّم الذي يفصل قاعة المحكمة عن قفص المتهمين.
وقبل أن تدعو هيئة محكمة جنايات القاهرة، وهي من 4 قضاة، ممثلي النيابة العامة الى قراءة ما يسميه المصريون أمر الإحالة، وهو عريضة الاتهام أو تقريره في مصطلحنا اللبناني، أرادت إثبات حضورهم أو التحقيق في هوياتهم. فأداروا ظهورهم الى القوس وقضاته، والى الجمهور والمصورين، وحاولوا حجب وجوههم بأيديهم. وقالوا أنهم لا يريدون تصويرهم، وإثبات هوياتهم وحضورهم في صور شمسية تعرفهم بسيمائهم وليس بأسمائهم وأعمارهم ومهنهم ومحال إقامتهم وحسب.

وإدارة الظهر الى هيئة القضاء سبق إليها قادة الاخوانيين المصريين، في غضون السنة المنصرمة على خلعهم عن «عروش» مصر التي استووا عليها ولاة لا قيد على بيعتهم، على ما قال يوسف القرضاوي في اصحابه ومشايعي فقهه، في حزيران 2013. ولكن ظهور القادة الاخوانيين كانت قرينة على ظهار «شرعي»: فهم أوكلوا الى ظهورهم القول الى هيئة القضاء المصرية أن وجوه القضاة حرام عليهم وعلى وجوههم حرمة محارمهم. وهذا تمهيد للطلاق والانفصال إذا لم يطرأ ما يصلح ذات البين، وشروع في التخلي عن الكلام والمخاطبة وحمل هذين على تعسف محض، وعلى منطق قوة، لا سبيل معهما الى الاحتجاج. وهو جوهر القضاء والمقاضاة. فالمواجهة، أو الوجه الى الوجه، تستقبل، ولو على مضض وتحفز، العبارة التي ينم بها المتقاضي أو المخاصم ومقاله.
وأما الظَّهر، أو القفا، فلا «يقول» إلا انقطاع الكلام واستحالته، وإرادةَ من يولي ظهره العدو الاحتكام الى الانكار وحده. وبعض طرق التقاضي، مثل مرافعات القطيعة، يشكك في مشروعية هيئة القضاء، وفي القوانين التي تصدر عنها، وتتلفظ بأحكامها في ضوئها وبالرجوع إليها. فيُقال في محكمة تقاضي احد قدماء النازيين المتخفين انها من ذرية استعمارية ليست أقل توحشاً وبربرية من التوحش والبربرية النازيين. ويقال في قاضي التحقيق الذي تولى التمهيد لانشاء المحكمة الخاصة بلبنان، في لاهاي، ميليس، انه ابن يهودية او زوج يهودية، وأنه «عميل» سياسات تناهض سوريا «الاسد» والمقاومة والاسلام الخ.
وانكار المتهمين بالتحرش بضحاياهن وتعذيبهن واغتصابهن سلك طريق القول بعد الفراغ من قراءة النيابة العامة أمر الإحالة. وهو انكارٌ جملةً أو بالجملة: «ولا عملت إي حاجة، وما ارتكبتش يا بيه ولم ننزل الميدان للاحتفال» بفوز عبد الفتاح السيسي برئاسة الجمهورية، ولا بذكرى 25 (يونيو) الثانية، «ظلم يا باشا». وهذا غداة 62 سنة على إلغاء «ثورة يوليو» الألقاب. وفي رواية وقائع المحاكمة، وأمرُ الإحالة فاتحتها الاجرائية والعملية، لم ترد لفظة «اغتصاب»، على خلاف الملخص الذي تقدم للتو. واللفظة الاصطلاحية التي تنوب عن اسم الفعل الصريح والفج هذا هي «هتك العرض». وإذا أمعنت النيابة العامة (الاتهامية) في التفصيل والتدقيق قالت في المغتصبين المتحرشين انهم «جردوهن (أي جردوا النساء ضحاياهن) من ملابسهن وأحدثوا إصابات في أجسادهن من جراء الاعتداء عليهن وهتك عرضهن». ولا يشذ الخبر الصحافي عن التحفظ. وهو يماشيه ويلتزم نهجه في الكلام على الحادثة وتقيده بما يحسبه ربما مبنى قانونياً أو قضائياً وحقوقياً (فقهياً)، موضوعياً، للقول والعبارة. وإذا تمادى التقرير الجنائي في التخصيص، وتخلى عن المصطلح المتعارَف والانشائي مثل «هتك العرض» أو «استباحته»، كتب ان الجناة «انقضوا على (المجني عليهن) وطرحوهن أرضاً وجردوهن من ملابسهن عنوة كاشفين عوراتهن وتداعوا على موطن عفتهن غير عابئين بتوسلاتهن واستغاثتهن، وأبرحوهن تعذيباً تاركين بجسدهن الاصابات الواردة بتقرير الطبيب الشرعي».
والالفاظ الاصطلاحية والاجتماعية المتوارثة التي يرددها التقرير القضائي، ولا يحيد التقرير الصحافي عن جادتها، إنما تتناول موضوعها على نحو مخصوص. فالقول أن مجامعة عصابة من الرجال، قد لا يعرف واحدهم الآخرين من قبل، غصباً وبالقوة القاهرة امرأة لم تسبق لهم بها معرفة ولا سبقت لها معرفة بهم، في الطريق «العام»، وعلى مرأى من عابري سبيل ومحتشدين اتفق مرورهم بالمكان وأشهدوا على الواقعة الخاصة أو الفعلة- القول انها «هتك عرض» و»تداعٍ على موطن عفة» منحاز انحيازاً لا يحتمل الى ما تسميه السينما المصرية «المجتمع». فالعرض تشترك فيه المغتصبة مع الذين يحملون اغتصابها، ولم يمسهم هم أذى من أي نوع أو صنف، على انتهاكهم. ويصدق هذا في أحوال ليس فيها اغتصاب ولا قسر أو قهر: إذا أحبت المرأة صديقاً أو صاحباً، وإذا تزوجت بمن لا يرضاه أهلها، وإذا أظهرت في حفل زواجها ميلاً «فاضحاً» الى زوجها الذي عقدَ عليها للتو عن يد المأذون (وقتل الاخ أخته في حفل زواجها ببعض نواحي الصعيد، على ما روت الصحف المصرية غير مرة، قد يكون فعل آحاد ولكنه معروف). وهو شأن «العفة»، وهي أوسع معنى وحملاً. فمستودع العرض أو الشرف ليس النساء وحدهن، وقد لا يكون النساء أولاً بل هو الاهل ومن يدين الاهل بأحكامهم ومعاييرهم المشتركة.
والتحقيق، على هذا، يسمي الحوادث والوقائع والمشاعر بأسماء «اجتماعية»، ويغفل أسماءها النسائية، أو هو لا يسأل عنها ولا يتحرى حقيقتها. فليس في الإحالات عناصر أو أوصاف ترد الى المغتصبات وشهاداتهن وأقوالهن وأحوالهن. وإذا عرضت الإحالات الى «خوف» المفجوعات بالعدوان الصارخ عليهن، أو الى «التأثير في إرادتهن» و»إلقاء الرعب في نفسهن»، التزمت الجانب الآلي (المادي) والخارجي من الافعال. وحرصت الإحالات، ما وسعها، على إشهاد تقرير الطبيب الشرعي على صحة مقالتها. وتقرير الطبيب الشرعي، في المواضع التي يستشهده التحقيق الجنائي عليها، يقرر «أثر الجروح» في «جسدهن» (لماذا صيغة الواحد؟)، أو يصف «الإصابات» التي ألحقها المعتدون في النساء اللائي اغتصبوهن و»عذبوهن بدنياً».
و»الآثار» و»الاصابات» و»الجروح» التي يستشعرها من تقتحم الاصابع والايادي والذكور والأسنان والشفاه والألسنة، وربما الآلات الحجرية والمعدنية والزجاجية والبلاستيكية، منه (منها) الفم والوجه والشعر والرقبة والابطين والصدر والبطن والدبر والفرج والفخذين والركبتين، هذه (الآثار...) ما حكمها الطبي الشرعي؟ وهل اقتصر الامر، وهو على هذا كثير وفظيع، على التخويف والتأثير في الارادة وإلقاء الرعب في النفس وتكدير الأمن والمساس بالحرية الشخصية؟ ويبلغ الانحراف المهني والحرفي من أصحاب التقرير مبلغ الكتابة: «واحتجزوا وآخرون مجهولون (كذا) المجني عليهن في غير الأحوال المصرح بها قانوناً.». ولا تسوغ سياقة معقولة ولا مفهومة استثناء الفعلة الجرمية الموصوفة من «الأحوال المصرح بها قانوناً» والتنبيه إليه. فيذهب الظن بالواحد الى الأحوال التي تقدم ذكر بعضها، ويصفها الأهل بالانتهاك وقد تحمل على إرادة النساء أو رغبتهن ومبادرتهن. فإذا أطرحت إرادات النساء، ورغباتهن، ومشاعرهن وأحاسيسهن وآراؤهن في ما يُفعل فيهن، لم يبق إلا العرض والعفة، وهما من متعلقات الاهل، والقضاء الاهلي، أولاً والارجح أخيراً.
وليس في التقرير، على نحو تلخيصه في الصحيفة، صدى مباشر ومسموع لآلام النساء وعذاباتهن وأوجاعهن. فلا يحضر التقريرَ قولُهن في مصابهن وجلجلتهن. ويروي مراسل «الاخبار» المصرية أن «إحدى الفتاتين المجني عليهما... قامت (كذا) بالبكاء الشديد» في أثناء قراءة قرار الإحالة. لماذا يعصى الصحافيَّ القولُ المباشر: بكت إحدى الفتاتين، أو انتحبت؟ أو انفجرت باكية؟ وهي المرة الوحيدة التي تخرج فيها امرأة مغتصبة من «التقارير»: التقرير الجنائي والتقرير الطبي والتقرير الصحافي، ويضج بكاؤها في الجمع والسمع، ويجهر ما تتكتم عليه الاعراض والعفة، ويتكتم عليه الاهل و»المجتمع» من قبل ومن بعد. وقد تكون هذه المرة فريدة: فالقاضي قضى باستكمال المحاكمة في «جلسة سرية بغرفة المداولة». فلن يبلغ بكاء امرأة مغتصبة ومكرهة آذان الشهود أو آذان القراء، بعد.
وهذا كله من باب تقديم الموضوعي على الذاتي- على ما كان يقال في لغة فائتة، وعلى ما يُفكر ويُحس اليوم في لغة متخثرة، أو عظمية إدارية، أو تترجح بين الوجهين والمثالين الجمعي على الفردي، والاجتماعي أو المجتمعي على النفسي، و»الحزبي» على العفوي والفوضوي. ولا يقتصر التقديم بهذه الحال على ترتيب، بل تتعدى الترتيب (وهذا يقضي باحتفاظ الصفات الدنيا بحقيقة لا تجاري قوة الحقيقة «الاعلى» ولكنها لا تعدم بعض القوة) الى نفي حقيقة المرتبة التالية أو الاخرى. فيقضى في المسألة كلها، على رغم تعقيدها وكثرة وجوهها وخلطها الموضوعي بالذاتي والجمعي بالفردي، إلخ.، في ميزان واحد، وعلى سلم معايير وحيد ولا شريك له. وفي مرآة هذا الميزان لا يبدو الحق (والقانون، على ما ينبغي الاستدراك سريعاً في العربية) جامعاً ومانعاً وقاطعاً، وحسب. فإلى الجمع والمنع والقطع يبدو الحق مقتصداً، وحائلاً بين الذات والفرد والنفس وبين الاسترسال في لغوها الذاتي والفردي والنفسي بذريعة الاحاطة بوجوه الواقعة كلها.
وتقديم الموضوعي، الطب الشرعي وتقاريره، على الذاتي، آلام المرأة المغتصبة و»أحوالها»، يتستر على تقديم القانون، وهو شأن الدولة (الغربية: العقلانية والادارية البيروقراطية والقانونية)، على الحق أو الحقوق، وهي شأن المواطنين الافراد والمحكومين ومجتمعهم. وقد يؤدي تقديم القانون على الحقوق، على مثال التحاكم الى القضاء المصري في قضايا الاغتصاب الاخيرة، الى نفي الحقوق باسم القانون، والى الغاء «الذوات» وحقها في العبارة والعلانية والتطهر المسرحي، وفي تثقيل التهمة والدعوى على خلاف العذر المحل أو المخفف، وذلك باسم حقوق الدولة و»المجتمع» والاخلاق وأوامر الشريعة ونواهيها، وتحصيل هذه وتلك. ومرافعة القطيعة هي من صنف المذهب القاضي بتقديم القانون على الحقوق. و»قانونها» أو مرجعها هول ليل التاريخ الأليل، وعتمته الحالكة التي يسوي سوادها العكر بين البقرات، ورمادها الداكن بين الفأرات، على قول فيلسوف التاريخ الالماني.
وطريق هذا التقديم هي طريق قوامية «الدولة»، وكيل الامة (أو الشعب) ومفوضها بتفويض ناجز لا تخصيص او تجزيء فيه ولا عودة عنه، المطلقة على «رعيتها» أو شعبها وجماعاتها وأفرادها وهيئاتها وعمرانها ومعاشها... ولا سبيل الى مقاضاة «دولة» هذا شأنها، أو حاكم يتربع في سدتها بعد استفتاء (أو «انتخاب») محضه ثقة أو بيعة 90 في المئة ساحقة من «المواطنين» المقترعين والناخبين. ومثل هذه الدولة لا غير لها من داخلها «الصديق» (وخارجها عدو مميت)، ولا مخالف أو متحفظ أو معارض أو مشاق أو صاحب حق يسعه التعويل على دوام وطنيته أو مواطنيته، وحريته وبقائه على قيد الحياة وسلامته الجسدية، إذا هو شهر غيريته أو مخالفته أو تحفظه... وهذا في صيغة الفرد فبالأحرى في صيغة الجميع.
ولا يبدو تظاهر تقديم القانون على الحقوق في قضية الاغتصاب المصرية عارضاً ثانوياً أو اتفاقاً ومصادفة. فالتقديم هذا يشارك بعض أقوى وأعم المضمرات والأحاسيس والاحكام الجمعية والفردية العربية والدينية، قسوتها وفظاظتها الحربيتين. فـ»المرأة» (أي النساء الكثيرات) تتصور معينَ خوفٍ يحمل على الهلع، ومصدر فوضى تعصى السيطرة والقيد والوصاية والعقل- الحسن التسمية في معرض القول العربي. وحين يقاضي القاضي، المصري المسلم، مغتصبيهن فهو لا «يثأر» لهن، بعد أن استغنى بشهادات شرعية في الجروح والاصابات والكدمات عن شهاداتهن، بل يثأر «للمجتمع» وهيبته ومعتقداته في العفة والعرض، ويقتص من الاخلال بالأمن والادلال بالعيب، على اسم قانون مصري يعود الى نحو عقد من السنين، وسبي السبايا والاماء واقتسامهن غنيمة حلالاً خارج «ميدان» القتال وفي ميدان الاحتفال


في الصورة الشمسية الملونة التي تتوسط مقالة صحيفة «الاخبار»، اليومية المصرية (26 يونيو/حزيران 2014)، في محاكمة «12 ذئباً بشرياً من المتهمين بهتك عرض السيدات والفتيات بميدان التحرير» القاهري، في 2 و8 حزيران من الشهر نفسه، وقبلها في 25 كانون الثاني (يناير) 2013، في الاحتفال بالذكرى الثانية «للثورة»- يرى القارئ 3 شبان يرفعون اليد اليمنى الى وجوههم، ويغطون الوجه باليد، ويديرون الرأس الى اليسار، وهو الجهة المقابلة لعدسة التصوير. ويتوسط الرجلين البالغين فتى يلبس، على خلاف صاحبيه، قميصاً قطنية بيضاء، قصيرة الكمين ومن غير ياقة، ويُدِل بقصة شعر دارجة: تتوسط الرأس لمة مجتمعة ومرفوعة بينما تكتفي أطرافه بشعر غير كث ولا «عبي». 

الأحد، 3 أغسطس 2014

نفي السوريين إلى المخيمات والمَهاجر يعول على إضعاف روابطهم ومقاومتهم



المستقبل، 3/8/2014
أورثت روايات وتواريخ حركات التحرر من الاستعمار والتسلط الغربيين- و»الشرقيين» إذا أدخلت روسيا القيصرية فالسوفياتية فالبوتينية اليوم في باب القوى المستعمِرة، ومعها الصين وارثة امبراطورية الهان، وتركيا العثمانية فالأتاتوركية... - تسمية المتمردين على السلطات القاهرة بأسماء قبيحة تنم بتوحش هؤلاء وقسوتهم وعنفهم. فمن الفييتمنْه في الهند الصينية (وهي فيتنام وكمبوديا ولاوس لاحقاً) إلى الفِلاّحة الجزائريين، ومن ماوماو كينيا إلى المخربين الفلسطينيين، سبحة متصلة من الاسماء الدالة على القتل الأعمى والاقتصار عليه. والتوحش والقسوة والعنف والقتل لابست من غير شك ملابسة عميقة وعضوية خروج الجماعات الوطنية والمحلية أو الاهلية على تسلط القوة المستعمرة، وقسمتها الخلق إلى أسياد وعبيد وقلة من هم بَيْن بَيْن. ولا يعذرها، لئن كان من معنى للعذر أو الاعتذار في مثل هذا المعرض، مباشرتها التوحش والعنف والقسوة في أهل الجماعات أضعافاً فوق مباشرتها في العدو المستعمِر. فالحروب الاهلية لم تنفك وجهاً ملازماً للحرب على الاجنبي. ولم تنفع وحدة العدو، أو وحدانيته المفترضة، في لم شمل الثوار أو المجاهدين أو الاخوة المناضلين، على خلاف ما يوجب التناقض الاساسي والرئيسي، وفرق ما بينهما، معاً.

وشم المجد

ولكن الحربين، حرب التحرير على الاجنبي والحرب الاهلية «في صفوف الشعب»، لا تستويان مكانة وشأناً على رغم خوضهما معاً. فالاولى قد تتوسل بقمع أخوة السلاح، والفصائل الوطنية، والولوغ في دمهم من غير قيد أو حساب، إلا أن «قيادة» حرب التحرير تسوغ هذا كله، وغيره مثله، من غير تحفظ. وتجلل هامة أصحابها والقائمين بها، بمجد باقٍ على الزمن كالوشم على الخد أو الجبين، على قول الاردني الذي مدح منتظر الزيدي، رامي جورج دبليو بوش في بغداد المالكية بالحذائين الخالدين والمنسيين. فالحق في التحرر يضمر حقاً آخر قد يكون أقوى من الاول، هو الحق في إبادة العدو الاهلي أو الداخلي. والحرب على العدو الخارجي، أو البعيد في رطانة سيد قطب و»الجهاد» المصري و»القاعدة»، مدخل إلى الحرب الفعلية على «الجاهلية» أو «الشعوبية» أو «الانعزالية» الداخلية. وقد يتعذر استئصال العدو الخارجي، وهو كثير وقوي ومن ملة أخرى قد لا تعود إلينا هدايتها. وأما العدو الجاهلي أو الشعوبي أو الانعزالي فإما أن يدخل في صحيح الدين أو يقتل.

وحين خلا الجو للحرب الاهلية الاستئصالية، على قول كبار ضباط الجيش الجزائري في تسعينات القرن العشرين وقول الخمير الحمر من قبلهم، لم يفهم «مجاهدو» حرب التحرير، وهم الحزب الغالب والحاكم في حقبة «ما بعد الاستعمار»، التحفظ الذي جبه في بعض الاحيان سعيهم في إرساء سلطتهم على مجتمع جماعاتهم، واستئصال بقايا المجتمع القديم في المجتمع الجديد. ولعل أحد مصادر عسر الفهم، أو العجب، هو المديح الذي كيل من غير حساب لعنف التحرر والتحرير، توجَّه هذا العنف على المستعمِر أم على الرعية الوطنية والاهلية. فبعض منظري التحرر وكبار فقهائه وأصولييه، وفرانتز فانون أحد اعلامهم البارزين، لم يرَ في العنف على المتسلط والمستكبر الغربي الا سيرورة التحرر النفسية وجدلها العميق: فلا يُعقل الخروج من جلد العبد وأسره إلى عيد الاخوة والمساواة الناجزتين والتامتين إلا من طريق التمثيل في النفس (الاكتئاب أو لبس أقنعة البيض والتشبه بهم) والتمثيل في الغير (تكثير الجروح فيه). وجماع هذا هو ثورة المستضعفين في الارض.

وكان انقضى اقل بسنتين من العقد حين توفي فانون، في اوائل عقده الرابع، ولم يلاحظ ان جبهة التحرير الوطني الجزائرية قتلت من انصار حركة التحرير الوطني، الجزائرية والعمالية والمسالية (نسبة إلى مسالي الحاج)، عشرات الآلاف من المناضلين والانصار والاصدقاء والاهل نسباً. وأغضى فانون عن هذه المقتلة التي بلغ عدد ضحاياها، إذا جمع إليهم الـ70 ألفاً من الحركيين والمتعاونين مع السلطة الاستعمارية عشية رحيلها وغداته في صيف 1962، نحو ثلث عدد القتلى العام وهو اقل من 300 مئة ألف بقليل (نظير «ثورة المليون شهيد» التي أشاعتها وتشيعها رواية رسمية وشعبية أجمع عليها أعيان «المجاهدين» الحكام وعامتهم المحكومون والمنشقون والمتمردون). فالمثقفون التقدميون، والثوريون على وجه التخصيص، لا يسعهم «العلم» بالمنازعات التي تعتمل في صفوف حركات التحرر والتحرير، وهم لا يرغبون في مثل هذا العلم المزعج والمربك. فهو يشكك في مساغ ركن السلطة الجديدة الخارجة من الحرب، حرب التحرير والتحرر، أي اتحادها بالمجتمع الذي أرست مقدمات حكمه والسلطان عليه في أثناء الحرب. وحروب التحرير والتحرر أهدت مجتمعاتها المستقلة أنظمة كيم إيل سونغ (كوريا الشمالية) والخمير الحمر (كمبوديا) وبومدين (الجزائر)، وغيرها مثلها كثير.

ولقاء التحرير والتحرر، وكأنهما هبة الحزب الذي قاد الحرب قسراً في أحيان كثيرة وليسا ثمرة ما لا يحصى من المبادرات الفردية والجماعية، يتوقع أي يريد الحزبُ القائد والمجاهد أن يدين له الشعب الواحد والمتحد بطاعة لا يشق عصاها. وعلى الشعب أن يغضي عن الشقوق او الفطور التي لا تلبث ان تدب في جدران البنيان المرصوص وتتسلل إلى أساساته وأركانه، وتباعد بين كتله أو جماعاته. وتتولى الحروبُ الملحمية والاسطورية، الكونية والمزمنة، على الجيوش الجرارة التي تؤازرها قوى العدوان التكنولوجي والنيوليبرالي الامبريالي وجحافل التكفيريين الظلاميين، سدَّ الشقوق والفطور الثانوية والمزعومة. فلا محل للحروب الصغيرة، على قول منظري الحرب في القرن الثامن عشر الاوروبي، «حروب الدانتيلا» الداخلية والمتواضعة، شأن «الحروب» السورية الاولى، حيث لا مكاسرة على حوافي الهاويات السحيقة. ولا تهدر صواريخ سكود والبراميل والخزانات المتفجرة ويَقتلُ غاز السارين المئات في دقائق معدودات.

حروب غير لائقة

فالحرب على غير الامبريالية اليهودية والصليبية غير لائقة. ولا تخلف بطولات وأبطالاً، وأحياناً «آلهة» على تصنيف فيكو الايطالي والثامن عشري (قرناً ميلادياً). وهي غالباً ما ترتكس بأصحابها، وهم من العامة «الاجتماعية» إلى مرتبة البشر والانس، على تصنيف أو ترتيب صاحبنا نفسه. ومقارنة أنباء الحروب السورية منذ 3 أعوام ونصف بأنباء «الحرب» الغزاوية الواحدة في الاسابيع الثلاثة الاخيرة من تموز، قرينة حادة على ما تقدم. وما على المواطن الفضولي، بعض الفضول ومن غير مبالغة، الاستدلال إلى الامر بمعالجة ناجية الحصري النموذجية في تحقيق من جزءين («الحياة» اللندنية، 14 و17 تموز 2014، موسوم بعنوان واحد: «عن مآسي السوريين والاعباء الامنية والاجتماعية والاقتصادية على لبنان»). فنظير شن الهجوم والمباغتة والهجوم الاستباقي والاصطدام والمصادر المقربة وأَسْر مسلحين يحملون 40 الف دولار وأمراء ألوية ومقتل العشرات وسقوط اعداد هائلة من الجرحى والاجتياحات والهزائم والاوهام وقوات النخبة واستشهاد شبان في ارض المعركة والاستفادة الاميركية الكبرى ودرء الاخطار والاستنزاف والفشل والسيطرة على القلاع وفصل الجرود بعضها عن بعض واجتثاث التهديد والحسم السريع، الخ. إن كان ثمة من آخر للمسلسل البطولي والملحمي ولغوه الرتيب، تقتصر ناجية الحصري على الاصغاء إلى «حكايات المرارة»، على ما سمى الصينيون مرويات الفلاحين في عهد أسياد الحرب ويسمون اليوم مرويات المشردين في عهد أسياد «اقتصاد السوق الاجتماعي».

و»أبطال» ناجية الحصري هاربون ومهاجرون من القنص الذي شل يد الابن الولد وهو يحمي الناس، على ما تروي أمه، ويحتاج إلى جراحة أعصاب ممتنعة. وبعضهم هرب من القصف الذي يهدم «ثلاث طبقات (من خمس) من المبنى»، فلا يبقى حياً، ويهرب، إلا من كان في القبو و»نقطته» الطبية، على ما تروي أم عبيدة التي سلكت إلى عرسال «طريق الحية» المتعرجة بجوار طريق أخرى هي «فتحة الموت». وآخرون هربوا من «الطلب». فإذا قُتل أخ شقيق، أي استشهد على قول شقيقته، طلبت الاجهزة الامنية شقيقه. وإذا وقع في أسرها تحسّب أخوته الطلقاء لمطاردتهم الوشيكة. وكثرة هربوا مستبقين قتلهم والتمثيل بهم: ففي أثناء سنتين، على ما يروي طبيب من القصير أو «الهرمل الجديدة» إذا صدقت خطط الجماعة الخمينية المسلحة (- لبنان)، سقط في القصير التي كانت تعد 50 ألفاً 3 آلاف ضحية قبل مهاجتمها واحتلالها. وحين رأى «حزب الله» ان الهجوم خير من الدفاع والتربص والحصار، والصواريخ الفراغية خير من الهواوين البائسة والرثة، حزم أمره. فأجمع من بقي من أهالي البلدة الكبيرة على الهجرة ليلاً تحت جنح الليل. فمنهم من هاجر إلى يبرود والدار الواسعة وغيرهما، ومنهم من قصد عرسال. ويقول الطبيب القصيري:» منعنا حصول مجزرة بخروجنا من القصير»، وكأنه يعتذر من «قوات النخبة والرضوان» الحزب اللهية عن تفويت الهاربين عليها مأثرة جليلة تضاف إلى مآثرها.

وبعضهم خلف وراءه النزوح والهرب. فبعض المخيمين في أحد مخيمات البلدة اللبنانية الحدودية يروي أنه ترك حمص، مدينته الاولى ومقامه الاصلي، إلى القصير. واضطره حصار القصير إلى مغادرتها إلى يبرود. وكان في وسعه النزوح من محطة إلى محطة، شمالاً أو شرقاً أو شمالاً فغرباً، وأن يمضي على سيرته. وقطعت المهاجَرة إلى لبنان القريب السيرة. وتقول إحداهن، وهي حائزة شهادة ماجستير في اللغة العربية، «نقد وبلاغة» على ما لا تنسى التدقيق والتخصيص من غير تنطح :»أعلم علم اليقين أن لا عودة لي إلى سوريا». هنا رودس، هنا الوردة، فارقص هنا، على ما كان يكثر كارل ماركس وصاحبه فريدريش انغيلز من الاستشهاد ويكثر حسن قبيسي من التذكير.

والذين امتحنهم شهود الموت من غير قوة على جبهه أو درئه في صورة أم وابنها أصابت قذيفة بيتهما فبَترت ساقي الابن وجرحت بطنه جرحاً غائراً وجرحت رأس الام وصدرها، فبقيا ينزفان ساعة ونصف الساعة ولا حيلة للجيران إلا الفرجة عليهما ينازعان؛ أو في صورة أطفال تحت الانقاض فقأت شظايا المتفجرات عيونهم، أو قطعت أطرافهم، أو بقرت بطونهم، فتتلو الممرضات آيات من التنزيل عليهم وإذا قدرن على لمسهم حقنهم بالمخدرات تخفيفاً عنهم هؤلاء الممتحنون يحاول بعضهم تعويض عجزهم عن الاسهام في عمل مجز أو نافع. ويحسب أن خيرَ ما يتركه وراءه وَلَد يحمل اسمه. فالولادات في مخيمات عرسال كثيرة، وتبعث الطبيب القيصري على «الحياء» من اللبنانيين. والرائحون إلى الموت لا يشكون في حتمه يورثون «أهاليهم»، من غير تعيين، أولاداً وحيوات جديدة تبتدئ، بدورها، زمناً لا ينهشه الطاغية ولا نظامه ولا عبيده.

تحضر وبداوة

ففي وسط المخيمات بعرسال، شيد معلمون سوريون تركوا يبرود وجوارها، حيث «المتعلمون» كثرة، على قول أهاليها، مدرسة من الحجر بأيديهم. وبأيدهم صنعوا الطاولات والخزائن والابواب. وتوجوا صنيعهم اليدوي والحرفي و»الغرامي» بتسمية المدرسة باسم زميلهم مهدي عباس، صريع القصف على مدرسة القصير، واقفاً واللوح الاسود وراءه، والطبشورة البيضاء بين سبابته وإبهامه. ولم يفترق زملاء مهدي عباس حين هاجروا إلى المهجر اللبناني القريب. وعزموا على استئناف عملهم طوعاً ومعاً. ولم يحوجهم «صديق مغترب» إلى المال. فهم، وآلاف التلامذة الذين يتوافدون صبيحة كل يوم إلى المدرسة والالاف من اهاليهم الرازحين في مهاجر العوز والعراء والمهانة، لم يفارقهم إيمان يعصى الفهم بالتعليم:» لولا التعليم لكنا متنا من القهر»، تقول إحداهن، زوجة ضابط منشق. وتلاحظ على زوجها:» لا يعرف العمل بأي مهنة»، قرينة ربما على منافع العلم «الحقيقي» في الاحوال كلها، وعلى الخصوص في حال الهجرة والتشرد والنزوح.

وإقامة المستشفى وتدبيره وإدارته ليست أقل شأناً من تشييد المدرسة، والتدريس فيها على «المنهاج السوري»، وكأن «المنهاج» يعبق برائحة التفاح. وكانت تهمة مساعدة المصابين المدنيين وغير المدنيين في المدن والبلدات السورية تودي بمن تصيبه إلى الموت. وهذا يعظم مكانة المساعدة الطبية والاغاثة في المهاجر. فهي بيِّنة على رابطة اجتماع لم يتوحش، ولم تحطمه وطأة العنف المحموم. وعلى هذا، يُدل الطبيب «الميداني» بمستشفاه، ويحصي خدماته «الفلكية» مفتخراً: يستقبل المستشفى في اليوم نحو 800 مريض، وينجز في الشهر 200 عملية جراحية، ويتولى 200 عملية ولادة، إلى عمل عيادات طب الاسنان والامراض الجلدية. ويخلع الصوت الخفيض إدلاله حين يعرض لالتهاب الكبد، والوفيات جراءه «بشكل مخيف». فمياه الشرب مصدرها الصهاريج الموبوءة، ولا راد لفعل جراثيمها وبكتيرياتها في المعد والامعاء والدم والغدد. والمدرسة والمستشفى معلمان حضريان وصناعيان بارزان، وهما حجتان قاطعتان على البداوة وخرابها.

ويراجع بعض النازحين فصول حياة سبقت كانوا فيها «أصحاب بيوت»، على قولهم معتزين، ولا «تختصر حياتـ(هم) بخيمة» أو تصبح «الخيمة» فيها «حلماً»، على ما يردد بعضهم. فيبعث معارضةَ الخيمة البدوية والمترحلة والمقصية بالبيت الثابت والحجري والمأهول في وسط بيوت مثله. فصاحب البيت هو صاحب «وطن» أو ابن وطن وسليله. وبعض من بقوا، قتلتهم قذيفة سقطت على منزلهم، مثل أم حيان. فهذه «تشبثت بالوطن»، ولم تترك فيمن تركوا، هي وابنها. وخلاف الوطن والبيت والاقامة الحصينة والمنيعة والتعليم، البداوة، على ما مر، وغزواتها ونهبها وتبديدها: «سرقوا كل شيء، بيوتنا وسياراتنا ومحلاتنا وحرقوها». ويسمي السوريون ترحيلهم عن أراضيهم وأرزاقهم وبلداتهم ومجتمعاتهم سياسة «الارض المحروقة». وفي إجراءات الارض المحروقة، عدا القصف المتقطع أو المتصل أياماً وأسابيع تمهد للهجوم الاخير ورفع الاعلام والرايات والبيارق على المآذن (وهي مآذن «شيعية»، ولم تغصب من «إخواننا السنة»، على تنبيه خطيب مأذون)، حرق السجلات العقارية وأوراق الطابو وحجج المِلك والتوريث. فأراضي الاستيلاء فيء على المجاهدين، وغنيمة يغنمونها على المهزومين والمشردين الذين يُحسبون سواقطَ قبائل أو أقوام «بائدة»، جزاء كفرهم أو «تكفيرهم».

مراجعات

ومن مراجعات المهاجرين المشردين، اليوم، رأيهم في بعض أحوالهم الماضية. فيقول «أحدهم» على ما تكتب ناجية الحصري مغفلة الاسم بعد شواهد منقوله عن أصحاب أو مخبرين تسميهم بأسمائهم، وذلك في معرض عام لا يستجر «جريرة»- يقول أحدهم هذا: «أكثر ما نندم عليه أننا علمنا طلابنا ثقافة النظام، أهلنا صفقوا للنظام فصفقنا له». فيلاحظ القائل الغفل آصرة أو قرابة بين الهجرة وبين الخروج على التقليد، أي بين الهجرة وبين ولادة الوعي الفردي، وأوبة النفس إلى نفسها ومحاورتها نفسها، على قول ابن رشد في الفكر. وسياقة الخروج على التقليد «الاهلي» هي خروج سِفْري، على شاكلة الخروج التوراتي، من «أرض مهانة»، على قول محمد أبي سمرا، وبداوة وسيبة، إلى أرض لجوء وضيافة واحتكام إلى الرأي والاجتهاد، وانقطاع من «التصفيق» والتقليد.

ويلاحظ الرجل نفسه، ولا يبعد أن يكون امرأة، أن «من كان مع النظام وتعرض للعقاب، أسوة بالآخرين (المعارضين)، أصيب بالضياع، ولم يعد له خيارات (أخرى)». والملاحظة نفاذة، ويفوق نفاذها عدداً من ملاحظات فانون على أمراض الرجل المستعمَر. فهي تنبه إلى ان جموح النظام وتماديه يحولان بينه وبين الاضطلاع بدور القطب «الابوي» الذي يزعمه لحربه على المارقين والتكفيريين والغرباء المجلوبين من أصقاع الارض والمختلطي الأنساب والهويات والاعراق، على ما يردد تضليله الأخباري. وإذا كان المستعمِر، أو مثاله، يستهوي بعض من يخضعهم ويسودهم وتدعوهم غوايته إلى انكار من يكونون، على زعم جوهري وماهوي يقبع في قلب الجدل الفانوني المنحول- فالنظام «الوطني»، الجامح والمتمادي، يطيح الغواية، ويترك من أغواهم خالي الوفاض من «سيد» يليق بالسيادة، وتطأطئ له الرعية الرأس طوعاً وامتثالاً أو جبناً. وعلى هذا المثال نسجت «دولة» الخلافة، ومن قبلها جبهة النصرة، والزرقاوي قبلهما.

فالسيد الاسدي والبعثي، والعلوي على الارجح (في سهل حمص وأريافها)، قاصر عن القيام بالوجه المعنوي، غير العسكري والقمعي المباشر، الذي لا تستقيم سيطرة ولو غاشمة إلا به. وعلى خلاف المستعمِر بإزاء المستعمَر، لا يترك الطاغية «الوطني» الجامح للشطر من رعيته الذي يقهره ويقتله على رغم ولائه، إلا الضياع. فالقطب الاهلي والمحلي الذي يسع المقهور في المستعمرات الرجوع إليه إذا اخفق انتحاله سبباً أو نسباً بالقاهر، ممتنع على الاهليين والوطنيين السوريين والمخذولين وتنبه ملاحظة «احدهم» المزدوجة إلى جدة معايير السياسة المولودة من الثورة على المحتل الاجنبي. فإذا كانت وحدة الجماعة الوطنية الناشئة عن الثورة على المحتل ملاذاً ودواء شافياً من أمراض اختلاط الهوية، على ما حسب الطبيب فرانتز فانون واهماً بعض الشيء، فتحطيم الطاغية الجماعة الوطنية أو لحمتها المعنوية والرمزية يسرق من المتحصنين بها «بيتهم» المفترض، ويحملهم على الاستعاضة عنه بالخيمة.

والحق أن تمادي الطاغية الاهلي والوطني في تحطيم الاجتماع السوري قوض بيتاً معنوياً من صنف آخر. وتجمع ناجية الحصري في ملاحظة واحدة ما تقول أنه «شعور واحد» يتملك الاطباء والجراحين والصيادلة والممرضات وأساتذة النقد والادب... ويسودهم، هو أنهم «كانوا على رغم الحرب التي تشن عليهم، بحال أفضل يوم (كانوا) يقاومون الظلم في بلدهم قبل أن تتعرض (ثورة الحرية والكرامة) للتشويه، فتصبح حرباً مذهبية، وحرب مصالح وكراهية، وتصور على انها ارهاب». ولعل أقسى ما يصنعه التهجير المتعمد، على الاراضي السورية الوطنية وخارجها (وهو يصيب نحو 12 مليون سوري)، إلى الاضطراب «البدوي» الذي يرمي بالسكان في خضم حياة متلاطمة من غير مرسى، هو خسارة الاهالي مسرح مقاومتهم الطاغية وعداوته، أو ماء هذه المقاومة، ونهرها وبحرها. وهو ما يسميه المهاجرون قسراً «الثورة».

تقول أم عبيدة:» في يبرود (محطة الهجرة الثالثة) عشنا أجمل أيامنا، كانت همة الشباب تزيدنا قوة واندفاعاً وإحساساً بأهمية الحياة». ويردد خالد رعد وزياد الواو أصداء مقالة المرأة: على رغم القتل والبراميل المتفجرة وطمر الردم الاحياء والجرحى والموتى، «كنا مبسوطين». وعدد القتلى الذي قد يبلغ في اليوم الواحد 30 «نصفهم استشهد فيما كان يشيع القسم الاول» لا يلغي «الانبساط». فالعودة من التشييع إلى «المخابئ»، وطعام العشاء المشترك، والاعداد لليوم التالي معاً، واستراق ضحكة لعلة تافهة قبل النوم، كلها تُشعر أصحابها بمشاركتهم الإرادية في أمر يتقاسمونه، سموه «الحرية والكرامة». وآنسوا في أنفسهم قوة كانت معطلة: «ولادة تحت القصف في القصير، وعبور فتحة الموت مع طفلين من دون الزوج تحت وابل من القصف والقنص، واختباء من الشبيحة في مزارع السياد... ومغادرتها فجراً بعد اقتحام الجيش النظامي (المزارع) وذبح من بقي من نساء وأطفال» هذا سجل حياة «فيتنامي»، تحل فيه البراميل الوطنية محل النابالم الاميركي، ومخيمات النزوح محل القرى الاستراتيجية، وسيادة رئيس مثلوم محل هوشي منه وروبرت ماكنمارا معاً، وروبرت فيسك محل ويليام بورشيت، والقصير محل مان لي وعشرات القرى المستأصلة، و»حزب الله» محل القوات الخاصة في مشاة البحرية، وبيارق أسماء الائمة المعصومين محل العلم المرصع بالنجوم...