الأحد، 22 مارس 2015

رحيل أولريخ بِكْ مفكر عولمة كوسموبوليتية عادلة داعية جمع الأجنحة إلى الجذور واقتسام أكلاف الكثرة ومنافعها



(المستقبل 22/3/2015)
 
حين تناول الألماني أولريخ بِكْ (Beck) (1944-2015) مسألة العولمة، في مطلع القرن الجديد، فكتب «السلطة ونقيض السلطة في عصر العولمة» (2002 باللغة الألمانية، و2004 بالفرنسية)، عالج موضوعه المترامي الاطراف من وجهين بارزين كانا خفيين أو كالخفيين: الوجه الأول هو السلطان والسياسة، حين كانت الاحصاءات الاقتصادية والمالية على وجه الخصوص تزعم وصف النظام الجديد وصفاً دقيقاً؛ والوجه الثاني هو ولادة هذا النظام، وهو بعد نطفة أو جنين، في ثنايا أزمة سياسية عاصفة تتهدد أركانه ومسارحه ومصائره بالفوضى العارمة. ولا يشك قارئ بِكْ، منذ قراءته صفحات عمله الاولى، في أن ملابسات الكاتب والكتاب الألمانية والتاريخية- تلك التي ترقى الى توحيد الرايخ الثاني في الربع الثالث من القرن التاسع عشر، فإلى الحربين العالميتين وتربع النازية على الرايخ الثالث، ونشأة جمهورية بون «الغربية» كانت السبب أو العامل الراجح في معالجة كاتب الاجتماعيات مسألة (مسائل) العولمة من وجهي السياسة وأزمتها في النظام الجديد.

النكران القومي

فهو يلاحظ، منذ أسطر عمله الأولى، أن الشعبوية اليمينية بأوروبا (ولا يلبث أن يضيف الشعبوية اليسارية الى الجناح اليميني الغالب)- وهي حركات قومية ضيقة تزعم تخليص الشعوب من الأخلاط والأغراب و»تطهيرها» من هجنتهم، ومداواة «أمراض» البطالة وهشاشة العمل وتردي الأجور وضعف مرافق الصحة والتعليم والسكن وانتفاخ نفقاتها وقلة الولادات وتفشي الجريمة بواسطة طرد الأجانب والمهاجرين من الاراضي الوطنية- عرض ناجم عن أزمة العولمة. فاستعادة «الاولوية الوطنية» في ميادين التوظيف والاستثمار والصناعة والمبادلات والنقد، وتوطين التمثيل السياسي والسلطات، على خلاف مصادرة البيروقراطية الاوروبية ورأسمالية أسواق المال والمصارف الاميركية السلطة والمصالح، هي أدوية الشعبوية، على وجهيها، للازمات المتناسلة منذ أواسط السبعينات الخالية على وجه التقريب. وتتردد في مقالاتها وأفعالها أصداء «الاشتراكية- القومية» (النازية)، وتتغذى من الازمة الاجتماعية العميقة التي هزت أركان مشروعية الدولة الوطنية في العقد الرابع من القرن الماضي.

فالزعم أن عمالة القوة العاملة الكاملة (أي الرجوع بالبطالة الى معدلها الهامشي والبالغ نحو 3-4 في المئة) جائز في اطار حمائية الدولة الوطنية بينما البطالة الجماهيرية تتفشى في أرجاء العالم ويتعاظم العمل الموقت والجزئي؛ وأن لا خطر يتهدد المعاشات التقاعدية حين يبلغ متوسط خصوبة المرأة الواحدة 1.3 طفلاً؛ وأن التعدد الثقافي ومحبة الشعوب بعضها بعضاً يقيلان المجتمعات المتنازعة والمتناحرة من عثراتها وعداواتها وحروبها؛ وأن علاج الكوارث البيئية والغذائية، تلك التي حصلت وتلك الموشكة على الحصول، هو بيد التقنية والصناعة اللتين كانتا السبب في الكوارث- هذه المزاعم، وغيرها مثلها، والسياسات والاجراءات التي تصدر عنها أو تترتب عليها هي ثمرة انكار الوقائع الكوسموبوليتية، والدوران في فلك الدولة الوطنية وهيئاتها وأبنيتها التي فاتت وطويت معظم مقوماتها السياسية، في المرتبة الاولى. فما أن تلمس المجتمعات افتقارها الى موازينها الأمنية السابقة أو القديمة، وذلك حين تتصدى للجريمة أو تعمد الى طرد الاجانب وطلاب اللجوء، حتى تضطر الى النزول عن حصرية بعض المرافق السيادية مثل البوليس ومراقبة الحدود سعياً في استعادة السيادة والأمن الوطنيين أو الداخليين.

والحق أن دارس اجتماعيات العولمة الراحل حدس في شعبوية اليمين الاوروبي، ثم في شعبوية اليسار حين الاقتراع على مشروع الدستور الاوروبي في 2005، «ظلامية جديدة» موضوعات نضالها الاثيرة هي مكافحة الأفول والانحطاط والسعي في تجديد القيم والجماعات (الأقوام) العصبية والأصلية. وهي موضوعات أو معانٍ سبق للحركات الفاشية والنازية والقومية الاصولية، بين الحربين الكونيتين، أن قدمتها وصدرتها، وأدارت عليها شواغلها وخططها الصناعية والعسكرية على حد سواء. وتشترك الشعبويتان في غايات يمينية، قومية وأصلية، وفي مناهج أو أدوات يسارية، مثل التنديد والنقد الضاربَيْن عرض الحائط بالمحرمات، والمشرعّيْن الباب في وجه الضغائن على الحداثة والباعثين هذه الضغائن. وهما تترتبان، على مقادير متفاوتة، على تعريف العولمة. فيذهب تيار الى تعريفها بتعاظم «التشابك» (والشبكات على أنواعها وأصنافها هي مرآة هذا التعاظم)، وما يترتب عليه من تعالقات، وتبعيات متبادلة، وتدفقات عالمية (مالية ومعلوماتية وسلعية)، وهويات وشبكات اجتماعية تعلو دوائرها الدوائر الوطنية والمحلية وتتخطاها.

ويرى تيار آخر أن ركن العولمة هو «إلغاء المكان بواسطة الزمن» (التزامن) على قول هارفي. فوسائط التواصل الجديدة، من طريق الشبكة العنكبوتية وفروعها و»تطبيقاتها»، توحد أجزاء الكرة الارضية ونواحيها، وتدمج أوقاتها وأوقات أهلها في وقت (متواقت) واحد. وعدد الناس أو الافراد الذين يتَّجرون على صعيد عالمي، أو يتولون أعمالاً تدعوهم الى الاقامة في أكثر من بلد واحد والى الانتقال بين بلدان كثيرة، أو تربط بينهم علاقات غرامية أو زيجات من غير أن يقيموا في بلد واحد، هؤلاء لا ينفكون يتكاثرون يوماً بعد يوم. والهويات والولاءات السياسية أقلعت عن الاقتصار على هوية وطنية واحدة أو ولاء مفرد. ولا ينكر بِكْ حقيقة كلا التيارين أو تعريفه العولمة. ولكنه يدعو الى حملهما، أو حمل الوقائع التي يصفها التياران، على انعطاف تاريخي. والقرينة البارزة على الانعطاف التاريخي هذا هو امحاء الفرق بين ما هو وطني وبين ما هو دولي داخل إطار (سلطة) سياسة داخلية عالمية غير واضحة القسمات بعد.

الحداثة الثانية

وعن هذا الفرق المتصدر تفرعت مفهومات الحداثة الأولى (منذ القرن الثامن عشر الى أواخر القرن العشرين)، الراجحة والغالبة، عن المجتمع والهوية والدولة والسيادة والمشروعية والسلطان والسلطة. وعليه، ينبغي السؤال أولاً عن كيفية تصور عالم أو دينامية عالمية أبطلت المسائل والمشكلاتُ المترتبة على الحداثة الجذرية والراديكالية أركانها السابقة، ومنطق فعلها العائد الى نظام الدول الامم، على نحو ما أبطلت فروقاً وهيئات أو مؤسسات تاريخية جوهرية. ولا يقتصر الفرق الباطل، أو المبطَل، على ذاك الذي بين الوطني والدولي، بل يتعداه الى الفرق بين الاقتصاد العالمي وبين الدول (الوطنية)، و(الفرق) بين حركات المجتمع المدني العاملة على نطاق عالمي والمنظمات الأممية وبين الحكومات الوطنية. وثمرةُ بطلان الفروق أو إبطالها هي سياسة داخلية عالمية يتعدى فعلها، منذ اليوم، الخطوط الفاصلة بين الدائرتين التقليديتين، وغدت مناطَ منازعة على السلطان لا يُعلم مآلها أو عاقبتها، ويتولى أصحابها المتنازعون المفاوضة على الحدود، وعلى القواعد الاولى والفروق الجوهرية.

وحين ينفك الوطني من دائرته (الوطنية)، ويخرج الدولي من مداره أو نطاقه (الدولي)، تفقد الواقعية السياسية إذا هي بقيت أسيرة دائرتها الوطنية، نفاذها وفاعليتها. وينبغي إبدالها بواقعية كوسموبوليتية، على ما يلخص أولريخ بكْ دعوة كتابه. وتولي الواقعية الكوسموبوليتية المكانة المتصدرة الى الاقتصاد العالمي، ودور أطرافه وأقطابه في بيئة دول متحالفة ومتنازعة. وتولي كذلك مكانة أولى استراتيجيات الحركات المناوئة للمدنية، شأن الشبكات الارهابية التي تُصْلي الدول والمجتمعات عنفاً مخصخصاً أو صادراً عن الجماعات والمصالح الخاصة. وعلى الواقعية الكوسموبوليتية الإجابة عن مسألتين: ما هي الاستراتيجيات التي يفرضها أقطاب الاقتصاد العالمي على الدول؟ وكيف يسع الدول، في مقابلة ذلك، استعادة قوة على المنازعة السياسية العالمية تقسر رأس المال العالمي على الانقياد الى نظام كوسموبوليتي يستبطن حرية سياسية، وعدالة شاملة، ورعاية اجتماعية وحماية بيئية، لا غنى عن التزام موازينها جميعاً.

فمنذ اليوم، تكاد لا تحصى أعراض الحداثة العمومية: من التغير المناخي ودمار البيئة والاخطار المترتبة على التغذية والتهديدات المالية الكونية الى الهجرات السكانية العريضة ومترتبات التقنيات المجهرية والجينية المتجددة وهجرة الاوبئة... ويؤدي إعمال التقنيات هذه الى السؤال عن أسس الحياة المشتركة، واختبار نتائج انقلابها رأساً على عقب في حياة كل إنسي (من التخصيب والولادة الاصطناعيين الى إعمال الخلايا الجذعية في التطبيب). ومن العسير تصور عالم آمن، غداة 11 أيلول (2001)، ما لم يكن هذا العالم مشتركاً، حقيقةً وفعلاً، يقر للغير بغيريته، وقادراً على إدراك التقاليد القومية والإتنية، والوطنية والدينية، وفهمها، وإفادتها من مبادلاتها وتشاركها هذه المبادلات.

وينبغي أن يقود إحصاء هذه الظواهر، وجمعها بعضها الى بعض، وتدبرها بعضها في ضوء بعض، الى تبديد إلفتها وبداهتها الوصفيتين والتقريريتين. فالدول والهيئات والوكالات والمنظمات التي تتعاقد على برامج وخطط سياسية، وتنوي التصدي لمشكلات وقضايا متشابكة مشتركة وعامة مثل تبييض الاموال وغسلها، أو تفشي السندات المالية المسمومة في أوصال الجهاز المصرفي والمالي العالمي أو السطو على الاتصالات الخصوصية، أو تعاظم التجارات المحظورة والمزورة من المخدرات والمواد المشعة الى السلاح والمعادن الثمينة والاعضاء البشرية- هذه الدول والهيئات لا تصدر مداولاتها ولا قراراتها عن (معرفة) بصيرة بأركان مشروعيتها. فهي لا تلم بالمعاني التي تقع عليها أو توضع تحت أسماء مثل «سياسة» أو «دولة» أو «سلطة» أو «إدارة»، شأن الجمهور. وآية هذا الاختلاط أو التخليط اضطلاع جماعات محلية وضيقة بنفوذ كبير على نطاق عالمي، وتولي أقطاب عالميين الحل والعقد في دوائر محلية ضيقة، وتملصهما كليهما من تسديد الرسوم المهنية المترتبة على أعمالهما.

وحَمَلَ عمومُ التشكك في الانشطة الارهابية دولاً ديموقراطية وقوى عسكرية على الاجازة لنفسها «رخصة صيد الارهابيين» من غير التزام الحدود الوطنية، ولا التقيد بمعاهدات تسليم المطلوبين وإجراءاتها القانونية والقضائية. وهذا يُشبِّه حال «سلم دهري» (لا نهاية زمنية له) قريب من حال «حرب دهرية»: فيبيح السلم الاجراءات والأحكام الاستثنائية على النحو الذي تبيحه الحرب، سواء بسواء. وفي الاثناء،لا تزال الحدود والفروق الاقليمية المتفرقة قائمة على رغم التباسها بعضها ببعض وتداخلها. فما معنى «السيطرة المشروعة» بهذه الحال؟ ويخلص أولريخ بك من هذا الى الافتراض أن العالم، أي «أهله»، يشهد تدميراً ذاتياً خلاقاً للنظام العالمي «المشروع»، الى اليوم، والمولود من ولاية الدول- الامم عليه. وانقلاب العالم من حال حال، أو من طور الى طور، «تطور شديد الالتباس»، ولكنه يضمر فيما يضمر «نظرة كوسموبوليتية». وعليه، فـ»صدام الحضارات» قد لا يكون تشخيصاً دقيقاً ولا وحيداً لمرحلة التدمير الذاتي الخلاق، وفوضاها العظيمة (على نعت توراتي وقرآني متضافر). وقد تعد المرحلة بولادة حضارة انسانية يرعى حضنُها تقاليد وروافد كثيرة المنابع، ومختلطة المياه.

وينبغي أن يبدد مفهوم «الكوسموبوليتية»، على النحو الذي يُعمَل في هذه السياقة، المعنى النخبوي الذي تتذرع به المطامع الامبريالية الى ترجيح كفتها، ليدل على معايير الكثرة وألوانها ومنازعها، والاقرار بها في السر والعلانية، وتضمينها الاوضاعَ الاجتماعية والاحوال التاريخية المتفرقة. وذلك على شاكلة فهم متعارَف ومشترك، شائع في دوائر واسعة من الجمهور، ويقوم منه (من الفهم) مقام الحدس. وإذا كان شعار السياسة الواقعية الوطنية أو «القومية» يقضي بـ»بلوغ الغايات الوطنية من طريق وسائل وطنية»، فشعار السياسة الواقعية الكوسموبوليتية هو :» سياستنا وطنية ويتوجها النجاح على مقدار كوسموبوليتيها». فالأطر والاحوال العالمية والمشتركة توجب مشتركات وجوامع تتقاسمها الامم والشعوب، على مقادير متفرقة ومتفاوتة، من غير شك، ولكنها تدعو الامم والشعوب الى التوسع في شركتها ومعالجتها. وموازنة السيادات الوطنية بعضها بعضاً، وإفضاؤها الى مقايضة المكاسب والخسائر على نحو تتبدد معه كلتاهما ويرسو الحساب على صفر، يكذبها التاريخ القريب. فلا الحرب الثانية انتهت الى مثل هذه الموازنة، ولا الحرب الباردة حققتها.

الاستقلال من طريق التبعيات

وإيجاب الروابط التعالقات بين السياسات والمجتمعات ينبغي أن يفضي الى محصلة موجبة وفائضة، والى تعظيم الاطراف كلها مكاسبها.

ففي عصر الازمات والاخطارالشاملة يضطلع انشاء شبكات التعالقات والأواصر (المتبادلة) بين المجتمعات ودولها بتوسيع هامش استقلال المجتمعات والدول الذاتي، ويحرر هذه من القيام منفردة بأكلاف معالجة باهظة لمفاعيل الازمات، وآثارها المتشابكة. وأصدق ما يكون هذا في الشأن الاقتصادي الذي تؤدي عولمته الى زئبقية ليس في وسع الدولة الوطنية، بالغاً ما بلغ سلطانها، احتواءها أو الإحاطة بها. وبحيال تداعي مفاعيل العولمة وتناسلها، حري بالذين تتطاول إليهم هذه المفاعيل، وهم المزدوجو اللغة و»البدو» (أو البادون والظاعنون) والمقيمون على سفر ورحلة وفي الثنايا بين الحدود، (حري بهم) ألا يقتصروا على جذورهم، وأن يجمعوا الاجنحة الى الجذور، والاختبارات الكثيرة الوجوه الى النازع البلدي والمحلي. فمن في مستطاعهم التقلب بين أظهر العالم على شاكلة مواطنين كونيين قد يضطلعون بدور قاسمٍ مشترك ثقافي بين مجتمعات غير متجانسة النسيج، على ما هي حال مجتمعات عالمنا اليوم. ويطرح هذا مسألة حقوق الانسان، في أحوال الاقليات والاجانب الهامشيين، على وجه يحتسب الوقاية من انفجار العنف والثأر من الخيبات والمهانات التي تلحق بالبشر. فعولمة مطالع القرن الواحد والعشرين يفرضها الأقوياء (أهل القوة)على الفقراء (أهل الضعف). والأقوياء هم السباقون الى قطاف ثمرات عولمة الحداثة الأولى، غير الكوسموبوليتية، وينسبونها الى انفسهم، ويصبغونها بصبغة رغباتهم ومصالحهم. والتسليم بهذا الأمر، على نحو التنصل من العولمة ونسبتها الى «النيوليبرالية» أو «الليبرالية المتوحشة»، على ما يصنع شطر من التيارات المعارضة، ليس قدراً لازماً.

وإذا بدا، الى اليوم، أن قواعد تفاعل الأقطاب الثلاثة الكبيرة والمؤثرة في مصائر العالم (الدول والمجتمع المدني العالمي ورأس المال) تقضي إما بربح قطب واحد من الأقطاب نظير خسارة قطب آخر وإما بخسارة الأقطاب الثلاثة من غير استثناء، فذلك عائد الى افتقار التشخيص الى الواقعية، والى الكوسموبوليتية، معاً. فيميل المراقبون، على اختلاف مواقعهم وتفرقها، الى تصديق منطق رأس المال، وزعمه لنفسه الاستقلال التام داخل اطار الاقتصاد «الكلاسيكي» والغايات السياسية. وكان هذا الزعم سُلّم ارتقاء «تحليل المبادلات والثروات»، في القرنين السابع عشر والثامن عشر الاوروبيين، الى نصاب «علم الاقتصاد». ومن هذا المنظور أغوت الايديولوجية النيوليبرالية الأنانيات الجامحة ودعتها الى منافسة من غير قيد ولا كابح، وأقنعتها بأن غلبة رأس المال وسلطانه لا بد أن تفضي، في آخر المطاف، الى عدالة عامة لا تستثني من توزيع العوائد المتعاظمة الفقراء المدقعين أنفسهم. وعلى هذا، فلا جدوى من التمسك بالدولة (الاجتماعية) ومرافقها التي تتولى بعض التوزيع والتعويض على «المحتاجين». وجزءٌ من رجحان كفة رأس المال هو تسلطه على إيجاب القواعد الناظمة للعلاقات الاجتماعية والسياسية. فالدول، أو الكيانات السياسية، لا تجاري منطق رأس المال الليبرالي الايديولوجي هذا. ولكنها تحجم عن اللحاق به حيث هو، وتزعم مقاومته ومقارعته من طريق تمسكها بالنطاق الوطني والتقليدي.

ويضطلع المجتمع المدني العالمي وفروعه الجمعية الكثيرة، بأدوار تتصدى لسلطان رأس المال ونازعه الى فرض منطقه على السياسة الداخلية العالمية. والسلطان النقيض الذي يملكه المجتمع المدني العالمي هو الإضراب المنظم، وكف العاملين عن العمل. ونظير الاضراب، يسع رأس المال صرف العاملين من العمل. ولا يزال هذا الضرب من جدل السيد والعبد سارياً في نواح كثيرة. ولكن «أوراقاً» جديدة طرأت على مقدرات رأس المال وموارده، أبرزها زئبقيته العالمية وحركيته المرنة. ويمثِّل أولريخ بِكْ على أثر زئبقية رأس المال الجديدة بسياسة فولكسفاغين، ماركة السيارات الالمانية المعروفة، في أوائل العقد الاول من القرن الواحد والعشرين. فبعثت الشركة العتيدة حماسة النقابات والمستشار الاشتراكي الديموقراطي غيرهارد شرودير ومديري الشركات، جميعاً، حين أعلنت خطة تقضي بإلزام العاملين الجدد العمل وقتاً أطول لقاء أجر أقل. ولم يلبث أصحاب العمل أن طلبوا «فتح» هرم الأجور، وسموا هذه السياسة «مرونة». ومعناها رمي أعباء المنافسة الشاملة وأكلافها على العمل والأجور. ولوحت فولكسفاغين، في خضم المفاوضات على اشتراطاتها، بصناعة مركبتها الجديدة، ميني- فان، إما في سلوفاكيا أو في الهند. ومصدر حماسة «الحزب العمالي» والنقابات حؤولهم دون نقل صناعة المركبة الى شرق أوروبا أو جنوب آسيا. (ووسم بِكْ آخر كتبه بعنوان يردد صدى إشاراته هذه، «لا لأوروبا ألمانية»).

والباعث على الخوف، في هذه الحال، هو تردي أجور العمال وتعويضاتهم الاجتماعية. وفي غمرة هذا الخوف يُغفل عن الخسارة التي مُنيَ بها عمال الهند وعمال سلوفاكيا، جراء إحجام الشركة الالمانية الكبيرة عن إنشاء مصنع جديد في واحد من البلدين، والتوسل بالتنقيل او التعهيد في سوق رساميل لا قيد على مرونتها او استقبالها الاستثمارات على أنواعها. وعلى خلاف موارد رأس المال وسلطانه، ينهض سلطان المجتمع المدني العالمي النقيض على «المستهلك السياسي». ويقوم سلطان المستهلك السياسي النقيض على امتناعه، ساعة يشاء وحيث يشاء، من الشراء. وليس في جعبة رأس المال، ولا في احتياطه الاستراتيجي، رد جواب على سلطان المستهلك النقيض. وليس في وسع أحد معالجة حلف المستهلكين وتعاهدهم على الامساك عن الاستهلاك والشراء من طريق الهجرة الى بلد آخر. فمجتمع الاستهلاك، اليوم، هو المجتمع العالمي القائم فعلاً. وليس بين المستهلكين وبين العاملين وجه شبه: فالأولون غير مقيدين باحتياجاتهم ولا بأوقات تلبيتها ومواضع هذه التلبية، بينما الآخرون غير مخيرين تقريباً في قبول «مقترحات» سوق العمل.

المستهلك السياسي والارهابي

وإذا قوّى المستهلك رابطته بشبكة أقرانه وامثاله، وبادر بعد التنسيق الى تعيين غايات دقيقة التعريف، أمكن تخففه من إكراه حاجاته الملحة وقيودها، وانتظامُه في سلك يتعدى الأطر الوطنية والمحلية من مقارعة المصالح والقوى المتكلتة والمناوئة. وشرط قيام السلطان النقيض تصدي مناضلين من المجتمع المدني لانجازه، وتبنيهم تحقيق وسائطهم. وليس هذا بالأمر اليسير. فالدعوة الى مقاطعة بعض السلع أو المنتجات تتوجه الى أفراد وليس الى منظمات أو أسلاك. وما يجمع الافراد، في عصر الفردية والحداثة الثانية، لا غنى له عن الاخراج المسرحي والاعلامي ولا عن إعمال الرموز الجامعة والعميقة. والأمران، الإخراج المسرحي والاعلامي وإعمال الرموز، لا يُبلغان من غير تكلفة باهظة. ويقع تمويلها على عاتق المستهلك السياسي. فهو من يقتطع قوته الشرائية بعض هذه التكلفة. ومن غير قوة شرائية يستحيل على المستهلك أن يسهم في الحملات التي تتولى تعبئة المجتمع المدني العالمي. وهو، المستهلك، يحصل هذه القوة من رأس المال، القطب الغالب والراجح في عملية التوزيع وسياسة المداخيل. وغلبة كفة رأس المال ، على هذا النحو، قيد على تمويل المجتمع المدني العالمي سلطانه النقيض، ومقارعته سلطان رأس المال.

ولكن القيد لا يبطل أصل المسألة، أي الحاجة الى اضطلاع المجتمع المدني بإيجاب سلطان جمهوري، وبإيجاب هذا السلطان من طريق أو نهج جمهوري. ويفترض النهج الجمهوري، على خلاف الاستبداد (« العادل»)، منازعة سلطان نقيض يلازمه ولا ينفك منه. ولا يستولي السلطان النقيض على السلطان إلا في معرض المنازعة وسياقتها. والسياقة هي قوام نظام الهيئات والابنية الذي يسوس المجتمعات، وتسوس نفسها من طريقه. ويرى بِكُ أن فكرة استيلاء المجتمع المدني على السلطة جديدة، ولم تختبر أو تمتحن بعد. وهو يسمي التناضح بين الدولة والمجتمع المدني، أو استطراقهما (على شاكلة الاواني المستطرقة التي يوحد اتصالها مستوى السائل فيها)، «الدولة الكوسموبوليتية». ويُفترض في أفكار هذه الدولة، وفي نظرياتها وهيئاتها أو مؤسساتها، أن تنشأ في سياقة تحررها من أطرها ومبانيها الوطنية، على نحو ما نشأ رأسمالٌ جديد في معرض عولمة المبادلات وزئبقية الاستثمارات وتنقيلها.

ولم تفت جدة المثال الرأسمالي وعولمة المجتمع المدني الجماعات أو المنظمات الارهابية. فأسرعت الى الاحتذاء عليها، وأفلحت في الارتقاء (الى) مرتبة أهل القوة العالميين، ونافست الدول والاقتصاد والمجتمع المدني على هذه المكانة. فانفكت من موجبات أو قيود المحل أو البلد، وتحررت من المثال المركزي وقسره، وبادرت الى الفعل على المستويين المحلي والدولي معاً. وبينما تتصدى جمعية غرينبيس لمقاومة الازمات البيئية، والتشهير بعواملها وأولياء هذه العوامل والمسؤولين عنها، وتندد «أمنيستي» (أو منظمة العفو الدولية) بانتهاكات الدول حقوق الانسان، تطعن الجمعيات غير الحكومية الارهابية في احتكار الدول العنف. والمنظمات الارهابية لا تقتصر على «الارهاب الاسلامي». ففي وسعها الشراكة مع كل الايديولوجيات، ومع كل الاصوليات. وينبغي تمييز رهاب حركات التحرر الوطني، المنغرسة في إقليم وفي إمة، من شبكات الارهاب العاملة على نطاق يتخطى حدود الدول وينتهكها، وتبطل في الاثناء مباني الحروب والجيوش الوطنية.

وصور التهديد الناشئة عن أفراد، وعن شبكات تحتية لم تبلغ مستوى الدول (على رغم أن بعضها حمل نفسه على «دولة»، وعلى «خلافة» أو امبراطورية في آن) تشغل مجتمع الدول وهي تشغله اليوم فوق ما شغلته مطلع العقد الاول.

والانتحاري الارهابي هو نقيض «المرء الاقتصادي»، الهاجس بالوقت والعمل والاستثمار والنتاج، ولا يبالي إلا بتعظيم خسائر العدو من غير إقرار بمعيار أخلاقي أو مادي. ويبعثه هذا على قسوة مطلقة. والعملية الارهابية الانتحارية فريدة: فصاحبها لا يقدم عليها أو يرتكبها إلا مرة واحدة، والسلطات لا تحتاج الى إثبات الجريمة وتحقيق نسبتها الى صاحبها، على خلاف الجرائم «العادية». فالجريمة نفسها، والإقرار بها، وقتل القاتل نفسه في العملية، متزامنة وتحصل في وقت واحد. ولا يستحيل أن تصدر دول، أو أجهزة عسكرية هي جزء من دول، الامرَ الى الانتحاري الارهابي بانجاز علمه، هذا بينما الارهابي الانتحاري هو ثمرة حال جديدة تصبغ الحرب بصبغة فردية. فيبادر الافراد الى شن «الحرب» على الدول، فلا تبقى الحرب شأنَ الدول ووجهاً من وجوه العلاقات الدولية. ويتوسل الارهابيون في عصر العولمة بالسلاح الجرثومي، على نحو لم يكن متاحاً للأفراد أو للمنظمات الصغيرة والفقيرة، وبسلاح نووي جيني في حجم صغير. فالتقانة المجهرية ولدت، أو في وسعها أن تلد أسلحة شديدة الفتك والضرر بتكلفة متواضعة.

وفي الاحوال كلها، خسرت الدول احتكار أسلحة الدمار الشامل. وتترتب على تعاظم سلطان الافراد العلمي والتقاني والعسكري بإزاء الدول، وقياساً عليها، مفاعيل سياسية «ثورية». فالحواجز التي حجزت طويلاً بين المجتمع المدني (وأفراده) وبين «العالم العسكري» لم تبق قائمة. وضعف هذه الحواجز يفضي الى عسكرة المجتمع المدني والزج به في دوامة عنف وبائي. وإذا تسللت العسكرة الى المجتمع المدني عمَّ التشكك في الافراد (المواطنين) وفي المجتمع كله، ووجب على المواطنين إثبات براءتهم من التهمة، وجاز لأجهزة الامن المبادرة الى مراقبة شاملة من غير علة أو ذريعة إلا الوقاية والاحتياط الأمنيين. وحيث يجوز التشكك في عموم المدنيين، والتوقي منهم، لا تستقيم ديموقراطية. ولا ريب في أن اضطرار الدول الى عقد أحلاف فيما بينها على محاربة مواطنين تشك في ولائهم، وتخشى خروجهم عليها، وقتلهم مواطنين آخرين، لا يؤاتي لا المواطنة ولا المساواة في الحقوق والواجبات.

قد يخلص قارئ الفقرات التي مرت، وهي توجز ببعض الدقة عُشر صفحات كتاب بِكْ، الى ان كاتبها يعوّل من غير تحفظ على انقلاب العولمة الى كوسموبوليتية سياسية وداخلية. والحق أن بِكْ، شأن استاذه ودليله يورغين هابيرماس لا يعوّل إلا على بصيرة معاصريه وإرادتهم وحريتهم، وعلى سعيهم في سبيل «بلوغ» المثال الكوسموبوليتي وأفقه. فهو لا يغفل، في ضوء حوادث سبقت نشره كتابه، مثل حرب كوسوفو في 1999 وحرب أفغانستان في أواخر 2001 وبينهما مهاجمة «القاعدة» نيويورك وواشنطن، عن احتمال انحراف ما سماه «انسانوية عسكرية» (وما عناه آخرون منذ 1991 وحرب الخليج الثانية بـ»واجب التدخل» العسكري والانساني في حروب أهلية وإقليمية أرهصت على وجوه مختلفة بصفحة الحروب المشرقية منذ 2011) الى مساندة عسكرية تمحو الفرق بين الحرب وبين السلم، وتعهد الى نفسها باستئصال «الشر» والتمكين لهيمنة دولة وطنية.

فالكوسموبوليتية الكاذبة تتوسل بخطابة السلم وحقوق الانسان والعدالة الدولية الى غايات وطنية أو قومية لا رادع لها. وبعض صيغ الكوسموبوليتية الكاذبة - ويمثل عليها بِكْ بمواطنه الالماني فيخته صاحب «الوطنية ونقيضها» (1806-1807)، فالاقربون أولى بالمعروف- يعلق إرادة بلوغ غاية الوجود الانساني على النوع الانساني نفسه وفيه، وينيطها بالوطنية الالمانية، وبتوليها بث الكوسموبوليتية بالأمة الألمانية أو «الدولة الاوروبية التي تتربع في ذروة الحضارة» (على قول فيخته). وهذا ضرب من المصالحة اللفظية والخطابية التي تجمع من غير فرق ولا تباين القومية والانسانية («الرسالة») تحت عباءة انبعاث الامة. وعلى هذا، ينبه صاحب «السلطة ونقيضها في عصر العولمة»، وعلى خلاف البرنامج الليبرالي الجديد وزعمه لنفسه القوة على انتظام ذاتي ومشروعية ذاتية، ينشأ الاطار السياسي العالمي عن البدائل التي يقترحها ويوجبها من داخل موازين العلاقات والمنازعات، وفي ثناياها. فالخطابة الكوسموبوليتية لا تنفك مسرح منازعة بين حركات تنزع الى الهيمنة وبين أخرى تعارض هذا النازع، وتسعى في لجمه وفي استيلاده صيغ حرية وعدالة عموميتين.

السبت، 7 مارس 2015

شمعة ضعيفة في تشييع (جيل) بشير هلال

8/3/2015 (المستقبل- نوافذ)
  يتمنى واحدنا أمنية (بل أماني) حارة ومحمومة لو وسعه أن يكتب في صديق أو صاحب قضى، ومضى على وجهه الى ملاقاة مصيره الإنسي، أن الصديق أو الصاحب كان «أسداً من آساد (الدين)»، أو شهيداً « في قافلة الوجود» ، أو آية من آيات الإبداع الانساني وولياً من أولياء «الشعب» و»التحرر»، وابناً باراً من أبناء الاقنومين في واحد. ويتعذر مثل هذا التأبين في حال بشير هلال، الصاحب الذي مضى قبل أيام الى ملاقاة «الوجه»، على ما تقول عربية غير قاطعة فيمن فقد وجهه، واستحال عليه من بعد التوجه على غيره وإليه، واستحال على غيره التوجه إليه وعليه، في آن مبهم مستغلق وبدهي معاً. وعلة التعذر، في معرض صاحبنا، ليس مردها الى صدق الأحكام في هذا المعرض أو الى كذبها. فقبل البت في الصدق أو الكذب، ينبغي البت في جوازهما وفي مناسبتهما «المادة» التي يُعملان فيها.

ففي «العالم» الذي أقام به الصديق الراحل، على ما أحسب، ولم أعرف منذ نحو الثلاثين عاماً انه غادره الى غيره، افتقرت الأماني التي تقدمت العبارات عنها، مثل القول في الواحد أنه أسد أو شهيد أو آية أو ولي أو ابن (يستوفي الكناية عن نسل الآباء)، الى ما صَدَقها، وإلى تحقيقها، أي افتقرت الى جمهور يحملها على الصدق والحقيقة. وجلي أن الجمهور المقصود بالجملة المتقدمة هو دائرة من الناس شاركها بشير هلال اعتقادها وتصديقها، وشاركته الاعتقاد والتصديق، على مقادير متفاوتة. ويكذب زعم بعض المراثي في الصديق الراحل. وهي صدرت عن بعض كبراء القوم وأعيانهم، حسباً ونسباً ومكانة وموارد ودوراً في الحوادث الجسام التي قلبت أركان العالم المشترك هذا رأساً على عقب. فهؤلاء، الكبراء، لا يزالون يركضون في ميدان يصول فيه الآساد والشهداء والآيات والأولياء والابناء المتحدرون من أصلاب الآباء العظام ويجولون. وذلك غداة خمسة قرون تامة على وراثة أذرع الطواحين التي يحمل إليها أهل الفلاحة والزرع من أراضي الجوار البخيلة غلال القمح والشعير والذرة سيوفَ العماليق ورماحهم وسلاحهم. وهم، الكبراء إياهم، يشاركون كبار قادة الميليشيات الاهلية و»رجال موتها» (على ما سمى أصحاب رفعت الاسد، ومجندو قواته وقوات شقيقه الخاصة، أنفسهم غداة 1982 ومآثرها في حماة، ميادينهم وبعض مآثرهم وأكاليل غارهم، على ما يذكِّرون بين الوقت الوقت وينوهون).

وتراءى لي قبل ثلاثين سنة يوم التقيت بشير هلال المخلِّف وراءه الحزب الشيوعي و»نضاله التحرري»، و»جبهته الوطنية»، وقواته «المشتركة» الفلسطينية اللبنانية، وحروبه الملبننة والاهلية التي حمله عماه الصفيق والأحمق والاحمر على المرحلة البورجوازية من ثورة عمالية واشتراكية أممية تحت لواء الكي جي بي السوفياتي-، أن ما أخرج بشير هلال من أسر هذه الخرافات، ورفع عن رأسه وصدره وكاهله ثقلها المهلك والمميت، هو طلب الإفاقة من نشوة الترهات الشيوعية والتقدمية، وصورها الفقيرة والخلابة. فكانت تسمية أعمال القتل والاغتيال والنهب والخطف أو الحرق والقصف والثارات والنكايات والمكائد المتبادلة، والجبهات المفتوحة على «نيات» ممولين وسياستهم وأرصدتهم واستثماراتهم، (كانت تسمية) بعض هذه بأسمائها العينية وأوصافها جزاءً أو ثمناً يعوض من يسمي بعض أكلاف الخروج من العالم المسحور والبذيء خسارته العظيمة أو جزءاً منها.

وأنا أتكلم عن التعويض جزافاً وتخميناً. ويبعثني عليه بعض ما أخبرني إياه بشير هلال، يومها أو بعدها بقليل، راوياً بخيلاً وساخراً بعض فصول نشاطه الحزبي من قبل. فهو عمل في دائرة الحركات المهنية والعمالية، و»تأطيرها» و»قيادتها» و»تنظيمها»، على ما أجمع على القول يومها حزبيون كان يحدوهم طموح محموم الى القيام في محور «الثورة» و»تناقضها الاساسي» المفترض. ودعاه الى هذا العمل ، ربما أو على ما أذكر، ما سلف من دراسته الجامعية بعض مواد حقوقية وقانونية. وحين أبديت اهتماماً حاراً بقدس أقداس ما حسبته وآخرين كثيرين غيري يوماً «تجربة عمالية» اختص بها الشيوعيون اللبنانيون، وانفردوا باستطلاع شعابها الخفية، وأوديتها العميقة والنائية، قبل أن يضلوا طريقها وينسوا أسرارها ويتحولوا جهازاً من أدعياء التصريف والتدبير- اعتذر بشير بكياسة حيية عن اضطراره الى احباط اهتمامي وحماستي. وقال أن ما أصوره أو أحسبه «تجربة»، على المعنى الفضفاض والكشاف الذي بدا أنني أسبغه عليه، لم يتخطَّ محاكاة بعض ما كان سبق لبعض الاصحاب و»الرفاق» أن حاول تجريبه واختباره قبل عشرة أعوام بجوار معامل أو مصانع «كبيرة» في الحازمية أو الشويفات أو تل الزعتر والدكوانة وعين السيدة أو البراد اليوناني والكرنتينا، الى جوار بعض ضواحي صيدا وبراداتها وتعاونيات البقاع وجمعياته ومزارعه.

وقال أن المحاكاة الخجولة هذه ولم أعلم إذا كان هو علم أن المثال المفترض كان يدين بمعظم مواده الى مثالات سابقة «هانية»- نسبة إلى اخبار رواها مهاجر من قبائل الهان المغولية عاد الى دياره ووصف روائع ما رأى على مسامع قومه فخرجوا غزاة في طلب «روائع الدنيا» بدت ابتكاراً مغامراً في أعين رفاقه ومحازبي حزبه. ولكنه هو كان يعلم من أين جاء بابتكاره. والحق أن خيبة بشير هلال كانت أعظم من خيبتي. فهو اعتقد، ولو على بعض اصطناع وقسر، وآمن بترتب خلاص أو شبه خلاص على اجتماع شرائط الحقيقة والصدق والعزيمة لجماعة من الناس، في المحل «الصحيح» من مجرى التاريخ، وفي الوقت المؤاتي.

وهذا الاعتقاد التمس مسوغاته وبراهينه من «علم» لا راد له، يقضي في المسائل المختلطة ومصادرها الحدسية بمنطق تحليلي بسيط. والتمسها كذلك، في وقت واحد، من ازدواج «العلم» يقينيات ذاتية وحميمية حارة تناسلت على عدد دوائر الاختبارات في «عالم الحياة». ورعى حلف من سموا «قيادات الشباب» في الحزب الشيوعي اللبناني، ونصبهم المؤتمر الثاني ولاة و»كوادر» عليه، ومثقفي الحزب الجهازيين و»المجددين» العصبويين، هذا الاعتقاد وآلاته ومسالكه.

وقامت وصاية الحزب الشيوعي، وهو نواة جبهة «وطنية» جمعت في مرقعة لا تستبعد خِرْقةً من غير نص على تقريب أو تبعيد، قامت وصايته الظاهرة على الحركة الفلسطينية الخابطة خبط عشواء، واللاجئة عنوة الى الحضن اللبناني المدبب، مقام الدليل الموثق (بالرعاية السوفياتية) على دور تاريخي ثابت وقاطع. وضمن الدور المزعوم والمشبِّه ركاماً لا يحصى من التخييلات والأكاذيب والصفقات من كل الضروب والفنون.

فكان الخروج من ركام التخييلات والأكاذيب والصفقات، ومن بنيان هذا الركام الغوطي، مغامرة ورهاناً مغريين بل ضرورين. وبدا، لوهلة أولى، أن الخروج لا يحتاج الى جزاء وثمن، و الى داع. فالتخفف من أثقال الكذب والالتواء والتلجلج، ومن أوساخ المواطأة على التزوير والقهر والقتل، وجد مسوغه الاخلاقي والجامع، والسياسي ربما من بعد، في نفسه، وقام مقام غاية سامية لا تتعداها غاية. والأرجح أن مثل هذا الجزاء الاخلاقي والذاتي طمأن بعض الشيء، ولبعض الوقت، كثيرين «منا»، بينهم على ما أحسب بشير هلال، وحل عقدة، على التقليل، من لسانهم أو ألسنتهم. وكان تكاثر الكتاب والخطباء والمنتدين ومحاوري برامج الكلام المتلفزة والاذاعية، وتعاظم أعداد المدونين والناشرين الحائطيين والمتزلجين والمغردين، من ثمرات حل عقد الألسن التي تضافر التجديد الآلي والالكتروني على تعهدها ورعايتها.

ولكن استعادة الروح الاخلاقية، وتولي التواصل والنشر الاجتماعيين خدمتها وجهرها، لم يؤديا الى إنشاء حيز سياسي فاعل، لاح أن بدايات الحركات «الربيعية» العربية ترهص بنشأته وإرسائه على مقادير متفاوتة. ففي الاثناء، أي بين أواخر ثمانينات القرن الماضي وبين أواخر العقد الاول من القرن الواحد والعشرين (وبعض معالمها تصدع الشيوعية السوفياتية، ونهاية الحرب الافغانية والحرب العراقية الايرانية، وقيام نواة دولة فلسطينية، وانبعاث دولة لبنانية أسيرة، واستجماع الاسلام السياسي والجهادي عوامل سطوته وتبلور حركاته، وبروز الصين قوة متصدرة في سياقة عولمة عشوائية ومتدحرجة ... على غير ترتيب ولا تبويب) خلَفت حركاتِ التمرد والتقوض الوطنية والمحلية المقيدة بكيانات ضعيفة حركاتٌ أهلية واقليمية وعالمية مسلحة. وجمعت هذه في مركَّب متنافر وفاعل، عصبيات الاهل المقاتلة وعصاباتها المنظمة الى أبنية بعض أجهزة الدول وإداراتها وبيروقراطيتها ومواردها، وإلى مرافق أحلاف إقليمية ودولية عسكرية واقتصادية وديبلومسية متشعبة. ودمجت أجزاء بعضها في بعضها الآخر. فولد دمجُها، على تباعد مستويات العناصر المندمجة وتضارب نزعاتها وحاجاتها، أزمات سياسية وأهلية واجتماعية وقومية وجغرافية متفجرة تتغذى ذيول بعضها من تلابيب بعضها الآخر.

وفي النطاق العربي والمشرقي، «الضيق» نسبياً، خَلَف البنيانَ الجبهوي الهشَ والداخلي، ومنظماته المتداعية والملحقة، بنيان أمتن بما لا يقاس من سابقه، «السوفياتي» التركيب اختصاراً. وتولت قوى فتية عامية، راديكالية وخلاصية أخروية، إحدى قدميها في لجج مجتمعات متصدعة والقدم الأخرى في قلب أجهزة الدول الإدارية والأمنية والاجتماعية، (تولت) تدمير البنيان القديم ومرافقه وبعض أهله وجماعاته. وتخلت هذه القوى عن ركام التخييلات والأكاذيب والصفقات الغوطي. وأسفرت، بعض السفور، عن وجوه فظة وغليظة، وسمَّت الهويات والمطامع والحاجات والوسائل والغايات بأسمائها الجارحة والقاتلة: فتركت الصراع الى الاستئصال، والرأسمالية الى امريكا، والهيمنة الى الاسلام وإيران، والاستغلال الى الاستضعاف، والانتصار الى الإمامة والوراثة، والقيادة الى العلماء المجاهدين والشرعيين والضباط، والمسألة القومية الى اجتثاث اليهود من الوجود... فالقتل والقتال هما المعيار والميزان في المجتمع والدولة جميعاً.


ولم يجفل «الجمهور» من نصب القتل والقتال أفقاً ومعياراً. فالدخول الصريح في سلطان العنف وملكه، على خلاف استظلال ركام التخييلات والأكاذيب والصفقات المواربة، «حرر» الجمهور العتيد من دعاوى جبهات التحرر، ودعاه الى «الفعل» وامتحانه القاسي ومعياره المميت. وبدا التحرير والدعوة صادقين. وهما صادقان، حقيقة وفعلاً. فهما لم يعدا بغير القتل والشهادة في الدنيا، وبالجنة والاسلام في الآخرة. وأنجزا وعدهما، وينجزانه غير هيابين الانقسام والخلاف الميدانيين والأهليين، ولا وباء الاقتتال الاخوي وحصاد طواعينه. ويعول التحرير والدعوة على ولادة ولاية شرعية عادلة، أو صنوها خلافة راشدة، من مشاهد الإحياء العميم والممعن، ومن «فعالياته» على قول خليجي عمَّ. وعلى هذا أغمض بشير هلال جفنيه، بعد «رفاق» سبقوه وقبل آخرين ينتظرون، ولا يعتدّ بَدَّلوا أم لم يُبدلوا.

الأحد، 22 فبراير 2015

في ضوء النيران التي التهمت معاذ الكساسبة... التمثيلُ والتعذيب فوقَ القتل عَرَضُ حروب الأهل والعصابات



المستقبل، 22/2/2015 

روَّعنا قتلُ هيئة الموت الشرعية في الدولة الاسلامية الملازمَ الاول الطيار معاذ الكساسبة، في الاسبوع الثاني من شباط- وسمَّى الاعلام القتل إعداماً، على شاكلة إنفاذ الحكم القضائي بالموت رمياً بالرصاص أو شنقاً أو حتى بالسيف-، نحن المشاهدين «العرب»، وأخذنا على غرة منا ومن «اعتيادنا» مشاهد القتل الكثيرة والمروعة. فنحن ربما حسبنا أن أشرطة الفيديو الكثيرة التي بثتها المنظمات أو الشلل الاسلامية والصدامية التي تعاقبت على تحرير العراق من القوات الاميركية والحليفة، غداة الغزو العسكري في ربيع 2003، وصورت وقائع الذبح «الحي» من غير تزويق ولا مداراة حساسيات أو تستر على ما لا ينبغي لمن بلغوا سن العاشرة أو الـ12 أو الـ15 أن يروه، أثمرت (الاشرطة) بعض الحصانة من الارتماء في الروع، ومن الاستسلام لهزَّة المشاعر والاحاسيس.

فإعمال القتل والتعذيب والتمثيل في سبيل الترويع، وعلى شاكلةٍ تُعظِّم القصاص وصاحبَه، أي من يوقعه ويأمر به، (هذا الإعمال) ليس في المرتبة الاولى من خصائص الجماعات الدينية على رغم توسل محاكم دينية وشرعية تارة بالتحريق المشهود في الساحات العامة جزاء أفكار ومعتقدات، وتارة أخرى بالصلب على بوابات المدن وتعليق الرؤوس على الاسوار، ثأراً من إعلان حرب أو خروج على السلطان، وتارة ثالثة بالخوزقة التي تنتهك الأحشاء والغدد والفقرات. فعصابات المخدرات، ومافياتها المختصة، يقتل بعضها بعضاً على صور رهبة تفوق رهبتها وإرهابها الصور الجهادية. وحين تنتقم هذه العصابات ممن خاصموها لدى الدولة، فاشتكوا الى القضاء او الشرطة، أو تجازي من أفسدوا عليها تهريباً رابحاً، أو نافسوها على استغلال مرفق، أو ضلعوا في صفقة جانبية واحتفظوا بعائدها لأنفسهم، إلخ.، تعقبت هؤلاء، وأعملت فيهم فنون القتل والتعذيب، ومثلت في جثثهم تمثيلاً مُعْلَماً ليكون في مستطاع من يعثرون عليها قراءة العلامات و»إنتاجها» وسيروراتها من غير جهد ولا تأويل. فالحرفية ليست وقفاً على الفقه.

فمن تقطيع الاوصال بالمناشير، وسلخ فروة الرأس وجلد الوجه، وكسر الجمجمة بالمقدح الآلي، وتكحيل العينين وإخراجهما من حدقتيهما- إلى انتزاع الأحشاء من الجسم ولفه بالمصرانين، وإلقام الفم الأذنين المصلومتين والانف المجدوع والذكر والخصيتين، وتكسير الضلوع وفك فقرات العمود الفقري- يُشهَد خصوم عصابات الجريمة وجمهورها على فظاعات مبتكرة ومتجددة لا إلى غاية أو حد. وإذا أرادت العصابات هذه قتل «مدنيٍّ» لا شأن له بأعمالها أو بالمنظمات المتنافسة، أغلقت عليه (أو عليها) أبواب سيارته، ورمت ناراً داخل السيارة، وأشهدت الجمهور على عذابات نزع المختنق، وأطوار النزع، على ما وصف روبيرتو سافيانو في كتابيه «عمورة» (وليس «غومورا») و»(كوكايين) اكسترا نظيفة».

وأفعال عصابات الجريمة و»الجهاد» المعاصرة تجدد وتعظم فظاعات الحروب الاهلية والدينية القديمة و»الحديثة»، بحسب تعاقب الحقبات المدرسي والتقليدي، وتبعث بأدواتٍ وتقنيات «متطورة» أساليب الاقتصاص الملكية. وفنون التقتيل والتمثيل العصبية و»الجهادية» تشتركُ في قاسم واحد هو حملها قتيلها على صورة عن جماعة العدو أو قبيله. فقتله او تعذيبه إنما يقوم مقام أو محل قتل (ناس) الجماعة كلهم أو تعذيبهم جميعاً. ويقتضي قتل الناس جميعاً باسم إعلاء كلمة الحق وسلطانه، أو في سبيل أن يكون السلطان لصاحبه الشرعي، أو لأجل الانفراد بعوائد مرفق ثمين، رفعَ المحظورات المتعارفة والمحظورة. فحال الحرب أو الطوارئ تحيل حكماً الى أحكام عرفية، على ما خبرت المجتمعات العربية والاسلامية وتخبر منذ ثلاثة أربع القرن على أضعف تقدير. وحين تتولى الجماعات العصبية، الأهلية أو العشائرية أو المذهبية، السلطان على «الدول» وعلى المجتمعات، تنقلب أحكام الطوارئ حروباً أهلية (وليس حرباً واحدة) مقنَّعة أو سافرة لا تحصى عدداً ولا وجوهاً ومضامين. وترتسم الإبادة، أو التمثيل عليها وتجزيئها، أفقاً في متناول نظر المتقاتلين وخيالاتهم، وغير مستحيل البلوغ.

ويزعم بعض مؤرخي العنف والحرب (الأوروبيين، فمثل هذه السخافات لا تشغل غيرهم من الأمم الوسط أو الوسطية والمهدية) أن العنف يميل الى الانحسار مع نازع المجتمعات الى إضعاف روابطها أو لحماتها الجمعية والعصبية وتقديم علاقاتها الفردية والخاصة، أو الخصوصية. ويفاقم العنفَ ويعظمه سعي الجماعات المتصدعة أي تلك التي أعملت فيها عوامل الحداثة الرأسمالية والليبرالية (والاشتراكية «الفعلية») التصديع، وحطمت أبنيتها المرتبية والجمعية العصبية- في إحياء روابطها ولحماتها الممزقة والمتخرِّقة، ومسرحتها مشهداً مادياً. وذلك من طريق سلطات الدولة «العامة» وآلات عنفها المفترضة مشروعة. فلا سبيل الى إحياء الرميم والتماسك العصبيين، وهو رميم على رغم انبعاث الروابط العشائرية والاهلية وخروجها الى العلانية الحربية والاجتماعية، إلا من طريق الحروب الاهلية و»برامج» الجماعات، وتسليحها وتمويلها والتحاقها بعرابين إقليميين ودوليين. فـ»مجتمع الحرب» (أو «مجتمع المقاومة») الذي أرهصت به حركات التحرر من الاستعمار والاستيطان والدولة، وبلورة آية الله الخميني حرساً ثورياً (باسدران) وقوات متطوعين (باسيج) وحزباً أمة ودولة من غير تعريف ولا فواصل، لم يبق استثناءً ولا محصوراً في دوائر أو مسارح دون غيرها. فتسلل الى الخلايا والانسجة سرطاناً صارخاً ومظفراً ليست «الدولة» البغدادية أو «الأمة العالمة» إلا من ثمراته اليانعة والمترقرقة بين العمائم واللحى.

ولكن تواتر مشاهد التقتيل، والتفظيع في الضحايا والذبائح، لم يجعل الموت «لنا عادة»، على خلاف توقع روح الله خميني المتفائل حين خاطب العراقيين والخليجيين (وهو يحسب أنه يخاطب الاميركيين) ودعاهم جميعاً الى قتل مشايعي أهل البيت «أكثر»، وهو على يقين ان «الوعي» يولد من القتل. والحق أن القاتل، بعد ركونه الى بعض الكسل والرتابة حين قدم ذبائحه الى القتل بجز الرؤوس ودحرجتها على الارض من غير نطع يغيبها، عاد فأعمل مخيلته، وجدد آيات ترويعه وإرهابه.

وهذا شأن الارهابيين، على قول بعض خبرائهم. فإذا اقتصرت أفاعيل الارهابيين على دخول مآوى عجزة، أو مدارس الاطفال وحدائقهم، وتفجير احزمتهم الناسفة في وسط المسنين أو الاطفال، أو حتى في وسط منتظري حافلات النقل في محطة تسفير، قلّت شعائرهم، وضعفت. وخسروا جزءاً من الدوار والرعب اللذين «يربكان» العدو، على قول مشايعي المرشد الايراني وجنوده، ويصيبانه بـ»الهستيريا»، مرض المستكبرين الذي لا شفاء منه، والبكتيريا التي يدسها المستضعفون في جوارح المستكبرين وعقولهم وصدورهم.

فما كان، على هذا، لدولة أبي بكر البغدادي، سلطان الموصل والرقة وما بينهما، أن تستقر على إرعاب يشيعه نحر الرهائن الاميركيين وقطع رقابهم، ويتولاه جزارون أو جلادون من أحياء برمنغهام البريطانية أو مانت- لا-جولي الفرنسية. وهم نظير مسرور الاسود، جلاد هارون الرشيد وصاحب زياراته الليلة على زعم «ألف ليلة وليلة»، والقرينة على عالمية إسلام الجماعة (الدولة او «القاعدة») وعلو راياته في بلاد الكفر والظلم. فمثل هذا الارعاب يستنزفه التكرار سريعاً. وهو يعود، في صيغته الانترنتية التي حررته من رقابة الشاشة الصغيرة وعائليتها ومعاييرها المهنية والاخلاقية الضعيفة، الى بدايات حرب العراق، وقبلها الى «رسائل» الرهائن الغربية المصورة بواسطة الفيديو والمنذرة بالويل والثبور إذا لم تستجب حكومة الرهينة شروط المنظمة الخاطفة المحقة بل الشرعية.

وتوالت على التوسل بالرسائل المصورة منظمات فلسطينية مسلحة ومتفرقة، اقتصرت على صور فوتوغرافية أو شمسية في أول أمرها، وقبل «قبضها» على موارد التطور التكنولوجي (على قول رسمي أبو علي، الفلسطيني، في تطيير «القيادة العامة» طيارات شراعية في 1987 فوق مواقع اسرائيلية بالجليل الشمالي). وورثها «حزب الله»، المنظمة الحرسية الخمينية، خير وراثة، من طريق منظمة الجهاد الاسلامي في فلسطين وغيرها، ومن طريق نفسه غير مضاف الى غيره. فأتقن جهازُ السينما التصويرَ والتوليفَ، والتأثيرات الضوئية والصوتية والجمع بينهما من غير نشاز أو تعسف. وأعمل دربته وخبرته في (أشرطة) رسائل الرهائن التي خطفها، منذ 1984، الى حكومتهم (الفرنسية)، شريكة الشاه محمد رضا بهلوي في رأس مال «أوروديف» النووية، والرافضة الإفراج عن الحصة الايرانية في رأس المال الثمين هذا.

فظهر مارسيل كارتون ومارسيل فونتين، الموظفان في سفارة فرنسا ببيروت، في ضوء «غسقي»، على قول حياة شرارة العراقية، على شاكلة ضوء الفوتوماتون، منطفئين وباهتين، وهما يمدحان قضية خاطفيهما المحقة. وظهر بعدهما ميشال سورا، «المستشرق» الفرنسي الذي كان «لا مستشرقاً» وقتل في «لا استشراقه» على قول «روائي» لبناني «ناقص الوطن» يومها، مسجى على محفة، منتفخ عروق الرقبة، ومعلقاً بين موت لم تشأ المنظمة الخمينية الجزم فيه، وبين حياة مخدَّرة وواهية لم يسع «خبير» وكالة الصحافة الفرنسية إثباتها (ولا يبعد هذا من «مفاوضة» البغدادي السامرائي الحكومة الاردنية على ترك معاذ الكساكسبة لقاء الإفراج عن الشريكة الانتحارية ساجدة الريشاوي، وذلك غداة نحو الشهر على قتل الاول وتحريقه). وطور جهاز الدعوة الحزب اللهي تقنياته وتقانته في اعوامه التالية. فصور بقايا جثث الاسرائيليين الذين قتلهم في اثناء محاولة إنزال على الشاطئ جنوب صيدا، في 1998، ودلَّل على أجزاء من اقدام وسيقان وأذرع وجماجم. وفي موازاة عمل لجنة التحقيق القضائية الدولية في اغتيال رفيق الحريري، وبعد فكه لغز حلقة الهواتف الخمسة التي تعقبت الرجل طوال نحو 3 أشهر قبل اغتياله، بسط امير الجماعة المسلحة على شاشة «المنار» صوراً بانورامية اسرائيلية، استلها خبراؤه «اللبنانيون» من اجهزة تصوير سلاح جو العدو، وندبها الى البرهان على «اسرائيلية» الجريمة وبراءته منها.

النمر والنعجة

ويتوسل الاصعادُ في الترويع والارعاب، شأن الابتداء فيهما والخطو خطوات أولى في ساحتهما ومدرجهما، بالمبالغة في إشهاد المُشاهد والمُشاهدين المحتملين من بعد، على سطوة الجلاد الجزار أو «سلاطته» (ابن سيد الناس)، نظير ضعف ذبيحته أو ضحيته وهُويِّها عن مرتبة الانسانية ومعاملتها. فمن الصورة الفوتوغرافية للأسير أو لجواز سفره وبطاقة هويته- واقتصرت «فتح» الفلسطينية على هذا، في النصف الثاني من السبعينات المنصرمة في صحافي اميركي مراسل ظنت فيه التجسس لمصلحة الدولة العبرية-، الى تصوير الصورة الصوتية المؤرخة بنسخة الصحيفة الصادرة يوم تسجيل شريط بالفيديو، الى شريط الذبح الملون الذي فاجأ المشاهدين والمراقبين، واستدرج في 2004 أو 2005 إنكار فقيه «الجزيرة« الاخواني ورئيس اتحاد العلماء المسلمين العالمي، يوسف القرضاوي.

وتخلل الطورُ الثالث من الاطوار الثلاثة نشر الصحيفة الدانمركية الرسوم الكاريكاتورية المشهورة، وجهرها رأياً في آداب الاسلام والمسلمين السياسية حمل القرضاوي إياه على مناشدة «المسلمين» الثورة انتصاراً لدينهم، و»التنمر» في سبيله، وإفهام العالم أنهم ليسوا «نعاجاً» تساق الى الذبح صاغرة راضية. وليس القرضاوي، ولا غيره من فقهاء الشرع الاسلامي المعروفين بأسمائهم، مصدر التشبيه الحاد والتحريض بالنعجة الذبيحة. ولا شك في ان كلا الفقيه الاخواني وزملائه المفتين في «الهيئات الشرعية» التي تنصبها المنظمات الجهادية الارهابية مراجع فتيا وقضاء، ينهل من معين أو مصدر معنوي وصوري متخيل ومشترك حين يساوي ترك الرد العنيف على «الهزء» بـ»مقدسات المسلمين» باستسلام النعجة السائرة الى المسلخ.

فالحيوانات أو البهائم، سباعاً مفترسة ومقاتلة أو ماشية دابة وصاغرة، هي على الدوام مرجع مقدَّم من مراجع البيان عن أحوال السياسة والسلطان وآدابهما في التراثات الاسلامية والعربية. وأوجب جهاديو «القاعدة» الذبح بالسكين في أسرى الاميركيين من المقاولين وناشطي المنظمات الحقوقية والانسانية تحقيقاً (أو مرآةً) لبطشهم و»مَلَكيتهم» (الاسد ملك المسبعة أو الدغل) اللذين لا راد لهما، وأعملوه تمثيلاً على «صغار» عدوهم الصليبي، النصراني واليهودي، وأدائه «عن يدٍ» آيةَ خضوعه وتبعيته وطأطأته «جمجمته»، على قول جباة الجزية والخراج في عهود الفتوح الاولى وربما المتأخرة. وقايضوا اللباس البرتقالي، المشتق من لباس العمال الصناعيين الازرق والجامع الجسم في وحدة عملية متصلة، وهو اختاره الاميركيون زياً لمسجوني غوانتانامو من مقاتلي «القاعدة»، بمثيله ونظيره. فألبسوه أسراهم، المدنيين والعسكريين، المنذورين للذبح ومن بعد للتحريق، ومثلوا به على مكافأتهم الصليبي الكافر والطاغوتي جبروتاً واقتداراً.

وربما دعاهم الى استعادة «الثوب» البرتقالي المتصل، والمُكسِّم جسم لابسه، قرابته بالكفن الابيض الذي حمله «الشهداء الاحياء»، على ما سمتهم الدعاوة الخمينية المعرَّبة، المعلنون سلفاً عزمهم على الموت قتلاً في «سبيل الله» (أو «فداء صدام حسين»)، من وجه أول. ودعاهم من وجه ثان، تمييزه من «الثوب» الابيض، واختصاصه بالمسلمين وقتلاهم المتطوعين و»عشاق الشهادة». وفي الحالين يشهر لابس الكفن الابيض والطاقم البرتقالي اختلاط الحياة بالموت والتباس الموت بالحياة على نحوين مرئيين مختلفين.

فالابيض، وهو لون حروف الشهادتين على الرايات السود التي ترفرف فوق مواكب سيارات الدفع الرباعي الداعشية، ينصب إرادة القتال والقتل، وهي ذروة التكليف الانساني والديني، في حياة الجماعة المجاهدة والحاملة الامانة. وأما البرتقالي، فيوكل إليه الاعلان عن وشك وقوع الموت على الحي الموقت وقوعَ قدرٍ صادرٍ عن مشيئة تشاء بموجب شرعٍ وحاكمية لا راد لهما، هما شرع الواحد القهار وحاكميته، على ما يردد مفتو الجماعات الاسلامية المقاتلة منذ «علامات في الطريق» (1962) لسيد قطب.

وعلى هذا، حرصت الهيئة السينمائية الشرعية، في دولة الخلافة البغدادية، على تصوير الطيار الاردني، قبل اغتياله أو قتله تحريقاً، على تصويره في فلاة منبسطة ومضيئة، تعلوها سماء زرقاء نيرة ويجوبها معاذ الكساسبة في طاقمه البرتقالي، وهو حليق الوجه من قرب، وعلى قسماته وفي عينيه ما يخال المشاهد (ما خِلتُه) طمأنينة غريبة ومحيرة، بل مقلقة. وكانت الصور التي سبق الجهاز الشرعي الى إذاعتها ونشرها، تلية وقوع الملازم الاول الطيار في الاسر، أشبه بصور منتزعة أو مختارة من شريط صيد تنشب فيه الحيوانات الكاسرة العاوية والمظفرة أظافرها ونواجذها في بدن الطريدة المدماة: فحفت بالقتيل المرجأ قتله أياماً قليلة جمهرة المطاردين والصيادين، يتقدمهم مارد ضخم الجثة، أشقر شعر الذقن والرأس، يشد على رقبة غنيمته فرحاً ومنتشياً حتى يكاد يدقها أو يكسرها.

الحاكمية والتوحيد

والمقارنة بين الفصل الاول من الصور، فصل الأسر والغنم، وبين الفصل الثاني، فصل إرسال النظر في فلاة الطيران وسمائه أو ملعبه، قبل الفصل الثالث أو فصل التحريق، تبدو متعمدة، أي يبدو الحض عليها مقصوداً. فعلى مثال التوحيد المطلق- والحاكمية المودودية والقطبية فرع على أصل هذا التوحيد الحشوي- تقلِّب الهيئة الشرعية أحوال غنيمتها أو خليقتها على وجوه تختارها بمطلق إرادتها أو شهوتها (وهما واحد في هذه الذات). فهي تحيي وتميت، وتجمع القصاص الى الحياة وفهم ذوي الألباب جمعاً لا تحمله على علاقة سببية أو ذرائعية عملية، بل توحده في حمل وجودي أو كينوني يُدخل الموت قصاصاً في حياة الجماعة واجتهادها الفقهي والسياسي الشرعي.

وعليه، يبدو التحريق، وتمييزه من الذبح، اجتهاداً فقهياً لبيباً، يُعمِل الحرف والقياس معاً. فالطيار الاردني الشاب كان ربان طائرة حربية يتولى بواسطتها القصف المدمر والحارق. فـ»ينبغي» محاكاة تحريقه وتدميره (المشهد الاخير يصور إهالة التراب والردم على القفص ومن فيه) بمثلهما. وفي ضوء هذا القياس المستقوي بنص لا تأويل فيه يقتل القتلة الشرعيون عدوهم المحارب والمقاتل بمثل ما قتلهم أو قاتلهم به، على ما يحسبون. ويغفلون فحسب عن الفرق الشاسع بين من يَقتل وهو في ساحة حرب، جوية وغير متكافئة من غير شك ولكنها معروفة الملابسات والظروف والاجراءات، وبين من يُعذَّب بالايدي وهو في قفص حديد أسير حرب، على ما يُحسب ويفترض.

والاجتهاد الذي تقدم الإلماح إليه ليس تخميناً. فأحد معممي الازهر سألته فضائية دولية عن البيان الذي دعته فيه الهيئة الفقهية الرفيعة الى صلب مقاتلي الدولة الاسلامية وقطع أيديهم وأرجلهم «من خلاف»، رداً على قتل الطيار الاردني، أجاب ان الازهر لم يعمل رأياً من غير نص محكم ويقبل التأويل بل أشهد «قرآناً» واضحاً وبيِّناً. وهو، من وجه آخر، علل الدعوة الى الصلب وتقطيع الارجل والأيدي مقايساً على فعل القصف («الاميركي») في من يقصفهم. فالقصف، على قول المعمم الفقيه، يقطع الارجل والايدي و»يبعثرها». فالقصاص الذي وصفته الهيئة الازهرية، نقلاً عن تنزيل لا شك فيه ولا في بيانه، يحاكي صيغ القصف من الجو وشبيهه المدفعي والبري. والهيئة الفقهية تساوي الفعل الحربي المعلوم الأثر والمتوقع، والمحتسب تالياً، بالإجراء الفردي والمصمم على مقاس من ينزله ومن يُوقع فيه، وأهل قومه وحكام دولته، شأن المنظمة المقاتلة وهيئتها الشرعية. وتُغفل، شأنها، الفرق بين الحرب العامة و»كوارثها» على قول فرنسيكسو غويا وبين الثأر العصبي. والتنبيه على فرق الحرب والثأر لا يسوغ الحرب وآلاتها وعنفها «الصناعي»، ولكنه يقرر الفرق الحاصل والقائم، ويميز خوض الحرب العمومية وتوقع نتائجها، في خدمة سياسة ينبغي تقويمها، من قتل يشفي الغليل، ويقتص من المنفذين الثانويين، ويضرب صفحاً عن المحاسبة السياسية والقانونية، ويوصد الباب في وجه تقليص العنف وضبطه.

الأحد، 15 فبراير 2015

في أعقاب الإغتيالين الإسرائيلي والحزب اللهي...المسرح الفرعي اللبناني بديلاً من الحرب الرأسية الإقليمية




المستقبل15/2/2015
ثأرت قوات الجماعة الخمينية والحرسية المسلحة (المعروفة باسم «حزب الله» لبنان)، في 28 كانون الثاني المنصرم، من غارة جوية اسرائيلية على موكب عسكري حرسي، لبناني- ايراني، بالقنيطرة قتلت في 18 من الشهر، 7 من أفراده. وطوال الايام العشرة المنصرمة بين الغارة الاسرائيلية على الموكب الحرسي المختلط وبين الثأر الحزب اللهي «اللبناني، أجمع المعلقون والمراقبون، ومعهم سواد الناس، على حتمية الرد، من وجه، وعلى عسر توقع زمانه ومكانه، من وجه آخر. وأما حتمية الرد، وضرورته بحسب كثر، فسندها تعهد أمير الجماعة المسلحة، قبل الغارة الجوية الاسرائيلية بيوم أو يومين، الرد على ضربات «الاسرائيلي» وغاراته من الاراضي السورية على مخازن سلاح وقوات مواكبة، بالغاً ما بلغ الثمن.

وما يسميه الجندي في جيش الامام المرشد، وأنصار الجندي ومرشده وإمامه، «معادلة الردع» في العلاقة العسكرية بين الدولة العبرية وبين الفصيل الحرسي في لبنان هو ثمرة إعداد وقتال مريرين وباهظين تولتهما طهران وولدا المنظمة الحرسية المحلية، ومعها الشيعة اللبنانيين على صورة طائفة سياسية وعسكرية منفصلة ومتحكمة مذهبية. وكانت حرب صيف 2006 «الخاصة» (على معنى الملكية الخاصة) التكريس الخصوصي والثقيل الوطأة والتكلفة للـ»معادلة». وقضت هذه، من طريق القرار 1701، بحصانة الاراضي اللبنانية من الهجمات الاسرائيلية لقاء ما يقرب من نزع سلاح الجماعة الحرسية العلني على اراضي ما كان «دولة» الضابطين اللبنانيين المتمردين سعد حداد ثم انطوان لحد قبل 1982، اي الاجتياح الاسرائيلي، وبعدها (الى ايار 2000). وذيل القرار العتيد الاعوام المنقضية بين الجلاء الاسرائيلي وبين مبادرة الجماعة الى الحرب في تموز، تولت الجماعة في اثنائها «تحرير» مزارع شبعا، وظاهرها على توليها الخاص والمنفرد وعلى تكليفها الايراني والسوري «الشقيقُ» السوري ونظامُه «السوري اللبناني» وتسلطه على اللبنانيين وهيئاتهم ومصالحهم. فأخرج جبل عامل من المسرح الحربي، وناط بالمفاوضة والتحكيم الدوليين البت في مصير مزارع شبعا وترسيم الشطر القليل المتبقي من الخط الازرق.

وأما ترك مكان الرد الحتمي او الضروري الى تقدير القيادة الحرسية، المحلية والايرانية، واعتباره وجهاً أو جزءاً من صلاحيات القيادة المطلقة، فهو احتيال على ميزان القوة الاسرائيلي الحزب اللهي المادي والمباشر، ومراوغة اقتضاها القرار 1701 وقصره مسرح الاشتباك والمساومة المشروع على جزء المزارع الذي لم يرسم في انتظار بت ترجحه المتعمد بين الملكية اللبنانية والملكية السورية. فـ»الهرب» الى الارجنتين مرتين، في 1992 و1994 (وأصداء قتل 85 شخصاً في رابطة التعاونية الاسرائيلية الارجنتينية ترددت في اغتيال قاضي التحقيق، في 18 كانون الثاني 2015 ببيونس آيريس) رداً على قتل سلاح الجو الاسرائيلي عباس الموسوي، خالف صبحي الطفيلي على أمانة الجماعة المسلحة العامة، والى صوفيا البلغارية ونيقوسيا القبرصية في 2010 و2011، رداً على اغتيال الموساد عماد مغنية تجنب إشعال حرب لا يعرف حجمها على الحدود الدولية المشتركة، ويسدد الاهالي، المدنيون، معظم ثمنها. ولا ريب أنه ينبغي إضافة «السبب السوري» في الإلتجاء الى الارجنتين، أي رغبة الوصي المحتل في قصر الأعمال العسكرية التي كان يرعاها رعاية سياسية واقليمية قريبة على مسألة الاحتلال الاسرائيلي وتبعاته، دون فروعه الفصائلية إذا جازت العبارة.

والحق أن مكان العمليات الحزب اللهية، رداً على العمليات الاسرائيلية أو مبادرةً الى استدراجها (على شاكلة استدراج 2006)، جزء راجح من دور العمليات، والمراد بها، وتوزيع أكلافها، والدلالة على محركها والموصي بها. فإلى عام 2000، عام الجلاء الاسرائيلي، بسطت الجماعة الخمينية المسلحة، في إشراف سياسي سوري قريب، إدارتها العسكرية والامنية على مسرح عمليات قام من «الجبهة الاسرائيلية الشمالية»- الواحدة في عرف القوات الاسرائيلية يومها، والمستعيدة وحدتها الخطابية واللفظية وربما الاجرائية، اليوم، تحت لافتة «نهاية تفكيك الجبهات«- محل أو مقام المسرح الاحتياطي أو الفرعي. فبعد حرب تشرين الاول 1973، لم يتستر حافظ الاسد على إرادته قفل الجبهة السورية، ووداع الحرب عليها، على ما نوه مرات عبدالحليم خدام وزير خارجيته ثم نائبه على الرئاسة وعلى ما شهد سكون الجبهة وبلداتها المدمرة عقوداً متطاولة لم تنته فصولاً في 2013-2014.

واستتبع الارادة الاسدية المتحفظة، في سوريا، فتحُ الجبهة اللبنانية، والنفخ فيها، واستثمار التورط الفلسطيني والاسرائيلي فيها، والتوسل بها الى تقويض الجيش اللبناني والدولة من ورائه. ولما آذنت القيادة الخمينية الايرانية بتوسيع الحرب العراقية الايرانية الى ثورة وجهاد إقليميين، ومنازعة أو صراع على الهيمنة القومية المذهبية على المشرق، تصدر المسرح اللبناني، خطوطاً أمامية جنوبية وبقاعية «غربية» وخطوطاً خلفية، سياسة التأليب الخمينية الاسدية على المهادنة والخيانة العربيتين (وراء عراق صدام حسين) في المسألة الفلسطينية. ولكن سياسة حافظ الاسد اقتصرت على حرب طياحة او عصابات موضعية لا تتخطى إضعاف الدولة والمجتمع اللبنانيين على شفير انهيارهما، وإعمال الجماعة الحرسية المحلية في إزكاء حرب وطنية وإقليمية «منخفضة الحدة». فلا تدعو نارها وخسائرها العدو الى حسمها من طريق حرب إقليمية واسعة يسدد نظام حافظ الاسد ثمنها انهياراً سورياً تاماً، وتحرج السيطرة الاميركية على الشرق الاوسط، وعلاقاتها الاقليمية المقيمة على التوتر.

واقتضت السياسة المركبة والمتفاوتة هذه استبعاد حرب رأسية ومباشرة بين عدوين مرنين ولزجين. ولم يكن يسع إيران الخمينية فالخامنئية، والحرسية على الدوام، التنصل من السياسة المركبة التي تولت الاجهزة الاسدي صوغها وترتيبها. فالقاعدة والواسطة السوريتان، الجغرافيتان والسياسيتان، حلقتان حيويتان، ولا غنى لسياسة إيران «الامبريالية» أو الكسروية عنهما يومذاك (وحين سأل «الحزب» الاسدي في لبنان وغيره، منكراً نسبة اغتيال رفيق الحريري إليه، ومتذرعاً بالخسائر التي نزلت به غداة الاغتيال وجراءه: كيف يمكن أن نفعل ما عاد علينا بالضرر وأخرجنا من لبنان؟ قد يسوغ القول أو الرد اليوم في ضوء الوقائع الاقليمية منذ 2005 وضوء تحقيقات المحكمة الدولية: أليس تعاظم سلطان إيران الحرسية، بعد انتفاء أو ضعف المقاسمة والقيد السوريين، وانفرادها بتسليط شفرتها اللبنانية على التحركات العسكرية الاسرائيلية، «برهاناً» وافياً على مصلحة القيادة الحرسية في الاغتيال؟ وهذا طبعاً ليس إلا على سبيل المحاكاة الاسدية والخامنئية الحرسية للبراهين والادلة).

وها هو الانفجار المشرقي الاقليمي يجدد، على نحو مباين أو مختلف، تكامل القطبين: قيام المسرح اللبناني الفرعي محل الحرب الرأسية الاسرائيلية السورية. فإذا التزمت الضربات السورية النطاق السوري، ولم تتعدَّ قصف شحنات العتاد الحربي والصاروخي المطور الى الحزب الحرسي المسلح في لبنان، بقيت الضربات هذه من غير جواب «لبناني» محلي ولو قضى فيها بين الوقت والوقت جنرال إيراني (على شاكلة سلف لمحمد علي الله دادي قضى قبل نحو سنتين بضاحية دمشقية تكرر قصفها). وحين تخطى القصف «الحمى» السوري المباح، بعين عطا في آب الماضي، الى الحرم اللبناني، تذرعت الجماعة المسلحة المحلية بالتخطي، أو قواعد الاشتباك على ما يهوى حرسيو الولاية «اللبنانية» القول، فتذرعت باغتيال أحد خبرائها قريباً من عدلون الساحلية، وجزته تفجيراً غفلاً في مزارع شبعا الرحبة.

وليس ثمة فرق كبير أو حاد بين تبادل الاغتيالات الاخير وبين أركان سياسة المسرح الفرعي أو الاحتياطي التي انتهجتها الديبلوماسية الاسدية المسلحة الى حين جلاء القوات الاسرائيلية عن الالف كلم المربعة التي احتلتها هذه الى عام 2000. وذلك على رغم الفرق الكبير والصارخ في أحوال سوريا، الاسدية وغير الاسدية. فإذا كان يعقل، في ميزان منطق سياسي وعسكري عادي أو متوسط، أن ترد الغرضية أو العصابات الاسدية على انتهاك المروحية الاسرائيلية «ضيافتها» على اراضيها خبراء عسكريين حرسيين مختلطين، وسيادتها الوطنية المتزمتة في العادة، تالياً، أوجب التحرر من هذا المنطق «الشَهْوَرَة» المسرحية المفرطة التي أخرجها خبراء التضليل والاعلام المعمي والاتصال الخطابي في «الحزب» الحرسي. وذلك لأن مجابهة رأسية بين سلاح البراميل والخزانات والحاويات المتفجرة «السوري» وبين سلاح الجو الاسرائيلي- والجهاز الاسدي لا يزال يأتمن نفسه على ما يزعمه دولةً في سوريا- قمينة بأن تودي بالمطارات العسكرية والآليات وسلاسل التحكم والعمليات الاسدية المتبقية.

وحين ناقش بعض وزراء القائد الكيماوي الاغتيال الاسرائيلي، عشية 18 كانون الثاني، العملية التي أصابت ضيوفهم، احتجوا لتحفظهم البادي، والمستثقل حماسة الخطباء الطازجة، بثلاث حجج: 1)العدوان وجه من سياسة وحال إقليميتين ولا يرد على الاقليمي بـ»الوطني» القطري، 2) تكلفة الاستقرار الاقليمي أقل من تكلفة الاضطراب، 3) حماية «سوريا» و»دولتها» هي ميزان جواب الاغتيال ولا يتقدم عليه معيار آخر. والحق أن «زلزال» 28 كانون الثاني 2015 بشبعا، على ميزان القيادة الحرسية الحذرة بطهران ومقياسها الناعم- في ضوء «الملاحم» العاصفة والمشهودة-، لم يخرج عن الاشتراطات التي ساقها لسان مأذون من ألسنة زعيم البراميل المجيد والمهيب (من ألقاب صدام حسين في مرحلة الأفول)-. وعلى هذا، حمى الحرسي الوطني والمحلي اللبناني الاول حليفَ وليه الباهظَ والثقيل، وراعيه المباشر طوال نيف وعقدين من السنين الخصبة والمباركة، من الانهيار السريع. ولكنه، من وجه آخر ملازم، حمى رعيته المنقادة والمكلومة والميقنة بقرب ظهور مهديها (ومن علامات اليوم سطوع عبقرية الجنرال قاسمي وبعض «جنوده») من انتصار «غزاوي» وحمساوي كاسح كان أصاب الرعية وأجهز على الرعايا الآخرين من «حلفائنا»، على ما لم يفت «الامير» الرضي والمبتسم والساخر التنبيه والتنويه في معرض احصائه دوافع (وليس موانع) الحرب التي لا يريدها ولا يخشاها.

وبعض غرابة كمين المزارع، آن الاعلان عن وصل الجبهات ودمجها- ومن غير القول أن الرد على العملية بالاراضي السورية على أرض لبنانية يُعكس أي قد يرد الحزب الحرسي على عملية «لبنانية» في الجولان المحتل أو في صفد وريفها-، أن الرد المتصل تَحصَّن بلبنان ودولته وكيان الدولة العتيدة والمرذولة (« روحوا عملوا دولة وبعدين منشوف...»). وهذا من قبيل الحذر الحكيم، وبعضهم يصفه بالجبن والتناقض. ففي حرب «المقاومة الاسلامية» الايرانية التموزية على الدولة العبرية، اختبرت الاولى الحماية التي وفرها الكنف اللبناني الكريه، من طريق 14 آذار والكتلة «الحريرية» البرلمانية والوزارية والشعبية المقيتة، للحزب الذي استدرج العدو عمداً الى الحرب، وألحق باللبنانيين خسائر ثقيلة، وباء هو وحده بـ»معادلة ردع» أسبغت عليه بعض الحماية. وهو، أي الحزب الاسلامي- الايراني، يختبر «المعادلة» المفترضة من غير تهور، ويحيط اختباره بتأثيرات صوتية، على ما يقال في السينمار، نووية.

ويميل الواحد، في ضوء التعليقات والردود اللبنانية الاخيرة والسابقة، الى التماس بعض العذر للحزب الحرسي المسلح. فهو يغامر برد حذر من غير شك، ولكنه لا يضمن ضبط أو استباق تداعيات «غزاوية» أو تموزية (2006)، بالغاً ما بلغت دقة التخطيط والتصويب والسلاح المستعمل. والسبب، على الارجح، في المغامرة وجوازها، على رغم الكارثة السياسية والانسانية التي قد تترتب عليها، هو جواب اللبنانيين ورئاستهم عن سوابق الجماعة الحرسية الوطنية. وهذا الجواب غلبت عليه على الدوام الغفلة عن سياسة الحزب الخميني والشيعي المسلح. فلم يسبق أن تداعى اللبنانيون، قلوا أو كثروا، الى جزاء مجازفات المنظمة العسكرية والامنية الحرسية ومغامرتها بحيواتهم وأمنهم وأرزاقهم واجتماعهم السياسي، حصاراً، أو مقاطعة مدنية، أو إضراباً، في اثناء العمل العسكري أو بعده. واقتصر الامر على تنديد لفظي وخطابي، وعلى تذكير بالمؤسسات، وهي ما يزدريه «المكر» والمراوغة الحزبيان أشد الازدراء وأوقحه.


والحق أن الشق من الردع المتبادل والحقيقي، على خلاف انكار الخصوم الوطنيين، يقضي بإحجام الطرف المدجج بالسلاح المدمر لقاء إحجام الطرف المليء الجعبة بالصواريخ المؤذية. وكافأ هلعنا أي هلعُ اللبنانيين المتراكضين الى بيوتهم بين الساعة الواحدة بعد الظهر وبين الساعة الرابعة يوم الاربعاء في 28 الشهر الاول من العام الجاري، هلعَ سكان المستوطنات والبلدات الاسرائيلية القريبة من الحدود اللبنانية في الوقت الواحد. وتكافؤ الهلع شرط من شروط فاعلية الردع الاجرائية. وليس في آخر مطاف الردع لا مهدي ولا ولاية ولا حقيقة. لا غرو ولا فخر!
http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=649995