الاثنين، 19 يناير 2009

"تشانجيلينغ" كلينت ايستوود... مأساة مدنية من غير قدر ولا غيب

ليس على الحادثة العادية الأميركية التي تحصيها الصحف اليومية، وتقارير الشرطة، في باب "المتفرقات" إلا ان تحل موضوعاً على السينما الأميركية "التراثية"، سينما ايليا كازامن وجون فورد وسام بيكينباه وسيدني بولاك وأرثير بين وروبيرت باريش وأخيراً كلينت ايستوود وليس آخراً، حتى تنقلب رواية مركبة، وكناية عريضة. فتجمع في سياقة متعرجة ولولبية، تكاد لا تحصى أوجهها، المأساة (اليونانية)، والعقدة البوليسية، والملحمة، وكوميديا الطبائع، ومتحف الفظائع ومنتخباتها. وما سبق ان لاحظه بعضهم على رواية فوكنر الذائعة الصيت، "الضجيج والغضب"، من "إقحامها المأساة اليونانية على القصة البوليسية"، قد يصح في أفلام أميركية كثيرة، تواضع النقاد على وصفها بالسوداء، آخرها موقتاً "تشانجيلينغ" (الاستبدال)، شريط ايستوود غداة "مليون دولار واحد، بايبي". فالحادثة المتفرقة، وهي تترجح بين السرقة الضئيلة وبين جرائم الجملة، على النحو الذي استوت عليه في سجلات الشرطة والقضاء، الحادثة هذه تعقد أو تؤلف بين عوامل كبيرة أو عظيمة (من غير تهويل) مثل أهواء الناس الجامحة والمتوسطة، والحق والقانون والسلطة والرغبة والمرض والاجتماع والآلة والصدق والعبارة والطبيعة والظن.
ولا تعقد الحادثة المتفرقة أو تؤلف بين هذه كلها من تلقاء نفسها (وهي لا تلقاء لها). فإذا لم تستعدها أقوال الشهود وشهاداتهم وأخبارهم، ولم تدونها محاضر الشرطة والمحققين والقضاء والمستشفيات والمختبرات، ولم ينظر فيها المحلفون، ولم تتداول وقائعها الصحافة والإذاعة، ولم يختلف فيها السياسيون والجمهور "العام" والقسس على الملأ ويجهروا آراءهم، وإذا لم يحتكم هؤلاء في مداولاتهم ومناقشاتهم وخلافاتهم الى معايير يؤولون الوقائع ويتراوونها في ضوئها، ولم يحملوا رواياتهم على مثالات مشتركة كبيرة شأن الروايات الدينية أو "الملاحم" الوطنية والشعبية – فالأرجح ألا تعقد الحادثة المتفرقة بين العوامل المتفرقة، وألا "تنتج" رواية مركبة، روائية أو سينمائية أو موسيقية، وكناية عريضة وكثيرة الأوجه. وتولد الرواية والكناية من السياقات الكثيرة والمختلفة، ومن المنازعات واحتكامها الى العلانية وجهرها معاييرها وعبارتها عنها.

أماكن

وهذا ما يمثل عليه كلينت إيستوود في "تشانجيلينغ"، ومثّل عليه في أعمال سابقة، تمثيلاً ناتئاً ويكاد يكون تعليمياً. فالمدينة – لوس انجيليس 1928 الى 1935، عشية الأزمة الاقتصادية الكبيرة وغداة إجراءات معالجتها الأولى – تغشى الشاشة والصور وتحلها ولا تنفك منها. وينتخب "صاحب" الفيلم مواضع أو أماكن تتردد الحوادث والوقائع والمواقف بينها. فمن منزل كريستين كولينز (انجلينا جولي) العائلي، في الضاحية المتواضعة والهادئة والمختلطة، الى شركة الهاتف والبرق التي تعمل فيها الأم الشابة، والمنفصلة عن زوجها ووالد ابنها، ولتر، بقلب لوس انجيليس، ومن مباني المحكمة والشرطة الى الكنيسة التي يتولى خطابتها وإمامتها القس غوستاف بريغليب (جون ماركوفيتش)، ومن الضاحية التي يقوم بها مستشفى الأمراض العقلية الى مزرعة القاتل، غوردون نورثكوت (جايزون بتلر هارينز) – تنسبط لوس انجيليس وتلتئم مسرحاً لحوادث الحادثة المتفرقة والفاجعة، ولأصحاب الحوادث هذه.
واقتصار المواضع أو الأماكن على هذه إنما يصدر عن بناء درامي من غير تستر ولا مراوغة. فثمة قطبان مكانيان للحياة الخاصة والفردية، هما منزلان أو بيتان في ضاحيتين مختلفتين. وأولهما هو منزل السيدة كولينز وابنها والتر، قبل خطفه واختفائه. ويقع المنزل في ضاحية تقرب رسومها من صور البطاقات البريدية، تراماً وعشباً ومدرسة وبيوتاً على حدة وهدوءاً ظاهراً. والمطر نفسه، وهو ينهمر شلالات و "حبالاً" في نحو نصف مشاهد الفيلم، يكاد يعف عن الضاحية. وبيت كولينز يملؤه ظل ثقيل ينقلب عتمة ووحشة قبل ان تغادره صاحبته وولدها، هي الى عملها وهو إلى مدرسته. ويشبه البيت المتاهة المقطعة أجزاء والمتحاجزة. وهو يبدو مفتقراً الى ما يكمله أو يتمه، فلا ينطوي على وحدة الأم وولدها، أو على وحدة الولد حين تضطر الى مغادرة البيت وترك الولد في عهدة الجارة. ومعظم حديث الأم والولد يدور على وعدها له بالرواح الى ملعب عام، أي بترك البيت وجواره القريب الى محل بعيد ومختلط. وحين يغادر الولد البيت، وتبقى الأم وحدها قبل إقحام الولد الشبيه عليها، وعلى سرير ابنها وكرسيه حول مائدة الطعام، يبدو البيت مسكوناً وملعوناً، ويتقلص الى زاوية جهاز الهاتف المظلمة، وإلى حجرة نوم الولد التي يتمدد على سريرها، ثقيلاً وصامتاً، الضيف المتطفل والمقحم.
و البيت الثاني، في ضاحية اخرى بينها وبين لوس انجيليس قفر، هو ملجأ القاتل وشريكه المكره، ابن اخته. وهو معتقل الأولاد، وسجنهم، ومسلخهم، جنباً الى جنب مع الدجاج المروَّع والمتطاير على غير هدى. والمزرعة الخالية والمقوية هي بمنزلة الضد من منزل السيدة كولينز وولدها. فهي على حدة من السكن الآهل. وتقود إليها طريق غير معبدة. ويضل إليها قاصدها، شأن التحري ليستر ايبارا (مايكل كيلي) حين ييمم إليها أول مرة، طريقه. ويبلغ ضلاله حد طلبه الى القاتل الجاني الدلالة الى المزرعة. وكان التحري ذاهباً في أمر غير واضح العلاقة بعد باختفاء أولاد وفتية، ويقتصر على إقامة غير قانونية على الأرض الأميركية.
والمبنى في وسط المزرعة (لا) ينطوي على مكان مهشم، ليس فيه ما يبيت، أو يفيء، أو ينيم، أو يقعد، أحداً أو شيئاً. ويجتازه من يجتازونه إما شاهري السلاح أو متطايرين وصارخين مثل الدجاجات والفراخ في المزرعة المسكونة. ويحل المبنى الكالح والمقفر القاتلُ من غير ولد، والمترهل الوجه والشاحب، وابن أخته، فاضح خاله من بعد، والواشي به. وهما على خلاف السيدة كولينز وابنها على الوجوه كلها: الخلاء على الضد من الضاحية المأهولة، وطيف المكان المتقوض على نقيض المنزل، والألوان البنية الغامقة على خلاف الشحوب الأغبر. والأم وولدها من غير "رجلهما" في مقابلة الرجلين أو الذكرين، الرجل الفصامي والمجرم وشريكه المرغم والهزيل ابن اخته. وبيت كريستين وولتر كولينز يشهد حادثة وحيدة هي انسلال ولتر منه وغيابه (وقدوم ولتر الكاذب، سانفورد كلارك، ابن الأم المهلهلة الأمومة والأنوثة)، على حين تضج المزرعة المهجورة بجرائم الذبح الليلية والصياح والهياج.
ونظير ضاحية المزرعة المتوحشة والموحشة، تقوم ضاحية أخرى "مهذبة" ("بوليسية"، على قول أجنبي، على معنى المدنية) ولائقة، هي ضاحية المستشفى أو ملجأ المجانين والمدخولين. ويُنفى الى المستشفى الملجأ، أو إلى عنبره رقم 12، "جمهور" قليل العدد، يعرّفه رأي الشرطة فيه، وقضاؤها بجنونه، ومماشاة رئيس المصح وطبيبه، وطبيب الشرطة المحلف والمنتدب، ورئيسة الممرضات، الرأي هذا، ويُذهب إلى المصح من طريق قسم الشرطة، قائداً ونقيباً، وتهمته من يتهم. فالشرطة الأميركية، على ما يرى من مئات الأشرطة الروائية والمسلسلات التلفزيونية، جزء من "تكوين" الإدارة المحلية على معنيي التصريف التقني والتدبير السياسي. فهي ورئاسة المجلس البلدي (أو العمدة) وقيادة الشرطة (أو "الشريف" في البلدات الصغيرة)، حلقات من سلسلة قد تتماسك وتتواطأ، وتتآمر، وقد يدب الخلاف فيها، تحت وطأة "المجتمع" وأدواره: الناس أو عامتهم وجماعاتهم، والكنيسة أو الكنائس ومجاميعها الأهلية الكثيرة وقساوستها، والقضاء وقضاته ومحاكمه، و "ضمائر" الإدارات نفسها.
وينهض المصح العقلي على حدة من شبكة الهيئات الكثيرة والمتنازعة التي تصدر حوادث فيلم ايستوود عنها، أو يزعم المصح الحدة هذه. ويسوغها طبيباه وممرضته الأولى باستقلاله بمعيار "العلم"، وإحاطته بسبل بلوغ "حقيقة" الأنفس. وقد لا يجدد إيستوود حين ينصب مصحه شبهاً لمسلخ معقم. ولعل مصدر قوة الشبه هو المقارنة المضمرة والظاهرة بين المصح وبين مزرعة القاتل، من غير إغفال الفرق العميق. فالناس في المحلين أسرى حظيرة تسلط عليهم إرهابين مختلفين: واحداً يؤدي بهم الى الانبهار والتسليم فالقتل، وآخر الى غيبتهم عن انفسهم وعن عوالمهم وحيواتهم. ويتوسل الإرهاب الأول بحطام المكان وفوضاه، والتواء مسالكه وتقطع رسومه، وبمزيج الغبار والضوء الباهر والأصوات المتنافرة واللاهثة. ويُعمل الثاني الكلام الآمر والساخر، والازدراء الصف، والآلة القاهرة، والعزل المتذرع بالاختصاص والعلم.
وبينما تخرج المزرعة، وقاتلها، عنوة على الحياة والمجتمع والقانون والناس، يخرج المصح على هؤلاء وعلى هذه من طريق مراوغة. فيتصل بقسم الشرطة مباشرة، ويحتمي به، وبضابطه الطامح والوسيم والمتعجرف والثرثار النقيب جي جي (إس اس؟) جونز (جيفري دونوفان)، من القانون والعلانية العامة والمشتركة – علانية خطيب الكنيسة والمحامي والتحري ومعلمة المدرسة. فإذا فتحت مجاري الاتصال بين المواضع والهيئات، وحملت هذه على الاحتكام الى الحياة العامة، وجماعاتها ومسرحها ومنازعاتها وأهوائها، حيل بين الأماكن، وأهلها، وبين عزلتها (وعزلتهم) وتحصنها (وتحصنهم) بالفرادة والشرع الخاص والتوقيف المتعسف. فالشر، على هذا، هو خلاف "اللغة"، والخروج عليها، على قول ابن عربي، أي هو الامتناع من الكلام والمداولة والاحتجاج على رؤوس الأشهاد، والاعتصام بالصمت والتقية والعلم المكنون والفرادة.

دوائر وأجساد

ولا يُخلص من هذا الى نهج علاج الشر واستئصاله، ولا إلى رأي في "طبائع" الشر. فشريط المخرج الأميركي، او الأميركي (تقاليد سينمائية وتاريخاً سياسياً وحقوقياً واجتماعاً) المخرج، يكاد يكون تمثيلاً على فلسفة مدنية مأساوية وخلو من الجراحات الملموسة بالناسوت وخطابتها، من غير نصاب يستقر عليه المزيج هذا، ومن غير رأي حاسم أو متلعثم في الخلاص والقيامة. وتحاذي الرواية المدنية رسوم الابتلاء والخلاص الدينية على الدوام، وتؤاخيها من غير الوقوع في شراكها. فالرواية (وهي من توليف جوزيف مايكل ستراجينسكي) تحذو على مثال دوائر الجحيم وأقاليمه، والجواب فيها دائرة بعد دائرة: من المقدمة المبطنة بذور التفريق، الى دائرة الشكوك، فدائرة اليقين بالاختفاء، فالخروج الكاذب من اليقين، فابتداء دائرة جديدة عريضة هي ابتلاء الأم ودوائرها الفرعية: حمل الأم على قبول الولد الزائف محل ولدها، وتهمتها بإنكار الواقع، وحبسها في المصح. والفصل الثالث يجمع دوائر عودة الأم الى الاستقامة المدنية و "العقلية"، والإقرار لها بهذه الاستقامة، الى تعرف القاتل ومحاكمته، وتحرير التعرف من ثقل قسم الشرطة والعمدة وقيودهما. ويجتاز جسد المرأة، الأم والزوجة السابقة وزميلة العمل والصديقة الجائزة، الدوائر هذه نحيلاً ومستقيماً في لباس أعوامه وموضتها، واضح القسمات المؤرَّخة بوقت وسمت تبرج.
والأجساد المتفرقة معلَم قوي، شأن الأمكنة، من معالم الرواية السينمائية. ولعل شطراً راجحاً من قوة الأداء السينمائي، وتخصيصه واستقلاله بمضماره عن القصص، يعود الى سمت الأجساد. وهذا ما لا يعدم معرفته العميقة واختباره من أدى دوره السينمائي البارز الأول "بطلاً" في "من اجل حفنة من الدولارات" قبل نحو أربعة عقود. فكان كلينت ايستوود يومها "جسد" سيرجيو ليوني وشريطه. ولم يكن الشريط إلا ظل الجسد هذا ومسرح رواحه ومجيئه. وفي عدد كبير من المشاهد والفصول، يتولى الإخراج وصف علاقات الأجساد بعضها ببعض، وقيام بعضها بإزاء بعضها الآخر – صلابة وانكساراً ومغالبة ومسافة وتواطؤاً...
وفي المشاهد الأساسية تملأ الأجساد الشاشة وعيون الجمهور وعدسة التصوير، ومحل الحادثة من وقائع الفيلم وأخباره، معاً. فمواجهة كريستين كولينز والنقيب جي جي جونز، حين إبلاغ النقيب الوسيم والواثق الأم الملتاعة خبر العثور على ولدها، ثم حين محاولته إلزامها الإقرار بأن الولد الكاذب، وصنيع الشرطة والعمدة، هو حقيقةً ولدها، وبينهما مرافقة الضابط الأم الى محطة القطارات للقاء ولدها المزعوم - تتصور المواجهة هذه، وفصولها، في صورة الصلابة الجسمانية الهاجمة والموجبة، والمُشهِدة الجمهور وآلات تصوير الصحافة على "حقيقة" الصنيع البوليسي والسياسي والطبي. وعلى خلافها، والضد منها، ينطوي جسد المرأة على نفسه ويقينه، ويحضن اليقين، ليناً من غير تصلب، متماسكاً من غير تجاهل فظاظة الكذب السياسي والبوليسي والطبي، مترنحاً تحت وطأة الفظاظة هذه قبل ان يستعيد قوته.
وقاتل الأولاد، منذ دخوله الصور الى خروجه منها قبيل ختامها، جسد بقضه وقضيضه، وبمراوغته وخروج أبعاضه بعضها من بعض، وأفعوانيتها اللزجة والدبقة التي يقطعها ارتجاف يصدر من داخل ويكاد يموت قبل ان يتبدد في هلع العينين الزجاجيتين، والتواء الرقبة السمينة والفلم المليء باللعاب. واستدراج السيدة كولينز غوردون نورثكوت، القاتل، الى التصريح بما فعل، وهو لا علم له فعلاً إلا بما إلا بما نوى وأراد، يقرب الجسدين المختلفين، على شبه طفيف وصوري، قرباً لا نظير له في مشاهد الفيلم الأخرى كلها. وينكفئ جسد القاتل على فراغه وخوائه وتداعيه حين يهجم جسد أم الولد، الثابتة في الرجاء والأمل (على "رهبنة" هي من حواشي طبعها)، ويدعوه الى ما لا طاقه له به، أي المخاطبة بالكلام المعلل والمتذكِّر والمتوجه على الغير وإليه.
فالقاتل كَذِبٌ رخو أجوف ومنقطع. وكذب الضابط والولد المزعوم وأمه المهرجة والطبيبين والممرضة صلبٌ ومتصل واجتماعي. وهذا، لئن لا يفضي الى القتل، يقطع المخاطبة واللغة على أنحاء أخرى، ويتوسل بـ "العلم" الى قطعهما، وبشهود الزور والصحافة النهمة الى الأخبار الفاقعة. وعلى حين قد لا يُخرج من الكذب الرخو والمنقطع، يخرج من الكذب الصلب والمتصل والاجتماعي من طريق شجاعة الصدق، وعناد الفرد بوجه السلطان والجماعة، وطلب المداولة.
وبعثُ كلينت ايستوود قصة كريستين كولينز وابنها، اليوم، قد يكون متعمّداً أو غير متعمد. ولكن القصة، الحقيقية على قول صاحب الفيلم، تردد أصداء واضحة وقوية لحوادث جسام شغلت عصرها وأهله، ولا تنفك تشغلنا و "عصرنا"، ولن تنفك تشغل من بعدنا إذا لم نخش انقطاع الذرية، على ما كان يخشاه غوندير انديرس صاحب "ذواء الإنسان" ومفكر (هول) القنبلة الذرية. فسنوات 1928 – 1935 هي قلب الكارثة الاقتصادية التي أصابت العالم "الرأسمالي"، وهو يومها شأنه اليوم معظم العالم. وهي قلب التاريخ الروسي الشيوعي و "السوفياتي". و "تشانجيلينغ" مرآة القلب الثاني على نحو مروع. ففي اثناء السنوات العجاف هذه كانت سياقة الوقائع التاريخية تولي السلطان الشيوعي الستاليني تحطيم الرعايا الروس و "السوفيات" الآخرين، وتقويض مجتمعاتهم، وتقطيع علاقاتهم وأواصرهم، وتحريف تواريخهم ولغاتهم. وكانوا، الرعايا، يُدعون الى القول انهم يصنعون تاريخهم ويفكون "سر التاريخ المستبهم لأول مرة في تاريخ البشر" تحت لواء "علم" "الثورة". ودعتهم "القيادة" الى الإقرار بهذا على نحو دعوة النقيب السيدة كولينز الى استقبال "ابنها" وتعرفه. وهذه دعوات تلاحقنا، اليوم، وتلح علينا.

الاثنين، 5 يناير 2009

يوميات إمرأة مهجّرة وعائلتها في بناية مهجرين



النهار، الأحد 04 كانون الثاني 2009

هذه اليوميات فصل من كتاب يصدر قريباً لوضاح شرارة عن "دار النهار" في عنوان "أهواء المدينة". ومصدرها فتاة كانت طالبة في احدى الجامعات اللبنانية سنة 1995. وهي روتها مشافهة، جواباً على اسئلة تناولت حياة المهجرين.




أواخر تشرين الثاني 1995

في صبيحة الثالث والعشرين من تشرين الثاني 1995، كانت الساعة العاشرة، دخل شرطيان يعملان في وزارة شؤون المهجرين "مبنانا"، المبنى الذي نسكنه منذ اثنتي عشرة سنة متصلة، وننسبه الى أنفسنا وملكنا، ونحن استولينا عليه أو اشترينا الحق في الإقامة فيه. وطرق الشرطيان الأبواب المشرعة والمخلّعة، وهم يصعدون الدرج الى الطبقة السابقة، ووقفا على كل باب، وانتظرا ان يخرج إليهما أحد الأهل. فإذا خرج سألاه هل يقيم هنا. وقبل الجواب أعطياه، أو رميا بين يديه، ورقة طبع بصدرها عنوان واضح وأسود: "إخلاء وعودة".
كانت هذه أول مرة نبلغ فيها، نحن أهل المبنى الواقع بين آخر شارع الحمراء وبين الهضبة المطلة على البحر والمسابح، عزم وزارة الدولة على إخلاء المبنى والحي منا ومن أمثالنا. ولم يشك أحد من الأهل والسكان المهجرين في صدق التبليغ أو في إرادة الإخلاء والعودة، أو الإعادة إما الى حيث كنا مقيمين، وهذا عسير ومتعذر، أو الى مكان غيره. وتقديم كلمة "إخلاء" على كلمة "عودة" دقيق ويصيب ما يقصد إليه ويعنيه. فالأهم ان نخلي المباني التي استولينا عليها بقوة الحاجة، وبشيء من التوجيه والإرشاد، وقليل أو كثير من الرشوة، على قدر الاستطاعة. والسبب الآخر في ضعف الشك هذا هو كتابة تاريخ الإخلاء، وهو منتصف آذار من العام التالي في يوم الثلثاء، في آخر الورقة. فلما كانت هذه أول مرة نُدعى فيها الى ملء استمارة إخلاء، ومعظمنا يعرف أقارب أو أهل بلدة أو معارف جلوا عن "احتلالهم"، ولم يُترك تاريخ جلائنا من غير تعيين – أيقنّا ان دورنا آت ولا تأخير له.
فلم يكد الشرطيان ينتهيان من تبليغهما حتى نزلا درج المبنى مسرعين. ولم يدخلا بيت أحد من أهل المبنى فيشربا القهوة أو كوب الماء. والأغلب ان أحداً لم يدْعُهما الى الدخول. فلما ابتعدا وروئيا يمشيان نحو الحي البحري، شيعتهما الشتائم. وكيلت هذه لهما وللدولة التي أرسلتهما وأوكلت إليهما ابلاغنا بما يتحتم علينا فعله بعد ثلاثة أشهر وثلاثة أسابيع تامة غير منقوصة.
وهذا، أي دخول الشرطيين المبنى وصعودهما الدرج ورميهما الورقة وغيرها، لم أره ولم أسمعه. ففي الأثناء كنت في عملي، أي مدرستي، أدرس. لكن أمي روت لي ما رأت وسمعت، واستنتجت، عندما عدت في المساء من المدرسة. وكان وجهها وصوتها ينطقان بالخوف والقلق وهي تروي لي الحادثة التي طال انتظارنا لها، ويتناقل امثالها المهجرون كلما يلتقون ويجمعهم مجلس واحد، أو واجب واحد. فالكلام في الإخلاء، أو الإنذار، أو التشريد، إذ لا أحد يقول العودة إلا وزارة شؤون المهجرين، هذا الكلام يكاد يكون كلامنا الأوحد. فإذا ضُم إليه الكلام في التعويض، وفي طرق استعمال التعويض في شراء شقة أو محل تجارة أو آلات حرفة، استوفي كلامنا كله.
لم يمنع هذا ام محمد، أمي، من الإلحاح: إلى اين نروح؟ ماذا نعمل؟ هذه آخرتنا؟ قولي لي أين نصير؟ أين السترة؟ فأم محمد، شأن الكثرة من نزلاء "مبنانا" ومن أقاربنا، كانت مطمئنة الى ما يقوله أبو محمد، أبي، وإخوتي، ويرددونه منذ ابتداء الكلام على حل "قضية المهجرين". فكلهم يقولون، ولا يجدون مكذّباً، إن الإخلاء لن يشملنا، لأن شرط الإخلاء ان يطلبه صاحب المبنى، وأن يسدد تعويضه. وصاحب المبنى فلسطيني، ويتعذر عليه إن لم يستحل طلب استرداد مبناه، وهو بهذه الحال لن يسدد التعويض، على ما سمعت عشرات المرات. فمن يسترد المبنى؟ لا أحد. فنحن، إذاً، باقون حيث نحن، وما لم ينبر مالكٌ يطلب استرداد ملكه المتصدع والمنتصب بنوافذه الفاغرة، وحجارة الإسمنت النافرة، ورقع البلاستيك المصفقة في الهواء النافخ، في وسط المباني العادية والناس العاديين.


... في أثناء الأسبوع

لم تبدد الأيام الثلاثة أو الأربعة المنصرمة وقع الورقة التي حملها الشرطيان ورميا بها الأهل. فنحن حسبنا ان سكننا المبنى الفلسطيني أبدي. وبنينا على هذه الأبدية قصوراً في الهواء، هي هذه الشقق التي لا أبواب لها، ومن المستحيل تنظيفها وترتيبها. ولكن الاستقرار فيها من غير إلحاح مالكها في استعادتها، ولا طواف صورته أو طيفه بها وبنا، كان كأنه الخلود في جنة نعيم. فمن أقام عشرة أعوام، وعامين فوقها، حيث أقمنا، أو في مكان يشبهه، ولم يهرب منه في الأثناء، ولم يحاول أن يجد له مكاناً آخر ألْيَق به منه، لن يعثر على منزل ينزله غداة رميه خارج المبنى الذي ألفه وحسبه مبيته ومسكنه الى آخر الزمان. فالإلفة هي ما تخلفه الأماكن المهشّمة وغير المتميزة هذه في ساكنيها وآهليها. فيتمسكون بها ويستكينون إليها، ويتركون البحث عن غيرها ينتقلون إليها، أو يعدون العدة للانتقال إليها، في آتي الأيام.
ومبنى المهجرين الذي أقيم به مع أهلي منذ اثنتي عشرة سنة مثال على ما أقول. فنحن، المقيمين به و "أهله" اليوم، ورثناه عن العاملين به غداة انفجار كبير قتل نحو عشرين نفساً، ودمر أجزاء كبيرة من جدرانه، ونسف نوافذه وأبوابه، خشبها وزجاجها، وصدّع أساسات البناء. وعندما لجأنا إليه قيل لنا ان سكنه غير مأمون العواقب. ولما كان القائلون هم من ساكني الحي، و "جيراننا" المكْرَهين على جوارنا، قلنا انهم يريدوننا ألا نسكن بجوارهم ويخيفوننا بتصدع الأساسات. وهم قد لا يعلمون اننا لا نعرف مكاناً نلجأ إليه، ونقدر على شراء اللجوء إليه، غير هذا. ذلك اننا كنا نقيم، في 1983، بجوار مستشفى البربير ومدرسة المقاصد للأطفال. ولم تلبث هذه الناحية من بيروت الغربية ان انقلبت، بعد حوادث الشوف في الصيف وانسحاب الإسرائيليين منه، الى ميدان قتال بين الجيش اللبناني وبين المسلحين المحليين، من شيعة وسنّة ودروز. وأخبر بعض هؤلاء المسلحين، وهم من حركة «امل»، إخوتي وصهريّ وأصحابهم، أن المحلة غير آمنة، وهي مقبلة على قتال عاصف، فخير لسكانها ان يتركوها وأن يبحثوا عن مكان أكثر أمناً منها.
وكنا نسدد بدل إيجار الشقة المهددة ألفي ليرة في الشهر الواحد. وكان هذا بدلاً مرتفعاً ويرهق أبي الذي كان دخله في الشهر لا يبلغ أكثر من قيمة البدل. فلما بلغ إخوتي ما بلغهم من اصحابهم وبعض الأقارب المسلحين ألحوا على والدي في ترك المحلة والشقة الى محلة أكثر أمناً واقل تكلفة. فأسرعنا كلنا في البحث عن شقة بعيدة من خطوط التماس، ومن الضاحية الجنوبية كذلك. ولم تبق نواح كثيرة في مستطاعنا العثور فيها على منزل نأوي إليه ببيروت. فنصحنا أصحاب أخوتي الذين أنذرونا بانفجار القتال القريب ببيروت، باحتلال شقة من الشقق الخالية الخالية بالحمرا أو رأس بيروت. والحق ان هذه الشقق، المسماة خالية، لم تكن خالية، بل كان لكل منها وكيل أو وصي عليها، نصّب نفسه وكيلاً أو وصياً، ورعت الجماعة المسلحة التي ينتسب إليها، ويقاتل تحت لوائها، وكالته او وصايته. فكان على طالب المأوى او الساعي في الاحتلال، شأننا، ان يشتري مأواه، أو احتلاله، من محتل سبقه. ولقاء شرائه، يأوي الى منزل لا إيجار عليه، وفي وسعه إذا شاء، أو قيض له منزل آخر، ان يبيعه من محتل آخر، أو مهجر، بثمن يفوق ثمن الشراء. وعلى هذا فـ "الاحتلال" تجارة قد تكون رابحة لمن يملك عدتها من نفوذ ورعاية ومال ومعرفة وشم.
واضطر أبي، بعد طول سعي دهمتنا في أثنائه حوادث بيروت بعد حوادث الجبل، الى شراء مأوانا الجديد بثلاثين ألف ليرة لبنانية، أي ما يساوي إيجار خمسة عشر شهراً من إيجارات شقتنا السابقة أو بدل خلو شقة مستأجرة "شرعية"، على ما يقال في شقق الإيجار المؤيدة بسند مسجل في البلدية. ولم يكن بحوزة أبي هذا المبلغ أو قريب منه. فنحن تركنا شقتنا من غير تعويض، وعلمنا من بعد ان أصحاب اخوتي الذين نصحونا بالهرب استولوا عليها، وقبضوا هم تعويض إخلائها. فلجأ أبي الى أحد صهريه، وهو صاحب مدرسة ومديرها، وميسور بعض الشيء، واستدان معظم مبلغ المال منه.
ولما انتقلنا الى مبنى الحمرا، مبنانا الجديد، كان على حاله التي كان عليها غداة انفجار السيارة عند مدخله: من غير مدخل، كثير الصدوع والهدم، آثار الحرائق بادية في كل الطبقات، حجرة مصعده مكبّ قمامة ونفايات، ولم يبق من درجات السلّم إلا موطئ لقدم حذرة ومتمرسة.
ونحن لم ننتقل الى المبنى وحدنا، فبَيْع المبنى كان جملة ولم يكن مفرقاً. فاشترت ثمان عائلات لبنانية شققها، وكان في المبنى ثلاث عائلات فلسطينية. والعائلات الثمان هذه، أربع منها تشد بعضها الى بعض رابطة قرابة، ومنها عائلتنا نحن، والأربع الأُخر جاءت، مثلنا، من بلدة الخيام الكبيرة ومن ضواحيها. والعائلات الثلاث المرتبطة برابطة قرابة واحدة منها عائلة ابن خال لي، والثانية بينها وبين امي قرابة ما، والثالثة بينها وبين عائلة أبي مصاهرة. وهذا قد يدل على ان المفاوضة على الصفقة لم تقتصر على شقة واحدة، أو على طبقة واحدة، بل تناولت المبنى كله – والمهجّرون إنما ينزلون المبنى كله جملة وليس شقة شقة – لكنني لا أذكر ما كان يقال في هذا الشأن، وكنت ولداً.
وحالما نزلنا بيتَنا الجديد، نحن والأقرباء، رمّمنا ما قدرنا على ترميمه بأيدينا، ومن غير عمل مأجور. فرفعنا، رجالاً ونساء وصغاراً وكباراً، الجدران المصدّعة والمتهدمة، وأقمنا مكانها جدراناً مستوية من حجارة الإسمنت، بقيت من غير دهان ولو بالكلس الأبيض. وأغلقنا المدخل بباب من حديد أدخل بين جدارين قويين، فكانا علامة على الفصل بين داخل المبنى وبين خارجه. وأخرجنا النفايات من حجرة المصعد، أو بيته، ورميناها في أرض خلاء، بورة، بجوار البناء، واشترطنا بعضنا على بعض ان نرمي النفايات خارج البناء ليبقى المدخل نظيفاً...
وأما تصليحات الداخل، أي في الشقق نفسها، فلم تتعدّ بعض حواجز الخشب والكرتون، لا سيما عند عتبات الشقق والمراحيض، وإغلاق النوافذ بالكرتون والبلاستيك، وملء الفجوات بالحجارة والإسمنت كيفما اتفق غالباً. فالمهجرون او المحتلون، لا يفارقهم الإحساس بضعف استقرارهم، وبقلق إقامتهم ومنزلهم، ولو أمِلوا، من وجه آخر، في إقامة أبدية وأيقنوا بها. فكل ما يصرف من مال على إصلاح شأن حيوي، مثل سد مسارب الهواء التي تخلّف فينا كلنا زكاماً أو رشحاً لا يغادراننا أربعة أشهر في السنة الواحدة ويجعلان من رئاتنا قصباً أجوف في مهب ريح، يبدو تبديداً لا طائل منه وكرماً فوق طاقة أمثالنا.
وفي أثناء الأسبوع الذي تلا إبلاغنا بموعد تركِنا المبنى انتبه بعض الجيران الى ان مباني المهجرين بجوارنا أُنذرت بالإخلاء قبلنا ببضعة أسابيع، ومعظمها أُخلي فعلاً، ولما يتم شهر على إنذارها. وهي اليوم خالية، ولم نتنبه على خلوها من أهلها السابقين إلا بعد إنذارنا. فلم يبق من حي المهجرين، وهو ثلث الحي السكني تقريباً، إلا ثلاثة مبان متقاربة، مبنانا أحدها. وسرت في الجيران شائعة تزعم، جازمة، ان جيراننا السابقين وشوا بنا الى "وزارة المهجرين" قبل إجلائهم، ولم يكن صندوق المهجرين، من أجهزة الوزارة، على علم بنا. فكانت الوشاية هدية التاركين للباقين الى حين، على ما ظن أهل مبنانا ظناً واثقاً.
وهذا الظن غريب. فهو يفترض ان في الخمسين عائلة المهجّرة التي تعدها ناحية المهجرين من الحي، محلاً للسر أو مستودعاً له. ونحن على رغم علمنا بأن أسرارنا كلها، العائلي الداخلي والمشترك بين أهالي الأبنية المحتلة، مفضوضة ومعروفة، نوهم أنفسنا أن وجودنا نفسه خاف على بعض إدارات الدولة وأجهزتها المولجة مسائلنا ومشكلاتنا. فنوكل الى وشاية بعضنا ببعض مهمة تعريف الدولة بنا، وبتهجيرنا، وباحتلالنا مباني ننشر على الملأ البعيد أعلامنا عليها، غسيلاً واسمنتاً عارياً وجدراناً متعرجة ونفايات منثورة وروائح.


... في الأسبوع الأول من كانون الأول

لا يزال الاسترداد، ومعه قبض التعويض الذي يرجح اهل المبنى انه قد يبلغ اثني عشر ألف دولار، والبحث عن منزل يخلف المنزل الحالي – لا تزال الموضوعات هذه تستأثر بكلام المهجرين وتشغلهم. وهي ليست مشاغل جديدة، وإن أعلنتها ورقة الإخلاء حين أشعرتنا بمداهمة الوقت الذي حسبناه غير محسوب لنا. فمن سافر من شباب المبنى، منذ عشرة أعوام، الى كندا أو أميركا أو اوستراليا، إنما سافر ليتخلص من حياة المستنقع هذه ويخرج من مياهه الراكدة والمعتمة الى الهواء النقي والضوء والرجاء. وتوالى على ترك بيتنا وحده أربعة شباب من سبعة إخوة ذكور، سافروا الى السعودية وإلى الكويت ودولة الإمارات. ولم يبق في البيت، بيت التهجير، إلا من لم يستطع الترك من الأخوة، ومن لم يتزوج من الأخوات، أو من اضطرها الطلاق الى العودة الى بيت أهلها.
وكان أبي وإخوتي المهاجرون يتحسبون لمثل هذا اليوم الذي يأملونه بعيداً. فاشترى أبي قطعة أرض بإقليم الخروب، بين السعديات ونهر الأولي، الى الشمال من صيدا، بعشرين ألف دولار، مساحتها ألف متر. وهو نوى بشرائها بمال جمعه إخوتي وصهري أو اكتتبوا به، على ما يقول بعضنا لبعض ضاحكاً وساخراً، بناء بيت نسكنه حين نضطر الى ترك مهجر الحمرا. ولا يصلح موضع الأرض، والبيت تالياً، لإقامتنا وسكننا، ونحن كلنا نعمل ببيروت أو بضاحيتها القريبة، ولا نعرف أحداً من أقاربنا أو من أهل بلدتنا يقيم بهذا الموضع. لكن ما دعا أبي الى اختيار قطعة الأرض، وهي حيث هي، رخصها، على ما قال، قياساً على أثمان الأرض بجوار بيروت. وأظن ان امتلاك ارض، ولو في "آخر المعمور" على ما تقول أمي وتردد، يشعرنا كلنا بالأمان والطمأنينة، ويرفع مرتبتنا في عين انفسنا، فلا نُعدّ من المهجّرين ولا نقتصر على هذه الرتبة المهينة.
فعاد أبي، وعادت أمي الى تذكر قطعة الأرض الإقليمية، أو الخروبية، وإلى الحديث فيها، وفي ضرورة البناء المستعجل، والاتصال بالأخوة ليرسلوا ما يقدرون على إرساله من مال لمباشرة البناء. فصندوق المهجرين بوزارة شؤون المهجرين لا يسدد المال نقداً إلا حين ترك السكن، وتسليم المفاتيح الى رجال السرية المكلفين الإشراف على الإخلاء.
فينبغي في التارك ان يعرف الى اين يترك وأين يحط أثاث بيته. ويأمل أهلي، وأنا معهم، في ان تستقبلنا أختي المتزوجة وصهري، زوجها، في بيتهما الواسع، قبل ان نستقل ببيت يكون لنا حقيقة. وخالط كلام أبي بعض الخشية على التعويض المزدوج المتوقع. فهو سجّل اسم اخي المتزوج، والمستقل بعائلته وسكنه منذ زواجه، في المهجّرين المقيمين بالمبنى معنا، وفي شقتنا، على ما صنع كثير من المهجرين. ويترتب عليه ان نقبض بَدَلي تعويض وليس بدلاً واحداً، إذا لم يش أحد بنا ويخبر عنا. وعندما يروي أبي على مسمع أمي، المستمع الوحيد إليه، كيف يرى آتي أيامنا، يضم الإثني عشر ألف دولار التي تعود إليه الى مثيلها العائد الى اخي وإلى عمل يديه، هو العمّار، وملتزم أعمال البناء، ويصنع منها داراً فسيحة تحوطها ارض خضراء، وتعلوها دور إخوتي طبقة فوق طبقة.
وقد يدرك أبي، ومعه أمي، وقد لا يدرك ان حلمه الخروبي دونه سنّه وحالُه وأحوال إخوتي. فهو، أبي، بلغ من العمر الخامسة والستين أو أكثر بقليل، فيزيد في عمره سنتين أو ثلاث أو ينقص منه سنتين أو ثلاث. وانقضت عليه أربع سنوات من غير عمل في مهنته الأولى التي يحبها ويتقنها، وهي مهنة بنّاء أو معلم عمار، على ما يحب التعريف بنفسه، أو ملتزم بناء، شرط ان يفهم السامع ان ملتزم البناء هو معلم عمار أولاً وليس تاجر باطون و "نكاشة"، أي أعمال حفر. والسبب في بطالته الطويلة سنُّه، ومنافسة شركات الالتزام والمقاولة الكبيرة صاحبة آلات الحفر وجبّالات الإسمنت، وضعف علاقاته بالناس من المتمولين والمقاولين والمتعهدين. وكانت نتائج بطالته علينا جميعاً أضراراً متفاوتة: فسافر منا من سافر، وتزوج من قدر على الزواج، وترك إخوتي غير المتزوجين الدراسة الى العمل على رغم نجاحهم في الدراسة، واضطررت أنا الى اصطياد ساعات التدريس الخاصة من هنا وهناك.
وليس أبي، أو بطالته التي قسر عليها، السبب المباشر في كل هذا. ولكن اجتماع التهجير والبطالة، ودوامهما معاً الوقت الطويل هذا، أحبطا همة من همّ منّا بفعل شيء، أو هذا ما يتراءى لي ويخيل. وأنا ربما أقيس الأمور بمقياسي ولا أراها إلا بعينيّ أنا. والحق ان أبي لم يكن بطّالاً تاماً في أي وقت من الأوقات. فهو حين كان يخرج الى الوُرَش، ويعود في أي ساعة من ساعات النهار، لم يُقم على هذه الحال طويلاً، بالكاد اسابيع قليلة. ففي الأثناء سافر أحد أعمامي الى الشارقة، وترك لأخيه، أبي، محلاً، يملك استثماره بالحمرا، غير بعيد من مبنانا. فرأى أبي ان بيع الخضار تجارة مأمونة، وفي وسعه مزاولتها من غير "رأس مال" يستدينه أو يشاركُهُ فيه أحد. فأكلنا وشربنا من عائد التجارة المتواضعة هذه. ثم عاد العم من السفر واسترد محله. فعدنا الى الكفاف، وإن لم نكن من قبل في بحبوحة. وعاد أبي الى السؤال عن عمل. واضطر، في بعض الأحيان، الى القبول بالانتقال الى بلدات بعيدة من بيروت لقاء عمل وأجر متواضعين.
ولم يكن في وسعنا، إخوتي وأنا، مساعدة أبي في إعالة البيت. فأحد الأخوين اللذين بقيا معنا ترك دراسته الفنية والتقنية، الجامعية، بعد نحو سنتين من ابتدائها، إذ أخذت نوبات إغماء تنتابه من غير نذير سابق. فخفنا عليه الإغماء في وقت حرج كالأوقات التي كانت تمر بنا غالباً مثل أوقات الاحتماء من القصف والهرب من الحرائق... ورضخ لخوفنا، فأقام بالبيت لا يخرج منه إلا لمحل قريب يخط لصاحبه لافتة أو آرمة يعلقها فوق محله. وهذا ما يحسنه، ولا يعود عليه إلا بدخل قليل، ولا يشغله إلا وقتاً قليلاً.
أما الأخ الذي يليه في السن فابتدأ هو كذلك دراسة فنية جامعية. ولم يستطع مجاراة زملائه وزميلاته في تلبية احتياجات الدراسة الكثيرة والباهظة. فرأى الدواء في الاحتماء بالبيت والانكفاء على نفسه. وصار لا يخرج إلا للتنزه، والحديث مع شبان الحي من أمثاله، وممن هم في سن العشرين، سنّه هو. وطالت أوقات خروجه وغيابه، فلا يرجع إلا في ساعات الليل المتأخرة، ويرتمي في نوم مضطرب يقطعه التقيؤ والدوار والكلام الهاذي. فعلمنا أنه وشلة أصحابه يتعاطون حشيشة الكيف، وربما أصنافاً أخرى من المخدرات. فسارع إخوتي الى نقله الى مركز علاج متخصص قضى فيه بضعة أشهر. فعاد متعافياً من الرغبة في المخدّر وغير قادر على مزاولة عمل ثابت. وهو، شأن أخيه الذي يكبره بخمسة أعوام، خطه جميل، ويحسن الرسم، غير ان عمله الحر، أي وقوعه مصادفة على طلب ينفذه، لا يعيله. وترك صغير الأخوة المدرسة الثانوية، على خلاف أخويْه اللذين يكبرانه. ولما سمع ان أحد المكاتب القريبة يحتاج الى ساع ينقل رسائل المكتب على دراجة نارية رضي بالعمل، ولم يشترط على أصحابه شرطاً واحداً يتعلق بالراتب أو بساعات العمل أو بالتسجيل في الضمان. فيكفيه امتطاء الدراجة، والركض بها، والبعد عن البيت، جزاءً.


... أوائل شباط 1996

الساعة السادسة والنصف صباحاً استيقظت على صوت أبي يوقظ أمي قبل رواحه الى عمله بقضاء عاليه، الى الشرق من بيروت، حيث يرمم بعض المسيحيين الموعودين بالعودة الى بلداتهم وقراهم، كنائسهم. ويوقظ أبي أمي ليُودعها مصروف اليوم، فأسمعهما يتحادثان، أنا النائمة على فراش أمده على الأرض بجنب سرير أمي ولصق الجدار، ولا أراهما. ويكرر أبي توصيته لأمي بالاقتصاد في المصروف والتوفير. ومعنى التوصية ليس في القول المكرر بل في ما يتركه لها فعلاً من المال. وفي هذه المرة نصحها بإعداد الطعام من "لوازم" البيت و "حواضره"، وترك لها ما تشتري به ربطتين من الخبز. وودعها ونزل الدرج. ثم سمعت محرك سيارته الأميركية، البونتياك النبيذية التي اشتراها بألفي دولار غداة ابتدائه عمله الجديد، يدور بعض الوقت، وتنتشر تغضنات أمواجه، الخافتة تارة والمنتفخة تارة، في أرض الحجرة وجدرانها وفضائها.
لم أنم من بعدها إلا دقائق قليلة وطويلة. ثم قمت وأسرعت الى مدرستي، بالأوزاعي. ولم أرجع إلا في الثامنة مساء، بعد ثلاث عشرة ساعة على مغادرتي، درّست فيها، ودرست بالجامعة، وعرجت على الولدين اللذين أدرّسهما دروساً خصوصية ببيتهما. ولما انتهيت من هذا كله وجدتني بالبيت. طلبت الى أمي ان تروي لي أخبار يومها، على جاري العادة، او على جاري ما أحاول أن يكون عادة لنا، نحن الاثنتين. فقالت إن أم سليم، زوجة قريب أمي وهما يقيمان بالشقة المقابلة لشقتنا ونقتسم وأسرتهما الطبقة الثانية، زارتها في الساعة التاسعة صباحاً، شأنها كل يوم. فتناولتا القهوة، وتكلمتا في عمل الرجال، وفي المصروف، وفي اجتماع أهل المبنى المتوقع انعقاده في أواخر الأسبوع، يوم السبت، للتداول في الإخلاء. وسألت أم سليم امي اذا كان أبي سيجتمع مع المجتمعين، وأخبرتها أن أبو سليم، زوجها وقريب أمي، لن يحضر لأنه لا نتيجة من هكذا اجتماعات، و "وقت يأمر رب العالمين نطلع" من المبنى، أي نجلو عنه أو نُجلى. وانتهت زيارة القريبة بالتشاور في الطعام وإعداده، فأخبرتها أمي بما طلبه أبو محمد، أبي، منها من اقتصاد في المصروف. فنَوت ان تقلي صحن بطاطا وصحن باذنجان. فإذا لم يرض ذلك الشباب فليشتروا ما يرضيهم ويعجبهم.
وقالت أمي ان ابي عاد في الساعة الخامسة بعد الظهر، وأكل بمقعده بحجرة الجلوس، وهي حجرة الاستقبال والطعام والتلفزيون، وشرب قهوته. وأخبرها ان ملتزم اعمال الترميم الذي يعمل معه لم يعطه أجراً عن عمله منذ أربعة أشهر، وهو يستحي من تذكيره. فردت امي انها هي كذلك تستحي من الاستدانة، أما هو فإذا طلب الى الملتزم أجر عمله فهو يطلب حقاً له، والدين ليس حقاً بل هو ذل على المستدين ومنّة من المدين. فوعدها بالذهاب الى زيارة الملتزم مساء. لكنه لم يذهب. وقالت أمي ان اخوتي الثلاثة عادوا بعد أبي الى البيت، واحداً واحداً. ولم يرضهم ما وجدوا من الطعام، فأكلوا كل ما وجدوه. فوضعوا شرائح الباذنجان والبطاطا المقلية في الأرغفة، وجلسوا قبالة التلفزيون، ولم يتركوا ما يؤكل، قالت معتذرة. ولم أفاجأ، فهذه سيرة البيت في كل يوم. لذا أمرُّ بمحل سندويشات وأنا عائدة الى البيت، فآكل رغيفي وأنا أمشي.


... في اليوم التالي

أخبرتُ أبي أنني انتهيت اليوم من معاملات إدخاله هو وأمي صندوق الضمان الاجتماعي. وهذا ما أسعى في إنجازه منذ نحو شهر. فهو اشتكى وجعاً في مواضع من جسمه، فنصحه طبيب يعرفه بإجراء فحوص في المختبر، وكتب له على ورقة صفة هذه الفحوص. وهو لم يجرها، وأرجأها الى يوم يتوافر فيه تكلفتها. فتسجيله في الضمان يمكنه الآن من إجراء فحوصه، ومعالجة وجعه. فرح فرحاً واضحاً. اما الدعاء لي برضا رب العالمين، وبابن الحلال المتباطئ، فمن أمي.


... في الثلث الأخير من آذار 1996

في أخبار اليوم المسائية أظهرت امي ضيقها بـ "مقالات" ام سليم في الجيران وعليهم. فأم سليم، على قول أمي، تأخذ على أم علي، جارة الطبقة الأولى، قلة النظافة. فهي، الى اليوم، لم تعزّل بيتها، فإذا آن وقت "طلوعها من البيت" وأخرجت من المبنى، مثلنا كلنا، بان الوسخ على بيتها. وظهور الوسخ ببعض الشقق، حين تحين مغادرة اهل المبنى المهجرين مبناهم، يقلق أم سليم، ويكاد يكون "سرسابها" على قول أمي.
وذهبت المرأتان، أمي وأم سليم، الى مبنى المهجرين القريب من مبنانا، ولا يفصله عن مبنانا إلا الطريق، فزارتا ام مصطفى. وهذه زيارتهما الأولى لها بعد زيارات العزاء بأبي مصطفى قبل أسابيع قليلة. وأم مصطفى، منذ وفاة زوجها الذي قضى بداء السكري، مريضة وتكاد لا تترك فراشها. وهي كانت وحدها مع زوجها، إذ تركهما أولادهما كلهم الى ألمانيا حيث عملوا بعض الوقت ثم تركوا، معاً، الى إسبانيا. ويرسل الأولاد الى أم مصطفى مصطفى قبل وفاته، ما تعتال به. وهي، وإلى أبو اليوم وحدها من غير قريب. ووحدتها هي ما يُحزن أمي وأم سليم. فإن اضطرت الى ترك بيتها، حيث تقيم مثلنا منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة، فإلى أين تذهب وتبنين بلدتها لا تصلح مأوى آمناً؟ ومع من؟ ولا ولد لها...


... في اليوم التالي

حين عدت، مساء، قرأت على ورقة كرتون بيضاء معلقة بخيط الى شريط المصباح الكهربائي المضاء عند مدخل المبنى: "اجتماع لسكان البناية السبت الساعة 8.00 عند أبو حسن". فلما دخلت البيت كان أبي، وحده على عادته، ينظر الى صور نشرة الأخبار على شاشة التلفزيون ويستمع إليها. فأكلت وحدي، على عادة واحدنا كذلك. فنحن لا نجلس معاً للأكل الى مائدة واحدة، ولا ينتظر واحدنا غيره، ولا يعلم بساعة طعامه، أو عودته من العمل أو غير العمل. وكانت أمي، في الأثناء، تغسل الصحون، وأبي يدوّن بمفكرته أرقاماً أعرف أنها مصروفات البيت اليومية، بينما يستمع صغير إخوتي الى مسجلته بواسطة سماعتين يضعهما في أذنيه، ويقرأ كبير الأخوة غير المسافرين مجلة مختصة بأخبار النجوم. وأما الأخ الثالث، وهو باشر منذ بعض الوقت عملاً في مطعم، فلم يعد بعد من سهرته الأسبوعية. كانت النشرات الإخبارية كلها، بكافة الأقنية، انتهت من فقرتها الإعلامية، على ما يقول مذيعو الأقنية، وترك أبي مقعده الى حجرة النوم. فجلست مكانه، وقلبت الأقنية، فوقعت على برنامج "الشاطر يحكي"، وموضوعه الأم. غداً عيد الأمهات. ومنذ ابتدائي العمل، وتقاضيّ راتباً، وأنا أعيد امي وأهديها هدية. وهديتي رتيبة، فهي نحو ثلث راتبي من التعليم.


في 21 آذار 1996

كانت أمي تجلس على سريرها دامعة العينين، حين استيقظت في الساعة السابعة صباحاً. فجلست قربها، وضممتها إلي، وحاولت ممازحتها. فبكت بكاء هادئاً ورقيقاً. وقالت إنها تبكي شوقاً الى اخوتي المسافرين. وهي تشتاق أكثر ما تشتاق الى صغير إخوتي، عاصم، وآخرهم سفراً. فهو ترك البيت الى الكويت ولما يبلغ العشرين سنة. وكان السبب في تعجيله سفره تكاثر الكلام على وشك إخراج المهجرين من البيوت المحتلة، ونفوره من الإقامة بإقليم الخروب. فاستدان ثمن تذكرة سفر من أختي زوجة صاحب المدرسة. ولما حط بالكويت عثر على عمل محاسب، واستقر، وسدد دين التذكرة...
ولما رجعت الى البيت مبكرة هذا اليوم وجدت أخوتي الثلاثة والأولاد، في البيت. وهم جاؤوا ليعيّدوا أمي بعيدها. فقدّمت لها أخواتي ثوباً اشترينه شراكة، ووضعت أنا على المائدة قالب حلوى جلبته وأنا عائدة من عملي، وهديتي في مغلف. فأبدت ميلها الى هدية مثل هديتي. واقتصرت الهدايا على تقديمات البنات. وفي السابعة مساء دخلت الجارة القريبة، فشاركتنا الجلوس وأكل الحلوى والكلام. فمازحتها امي وقالت: "إنه آخر عيد في هذا البيت!". فردت ام سليم: لا تذكريني! وقبل ان تعود الى بيتها انتحت بي كبرى أخواتي جانباً وسألتني اذا كنت أوفر بعض المال. فسألتها عن الداعي المفاجئ للتوفير. فقالت ان عليّ شراء سيارة أتنقل بها بين الإقليم وبين بيروت حيث أعمل، حين نترك البيت ويبني أبي لنا بيتاً، وهذا، على قولها، خير لي من البقاء ببيروت والتنقل بين بيوت أخواتي، وليس في مستطاعي تحمله، ومن بقي من إخوتي الشباب بالبيت لا بد من ان يترك، فأقيم مع أبي وأمي وأعتني بهما الى حين زواجي...


... في اليوم التالي

استفقت متأخرة، كانت الساعة التاسعة، على أصوات نساء يتحادثن ببيتنا. وفي مثل هذا اليوم من كل أسبوع أترك البيت الى العمل في الساعة الحادية عشرة على التقريب. وتعرفت أصوات النساء المتحدثات بيسر، فكلهن جاراتنا بالمبنى. وهن يقضين "صبحية" كل يوم ببيت من البيوت مداورة، باستثناء العائلات الفلسطينية التي لا تزور ولا تزار. واعتادت أمي على المشاركة في "صبحية" واحدة هي تلك التي تلتئم ببيت أم سليم، قبالة شقتنا. وربما حملها احتفال الأمس على دعوة الجارات الى بيتنا، على خلاف سيرتها.
دخلتُ عليهن وجلستُ أشاركهن القهوة. وكانت ام حسين تخبر عما سمعته ليلاً في وقت متأخر من صراخ إحدى الجارات بالمبنى المقابل، وتسأل عما اذا كنّ سمعن مثلها. واستقر الرأي على انه صراخ امرأة الجار السكير الذي يرجع متأخراً الى البيت، ويضرب زوجته في بعض الليالي، فتستغيث بالجيران، وهم قلما يسمعون أو ينتبهون، ثم يسكت الصوت، ويشك الناس في الغد في ما سمعوا في عشية نهارهم الجديد. وسألتني جارة أخرى، أم سلمان، عن السبب في تأخير إخلائنا، إذ انقضى على وقت الإخلاء، أسبوع، وفي الأثناء لم يدخل المبنى شرطي من سرية الإخلاء، أو موظف يعمل في صندوق المهجرين. فأجبت ان علمي بالأمر مثل علمها. فاستنكرن تواضعي، أنا ابنة الجامعة، والمعلمة، وقارئة الصحف، وشريكة أبي، أبو محمد، في الاستماع الى نشرات الأخبار... وحسمت امي المناقشة فقالت: لا احد يعرف شيئاً من شيء، والمهم ان آخر حزيران هو آخر يوم نبقى فيه بالبناية. فاستفز الجزء الأخير من كلام أمي أم حسين، فقالت: لما يدخل التعويض جيب الواحد منا نقول بخاطركم واستروا على ما رأيتم منا! وقبلها لا!
فدارت أمي حرجَها، وطلبت الى أم توفيق الجالسة بقربها ان تقرأ لها طالعها في فنجان قهوتها المقلوب على فمه. فنظرت ام توفيق في الفنجان وقالت لأمي: "قلبك مهموم، وأرى غيمة سوداء مجتمعة لكن طرفها أبيض، أي ان الغيمة تمر على خير ولا تترك شراً". وأجمعن كلهن على ان الغيمة السوداء هي البيت، وهو المهم، "وهل من همّ اكبر من هم البيت؟". وأتمت أم توفيق كلامها: "أرى ستفة (ركاماً) أوراق وراءها طريق مفتوحة قد تكون مشروعاً برأسك...". فعقّبن مؤولات: "هذا التعويض، والمشروع هو عمارة البيت". فقالت ام توفيق: "هناك فرحة تفرحينها بأحد قريب بعد إشارة أو إشارتين". فتولت امي التفسير، هذه المرة: "هذه كنّتي زوجة ابني كمال، تلد بالشارقة". فسألت قارئة القهوة أمي: "من المرأة السمينة والقصيرة يلعلع صوتها بالكلام عليك وعلى بناتك؟". فأجابت أمي: "هي أم علي!". وكأن المرأة تسألها عن واحدة تمشي بالطريق أو تطل من الشرفة هناك. ثم بصمت أمي، تلبية لأمر البصّارة، بإبهامها في الفنجان. فتأملت أم توفيق الموضع الأبيض الذي خلّفه إبهام أمي بقاع الفنجان وقالت: "تصلك ورقة بيضاء طيبة تُطلعك من همك وفيها كل خير". فقلن وهنّ يتسابقن ويضحكن: "هذا الشيك الذي نقبضه عما قريب». فابتسمت أمي وقالت: "إن شاء الله".
وفي طريق عودتي مساء الى البيت مررت بمعمل أحذية قريب من بيتنا تعمل فيه امرأة مهجّرة بائعة. فسألتني أم رضا، وأنا أتفحص حذاء جديداً، عن الجهة التي نذهب إليها عند مغادرتنا المبنى، فقلت: "لا أعرف، آخر حل هو أن ننصب خيمة على الرصيف!". وسألتها: "وأنتم؟" فقالت متباهية: "نحن استأجرنا محلاً ثانياً بالضاحية". فنظرت إليها معجبة، فأكملت: "حال قبض التعويض نلحق بيت عمي (والد زوجها) ونسكن معهم". وهي تقصد أولادها الثلاثة الذين تركهم زوجها القتيل، وهي. وأما المحل الذي "استأجرته" فتريد ان يستأجره سلفها، أخو زوجها ومستخدمها في محله هذا.


.. بعد اسبوع

اليوم السبت، نمت الى الظهر أو قبله بقليل. جلست وحدي في الحجرة المشتركة أشرب قهوتي، وأمي في المطبخ تعد طعام الغداء. ثم قمت الى تنظيف البيت. فالسبت هو يوم حصتي من البيت وأعمال نظافته. وأتممت عملي في الساعة الثالثة، واستلقيت لأرتاح بعدها نحو نصف الساعة. فدُق الباب ودخلت صديقتي، وهي امرأة متزوجة، ومهجّرة مثلنا، تسكن بيتاً بمبنى قريب هو أحد مباني المهجرين الثلاثة، ومعها ابنها وله من العمر سنتان. وفي كل مرة تزورني فيها هذه المرأة، وسنها قريب من سني ولم تبلغ الثلاثين بعد، يضيق صدر أمي بولدها وبشغبه وجريه في انحاء البيت كلها، لكنها من النساء القليلات اللواتي هن من سني ولم يرفع الزواج، ولا رفعت الأمومة، حاجزاً بينهن وبيني. فيسعني الحديث إليها في قلقي الشديد من السكن بإقليم الخروب بين ناس لا نعرفهم ولا يعرفوننا، ومن تقطّع الوقت في الانتقال من مكان الى مكان... وهي تجيب قلقي بقلق مثله. فهي لا تعرف الى اين تذهب بعائلتها الصغيرة، ولم تعد نفسها ليوم تضطر فيه الى مغادرة المبنى قبالتنا، وتقول انها تضع "كل قطع (أواني) الزجاج في صناديق الكرتون" منذ الساعة.
وعاد والدي الى البيت في الخامسة بعد الظهر. فجلسنا الى الأكل ثلاثتنا، والدي وصديقتي وأنا. فلما أكلنا تركنا والدي الى سريره، وبقينا نتحادث، نحن الاثنتين. فعادت الصديقة الى حديث محبب الى قلبها وقريب وهو حديث زواجي. فهي تريد إقناعي بأن في الزواج حلَّ كل مشكلاتي، تلك التي نتحادث فيها وتلك التي نكتمها. فأنا أستطيع السكن، على ما تقول، إذا تزوجت حيث أريد. وهذا، على ما أرى أنا، صحيح، غير انه يفترض ان العريس ينتظر أمام باب البيت إشارة مني ليهجم على ابي ويخطب يدي...
وبقينا نتحادث بهذا الحديث الى السادسة والنصف. فلما عزمت على المغادرة كان أبي وأمي استيقظا من قيلولتهما. وأعدّت أمي لأبي ماء ساخناً يستحم به قبل الرواح الى اجتماع أهل المبنى للتداول في موضوع تركنا المبنى. وكان أبي طلب إليّ مرافقته الى الاجتماع. فأنا، بسبب عملي في التعليم، و "علمي"، لن أكون "غلطاً" في مثل هذا المجلس المقتصر على الرجال والآباء. ولم أرَ بأساً في ذلك على رغم قلة ما أعرف في المسألة ومنها.
صعدنا طبقتين الى بيت أبو حسن. واكتمل عقد الثمانية. والصحيح انهم تسعة إذا عددت نفسي فيهم. فالفلسطينيون الثلاثة، الباقون من عائلات المبنى، عائدون الى مخيم عين الحلوة بصيدا حال إجلائنا، وأياً كان مبلغ التعويض. ودام الاجتماع، أي جلوس الجالسين معاً، الى العاشرة والنصف، الى حين دب النعاس في المجتمعين. فالكلام في موضوع الاجتماع استنفد في نصف ساعة، ودار على ضرورة تستر بعضنا على بعض في ما يعود الى تسجيل الأسرة المهجّرة الواحدة أسرتين في صندوق المهجرين، هي وأسرة أحد أولادها، وتقاضيها عوض التعويض الواحد تعويضين، على ما يفعل كل المهجرين. وكادت أسر مبنى من المباني التي أخليت في حيّنا تفوز الواحدة منها بتعويضين لولا وشاية بعضها ببعض. فالوشاية هي الشر الأعظم والأول. ويليه العجلة، على ما قال ابو حسن لأبي محمد. فأبو محمد ينتظر سدادَ التعويض ليسافر الى كندا حيث تقيم إحدى بناته، وتنتظره هو وأمها. وجرى كلام المجتمعين على من يعرفون من الحركة ("امل") أو من الحزب ("حزب الله")، وعلى تلزيمهم "قضيتنا"، وضمانهم "لنا" قبض تعويضين للعائلة الواحدة نظير تفويضنا إياهم بتعقب أوراقنا. فرأى أبي ان "التفويض" مسألة غامضة، وقد تؤدي الى تقاسم التعويض، ومثل هذا حصل في أحوال كثيرة يعرفها هو ويعرفها المجتمعون. فالأسلم لنا ان يتولى صندوق المهجرين الموضوع كله، وأن لا يخبر بعضنا عن بعض، وألا يستعجل أحد أو ينفد صبره... ولم يعلق أحد على كلام أبي، وهو تكلم بعد ان تكلم غيره كلهم وسكتوا، وتكلم طويلاً. فبدا انه استوفى المسألة، أو استنفد صبرهم أو أفكارهم في الموضوع. فلم يكد ينتهي من كلامه حتى تكلموا في كل الأمور، عدا موضوع الاجتماع. وانصرف كل واحد الى بيته متثائباً. فلما دخلنا بيتنا كانت أمي مستيقظة. فسألت أبي إذا كان جائعاً. وكانت تنبعث من غرفة إخوتي أصوات مختلفة، ولم يخرج أحد منهم ليستطلع ما جرى في الاجتماع.


... بعد يومين

عدت من العمل والساعة تشارف التاسعة مساء. قعدت آكل ما وضعته أمي على الطاولة الصغيرة والواطئة أمامي. وقعدت أمي وهي تغالب نعاسها بقربي. فسألتها عن يومياتنا، أي يوميات أهل المبنى التي اعتدت منذ بعض الوقت سؤالها عنها. فقالت، وهي تداري بَرَمها برواية ما لا ترى فائدة من روايته، أن ام سليم وأم حسن تشاجرتا على مسمع من البناية كلها. وعلا صوتهما حتى عاب عليهما الجيران ذلك. والسبب في الشجار هو "مثل العادة" الماء. فالماء غير جارية منذ يومين، واليوم عادت الى مجاريها. فأرادت ام سليم ملء خزانها قبل أهل البناية كلهم، ولم تترك آنية من أوانيها، الزجاجية والبلاستيكية جميعاً، إلا وملأتها، والناس ينتظرون. فنفد صبر ام حسن، وعنّفت ام سليم على تماديها في الاستهتار بالمنتظرين. فنزل الى مدخل المبنى من لم يكن نزل بعد. وعقبت أمي على خبر الشجار بقولها إنها تعد الأيام الى حين تركنا العيش مع "مثل هؤلاء البشر". فسألتها عما حدث غير هذا في اثناء النهار. فقالت: "هل أنا إذاعة أو مسجلة..."، وهمت بالقيام الى نومها. فسألتها عما يقول أبي في شأن الإخلاء، وعما سمع. فعادت واستقرت جالسة وقالت: "سمع أبوك أننا قد نبقى بعد سنة لأن وزارة المهجرين بلا مال".


... في اليوم التالي

بكّر أبي على تمتماته الغضبى. فسمعته يقول قبل أن أخرج من حجرة النوم: "الذين استحوا (خجلوا) ماتوا". فحسبت انه يكلم أمي بهذا الكلام الخشن، وهو أقلع عن هذا منذ بضع سنوات. فخرجت لأستطلع الأمر، فلم أجد أمي في حجرة الجلوس. ووجدت أبي يتكلم بصوت مرتفع لتسمع وهي بالمطبخ. وكان يتم ما ابتدأ قوله: "ليس كل من تهجّر من ضيعته يصح ان يعيش بالمدينة، وما خلقت الحمرا لكل الناس". سألته عما به، وبمن يعرّض كلامه. فقال ان ام حسن "حطت كيس زبالتها (قمامتها) على طرف درج البناية"، ولم تخرجها من المبنى الى المكب القريب، والمبنى تسرح فيه القطط وتمرح، ففتحت الكيس و"نكَشَت" ما فيه، وأكَلَت، وبعثَرَت ما تبقى على الدرج كله وبين الطبقات، فحق في "بنايتنا" انها بناية مهجرين... وترحم على الحمرا وعلى ماضيها يوم كان "لا يسكنها إلا الخواجات"، على قوله.
في المساء، لم تشأ أمي إخباري بما جرى في أثناء النهار. فلما ألححت عليها أصرت على أنها لم تر أحداً اليوم، ولم تكلم أحداً، فهي خجلة بما فعلته جارتانا، أم سليم وأم حسن. وعزمت على ألا تتمادى في محادثتهما أو في محادثة غيرهما من الجارات. وبينما أمي تجهر عزفها دخلت أم سليم الحجرة، ولم تطرق الباب، وهو كان مفتوحاً شأنه في معظم الأوقات. وقالت لأمي إنها، أي أمي، لو كانت محلها لما فعلت إلا ما فعلت هي، أم سليم. فأجابتها أمي ان "هكذا شعب" يجب ان يعيش في غير الحمرا، و "نحن نُضحك الناس علينا دائماً، صوتنا ملعلع، وجَيِّتنا (وسخنا) طالعة ريحتها، وتعودنا على عيش التهجير، ونحن نستأهل (أهلٌ لـ)ـهذا". فاستدارت أم سليم، وخرجت مغضبة. فلما اجتازت بابنا ودخلت بيتها، خرج أبي من حجرة النوم وتوجه الى بابنا فأغلقه، وطلب من أمي ألا تسمح منذ اليوم لأحد بمحادثتها في مثل هذه الأمور.


... في منتصف الأسبوع الأول
من نيسان 1996

أول يوم من ايام عطلة الربيع، جلست الى الشرفة أرتشف قهوتي الصباحية الى جنب ستارة غسيلنا المنشور على الشرفة. بدت الطريق قريبة، والسيارات قليلة، والناس قليلون، وبعضهم من مبانينا، نحن المهجرين. إنها ام خليل الفلسطينية تجتاز الطريق الى محل البقالة، قبالتنا، بقميص نومها، وعلى رأسها منديل يستر مؤخرة الرأس والشعر. وعندما خرجت من المحل تعمدتُ أن أنظر الى موضع آخر. فنحن، أهل المبنى، نداري بعضنا بعضاً كما يداري الأخوة واحدهم الآخر، كان بينهما ود أو لم يكن. فبيننا ما بين أخوة البيت الواحد روابط، ليست كلها صافية. والمبنى، بعائلاته المختلفة وبعضها لم يدخل بيت العائلة الثانية، واحد ومتصل. ويستحيل على أسرة من الأسر النازحة، أو المهجّرة، ان تستقل بنفسها، أو بأسرارها. فلا ستْرَ ينجح في حجب ما لا يخفى على أعين الجيران الكثيرة وآذانهم المتنبهة، ولا يكاد ينم به صوت غريب، أو نبرة غير معتادة، أو وجه شاحب، أو مشية متعثرة، أو غياب، حتى يستدل به الجيران على معناه الخفي. فيفشو فيهم، ويتناقلونه، ويزيد واحدهم ما رآه ولاحظه على ما رآه غيره ولاحظه.


... في أواخر الأسبوع

سألت أمي، قبل أن أخرج للتبضع من سوق تعاونية قريبة، إلام تحتاج فأعود لها به. فاستمهلتني بعض الوقت لتلبس وتذهب معي. فلما أردنا الخروج لاحظت أن أمي ترتدي تنورتها السوداء التي اعتادت لباسها بالبيت، وكنزة صوف بنية تظهر آثار العرق والنوم واضحة على طرف رقبتها، والتنورة والكنزة تلبسهما وهي تطبخ أو تغسل الصحون بعد الطعام. فوقفت عند الباب واقترحت عليها ان تبدّل ثيابها بثياب غيرها تليق بمناسبة خروجنا معاً الى السوق وباحتفالنا بالمناسبة النادرة هذه. فلم تفلح الدعابة في تليينها. فردت بجفاء ان منظرها إذا لم يعجبني، أنا "بنت جواد"، على ما قالت ناسبة إياي الى أبي دونها هي، وإذا كنت "أتعيأ" (أتعيب أو أستعيب) بها، فلأرح بطريقي ولا تريد مني شيئاً. ولم ينفع جوابي. وجاء صوت أحد إخوتي يتهددني على رفعي صوتي بوجه أمي، ولم أكن أعلم بوجوده بغرفة الأخوة الشباب. ففتحت الباب واجتزته وسبقت أمي الى نزول الدرج. وسمعت أمي ورائي وهي تخبر ام سليم بخلافنا على لباسها وخروجها معي وهي بهذا اللباس. ولحقت بي بعد أن أسمعتها أم سليم كلمات الطمأنة التي تريد سماعها، وأوصتها شراء بعض اللحمة والخضار لها.
لحقت بي أمي ثم سبقتني. وعبثاً حاولت اللحاق بها، فهي سريعة المشي على رغم تلفُّتها المستمر الى واجهات المحال، واصطدامها بالواقفين أو بالماشين الآتين من أمام، وبانحرافها عن خط مسيرها. ولما وصلت الى باب السوق التعاونية انتظرتني على مضض، فدخلنا معاً. وقادتني الى الأقسام التي تعرفها حيث الأرز والسكر والملح والبهارات. وكانت، في كل مرة تتناول كيساً أو علبة أو حنجوراً، تسألني عن ثمنه، وتطمئن الى كفاية ما أحمل من المال. ثم انتقلت بي، وبالعربة التي أدفعها أمامي، الى قسم آخر قريب حيث الحليب والمربيات والجبنة واللبنة. وتركت مشترى الخضار، ثم اللحمة، الى آخر الشوط. ولم تنس أم سليم. سددت الحساب واستمهلتها دقيقتين لأشتري بعض مستحضرات التجميل التي أحتاجها، فتأففت، ووضعت الأكياس التي تحملها على الأرض عند باب التعاونية، ووقفت تنتظر انتظار المصلوب على صليبه. فلما عدتُ تقاسمنا الأكياس، وحرصتُ على حمل الجزء الأكبر منها، وأثقلها، ويممت صوب البيت بخطى سريعة.
أعدّت أمي الطعام، ونظفتُ أنا البيت كنساً ومسحاً بالماء. أكلنا معاً من غير ان نتبادل الكلام، ومن غير زعل. وسبقتني أمي الى النوم. نامت بثيابها، وصنعتُ مثلها. واستفقت من نومي، وكانت الساعة الخامسة، والدنيا مقبلة على العتمة. وكنت على موعد مع صديقتي المتزوجة، فمررت بها، وخرجنا في نزهة على كورنيش المنارة، ومعنا ولدها الصغير. وعدت الى البيت، فوجدت إخوتي الشباب الثلاثة، على غير عادتهم، مجتمعين. كان الأول نائماً بعد سهرة العمل أمس، والثاني يقرأ كتاباً يتعلم فيه اللغة الإنكليزية، والثالث يستمع الى برنامج موسيقى وأغان أجنبية على قنال أم. تي. في.
لم يلبث الأول أن أفاق من نومه، فخرج من الحجرة وأخذ من يد أخي الثالث، المستمع الى الأغاني الأميركية، جهاز ضبط الصورة بحركة خاطفة، وأطفأ الصوت. وهمّ بالعودة الى نومه، فثار عليه أخي، وجعل يصرخ ويردد بصوت زاعق: لا يحق لك! لا يحق لك! فرد الأخ النائم بأنه يحق له كسر التلفزيون كله وليس إسكات الصوت. فدفعه أخي "الموسيقي". فضرب أخي المستيقظ لتوه أخي الثاني، وتبادل الاثنان كلمات متباعدة وحذرة. فخرج أبي من حجرته حيث كان نائماً، ونهر ابنيه. فردا على انتهاره إياهما باستعمال القدمين في شجارهما، ورمى واحدهما الآخر بمنافض أعقاب السجائر وبالطاولات النحيلة التي توضع عليها المنافض. فصرخت أمي بأبي: "يا جواد (وهي تلفظها طبعاً: يا جويد) ذبح أولادك بعضهم!»". ونظر أبي الى ولديه المتعاركين بازدراء وعاد الى غرفة النوم. فهدأ العراك، وترك أخي "الموسيقي" البيت، وعاد أخي النائم الى الحجرة ليدخن السيجارة تلو السيجارة، بينما أخي الثالث يدرس لغته الإنكليزية في كتابه.


... في اليوم التالي

عاد أخي الذي بات الليلة خارج البيت في السابعة صباحاً وتسلل الى فراشه ونام، على ما أخبرتني أمي وأنا أعد شاي الفطور، وهي تخرج الى السوق للتبضع. وكانت خطوات أمي، وهي تنزل آخر درجات السلم، تُسمع حين دُق الباب، ودفعته أم سليم ودخلت. وكانت تحمل بإحدى يديها صينية مثقلة بالبصل الأحمر، وفي الأخرى سكين تقشر به البصل. بحثت عني بعينيها السريعتين، ومشت صوبي وجلست في مقعد قربي وسألتني عن أمي. وابتدأت بتقشير بصلاتها، وعيناها تدمعان. ثم قالت: "اعملي فنجان قهوة، الله يجبر خاطرك!". أعددت فنجانَيْ قهوة، وقدمت بين يديها فنجاناً، وجلست حيث كنت، وشربتُ قهوتي وعيناي تدمعان بدورهما، وهي تتكلم وأنا لا أصغي إليها وأكاد لا أسمع مما تقول غير كلمات تطفو بين الحين والحين. فسمعت اسم جميل، صاحب محل البقالة الأقرب إلينا، وهو بائع يبيع كل ما يستطيع حشره في محله، وكل ما يحتاجه المهجرون من زبائنه. قالت إنها استدانت من محل جميل اليوم ما احتاجت إليه، وهي حالها كل يوم وحالنا، ولا تعرف متى ترد له دينَه المتزايد والمتراكم، وهذه كذلك حالنا كلنا. وجميل "الدكنجي"، لا يزال يسجل بدفتره ديون المهجرين، يوماً بعد يوم، وسلعة بعد سلعة، وكأننا نسدد هذه الديون في أوقات تسديد معلومة، بخلاف الوقائع كلها. وهو حين علم بقرب جلائنا عن بيوتنا لم يكتم "فرحة قلبه"، على ما قال. ولما سُئل عن السبب في فرحته قال إن رحيل المهجرين يريحه من مراكمة الديون التي يعرف انها لن تسدد كلها، ويعرف ان هذا الشطر من زبائنه ربما تركوا من غير إلقاء السلام عليه.
والحق ان ما بين الدكنجي وبين زبائنه هؤلاء لا يقتصر على شراء الحليب وسكاكر الأولاد، من جهة، وتسجيل المشتريات لوجه الله، من جهة أخرى. فالزبائن المهجرون يخجلون من ترك ديونهم على عواهنها، أو "على البركة". فإذا كبر دين زبون، أي عائلة، امتنعت من الشراء من دكان جميل الى حين تسديد جزء من دينها. فلا تستحي، بعد التسديد، من استئناف الشراء والتسجيل. ولا يستحل ترك الشراء على الغارب إلا من سدد دينه وأطفأه.
وإلى ذلك يخدم زبائن جميل المهجّرون صاحبهم على طريقتهم. فهو لا يكاد يفتح محله باكراً حتى تَرِدُ عليه صينيات القهوة من البيوت. وتلحق بها صينيات فطور الصباح المتنوعة، من اللبنة والجبنة والشاي الى صحون الفول المدمّس والكبد النيئة والكفتة النيئة. وإذا حان وقت الغداء احتار جميل في ما يقبل من "الصحون" والمآكل، او في ما يأكل ولا يأكل. وقلما تتردد عائلة من العائلات المدينة لجميل في أمر أحد أولادها الفتيان والعاقلين بمساعدة صاحبها، و "الدولشة" عليه بمحله، وترتيب المحل، والبيع فيه، ونقل المشتريات الثقيلة الى بيوت "الخواجات"، وهؤلاء هم الشطر الآخر من زبائن جميل. وجميل مسرور بكل هذا. فهو، لأمر ما، لا عائلة له، أي لا زوجة له ولا أولاد. وتوفي والداه بعد أن طعنا في السن. وتمنعه سمنته من الحركة النشيطة، فتعوّض خدمةُ الأولاد تثاقله، واضطراره الى الجلوس، وإدارة المحل بالكلام. فلا أدري إذا كان إعلانه عن فرحته بترك المهجرين الحي، وهم عائلته العديدة، صادقاً. وفي المساء جاءنا زائر ابن عم بعيد لنا، هو أحد اقاربنا ومن عائلتنا. فطلب من أبي اشتراكه السنوي في رابطة العائلة، ويبلغ عشرة آلاف ليرة. وشرح لأبي، ولأخوتي الجالسين في الغرفة المشتركة والمنصرفين كل إلى أمر يخصه، منافع الاشتراك: مساعدة المحتاج من العائلة، والتقارب بين المتباعدين... فلم يرضَ أبي تجديد انتسابه الى الرابطة. ولم يعر أخوتي ابن عمهم اهتماماً. فبقي يسهر ويتكلم الى الساعة العاشرة. ثم وقف وسلّم وذهب.


... في الأسبوع الأول من ايار 1996

أصبت بحمى قوية كانت من أعراض "الكريب"، فاستضافتني أختي، زوجة صاحب المدرسة، ببيتها نحو أسبوع، اعتنت في أثنائه بنومي وطعامي ودوائي. ودعت يوم الأحد أهلي كلهم الى الغداء عندها، وكانت أبلغت الى أخي كمال، بالكويت، خبر اجتماع الأهل يوم الأحد. فجاؤوا كلهم، وكلمهم أخي بالتلفون، فتعاقبنا كلنا على الكلام، وسؤاله عن صحته وعمله، وتمنّى لي الشفاء. وأكلنا الى مائدة أختي، وتناولنا القهوة. وذهب أهلي وتركوني عند أختي، على أن ألحق بهم بعد شفائي.

الجمعة، 26 ديسمبر 2008

رمي منتظر الزيدي الرئيس الأميركي بنعليه يتقلب بين أمواج المجازات والتظاهرات والاحتفالات قبل الانطفاء ... مشهد الرجم التلفزيوني والكوني حفل تتويج معكوس

الحياة - 24/12/08
بين رمي صحافي محطة «البغدادية» العراقية منتظر الزيدي الرئيس الأميركي بحذاءيه، على مرأى من جمهور العالم المتلفز والواحد، وبين الإعلام المرئي والصوري في صيغته المشهدية و «الحية»، علاقة جوهرية وحميمة، فالإعلام المرئي الفوتوغرافي التلفزيوني يصوّب آلات تصويره وعدساته صوب موضوعه أو غرضه الذي «ينقله»، على ما يقال تيمناً بحياده وموضوعيته ومديحاً لهما. وهذا ما يصنعه حقاً. ولكن عينه اليقظة على الدوام، وتغلغله في ثنايا الأحوال والمواقع والأوقات، وصلته المباشرة وهو بأقاصي الأرض بمركز عالمي يقوم في وسط شبكة أخطبوطية، هذه كلها تنصّبه شاهداً «حقيقياً» على الواقعة «الحقيقية»، الظاهرة والعارية. وحمل هذا صناعة الإعلام المرئي، وهو مرئي على شاشات التلفزيون (على أنواعه) وشاشات الإنترنت وشاشات أجهزة الهاتف المحمول جميعاً، حملها على انتخاب الحادثة الحارة والحية. وحمل هذا، من وجه آخر، الحوادث والوقائع نفسها، أي صانعي الحوادث وفاعليها، على انتخاب الصورة التلفزيونية مناسبة ومعرضاً. فيتعمد صانعو الحوادث، ومعدوها ومبيتوها، انتهاز الفرص المتلفزة، وسوقها العامرة والقائمة، فيرمون في السوق بضاعتهم وسلعتهم. وهم يرجون تهافت الزبائن والمشترين والمقاولين على «شراء» الصورة «التاريخية»، على ما وصف عدد لا يحصى من المراقبين والمناضلين والصحافيين («المرئيين» أولاً) صور الحادثة البغدادية.
السلعةفالصور هذه تحقق مثال صناعة الإعلام المرئي التلفزيوني (والكابلي والانترنتي). وسلعته المفضلة هي «الإعلام في وقت حقيقي»، على قول أرباب الصناعة هذه وصياديها ومقاتليها. و «الإعلام في الوقت الحقيقي» يتخطى الإعلام على معناه الواقعي القديم، أو النقلي، الى صناعة الحادثة نفسها. فما أن تأنس الصناعة هذه الى رواج الصورة المحتمل، وتعاظم وقعها، حتى تجدد بثها ما لا يحصى من المرات. فبث موقع غوغل رمي الحذاءين (من طريق «يوتيوب») في أكثر من 70 شريطاً، زارها في أثناء 24 ساعة 600 ألف زائر. وبث موقع فرنسي لتبادل الصور 50 شريطاً لجزء الواقعة (والواقعة، على ما نسي، هي مؤتمر نوري المالكي وجورج بوش الصحافي)، شاهده 200 ألف زائر. فاستوى رمي الحذاءين الحادثة «التاريخية»، على معنى الذائعة والمشهورة، التي استواها، أو «لقطة العصر»، على قول أحد قاطني حي الكرادة بوسط بغداد، أبو حسين (84 سنة). وعلى هذا، فالتاريخي هو «اللقطة» أو الصورة المدوية، على ما لم تفت المعادلة الشيخ البغدادي المسن، على رغم سنّه. فهو «ابن التلفزيون»، على ما يصف الرئيس الفرنسي «الشاب»، ساركوزي، نفسه مفاخراً. وتحكي العبارة، «ابن تلفزيون»، عبارة سبقتها هي «ابن دعاية»، على ما وصف مصمم حملة الرئيس الفرنسي الأسبق الرئاسية نفسه عشرين عاماً قبل ساركوزي. والحق أن جيش الصحافيين العرب، والمسلمين، الذين تباروا في تناول الواقعة - الصورة، وبهرتهم «حقيقتها»، إيجاباً وسلباً، امتلاء وفراغاً، إنما حداهم على التهافت عليها «إعلاميتها» أو «صحافيتها». فالصحافيون، وكثر غيرهم من الشهود، يتهافتون على سلعة هي بنت حرفتهم وصناعتهم. وهذه السلعة، الصورة، صورة عظيمة أو مكبرة عن مثال المهنة والصناعة، وعن الحال التي انتهت إليها عن يد «الجسم» الإعلامي.فهم يرون أنفسهم في مرآة الصحافي العراقي وصوره «لحظة» رميه حذاءيه. وهم ليسوا زملاء الرجل وحسب. وهو لم يرم، حين رمى وعلق على رميته، زميلاً، أي على صفته صحافياً. فبادرته «تختصر»، على ما يحسب الإعلاميون المرئيون وغير المرئيين القول، في حركة وشتيمة وعبارة، أوضاعاً وأحوالاً معقدة ومتشابكة. فجاءت الرمية، في المحفل الذي جاءت فيه، على مثال العمل الصحافي «الأعلى»، أي اختصار الأوضاع والأحوال والآراء، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وإيجازها في «لقطة» أو لحظة فاقعة، جامعة مانعة (إيجاباً أو سلباً، على ما تقدم)، و «عالمية»، على قول أحدهم. فإعلاميو الصحافة المكتوبة، شأن المصورين وراء العدسات ومُعْمِلي محركات البحث وباثي الصور الرقمية ومتلقيها، يطاردون بدورهم البادرة أو الحادثة التي يعود إليهم الإشارة الى «تكثيفها» المفحم والساطع بالعوامل الكثيرة والمتشابكة، والعصية على الفهم. وهم يعتقدون، شأن صناعيي الدعاية والتحريض السياسي والديني، حقيقة التكثيف «الرمزي» هذا، ويؤمنون بأداء الواقعة الرمزية، وصورتها المتلفزة والرقمية والورقية، (عن) الوقائع الكثيرة والمتشابكة، وعبارتها (أو تعبيرها) عن الوقائع.ومثال «العمل» الصحافي، مراسلة أو ملاحظة وتعليقاً وتحليلاً، هو الركض شطر الحادثة المكثفة والرمزية، وإثباتها، والتزاحم على استنطاقها المعاني الغزيرة التي لا يشكون في انطوائها عليها واستبطانها. وعلى الكتابة الصحافية، على رغم الوقت الذي يفترض أن تتمتع به، والمسافة أو البعد الذي يمكّنها من بعض الإحاطة بالحادثة والحوادث التي تحفّها، وتضعها موضعها من جملة الحوادث، تسعى الكتابة هذه في محاكاة صناعة الإعلام المرئي، وتتبنى فهمها للحوادث السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والشخصية، ولمعاني الحوادث هذه ومضامينها.والخبر، أي الجزء الذي اشتهر منه، ذاع على وقتين أو مرحلتين. وغلب، في المرحلة الأولى، تعليق الصحافي العراقي اللفظي أو الكلامي، أو ربما تساوى، تقريباً، رمي الحذاء بنعت الرئيس الأميركي بـ «الكلب»، وبتحميله المسؤولية عن ضحايا الحرب العراقية، أي الغزو والرد عليه والتذرع به إرهاباً واقتتالاً ومقاومة (وهذه حصتها حصة القريب الفقير واليتيم). ولم تنقض 24 ساعة، أو بعض اليوم، على الحادثة وصورها، وفي الأثناء تلقفتها صناعة السلع الإعلامية، حتى اختصرت الصورة وحدها الواقعة. ونُسيت الشتيمة المدوية، وصيغة الإدانة. وسقط، في اليوم التالي، شطر من تعليل الأهل، الأشقاء الثلاثة والشقيقة، حركة شقيقهم، ودعوتهم الى النظر في مساواة شقيقهم «الاحتلال العسكري الأميركي» بـ «الاحتلال المعنوي الإيراني». وطوي التنويه بيساريته وشيوعيته الغيفارية، أي المجددة المحدثة والسينمائية النجمية. وبقي من هذا مقارعة داود بزوجي الحذاء الجبار غوليات (أو جوليات)، وكناية داود، المنتظر، عن الاقدام المؤيد بالحظ والرضا، وكناية بوش عن السطوة والسلطان الضعيفين الدنيئين والزائلين بإذنه تعالى.وغداة ذيوع الصورة، على حالها هذه من العراء السلعي والمعنوي معاً، تنافس المعلقون على أصنافهم، على أداء معناها، ومكافأة المعنى إيجازاً وجمعاً ومنعاً وإفحاماً ورمزاً أو ترميزاً. فذهب صحافيون كتاب الى نعت الحذاء بالمعادن الثمينة، وهي معقل قديم من معاقل الرمز الخالص. فنعتوه بـ «الماسي» و «الذهبي». وفي حسبانهم أن الكائنات مرتبة على مراتب، وعلى معادن وجواهر (خسيسة ونفيسة) وأحساب، يتربع الماس والذهب في أعلاها وأشرف مراتبها. وذهب آخرون الى حمله على مراتب القوة العسكرية والمسلحة. فهو «حذاء دمار شامل»، على شاكلة السلاح الذي يسعى الحكم الإيراني الخميني في امتلاكه بوجه الولايات المتحدة والعراق وبلدان الخليج والشرق الأوسط، وسعى صدام حسين من قبل في امتلاكه بوجه إيران البهلوية وأميركا («حليفه») وبلدان المشرق، خليجاً و «هلالاً»، المتحفظة من «مهابته» و «نشامته». وهو، الحذاء، «مذنب كوني» يسبح في الفضاء، ويسبق أسلحة الدمار الشامل الى الفضاء الخارجي، ويؤذن بعسكرته، ويتوج الهذيان النووي «الإيراني» بهذيان كوني: فالحق في تخصيب الأورانيوم، وفي النهضة العلمية، ينبغي ألا ينفك من الحقوق المتممة مثل الحق في إنشاء مركبات فضائية تخزن فيها صواريخ نووية الرؤوس وتعبر الكواكب.
الحضرةوليس هذا تفكيراً سحرياً كله. فأصحاب هذا الرأي أو هذه العقيدة، لا يفترضون فاعل التحويل وصانعه روحاً أو جناً أو حِنّاً. ولا يخلون فجوة أو فراغاً في سلسلة الأسباب، وإن لم تكن هذه كلها مادية أو طبيعية، ولا بين العلة والمعلول. فقال إمام صلاة ومسجد أبو حنيفة النعمان، وهو مسجد أهل السنّة الأعظم في الأعظمية، في خطبة الجمعة، وأقسم: «والله ما رماه»، يريد أن منتظر الزيدي لم يرم الحذاء الذي قال فيه محامي الصحافي مقالته، «ولكن الله رمى». فلا يتهيب الشيخ عثمان رحيم محمد، وهذا اسم الإمام، التضمين بالآية 17 من سورة الأنفال، وربما بالآية الرابعة من سورة الفيل, وبآيات أخر من سور الأنفال والأعراف ويونس والنمل وآل عمران. ويشفع للشيخ العراقي البغدادي ربما تأويله الرمية «موقفاً بطولياً أمام الباطل». وهذا تأويل زمني دنيوي وقومي. وهو يحمل البطولة على القدوة العملية والأخلاقية. فيقول: «كان حرياً بنا نحن، ومنذ الأمس، أن نقف ذلك الموقف». ولكن الزمنية الدنيوية حين تُشبك بالبطولة، وبوجدان الأمة أو الشعب الجمعي، تجر مادحيها، ودعاة الاقتداء بها، الى معين البطولة المفترض، ونسب الأبطال الأول، على ما يرويه الإغريق والرومان، وترويه ملاحمهم. فالبطولة ليست شأن الأبطال وحدهم، ولا من صنع أيديهم وإرادتهم، وإنما هي من العلامات على «إرادة» تتخطى البطل، وتتعالى عنه. والبطل هو «من يستسلم الى قدره»، ويقبل عليه لأنه يحدس فيه قصداً عظيماً، ويقول لقدره المتصور في صورة السيوف: «خذيني».ولم تمتنع الرمية، ولا امتنع صاحبها، كاره «الاحتلال المعنوي الإيراني» كرهه «الاحتلال المادي الأميركي»، من التأويل الإيراني العاشورائي. فاقترح آية الله أحمد جنتي أحد خطباء الجمعة بطهران وأحد أعيان النظام الخميني، اقترح، على ما تقول وكالات الأخبار جادة، «جمع أجزاء حذاء (منتظر الزيدي)، ووضعه في المتحف العراقي، وانطلاق العراقيين والإيرانيين في انتفاضة أحذية على الولايات المتحدة». وفي الأثناء، كان الحذاءان (التركيان) مزقهما رجال أمن عراقيون وأميركيون شر تمزيق، خشية حشوهما بالمتفجرات على شاكلة رجل «القاعدة» وراكب طائرة على خط نيويورك - لندن في 2002، على ما زعم بعض الناطقين الرسميين العراقيين. فجمع أجزاء الحذاء قريب من النفخ في رميم العظام وبعثها. والوضع في المتحف تأبيد وتخليد على قدر المستطاع التاريخي. وما كان مجازاً بدوياً وأردنياً، «الوشم على خد الزمن»، تترجمه «الآية» الإيرانية تحفة في مبنى رسمي. ويقدر خطيب الجمعة الطهراني أن مبناه وجامع تحفه «باق الى ألف عام»، على شاكلة الرايخ الثالث الهتلري أو رجاء عبدالله بن علي (العباسي) السفاح في خطبة الولاية. و «انتفاضة الأحذية»، على لسان الركن الخميني، موكب من المواكب التي أولاها المرشد الأول هز أركان السلطان، و «قبر» الخانات والخاقانات والسلاطين. فهي المثال الصوري والإجرائي الذي تقع عليه الثورات «الإسلامية» وقوع العاشق على شكله أو نصفه المتمم، على زعم عرفاني أصيل.وعلى هذا ليس منتظر الزيدي، ولا الآلة التي رجم بها خاقان البرين والبحرين، وتمثال الجور والباطل والظلم، الشاب البغدادي العراقي والعربي المسلم والغيفاري، الى آخر أبواب تعريفه الظاهر. وبالأحرى هو لم يبق هذا. ولا يستوفي الظاهر تعريفه المشترك، البطولي والجهادي، منذ رميته، وسطوعها على الشاشات وصفحات الصحف والمنابر. فشأن الأبطال والأبدال والأولياء وأهل الكرامات، يتحدر «ذو الحذاء» (أو «ذو الخف») من الأمة ووجدانها وروحها وتاريخها المجيد مباشرة. وهو حلقة في سلسلة «الحجج على الخلق». وخليل الدليمي، رئيس هيئة الدفاع عن صدام حسين والمبادر (خطابة ولفظاً) الى دعوة هيئة من 200 محام، عراقيين وعرباً وأوروبيين وأميركيين، الى الدفاع عن مراسل «البغدادية»، تعرف في صاحب الرمية على «امتداد» «للرئيس العراقي الراحل»، على نحو ما هيئة الدفاع الجديدة هي امتداد لهيئة الدفاع السابقة.وتنافس إسلاميو الإسلام السياسي، الإخواني و «الجهادي»، على الاحتفاء بـ «ذي الخف». فتظاهروا حيث قدروا، بالنجف ومدينة الصدر ببغداد ونعلين وبعلين الفلسطينيتين (في الضفة الغربية) ولاهور وكراتشي وإسلام أباد وبيشاور. وتظاهر أنصار حقوق الصحافة وحرية الرأي والقول بلندن وأونتاريو وعواصم أوروبية وغربية أخرى. ووصفت التظاهرات الأولى صاحب الرمية بـ «المجاهد» و «البطل». واقتصر تضامن الدول التي هلل بعض قادتها وأجنحتها السياسية ونقاباتها المهنية للفعل، على بيانات وتصريحات. فمنحت جمعية «واعتصموا» الليبية، وترئسها بنت معمر القذافي (وشقيقة هنيبعل ضارب الخادمة)، صاحبنا جائزة «الشجاعة». وندد 70 نائباً مصرياً، هم معظم الـ77 نائباً اخوانياً، بـ «تعذيب» الزيدي المفترض، ودعوا منظمات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية، تلك التي تولت التمهيد بدوربان (الجنوب أفريقية) في أيلول (سبتمبر) 2001 الى غزوتي نيويورك وواشنطن المظفرتين، الى التضامن والحماية. وأفتى التجمع الإعلامي الفلسطيني بغزة في «خطوة الزيدي» بأنها «تعبير عن روح الأمة الرافضة للهيمنة الأميركية»، على شاكلة اعتقالات غزة واغتيالاتها ومقاومتها. وصفقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، رائدة خطف الطائرات المدنية الى «هانوي» الأردنية، لـ «مدى رفض الشعب العراقي للاحتلال الأميركي الغاشم». وأنكرت نقابة الصحافيين التونسيين «تعنيف الزميل أمام وسائل الإعلام وعلى مرأى من الرئيس بوش»، وهي ربما تؤثر التعنيف وراء وسائل الإعلام، وفي الخفاء عن الرئيس، أياً كان هذا. ومدح هوغو تشافيز «الرجل الشجاع»، بينما كان يوقّع شيكاً الى قادة مهربي «فارك» الكولومبية وخاطفيها، ويسدد ثمن خدمات «فيلق القدس» الحرسي الإيراني الاستخباراتية. وموكب الأقنعة الحذر يطول.وحذر القادة وأولادهم، والصحافيين واتحاداتهم، والجبهات وبياناتها، والنواب وبرقياتهم، مفهوم ومعذور. فرمية المراسل العراقي تشترك في معنيين أو طبيعتين مختلفتين ومتقابلتين. فهي رمية الضعيف ورجمه وكلمة حقه، من وجه، وهي انتهاك «حضرة» السلطان والخاقانية والشاهنشاهية «العظمى»، من وجه آخر. وعلى هذا، فالانتهاك إنما عظمته وبطولته وقدسه على قدر عظمة «الحضرة» المفترضة. والإقرار بعظمة السلطان الجائر والظالم، ولو في معرض الحط منه، وإنزاله من مرتبته العلوية الى حضيض النعل، وهو قرين الأرض والوحل والتراب والغبار، هذا الإقرار يحرج المنتهك وأصحابه وأنصاره. فينصبون بإزاء السلطان «العظيم» ضداً أو نقيضاً يصدر عنه المنتهك، ويتكلم باسمه، ويقاتل بسيفه (وصورته)، هو الأمة أو الشعب أو الضحايا. ويروي أهل المراسل التلفزيوني أنه كان يحمّل جورج بوش المسؤولية عن «خمسة ملايين قتيل عراقي». وهو رمى الرئيس الأميركي، ونعته بالكلب، بالوكالة أو النيابة عن أمة القتلى والضحايا وشعبهم. ومن انتصروا لصحافي الكرادة البغدادية الشاب، وهللوا وصفقوا، يحسبون أنهم ينتصرون لهذه الأمة، ويصدرون عنها، وعن «حضرتها» الغائبة، على قول محمود درويش المفترض شعرياً وحقيقياً نافذاً.فالمشهد المتلفز حفل تتويج مقلوب رأساً على عقب: لباس القدمين محل تاج الرأس، والتلقيب بالحيوان النجس محل المخاطبة بالتنزيه عن الدناءة، وتحميل ثقل الموتى الضعفاء عوض الاستبشار بالنسل والحرث، واللعان على خلاف قوس النصر. ولم يخفَ هذا المتحفظين من طريق البيانات والاتحادات. فهم يشتركون مع «لويس السادس عشر» الأميركي والمعاصر في السلطان و «عظمته» و «حضرته». واتخاذهم «أمة الشهداء» سنداً لا يعصمهم من السلطان الذي يحبونه «عظيماً» ولا قيد عليه. وتظاهر من تظاهر انتصاراً لحرمة حسن نصرالله، وإنكاراً للإساءة التلفزيونية إليه، هو من هذا قبيل. وإهدار روح الله خميني دم سلمان رشدي، في 1989، لم يقتصر على التذرع بمهند، الشخصية الروائية، وكان ثأراً من تصوير خميني نفسه في الرواية. وعلى الضد من هذا، لم يفهم الرئيس الأميركي سر الهوى بالحذاء. فقال: «إنه مجرد حذاء». فهو، والغرب معه، طوى قبل قرنين، ومع مقتل لويس السادس عشر كلاماً وورقاً، على قول جاك رانسيير الفرنسي، «قدس» الجسد الخاقاني، وجعل محالاً التمثيل على الأمة، الناخبة والمنحلة أفراداً وصاحبة «الحقوق»، بجسد جامع وصوفي موصول بالغائب، يبجل ويهان معاً، ويمثل على الأمة سلباً أو إيجاباً.

الاثنين، 22 ديسمبر 2008

هندية "العجايبية" وآلة التوحيد والدمج تكشّف إلهامها وفرادتها عن آلة تفريق ودمار مكبوتة لا تزال فاعلة

المستقبل،21/12/2008
استخفت الحماسة مراتب الكنيسة المارونية كلها ("نوافذ"، 14/12/2008). وفي ضوء فحص ميخائيل فاضل كتب البطريرك إلى روما
يطلب تثبيت الرهبنة الجديدة وإقرارها على قانونها ورئيستها. وتناقل الجمهور مقتطفات من فحص فاضل وكتاب البطريرك، وقرئت المقتطفات هذه في الكنائس، ومنها كنيسة حلب. ودعا البطريرك المؤمنين من رعيتها الى الإسهام في تمويل الرهبنة والدير لقاء غفارين كاملة. فشاعت كما لم تشع من قبل أخبار "قداسة" الأم هندية. وتناقل العامة من طائفتها وملتها، ومن غير طائفتها وملتها، الكرامات ("الأعاجيب") التي خصت بها. فبـ"بـركتها" ولدت العاقر ولداً بعد عقد من العقم، وشفي مرضى، ومشى مقعدون، وأبصر كليلو بصر أو عميان، وانطبعت جراحات المسيح على مؤمنين "غشم" (أي بسطاء أو سذج)، وتدفقت عيون ماء في أراض يابسة...
فخشي كهنة من غير كنيسة، بعضهم موارنة، أثر اعتقاد ولاية هندية في تدين العامة، ولم يأمنوا أيلولته ربما الى التشكك في المراتب والهيئات المستقرة، وانحرافه عن الإرشاد الكهنوتي اليومي والعادي. فما كان من أحد خوارنة حلب الموارنة، الخوري نعمة الله شراباتي، إلا ان كتب الى روما محذراً من إسباغ البراءة الرسولية على رهبنة قلب يسوع. ونبه الى ان البراءة هذه تعني إقراراً فعلياً بـ "أعاجيب" الراهبة، وتطويباً لها وهي على قيد الحياة، على خلاف مذهب الكنيسة المقرر والمتشدد في الأمر. وعمد الخوري الحلبي الى سرد سيرة هندية، ولا سيما طفولتها، على خلاف السيرة الشائعة: فروى انها كانت على خصام مع أخواتها، ومالت الى زينة البنات وبهرجتهن، وخالطت احتفالات "ماجنة" في البساتين. وإلى هذا كله وُزعت على المؤمنين تمائم تحوي خرقاً، تعود الى هندية، وشَعراً ودماً. ودعي المؤمنون، بحسب الخوري نفسه، الى زيارة دير هندية جماعا ت وحفاة، وركعوا عند قدميها، ولثموا يديها وأطراف ثوبها. وسماها أنصارها "مجد لبنان"، تيمناً بـ "نشيد الأناشيد".
وأقنع اليسوعيون رهبان دير بكركي الأوائل بشكوى هندية وسلكها، والادعاء عليها باغتصاب الدير وأخذه لقاء تعويض بخس. فرد حبر روما على تقاطر الشكاوى هذه وتواطئها بإدانة هندية ورهبنتها، في الشهر الأول من 1752، بعد نحو سنتين على رسامة الأم الرئيسة، وحكم بإلغاء الرهبنة، وبعودة أصحاب دير بكركي إليه، وإتلاف كل ما كتب وطبع في المسألة منذ ابتدائها. وأدى حكم البابا بنوا الرابع عشر الى قيام معظم الموارنة على السلطة البابوية والكنيسة "الغربية"، وإلى تعصب الجماعة المارونية، عامة وأعيان وكنيسة، عصبية واحدة واجتماعها على الانتصار لـ "قدسيتها".
فالإدانة البابوية نسبت كرامات الراهبة الى شيء أشبه بالسحر. واشتم بعض الرعية منها تلويحاً بمحكمة تفتيش. فثارت ثائرة أهل الجبل لكرامة طائفتهم، المتهمة في إيمانها وصدقه واستقامته. ورموا جمعية اليسوعيين بإذكاء التهمة والنعرة. وانضم بطريرك الأرمن الكاثوليك، يعقوب بطرس، وكان كرسيه بكسروان، الى الموارنة، وندد، بدوره، بالحكم البابوي. فجمع نازع وطني، يسميه الأوروبيون "غاليكانياً"، يناهض النازع المركزي المتشدد ("الأولترامونتيني")، جمع بين كنائس محلية متحدة بالكنيسة الكاثوليكية، وقابلة أحكامها التنظيمية والاعتقادية. ولكن تقاليد هذه الكنائس القديمة والعريقة تمنعها من الميل ميلاً غير متحفظ مع التدبير الجامع والمسكوني إذا ترتب عليه التنكر لهذه التقاليد أو لبعضها.
وأسفر مجمع ضيق عقد في خريف 1752 بروما للنظر في قضية هندية، والرد على الرسائل والكتب الكثيرة التي رفعت الى الكرسي الرسولي جواباً عن حكمه، عن إيفاد موفد من الأخوة الأصغرين بالقدس هو الأخ ديزيديريو دي كازاباسكيانا، ملم بأحوال الكنائس الشرقية وعليم بالبلاد وأهلها. فهو سبق له ان حمل "الباليوم"، أو التثبيت الى البطريرك عواد، وقضى في الخلاف بين البطريرك وبين بعض أساقفته، وترأس الأخوية التي ينتسب إليها طوال خمسة أعوام.
فألفى الأخ "الأمَّ" موضوع تقرب ورجاء وشفاعة منتشرة في كسروان وفي جنوبه المتني والشوفي. ولاحظ المبعوث البابوي ان النساء المارونيات والدرزيات (من أسر أمراء آل شهاب)، ينتظرن الكرامات عن يد العابدة وحبيسة دير بكركي، ومن طريق دمها. فالدم الذي دأبت رفيقتا هندية المقربتان والأثيرتان، كاترينا وماريا ("الرومية" أي الملكية)، على جمعه ايام الجمعة، وهو يوم الجلجلة، تحول الى مادة كرامات الأم، وإلى رابطتها بالمرضى من قاصديها والمتبركين بها. ونعى عليها خصومها، وهم لا يقلون عصبية عن أنصارها ومريديها، وضعها دمها على المذبح وعرضه للعبادة، ومبالغتها في طلب دور الهدى والأضاحي. وكان دم المرأة في الذخائر يشفي العيون، على قول مريديها، على نحو ما يشفيها لمس الراهبة بأصابعها. وبدا ان أنوثة المرأة هندية، وتوجه عبادتها وعمادة سلكها الى القلب الأقدس وعليه، يستجيبان نازعاً محلياً عميقاً الى تأنيث التدين وطبعه بطابع الرحمة والمودة والإلفة. فالنساء هن مصدر الحاجّات. وحاجاتهن نسائية: الحليب للأثداء الجافة، وألوان الصحة والحياة لوجنات الأولاد القاتمة "كالباذنجان"، واشتهاء الأكل لأطفال مصابين بالأُباء. وكانت قاصدات هندية يضطرهن السفر الى قضاء الليل في الدير. فعمدت رئيسة الدير الى سد حاجاتهن من طريق مباركة "زوادتهن" وتكثيرها.
وفي ختام مهمته، في ايلول (سبتمبر) 1753، أعلن القاصد الأخ ديزيديريو جواز تقديم النذور الى دير بكركي والتصدق بواسطته. وأعقبت تبرئةُ الدير، ورئيسته وراهباته، من تهمة السحر حكماً بابوياً قضى بإخراج الرئيسة وسلكها من دير بكركي. ولكن إجماع البطريرك والشيخين الخازنين والأمير الشهابي على خلاف الحكم البابوي اقر الأم على ديرها، بعد أن برأ القاصد ساحتها من الدعاوى الدينية الخطيرة. فاستوت هندية، وديرها وكراماتها وولايتها، عَلَماً على طائفتها وعلى مكانة هذه الطائفة ونفوذها الروحي. وانتصرت الطائفة، عامة وكنيسة، على الهيئة الكنسية الرومانية، وحملتها على الإقرار بولاية هندية، وبصحة اعتقاد العامة والمراتب الكنسية المارونية المحلية هذه الولاية والكرامات المترتبة عليها. ورضخت الكنيسة الكاثوليكية، الجامعة والمسكونية (أي المتعالية عن المعتقدات والشعائر البلدية و "القومية" الموروثة عن ماض منفصل)، لاعتقاد ماروني لَحَمَ العامة بالكنيسة، وأجمع الموارنة، أو كادوا يجمعون على تعرّف هندية، ورهبنتها وعبادتها وكراماتها، آية على اصطفاء علوي إلهي خصوا بها.

قوة القلب والتلبيس
والحق ان هذا التخصيص، أي اعتقاده، كان سبيل الموارنة وطريقهم الى الدخول في الكنيسة الجامعة والاندماج فيها. فمن وجه أول، أقرت الكنيسة الرومانية عمادة القلب الأقدس، ولم تقطع في قانون الرهبنة على النحو الذي صاغته عليه هندية ("كانت روما... تمنح الغفارين والبركات لدير بكركي ولرهبنته التي تعتبرها مؤسسة تأسيساً قانونياً"، في السنوات 1753 – 1768، على قول ميشال حايك). ومن وجه ثان سعت الكنيسة المارونية في إدخال هندية ورهبنتها ورؤاها وكراماتها، تحت القانون الكنسي العام، الرسالي والروماني، وفي تصحيح اعتقاد الموارنة ولاية رئيسة دير بكركي بحسب معايير الكنيسة "الإصلاحية". فرسم البطريرك يوسف اسطفان، في حزيران (يونيو) 1768، يوماً يُعيّد فيه قلب يسوع (يوم الجمعة الثانية بعد عيد الجسد)، ويعمل فيه من باب الوصية، ويلزم بالصوم في الأيام الأربعة التي تسبقه، ويُسمح فيه بترك الإمساك عن أكل اللحم والبياض... (وأبطلَ مجمع روما، في تموز/ يوليو 1773، العيد، وتابعه مجمع ميفوق، في تموز 1780، على إبطاله).
وما انتهى إليه الأخ المقدسي ديزيديريو، على رغم إقراره المتحفظ "أحوال" هندية، لم يكن إلا مادة أولى تناولتها بالفحص، والنقد هيئة من الكاردينال انطونيو اندريا غاثي والأخ (الاصغرين كذلك) إيزيدور مانشيني، تحت نظر البابا نفسه. وكان البابا تولى، في 1745، الفحص عن قداسة راهبة ألمانية، كريسِّنْس (من) كاوفبيرين، وحكم فيها بالبطلان. فالتقليد الكنسي الكاثوليكي، منذ الربع الأخير من القرن السابع عشر، نحا نحواً عقلانياً، متشدداً، وبدا متحفظاً عن علامات القداسة عموماً. وخص العلامات النسائية بأشد التحفظ. وصدر الاثنان، الكاردينال والأخ، عن التقليد المتشدد هذا، لا سيما ان المتربع في السدة البابوية هو أحد أنصاره والآخذين به عملاً وفعلاً.
فرد الاثنان مزاعم الأم في الرؤى والانخطاف والتجلي. وذهبا الى ان صفة رؤاها و "أحوالها" الجسمانية المفرطة دليل على قوة التخييل والحس، على خلاف المعيار العقلي الذي تزن به الكنيسة صدق الرؤى. وحكما بـ "ولدنة" ما تراه في اثناء انخطافها. وقاسا وجه الأم، في أثناء "أحوالها"، على ما سبق لأحد الكرادلة ان قاله في وجوه المتصوفات وصاحبات الولاية الصادقات. فإذا بوجه الأم المارونية، المائل الى الاحمرار وإلى الجمال في اثناء الانخطاف، يخالف ما أثبته الكاردينال جيوفاني بونا في "قانونه" من صفرة وميل الى القبح. ولم تدعُ لجنة الخبيرين الى إبطال جمعية الأم هندي، بل تركاها معلقة. فمنح الكرسي البابوي الجمعية البركات. ووصف بعض الكرادلة إنشاءها بالقانوني.
وسعى الكرسي الرسولي في "علاج" هندية وما نسبه التحقيق الى "غرورها" و "أوهامها" واعتدادها الشديد بولايتها. فأوحى باستبدال المطران جرمانوس صقر، معلم تعريف هندية وكاتبها ومعتقد ولايتها وناشر كتاباتها ومدبر ديرها، غامزاً من تصديقه وتسليمه، شأنه والحق يقال شأن كل "الرجال" الذين كان لهم مكانة في جوارها. وسمّى الحبر الأعظم الأخ كارلو اينوتشينزو دي كونيو، في أوائل 1755، معلَماً ومرشداً لعله يجعل من الروح ملهماً للأم، ويبدد ما يُلبّسه الشيطان عليها وعلى أخواتها والرعية المارونية.
وقبيل مجيء كارلو اينّوشينزو صاحب تعريف هندية الجديد، في صوم 1755، أرادت هندية امتحان ولايتها، وقطع تشككها هي في هذه الولاية. ومرّ من قبل شاهدٌ على طلب المرأة الخلاص من "المدمرة"، على ما سمتهان وهي الاسم الذي تسمي به ابتلاءها بالإرادة. فترجو "خالقها" ان يعطيها "العطية... بلا قبول اختيار(ها) المعتوق" (و "الاختيار المعتوق" نظير إرادة المريد بإرادة من غير جبر)، وأن تريد هي بإرادة الخالق وليس بإرادة المخلوق، على قول بعض متصوفي الإسلام. فقالت "للذي يخاطبها": "أريد من فضل محبتك المقدسة ان تعطيني هذه العلامات الحسية: تطبع خمس جراحاتك المقدسة بالراهبة التي لم يكن أغشم منها في ديرنا هذا ولم تكن ذي فضيلة ظاهرة ولم تعرف الأمور الروحية لأُصدّق وليركن شكي هذا بما تقوله لي". وتنقل صاحبة الرؤى عن مرشدها قوله وهو يكلمها: "طلبت علامات طبع الجراحات في الأخت ونظرتيها بعينيكي".
وظهرت "العلامات" على الأخت مباركة (بينيديتا)، قبيل قدوم المرشد الجديد. وكانت الأخت مباركة يومها، أثيرة الأم هندية، وتنام في حجرتها. فجاء ظهور الجراحات رداً مسكتاً على تململ أخوات الجمعية، وإنكار بعضهن تعسف الرئيسة ومساعِدتِها، الأخت كاترين. وأطلقت الجراحات يد الأم الرئيسة في جمعيتها، وفي ديرها، وقطعت تشككها في "الذي يظهر لها" وحسمته. وفحص الموفد البابوي، مرشد هندية الجديد، جراحات مباركة، ومعه طبيب، في 28 تموز (يوليو) 1755. وأمرها بفك رباطاتها، فرأى جراحاً "صغيرة" يميل لونها الى الزهري. وأراد تغطيتها بالشمع ليتحقق اصلها ومصدرها، فإذا ذاب الشمع استُدل بذوبانه على أصل طبيعي وإذا لم يذب استدل على أصل "معجز". ولكن الأخت كاترينا، مساعدة الأم الرئيسة، تذرعت بفقدان الشمع من الدير. ونصح المطران جرمانوس صقر المحقق بترك فحصه تداركاً "للشائعات". فامتثل الموفد للنصيحة، ولم يطلب اعتراف الأخت مباركة، صاحبة "العلامات".
وفي أعقاب سبعة عشر عاماً قالت الأخت وردة بدران، إحدى اخوات دير بكركي وراهباته وشقيقة نسيمة بدران التي ماتت قتلاً وعذاباً في أحد أقبية الدير، انها خمّنت في "أعجوبة" الأخت مباركة حيلة وافتعالاً. وروت ان شقيقتها نسيمة رأت مباركة تدوس نوعاً من الشوك المدمي، وأنها هي، وردة، رأت آلة معدنية جارحة تخبئها مباركة تحت ثوبها وتُسيل دمها بها أيام الجُمَع. وسعت هندية في التملص من إرشاد اينوشينزوا وتعريفه (سماعه اعترافها). فزعمت انها لا تفهم عربيته، وأنها تستحي من قول أسرارها وعذاباتها و "تجاربها" على مسمعه، وهو ليس محل ثقتها. ولما اقترح عليها الاعتراف بخطايا حُلّت منها، لعل هذا يسرّي عنها ثقل الاعتراف بما هو أشد وطأة، أجابت أنها لم ترتكب يوماً ما يصح نعته بالخطيئة أو حمله على عصيان المسيح. فنبهها الموفد الرسولي الى "الكبرياء" التي ينم بها زعمها. ولكن "الشخص" مخاطبها في رؤاها، سألها، في معرض الإثبات الغاضب، هل قال "ان يطاعوا الكهنة ضد إرادتـ(ـه) المقدسة ومحبتـ(ـه) الفاعلة". فلما كان الجواب بالنفي، بديهة، لم تطع موفد المجمع المقدس، وحملته على ترك إرشادها وتعريفها يأساً. وحمت هندية عجيمي، من طريق سربلة المرشد الأجنبي، أسرارها الصوفية والدنيوية على حد سواء.
وعلى هذا، بقيت وقائع دير بكركي، وأقبيته وحجراته وسخرستيته ومطبخه وممتلكاته، طي الخفاء إلى حين قدوم مبعوث أو قاصد روماني، من مجمع نشر الإيمان المقدس، في أوائل 1774، هو بييترو دي (أودو أو ده) موريتا. وكان سبقه قاصد آخر، في أواخر 1772 هو فاليريانو دي براتو. وناط الحبر الأعظم الجديد، كليمان اوكليمانتي الرابع عشر (انتخب في منتصف 1769)، بقاصده، الى التحقيق في قضية رهبنة أو جمعية الأم هندية، ناط التحكيمَ في الخلافات الكنسية والمنازعات الأهلية والسياسية المارونية المستفحلة والمتصلة. والبابا الجديد، على خلاف سلفه، كليمان الثالث عشر، جهر تحفظه عن عبادة القلب الأقدس. وتحفظه هذا هو مرآة تحفظ عن تدين "قلبي" وشعبي عامي، يقدم التصديق والانخطاف و "العجائب" على التسليك والتوسك الكنسيين. وخالف الخلف السلف في هذا. فكليمان الثالث عشر كان نصير تدين قلبي وعامي، سعت الكنيسة منذ عقود في ضبطه، رداً على الإصلاح البروتستانتي، من وجه، وتداركاً لذيول استرسال سابق مع منازع "وثنية" تحسب الكنيسة المسكونية والجامعة انها تثوي في التدين الشعبي والقومي المحلي، من وجه آخر.

مَعْقد المنازعات

ولم تنفك قضية هندية ولا تخلصت من المنازعات الكنسية والسلكية والأهلية التي أنشبت في البلاد والأهل. فنزاع الحلبيين، وهم الرهبان (والراهبات) الموارنة القادمون من حلب وجوارها، والبلديين، وهم اللبنانيون من اهل الجبل، بلغ ذروة احتداده، ودخل الفصل الأخير والطويل (1755 – 1768) الذي كان انشقاق الجناحين، واستقلالهما الواحد عن الآخر، ختامه المرير. ويلابس النزاعُ الكنسي والسلكي هذا منازعات الجماعات الأهلية و "الوطنية" (نسبة الى الموطن) والثقافية. فالمنظمات الرهبانية أو الهيئات لا تبرأ من نفوذ الأسر ومصالحها وعصبيتها. وآية ذلك، على سبيل المثال، أن 6 مطارنة من 15 مطراناً في ولايتي البطريرك يوسف اسطفان الطويلة (1766 – 1793) كانوا من بلدة البطريرك، غوسطا. وتتصل الهيئات الكنسية بنفوذ الأسر المحلية من طريق الأديرة، والكراسي (كراسي المطرانيات)، والحظوة عند "الحكام". وكان أهالي حلب، حيث يختلط معتقدو المعتقد الماروني بمعتقدي المعتقد الملكي (الرومي الكاثوليكي)، من مصادر الرهبان، وأعيان الكنيسة ومناصبها، البارزة والقوية.
ولم يحل المعتقد المشترك دون الاستظهار بالأواصر الأهلية العصبية والاستقواء بها في المنافسة على المراتب، والتشيع والتعصب. وسبق مجمع غوسطا (1768)، وهو تولى إعلان انفصال الحلبيين والبلديين الجبليين رهبنتين، احتداد المنازعة بين الموارنة والملكيين. واتصلت المنازعتان الواحدة بالأخرى من طرق شتى. وعشية المجمع هذا، في 1766، رفع يوسف اسطفان الى السدة البطريركية. وعرف عن اسطفان مشايعته هندية (الحلبية)، ونصرته رهبنتها. وهو أنكر، في مجمع بيروت (1762) وفي ولاية سلفه، طوبيا الخازن، سيامة هذا مخايل فاضل مطراناً على بيروت. وميخائيل فاضل أحد اشد المنكرين على هندية "غرورها"، على ما كان يقول فيها خصومها، و "عجايبها" وكراماتها، بعد اعتقاد وتصديق. وما كاد يوسف اسطفان يتسنم الكرسي البطريركي حتى ألحق ديري مار جرجس (بساحل علما، مسقط كاترينا، أقرب الناس الى هندية وذراعها المميتة، على زعم بعض الشهود، وأخوات أخريات من رهبنة القلب الأقدس)، وسيدة البزاز (بحارة صخر)، بدير بكركي، "كرسي" الأم الحلبية ومعقلها – قبل انتقال الكرسي البطريركي إليه، واستقرار به في 1823.
وفي أواخر عُشر 1750، تجددت خلافات الشهابيين المزمنة على الخلافة. فنازع أخوا الأمير ملحم، أحمد ومنصور، ابنه، يوسف. وتلابس المنازعات الأميرية المنازعات العصبية، الجنبلاطية واليزبكية، وهي منها بمنزلة قممها المتقلبة والمترجحة. وفي 1764، حاز يوسف ملحم شهاب ناحيتي جبيل والبترون، وألحقتا بحكمه. فأضعفت إدارة الحاكم الشهابي المباشرة الناحية الكسروانية، والأخرى المحاذية، المقاطعجية "الوطنيين" والمحليين. وبرزت قوة جديدة في الأثناء، هي قوة المدبرين، وهؤلاء هم أهل مشورة الأمراء، ومنظمو "إدارتهم" الأميرية، الزراعية والمالية، وجبايتهم، والساعون في عقلنة هذه. ويسعفهم على هذا إلمام ببعض طرائق "الفرنج" وبلغتهم (أو لغاتهم، أي الفرنسية والإيطالية)، ومخالطة هؤلاء، ومباشرة بعض تجاراتهم. والمدبر القوي، والمسموع الكلمة، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، هو سعد الخوري الجبيلي. وآلت القنصلية الفرنسية إليه، وهي دامت قرناً تاماً في آل الخازن، "أشراف" كسروان، قبله. فلما انتخب يوسف اسطفان، في الأثناء، بطريركاً، نازعه المطارنة سلطاته وصلاحياته. فرسموا كهنة وخوارنة من غير علمه، وقضوا ببطلان زيجات وانحلالها "إكراماً" لأخصائهم وذوي النفوذ واليد في أبرشياتهم، من غير احتكام الى الإجراءات المعقدة التي يُفترض الاحتكام إليها في الأحوال السائرة.
فاجتمعت المنازعات الكثيرة هذه، وهي تتحدر من مصادر وسياقات متباينة، في معمعة معقدة، اصطف (تصاف، في لغة الحرب) فيها صفان وحلفان: واحد ضوى يوسف اسطفان والرهبان الحلبيين وأنصار رهبنة القلب الأقدس، وضوى الثاني بعض أقوياء المطارنة، والرهبان البلديين، ومن ورائهم الأمير يوسف شهاب والمدبر سعد الخوري. وعلى خلاف الحال في 1750- 1752، سنيّ تربّع هندية في كرسي رهبنتها وإجماع موارنة بلاد الشام الشمالية وفلسطين ومصر على اعتقاد ولايتها، وتبرئة ميخائيل فاضل ساحتها – ألْفت المعمعة العامة هندية بعضاً من "حزب" وغرضية وطرفاً فيهما، ولم تبق مناط اتحاد "وطني" وأهلي وكنسي، ماروني. واختلطت المنازع والمصالح والميول الاعتقادية والسلكية والمذهبية والعائلية والشخصية والسياسية بعضها ببعض على نحو عَسُر معه "بناء مثال" متماسك يجري الناس المعنيون على هديه، من وجه أول، ويجري عليه تعليل المؤرخ والدارس، وتجري عليه الجماعة التي ورثت هذا الفصل من تاريخها وينبغي ان تتدبره، من وجه ثان وثالث، على ما لاحظ هيبيرجيه، المؤرخ الجامع الذي تهتدي الملاحظات هذه بهدي كتابه.
وكان إخفاق وساطة القاصد الحبري، في أواخر 1772، بين "الأحزاب" الجبلية (من البترون شمالاً الى الشوف وصيدا جنوباً، من غير إغفال الدائرة "الإقليمية" والعثمانية الأوسع)، وقضية هندية بمنزلة النواة من المنازعات هذه، كان الإخفاق هذا مقدمة تداعي الحوادث المأسوية التي أماطت الستر عن "خبايا" صاحبة "سر الاتحاد"، وعن مترتبات النهج الاتحادي والحدسي الذاتي الذي غلب عليها وعلى اصحابها (وصواحبها) وأنصارها (ونصيراتها). فغداة وصول فاليريانو دي براتو، القاصد، هربت راهبتان "هنديتان" من دير ساحل علما، أحد أديرة راهبات القلب الأقدس الى أهلهما. وكانتا هربتا من دير بكركي، وجوار الأم وحاشيتها، الى دير ساحل علما. ومع خبر الهرب المزدوج هذا فشت بعض أخبار الديرين، وتناقلت الأسماع والألسن نتفاً تشي بفظائع وغرائب مروعة. ولم يبق أثر معروف وثابت من أخبار الراهبتين الهاربتين. فهما لم تدونا "اعترافاتهما" في تقرير. ولم يتح للقاصد المستعجل، على ما يبدو، لقاء من كان ليفيد من لقائه. فوساطته مقيدة بوقت ومهمة. ولم يحتسب في الوقت والعمل تعقيد الأزمة، ولا كثرة مواردها ومصادرها، وعمق آثارها. وقدوم القاصد من دواعي انفجار الأزمة على النحو الذي انفجرت عليه. فإعلان انتداب الكرسي الرسولي مبعوثاً محايداً، من غير الضالعين في المنازعة او الخائضين في المعمعة، نيط به التحري عن وقائع منحرفة عن معايير القبول والاستقامة، والفحص عنها، يدعو ضحايا الانحراف، إذا وجدوا وأنصارهم وأهلهم وأنسباءهم، الى جهر الوقائع وتقصيها وتحقيقها.
والحق ان هرب الأختين، على غرار قدوم القاصد دي براتو، كانا نذيراً بالفصل الآتي الطويل والختامي، وتمهيداً له. فلم يكد القاصد دي براتو يترك الجبل عائداً، وينزل خَلَفُه دي موريتا بيروت فالجبل القريب، حتى هربت راهبتان أخريان، ثم ثالثة، من دير بكركي، هن ماري مكرزل (من بيت شباب) وتيريز الخازن (من درعون) واسبيرانس أو رجاء الشنايعي (من غوسطا). ولجأت ماري وتيريز الى دير عينطورة. فجازاهما البطريرك اسطفان، وهو نصير هندية ومعتقد قداستها من قبل (1770) بعد شفائها إياه من علة في اللسان، وإحدى أخواته من راهبات القلب الأقدس، جازاهما حرماً كنسياً. فحمل الحرم في حق "بنت" الخازن" وهي من جب أولاد الحصن ومقاطعجيتها، أهلها وعصبيتها على الطلب الى البطريرك، وهو المقيم بديرة الأهل هؤلاء وبعض موارده من جراياتهم وجبايتهم، العودة عن حرمه. فأقامت بنت الخازن و "اختهم"، على المعنى القرابي العربي، بدير مار يوسف الحرف بدرعون. وكان استجواب دي موريتا ماري مكرزل، ثم كتابتها شهادتها أو إملاؤها، وما شاع من اخبار دير بكركي والأديرة الثلاثة التي ألحقت به عن لسان الهاربات وأهاليهم، المقدمة التي آلت الى سقوط صاحبة الرهبنة سقوطاً مدوياً (1779).

الرسوم الخفية

وجاء في إجابات ماري مكرزل، ثم في مذكرتها، ان دير بكركي في عهد هندية نهب لانقسام حاد باعد راهبات الجبل البلديات و "اللبنانيات" من الراهبات الحلبيات. وعلى رغم قرب كاترين، مساعدة هندية وروحها الملعونة على قول بعضهم، وحظوتها عند "الأم"، فالحلبيات هن المقدمات والأثيرات. وحين ظهر التململ على الأخوات، وأشاعت بعضهن في قراباتهن أخبار التمييز والشواذ، وصادف هذا انتصاف أعوام العشر السادس (1750)، أدّبت هندية، ونواة جهاز من النساء والرجال تحلقوا حولها، المتحفظات تأديباً بوليسياً قاسياً. فالبلديات على مقربة من أهلهن، ولم تنقطع أواصرهن بهم، وعلى خلاف الحلبيات عموماً. ولبس الثوب ضرب من الاستثمار المعنوي والأهلي، ويتصل بمرافق المنافسة الاجتماعية على مراتب الرهبنة. وعلى هذا، حملت هندية، وجهازها، التحفظ والإنكار، على سعي محلي وبلدي في إضعاف قبضتها "المقدسة" على المرفق الكنسي الذي تسوسه. فأعدت للمتحفظات حجرة بطرف الدير غطت جدرانها بالفلين والخشب لتحول بين الأصوات وبين التردد في الخارج، وجعلتها سجناً. وأمرت بحبس الراهبات المتذمرات والعاصيات في الحجرة المظلمة والموصدة النوافذ والباب، أسابيع وشهوراً، وبتركهن الى الجوع والعطش والبق وروائح الغائط والبول، وضربهن وترويعهن فوق ذلك. وكانت هذه الدائرة الأولى من دوائر جهنم. والدائرة الثانية هي الأقبية تحت الدير. وهذه أشبه بالمطامير أو القبور المظلمة، بمنأى من اصداء الحياة ولو الخافتة التي قد تتناهى الى أسماع المسجونات. وقتلت الراهبات اللائي قتلن في سياقة منازعة هندية على جمعيتها الرهبانية، ومحاولتها الحجز حجزاً صفيقاً بين داخل منكفئ، تسوسه وحدها، وتضطلع وحدها بالأمر والنهي فيه، وبين خارج هو كيدٌ وشرٌّ وكفر كله، ولا تهاون في درئه ورد كيده الى نحره.
وما أفشته الراهبات المتحفظات والمتذمرات، ثم الهاربات، هو تربع هندية في سدة سلطان "شرقي" وبعيد من النسك والإمساك. فالصبية النحيلة والرقيقة الوجه والجسم، على ما وصفت من قبل، تظهرها لوحة صورت في أوائل السبعينات امرأة غليظة القسمات، منتفخة الوجه والجذع. فهي، على روايات "بنات" مكرزل والخازن والشنايعي، خلَّت نفسها الى أكل الطيور والفراخ، وأمرت بصنع خبزها من الحنطة وحدها، واشتهت من الأشربة العصير والنبيذ والعرق. وتركت حجرة الطعام المشتركة، واحتجبت عن المؤاكلة. وعللت الأمر بخشية السم، ودس "الأعداء"، وفيهم الشيطان نفسه، السم لها في الطعام. وفي حجرتها الخاصة، وهي أوصدتها في وجوه من ليسوا ولسن خواصها وحاشيتها، لبست الحرير، ونامت على فراش ناعم ذهبت المخيلات الى حشوه بريش النعام. ونسبت الى نفسها القوة ("الحدسية") على إماطة اللثام عن السرائر والطوايا ومكنونات النفوس والأجساد والخطايا. ومن المكنونات والخطايا الحَمْلُ خلسة والإجهاض. فهي ظنت الظنون في اللاتي حدست فيهن, أو رأت منهن التشكك والإحجام والتمرد. فادعت عليهن الحبل والسرقة والتدليس ومؤامرة بعضهم بعضاً عليها. وكانت الأخت كاترين، "أخت روحها" ومساعدتها وحاجبتها، طبيبة الدير أو وكيلة طبابة الراهبات. واشتهرت كاترين بخبرتها في صناعة السموم وتركيبها. فاجتمع لها من العملين والوظيفتين، الطبابة ومراقبة الطعام، الى حجابة الأم الرئيسة، نفوذ مفتش في محاكم التفتيش أو وزير تفويض.
ولم تقتصد في إعمال النفوذ هذا، على وجوه الإعمال كلها. وذهب نقولا عجيمي، شقيق الأم الرئيسة ومرشد اعتراف الراهبات بعد إزاحة ارسانيوس دياب (1761)، في 1775، الى ان كاترين كانت الآمرة الناهية، على حين حرصت هندية نفسها، في اعترافات 1778، على تبرئة ساحة المدبرة المتسلطة. فضيقت المرأتان الخناق على أخوات القلب الأقدس. وأوحتا الى الراهبات ان مصدر أخبارهما عن خطايا الراهبات هو المعرّفون انفسهم. فصد الزعم هذا الراهبات عن الإسرار بوقائع الأديرة وحوادثها الى أصحاب الاعتراف، وأوصد باباً من الأبواب المحتملة على قول الوقائع، والإقرار بها، وتراويها، أي على إثباتها وقائع وحوادث، ويشترك "مجتمع" في العودة إليها على هذه الصفة. فلما بدا ان الراهب ارسانيوس دياب يصيخ السمع الى الراهبات، وإلى نقلهن ما يرين ويعلمن من فظائع الاحتجاز، أقيل من عمله. وخلفه نقولا عجيمي. ومال هذا بدوره الى حمل أخبار المعترفات على محمل الجد، ودعاهن الى رواية ما يعرفن وما ينتهي إليهن علمه. فغضبت عليه الأم الرئيسة ومساعدتها ووكيلتها غضباً شديداً. فخاف، هو الأخ الشقيق، على حياته من القتل بالسم، على ما قال الى دي موريتا. وكان نقولا راهباً يسوعياً. وناوأ اليسوعيون، وجمعيتهم، "مذهب" هندية في الاتحاد، وفي تدبير رهبنتها. فمالت الى خصومهم ومنافسيهم، الكبوشيين. وفي 1773، أي حين خرجت محنة راهبات سلك هندية الى العلن، قضى الكرسي الرسولي البابوي بحل جمعية اليسوعيين، في ختام نزاع كنسي كثير الأوجه. فخسر نقولا عضيمي، فيمن خسروا، السند والملاذ، وبدا له انه فريسة سهلة بيد الراهبتين الشرستين.
وحجزت هندية ومدبرتها بين راهبات سلكها وبين أنفسهن، وبينهن وبين الوقائع والحقائق، من طريق أشد تعقيداً بكثير من الطرق البوليسية والرقابية والعملية المعروفة، على شاكلة الإيحاء إليهن بأن المعرّفين هم عيونها وأرصادها. فعمدت الى حمل "خطاياهن" عنهن، والقيام بها محل "الخاطيات". وسبيلها الى هذا هو المرض. فكانت تمرض حقيقة وفعلاً، وتصيبها الحمى، ويغمى عليها، وتتقيأ، ويشحب وجهها، وتغور عيناها. فإذا عادتها الأخوات، سألها أمين سرها ومعرفها، المطران جرمانوس صقر، حاسراً وجاثياً، عن سر مرضها، قالت انها تحمل خطايا الراهبات المكتومة في نفسها وجسدها، وأنها لن تفتأ مريضة الى ان تعترف الأخوات بخطاياهن. ولم تنتظر الاعتراف الذي تطلبه. فكانت تستبقه، وتعلن على الملأ "خطايا" الراهبات. فإذا امتثلت الخاطيات المفترضات، واعترفن الى معرفهن بـ "اعتراف" هندية، أي بتهمة هندية إياهن، شفيت "الأم" من الأعراض التي ألمّت بها، وأبلت منها. وأرست هندية الحال هذه، أو "الأحوال"، على معتقد.

العُظام "الهندي"

فزعمت انها لم تخطِ يوماً ولم تكذب، فهي في حل من الاعتراف والمناولة. واتحادها بـ "الشخص" أقوى من القربان المقدس. وإذا انتهكت القانون الكنسي لم يوجب انتهاك الظاهر محاسبتها. فسرُّ اتحادها يرفعها فوق القانون، وفوق القاصدين الرسوليين، وطاعتهم. وما خلا مسائل الإيمان، فلا طاعة عليها لبابا رومية، ورأس الكنيسة. وهي تطيع البطريرك، رأس الكنيسة المحلية، في سائر المسائل (ويومها كان البطريرك يوسف اسطفان طوع يمينها، على ما مر). وتعاظم عُظامها مع اشتداد المنازعات السلكية الداخلية، وانفجار الأزمات والخلافات المتصلة بتجاذبات الكنيستين المسكونية والشرقية الوطنية ومشاحنات العصبيات والأسر والأهالي والأفراد. فألمحت الى ان الأناجيل تشير من طرف خفي الى سر اتحادها، وإلى جلوسها، يوم الدينونة، مع الابن الجالس الى يمين الآب. ونسبت نفسها الى قبيلة يهوذا، وفيها نسب داود، صاحب "المزامير"، ومن صلب داود يخرج مسيح اليهود و "مهديهم" المنتظر. وأعلت الى "نشيد الأناشيد"، ولم تقتصر على الأناجيل، "البشارة" بها، وعلامة "مجيئها". فأوَّلت: "ما أجمل خطواتك بالحذاء يا بنت الأمير" (7، 2 – وهي، منقولة عن الترجمة الفرنسية، "قدماك جميلتان في صندليهما يا بنت الأمير") على قصدها هي. وانتهى بها الهذيان الى إقحام نفسها في سر الثالوث.
وأنشأ أنطون جاماتي، الحلبي، أحد رهبان الدير، مصدقاً المزاعم "اللاهوتية" هذه، أخوية سماها "عبيد الأم هندية". وخاطبها، هو وجرمانوس دياب ويوسف دياب (المطران) والمطران الآخر أرسانيوس عبد الأحد، بـ "سيدتنا"، وبـ "المجد لإكليلك وتاجك". وخاطبها المطران اثناز الشنايعي بالقول: "أومن بالذي فيك". وتُقدمها المخاطبةُ هذه على مريم. فـ "الذي فيها" مدى العمر، وربما "بعده"، على حين ان مريم اقتصر حملها على الأشهر التسعة الطبيعية. فهي إلى أبد الآبدين "عروسة المسيح هندية". وحُفظت "ذخائرها"، ثيابها الخلقة ودمها (في أوانٍ) وشعرها، ودعي المؤمنون الى التبرك بها. وجُمعت الى "ذخائر" مدبرها، ونظير كاترين في الرجال، المطران جرمانوس صقر. ولعل القرينة على ان الضرب هذا من الاعتقاد العجائبي عرضٌ من أعراض حمى جماعية وظرفية هو سريانه في الجماعة المارونية الجبلية. فذاعت في اهالي الجبل أخبار رؤى قيل ان رئيسة دير الحصن بغوسطا، بلد البطريرك يوسف اسطفان، تراها، و "يظهر" لها فيها الطفل يسوع. وعلى شاكلة كتابة المطران جرمانوس صقر رؤى الأم هندية، وقلب يسوع هو ميسم رهبنتها، عمد المطران إرميا نجيم الى كتابة رؤى رئيسة دير الحصن. وكان المطران استأذن البطريرك في كتابته، فأذن له. ولم يغب لا عن المطران ولا عن رئيسه الكنسي دور "الرائية" الجديدة في منافسة هندية على الدالة والمكانة، وفي التقليل من سطوتها. وظهرت "علامات" على "رائية" ثالثة هي الأخت تيودورا بدير الحراش، حيث كرسي المطران ميخائيل فاضل، أحد أشد خصوم البطريرك اسطفان وأقوى أنصار الكرسي البابوي.
وقبل ان يخلص قاصد الكرسي، دي موريتا، الى إبطال الإجازات التي منحتها الأم رئيسة رهبنة القلب الأقدس الى نفسها في الامتناع من الزفر في أيام الصوم والغفارين والاعتراف، ويوصي بتشتيت راهبات الرهبنة في الأديار المتفرقة وبإعداد بكركي مقراً بطريركياً، استمع الى شهادة وردة بدران وروايتها مقتل اختها، نسيمة، ولفظها انفاسها في 19 تموز 1777. فبعد إثارة الراهبات على الأختين وتهمتهما بملابسة الشيطان، على معاني الملابسة كلها، سُلّطن عليهما. فأصلينهما طوال ساعات في اليوم الصراخ والشتائم. وخلعن عنهما ثوبيهما، وانتزعن صليبيهما، وحظرن على الأختين التلفظ باسم يسوع. وأوكل الى أحد الرهبان، الأب الياس بركانا، وعاونه اغناطيوس جاماتي وحنا كيلون، ضرب الأختين ضرباً قاسياً وفظاً. فكسر بعض أضلع نسيمة، ولم يملك نفسه فحطم جمجمتها. وتركت الأخت نسيمة بدران تلفظ انفاسها من غير ان يمد أحدهم، أو إحداهن، يد المؤاساة لها. ولم يُستجب طلبها "اللوازم" من فعل الندامة وقبول المشحة، هي "الساحرة" وصديقة الشيطان، وأهيل عليها التراب من غير مراسم. ويوم قتلت نسيمة سممت الأخت روفينا بعدها بقليل. وماتت أخت ثالثة هي خادمة القلب، على ما كانت تسمى، في يوم الشؤم هذا. ويرجح ان الراهبة الثالثة توفيت في ختام مرض سابق "اختار" اليوم المشهود ليطوي ايام التعس التي قسمت لخادمة القلب. وقسرت وردة بدران على القول ان الشيطان خنق أختها. وحين علم أنطون بدران، والد الأختين، أن إحدى بنتيه توفيت، وسّط الأمير يوسف شهاب في إخراج وردة من بكركي بالقوة، فلجأت الى دير حراش، حيث المطران ميخائيل فاضل.
ولم تنته قضية هندية فصولاً. فاشتبكت خيوطها وخيوط الأحوال "اللبنانية" الأخرى، ومنازعات الأسر والعائلات والنواحي والولاة والمطارنة والدول، وتخللت النظر في القضية، وبتها، انقلابات وتبدل أحلاف وحملات وانعقاد مجامع. ورفعت القضية الى الكرادلة بروما. فنظر مجمع فيها، في حزيران 1779. فطاولت أحكامه البطريرك، والمطارنة، والأديرة (وضع الآباء البلديون يدهم على ثلاثة أديار "حلبية")، والآباء العامين، وشعائر الكنيسة المارونية وبعض أنظمتها (مثل إحلال عيد الحبل بلا دنس محل عيد القلب الأقدس، وإلغاء إلزام أيام الصوم الثلاثة عشية عيد القلب الأقدس)، من غير إمساك عن البيض واللحم. وبعثت أحكام روما، ومطاولتها رسوماً وأبنية محلية عميقة الجذور، جبهة مارونية أهلية لحمتها إنكار سلطان روما، وتصرفها في رسم المطارنة وتنصيبهم، والحرص على "الحرية الإكليركية" وعلى "السنن القديمة" والتقاليد. وصدعت روما في 1785، فرضيت بعودة يوسف اسطفان الى كرسيه. وانتقلت الوكالة القنصلية الفرنسية، في 1786، الى غندور سعد الخوري غداة وفاة والده في سجنه الدمشقي. وعقد البطريرك والمطران ميخائيل فاضل صلحاً، فخلف فاضل اسطفان على الكرسي البطريركي في 1793.
وتنقلت هندية بين الأديرة، طريدة الضغينة والانتقام، "محجوراً عليها"، على قول عبدالله حشيمة، صاحب "القديسة هندية". وفي 1782 أقرت الى المطران مخايل الخازن، النائب البطريركي في أثناء نفي اسطفان، بأن اتحادها إنما كان بالشيطان. وأذيع "إقرار هندية" في الرعايا، على حين سعت الكنيسة في مصادرة كتاباتها أو أماليها وتعقبها". وتوفيت في شباط 1798، وحيدة ومرذولة وإنما مع قبول "اللوازم". ونامت كتاباتها فوق القرن، إلى ان نشر الأب بولس عبود تقارير فاتيكانية، في ثلاثة مجلدات، "الأصول المحجوبة" (1909)، و "المجالي التاريخية" (1910) و "بصائر الزمان" (1911). ولكن تراثها العميق الجذور لم ينفك حياً الى اليوم.

الأربعاء، 17 ديسمبر 2008

استواء هندية رئيسة وأماً صورة فاعليةٍ مارونية مترجحة بين منهج السلك والأهل


الحلقة الثانية
المستقبل، 14،12/2008


لم يعدم بلوغ هندية العشرين من غير زواج، وإقامتها في بيت أهلها من غير انتقال الى الدير، الى "فرادة ذاتها في تجاربها" (فهي تقول: "... أرى ذاتي فريدة في تجاربي... بل كان البعض يقولون... ما رأينا قط أحد سلك قبلك هكذا") – لم يعدم هذا كله، مع شيوع صيتها وسعي الناس الى التقرب منها، إحراج أهلها، وإحراجها هي في دارها. وفي غضون العقد الخامس من القرن الثامن عشر توفيت هيلانة حوّا، والدة هندية، بالطاعون، وأصاب العجز والدها. فلم يبق لها ما تعتاش به بعد أن تواطأ والدها مع أخواتها وأهلها على حرمانها من سهمها في إرث الأسرة. وتنافس اليسوعيون والخوارنة الموارنة على العابدة الذائعة الصيت. فأراد خوارنة طائفتها إما رواحها الى دير لبناني، في كسروان، حيث يقوم زملاؤهم وإخوانهم على إرشادها وجني ريع مكانتها، وإما تولي واحد منهم إرشادها و "تعريفها".
فاستحصل "البادري انطون" من الأب العام للجمعية، في 1743، إجازة تنسب هندية الى الجمعية "أختاً"، آملاً في إلزامها بهذه الرابطة. وتوسل بملكيين محليين من زملائه الى استحالتها. فلم تكلمهم، وحملتهم على طائفتهم الرومية الكاثوليكية وخلافهم مع طائفتها المارونية. وفي خريف 1737، في أعقاب سبع سنين على طلب عابدات ملكيات من حلب الالتحاق بدير البشارة في زوق مكايل، على الساحل الكسرواني، أُذن لهن بالسفر الى الدير اللبناني واستجيب طلبهن. وكان اليسوعيون يسعون في جمع بنات من الطوائف الكاثوليكية المتفرقة في سلك رهبنة مشتركة من غير احتساب الحزازات التي قد تنشأ عن "تعايش" الطوائف المختلفة هذه ومساكنتها بعضها بعضاً. وكان على اليسوعيين، وهم على بعض الخصومة مع الآباء الشويريين، الملكيين، احتساب رغبة الشيخ موسى الخازن، مقاطعجي الناحية الكسروانية هذه وكبير عشيرته، في قبول بعض بناته في دير يمهره بعض أراضيه، فيحفظ هذه الأراضي على ذريته وقفاً ويحبسها عليهم.

العلانية

وأدت الحزازات بين اليسوعيين والشويريين الى انقسام الراهبات الحلبيات حزبين وجماعتين. وفي 1739 اضطرت الراهبات اللواتي ملن الى الشويريين، الى ترك دير زوق مكايل والرواح الى الخنشارة، غير بعيد من دير مار يوحنا، بالشوير. واحتكم المتخاصمون الى روما. فقضى البابا بينوا (بينيديكتوس) الرابع عشر، في 1743، بحق "الملة الرومية الملكية" في دير البشارة، وبتولي رهبنة القديس باسيل الشويرية الإرشاد الروحي والإدارة الزمنية. وفي 1746 كرر الحبر الروماني حكمه السابق ودعا اليسوعيين الى رفع اليد عن الدير، وعن راهباته. أما الراهبات اللاتي بقين في دير زوق مكايل، واخترن إرشاد اليسوعيين وسلك راهبات فرانسوا دو سال، فانتقلن الى دير حراش القريب، حيث أقمن من غير رسامة الى 1752.
فلا عجب إذا عظمت مكانة هندية عجمي في سياق تراكم الخسائر والانتكاسات على جمعية اليسوعيين، شرقاً وغرباً. واتفق ابتداء تدوين انطونيو فانتوري الدلائل على قداسة البنت الحلبية العابدة والمتنسكة، في 1743، مع ذرّ الخلاف بين الراهبات الشويريات الباسيليات والراهبات "اليسوعيات" (من طريق سلك فرانسوا دو سال) قرنه، وإدلاء البابا بحكمه الأول وإدانته الحزب اليسوعي. فناط اليسوعيون، وأنطونيو فانتوري وكيلهم على العابدة الحلبية، آمالهم بمآثر العابدة. وعقدوا العزم على نقلها الى كسروان، حيث يسعها ان تخرج الى العلانية بعيداً من القيود العثمانية. وفي وقت قريب، في 1745، استبق اليسوعيون حكم البابا في قضية دير زوق مكايل، فعزموا على إنشاء دير راهبات بعينطورا الكسروانية، غير بعيد من دير رهبانهم الرجال. وكانت وردة الخازن، بنت الشيخ موسى الخازن، استأذنت في بنائه.
وفي صيف 1746 رضيت هندية ترك حلب الى كسروان، وأذن رئيس جمعية اليسوعيين لأنطونيو فانتوري بمرافقتها الى جبل اللبناني، والاستمرار على تعليمها وإرشادها من غير قسرها على لبس الثوب، وتعليق البت في مسألة "عطيتها"، أو تأسيسها رهبنة منذورة للقلب الأقدس. وفي الأحوال كلها تولت رئاسة الدير الجديد وردة الخازن، وعرفت باسم روزاليا انتشيلاّ، وهي شقيقة صاحبي الدير شروان وجفال الخازن، ابني الشيخ موسى.
وفي الأيام الأولى من تشرين الأول (اكتوبر) 1746 تركت هندية عجيمي، في صحبة امرأة رومية وأرملة أرمنية، حلب الى طرابلس. وسافرت النساء الثلاث مع قافلة يقودها المكارية. وحطت القافلة رحالها بطرابلس. ومن طرابلس اتجهت هندية ورفيقتاها وجهة عينطورا. ووصلتها في اليوم الثاني عشر من الشهر نفسه، والحمى تأكلها. وكانت بلاد كسروان يومها تعد عشرة آلاف نفس ينزلون ثلاثين قرية. وغلب الموارنة على كسروان وانفردوا بها منذ أوائل القرن الثامن عشر. وكان سند غلبتهم هذه تكاثرهم وإنجابهم، واضطلاعهم بزراعة التوت، واتجارهم بخيوط الحرير، واجتذاب أموال ابناء طائفتهم بحلب وغيرها واستثمارها في الجبل ومرفقه الزراعي و "الصناعي" والتجاري استثماراً مجزياً.
ولم يكن ليتأتى لهذه العوامل ان تثمر قوة اجتماعية متصلة ومستمرة لولا استنادها الى أمرين متضافرين ومتكاتفين هما ظهور نوازع فردية تنيط بالأفراد والأشخاص وليس بالجماعة الإقدام على أفعال قد لا تقرها الجماعة، من وجه، وتبلور هيئة اجتماعية ترعى منهجة الأفعال الفردية في الحقل الديني، ابتداء، وتحض على هذه المنهجة في مضامير أخرى، من وجه آخر. ولا ريب في دين الجماعة المارونية اللبنانية (والحلبية والدمشقية والساحلية) والجماعة الملكية (الرومية الكاثوليكية) الى الكنيسة وروابطها السياسية الأوروبية، وإلى العلاقات التجارية الأوروبية، بظهور النوازع الفردية وبمنهجتها ورعايتها في هيئة اجتماعية مشتركة ورائدة.
وأتاحت حال جبل لبنان، شوفاً ومتناً وكسروان، في عهد الإمارة الشهابية وقبلها، بإزاء السلطنة العثمانية، أي أتاح تولي تدبيره السياسي والعسكري والمالي بالواسطة المحلية والأهلية، حماية النواة الجديدة والمختلفة. وحال دون معسها قبل ان تؤتي ثمارها وتراكم هذه الثمار. فجمع "اللبنانيون"، قبل قرنين ربما من استواء لبنان هيئة سياسية وحقوقية مستقلة، موارد فرص كثيرة، محلية وطنية و "دولية"، ودمجوها في فرصة واحدة. وهذا لا يبعدنا من هندية. فهي كانت على وجه من الوجوه صورة من صور هذا الجمع المحتمل، وسارت على حد شفرته وأرهصت بأزماته واضطراباته وإنجازاته.
ومن علامات الفاعلية الاجتماعية والسياسية المارونية الجديدة "صعود" آل الخازن في كسروان (وصيدا) والمدبرين من آل باز في الشوف، على ما أرخ ايليا حريق قبل نيف وثلاثة عقود واقتفى أثره دومينيك شوفالييه. فأهدى آل الخازن، وهم اصحاب عينطورا وزوق مكايل، اليسوعيين أرضاً، في منتصف القرن السابع عشر، ودعوهم الى بناء معقلهم بها، واستقووا بهم وبدالتهم الفرنسية. وبعد قرن من الهدية الأولى، أتبعوها بالهدية الثانية الى الرهبنة النسائية. ومنذ الثلث الأول من القرن السابع عشر (في 1634 على وجه الدقة) أنشأ شيخ آل الخازن مرفأ لزنة الحرير وتحميله وإبحاره بزوق مكايل. وبعد ربع قرن كان أبو نوفل الخازن نائباً لقنصل فرنسا، مع امتيازات نيابة القنصلية، ببيروت، قبل ان يرقى القنصلية نفسها في 1666. وفي 1671 حصل أبو نوفل من السلطان العثماني على إقطاع كسروان له ولأولاده وأعقابه.

الانقطاع والفعل

وقايض الأعيان الموارنة تعاظم نفوذهم وإعمارهم الأرض جنوباً، أديرة وأوقاف كانت بمنزلة مهور الأديرة. وفي 1736، قبيل قدوم هندية، بلغ عدد الأديرة المزدوجة (أو المختلطة المصلى والمطبخ)، للرهبان والراهبات، عشرة، ويأوي إليها مئة وستة وثلاثون راهباً وراهبة. ولم ينفع إنكار الكنيسة الرومانية الأمر، ولم يؤد إنكارها الى "إصلاحه" قبل عام 1824. فالازدواج كان ذريعة الى تقليص أعباء الدير، وإلى تقوية رقابة الأهل على النساء من طريق الرجال عموماً، والرهبان والأقارب خصوصاً. ولكن لقاء هذا ضعفت الحياة النسكية والسلكية، وتلاشت الحدود بين مراحل الرهبنة ومراتبها، وزادها العدد القليل ضعفاً على ضعف.
فكان إنشاءُ الرهبنة اللبنانية (الحلبية) بمبادرة من جبرائيل حوّا، عم والدة هندية، وأمثاله من أولاد تجار حلب المتعلمين والتواقين الى تدين أشبه بالتدين الكنسي الكاثوليكي (الإصلاحي)، كان رد جواب على غلبة الأهل على حياة الرهبنة والانقطاع. فنص قانون الرهبنة الجديدة، الى تدوين قانون مكتوب، على ترئيس رئيس عام عليها، ينتخبه الرهبان مباشرة مرة كل ثلاثة أعوام. وجمعت بين الانقطاع عن العالم وبين الفعل فيه، على المثال المتحدر من مجمع ترانت ومن المجمع اللبناني (1736) والوجهة التي سعى يوسف السمعاني في إرسائها. فكان قانونها تأليفاً بين تقليدين متباينين. وأنكر عليها هذا التأليفَ الكنيستان المارونية المحلية والرومانية الجامعة. ولكن تأليفها هذا كان يحتسب، على قدر من الدقة، النازع الفردي والمديني الناشئ، ونظيره النازع المنهجي الصارم، من غير ان يطرح دوامَ فعل التقاليد الأهلية البلدية والجمعية. وليست هندية عجيمي بغريبة عن مثل هذا التأليف كذلك. وهي جمعته بدورها بين الغلو في التجريب الصوفي الفردي وبين سطوة المرتبة والرئاسة وسلطانهما الساحق. وكان قانون رهبتها إحدى آيات إلهامها على زعمها.
ولم تكد هندية تقر في الجبل حتى تنازعها نازعان قويان. فأراد اليسوعيون ضمها الى حزبهم طوعاً أو كرهاً، "بالمحبة أو بالقسر". وألحوا عليها في لبس ثوب الراهبات النازلات دير عينطورا. أما "الشخص الذي كان يظهر (لها)" فقال لها "على القانون والرهبنة وعلى استحقاقات قلبه الأقدس"، وعلى ما سماه، مكلماً إياها، "الموهبة التي أريد ان أعطيك إياها (فـ)توضح استحقاقات سر تجسدي، واتحاد لاهوتي بناسوتي، وعظمة نفوذ الاستحقاقات من ناسوتي ومن جراحاتي الغير متناهية بفاعليتها كما أشاء".
ولما أمر الأب العام للجمعية، أنطوان غينار، انطونيو فانتوري مرشد العابدة نزيلة عينطورا، حملها على الانضمام الى راهبات الدير الذي يتولاه اليسوعيون حمّلت هندية معرّفها ومرشدها التبعة عن عصيان "الشخص" صاحب "عطيتها". فامتنع الراهب اليسوعي من احتمال التبعة، ورد بتوكيل أمره وأمر هندية الى حالتهما. وهذا الرد هو بمنزلة التنصل. فطلبت هندية الانتقال الى دير حراش، كرسي المطران جرمانوس صقر الحلبي – وهو سامه طوبيا الخازن مطراناً وقصد بسيامته تقوية معارضته البطريرك سمعان عواد من طريق استمالة الحلبيين، أو الجناح المديني من الرهبنة الجديدة، بإزاء البلديين (أو "أولاد الجبال") -. وإلى جرمانوس صقر كان يقيم بدير جماعة الراهبات الملكية والحلبيات اللائي تركن دير زوق مكايل قبل أقل من عقد من السنين، على ما مر.
وفي ختام أسبوع كان تركه الأب العام للعابدة المتنازعة، فإما تحزم أمرها وتلبس الثوب عن يد جمعيته أو تطرد من دير عينطورا، ويُغلق بوجهها بابا دير حراش ودير مار الياس الراس، أنفذ الأب العام وعيده. وكان مضى ثمانية أشهر على قدومها لبنان، حيث لا تعرف أحداً تلجأ إليه، وما تنتابها الحمى بين الوقت والوقت وتهزها. فأخرجت من عينطورا وهي على هذه الحال من الضعف والتقطع. ومر بها مصادفة "البادري انطون"، معلم اعترافها. فألجأها، شفقة، الى حظيرة المعهد اليسوعي، ثم عاد وعهد بها الى أرملة وابنها ينزلان بيتاً بين عينطورا وحراش. وتوسط الراهب اليسوعي لدى المطران صقر لعله يستقبل العابدة الطريدة والوحيدة. فلم يشأ صقر استعداء الجمعية القوية. وهو كان ألجأ الى ديره "الروميات" الحلبيات اللواتي لم يردن الذهاب الى الشوير وآثرن إرشاد الآباء الموارنة. وقبلت روميات دير حراش استقبال مواطنتهن الحلبية والمارونية. فحلت عليهن ضيفة متنقلة بين حجراتهن طوال سنة كاملة.
وحمل عنادها جرمانوس صقر، رئيس الدير، على قبول تولي اعترافها، وهو كان تردد في قبول لجوئها الى ديره. ولم ينجح غينار، الأب العام اليسوعي المشرقي، في إعادتها الى جمعيته ولو من باب الإرشاد والاعتراف. ولم يلبث المطران صقر ان اقتفى أثر فانتوري. فأيقن أن "رعيته" من أهل الولاية والقداسة، واستأنف من ابتدأه سلفه اليسوعي الإيطالي من تدوين "سيرة هندية" ووقائعها وأخبارها. وأرادت جمعية اليسوعيين الاستدراك على خروج هندية من عهدتها الى عهدة المطران الماروني، فعجلت رسامة أخي هندية، نقولا، راهباً. وأوفدت الراهب الجديد والفتي الى جوار اخته، في 1749، لعله يفلح فيما أخفق فيه فانتوري وغينار.
وكان المطران صقر دعا هندية الى مفاتحة رئيسة الراهبات الملكيات، مضيفاتها، بأمرها وأمر "أحوالها" ومشاهداتها. ففعلت على مضض. واستمالت بعضهن، ومن اللائي استمالتهن الرئيسة نفسها. وتعصبت للعابدة المريضة والطريدة راهبات جئن من بجة، من بلاد جبيل، وعلما، من ساحل كسروان. وسيكون لبعضهن، مثل كاترين العلماوية، أثر عميق في جنوح هندية، وذلك ربما على قدر تأثير هندية فيهن. فهذه، وهي في الثلاثين من العمر، اجتمع لها اختبار عقد كامل من المران والفحص الذاتيين والمنهجيين، على مثال "تمارين" اغناطيوس (اللوليولاوي – من لويولا). ولا ريب في أن "بنات" بجة وعلما الريفيات، وجلهن مولودات لآباء خوارنة، بهرتهن الحلبية المتمرسة بالرؤى و "الانخطاف"، والمصلوبة على منازعات نفسها المقيمة ومراجعاتها. فزادتها استمالة مرشدها الجديد وانبهار زميلاتها بها يقيناً بدعوتها الى إنشاء رهبنة موقوفة على قلب يسوع.
ولما فاتحت هندية مرشدها الجديد، المطران جرمانوس صقر بوعد "العطية"، أي بإنشائها رهبنة جديدة تحمل اسم القلب الأقدس، رد رئيس دير حراش بأن الجبل فقير، ولا يقوى على إعالة دير راهبات جديد ولا على مهر "بنات" ينذرن أنفسهن الى رهبنة جديدة. ولكنه سرعان ما تخلى عن تحفظه الأول، وكتب قانون الرهبنة، على النحو الذي أملته عليه هندية "الملهمة". وتحول معلم الاعتراف الى كاتب أمالي الوافدة الغريبة. وبلغ به شغفه بالأمر مبلغاً حيّر بعض المؤرخين فيما يعود الى صاحبة الإملاء أو يعود الى الكاتب (وليس ميشال حايك من المتحيرين: "فهي هي ربة الكلمة تطلقها على السامعين من حولها فيعجبون... حتى وثقوا جميعاً بأن كلامها يمليه عليها الحق الأزلي"). وأذاع البطريرك سمعان عواد قانون الرهبنة في أول آب (أغسطس) 1751.
ورسم قانون الجمعية أن يتولى تدبير الأخوية الروحي أسقف يستقر في دير بكركي، حيث استقرت "الأم" هندية من بعد، ويكون بمنزلة رئيس عام على جميع الأديار، من غير ان تنقض رئاسته "ولاية مطارنة الأبرشيات" التي تقوم فيها الأديار. ورد الأب مانشيني، مبعوث الفاتيكان و "عينه" على قضية الراهبة، مادة القانون هذه بذريعة ان الرسم ينقض حقوق المطارنة في الولاية المباشرة على أديار أبرشياتهم. ورد الرسم الذي يجيز دوام رئاسة رئيسة الجمعية مدى حياتها، أو يوجب هذا الدوام، بقوله ان هذا "الاستمرار" قد ينقلب "مصدراً للبغض والجور والاستبداد". وينسب المبعوث الفاتيكاني، وهو أحد سراة العصبية الكنسية على المرأة وجنسها، الآفات الخلقية هذه (البغض...) الى "طباع النساء"، وكأنها في الرجال أضعف منها في النساء. ويرفض الأب مانشيني تقييد اختيار المطران مرشد الراهبات بـ "رضى الراهبات". فللمطران وحده الكلمة الفصل في المرشد، رضيت الراهبات أم لم يرضين. ويذكر الرقيب الفاحص بأن الكنيسة لم ترسم "عيداً خاصاً لقلب يسوع"، وينفي علمه بما اذا كان الكرسي الرسولي "أثبت طلبة قلب يسوع التي يتلوها راهبات بكركي". ويجهل "ما قوام العيد الذي يحتفلن به من باب الوصية". ولمّا لم "تحدد (الكنيسة) ما اذا كان القلب هو المبدأ الحسي لجميع الفضائل والشواعر"، فلا ريب في إشكال غاية رهبنة بكركي، أي رهبنة الأم هندية عجيمي، وهي (أي الغاية) "التعبد الدائم لقلب يسوع".

الإلهام والغلو

وتنحو هذه الرسوم، على ما هو ظاهر، نحو تغليب الأم الرئيسة على الجمعية ولاً، وعلى الهيئات الكنسية والمراتب الكهنوتية، غلبة قاطعة لا راد لها ولا قيد عليها. وتبتدئ هندية، وهي ترسي سلكها على ركن غير مسبوق ولم يمهد له تقليد كنسي معروف ومتبع (العيد الخاص، قوامه، محل القلب من اللاهوت "اليسوعي"، الغاية من هذا الضرب المخصوص من التعبد)، تبتدئ طريقة لا مثال لها ولا معيار يُحتكم إليه في شؤونها وشجونها. ولعل إدراكها الأمر إدراكاً حاداً حملها على طلب التحلل من الرقابة "القانونية" على عمل رهبنتها، من وجه أول، وعلى اعتقادها وإيمانها، من وجه آخر. فهي فيما تقول وتعمل وتريد إنما تصدر، على زعمها، عن "شخص" تراه وتسمعه وحدها. وهي، أي ما ترويه، واسطة هذا الشخص الوحيدة والفريدة.
وإذا روت هندية عن الشخص ("إن كنت أنت سيدنا يسوع المسيح") فإنما تروي عمن تطلب إليه ان يعطيها نعمة "بإيمان حي". والإيمان الحي، على حسبها، هو خلاف الاختبار وخضوع الإرادة. وتسأل من ينظر إليها ويكلمها سؤال المنكر: "لماذا تطلب مني ان اقتبل (النعمة) باختياري وخضوع إرادتي". وتخلص الى الاشتراط على "السيد": "إن كان هذه العطية من الله ليعطيني (ليعطني) إياها بلا قبول اختياري المعتوق" أو إرادتها الحرة. فما تنكره المتعبدة الملهمة، والغالية في إجراء ما ترى وتسمع وحدها مجرى الإلهام، هو امتحان التجسد، وعقدته البشرية والإنسية: "وأريد (العطية أو النعمة) مختصة لنفسي وليس لجسدي بها حس". فيقول لها "الذي (تخاطبه)": "لم تحسي بمفاعيل الحس الروحي (...) إلا في الصعوبات فقط والضيقات المتراكمة (...) لأن ما لـ (جسدك الترابي) وميله تخصيص يناسب حسه الهيولي المادي إلا بالصعوبة فقط". ومحاورتُها الذي تخاطبه، وتلاوته عليها "حقيقة" المرتبة الإنسية، أي قيام الروح بالجسد (سَكَنُ النفس اللحم والعظم على قول المتنبي) واستحالة قيامها بغيره ومن دونه، تردان (المحاورة والتلاوة) هندية الى التراث الذي تصدر عنه، وإلى المنازعة التي تنزل منه منزلة المبنى والأساس.
وتحاكي بعض قوانين الرهبنة، وزعمت هندية أنها أُلهمتها منذ حداثتها بحلب، الأمر الإلهي. فيذهب القانون 17 الى ان المسيح "لا يدين المطيع إطاعة عمياء على ما عمله بأمر الطاعة". وهذا حض على الطاعة العمياء واطراح لها من الدِّين والدَّين جميعاً، ومن الثواب والعقاب. ويخلص القانون نفسه الى قلب "نظام" هندية: "كما ان الأخت المطيعة تخضع بالطاعة للجميع هكذا يُخضع الله لها جميع الأشياء". فلا يملك الرقيب الرسولي نفسه من القول (أي الكتابة): "ما هذه الوقاحة؟". فبولس الرسول، في رسالته الى العبرانيين، يقصر الأمر على الرب وحده، "فهو وحده كل شيء أُخضع له". وعلى هذا الأصل تتفرع فروع من مثل ان تدعى الرئيسة بصيغة الجمع "يا أمنا"، وليس بصيغة المفرد، والتماس الراهبات غفارين كاملة في 93 يوماً من السنة لأنفسهن ومرتين في السنة لكل زائر كنائسهن (ويرد هذا الرقيب الكنسي بقوله انها "طلبات جسيمة").
وكان، في الأثناء، دير صغير ببكركي يعود وقفه الى ولدي خطار الخازن، اسعد وخازن، ينتقل من سلك رهبان يقيمون به، ويرعون كنيسته، الى المطران جرمانوس صقر، مدبر الأخوية الجديدة، بإقرار البطريرك وبعض المطارنة. وفي الخامس والعشرين من آذار (مارس) 1750 اتشحت هندية وبعض صواحبها بالثوب الرهباني وأبرزن النذور الثلاثة، وأنشأت جماعتها. وعدت هذه خمساً وعشرين أختاً، نظير سبع عشرة بدير عينطورا وتسع وأربعين بدير حراش. وبين حبيسات دير بكركي ثلاث بنات مشايخ من آل الخازن، إحداهن هي تيريزة بنت الشيخ نوفل الخازن، قنصل فرنسا ببيروت.
وآذن إنشاء الرهبنة، والتصديق عليها، بذيوع صيت هندية عجيمي ورؤاها وعبادتها وكراماتها (أو "أعاجيبها"). فشد هذا إليها، وإلى الكنيسة المارونية من ورائها، موارنة بلاد الشام الشمالية وفلسطين ومصر، وجمعهم تحت لواء كنيستهم وهم قلما يجتمعون. فقوى اجتماعهم كنيستهم وجماعتهم بإزاء خصومهم وإخوتهم في الكثلكة الجامعة، "الروم" الملكيين واللاتين، وبإزاء المسيحيين من الطوائف غير الكاثوليكية، وبإزاء غير المسيحيين. فـ "ولاية" هندية لم يقتصر اعتقادها على قرى كسروان وجوارها القريب، بل تعدى الجوار هذا الى دوائر بعيدة.
وكان الآباء الكبوشيون، مدبرو دير الشوير، أول من ثارت حفيظتهم على "الولية" الجديدة. فندد رئيسهم العام، غبريل دوكانتان، بما يشاع من "أعاجيب" من كل نوع وضرب تجترحها قديسة مزعومة تسمى هندية، وهو اسم عمادتها (وهذا تعريض جارح، فليس الاسم بين اسماء العمادة طبعاً وهي موقوفة على القديسات المطوبات)، ويشرف عليها اسقف رفع الى رتبة الأسقفية في زمن الخروج عن الكنيسة (وهذا تعريض بالبطريرك طوبيا الخازن الذي سام جرمانوس صقر مطراناً). وينكر الراهب الكبوشي على هندية استقبالها الزوار مستلقية في كرسيها، وتركها زوارها، من مسيحيين "وترك ودروز"، يلثمون طرف ثوبها، وزعمها شفاءهم بوضع اليد على مرضاهم، وتوسلها بفصد دمها ثلاثين مرة وبنزفها دماً على قدر الدم الذي سال (على قولها) من جراحات المسيح.
ولقي رمي هندية بتهمة الشعوذة "الشرقية" ومماشاة شعائرها، على الضد من العقلنة الكنسية "الإصلاحية" واليسوعية، قبولاً لدى اليسوعيين الفرنسيين وأهل التدين المعتل والمهذب الذي أخذ يشيع في القرن الثامن عشر في أعقاب فورة القرن السابع وقدّيسات هذه الفورة. ولكن اليسوعيين الإيطاليين، ومنهم انطونيو فانتوري صاحب اعتراف هندية السابق ورائي رؤاها، خالفوا زملاءهم الفرنسيين في ولاية العابدة المارونية، واعتقدوها. فطارد الفرنسيون زميلهم الإيطالي وسعوا في القبض عليه، وناشدوا قنصل فرنسا بصيدا مساعدتهم على ذلك. وأمر الأب العام الراهب الهارب والمتخفي بالسفر الى الحاضرة الكاثوليكية طوعاً لقاء العفو عنه.
فلم يملك البطريرك الماروني، سمعان عواد، تبديداً للغط الذي أثاره الكبوشيون واليسوعيون، إلا تكليف الأب ميخائيل فاضل، أحد طلاب المعهد الماروني "اللامعين"، التحقيق في ما يقال في هندية، وفي شبهاتها. ولم يكن مضى على انتقال هندية الى دير بكركي غير شهرين. وبعد شهر، في أول تموز (يوليو) 1750، كتب ميخائيل فاضل كتاباً الى البطريرك يدرج فيه رهبنة قلب يسوع في مقاصد العناية، ويجعل من هندية وسلكها وسيلة من وسائل نهوض الكنيسة المارونية الشرقية الى دور مسكوني وجامع.
ولم يفت المعاصرين، على نحو ما لم يفت الخالفين مثل القس بولس عبود (1909 و1910 و1911) والأب بولس فهد (1972) – وكلهم كتبوا في الراهبة هندية عجمي – أن إدراج هندية في سياقة العناية يعهد الى الكنيسة المارونية، وإلى المسيحية الشرقية عموماً، بصدارة "وطنية". ويدعوها تالياً الى الاضطلاع بهذه الصدارة على وجوهها كلها، ومنها الوجه السياسي.
وعلى هذا كانت "حركة" هندية الدينية، من قداستها وولايتها الى رهبنتها وعبادتها، باعثاً على بلورة وطنية مستقلة بإزاء الجماعات المسيحية المحلية المتفرقة، وبإزاء التدين الكنسي الكاثوليكي. ولا عجب إذا كان "الاتحاد"، أي الصدور عن معين ملهم أول، سبيل هذه الحركة الى العلانية والعبارة. فالاتحاد من غير واسطة مرئية أو معروفة، أي من غير قيد ورقيب خارجيين وتقليديين، هو المدخل الى إنشاء وإيجاب غير مشروطين. ومن طريقه تستوي الجماعة المتفرقة والمختلفة فاعلاً وصاحب تاريخ. ومن طريقه كذلك يتعالى الفرد، امرأة أو رجلاً، على أوضاعه المقيدة.