الاثنين، 26 سبتمبر 2011

منطقة الفنادق ووادي أبو جميل... ذهاباً وإياباً

المستقبل - الاحد 25 أيلول 2011 - 
تشيد، اليوم (منذ نحو العقدين)، أعلى المباني، وأغلاها سعراً، وأقربها مطلاً على البحر وحجباً له عن المقيمين في المباني المنتشرة على منحدرات بيروت وشرفاتها ومصاطبها، غرباً وجنوباً وشرقاً وجنوباً، في دائرة سُميت، في أثناء الحروب المتعاقبة، "منطقة الفنادق" (عطفاً على "نوافذ"، "المستقبل" في 18 أيلول 2011). وقصدت التسمية دائرة أوسع من تلك التي جمعت فندق سان جورج وفينيسيا وهوليداي إن، في تدرج متصل من "العراقة" الفائتة إلى الحداثة السياحية والسوقية، وبعض فروعها القريبة في كتلة واحدة نواتها الزيتونة وجادة الفرنسيين. ووادي أبو جميل و"وطاه" البحري إلى جوار المرفأ الغربي. وتشترك أجزاء الكتلة، وهي سفوح "التلال" التي تعلوها وتطل عليها من الزيدانية والظريف غرباً إلى القنطاري وكركول الدروز والبطريركية وزقاق البلاط وطلعة الاميركان شرقاً، تشترك في قرابتها بالأجانب الكثر على أصنافهم، وفي مقدمهم الاميركيون، حول جامعتهم ومستشفاهم، والفرنسيون، حول المرفأ والهيئات السياسية وآداب المعاشرة. وتشترك، من وجه قريب، بالهجنة والجوار المختلط الذي تسوّغه علّو المرتبة الاجتماعية. وتشاطرت الدائرة وتقاسمتها، على مقادير متفاوتة، جماعات أهلية، طائفية ومذهبية وبلدية كثيرة، بعضها نزلها باكراً فكان هناك يوم كانت مدينة (داخل) السور حية. وبعض آخر تأخر نزوله إلى انعقاد الأمر إلى الانتداب ومصالحه المشتركة، من ترامواي إلى كهرباء وماء، والمرفأ قبلها جميعاً. فحملته الهجرة إلى هناك.

فلم تكد "الحرب"، على ما بدت في مستهلها الكاذب والمخادع، تنفجر حتى كان الاستيلاء على "منطقة الفنادق"، أو "تطهيرها" أو تخليصها أو التحصن فيها ومنها، في رأس المقاصد الحربية المتدافعة والمتناقضة، الرمزية والأدبية والمادية الملموسة. فهي، في حسبان المقاتلين المسيحيين وأهلهم، تتمة المرفأ والجميزة وفوش واللنبي والوادي، أي الحصون المتقدمة التي عمرها وأحياها بعد ركود النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وجددتها المثاقفة. وهي جسر النواة السكنية الجغرافية إلى أحياء مختلطة يتصدرها رأس بيروت، وتتصل من طريق شارع سبيرز، وشارع ميشال شيحا وشارع كليمنصو فالقنطاري وميناء الحصن بوادي أبوجميل وما يليه إلى الشرق. فالمرابطة بها حماية أمامية للمرفأ، حبل السرة مع الخارج على خلاف المطار الممتنع و"البعيد" والقائم في ديرة العدو. وهي كذلك عَلَم على اتصال بيروت في عهدة المقاتلين. وأعالي الفنادق، وأولها وأعلاها هوليداي إن، منصة مراقبة وقنص وقصف، نظير برج المر، في وسعها شل المقاتلين الفلسطينيين والعروبيين المسلمين، وتعظيم كلفة سيطرتهم على الأحياء القريبة.

وأما المقاتلون العروبيون الفلسطينيون الكثيرو المصادر والولاءات والتسلح، والمسلمون اللبنانيون الأهليون، و"الوطنيون" على زعمهم من يساريين وقوميين مختلطين- فتصور لهم بقاء الدائرة هذه بيد "الكتائب" استمراراً على استدخال العدو الأهلي والأجنبي الغريب والمستولي، والأثرياء الذين بدلوا جلدهم، "منطاقَهم" الوطنية، أي ديراتهم ومرابعهم وحماهم العائلي المتخيَّل. ودعا المقاتلين العروبيين إلى الحؤول دون تحصن المقاتلين المسيحيين في هذا الشطر من السهل الساحلي اتقاء القنص والقتل والشلل الناجم عنهما، ودعتهم إليه إرادة قطع أواصر الجماعات المختلطة بعضها ببعض، ورغبة بعض القيادات الفلسطينية (مثل "فتح" والجبهة الشعبية) والعروبية اليسارية في جمع سكان مختلطين تحت جناحها المشترك. وهي دواع ونوازع متضاربة. وحسم التضارب والتنازع مبادرة منظمة مسلحة فلسطينية "سورية" مشتركة (على معنى "القوات المشتركة" لاحقاً وهي اسم على مسمى فلسطيني)، شأن "الصاعقة" و"القيادة العامة"، إلى مهاجمة أحياء بيروت المختلطة، سكناً، والتجارية والسياحية، مرافق وموارد. وحمل هذه المنظمات، السورية الولاء، على شن "جولاتها" داخل أحياء السكن المختلط، في أطراف الصنايع ورمل الظريف والبطريركية وزقاق البلاط والقنطاري وكليمنصو، ومن بعدها في الفنادق والأسواق، استيلاء "فتح" وحلفائها ومواليها المحليين على جبهة طريق الشام والخط الأخضر (لاحقاً)، بين الضاحيتين الجنوبيتين الكبيرتين، وحشد المنظمة الفلسطينية المسلحة الأم، والمتنقلة الولاءات العربية غير السورية، أنصارها ومسلحيها وحلفاءها على الجبهة هذه، وحلقاتها المتفرقة.

فكان على "سوريي" المنظمات الفلسطينية المسلحة، ولبنانيي بعض المنظمات الأهلية البلدية والأهلية، السنّية والناصرية ("المرابطون" و"الاتحاد الاشتراكي"...)، إشعال حربهم الخاصة على جبهة فرعية ظاهراً. وأغرى بإشعال هذه الجبهة، الداخلية والاجتماعية والطرفية، تهديدُ الحرب عليها جماعات مسيحية ميسورة، وحملها هي وأحزابها المفترضة على نشدان الحماية من "الدولة" التي ترعى هذه الحرب وتغذيها، ومقايضة "الحماية الموضعية" نفوذاً وغنائم. ولا ريب في أن اجتياح أحياء الأثرياء و"الخواجات" المفترضين، ومصادرتها (على قول نايف حواتمة و"أبو ليلى" العراقي تيمناً بلينين وعميله الجورجي "كوبا" ستالين)، وحمايتها (على معنى الحزب "القومي الاجتماعي" حين تقاضى 600 ألف دولار لقاء جلائه عن مبنى احتله نحو ربع قرن في منتصف التسعينات) من احتلال مهاجرين ومهجرين غفلٍ من تعريف سياسي منظم و"ممسوك" على المعنى الأسدي والعمّالي المعروف لا ريب في أن اجتياح هذه الاحياء شبَّه على المقاتلين الأشداء، المتيمين بالعروبة التقدمية وبمناهضة الامبريالية، جمع النافع الى الاخلاقي والنضالي.

وعلى هذا، تعاقبت الجولات الأولى، وأغار عوام "ضحايا الضحايا" (إدوارد سعيد) من المخيمات الاقليمية، وعوام أهل الضواحي السنية، من الطريق الجديدة ونازحي البقاع الغربي وإقليم الخروب وكفرشوبا وشبعا، على دار السباء أو السبي هذه. فأجلوا السكان، واستولوا على ممتلكاتهم ومنازلهم، وحطموا المرافق السياحية والفندقية التي خلفها روادها، وأنزلوا بأرض الأنقاض والطلول والنفايات والخرائب هذه مهجَّري الضواحي الشرقية ومخيماتها، وبعض أقاربهم من بعدهم. وكان هؤلاء، بعد جلاء "فتح" على الخصوص وتشتت انصارها ومواليها المحليين، مادة الجماعة الخمينية والحرسية المسلحة، هم وأهلهم وأبناء عمومتهم وخؤولتهم. وحين وضعت الحروب الداخلية، في أعقاب تغيير أقنعة وجلود كثيرة، أوزارها، آل تقاضي أثمان التهجير وتعويضاته إلى من لم يكن لهم ناقة ولا جمل في انفجار حرب النهب والسلب والسطو بأرض السباء والخلاء هذه.

وانقلبت ارض السباء أو الدائرة العقارية التي تخلفت عنها ونواتُها الفنادقُ القديمة المتجددة وبعض الفنادق الجديدة، وذراعاها الساحليان العريضان إلى المرفأ شرقاً وإلى الروشة غرباً، والشرفات والمنحدرات المطلة عليها، ولسان "سوليدير" المولود من أكوام النفايات المجتمعة طوال 15 عاماً ولم يفتأ الناس في أثنائها "ينفون" القمامة والأوساخ والقاذورات والردم انقلبت واحة عمران وعمارة متعالية ومتنطحة. ولم يقتصر الامر على دائرة الاعمار المبرمج، فتخطاها إلى الجهات الأخرى وروافدها ووصلاتها وفروعها. وفي نهاية المطاف، الموقتة، بيع المتر المربع المبني في بعض هذه شقق هذه النواة بـ15 ألف دولار أميركي. وبلغت مساحة الشقة الواحدة في المباني العالية ألف متر مربع. وهذه الأسعار النيويوركية أو اللندنية تنسب إلى "مرحلة دبي من (مراحل) الرأسمالية"، على قول الأميركي مايك ديفيس.

ويترتب على انقلاب القاع الصفصف في دار الحرب واديْ ذهب، على ما سمي مهْجر وادي أبو جميل حين إخلائه من المهجرين وتعويضهم "أتعاب" إقامتهم القسرية في رعاية جماعتهم المسلحة والحرسية، وهو عم "ذهبه" شركة الاعمار وجماعة المقاولين في الدائرة العقارية كلها أصولاً وفروعاً، يترتب على الانقلاب لون من الاقامة بالمدن اجتماعي خالص إذا جازت العبارة. فسكان المباني هذه، في طول الدائرة وعرضها المتسعَيْن، لا رابطة بينهم غير إقامتهم الخالصة أو المحض. وهم لم ينزلهم منازلهم الفسيحة والمشرقة والمضيئة والهانئة إلا بلوغ مداخيلهم، وهي ريوع وعوائد فوق ما هي أجور ومرتبات بديهة، العتبة التي بلغتها. وهذه العتبة فردية، ولا تبلغها الجماعات والأسر إلا في أحوال سياسية واقتصادية قليلة. وعلى هذا فهم ينزلون شققهم ودورهم وطبقاتهم أفراداً وأسراً ضيقة ونواتية، أي طبقة اجتماعية مجردة. ولا يقدح في هذا شراء والدٍ سياسي ورجل أعمال وابنيه ثلاث شقق أو طبقات معاً في مبنى واحد، هو المبنى الذي مر الكلام عليه (الالف متر المربعة، الـ15 ألف دولار للمتر الواحد...). فهم الاستثناء أو هم مثاله إذا تكرر.

والشراء والبيع في هذا المرفق لا يقتصران على الاستعمال وقيمه، أي على الوجه المتصل بالحاجات وتلبيتها. وهما يحتسبان التبادل َوالسوق والربح كذلك، على شاكلة "تجارة" الاسهم والعملات. وبعض المباني المُعْلَمة لا تزال خالية، وقد انقضى فوق العقد على إنشائها وتمامها وإضاءتها، على رغم بيع بعض شققها وطبقاتها. وتعاظم ثمنها يطمئن مشتريها إلى أن سلعتهم غير خاسرة، واحجامهم عن السكن المادي والعيني قرينة حصافة تجارية حقيقية. وينزع هذا أو هو يؤدي فعلاً إلى ارساء المتصرفين في سلعة السكن والإقامة على صفتهم الطبقية المجردة، والمتخففة من روابط "طبيعية" تقيد السيولة السوقية والسهمية والنقدية، وتشد السلعة إلى شرائط مادية تحصر قيمتها بتوافر هذه الشرائط وبدوامها.

وعلى خلاف هذه الحال، وعلى طرف نقيض منها، أعاد الاعمارُ الاهالي المهجريَّن والمهاجرين النازحين الذين التحقوا في أثناء العقد ونصف العقد (1976- 1992) بمن سبقوهم إلى الاقامة بـ"الفنادق" والقنطاري وو"الوادي" وكليمنصو، إلى الضواحي الجنوبية الممتدة والمتوسعة والمنتصبة قطباً سكنياً أهلياً ورمزياً وسياسياً بإزاء بيروت "القديمة". وأتاحت العودة، وهي التحام بالأهل أو ببعض اجزائهم وليست إقامة مستأنفة في مكان واحد ، تكتيلاً طوعياً ومقصوداً جمع أهلاً واحداً في دائرة متصلة على هذا القدر أو ذاك. وكان تناثر الضواحي من قبل، بين النبعة وسن الفيل وعين السيدة وتل الزعتر من ناحية والشياح والغبيري وصفير والرمل العالي من ناحية ثانية، فرّق الأهل الواحد في "مدن" متباعدة. وإذا صدرت، اليوم، نشرة "اجتماعية منوعة شهرية، وسُميت باسم "الضاحية" ("توزع مجاناً")، تناولت في صدر موضوعاتها "آل شمص عائلة بفروع كثيرة تتوزع في أكثر من 70 بلدة" و"شباب النبعة... التهجير حولهم نجوماً في الضاحية". فروابط الدم والاسم والجوار تتقدم تعريف الجماعات، وهي مناط لحمتها وتفرقها، والعامل الاقوى أثراً في أطوارها. وهذه الروابط هي شرائط "طبيعية" سابقة، وقيد ملزم على الانتقال والإقامة، والشراء والبيع، وعلى جواز اكتساب شيء من الأشياء، مثل بيت السكن، صفة السلعة المجردة، أو انتفاء هذه الصفة وامتناعها.

وعلى هذا، سلكت الجماعتان اللتان ربطت الحروب "اللبنانية" بينهما، في هذا الموضع من بيروت، برابطة المجابهة و"التناقض"، عل قول شيوعي سابق ومتحول، طريقين شتى، سلعياً طبقياً مجرداً واستعمالياً أهلياً مجسماً. ولا يبدو أن الخيط انقطع. فعلى الشاطئ الصخري بين "الدروندي" ("مقهى الشرق" سابقاً و"الحاج داود" في وقت اسبق وأول)، شرق خليج عين المريسة ومرسى صياديها، وبين "الريفييرا" بجل البحر، إلى الجنوب الغربي من حرم الجامعة الاميركية تستحم جماعات من السابحين القادمين في معظمهم من الضواحي، وتجمعها نشرة "الضاحية" في مفرد على شاكلة منظماتها الأهلية الغالبة.

وقبل حوالي الشهر تصدرت افتتاحية رئيس تحرير صحيفة يومية "ملية"، أي شعبية باللغة الفارسية مثل "فولك" الألمانية العرقية، كتبها صاحبها بحبر وجودي ولغة سفيرية سلمانية، وروى فيها "عودة" كادحي حي السلم في ختام نهار منجمي رأسمالي وبريطاني، إلى مياه المتوسط الدافئة. ويلوم رئيس التحرير العتيد، وغير المؤسس، كادحيه على تركهم أرصفة كورنيش المنارة، والمباني المطلة، من غير الاستيلاء عليها أو، على التقليل، تحطيمها. فهي موئل "قناص" أبدي لا يزال يملأ غرف هوليدي إن، ويتناسل في عشرات المباني الشاهقة التي تحجب البحر عن أهل المدينة وتتعاظم أسعارها مع كل أزمة مصرفية أو سهمية أو نقدية أو سيادية. وتقصر عشرات "القيادات العامة" ويقصر عشرات "أحمد جبريل" الفلسطيني العروبي الأسدي القذافي عن قنصه، على ما كان قال محمود درويش مجنِّساً (على مثال "حاصر حصارك).

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

بيروت السفح والسهل والميناء جدار على البحر وجدار على الجبل


المستقبل، الاحد 18 أيلول 2011  
منذ نحو ثلاثة أشهر أو أربعة أتجنب الوقوف الثابت بإزاء النافذة الصغيرة التي يطل منها المطبخ على البحر الأبيض المتوسط وعلى الجبل القريب والمتواري شمالاً. ويُرى في البعيد مرفأ بيروت وجسور التحميل والتفريغ المعدنية وبطون الاهراءات الحجرية المكورة وأجزاء من مقدمات السفن ومؤخراتها وسطوحها وصواريها من غير أشرعة. وفي أقصى المرفأ يرى بعض سوره أو سنسوله ميمماً صوب البحر، ومبتدئاً إبحاراً يتولاه غيره ولا طاقة له هو به. والداعي إلى تجنب الوقوف والنظر المتمعن ليس ما يتراءى في البعيد، وأحدس فيه وأتذكره من وراء سطوح المباني القريبة والبعيدة وبيوت المصاعد والأدراج المدببة والمكعبة وجدرانها الواطئة وخزانات مياهها ولواقطها النحيلة والمائلة في اتجاهات كثيرة. فبين المرفأ وبين ظهر الصوصة أو تلة البطريركية، على الطريق من زقاق البلاط أو برج المر – على تسمية مادية يفهمها سواقو دراجات "الدِليفري" فوق ما يفهمون أحجية "حي ذي طابع تراثي"- إلى كركول الدروز الدارس ("كان كركول الدروز" على قوم زعيم طللي)، بين هذه وذاك حجابات صفيقة ومتدافعة من مبان لا تستقر صفحاتها أو واجهاتها ولا صورها الجانبية على قرار أو رسم. وتجتمع المباني والأسطح وظهورها النازعة إلى العلو والمتنابذة على التستر على المرفأ اجتماعَ الأهل على التستر على عيب أو على الثأر من عيب. فلا يرى منه، ولا من البحر القريب، إلا نتف يستعين المقيم منذ عقد ونصف العقد بالذاكرة المريرة والمجهدة على سلكها في صورة.
  ولكن ما لن يعتم، على وجه اليقين، أن يتوارى وراء مبنى حديث يضاهي مبنى ظهر الصوصة علواً يبدأ في منخفض عنه يبلغ طبقتين أو ثلاث على التقدير، ليس المرفأ، ولا شطر الشاطئ بين المرفأ وبين السان جورج أو لسان "سوليدير" في البحر، ولا الجزء المتوسط من زقاق البلاط شرق مدرسة مار يوسف الظهور، بل هو الخلاء الذي يلي البطريركية، المدرسة والكرسي، إلى الشمال. ولا يحول بيني، بإزاء نافذة المطبخ أو من شرفته، وبين قرميد مدرسة الحريري الثانية ومدرسة مار يوسف الظهور المتلألئ وأشجار الأولى القليلة والداكنة الاخضرار. فالقرميد والأشجار في وسط المنحدر وعلى جيد التلة – على ما كان قال الأعمام الأدباء ويقول أولادهم إلى اليوم حين يكتبون في بلدتهم ويتذكرون – أمرهما غريب. فهما، شأن مبنى البطريركية الذي بني على شاكلة سرايا عثمانية او دير جبلي وهو سبق انشاء السراي الكبير والقريب في أوائل القرن العشرين، وشأن ليسيه (ثانوية) عبد القادر الفرنسية من قبل، من بقايا بيروت قديمة وآفلة مع أفول أسر الأعيان (آل بيهم) والخواجات وسكنهم المنفصل والفسيح على شرفات المدينة الأهلية وخليطها، و(مع) طي أحياء السفراء الغربيين (البريطاني على بوابة رمل الظريف الشرقية الشمالية والألماني في "فيلا" عبد القادر الجزائري) ومدارس الجاليات والارساليات والطوائف (الأرمنية إلى الفرنسية والرهبانية الانثوية). فلم يبق قرميد إلا على مباني المدارس الواطئة، أو بعضها المتجدد عن يد رفيق الحريري التعليمي والمدرسي البلدي. ولم يبق شجر إلا في أرجائها.
  وسطوح القرميد المتبقية والقليلة صائرة الى التواري عن مطل النافذة والشرفة المعلقتين في الطبقة الثامنة من المبنى القائم في ظهر الصوصة، على مقربة من ذروة كركول الدروز وتلته العالية، والمتوجهتين على البحر وإليه. وحين يشهق المبنى الجديد علواً، ويحجب جداره المتصل والأخرس أحمر القرميد وأخضر السروات الداكن والصنوبرات الفاتح والمضيء، فيسدل كذلك جزءاً جديداً من حاجز هائل على البحر. ويصل الجزءَ هذا بأجزاء كثيرة تخرج تباعاً من اماكن مبعثرة، منذ أوائل سبعينات القرن الماضي، وربما قبلها بعقد من السنين. وتتضافر، وكأنها متواعدة ومتواطئة، على رفع حاجز يحجز بين المدينة، وأحيائها وشوراعها وأهلها، وبين بحرها وشاطئها. فإذا لم يقم الواحد في شقة من شقق المباني التي يأتلف منها الحاجز تباعاً، استحال عليه استقبال البحر ولو من بعيد. ولم يسعفه قيام المبنى الذي يسكن إحدى شققه في موضع مرتفع من التلال المحيطة بقصعة بيروت، والمطلة على سهلها الضيق بين مصب النهر شمالاً وشرقاً (أو الجميزة والرميل، تقريباً) وبين جل البحر وسفح المنارة القديمة جنوباً وغرباً (وصولاً إلى الرملة البيضاء تبعيداً).
  وينقض هذا أو يخالف بعض دواعي الرسم الذي جرى عليه إنشاء المباني والتوسع العقاري الى أحياء بيروت "المحدثة"، أي تلك التي اختطتها حركات النزوح والسكن والإقامة والجوار في أواخر القرن التاسع عشر غداة تشغيل مرفأ بيروت في ثمانيناته وغداة شق طريق بيروت – دمشق في أواخر ستيناته وعمارة الأشرفية والشطر الشرقي من المدينة في أعقاب استقرار المتصرفية والفراغ من حروب الغرضيات والفتن. فالأحياء المحدثة بنيت وارتفعت على التلال والمصاطب والبسط والأبراج والحصون والقناطر والرؤوس والطلعات المطلة على البحر وشريط السهل الساحلي الضيق. وهذا ما تشي به الأسماء القديمة ومعانيها المطوية: تلة الاشرفية او جبلها وتلة الدروز وتلة الخياط وتلة الزيدانية (أو رملها) والمصيطبة والبسطة التحتا والبسطة الفوقا وبرج أبي حيدر وميناء الحصن والقنطاري وراس بيروت وطلعة جنبلاط وطلعة العكاوي... فبناء البيوت على منحدرات التلال و"الجبال" والروابي المُصعِدة من السهل والمخلِّفة وراءها منبسطاً أو سفحاً تجتمع فيه مياه السيول المنحدرة، أخرج الأهالي من مدينة السور والمستنقع وبحر الأمواج الهاجمة. فأشرفوا على الشاطئ والبحر، وعلى الجبل إلى الشرق. وحمل الأعيان والأثرياء والميسورون الشرفة (البلكون) وعمارتها على معناها الحرفي. وكان هؤلاء سبقوا عامة الأهالي إلى رفع منازلهم وأعمدتها وشرفاتها وشبابيكها وصفحاتها الملونة وأدراجها وقرميدها على أطراف التلال وحروفها، واستقبلوا بها البحر والشاطئ.
  وعلى هذا، فسدُّ البحر بحاجز متسلسل من المباني العالية والمنتشرة في ثنايا بيروت قبل أن تنيخ بكلكلها على أمتار قليلة من الماء، يخالف معنى المدينة الذي يفهمه أهلها، وينكره، وينتهك رسم توسعها المضمر، وينقلب على أركانها البيئية وعلاقاتها بالعناصر والتضاريس التي نشأت عنها مسارحها وإيقاعاتها. وما كان في الستينات وأوائل السبعينات، عشية اندلاع الحروب الملبننة، استثناء سياحياً ومجتمعاً في دائرة الزيتونة – ميناء الحصن وفنادقها، شاع وفشا بطيئاً في التسعينات، وهجم في نصف العقد الأخير من غير قيد ولا كابح. فطوال عقد 1960 وسنواته شذ فندق فينيسيا وحده بجوار نصب فندق سان جورج أو معلمه المعماري والتاريخي، عن تواضع بالم بيتش واكسلسيور وريجيس وبيفرلي وحلقة المرابع المتصلة حول "خليج" عين المريسة. وانتصب الفندق الجديد، على خلاف جاره البحري ومينائه ونادي التزلج المتفرع عنه، مرفقاً برياً وعالياً يبلغ عدد طبقاته ثلاثة أضعاف عدد طبقات المنافس العريق بإزائه. وإذا كان المنافس شيد على النحو الذي شيّد عليه في عقد 1930 تيمناً بمثال متوسطي مشرقي فرنسي إيطالي، لازوردي (كوت دازور) جنوبي وبندقي"مشبِّه"، وشاءه أصحابُه ومعماره، مرشح الحزب الشيوعي إلى دائرة بيروت الأولى ورئيس حركة أنصار السلم في لبنان، مقصداً أو نادياً للأعيان المختلطين والأثرياء القدامى والجدد ومحترفي السفر العابر الغربيين، تخلى صاحب الفندق الجديد نجيب صالحة، احد أوائل وجوه الهجرة التجارية إلى المملكة العربية السعودية، والشركة التي أنشأها وصممت فينيسيا، عن أضعف طمع في الفرادة أو العراقة المقلِّدة. فاحتذى الفندق الأنيق والناحل والملون بلون الحجر الرملي الفاتح، على حاله اليوم بعد عقد ونصف العقد على انبعاثه وتكاثره، على مثال راج في أنحاء العالم، وقدم البساطة والخدمة العملية على المعايير الأخرى.
  وسَنَد المبنى العالي (يومها) ظهره إلى مصطبة مستوية بين قصر القنطاري (وهو تركته رئاسة الجمهورية في 1958 إلى صربا بضاحية جونيه الكسروانية قبل نزولها بعبدا) وبين مخرج وادي أبو جميل إلى دور آل الداعوق وسور حديقة القنصلية الفرنسية ومدخل عين المريسة فالجامعة الأميركية إلى آخر شارع بلس والمَطَل على كورنيش المنارة. وعلى جهتي الطريق هذه – وهي شريط عريض إذا أدخلت فيه الطريق الموازية الأولى، من كنيسة مار الياس المارونية ومبنى بنك البحر المتوسط إلى مركز جيفينور (كليمنصو)، وألحقت الطريق الموازية الثانية من برج المر وقصر القنطاري إلى مركز أريسكو، غير بعيد من المصرف المركزي، فالحمرا إلى السادات- تسابقت على الارتفاع والعلو، طوال نصف قرن تحتسب فيه أعوام الحروب الساخنة الخمسة عشرة (1975-1990)، عشرات الأبراج والمراكز والبنايات. فانقضى عقد كامل بين تشييد فينيسيا وبين انتصاب الهوليداي إن بظهره. وما أضمره الفندق الأول من ابتذال سياحي وعملي قريب، على بعض التستر والحياء الجماليين، أدل به من غير تحفظ الفندق الثاني. فبلغت طبقاته ضعفي عدد طبقات فينيسيا، وهو شيد على مرتفع. واشتطت واجهته عرضاً. واختارت إدارة "السلسلة الفندقية" التي بنته عمارة صناعية. فلم تبقِ أثراً للأعمدة، أو لأقواس النوافذ والشرفات، أو للألوان المتوسطية. فانتصب على حد المصطبة، وظهره إلى البحر وهو يبعد عنه ثلاثين متراً، مارد متجهم من غير قسمات، تعلو طبقاته بعضها بعضاً كأنها فم واحد، كثير الشفاه الممطوطة والجافة، حل محل الوجه كله وتولى العبارة عنه.  
وكان المبنى المقحم إيذاناً مبكراً بشريط متقطع ومتراصف من المباني التي تشبهه، حجباً للبحر وحجزاً بين الشاطئ وبين المباني على منحدرات التلة الغربية الشمالية العريضة من بيروت. وكان مركز ستاركو، بقلب أبو جميل، جدد مباني المكاتب بجوار فينيسيا وفي سنة قريبة من تاريخ بنائه. ولم تبلغ طبقاته العشر، إلا أنه علا المباني حوله، ويعود معظمها إلى عهد الانتداب بين الحربين. فلم يلبث مركز جيفينور، بين فينيسيا وبين الهوليداي إن وقتاً، أن انتصب على مقربة من مستشفى الجامعة الأميركية، غير بعيد من القنصلية الفرنسية. وهما معلمان تاريخيان أجنبيان شيدا، حين شيدا، في جهة طرفية من بيروت، أرضاً وجهة وسكاناً ومرتبةً اجتماعية. وكان السبَّاق إلى رفع المباني التجارية والمكتبية إلى نحو الـ50 الى 60 متراً، وإلى العمارة بالزجاج والألمنيوم. واليوم، حين أنظر من الشرفة الغربية إلى البحر، وقد استحال أفقاً وراء ركام المباني المتكأكئة والمرصوصة، أرى إلى يساري في طرف المنظر ثلاثة حروف، الجيم والفاء والياء، مضاءة بالأبيض، هو زاوية مثلث زاويتاه الأخريان اسم مبنى ليبرتي تاور جنوباً وأريسكو سنتر (بالضوء الأحمر) شرقاً. وعلى طول طريق الترامواي القديمة، من الهوليداي إن فمحطة الداعوق ومدرسة الإدارة العليا (وارثة القنصلية الفرنسية)، يبرز سنةً بعد سنة مبنى جديد لا يقل عدد دوره عن الـ15 – 20 دوراً.
وفي موازاة صف المباني هذه، على كورنيش المنارة بين عين المريسة وحرم الجامعة الأميركية، ارتفعت في السنتين الأخيرتين سبحة مبانٍ كانت حبتها الأولى، قبل نحو العقد، بناية الأحلام، وبلغت اليوم الست. وفي الأثناء تخففت عين المريسة الخلفية، وراء كورنيش المنارة، من بقية البيوت القديمة الواطئة، وكانت زينة هذه الجهة من الشاطئ لعين المسافر القادم من البحر، وراحة جسم المقيم ونفسه. وترتفع يوماً بعد يوم إلى جنب الطريق الضيقة، أبراج يكاد يتسع الواحد منها إلى سكن حي كامل. وعلى الجهة المقابلة، على الطريق المفضية إلى المرفأ، بإزاء فينيسيا، يتوسط فندق فورسيزنز كوكبة من المباني المعلقة. وهي مقدمة مبانٍ تشيَّد وراءها، على المنحدر من "تلال الوادي" (وادي أبو جميل سابقاً) إلى كورنيش المرفأ، وبين ستاركو شرقاً ومركز بنك المتوسط غرباً.
 فإذا خرجتُ إلى شرفة الشقة الجنوبية – وهي كانت إلى سنتين ونصف السنة تطل على بيوت أثرية من طبقة واحدة، وتستظل أشجاراً معمرة وباسقة تحف قصراً متهاوياً ومقفراً، وخَلَفها مبنى جديد من 13 طبقة بينه وبين الشرفة 5 أمتار – ووجهت وجهي إلى الشرق، حجب الجبل أو كاد صف من المباني يتصل من الصيفي والتباريس شمالاً وشرقاً، حيث برج الغزال منذ عقدين وبرج التباريس منذ سنتين، إلى اليسوعية وفرن الحايك ومار متر والأشرفية (التلة نفسها). وخط "الجبهة" الصفيقة هذه يتوسط الأشرفية، على معناها الواسع، على طول الحرف الفاصل بين منحدريها، الشرقي إلى السيوفي والغابة والجعيتاوي، والغربي إلى الناصرة والسوديكو واليسوعية. وبرج رزق هو شيخ هذا الصف، ونظير برج المر ومعاصر بناء لم يكتمل ولم يبلغ غايته بعد نحو 4 عقود من ابتدائه. فإذا دار العمران دورته، ومضت اسعار العقارات على تعاظمها، ألفى ساكن تلال المدينة النازل بين سفح الجبل وبين شاطئ البحر نفسه بين جدارين أو سورين: واحدٍ يسدل على البحر وآخر يحجب الجبل.  

الأحد، 4 سبتمبر 2011

العلاج بـ"المقاومة"... واشتراكاته المميتة

المستقبل - الاحد 4 أيلول 2011
لم يغب عن أحد أن الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية العربية والإقليمية (إذا جُمعت إيران "الخضراء" إليها، ولم تستبعد منها وجوه من الرغبات والنزعات التركية...) سكتت عن مسائل "قومية" واستراتيجية ثقيلة وراهنة، وأطنبت في تناول المسائل الداخلية، الدستورية والاجرائية الإدارية والاجتماعية. وفي أحيان كثيرة، ظهر الإطناب، شأن السكوت والعزوف، في الأفعال فوق ظهوره في الأقوال. فمشاهد ساحة التحرير بالقاهرة والفصول التي سبقتها وأدت إليها، ومسيرات المدن والبلدات والأحياء السورية وشعاراتها، وملابسات نشأة المجلس الوطني الانتقالي الليبي ببنغازي ومسيراته العسكرية من بنغازي في الشرق والزاوية في الغرب ومبادراته على الجبهة الديبلوماسية، ودور بلدة بوزيد في بلورة الحركة التونسية هذه كلها أسفرت عن اشتراك الحركات في وطنية مدنية عامة ومسالمة (ما وسعها الأمر)، وإمساكها عن إعلان الانتساب الحاد والمقاتل إلى قطب إيديولوجي أو اعتقادي من الأقطاب القائمة والكامنة.

وبعضهم ينسب هذه الحال إلى الخبث والنوايا المبيتة، أو إلى تكتيك قد يكون أكثر نجاعة من خطط العسكري الفذ والممثل المسرحي الفريد المتحدر من قذاذفة سرت وسبها. ولا يعدم هذا التعليل حججاً. وليس أقل الحجج وزناً قوة التيارات الاسلامية في البلدان والمجتمعات المتحركة، وقِدَم تراثها في التنظيم والتعبئة، وبداهة تواطئها مع النزعات الشعبية الأولية، وتوسلها بشبكة المساجد والجمعيات الأهلية المتفرقة وتوافر الموارد المحلية والعربية لها... وإذا صح أو صدق هذا الاحتجاج في تعليل نهج بعض التيارات الاسلامية في مراحل متأخرة من الحركات المدنية الديموقراطية تواقتت و"انتصارها" أو بشائره الظاهرة، فإنه لا يصلح في تعليل قيام هذه الحركات ونهوضها أو "خروجها" على الطواغيت.

ولكن الأقرب إلى الملاحظة المباشرة والسطحية ربما هو افتقار الحركات المدنية هذه إلى "سياسة"، أي إلى نهج في تدبير ولاية الدولة والجماعة الوطنية السياسية على علاقات الداخل ونزاعاته، وعلى علاقات الخارج ونزاعاته. فهي تبدو حركات غير سياسية، قياساً على جهرِ الجماعات الحاكمة المستولية، وبعض الجماعات الأهلية المستعلية على أهلها ومجتمعها و"دولتها"، ملابستها وحدها السيادة والقوة والصراع والمناعة و"الصمود" والمكاسرة، إلى آخر المصطلح الخطابي الحربي والقومي الديني. فمن الانقلابات العسكرية العربية الأولى، في النصف الأول من القرن العشرين، إلى خلايا "القاعدة" والمنظمات "الجهادية" المتفرقة في أواخره، وبين هذه وتلك منظمات التحرير الوطني العسكرية والأمنية الكثيرة كان تحصيل القوة، ومكافأة قوة العدو وحلفائه، مسوغ هذه كلها. وهو لا يزال مسوغ دوامها للذين يتربعون في سدتها، والتمسك المستميت، بمقاليدها. وحَسِب أهلُ القوة، على شاكلة نائب رئيس سوري سابق، أن معارضيهم قاصرون عن "إدارة مدرسة ابتدائية". فالأحرى أن يقصروا عن هذا "الشأن العظيم" (على قول بعض المعصومين في الولاية) و"الكينوني"، على قول بعض مريديهم الذين يتصدون اليوم لإنفاذ خطة الكهرباء (اللبنانية) وقطع الموازنة واختصار السنة السجنية وتعقب مخالفات البناء وجمع القرائن على اغتيال اسرائيل "آباء" أنصارها ومريديها.

وتسلطت "الدولة"، وهي اختصرت في أجهزة القوة والانفاذ وقياداتها إذا لم تُصرف هي وفكرتها من العمل وتبطل هيئاتها ومؤسساتها وأجسامها أصلاً (على ما فعل القذافي وأصَّل الأمر نظرياً)، تسلطت على الاجسام الأهلية والاجتماعية والموارد والهويات وشاراتها، وسطت عليها. واصطنعت بدائل لها وأقامتها محل الجماعات، وألحقتها بأجهزتها، وحالت بينها وبين الفعل والنماء وحالت بين الأفراد وبين حرياتهم واختباراتهم. وحملت سيرةَ المصادرة والتسلط والقهر على ضرورات مراكمة القوة والاعداد لحرب فاصلة. وقد تدوم الحرب الموعودة قروناً. وقد لا تقع، وينهار بيت العدو العنكبوتي أو يعجل فرج صاحب الزمان في انهياره. وفي الاثناء لا مناص من "السير على تعبئة" أو "كبكبة"، على قول الطبري في الخوارج خصوصاً. والتعبئة أو الكبكبة تعني الاستثناء والطوارئ والأحكام العرفية والحق في القتل من غير إنذار وفي التهيئة من غير احتياط، تقي وقوانين الأحزاب والإعلام المتعسفة من جهة الحاكم والمسؤولة من جهة الرعية، وامتيازات "أبواب العزيزية" وأسوارها العالية، والثأر الدهري من مظالم من "حكمونا" دهراً بالتعسف والقتل ورميهم بالامبريالية والعمالة والكيل بمكيالين والخروج على القانون والحق إلى قيام الساعة. وهذا نظام حرب أهلية دابة وأحياناً منفجرة، حصنه عصبية جماعة مستولية ومهددة على الدوام.

وهذه كلها إذا اجتمعت، على ما حصل في غير مجتمع عربي في نحو نصف القرن الأخير، ترتب عليها تصديع الدولة الوطنية وأبنيتها السياسية والحقوقية والإقليمية (حدودها والتزاماتها الجغرافية) والإدارية التقنية. فتذهب الطبقات الحاكمة الصعبية العشائرية والبيروقراطية، إلى أن مراكمة القوة تسوغ انتهاك الحدود والقيود التي تقوم الدولة عليها، وتفترضها على وجه الحاجة والضرورة كثرةُ الجماعات وتنازع المصالح والهويات الجزئية. ويؤدي ترك الجماعات والطبقات الاجتماعية والافراد نهباً لجماعة خاصة وأهلية متسلطة إلى حمل دفاع الجماعة أو الفئة أو الفرد عن نفسها (أو نفسه) إضعافاً لقوة "الدولة"، وتواطؤاً عليها مع العدو الكثير الوجوه والأقنعة. وعلى هذا، فعدو "الدولة" العشائرية والبيروقراطية الأول والعنيد هو مجتمع الجماعات الكثيرة، الدينية المذهبية والمحلية والعصبية القرابية والقومية، والمصالح المهنية والسلكية والطبقية، والانتماءات الطوعية الحزبية السياسية والجمعية والفردية الثقافية الذوقية. والكثرة هذه لا "علاج" لها بالدولة وأبنيتها التمثيلية والقانونية والسيادية، وعلانيتها وإقرارها بالمنازعة والخلاف والتحكيم والاقتراع. و"العلاج" الثاني هو الارهاب أو "الاستئصال"، على قول جزائري سار وذاع في أعوام الحرب الأهلية (1992 1999).

ولم يشك أهل القوة المستولون، وهم من العسكر ومن شُعَبه الأمنية، أو من أحزاب تصل متعسكرة ومن جماعات ضعيفة وهامشية وفقيرة على وجوه الفقر كلها، لم يشكوا في أن تقييد السلطان المرسل بالدولة الوطنية وأبنيتها وقوانينها، وبالمنازعات الاجتماعية وعلانيتها وكثرة الجماعات والمواطنين، يقضي بشلل السلطان. ولا يترك للولاية والقيادة والاستيلاء إلا حصة ضئيلة لا تليق بهم ولا تمكنهم من حماية سلطانهم وعصبيتهم، ولا من اضطلاعهم بالمهمات القومية والسيادية العظيمة التي يريدونها لأنفسهم وأولادهم وعصبيتهم وأنصارهم و"أمتهم".

فيسعى السلطان العصبي والبيروقراطي المرسل في تصدر المعارك والساحات "القومية"، إما من طريق تفريق الجماعات الوطنية والمحلية الهشة واستعداء بعضها على بعض، وإرهاب بعضها وشراء بعضها بالواسطة. فيستدخل مباشرة او مواربة الكيانات الوطنية القلقة والمترجحة. والقلق والترجح حالها كلها. ويؤلب الجماعات الواحدة على الأخرى، والكل على الكل أو الأجزاء على الأجزاء. ويغذي المنازعات والشبهات بالاغتيال والتسليح والتكتيل والعزل والحماية. فينبغي أن يظل أفق الحروب الأهلية، وليس الحرب الواحدة و"الجامعة"، ماثلاً وقريباً، وتبقى جذواتها حية. وينبغي ألا تنفك المنازعات الأهلية من خيط يربطها بجبهة "الحرب على الغرب" وامبرياليته وصهيونيته وصليبيته وعدوانه الشرس على الوطن والأمة والسيادة والوحدة. وكل تحفظ عن القيادة وحكمتها هو خروج وحرابة، على قول بعض قضاة طهران الحرسيين والميدانيين وحسبان ضباط الجهاز الأسدي وأبنائهم وأبناء مواليهم. فتماسك الكتلة الأهلية "القومية" والاقليمية، ومرآتها جبهة أحمدي نجاد نصرالله "بشار"، رهن أعمال التصديع الداخلي والتأليف الاصطناعي المديدة هذه.

وما صنعته أنظمة حزبية وعسكرية وأمنية في بلدانها ومجتمعاتها ودولها من "فوق"، من مناصب الدولة وقمم الأجهزة العالية والنافذة والمتسلطة، صنعت مثله على صورة أتم وأبدع، بواسطة القوى والجماعات والمنازعات الأهلية والمحلية في الجوار الفلسطيني واللبناني والعراقي. فرفعت القوى والجماعات انجازها على انقاض الحروب الداخلية المتشابكة بالحروب والنزاعات الاقليمية. وتولت أذرع "المقاومة" ("الاسلامية")، كل واحدة في دائرتها المتخلفة عن دولتها الوطنية المفترضة، ما سبق أن تولته الأجهزة العشائرية البيروقراطية في اطار "نظامها" (الصدامي، الاسدي، القذافي...) المزعوم. فكتلت جماعاتها الأهلية كتلة مرصوصة ومستقلة في سياق انشاء جبهة ثابتة ومشتعلة مع الاحتلال، وفي سياق اشتباكات فرعية مع أعداء الداخل والحلفاء الفاترين، والجماعات المتحفظة. ودعا تسليحها وعسكرتها وهيمنتها على قرار الحرب الجماعات الأخرى إلى الانكفاء والتحاجز ونشدان الحماية.

ففشت "طائفية" عصبية حديثة، بل شديدة الحداثة والبيروقراطية والتنظيمية والشبكية. وجمعت في حزمة واحدة الروابط المباشرة والدموية إلى شاغل الاضطلاع بالخلاص الكوني. وشبكت مدخل الشارع الضيق بجادات العولمة وطرق التموين الحيوية، على قول الجنرالات الجويين والبحريين الايرانيين في وصف مناوراتهم. واستخلصت "المقاومة" من الاقليم المتصل ديرات ومضارب وحارات ومسالك استقلت بها وحدها، وألحقتها بمراكز اقليمية، ودمجتها فيها. واستدخلت أبنية الدولة وهيئاتها وإداراتها وأجهزتها، واقتطعت حصصاً منها معاييرُ عملها ووظائفها هي معايير ولاء "المقاومة" ومهماتها. فاستحال إجماع الحد الأدنى العملي. وما ابتدأته الأجهزة المستولية في "الدولة" من تصديع الدولة الوطنية، وتشطير جماعاتها وأقاليمها، وتحاجز مواطنيها واستعدائهم على الحكم وفكرته، تولت "المقاومة" وجيوشها الخاصة وجماهيرها التي تعيلها وتحشدها وأحكامها العرفية وحروبها الماثلة والوشيكة، استتمامه وتتويجه وإنزاله من ذرى السلطة إلى زوايا الجماعات المعتمة.

وترث الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية الدمار الفظيع والثقيل الذي خلفته "سياسة" الأجهزة المستولية، وأحالت دولها ومجتمعاتها إليه. ومفهوم الولاية أو السيادة هو في منزلة الركن من الاستيلاء وسياسته. فمن طريقه وذريعته نفي المجتمع وجماعاته من الدولة، وتدبيرها، واستعدي بعضها على بعض، واختصرت الرابطة السياسية في التعصب على "الخارج" والحرب على "العدو" والولاء للجهاز المتسلط. وقوضت أبنية الكيان الوطني السياسي، وحلّت في مدى لا ناظم له غير علاقات القوة والعنف. وحملت الحدود والقيود الجغرافية والقانونية والوظيفية على تعسف لا مسوغ له غير احتيال الطاغوت على المستضعفين، وتحكم الامبريالية في الجماهير والشعوب. ولعل هذا النهج في رأس الدواعي إلى نشأة الحركات هذه، والقرينة الأقوى على جدتها وحداثتها وسياسيتها. والانعطاف لا يزال في بواكيره.

الأحد، 28 أغسطس 2011

سقط الطاغية ... فأين "المقاومة"؟


المستقبل، 28/8/2011
  أوقع انهيار "جماهيرية" معمر القذافي – بعد نحو خمسة أشهر من قتال مركب اختلط فيه المقاتلون الليبيون، المرتجلون والمتفرقون أهواء ومصادر ومصالح، بقوات الأطلسي الجوية واستخبارييها الأرضيين ومموليها الخليجيين وبـ"قوات" الإعلام المتلفز واليقظ – شطراً من الآراء العربية "العامة"، ومذاهبها وتياراتها، في حيرة تتفاوت شدتها بين قطاع رأي وآخر. فلم يشك بعض الشطر هذا في أن جموع الليبيين، من نفوسة غرباً إلى بنغازي شرقاً وبينهما مدن الشمال النفطية، لم تكن إلا وقود حرب "الأطلسي"، الأميركي ولم لا الاسرائيلي من وراء الستارة، على جزء من الوطن العربي أو جزء من المسلمين وأمتهم. وذلك تمهيداً لاستكمال نهب ثروات الشعب المنكوب، وزعزعة هويته. وعليه، فحال الأمة في أفغانستان وعلى الحدود الأفغانية – الباكستانية وفي العراق وفلسطين ولبنان وسوريا، والخليج أو ضفته الغربية، واحدة. وتدعو إلى المقاومة والممانعة والتصدي للاستعمار في حلله المتجددة.
  ولا يحمل هذا الرأي أصحابه على تخفيف حكمهم في معمر القذافي، أو على التردد في نعته بالطغيان والانحراف والتبديد والجنون والاجرام. وبعضهم يمزج هذا كله بعمالته للأميركيين وتآمره وإياهم ومشورتهم. فينتهي أصحاب الرأي المترجح، وهو رأيان متفرقان، إلى حال يرثى لها (إذا كان ثمة من في وسعه أن يرثي): فالسلطان الذي يستحق ألف مرة أن يطاح إنما يطيحه من تحوم عليهم ألف شبهة، ليست أولاها قاعديته البن لادنية ولا الأخيرة أطلسيته المعيبة والفاضحة. وهذا دور يدور ولا يُخرج منه. والحق أن أصحاب هذا الترجح يستطيبون الدوران في حلقة الزار هذه. ولهم أجران عظيمان على بكاء مزدوج: واحدٍ يندب الاستبداد ولعنته وتناسله، وآخر يسيل دماً على هجنة الأمة المخدوعة والمغدورة من بيت ابيها وعترتها.
  وما كان كامناً في الموقف من الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية العربية سوغت له الحركة الليبية المتعثرة والمترجحة – في أعقاب نيف وأربعين سنة من مساعي نفي الليبيين من ليبيا، وإخراجهم وطردهم منها مادياً ومعنوياً (على وصف أحمد ابراهيم الفقيه النفَّاذ، في "الحياة" اللندنية، 22 آب الجاري) – الظهور إلى العلانية قبل أن يفتضح مع الحركة السورية. فتصفيق بعض ضباط الباسدران، وحجج المعممين على منبر جامعة طهران، المعتدل والموارب للحركة المصرية (وهم لم ينتبهوا للحوادث التونسية البعيدة والراطنة بلغة وطنية ومدنية) دعاهم إليه إسقاطُ الحركة طغياناً داخلياً متعسفاً وثقيلاً يرتدي حلة جغرافية استراتيجية "أميركية"، أو غربية، ومناوئة حكماً للسياسة الإيرانية العسكرية والإيديولوجية المذهبية والتوسعية. وزعمت دعاوة الضباط والمعممين بإيران،  و(بعض) لبنان والعراق وسوريا (حيث الضباط والأهل آيات وألوية معاً)، أن السبب في الخروج على الوالي الظالم ليس ظلمه وفساده واستبداده بالأمر و"الحال" وحده وقهره "الرعية" وإذلالها، بل مسايرته بعض السياسات الخارجية الفظة، وتصديه لمطامع إقليمية (إيرانية) تفوق فظاظتها فظاظة السياسات الأميركية؛ وتورث اقتتالاً مدمراً لا تُرى خاتمته.
  وتذرعت السياسة الايرانية الحرسية والمذهبية بالوجه الثاني الذي سماه متظاهرو ساحة التحرير بالقاهرة "كره الاميركان" (في هتاف أول هو "لا مبارك ولا سليمان/ احنا كرهنا الاميركان") إلى غمط الوجه الأول والبارز الذي عاد إليه المتظاهرون المصريون، وصدروه حركتهم، وسموه "إسقاط الطغيان" (ولخصه هتاف نسخ السابق "لا مبارك ولا سليمان/ يسقط يسقط الطغيان"). ويندرج التذرع في صنيع سياسي لا يمت الى التحري عن حقيقة الحركة المدنية الديموقراطية والوطنية، وعن منازعها العميقة، بصلة أو بسبب. فما يسعى فيه قادة الباسدران وخطباء الجمعة في طهران وقم، ويريد جمعَ فُتاته وأكله أركانُ الأجهزة الخاصة الأسدية وعصبيتهم، هو الاستيلاء على رافعة أو عقدة مسالك ومحاور تخولهم مد نفوذهم إلى الجماعات القريبة من مركز السلطان والبعيدة. ومناهضة القوى والدول الكبيرة والنافذة، وحمل النزاع (الفعلي) معها على نزاع واحد ثابت ومطلق، هي رافعة مجربة، متناسلة ومتصلة منذ الحروب الصليبية (أو فتح خيبر، على ما يهتف بعضهم) إلى هبوط طائرة جيفري فيلتمان بمطار بنغازي في طريقه الى القاهرة.
  وتمييز إسقاط الطغيان، أي الحركة الديموقراطية الساعية في لجم السلطة المتعسفة والمرسلة وتقييدها بهيئات الدولة التمثيلية والدستورية القانونية وبمصالح المجتمع والجماعات المتفرقة وكياناتها التاريخية الموروثة والمتجددة ،من كره الاميركان، وهو الكناية الظرفية عن المطالبة بالاستقلال الوطني والندية الدولية الكريمة والعادلة والمسؤولة، لا ينفي علاقة التبعية بالاستبداد السياسي. ولكن المثال الايراني – الخميني، والسوري – الأسدي قبله، والليبي - القذافي، يكذب صيغة العلاقة في حلتها أو حللها الإيرانية والسورية والليبية وغيرها. فالحلل هذه جمعت وتجمع نزعة قومية "استقلالية" وعدائية متطرفة الى استبداد سياسي وبوليسي لا قيد عليه لا من داخل ولا من خارج. والمفاضلة بين النازعين، على ما لا ينفك يصنع التخيير الإيراني الحرسي والسوري "الجمهوري" والمدرع بين الانصياع وبين الخيانة، تتحول عبثاً ولغواً حين يختصر الاستبداد المذهبي العصبي والجهازي البيروقراطي السياسة، والحياة السياسية كلاً وجميعاً، في "مقاومته". ويترتب على "مقاومته" وعلى مكانتها، في المركز وفي الأطراف والولايات، تصديع أبنية الحكم والدولة المدنية والقانونية، ومصادرة الحريات والحقوق الشخصية والعامة، والتحريض على الحرب الأهلية، وترسيخ تفاوت حاد وملح بين جماعات السكان والأهالي والأفراد، والانقطاع من أطوار العلاقات الدولية ومكتسباتها، وإناخة القوة المتسلطة العصبية على المجتمع وعلاقاته وحاجاته.
  وتعريف الحياة السياسية على هذا النحو، وإرساؤها على هذه الأركان والمباني، قادا إلى الموقف من انهيار القذافي ورهطه. وقادا من قبل الى الموقف من انهيار سوريا الأسدية، على صورتها القاتمة الموروثة من نظام الوحدة الناصري ففصول البعث الثلاثة أو الأربعة (إذا عد حكم الوارث فصلاً مستقلاً). فتسويغ اجتثاث السياسة، وخلافاتها ونزاعاتها ومداولاتها وتحكيمها ومساوماتها، بضرورات الاستقلال والانكفاء والمناعة القومية، لا يُخرج منه إلى أفق زمني أو إلى سياسة إصلاحية يعلق عليها المواطنون آمالهم وتوقعاتهم. واليسر النسبي الذي غلب على التغيير الديموقراطي في تونس ومصر، والبلدان خضعا طويلاً للنفوذ الغربي، قياساً على استعصاء هذا التغيير في ليبيا وسوريا وإيران، قرينة ربما على قوة أثر العصبية القومية المنكفئة والعدائية في تغذية الاستيلاء الأهلي والبيروقراطي الجهازي والتمكين له.
  فالنعي على الخارج وعلى تدخله وسيطرته، و"تشويهه" الأبنية الداخلية، يتوسل بحقائق ينبغي ألا تنكر الى أكاذيب لا راد لها، ولا سبيل الى ردها إلا بـ"ثورة". وهذه لا تتفادى الحرب الأهلية، إذا أفلحت في تفاديها، إلا بعسر شديد. والترتيب السياسي الذي يقدم طلب الاستقلال القومي والأهلي والعصبي في رعاية سلطة بيروقراطية مركزية على طلب السياسة المدنية والديموقراطية والوطنية ومعيارها، وعلى إنشاء الدولة في كنفها وعملاً بموجباتها، هذا الترتيب ليس مرآة طبيعة الأمور وسننها في مجتمعات الأمم المستعمرة سابقاً، والمهددة الهوية. فهو مطية "الطبقة" الحاكمة ومصلحتها في احتكار السلطة والموارد، وإقصاء الجماعات والطبقات الأخرى من هذه وتلك. وهو، أي الترتيب، جزء من حرب أهلية غالباً ما تشنها الطبقات والجماعات الضعيفة والطرفية على كيان الدولة وبنيانها الحقوقي القانوني الضعيف قبل بنيانها الاجتماعي والاقتصادي. وهو جزء من استراتيجية استيلاء هذه الطبقات والجماعات على السلطة، والاحتفاظ بها في منأى من النزاع السياسي والاجتماعي السلمي.
  وقد تكون الحروب الداخلية اللبنانية، وهي فصول نزاعات داخلية وإقليمية أهلية واجتماعية وبلدية معلقة على أدوار ومصالح خارجية وملبننة، المثال الجليّ والحاد على مفاعيل الترتيب هذا. فما أنجزه اللبنانيون، وفي مقدمهم جماعاتهم المسيحية، غداة الحرب الثانية، أي قبل ثلثي قرن تقريباً، يفوق ما تسعى في بلوغه الحركات الوطنية والمدنية والديموقراطية العربية في حقول الحريات المدنية والسياسية، والحقوق الانسانية، وتقييد سيطرة الدولة والإدارة والقضاء. وحُصِّلت هذه من طريق روابط وثيقة وقديمة بالغرب الرأسمالي الاستعماري والليبرالي الديموقراطي، من غير انفصال. وبدا هذا في نظر المنظمات الفلسطينية المسلحة، وشطر من اللبنانيين العروبيين، والشارع العربي الناصري والإسلامي، ضئيلاً، ولا يقارن بالمكاسب القومية المتوقعة والمقدرة، وسرابها القاتل. وجاز إنكار قيمة الأبنية السياسية والاجتماعية الديموقراطية والليبرالية، وتأخيرها عن معيار العصبية الأهلية وحصادها "القومي" الاستبدادي والمدمر، جراء إدراجها المجتمعات الوطنية ودولها في سياقات عالمية مشتركة، مدنية وزمنية، ومجيئها من طريق جماعات محلية مسيحية.
  وتستر إنكار "الطائفية" (المسيحية دون غيرها، و"اللبنانوية" دون الطائفيات العربيات والاسلاميات) إنكاراً عنيفاً قومياً ومذهبياً وثقافياً، على نازع ساحق إلى إنكار استقلال المجتمع وجماعاته عن الدولة والسلطة، وغمط الجماعات حقوقها في كياناتها وتواريخها غير الانفصالية بالضرورة. وتستر أولاً على ازدراء مكانة الديموقراطية والليبرالية ومحلهما من مصائر المجتمعات والدول العربية. وها يعود ما طُرد وحطم معظمه في الباب اللبناني، وقبله في باب "التنظيمات" العثمانية، بذريعة غربيته ونصرانيته أو رأسماليته وامبرياليته، من أبواب عربية (وإسلامية) وشعبية مشرعة.   

الأحد، 7 أغسطس 2011

الجهاز العشائري ـ الأمني يشنّ حرب عصابات على مجتمع السوريين السياسي ورابطة الدولة الوطنية

المستقبل - الاحد 7 آب 2011
في مطلع الاسبوع الاخير من تموز المنصرم، قبل حملة حماة الثانية وغداة انقضاء 4 أشهر وأسبوع على خروج الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية الى العلن، قتلت "قوات الامن" نحو 11 شخصاً، أو "ما لا يقل عن" هذا العدد على تقدير عمار القربي، رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان، في مدينة أو بلدة كناكر (25 ألفاً) بريف دمشق، الى جنوب دمشق الغربي. وأعلن "اتحاد تنسيقيات الثورة السورية" اسماء 7 من القتلى وسن معظمهم. و4 منهم لم يبلغوا العشرين حين قضوا. ونظمت "العملية الامنية" على شاكلة غارة تولاها تراكس، أو جرافة، هَدَم البيوت على أصحابها. وحمت الجرافة دبابات القوات المسلحة او قوات الامن، وقطعت الطرق الداخلية ورابطت على المفترقات وبوابات الدخول الى البلدة. وقامت هذه بحملة اعتقالات طاولت 250 من اهالي كناكر. والغارة "الامنية" أو الانتقامية، على البلدة الجنوبية الغربية، بريف دمشق المحاذي خراج درعا، هو رد جواب على تزويد البلدة، وغيرها من بلدات خراج دمشق، زميلاتها الدرعاوية المؤن، واسهامها في كسر الحصار التمويني الذي تضربه وحدات التدخل المتحركة على المدن والبلدات الناشطة.
التنسيقية والائتلاف
ودرعا نفسها تحتل أسواقها، وعلى الخصوص ساحة الحرية فيها (سابقاً ساحة السرايا) قوات تدخل عسكرية وأمنية، في عشرات سيارات الامن، يحمل أفرادها هراوات. وعودة قوات التدخل، وسياراتها وهراواتها، الى احتلال المدينة، والى مداهمة "القرى" او البلدات التي تصلها بالعاصمة وتصل العاصمة بها مثل برزة والحجر الاسود والسيدة زينب والكسوة وحرستا، وهذه من دمشق "الكبرى" والمتصلة- على خلاف زعم قوى "الاعلام" الرسمية التي أخرجتها من الخريطة الدمشقية تهويناً وتصغيراً من شأن الحركة المدنية في دمشق نفسها- هذه العودة مردها الى دعوة أهلها الى التضامن مع ... حمص وحماة والمدن المحاصرة الاخرى. وهي المدن التي تتظاهر نهاراً و(أكثر فأكثر) ليلاً تضامناً مع درعا والمدن الاخرى المتضامنة والمتظاهرة والمحاصرة. وعلى هذا، نشأت روابط قوية وثابتة من المدن وبين المدن، من "درعا الى القامشلي"، وبين الارياف، في جهات سوريا المتفرقة كلها، بلاداً أو جهات وسكاناً وتجارة وادارة وهيئات مهنية، وأمست الروابط هذه دائرية. وتخطت التأثير الصادر عن بؤرة، شأن درعا في الفصل الاول من الحركة ثم حمص في الفصل الثاني ومعها بانياس فحماة فالحسكة فإدلب...، نحو بؤرة اخرى. وتجاوزت العلاقة الخطية او الرأسية الى شبكة متماسكة ومتضافرة أفعوانية، إذا جازت العبارة.
فالسوريون بنوا، ولا ينفكون يبنون تماسكهم وأواصرهم و"تنسيقياتهم" على مراتبها الوطنية والمحلية (شأن اتحاد تنسيقية حرستا وعربين وزملكا التي نعت في 27/7 محمود طه قاسم "المتزوج منذ ثلاثة أشهر" وقتيل قوات "الامن" على مفرق قرية سليمة وهو عائد على دراجته النارية من عمله)- في ثنايا حركتهم الوطنية والمدنية، وفي سياقتها الكثيرة الفروع والملتفة. وهم يسعون في النهوض جماعة وطنية متضامنة، ومؤتلفة من أهالٍ وأحياء ومدن وأرياف وعشائر وأقوام وطوائف وطبقات. ويرجو "المراقب"، المتعاطف والمتضامن والنصير، أن تكون "التنسيقية" إحياء وتجديداً "للائتلاف"، ولـ"حزب" الائتلاف أو تياره العثماني (في أوائل القرن العشرين) بإزاء "الحزب الاتحادي" المركزي والاندماجي والدمجي قسراً. وأورث ضباط قوميون تُرك اتحاديون البلدانَ والمجتمعات العربية انقلابييها الاوائل الى عتبة النصف الثاني من القرن العشرين. فكان حسني الزعيم، الانقلابي السوري الاول، أحد أواخر هؤلاء الضباط العرب. وهو خلف الضباط العراقيين الذين استولوا على حكم العراق في 1937 1941. ولعل حسم نزاع الاتحاديين، القوميين المتعصبين وقادة الجهاز العسكري البيروقراطي والمحترف، والائتلافيين، وهم ليبراليو الادارة المتحالفون مع ممثلي الاقوام والمجتمعات المحلية والوطنية، لمصلحة الاتحاديين كان فاتحة من فواتح بناء "الدولة" العربية المشرقية على الركن العصبي (العشائري والاهلي) والبيروقراطي العسكري والامني الذي غلب على معظم بلدان المشرق وحركاتها السياسية. وتمثل عليه "القيادة" السورية الاسدية خير تمثيل، غداة انهيار صدام حسين.
فما تضطلع به تنسيقيات الحركة الوطنية والمدنية الديموقراطية السورية المتحدرة من المنتديات والبيانات والمنابر والتيارات، منذ نحو 5 اشهر، لا يقتصر على جمع معارضة شعبية متراصة في وجه الحلف العصبي البيروقراطي الذي ينيخ بثقله على المجتمع السوري، ويحول دون استواء الحكم على صورة الدولة المدنية المشروعة. فهي، الى استيلاء هذه المعارضة، ورص صفوفها، تصنع خيوطاً وجسوراً بين الجماعات الاهلية والبلدية والافراد، وترسي النسيج أو البنيان على لحمة سياسية وطنية، عَرْضية وائتلافية، تنحو نحو التعاقد الحر أو تعاقد أحرار، على الاشتراك سواسية في دولة ووطن (أمة) جامعين ولا ينفكان في طور الجمع والتأليف. فلا تنزل "الدولة القومية" الناجزة والخاوية، وهي فعلاً متعينة في حلف عصبي اداري يتقاسم السلطة والاجهزة والعوائد، جسماً قاهراً وساحقاً على الرعايا والاهل، المتفاوتين كعباً ومكاناً، وعلى البلاد. والانشاء، الوطني والسياسي على هذا المثال، في مجتمع مثل المجتمع السوري سلط عليه الاستيلاء الانقلابي البعثي، في أطواره الثلاثة او الاربعة وفي الطور الناصري و"الوحدوي" السابق، عوامل تفريق وتآكل وتعصب، يقتضي (الانشاء) تدبيراً وحكمة، وحِلماً وحصافة وتأليفاً في المصطلح القديم، من ضرب أو صنف لا عهد للسياسات العربية الانقلابية والاستيلائية، في شقيها وركنيها الاهلي العصبي والجهازي المركزي، به.
التمرد الرسمي
ويحقق هذا الزعمَ ويؤيده نهجُ الكتلة السورية الاسدية في معالجة ما تسميه التنسيقيات "الثورة" (وما يليق به ربما أكثر وسمُ الحركة الوطنية المدنية الديموقراطية السورية، وينزهه عما علق بالثورات العربية الاقليمية وانقلاباتها العسكرية، وحركاتها المسلحة الاهلية والمتعسفة وفوضاها المدمرة، من دواعي النفور والصد). فالكتلة الاسدية المتسلطة تعالج حوادث الحركة الوطنية والمدنية ووقائعها، أي اجتماعاتها وتظاهراتها واعتصاماتها واعلاناتها، على الطريقة التي انتهجتها وعرفت بها حروب العصابات، أو حروب الغوار. وهي حروب غارات على الدولة وهيئاتها ومواطنيها ومرافقها. فـ"الدولة" المزعومة تغير على جماعات الاهالي، وعلى مساكنهم وطرقاتهم ومواصلاتهم وجسورهم ومحالهم ودكاكينهم ومساجدهم ومنتدياتهم، وتُعمل في هذه تقطيعاً وتخريباً وهدماً، وفي الناس ارهاباً وتخويفاً وعزلاً وتبعيداً وتحريضاً. وما يتولاه "التمرد" وهو الاسم البوليسي والعسكري الذي سمت به اجهزة مكافحة الانتفاضات الفلاحية، الاوروبية والاميركية، الحركات الاستقلالية و"العالمثالثية" والاجتماعية المسلحة في خمسينات القرن الماضي- وهو تقطيع أوصال جهاز الدولة المتصلة والمتشابكة، وعزل أجزاء البلاد والمجتمع بعضها عن بعض، وتخريب المنشآت وشل الاعمال وتهديد الامن، تتولاه اليوم في سورية (الاخوين الاسد ورهطهما ودوائر "الحلف" ومراتبه الجهازية المصلحية والطائفية) غارات العصابات الاهلية الرسمية و"ألوية الموت" والقتل والاغتيال. وذلك باسم "الدولة"، ونيابة عنها، وتعويضاً عن قصورها عن انجاز المهمات هذه في اطار الاجهزة الرسمية المتماسكة.
وينتدب المركز، وهو النواة القيادية المزدوجة الصفة، قوات مختلطة، أمنية وعسكرية رسمية في زيها المتميز والظاهر وأخرى "مدنية" أهلية في حل من امساك العسكريين والامنيين الرسميين المفترض، وتتولى قتل المتلكئين والمترددين، ينتدب المركز القوات المختلطة الى مواقع ومناطق ذات أدوار معنوية وجغرافية بارزة. ويمهد لتجريده حملتَه تمهيداً "اعلامياً" ومسرحياً حاداً، على شاكلة ذاك الذي سبق الحملة التأديبية والدامية على جسر الشغور ثم على البوكمال. واليوم على حماة. فيعلن عن مقتل عدد كبير من رجاله، ويعزو القتل الى جماعات مسلحة محلية، ويسوغ حملته المختلطة بتلبية نداء الاهالي واستغاثتهم. وكأن الدول تفتقر الى مسوغ مباشر من القانون ومن وظيفتها يدعوها الى بسط الامن. فتوَسِّطُ المواطنين وتلتمس العذر منهم. ويسدل المركز الغفل ستاراً صفيقاً على وقائع الحملة نفسها. فلا شهود من الاهالي، ولا من الصحافة، ولا من جمعيات حقوق الانسان، ولا من البعثات الاجنبية، ولا من الجهاز الذي نفذ العملية. وحين دعي بعض الديبلوماسيين الاجانب، وفيهم السفير الاميركي، الى جسر الشغور بعد حملة التأديب التي لا شاهد عليها، ولا أثر لها في وثيقة مصورة معاصرة، جيء الى البلدة ببعض اهل بلدات مجاورة أو قريبة، وعُهد اليهم بأداء دور العائدين الى بلدتهم الآمنة بعد أن تحررت من مروعيها ومرهبيها بإنعام من القوات المختلطة...
وتشبه الحملات البوليسية والارهابية المختلطة، وعزلها المناطق التي تقصدها، وفرزها السكان والاهالي فريقين، وتصفيتها في ظل يضطرب بين السر والعلن الفريق "المشبوه" والتمثيل به نهج العمليات الثورية الذي انتهجته حركات كاستروية وغيفارية وماوية في أميركا اللاتينية لعل "الطريق المضيء" في قيادة غوزمان بالبيرو المثالَ عليها. فالعمليات الثورية والحملات التأديبية التي تشنها الطوابير الاسدية المختلطة ترميان الى حماية "البؤر" و"القواعد" المحررة، أو المسلوخة من كيان المجتمع المتصل في كنف دولة (طيفية في احيان كثيرة) مشتركة، وإخراجها من هذا الكنف الى عراء سيطرة مباشرة لا قيد عليها من طيف الدولة. وقبل اقتحام حماة في الاول من آب، سلّط جدولُ جمعية حقوقية مدنية ("أفاز" ومعها "انسان" وسام طريف) أحصت 3 آلاف مخطوف ليسوا في عداد الـ13 ألف معتقل الى يومها (من 26 ألفاً اعتقلوا في وقت من الاوقات وأفرج عن بعضهم في اثناء الاشهر الخمسة المنصرمة) ولا هم في عداد الـ1650 قتيلاً، الضوءَ على وجه آخر شبيه بأعمال العصابات الخاصة، الثورية وشبه الرسمية، في كولومبيا الاميركية اللاتينية. (وهذه الارقام يضاف اليها نحو مئتي قتيل وبضعة آلاف من المعتقلين وربما مئات من المفقودين). فمعتقلات قوات كولومبيا الثورية ("فارك")، وهي المنظمة التي احتجزت بيتينكور المرشحة الرئاسية الكولومبية الفرنسية نحو 5 سنوات، تعج بآلاف المخطوفين المدنيين من الاصناف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كلها. والصيغة الاسدية والمحلية تبلورت في فصل "القيء الاهلي"، على ما سمى أحدهم أعوام 1979 1982 وغداتها المباشرة. فمذ ذاك لا يُعلم شيء عن مصير عشرات الآلاف (40 ألفاً؟ 60 ألفا؟ 70 ألفاً؟) من المفقودين الذين تبددت آثارهم بين السجن والتخفي والتوقيف والتحقيق والخطف والتصيفة المواربة.
سوريا (الاسد) من غير السوريين
وقطع الاتصالات الهاتفية والالكترونية، واغراق المناطق المستهدفة في الظلام وحجب التيار الكهربائي عنها، والحؤول بينها وبين التموين بالسلع الاساسية، ومراقبة أماكن الاجتماع المتوقعة والمقدرة (مثل المساجد وصالات الاعراس والفنادق ونوادي النقابات المهنية) ومحاصرتها وإحراق بعضها، وتعقب الجرحى الى المستشفيات والعيادات الخاصة- هذه كلها وسائل يتوسل بها الجهاز العصبي والبيروقراطي المستولي الى انتزاع الاهالي من الكتلة الوطنية السورية، والى فك عرى العمران والاجتماع والخيوط التي نسجتها الدولة، منذ عهد الولايات فالانتداب فالاستقلال فالديكتاتورية، بين الاهالي. وذلك من تلقاء (قيام) الدولة والادارة واضطلاعها بوظائفها. ومهاجمة الجهاز العصبي - البيروقراطي الاسدي وشائج العمران والاجتماع المدنيين وروابطهما وأبنيتهما الحيوية، جزء من الحرب الاهلية العميقة التي استولى من طريقها هذا الجهاز على آلات الغلبة والقهر والعزل، واختصر الحُكم والدولة فيها.
فلا يطيق الجهاز دوام روابط اجتماعية بين جماعات السكان والافراد، ولا سريانها في عروق عمران مشترك، ولو في حدودها الخدمية والاجرائية الدنيا. فهو يقحم وساطته ومشيئته في عمل الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الاساسية، وفي العلاقات المتبادلة التي تنشئها بين الاهالي. فلا ينزع الناس الى التوهم في أنفسهم القوةَ على التواصل التلقائي، خارج مشيئة الرأس العشائري الاهلي والاجهزة الامنية والادارية التي تصدر عن إرادته وأمره القاهرين. فإذا أقدرت الابنيةُ الاجتماعية والادارية، المتخلف بعضها عن "انجاز" الجهاز الاسدي، السوريين على التواصل ارتد الجهاز على ابنية التواصل ومسالكه، وأعمل فيها تحطيماً وتدميراً، على نحو ما يصنع في مداخل حماة ووسطها. فهي، الابنية والمسالك، تنم بكيان عمراني وطني مستقل وقائم بنفسه، وملازم لكيان الجماعة الوطنية والاهلية السورية وأجيالها المتعاقبة.
وعلى هذا، "ينزل" التسلط الارعن والاحمق من الابنية المعنوية والسياسية، شأن الصحافة والاعلام والانتخاب والتحزب والتحالف، الى الابنية الادارية والمادية. ففي الاوقات "العادية"، وجَّه الجهاز المستولي شفرة سكينه (سكاكينه ومقصه ومقصاته) الى الابنية المعنوية والسياسية هذه. فحال بينها وبين انشاء دائرة علانية عامة ومشتركة يسهم في رفعها، وفي رصف حجارتها ومداميكها، من يمثلون جماعات واجساماً خاصة متفرقة، بلدية وأهلية واقتصادية واعتقادية وعصبية، ويسعون في بلورة لحمة سياسية جامعة تتعالى عن الجماعات ومصالحها، وتؤلف بين بعض كتلها وأجنحتها، وتنافس على التمثيل والحكم. واحتكر الجهاز المستولي مُلكية الابنية المعنوية والسياسية، على المعنى المادي والحقوقي للملكية، وانفرد بها، أو نصَّب بعض فروعه ومراقبيه ولياً مطلقاً عليها. فلفّق في حق من ارتضى، في وقت أول، شراكتَهم الانتخابية والنيابية، وأقر لهم بصفة تمثيلية واجتماعية مستقلة، تهماً أحالتهم بين ليلة وضحاها مجرمين ومتآمرين ومحتالين. وضيّق تضييقاً خانقاً على هامش اعلامي هزيل وطرفي. ولم يقصر انقلابه وتضييقه على إعمال الوسائل القانونية والادارية الكثيرة والطيعة التي لا ينازعه عليها منازع. فعمد الى وسائل من خارج اطار العدة القضائية والادارية، وهي المتاحة على مصراعيها، مثل حوادث السير القاتلة، والسطو على الممتلكات والاموال، والتحريض الخاص والغفل على "المنحرفين" وسد أبواب العمل في وجوههم.
فولاية السلطات العامة واحتكارها من غير استثناء، وانتداب الموالي المطواعين والمقيدين الى تصريف بعض اعمالها التنفيذية، لم تحمل على اقتسام السلطان، على أدنى درجات الاقتسام وأقلها. ومثل هذا الانقسام على أدنى درجاته، يفترض الاشتراك في شيء عام ومشترك، ويقر بقصور السلطان، وصاحبه (رأس) الجهاز العشائري البيروقراطي، عن الاضطلاع وحده، ومن غير حاجة الى شركاء متعاقدين، بالتمثيل على "سوريا" (الاسدية)، وتجسيدها وجمع متفرقها (المنكر والمبطل) في نفسه. وينكر السلطان الاسدي و"دولته" انكاراً ضارياً وشرساً حاجته الى شركاء يتعاقد معهم على تمثيل "سوريا". وهذه تعلو السوريين، الافراد والاعيان، وتلتهمهم وتبطل حقيقتهم المادية المتفرقة والتاريخية والاجتماعية. والنظام الاسدي في غنى عن ولاء السوريين، وبالاحرى عن محبتهم واقتناعهم. ويريد منهم، على معنى الاكراه، الطاعة والسمع. ولا يترتب هذا على ضرب من الدهاء والمواربة المعقدة، بل على صنف الاستيلاء الخاص الذي ينفر من أي قيد لا بد أن ينجم عن العقد والشراكة والائتلاف والاقرار بالكثرة الاهلية والاجتماعية. وهذا "سر" الكراهية الحاقدة التي يصليها الجهاز المستولي وأنصاره اللبنانيون الاعراف السياسية اللبنانية، وجهرها الوقح طائفتيها وميثاقيتها، أي كثرتها.
حملة التطويق
وعلى هذا، لا يدعو الاستيلاء على مقاليد الدولة ومرافقها وهيئاتها النيابية والقضائية وادارتها، وعلى مواردها، واحتكار السلطان، وملء قلبه الرمزي والتمثيل عليه من غير شريك، لا يدعو هذا كله الجهازَ أي رأسَه الى الفعل من داخل الدولة ومقاليدها وأبنيتها وأحكامها. فهو يؤثر إعمال الوسائل الخاصة، والمنافية للقانون والخارجة عليه. ويتعمد مهاجمة سفارات الدول الاجنبية بواسطة محازبين انصار وأجراء، وليس من طريق أعراف ديبلوماسية واجراءات تؤدي معاني الانكار والتحفظ والتنديد. والاعراف والاجراءات الديبلوماسية،شأن طرق القضاء والادارة ولوائحهما، قرينة على كيان دولة مقيد بإقرار ملزم، ويبادل الالتزامات بمثلها ونظيرها. وأما المحازبون الانصار والموالي فلا قيد عليهم، ولا يلزمهم اقرار أو تبادل. وهم عَرَض الاستيلاء الخاص، الاسدي العشائري والجهازي، على "سوريا" وتمرد هذا الاستيلاء على العمومية الديبلوماسية القانونية. فهم، على الاراضي السورية هذه المرة، صنو "حلفاء" الجهاز الاسدي وصنائعه وأجرائه ومُديِّه أو "سكاكينه الثانية"، على قول أجنبي، في لبنان وفلسطين والعراق، وفي المنظمات "الجهادية" التي ترعى مرابع المشرق وجنباته. ولا غنى للجهاز عن "الحلفاء" والصنائع والاجراء والمدي "الثانية" بإزاء أنواع وأصناف كثيرة من الخصوم والاعداء والمعارضين والمتحفظين المحليين والاقليميين. وبعض "الحلفاء" انخرط في أبنية دول، وكيانات دول وطنية، ولم يكف عن خوض حرب عصابات وطياحة على دولته الوطنية المفترضة. وآية حربهم انشاء مرافق موازية لمرافق الدولة، وإخراج مناطق "محررة" من ادارتها، واقتطاع "شعب" أو "أمة" من الكيان السياسي والحقوقي المتصل. وتترتب "الطائفية" في سوريا ولبنان والعراق، وفي غيرها، على تسليح الطوائف الغالبة واللابسة زيّ "الدولة"، والمتسلطة باسمها.
ويروي معارضون سوريون كرد أن بعض "الامن" الاسدي دعاهم الى التظاهر الآمن في أيام الجمع على شرط ترك العلم السوري الواحد، والتلويح محله وبدلاً منه بعلم "حزب العمال الكردستاني". وذلك آنَ عبدُالله أوجلان، زعيم الحزب وأسير قلعة في عرض بحر استانبول، يفاوض الحكومة التركية على ترك حرب حزبه على الدولة التركية وجيشها ومناطقها المختلطة. وحمل مراقبون كثر عمليات "الكردستاني" الدامية الاخيرة على قيادة الحزب الطليقة والمتعاطفة مع الامن السوري والمتمردة على أوجلان وسياسته المعتدلة. ويُصدَّق رأي المراقبين هذا في ضوء نهج "القيادة" الاسدية في أثناء الاشهر الخمسة الاخيرة. فهي سعت في تقسيم السوريين طوائف ومذاهب. فاستجابت المطاليب "الفئوية": إعادة المحجبات الى التدريس، وغلق الكازينو "المنكر"، وتجنيس "الاجانب" الكرد في الحزام العربي، ورشوة الموظفين وبعض أهالي الارياف بعلاوات على الرواتب وبمساعدات عينية، وزيادة علامات الاستلحاق في امتحانات الشهادة الرسمية، وتخفيض سن تقاعد العاملين... وهذه اجراءات صريحة ومباشرة. وأما المطاليب السياسية والمشتركة، مثل حرية العمل السياسي وحرية الاعلام والاحتكام الى القوانين المدنية وإلغاء القيادة الفرعونية، فرد عليها رأس الجهاز المستولي بالتسويف و"التشاور" وبالقتل والاقتحام والخطف والاعتقال والتهجير، أي بحملة التطويق الاخيرة على قول ماوي سائر. فحيث يفترض الجواب السياسي، والتوجه الى السوريين على صفة المواطنين العامة والجامعة، يصيب البكم والعيّ رأسَ الجهاز وسياسته. وهذا مفهوم وجلي: شرط الجواب السياسي اطار الدولة الواحدة والمتماسكة والمشتركة. وهذا على طرف نقيض السلطان الاسدي. فإذا اجتمع السوريون، من غير انكار جماعاتهم أو اختلاف أحوالهم ومشاربهم، على وطنية سياسية مدنية وديموقراطية، دعاهم "النظام" الى الانفراط اسلاميين وكرداً ومعوزين ومتقاعدين وتلاميذ. فأما أن يكون السلطان الاسدي، العشائري والبيروقراطي، ركن "سوريا" وكتلتها ولحمتها ومسكتها وحده من غير شريك، وإما كان حُكم السوريين التفتت والتشرذم والاقتتال والعمالة. ولا لبس في خروج السوريين، والوطنية السورية، من أسر التخيير بين الامرين العقيمين.

الأحد، 24 يوليو 2011

محمد أبي سمرا في "طرابس ساحة الله وميناء الحداثة"...مدوَّنة المترحّل الغريب في الأقاليم المتحرّكة وأخلاط أهلها وهجنائها

المستقبل - الاحد 24 تموز 2011


هجم المجتمع الوضيع هجمة نرجس واحد على آلة (التصوير) الرخيصة

ليبث في الشعب القرف من التاريخ.

بودلير (1862)



لو لم أغادر اميركا لما رغبت في تصوير نيويورك. وحين ألقيت عليها نظرة بكر، أدركت انها بلادي أنا، وأن عليَّ تصويرها صوراً فوتوغرافية.

بيرينيس أبوت (1939)



في قص محمد أبي سمرا أو روايته، أو ريبورتاجه ("الحمل من جديد" حرفياً)، يخرج الناس الى كثرتهم وزركشتهم، شأن الأشياء والمواضع والحوادث والمشاهد والمعاني حين يتناولها صاحب "طرابلس ساحة الله وميناء الحداثة" (2011، دار الساقي، بيروت). فهو لا يرى، حين يكتب ويخبر، ما يراه إذا لم تنفخ فيه الجهات والأصوات واللهجات والوجوه، ولا تقوم له قائمة، في الرواية المكتوبة، إذا لم تتنازعه الألوان والنوايا والذكريات والأحكام. وإذا جاس بباب التبانة (الفصل السابع) في المرحلة الأولى من سفره الى خليل عكاوي، الشاب الذي أنشأ غداة مقتل أخيه علي رمياً بالرصاص في دمشق (1974) "إمارة" لجان شعبية بالحي، ورحلته إلى ما بقي من الشاب الذي قتل بطرابلس في 1984 وهو خارج من لقاء بضابط أمن سوري، وكان مقدم لجان الأحياء والمساجد التقى الرئيس السوري حافظ الأسد 4 ساعات تامة بدمشق قبل أيام قليلة من مصرعه هجمت على أجزاء الباب التي يتناولها القص "أشياء (لا تسمى)"، لشدة غموضها وبعثرتها و "تستيفها" (مراكمتها بعضها فوق بعض)، وتركها "من أزمنة لتعتق على رفوف متآكلة"، ولعسر تصنيفها من غير "تحديق" يفردها شيئاً فشيئاً على حدة، وإذا لم يحدق النظر ولم يصنف أفضى بها "مشهدُها الإجمالي (إلى) باب المهملات".

وواسطة الكاتب الراوي الى المشهد، وبابه على المشهد، هو صاحب المحل أو الدكان، رجل أربعيني جالس متهالكاً على "كرسي متهالك" بباب المحل. ويستقبل الرجل، في 2007 على ما قال الراوي مدققاً، الصحافي الزائر بالمقارنة بين "الحياة في باب التبانة" والحياة، إذا صدق القول إنها حياة، في مخيم نهر البارد، يوم كان المخيم ساحة حرب ابتدأتها "فتح الإسلام"، المولودة من "فتح الانتفاضة" بين عشية وضحاها، بذبح نحو عشرين جندياً لبنانياً غيلة. ويخلص رجل المحل من مقارنته الى تفضيل الحياة في مخيم نهر البارد، أو غيره على الحياة في باب التبانة. فالمخيمات اسم نوع يَكْني عن نفي الحياة أو انتفائها. ولا يقدِّم تخصيص المخيم باسم وموضع في تعريفه ووصفه ولا يؤخر. والمقارنة ضرب من الخطابة. فليس في الفروق بين المهملات المبعثرة، المتآكلة والمتراكمة من أزمان وأوقات من غير تأريخ، ما يصلح مَعْلَماً وشارة، فكيف يصلح ميزان مفاضلة.

المحلَّف

ويوسط الزائرُ الراوي صاحبَ المحل بينه، ومن بعده وورائه القارئ الآتي والمفترض، وبين المشهد أو المسرح الذي يجول فيه، وينوي "حمله من جديد"، وبسطه امام النظر والفهم. والتوسيط هذا هو من باب الاحتراز والأمانة. فلا يحسب الزائر الكاتب، أي محمد أبي سمرا، أنه هو شاهد "محلَّف" وأمين وثقة. ولا يحسب، من وجه آخر يلازم الوجهَ الأول، أن ما يشاهده ويراه ينطق بحقيقة ما عليه إلا قطافها أو نقلها وجهرها. فلا يغفل عن ان لقاءه الناس والأشياء والحوادث في "ساحة" أو مضمار هو باب التبانة، أو هو شارع الميناء الجديد أو مجمَّع فيلا الأحلام أو ساحة التل أو محلة أبو سمرا أو جامع سيف الدين طينال أو جامع التوبة أو حي عاقبة الزاحول (في محلة القبة)... وكل موضع منها مواضع كثيرة هو، أي اللقاء، حادثة بدوره. والحادثة هذه لا ريب صدرت عن روافد وحوادث سابقة اجتمع بعضها مصادفة، وبعضها الآخر ترتب ترتباً ضرورياً عن مقدمات. ويدعو لقاءُ الكاتب الراوي من يلقاهم وما يلقى على هذا النحو، نحوِ الحادثة، الى احتساب حصة الحدوث والجواز والاتفاق في "مجيء" المعاني والمشاهد المرئية والروايات المنقولة أو انعقادها وبنائها.

فيُدخل الراوي الكاتب "حادثة" اللقاء، والذين تولوا التعريف ومهدوا الطريق إليه، في روايته المكتوبة. ولعل هذا قرينة على غرابة القص، وإقرار بهذه الغرابة. فـ"المجتمعات" اللبنانية، وغيرها طبعاً، انقسمت وتفرقت "طبقات" مختلفة ومتباينة. وانحلت وحدة الجماعات الداخلية وذاكراتها ولغاتها، وخسرت بدائهها او بداهاتها الأولى ومسلماتها، أدركت ذلك ام غفلت عنه وتعمدت الغفلة. والكاتب الراوي لا يسعه القول: ذهبت ورأيت وتحققت (أو آمنت، على قول الإنجيلي) فصدقوني. وقُصاراه (القول) انه ذهب ليتقصى، فأراه فلان كذا وكذا، بينما كان يحدثه ويخبره ويصف له ويتذكر ويُسمع هذا أو ذاك من الناس، وحدثه آخر عن نفسه وعن آخرين. فيُسلم صاحبُ الخبر المستمعَ، وهو يحدثه ويروي له ويشهده على المواضع والأمكنة وآثار الحوادث والوقائع فيها، الى أخبار ومخبرين وآثار أخرى.

وعليه، فـ "رحلة" الراوي الكاتب الى ميدانه وحقله ومسرحه، وإلى ناس الميدان أولاً، جزء من الحوادث وروايتها، وإيذان بها، لا تستقيم ولا تتماسك على صورتها إلا بالجزء والإيذان هذين. وليس الأمر على هذا الوجه عملاً بأصل فيزيائي محدث يقضي باحتساب موقع المراقب من موضوع مراقبته في تقدير سرعة الموضوع وقياسها (وهو الأصل النِسْبي الساري في ثقافات الحداثة على تفرقها) وحسب. فهذا الأمر ناجم ربما أولاً عن الصدوع بتفرق المجتمعات والجماعات أشتاتاً ونثرات وكتلاً، وعن ترجحها بين مقامين: مقام الجماعة الواحدة الضاوية أو "الأمة"، على معنى نصف مجازي استعاره محمد أبي سمرا من مسافر "غريب" آخر هو ميشال سورا وقلَّبه على وجوه كثيرة، وبين مقام الأفراد الآحاد وسيرهم وضربهم في شعاب يشقونها خارج "الشوارع" العريضة، على ما سمى أهل الأمصار الإسلامية الأولى طرق مدنهم الجامعة على حدود مربعات الخطط الكبيرة. والترجح منزلة بين أكثر من منزلتين. فالجماعة العصبية، القرابية والمحلية والمهنية والمسجدية الشيخية، أو الأهلية في تسمية سريعة، لا تزال على بعض المُسكة الفاعلة في أجزاء منها، قد تستثني الشبان والفتيان استثناءً عابراً أو مديداً. ولكن "المتساقطين" منها لم "يبلغوا" حال الذرات الاجتماعية المنتصبة ذوات قائمة بنفسها وفيها، ولو على سبيل الفرض الحقوقي القانوني.

الاسماء العامية والجمهورية

ومدونة الرحلة الى "ديار" أجزاء الجماعات و(اجزاء) مضاربها وحاراتها وشوارعها و "أبطالها"، هي الرسم أو الفن الذي انتهى إليه محمد أبي سمرا، كاتباً راوياً. وهو ربما خلص الى رسم تدوين الرحلة من اختبارين أو تجريبين: اختبار الرواية واختبار المقالة. والأول، في "سكان الصور" (2002، دار النهار) على الخصوص، يفترض الأفراد الآحاد على حال من التجريد والتخصيص والجواز قد لا تتخلص من الاختبار العام والسائر "الجميعي" إلا بشق النفس، نفس الكاتب ونفس القارئ و "نفس" الجمهور. ويدير اختبار المقالة التناول على كتل مرصوصة، وأبواب عامة ومشتركة، وعلى أفكار متقاسمة على هذا القدر أو ذاك. وينزع التناول على هذه الشاكلة الى معيارية مستبدة هي صدى للمعيارية التي تجمع كسرات الكتل والجماعات على روابطها ولحماتها وأساطيرها. والتدوين الإخباري والصحافي، على معنى يستأنف اختلاط الرواية بالصحافة والصحافة بالرواية في الشطر الأول من القرن التاسع عشر الأوروبي، يستعير من "فن" الرواية افتراق المغامر الفرد عن الجماعة، ومن المقالة عمومية التجريد والاستغناء عن الوسائط.

والراوي الكاتب والمترحل، أو الرحالة، لا ينكر وجهاً من الوجوه التي تفترضها "أسماؤه" العامية والجمهورية. وهذه الأسماء تنم من غير تخفٍ بالوسطاء وصلات الوصل والأدلاء. وهم، في الكتاب المؤتلف من رحلات ووفادات وروحات وجيئات، ومن مفترقات تنعطف بالراوي (والقارئ) الى حيث لا يعرف ولا يحتسب، الوسطاء والأدلاء وصلات الوصل جماعة لجبة وكثيرة. ففي الفصل السادس، وهو يتناول أهل الحداثة، إذا جازت التسمية، يدلف الوافد الى بغيته من طريق "شاب" سأله أن يدله الى ساحة في المدينة "(قال) له انها تسمى (ساحة الله)"، على نحو ما دلف في الفصل السابع، في طريقه الى باب التبانة، من طريق صاحب الدكان، أبو بلال الزعبي، الذي تقدم وصف دكانه. وكان صاحب الدكان أسلم الكاتب الراوي الى "محدث" لا يلبث ان يتكشف عن أبو داود، صاحب السيرة الحربية في فصل الكتاب الأول، أو الاصح أن أبو داود أسلم الكاتبَ على أبو بلال. ويُشهد أبو بلال الزعبي وأبو داود الكاتبَ على "شاب في بنطلون اسود على خاصرته من تحت قميصه الأسود جزء من مسدس حربي لامع" صادف مروره في الطريق. فأدخلاه حالاً في روايتهما، "نموذجاً من الشخصيات والحوادث التي (يرويان) أخبارها". والشاب الدليل الى "ساحة الله"، وهو يصوب الاسم الى "ساحة النور"، ويبتسم قرينة على حدسه في "غربة" السائل، هذا الشاب حلقة أولى من سلسلة أدلاء ورواة وشهود كثيرة الحلقات.

وهم لا يدلون الى شيء واحد. وقد لا يكون الشيء العتيد مشتركاً. فالدليل الأول لا يصوب غلط الاسم، أو يدل الى الساحة وتعاقب أجزاء الطرق إليها. فابتسامته هي مرآة تعرفه (على) وفادة الغريب، وبقاء هذا الغريب عند شيوع التسمية في وقت فات ومضى، وتفويته هذا الوقت وانقلاب الساحة، وأهل المدينة من حال الى حال. وتتولى "سيدة طرابلسية من مدرسات الجامعة اللبنانية في المدينة" رواية الانقلاب هذا. وهو انقلاب موقوف، قبل به بعض أهل طرابلس، ولم يرتضه "الإسلام الشعبي أو الأهلي" ولا المجلس البلدي، لعلتين متباينتين. ويتصل خبر "أستاذ جامعي طرابلسي" بخبر زميلته السابقة. ويعطف خبرُ الأستاذ الاحتجاج المسلح والحربي على عودة الساحة الى عَلَمها السابق، عبدالحميد كرامي، على حادثة الضنية في آخر ليلة من 1999، و "احتفال" الطرابلسيين المتشددين بأواخر الأعوام الميلادية بالمتفجرات والرصاص. ويتولى "متنورون" محليون، هم المدرّسة وزميلها وصديقتها "مديرة مقهى عصري" وآخرون وأخريات منهم سهاد، تلميذة "الليسيه" السابقة، و "أحوالها" وفصولها كثيرة وروايتها جزء راجح من الفصل، وبكر أخواتها التي تثبِّت قصة سهاد في بيئة متنوعة. وتخلف زميلة سهاد المسيحية، ليليان، الأخت على القص والحكاية. وتشاركها نهاد الخلافة، ومعها عبير، ابنة خالة سهاد، قبل ان تستأنف المدرسة الجامعية التأريخ. ولكنها، هذه المرة، تعود من طرابلس الى بيروت، المدينة التي قصدتها للدراسة قبل 1975 بنحو عقد ونصف العقد، فتروي طرابلس من بيروت.

وشأن "الغرباء" في التدوين الإخباري والصحافي، تجيز رواية الغريبة الراجعة، على مثال المصورة الفوتوغرافية النيويوركية التي عادت من أوروبا الى "التفاحة الكبيرة" (انظر بيرينيس أبوت أعلاه)، النفاذ الى دواخل المدينة المنكفئة. وتتحرى المدونة آثار غرباء رواة آخرين. السيدة من عائلة طرابلسية عريقة المتزوجة بأستاذ جامعي غير طرابلسي، وزوجات بعض السفراء الآسيويين والزائرات مدينة لبنان "الثانية"، ودريد حيدر أحد أبناء جالية الـ "آي بي سي" النفطية المنصرمة، ومراسل إحدى الصحف البيروتية بطرابلس، وبعض مخالطي "كوبلات السهر الجماعي" ببيروت، ونيفين أفيوني صاحبة اسم "شارع الكسدورة" (شارع الميناء)، وسليل عائلة طرابلسية وصاحب محل حلويات عريق وشريك إنشاء فندق فخم... ولا يستوفي الإحصاء الطويل سلسلة الرواة. فبعض الرواة لا يُذكرون بالاسم ولا بالصفة، ويستدل القارئ عليهم من آثارهم. ومن هذه الآثار الخبر عن "بناية السفراء". وهو خبر متشابك تنعقد بعض أطرافه بذيول رواية "كوبلات السهر الجماعي" والسيدة المتزوجة بالأستاذ غير الطرابلسي وتلميذة "الليسيه" السابقة وبعض قريباتها. وتذر هذه الآثار إلى فتيان الأحياء الداخلية وأهومتهم الجنسية التي توقظها فيهم الشقراوات والأجنبيات المفترضات من بنات "السفراء" (وهم سفير واحد سابق). والفتيان، سناً وخلقاً، سبق ان اقتص الكاتب الراوي بعض أخبارهم، فالتقاهم أو قرأ ما كتبه من التقوهم. وعاد إليهم من باب أبو عربي (خليل عكاوي) و "ملحمته" المتداولة الى اليوم على ألسنة أهل باب التبانة، معقله ومعقل روابطه ومساجد أهل الروابط.

المصلَّبيات

وينبغي ألا يحمل القارئ الرواة والمخبرين والمحدِّثين الذين أحصيتُ بعضهم على "ناطقين" باسم جماعات: بنت العائلة الطرابلسية، الأستاذ الجامعي، ابن الموظف السابق في الـ "آي بي سي"، وارث عائلة صناع الحلويات، صاحبة المقهى... فالتعريف النَّسَبي، وهو مقرون على الدوام بسيرة فريدة، باب من أبواب التعريف الكثيرة. والمحدثون، وهم يتقصون الى سيرتهم سيرَ أقاربهم وأصحابهم و "زملائهم"، ويُجْملون التقصي في باب أو أبواب اجتماعية ومشتركة، لا يقتصرون على الجملة أو الإجمال، فبعضهم، سهاد أو عبير أو نهاد أو المدرِّسة الجامعية العائدة من بيروت أو المرأة الشابة التي تزوجت باكراً وطلّقت باكراً...، تعرو أصواتهن (أو أصواتهم)، حين يقصون بعض ما رأوا أو ألمّ بهم نبرة لا تخطئ الأذن رنتها ولا ترجيعها ما ترجِّع من خيبة وألم وملل أو من دهشة وحماسة. فالمحدثون أصحاب سير وخُبُر. واستماع المدون الذي يسألهم، ويستخبرهم أخبارهم، ويومئ الى جهاتهم ومواردهم التي يرِدونها، فيصيخ السمع حيناً ويفتر سمعه حيناً آخر، هذا المدون المستعطي الروايات يبعث الحكايات ويُخرجها من هيولاها ونطفها الى كيانات أو أكوان لم ترتسم لا في هذه ولا في تلك. وهو حين يكتبها، فيقوم بعضها بإزاء بعض ويولد بعضها من بعض، وتتردد أصداء أجزاء منها في ثنايا أجزاء أُخَر، وتستوي المعاني من الإحالة والجوار والاستئناف والإغضاء والتكرار والاستباق، تبعثها الكتابة مرة ثانية وتجلوها صوراً "بارزة" لا يدري "العراقي"، وهو القارئ، إذا برزت "من ذا تطوَّف بالأركان أو سجداً"، على قول الشاعر في حاجة جميلة "رواها". فالمفترقات، أو "المصلبيات" التي تنعطف منها الحكايات، وتسعى في زمن بديد أو تحيي حوادثَ آثارُها لا تزال شاهدة عليها أو تنحو ناحية غير بعيدة تشرف منها على سياقة مجتمعة بعض الاجتماع، هذه المفترقات هي في صلب المدونة وإنشائها. ولعلها أثر الكاتب الراوي الأبعد والأعمق في "ريبورتاجه" وصحافته وكتابته.

ولا تنسب هذه الكتابة، ومنزلتها بين منازل الرواية والمقالة والحكاية والتقصي والسيرة، "طرابلس ساحة الله وميناء الحداثة" الى مذهب أو مصدر مفتعل وكاذب من المذاهب "العربية" المزعومة، مثل "ألف ليلة وليلة" التي يتبجح بالانتساب إليها مهرجانيون إمبرازيريون وصيادون. ولا تفضي كثرة الرواة والمحدثين المتناسل بعضهم من بعض الى ذواء المعاني أو تعليقها وإرجائها، على رغم مواربة المداخل والتفاف الأنساب وتشابك السياقات. فكتابة محمد أبي سمرا وروايته تحتفيان أيما احتفاء بالمواربة والالتفاف والتشابك. فهي قرينة على خصب الكثرة، وتوليدها، وتوشيتها الفاحشة في بعض الأحيان. وبإزائها تبدو "روايات" كثيرة ضامرة ضموراً مرضياً، متأتياً من ضعف الاشتهاء أو من عقم الأرحام، أو من الأمرين. وتبعث الكثرة هذه على تشكك نهم، وعلى عزيمةِ تعقُّب مرهقة. وهي بنت المدن، تلك الحقيقية التي أقام بها الكاتب ولابسها ولابستهن أم تلك التي حلم بها، واشتهاها، وسواها من كلمات الحكايات، وصور الأشرطة السينمائية، ومثالات الأهواء السياسية الديموقراطية.

(وتشاء الصدفة أن ينشر رئيس مجلس الإدارة والمدير المسؤول ورئيس التحرير في "الأخبار" البيروتية، ابراهيم الأمين، في 12 تموز الجاري، أي في الأسبوع الذي وزع فيه "طرابلس...."، "وقائع جولة ميدانية" جالها جوزيف سماحة، "رئيس التحرير المؤسس" على ما تسمي لوحة تعريف الصحيفة الصحافي الراحل، "برفقة الشهيد عماد مغنية، القائد العسكري في المقاومة في حينه". و "الوقائع" المروية في ما يزعم ريبورتاجاً يسردها الصحافي المفترض على مثال لو شاء الواحد ان يتخيل نقيضاً لكتابة أو رواية محمد أبي سمرا لما وسعه إنجازه على هذا القدر من الدقة والحدة. فالراوي، وهو رئيس مجلس الإدارة والمدير ورئيس التحرير على ما ينبغي، يمحو قسماته وحركاته ظل "القائد" المرشد الطاغي والحالك، وظل الصحافي والصدى المردِّد من بَعد. وهو لا يستوي "واحداً" إلا حين اطراحه من الخمسة الذين يستقلون سيارة دفع رباعي أميركية. والظل الحالك يخرج، ويستوي رجلاً، من "التعليمات" والأوامر. وهو إذا تكلم، و "كسر الصمت" الذي لم يتجرأ أحد على كسره قبله، "لاحق" من انتخبه محادثاً بـ "الأسئلة". والمحادث، إذا تكلم بدوره، وهو يُكلَّم بحساب ويتكلم بحساب، "صاغ بسرعة هائلة مجموعة اسئلة تخصصية". وكان "الحاج يتولى الإجابة" بداهة. وإذا لم يجب "كان الصمت يسود". وصمتُ "الحاج" أبلغ من القول: "فيدرك جوزف ان الأجوبة عن بعض الأسئلة موجودة لكنه ليس للإعلان". وخلاف الإباحة النهي: "ممنوع البوح به". وبين الموجود المعلن والموجود المنهي الكلام فيه، والعادي ظاهراً والغريب باطناً، والحركة "الخاصة" والابتسامة غير الخاصة، والموصول "بسلك يختفي فيما بعد" واللاسلكي، وعجائب "المحمولات" التي لم يُر مثلها "حتى على التلفزيون" و "الهيئة المدنية" التي تحول الحاج القائد إليها من الهيئة العسكرية... تتوالى فصول ومشاهد وأقنعة وأحوال تشبه فصول عصابة الـ "سبكتر" التي يصارعها جايمس بوند، العميل التكنولوجي السري، ونقيض المحققين الإنسانيين والقصصيين: المفوض ميغريه، إد سيركوي، شيرلوك هولمز... وسبقت الفصولَ والمشاهد والاقنعة المعاصرة اشباه في أخبار بعض الولاة "المحببين" الى قلوب العاملين بجنوب لبنان مثل أحمد باشا الجزار، على ما يرويها ابراهيم العورة في "تاريخ ولاية سليمان باشا العادل". والجزار، شأن والٍ آخر كبير أحبه أجداد بني عاملة كثيراً هو الحجاج بن يوسف الثقفي، الجزار والحجاج كان صمتهما عن "الموجودات" مفهوماً، وكان من يجري بين أيديها طوعها)

هلهلة الأقنعة

وتروي تداعيات الكاتب الراوي المتشابكة والمتقاطعة أهواء العوام الخارجة من عقالها. فالمجتمعات والجماعات اللبنانية (والعربية على نحو أضعف) لم تتصدع، ولم تغادر مراتبها ومنازلها وديراتها، ولم تضعِف قواسمها المشتركة وأنصبة الجمع والتقريب والتوحيد فيها، وحسب. فهي، أي ما لا يحصى من عوامل التصدع والمنازعة والتشكك الداخلية ومن عوامل السطوة والدالة والرغبة والمحاكاة الخارجية، أدارت ظهرها مضطرة لما كانت تقوم به مراتبها ولحماتها وهوياتها وأدوارها وخلافاتها. فصاغت معايير اخرى لم تستقر بعد غداة نحو القرنين من الزمن. ولبنان السياسي الاجتماعي أو مزيج الجماعات الاهلية المُعتَقة ونظام الحكم "المهلهل" ( على المعنى الشعري: هلهل الشعر أي ترك عموده ووحشي ألفاظه)، لبنان هذا كان مسرح نشأة المعايير الوليدة وحبوها وتجاربها الاولى والمضطربة. فمثلت "الامة"، أي الدولة الوطنية، فيه على شاكلة الجماعات الاهلية المتنازعة والمضطربة. والحق أن هذا هو شأنها في المجتمعات العربية القريبة والبعيدة، عموماً. ولكن تخلي النواة المسيحية، مضطرة، عن طلب سلطان عربي وإسلامي على الجماعات المسلمة، قوَّى الجماعات الاهلية كلها على سلطة "مركزية" لم يوحدها موقعها المركزي المفترض، ولم يلم شتاتها في "طبقة" حكم متضافرة. فبقيت متنازعة بين قطب أهلي غالب وقطب وطني ثانوي. ولما كانت النواة المسيحية قطعت شوطاً بعيداً على طريق ثورة عامية وبلدية، قوية القرابة بالثورة الديموقراطية (ما عدا الدولة الوطنية السياسية، وهذا "نقص" جوهري)، نزعت الجماعات الاهلية واللبنانية الاخرى الى تقديم عوامها على خواصها وأعيانها، على رغم عسر الامر عليها وعلى جوارها العربي. ولحقت بالركب اللبناني، المسيحي، من طرق مختلفة ولدت فيما ولدت الحروب الملبننة.

وتتناول روايات وسير وأخبار "طرابس..." مجتمع المدينة السنية والعروبية الساحلية وجماعاتها على الوجه اللبناني هذا، أي على وجه الاهواء العامية، والابطال العاميين والبلديين. والوجه اللبناني يحضر (في) الاهواء والابطال ولو على مضض منها ومنهم، على ما يُرى في أحوال الجماعة الخمينية المسلحة "- في لبنان". ومخالفتها حال الطبقة الحرسية الحاكمة في ايران التي انكفأت الى ديكتاتورية قاهرة ودامية على مثال عروبي خالص. ومن القرائن على غلبة الوجه اللبناني على الاهواء العامية والاهلية الطرابلسية، وعلى أبطالها، تعاقب الزمن الحاضر في الروايات وعليها. فالهواة، وهم رواة أنفسهم وافعالهم ورواة أجزاء الجماعات التي انتسبوا اليها ووقائعها ومواقعها، إنما يروون مروياتهم ويسوغونها ويطلبون لها المشروعية من نفسها. فلا يقيسونها على سوابق ومثالات، ولا يحملونها على محاكاة أعلام. وإيجاز الفصل الاول، الموسوم بـ"صورة ملحمية لطرابلس وسيرة لبدايات انتفاضاتها المسلحة"، وهو حكاية عن مثقف اسلامي، (ولد في 1954) يقص ملاحم المدينة "في مواجهة قدرها اللبناني الذي لم يجلب لها سوى الويل والعثرات" إيجاز الفصل في انعقاد "دور البطولة (الى) بطل واحد هو تراث طرابلس الاسلامي الذي يخترق التاريخ منذ تأسيسها وحتى اليوم" يفسر لفظه التراث على معنى يميل الى اللغة السائرة والمتعارفة فوق اعتباره الوقائع المروية.

ويحقق هذا الزعم أن "الشيخ" الراوي، حين يحتج لطرابس "الشام" و"الفيحاء"، المدينة الحقيقية الوحيدة في هذه البقاع، إنما يحتج لها مقارناً إياها بالمدن الطارئة والناجمة عن تاريخ طارئ. فالعراقة المزعومة أو المفترضة لا يجلوها في حلتها وبهائها وفتنتها الا دخول عالم المقارنة والمنافسة والكثرةِ وطغيانه على المدن فيه، شأن الافراد، سواسية مثل اسنان المشط، وتستوي في العراقة والاصالة والفرادة، على رغم المراتب، والحق بسبب المراتب. ولم تكن المراتب سببباً مباشراً في النزاعات والانتفاضات لأن المراتب "إلهية"، أو غيبية تتصل بشؤون الخلق وتصريف مقاديره. والقيام الطرابلسي على مراتب المدن التي صنفت طرابلس مدينة "ثانية" بعد بيروت "الاستعمارية"، كناية عن اكتفائها بدائرتها الاقرب واقتصار مبادلاتها عليها، هو قيام العامة على معيار المرتبية بقضها وقضيضها. وهذا القيام محدث، معنى وصورة. وهو لا مسوغ له في الدولة السلطانية أو الامبراطورية، على نحو ما لا مسوغ لقيام المسلمين على المسيحيين المقيمين بين أظهرهم ومخالطيهم حين كان الوالي، حكماً، مسلماً وظلاً لظل الله على الارض، وكان القاضي يقضي، على ما قضى آل كرامي طوال أربعة قرون تامة، "بما أنزل الله". ولا مسوغ في الدولة السلطانية "للنزاع غير المبرر بين اسلام (طرابلس) وعروبتها". والحق ان الحاضر كله، على ما يرى اليه "المثقف الاسلامي" المحلي، هو قناع مزيف ومزوق وقبيح. فالسفور النسائي، أي "الفتيات السافرات والمرتديات ثياباً مزنطرة تكشف أجزاء كثيرة من اجسامهن"، هو بدوره "شكلي ولا يعبر عن حقيقة المدينة الكامنة في بنيانها الاهلي والعائلي الداخلي الشديد التماسك والمحافظة والذي (...) لا ينطوي على عداء بين أهل السفور وأهل الحجاب من نسائها".

وانقلاب النظر أو الرؤيا هذا هو باب من أبواب التأويل يجيز لصاحبه الانحياز الى الحاضر، وربما الاخذ به ومماشاته (فإذا كانت الفتيات الطرابلسيات "المزلطات" في مقاهي شارع الميناء" محافظات في تقاليدهن الاجتماعية وملتزمات دينياً... ويؤدين فروضهن الدينية كلها..."، لم يبعد أن يكون زلطهن حكمة أو لحكمة ينبغي مدحها سراً). والاهواء التي نشأت وتنشأ عن الحوادث والوقائع الطارئة، في اطار "الانقلاب" الغربي، من قيام المسلمين على المسيحيين، وطرابلس على بيروت ولبنان، ونقمة المتدينين على السافرات، والاهالي على اختلاط الاولاد في المدارس الرسمية، وضغينة الاهالي على المتاع البيروتي والانتدابي والامتيازات المفترضة وهي سفاسف وترهات، على ما ينبغي، وتتوجها "الحرب الاهلية" وردها على الاستباحة المديدة ... هذه الاهواء محدثة كلها، وهي من بنات الحاضر. ولا يتحرر هوى الاغفال والتقنع باسم مستعار، والراوي لم يشأ الافصاح عن اسمه ولا نسبة روايته اليه ولا تناول تفاصيل سيرته، من الحداثة وعالمها الطاغي. ويرجو الراوي المقنع ان يتستر قناعه الغفل على تردده الى معاهد التعليم الديني الخاصة وزوايا المساجد بطرابلس وغيرها وتتلمذه على الشيخ سعيد شعبان، شيخ "حركة التوحيد" قبل عهدها السوري الايراني، وأن يواري دراسته الثانوية في مدرسة رسمية وانتسابه الى كلية الآداب في الجامعة الرسمية وهجرته الى فرنسا وعودته منها بشهادة دراسات عليا في الفلسفة وتوليه الدعوة الى "التوحيد" وأميره.

وفي الاثناء، انخرط الشاب العشريني في الهجوم على شكا والبترون في 1976، وسبح عائداً الى طرابس، وهو الناجي الوحيد من ثلته المقاتلة. ويروي بعض من عرفه يومها أنه لم يتورع عن خطف مدنيين وقتلهم، يوم عمّ الخطف والقتل "جولات" الحرب الموقَّعة. ومال الى يسار المقاتلين الوافدين من بيروت الى طرابلس، وانقاد الى "فتوة" خليل عكاوي. ويقر بأن يساريته أوغلت في "حرب الشعب" الماوية، وورطته فوق ما ينبغي لمسلم أقام على ارادة بعث الخلافة ودولتها. فيسأل القارئ، وهو شاهد على اطوار الرجل ورواياته وأحواله ومقالاته، نفسه سؤال ليشتنبيرغ المقلق، وهو سؤال الحداثة "العميق": ما هي لغة الببغاء الأم؟ ولا يعف السؤال عن سير صريحة مثل سيرة المارديني حفيد داود يوسف مقصود، أو سيرة خليل عكاوي في طفولته ويفاعته وفتوته وشبابه على عتبة الكهولة، وفي مماته و"ولايته" بعد اغتياله. وأقنعة "الابوات" (الآباء) و"الاخوة" و"الرفاق" تعويل على آت أو مستقبل جائز يصنعه هؤلاء من معدن الابوة أو الاخوة او الرفقة. وهذا على خلاف الاعتقاد بان الحوادث والازمنة لا صانع لها إلا ربها، رب العالمين. وقد يكون غروب الاعتقاد هذا وراء القرف من التاريخ العامي والحاضر. وهي ، الاقنعة، تعويل على ماضٍ جائز وحاضر غير مرئي، أي على طباق زمني متدافع هو محرك "الرواية" الطرابلسية.

ومدخل محمد أبي سمرا الى بحر الروايات هذا، او جسره إليها وآلته فيها، هو كتابة تروي كمن يشرِّع السمع لروافد الاخبار، ويستزيد منها، ويحبسها في مجاميع وراء سدود موقتة قبل أن يفتح السدود على الترع، والترع على السواقي، والسواقي على المشاتل والاحواض. فتسفر الحكايات المتلاطمة عن طبقات وأجيال وفروع وأوردة وافراد. فيمر "التاريخ" بمعسكر تدريب وقتال واحد مرتين: مرة في ستينات القرن العشرين تحت اسم "حطين" الفلسطيني، ومرة عشية الانقلاب من الالف الثانية الى الثالثة تحت اسم قاعدة "أبو عائشة" الجهادي البن لادني. وتروي الكتابة القصصية والحكائية، من غير قصص نمطي ولا حكاية آحادية الحاكي، على نحو ما تهجم المياه على أرض عطشى. وتشبك الحروبُ والاحياء والعائلات والمساجد والاسفار والاوقات والمنظماتُ القصصَ والحكايات بعضها ببعض، وتجمعها على الحاضر، وعلى عامية أهوائها وأقنعتها، وانقلابها من عالم المراتب الى العالم الجمهوري والديموقراطي، وعلى اشتهائها بعضها بعضاً من غير امساك. ويقتضي هذا لغة حربائية، على معنى قول ابن عربي لمريده: "اعرف ربك معرفة الحرباء"، بعيدة من سلاسة كتابة جبران خليل جبران "النبوية" والقصيرة النفس والمنطوية على دواخل وسرائر و"أرواح" ترفرف على ضفاف سواق من غير مخاضات، من صنف "الرسولة بشعرها الطويل" الى "الاخبار". وهذه مصلبية أخرى.

الأحد، 17 يوليو 2011

الحرسيّون يقاضون الجريمة والعقاب

   كان سواق السيارة العمومية الضخم الجسم والرأس، والفتي قسمات الوجه، يقود سيارته رزيناً مطمئناً، وفيها راكبان أحدهما الى جانبه (هو المسكين لربه)، يستغرقه كلام "سماحة السيد" حسن نصرالله، حين انعطف بالسيارة من ساحة "الاونسكو" مُصْعداً الى كورنيش المزرعة فثكنة الحلو فمارالياس. وكان الخطيب يتناول، في الاثناء، نقل هيئة تحقيق المحكمة الدولية تجهيزاتها من مكاتبها ببيروت، أو إحدى ضواحيها، الى مقرها بضاحية لاهاي. وكرر المحدث عدد "الـ97 كمبيوتر"، على ما قال متجنباً لفظة الحاسوب أو الحواسيب التي لم يتجنبها الشاهد المصوَّر حين دعاه المحدث الى الشهادة والصورة، مرات. وأردف خبر نقل الجهاز الالكتروني من طريق الناقورة البري، اللبناني – الاسرائيلي، ونبه الى التواء الطريق هذا قياساً على النقل البحري أو الجوي "العادي"، وطلب الى "الاخوة" ان يُروا المشاهدين السامعين والمستغرقين، على مثال السائق، قسيمة الجمرك الاسرائيلي، ورقم المستوعب المتسلسل، وتوقيع الضابط (غير المقروء؟) في أسفلها. وحين بلغ الخطيب هذا الموضع من خطبته، ومن برهانه الساطع والمتلألئ على جبلّة المحكمة (المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومحاكمة اغتيال رفيق الحريري وصحبه) "الاسرائيلية" والمتحاملة "حتى النخاع" على "المقاومة"، لم يملك السائق الضخم والرزين والفتّي الوجه إلا القول الخفيض والهامس: "كيف يعرفون كل هذا".
  وهو قالها محدثاً نفسه. وحين تلفظ أحد الراكبين بجواب عملي، وكأن السائل يسأله، أو كأن سؤاله سؤال حقاً وليس آية إكبار وتعظيم وتسليم خطابية، فقال (الراكب) أن القسيمة جزء من المحفوظات الكومبيوترية التي يسع "الاسرائيليين" دخولها ونقل محتوياتها ووثائقها وبثها الى الخارج، وقع الجواب العملي الموقع اللائق، بحر الصمت والغيبة المترامي. فالمستمع المصغي الى الخطبة "الساحرة" لا تختبر أذنه، وهو معها أو وراءها بكليته، صدق القول أو بنيته او قصده. ولا يدعوه القول اللجب والمتدافع و"المنظم"، والقرينة على نظمه "فهرست" الأبوابُ، او النقاط المتماسكة التي يقرأها الخطيب من ورقة أمامه ويذكر بمراحلها المدرسية الواحدة بعد الاخرى، لا يدعوه الى مثل الاختبار العسير والصاحي هذا. فما يريده الخطيب من خطبته، وهو انشأها على هذا المراد أو الغرض، هو انبهار المستمعين وتصديقهم، وهم جمهور و"جمع" على شاكلة "جمهور الست أم كلثوم"، وانتشاؤهم، وعلى حالٍ "جمهورية" أو "جمعية" نوامية (تنويمية ومغناطيسية) لا يبلغها إلا أصحاب المراتب والمقامات.
الواقعة الخرساء
  وعلى هذا، لا تصيب الردود العملية والمنطقية النثرية (على خلاف "الشعرية") على خُطابة الخطيب البليغة أغراضها. فهي (الردود) تُغفل اللغة التي يتكلمها، وأبنية هذه اللغة، ومسالك العبارة بها، وأمثلة الاحتجاج والبرهان. فشيخ الخطابة الخمينية والحرسية في لبنان والمشرق "العربي" لا تتطرق خطبه ولا سياسته أو سياسة جماعته المسلحة الى واقعة اغتيال رفيق الحريري، على المعنى المادي والمفهوم والسائر و"التافه". فالواقعة او الحادثة، على هذا الوجه، شأن صغير وضئيل يوكل الى أناس مثل (العميد السابق) مصطفى حمدان، يوم كان قائداً وسيداً على حرس (العماد السابق) إميل لحود وقصره، أو مثل (اللواء السابق) جميل السيد، مدير عام الامن العام من قبل وفي عهد العماد العتيد. وهذا الشأن لم يتناوله "سيد" الخطباء يوماً في عشرات الخطب والدورات (الخطابية) المسلسلة والمتلفزة، منذ غرة 8 آذار المجيد، "يوم الشكر"، شكر "سوريا" (الأسد ورستم غزالة).
  فهو حوّم وطوَّق وطار، وأطل على الحادثة من علياء إقليمية ودولية وتاريخية، وطواها في ثنية استراتيجيات كونية وأخروية لا يحاط بها عقلاً ولا نقلاً. وركب آلة زمان ترمح في مضمار مداه 300 سنة الى أمام وشهق علواً الى قوائم العرش أو غير بعيدٍ منها، وبعث موتى استشهدهم الشهادات والاخبار والآثار. ولكنه سكت، في هذا كله، وفي أثناء مئات الساعات الخطابية المصورة، عن الواقعة نفسها: كيف "التقى" القاتلُ قتيله أول ظهيرة يوم الاثنين الواقع في 14 شباط 2005، على رصيف انحناءة طريق أوتيل السان جورج المنعطف الى الشرفة البحرية أو كورنيش المنارة؟ ومن يكون القاتل؟ وكيف انتهت آلة القتل اليه؟ وكيف سبق قتيله الى كتف الطريق وناصيته؟ وأنّى له "العلم" هذا؟ والآلة هذه؟ ومن دبَّر "اللقاء" وضرب الموعد؟
  وإهمال الواقعة ومركبَّها العيني والمادي، ثم محلها من سياقة مادية ومبتذلة هي الاخرى تتناول الحلقات المفضية الى الحادثة (من تعقب "الصيد"؟ منذ متى؟ ما آلات التعقب؟ وما دوائره وحلقاته؟ وهي الاسئلة التي أراد النقيب القتيل وسام عيد والعقيد سمير شحادة فكها فقتل الاول وأصيب الثاني إصابة بليغة وقتل بعض مرافقيه)- هذا الاهمال ليس من قبيل السهو والغلط، ولا من عشيرهما أو اخواتهما نحواً ومنهجاً. وإنما هو سياسة أو "بوليتيكا"، على قول بعض اهل جبلنا الشمالي. وعمل خطيب المسافات الطويلة، والآماد الزمنية الأطول، لا يتصاغر الى تحقيق الواقعة، أو حملها على حقيقتها المادية الضئيلة. فهذه متروكة الى بعض "عمال" الامن وموظفيه ومحركي "بلدوزر" من هنا وموصلي شريط مسجل من هناك. فخطيب الخطباء يتولى عملاً شريفاً هو إيجاب الوقائع والحوادث وحقائقها، وإنشاؤها، او خلقها لو جاز القول ولم يخش القائل الشرك.
  ولعل هذا هو السر في اقتضاء عمل الخطيب الساعات الطويلة التي اقتضاها ايجابه واقعة اغتيال رفيق الحريري على نحو ايجابه اياها، من غير تناولها ولا التطرق اليها من بعيد أو قريب. وهو لما أراد الكلام في خريطة رواح الحريري ومجيئه، في "خطبة القرائن" والصور الجوية الشهيرة في صيف 2010، اختلطت طرق الخريطة البرية وتاهت، واحتدت زواياها المنفرجة وانطوت، على ما لاحظ أحد أصحابنا يومها. ولم يقع "محققو" المسلسل المصور، والباهر الصور (الاسرائيلية)، في ميدان الجريمة ومسرحها الا على "عميل" مفترض وهارب "مر من هنا"ك قبل يوم من الجريمة ولم يخلف أثراً غير بعث تشكك مرير لا يروي غليله سراب يقين أو دليل. فكأن الواقعة المادية تمتنع من كلام من جعل حملها (وفعلها) على غيره، هو وقبيله وعشيره و"طبقته"، شغله الشاغل ودأبه منذ 6 سنوات ونصف السنة تقريباً. وامتناعها من كلامه وبراهينه وحججه وصوره هو ثمن سعيه الممض في تبديدها وإخراسها والطعن في حصولها. وهو ثمن إقامة شيخ الخطباء الحرسيين محل الواقعة المادية المركبة البدائل التي أقامها، هو وقبيله، محل الحادثة: التحقيق الدولي، والقرار 1757، ومشروعية الحكومة وأعمالها، واستهداف سوريا، وحرب 2006، والقرار 1701، والتسييس، وشهود الزور، وإفشاء بعض الاسماء، و"القاعدة" المحلية، وطلعات الطيران الاسرائيلي، و"شبكات العملاء"، و"انتهاك الحرمات"، ومناداة السفير فيلتمان بـ"جيف" (أو "قرينة جيف" على ما سماها بعضهم) و"ويكيليكس"، وهو كثير، والفساد، الخ.
 الطياحة والحرب العامة
  واختلط حابل المسائل المتشابكة والملتفة بنابلها. ودارت حروب اعلامية وسياسية و"دستورية" وقضائية وعسكرية أهلية وإقليمية، يومية وموسمية، لا تحصر عدداً وموضوعات وترددات و"اشتراكات"، على المعنى الطبي. وغلب في اول الامر أسلوب أو نهج "الطياحة، وهي صفة حروب الخروج الاهلي على السلطنة العثمانية وباشواتها وولاتها في بلاد الاطرف والظواهر، على الحروب هذه. وتتوسل "الطياحة بالكمائن والبيات، او اللطو عند المنعطفات، والغارة والانكفاء وإماتة الجبهات واحيائها وتكثيرها وحصرها. وهذا كله، وغيره مثله، ظاهر في الحروب العصبية العربية و"الاسلامية" المحلية والملبننة جميعاً. وهو على قدر ما يرمي الى تشتيت الخصوم وإشغالهم وتسخيف أفعالهم وبرامجهم وقادتهم، يرمي، في آن، الى تصديع الحلفاء، والحؤول بينهم وبين الاستقرار على لحم جامعة تعلو الجماعات والقيادات وتستقل بنفسها. فينبغي، في ميزان "الطياحة" السياسية، ألا تستقوي جماعة أو طرف بمشروعية ترسو مباشرة على مرجع مشترك أو يقبل الاشتراك، شأن تقاليد تاريخية أو دستورية أو ثقافية متضافرة. والتقاليد الاهلية نفسها، درزية أم طرابلسية سنية أم كسروانية مارونية أم شيعية عاملية، أثارت حفيظة "القيادة" السورية ومن بعدها الايرانية على نحو ما أثارت حفيظة فلسطينية من قبل. فالتقاليد الاهلية توهم بمشروعية قائمة في نفسها وبنفسها. ويؤاتي هذا سعي "القيادة" العصبية العشائرية والاهلية الغالبة في التشتيت والشرذمة والاقتتال والتسخيف. ولكنه يخالف احتياج البيروقراطية البوليسية المركزية، وهي الشق "الثاني" من مباني السلطان القيادي، الى الارتقاء بحروبها المتناثرة و"الصغيرة"، وبجبهاتها المبثوثة في ثنايا الاجتماع الاهلي، إما إلى مستوى التمرد الاهلي العام أو الى مرتبة الحرب القومية (حرب القوم وليس الدولة "القومية" أي الوطنية) أو الاقليمية.
  واستجاب انشاء الجماعة الخمينية (ومن ورائها جماعتها الاثني عشرية الامامية) المسلحة والامنية في لبنان، وايجابها ايجاباً صناعياً وادارياً أي بوليسياً و"عقلانياً"، الداعي البيروقراطي المركزي. وأوكل بها سيداها أو راعياها، على قول مخفف، جمع "الطياحة"، على وجوهها ومستوياتها، الى الحرب العامة ووحدتها السياسية (الوطنية) والميدانية. وعلق السيدان، وهما تعهدا انشاء الجماعة الاهلية المسلحة معاً منذ 1978 – 1982 على أقرب تقدير، علقا الانشاء على الحروب الفلسطينية – الاسرائيلية وفروعها، وربطاه ربطاً وثيقاً ومحكماً بها. وكان التمهيد السوري والفلسطيني والاسرائيلي للميدان اللبناني سابقاً وفاعلاً. فالربط والتعليق القويان والعضويان يضمنان إقليمية الدور المنشود، ويسوغان أمام "الشارع" العربي والمجتمع الدولي الولاية العامة والمطلقة على "المنشأة" وشبكاتها (العسكرية والاعلامية والمالية والاستخبارية)، وعلى مسارحها غير المقتصرة على المسرح اللبناني والممتدة الى الكويت والبحرين والعراق والسودان ومصر ومهاجر اللبنانيين والعرب في الاميركيتي وافريقيا وأوستراليا.
  فانخرطت المنشأة الاهلية والبيروقراطية، على مثال "دولتَيْ" سيديها، في سياق استراتيجي وإقليمي سياسي عريض هي حلقة قوية من حلقاته المتفاوتة المتانة والتماسك. ويفترض هذا السياق، على ما يرى أهل الحل والعقد فيه، نزاعاً عاماً وشاملاً قطباه الغرب الاسرائيلي، وشياطينه الكثيرة، على احجامها وأدوارها المتصلة، و"الاسلام" الثوري والتحرري وشعوبه الصاحية من غفوتها وسباتها تحت اللواء الايرايني القومي – الامامي. وهو يفترض، من وجه آخر وملازم، تسييس النزاع العام وانتصابه ونصبه مجابهة مستميتة ورأسية بين "إيران الاسلامية" وبين "أميركا الصهيونية". وذلك على مثال مشهود وقريب هو "الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية" الذي أوجبته السياسة الشيوعية والسوفياتية، قبل دخولها فصل نزعها الاخير، "سمة عصرنا". وهو مثال الحروب العالمية، منذ عهد العولمة الاولى في أواخر القرن التاسع عشر (وبروز الولايات المتحدة وألمانيا ندين لبريطانيا العظمى، واستواء الامبراطورية شكلاً سياسياً غالباً).
  ويفترض هذا المثال الحرب العامة في الخارج وحال الطوارئ في الداخل. والحرب العامة في الخارج تبعث أحوال "الطبيعة" وطبائعها، أي العدوان والهمجية و"شريعة الغاب" المفترسة. وعليه، فتمييز العدو من الصديق القليل مسألة حياة أو موت. و"المجتمع الدولي" ومعه "حق الناس" أي قوانين العلاقات الدولية في الحرب والسلم، كذب وتمويه وتلبيس، على ما لا ينفك فقهاء ايران وجنرالات باسدرانها ("حرسها الثوري") وباسيجها (متطوعو الحسبة والشرطة) ووكلاؤهم "العرب" يقولون. ويتابعهم على قولهم خليط لبناني معمم وحاسر، "مدني" وديني، طائفي وعلماني... وحال الطوارئ في الداخل، أعلنت أم ألغيت وسنت أم افترضت وخصت بمؤسساتها "القضائية الثورية" أم تركت للاجتهاد المأجور، تترتب على طباع بهائم "المجتمع الدولي" العدوانية، أو استباحته الداخل من غير اذن ولا دستور. والدعوة المريبة الى تقييد أجهزة أمن "الثورة" أو "الدولة" وضبط معاملتها الرعايا بمعايير وقوانين مدنية وقضائية، هذه الدعوة تصدر عن اغبياء ومغرضين خاسرين وذوي أطماع محمومة في السلطة والوراثة ("الطاغوت"). فالحرب الاهلية المستعرة هي مرآة حروب الخارج الملتهبة. ووصف هذا يقع عليه قارئ صحافة "خضراء"، على سمت ليبي قبل عقود وإيراني وارف اليوم ومنذ أعوام.
 

خروج القانون على السياسة
وحين تعلو أصوات بعض أصحاب القلوب الطيبة والسرائر البيض، وهم أصحاب طوايا سود من وجه آخر، فينفون التهمة عن حزب مظنوني تقرير "السيد" بلمار والتحقيق الدولي في اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، ويحملونهم، وحزبهم العتيد وأميره، على البراءة – يضحك "الحزب" في سره وعلانيته ضحكاً قد لا يبلغ حد ابداء النواجذ، على قول بعض المحدثين وأصحاب السيرة، لكنه يحاذيه حتماً. فهؤلاء، 14 آذار وفرانسوا روه (رئيس مكتب الدفاع في المحكمة الدولية) وانطونيو كاسيزي (رئيس المحكمة ومنذ الخطبة العصماء وغير المعصومة طبعاً، "صديق اسرائيل العزيز" غيابياً) و"المجتمع الدولي" والسفراء - يحسبون في انفسهم وشرائع غابهم وسياساتهم القوة - على مقاضاة المجاهدين والشهداء الاحياء والذين قضوا وسؤالهم أمام هيئاتهم ودواوينهم السخيفة. فهم لم يفهموا أن التسييس ليس خللاً طرأ على عمل المحكمة من خارج، فهو في صلبها وطينتها. والالتجاء الى القضاء، بمعزل ومنأى مزعومين من النزاع السياسي العام على العالم، وافتراض حاجة الى القضاء والقانون والحق للفض في نزاع أحد خصميه ومتقاضييه "الثورة الاسلامية"، أو احدى ولاياتها أو أحد ولاتها وعمالها، يصدران (الالتجاء والافتراض) عن سياسة منحرفة ومنحازة الى الجاهلية أو "اليزيدية" وهي أدهى من الجاهلية وأفظع. وفكرة القانون، أو القضاء الذي "يعلو" المتقاضين، هي سياسة صليبية ويهودية مغرضة ومدلسة.
  فيذهب بعض ألسنتهم الوزارية المحدثة، من المحامين حرفة ومهنة، الى أن شرطهم على قيام محكمة تنظر وتقضي في قتل رفيق الحريري "سواء محلية أو دولية" هو "الاجماع الكامل" عليها، على نحو ما أن القاضي، على زعم التعريف العجيب والمبتكر هذا، هو "من ارتضى المدعي والمدعى عليه حكمه وقضاءه". ويستتبع الاشتراط العام أن القانون ليس ما يُحتكم اليه في المنازعة والخلاف، بل ما يرتضيه المتقاضون والخصوم وهم سواسية، عبدالله القاتل وعبدالله القتيل. وهذا قانون الطبيعة وقبائلها وعشائرها المتقاتلة "قبل" إجماعها، وهو الاجماع الاول والفريد والاخير، على انتصاب الدولة وقوانينها وحقوق المجتمع "فوق" المتخاصمين والمتقاضين. ويتحدد الشرط المعطل، والمبطل فكرة التشريع والقضاء من أساسها، من "الحكومة" (التحكيم) العشائرية والاهلية، ومعيارها عدالة الحكام القضاة في أنفسهم، وحكمهم وبصيرتهم وصدق حدسهم. وهو يتحدد كذلك من معايير التعديل ( الحكم بعدالة الشاهد أو المحدِّث وهو شاهد على القول) والتجوير (الحكم بالجور على الضد من العدالة) أو الجرح (الانتقاص من العدالة). ومبنى هذه المعايير على "نفس" المحكِّم القاضي، وعلى "نفس" الشاهد. وصبُّ المعممين ورجال الامن السابقين ورجال السياسة الحزبيين والحركيين وخطباء الجمعة والمحامين والصحافيين وسواقي السيارات العمومية، صبُّهم مطاعنهم على التشهير بمن يربطه خيط واهٍ بمقاضاة قتلة رفيق الحريري، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً (وهذا معنى "الاشارة الى "المحكمة المحلية")، واستنباط الرذائل والعيوب والانساب والاخبار وحملها عليهم يترتب على المصدر نفسه. والقول ان المحكمة مسيسة يريد به اصحابه ان المعايير الاهلية والقبلية العشائرية التي يُعملونها في العدالة، وفي الدماء على وجه التخصيص، لا تقر للحق والقانون، ولا للدولة المدنية ولا "الشرعية"، تالياً، بانسلاخها من حكومة الصلح ووساطتها.
  وحين يكرر "الابرياء من دم رفيق الحريري، على ما ينفكون يصفون أنفسهم فعلاً وحقيقة، أن تصديق تهمتهم، او حتى الظن فيهم، هو تبرئة ("مجانية") لاسرائيل، ومن ورائها وبين يديها امريكا، فهم يُعمِلون قسمة الحرب الاهلية والقومية والدينية (العالمية) في المسألة القضائية والسياسية المتنازعة. ورأيهم في المقاضاة هو رأيهم في الحرب المقيمة والمزمنة بين "حزبهم" على امتداد العالم، كما يحسبون، وبين "حزب" الاخرين، الاعداء من غير فرق. وهذه الحرب العامة سجال. وحزباها او طرفاها هما مثل كفتي الميزان الواحد. فإذا شالت كفة أو علت، رجحت الاخرى لا محالة. ومحصلة الحركة الواحدة والمزدوجة هي على الدوام صفر: فما "تكسبه" كفة "تخسره" الاخرى. و"سياسة المحصلة صفر" تطلق على مناهج سياسات ايديولوجية منكفئة وعاجزة عن الانخراط في دوائر اقليمية ودولية واسعة ومركبة يتنافس أطرافها وأفرقاؤها على مصالح مشتركة ومتضافرة في حدود متفاوتة. وسياسة الامن المشترك – على نحو ما اقتُرحت بين الحربين العالميتين وأدى اخفاقها الى انفجار الحرب الثانية، قبل العودة اليها غذاة هذه – هي من ثمار انتهاج خلاف "سياسة المحصلة الصفر" الصراعية والايديولوجية.
نفي الداخل
  وسياسة "مجتمع الحرب" التي تنتهجها الطبقة العشائرية العصبية والبيروقراطية الامنية في سوريا وايران، ووكلاؤهما المشتركين على هذا القدر أو ذاك في لبنان وفلسطين والعراق، لا يسعها الاقرار بدولة مدنية، غير أهلية، وليس في مستطاعها الانقياد لقضاء مستقل بقوانينه وعمله ومراجعه. فالجماعة المذهبية المسلحة، تربعت في السلطة أم استقرت جسماً أهلياً ملحقاً بسلطة يتولاها "رأس" الجسم المذهبي والبيروقراطي، تحمل علاقات المجتمع بالدولة الاهلية، العصبية والبيروقراطية البوليسية، على الحرب. فالمجتمع وجماعاته وطبقاته ونواحيه، إما ان يذوب في "الدولة"، وجهاز سيطرتها العصبي والامني، ويذعن لها، وينكر مصالحه المستقلة والمتنازعة، وإما أن يقوم عليها، ويجنح ربما الى نفي نصاب الدولة والوحدة السياسية الوطنية والمدنية. ويخيّر الاستيلاء العصبي العشائري والامني البيروقراطي المجتمع وجماعاته بين الامرين المرين العقيمين هذين. فإما الاستقرار أو السلم الاهلي في قبضة جهاز أمني وعسكري واداري يستقي لحمته الاولى والنواتية من غلبة عصبية جماعة المستولين، وهي عصبية مذهبية وبلدية وقرابية وسلكية مهنية وحزبية، وإما الحرب الاهلية والمذهبية المعلنة، على المثال اللبناني منذ 1982 وعلى المثال اللبناني – الفلسطيني في 1971 – 1982، والمثال الاردني – الفلسطيني في 1967 – 1971 وما بعدها على أنحاء أخرى.
  وهو الخيار الذي تحشر الجماعة الخمينية الحرسية المسلحة اللبنانيين بين دفتيه وشفرتيه. وذلك على مثال سوري أسدي عريق، ومثال عراقي صدامي يجاري زميله قدماً وعراقة، ومثال ليبي قذافي من الجيل نفسه، وعلى أنموذج ايراني خميني وحرسي يفوق المثالات الاخرى السابقة قوة وموارد وعرضاً. وهو خيار لم تنفك "القيادات" المستولية على هذه البلدان ومجتمعاتها وجماعاتها تجدده. وسلاحها الاول هو ارساء "الدولة"، أو نظام الاستيلاء، على الحرب الخارجية والاقليمية (و"الدولية" على سبيل الاستطراد المنطقي والذهني) وعلى ظلها الداخلي و الاهلي اللصيق. فلا سياسة داخلية، أي داخل الاجتماع السياسي والوطني الذي يضوي الجماعات، والحال هذه. ولا كلمات أو لغة ومفهومات تتناول علاقات الجماعات المتفرقة (الاهلية والاجتماعية والقومية) بعضها ببعض على وجوه هذه العلاقات الكثيرة، ولا علاقات الافراد، ولا علاقات هؤلاء وتلك بالدولة، بما هي سلطة وهيئات تمثيل وتشريع ومساومة وموازنة. والسكوت عن العلاقات المتفرقة ("المتعددة")، وحظر الخوض فيها إلا همساً (يروي أحد زائري تونس أخيراً أن أحد مضيفيه التونسيين وقف  أمام مبنى وزارة الداخلية ودل بأصبعه الى المبنى وقال هذه وزارة الداخلية! وأردف: لم يكن هذا متاحاً في عهد بن علي)، ليس إلا صدى حظر المعاملات والابنية السياسية والاجتماعية والحقوقية والثقافية التي تبلور علناً محل الدولة والسلطة والادارة من المجتمع وجماعاته، وتحكِّم في سبل البلورة،  والمنازعات والخلافات المشروعة عليها.
  والديموقراطية، وبالاحرى "التعددية" (وهذه تسللت أخيراً الى لغة فاروق الشرع وخطابته اللتين كانت "القيادة" تعلو سنامها المزدوج)، هي هذا، أي إرساء علاقات الجماعات والافراد والهيئات والسلطة على داخل وطني ومدني أولاً يفترض المنازعة والعلانية العامة والمشتركة. وقبل أن تُحمل الخلافات المتفجرة قتلاً واعتقالاً ولجوءاً وتظاهراً وحواجز وعيادات سرية وتهاتفاً مشفراً، على المصالح الاجنبية والاستعمارية، يقتضي الاقرار بحق المواطنين في السياسة الداخلية، والتحري عن أسباب الازمة الداخلية والسياسية (علاقات السلطة وموقعها من المجتمع وجماعاته). وهذا يعود عنه فاروق الشرع في الخطبة "التشاورية" و"الحوارية" الواحدة حين يشترط على "الشعب السوري"، أي على الحركة الوطنية المدنية والديموقراطية، تعاون "جميع أطيافه ومن دون أي تدخل أجنبي"، وحين ينسب "الجدل المحتدم بين الحل السياسي ... والحل الامني" الى "من لا يهمهم مستقبل هذا الوطن أو التغيير تحت سقفه... من دون أن يدركوا أن هذا يخدم مصلحة أعداء سورية في تقسيم الوطن". ويردد لازمة رئيسه في شأن لبنان (وفلسطين ومصر والاردن و... تركيا أخيراً):" ... ان استعانة العرب بالاجنبي واستقواءهم به لم تجلب لهم الحرية المنشودة وانما المزيد من فقدان الامن والارض". فالهرب الى "الاجنبي" نظير السكوت عن الحرب والانفراد والقهر والاذلال والمصادرة والتفريق والتذرير في الداخل، هو فعلاً استصدار ذاتي ومتعسف لبراءة همايونية، ومضي على السكوت القهري عن طبائع النظام العشائري – البيروقراطي.
  وإشاحة الجزء اللبناني المحلي من الجهاز الاقليمي العصبي والبيروقراطي (المستولي على ايران وسوريا) عن جريمة اغتيال رفيق الحريري (وولادة 14 آذار في اعقابها) هو من صنف إشاحة الشطر السوري اليوم عن نشوء الحركة الوطنية المدنية والديموقراطية في أنحاء سوريا وانفجار احتجاجها، ومن صنف المراوغة الحرسية و"الفقهية" الايرانية في "الحركة الخضراء" منذ أواخر ربيع 2009 الى اليوم. فـ"الطبقة الحاكمة"، على وجوه متباينة، في أجزاء النظام الاقليمي – الاهلي المتشابك والمتداخل تريد بقواها كلها استبعاد الداخل وعوامله ومشكلاته وأزماته، من دائرة التقصي عن وقائع "الجرائم" المرتكبة ومرتكبيها ومسارحها وسياقاتها. وإقرارها بدائرة من هذا الصنف لا تنحل في زيارة سفير أميركي من هنا أو برقية موفد غربي من هناك، يصدِّع البنيان السياسي الذي تسلطه "الطبقة الحاكمة" في المركز والولايات على رعاياها ومجتمعاتها وجماعاتها.
"طبقة" الجريمة 
والخطر الداهم في لبنان هو بلوغ "طبقة" الجريمة وراء أو تحت "طبقات" الاجراء، والتحقيق في وقائعها المادية وحوادثها، وليس في بعض الاجراءات والمراحل المفضية الى النواة. وفي هذا الضوء، الوطني المحلي والاقليمي والدولي، تبدو المحطات أو المراحل التي يشترط المظنونون، قضائياً ورأياً عاماً، اجتيازها قبل النظر في القضية – من انشاء المحكمة، ونظام عملها وملابسات اقرارها، وقبلها هيئة التحقيق الدولية ونظامها القضائي وتقارير المحققين وعمل المحققين اختيارهم، وقبلها القرار الدولي 1559، وبعد هذه كلها مسارات التحقيق ومادته وتسرب جزء من وقائعه...- هذه المخططات والمراحل حواجز صنع معظمها المظنونون أنفسهم، ورفعوها في الطريق الى النواة المادية. فالضباط الامنيون الذين تعمدوا إما العبث بمسرح الجريمة عبثاً مسرحياً ومشهوداً، أو دعوة التحقيق الى تعقب الشاب أحمد أبو عدس وتصديق قرينته وحمله على "الموت الامني"، معاً، هم من صلب الوكالة العشائرية - البيروقراطية اللبنانية. وعندما لم يؤدِ تعرضهم الظاهرُ التعمد للتهمة، وهم ليسوا جزءاً من تقسيم العمل الاجرائي والتنفيذي، الى تهمتهم بأدلة بينة، خرج شهود الزور المفترضون، ومعظمهم سوريون ومخبرون عاملون، وشهدوا بما يبدو محققاً للشهادات المجتمعة من السياسيين والمراقبين.
  فأدلوا بشهادات عينية عن اجتماعات ضلع فيها على زعمهم الضباط الاربعة. فأوقعوا التحقيق المستعجل و"الساذج" في شرك حاكوه، ودعوا الى حياكته، قبل أن يعلنوا على الملأ افتعالهم واحتيالهم. وكان بعض هؤلاء استعاده جهازه وحجبه، وبعضهم الآخر حمله تورطه المفرط وتوريطه غيره الى التواري. وربما ساعده على هذ سياسيون مستعجلون رأوا أن احقاق التهمة في متناول اليد. وأثمر تضافر العوامل والشراك والاعداد المحكم والمعقد للجريمة، تقنياً وسياسياً، الى توقيف "الاربعة"، تحميل المسؤولية عن التوقيف المستدرج، من غير أدلة قوية، الى التحقيق الدولي، ثم إلى شريكه اللبناني والى الفريق السياسي الاستقلالي. وحاز المظنونون، أفرقاء وأشخاصاً، "شهداءهم" وقميص عثمانهم. ونفخت حرب صيف 2006 ورياحها التي هبت استجابة لأغراض متفرقة، بعضها تضافر مع الغرض الذي رمى اليه اغتيال رفيق الحريري والاغتيالات المتصلة، في أشرعة المظنونين السياسية فوق القضائية. فاستكملت الاغتيالات، وتولت منازعات الكتل البرلمانية وحال الرئاسة الاولى (الممدة عنوةً) وتسويغ الاستقالات الوزارية، الطعن في صفة المحكمة، وفي اتفاقيتها وحيازتها الشروط القانونية. وانتهك أفرقاء المظنونين الاعراف الدستورية والقانونية والسياسية والنيابية والاعلامية انتهاكاً دعا الخصوم الى اطراح قيود غير ملزمة.
  وطعن تكتل "8 آذار" في سياسة الحكومة (الادارية) الامنية. وآية مطاعنه انشاء فرع المعلومات. فالتكتل المظنون رأى، ولا يزال على رأيه، أن الادارات جزء من حصونه، وآلة في حربه الاهلية والاستئصالية المعنوية والسياسية اذا امتنعت الحرب المادية والجسدية، على "العدو". فلما توسل "العدو" الحاكم بالادارة الى حماية نفسه، والى حماية اللبنانيين عموماً، وهذ أضعف حقوق اللبنانيين على "14 آذر" وعلى الدولة اللبنانية، شن تكتل المظنونين وحلفائهم الجدد حملة مدمرة على الدولة والادارة والمجتمع جميعاً بذريعة اضطلاع "14 آذار" بجبه المظنونين. ففرضت اضراباتهم العامة القسرية واحتلالاتهم، وقطعهم الطرق الى المرافق الحيوية، والصدامات الاهلية والموضعية المنظمة والمتدرجة، واستدراج الجيش الى المخيمات والاحياء وشله، وتواتر ضرب جديد من الاغتيالات اتفق واستخراج شعبة المعلومات ترسيم الاغتيال الاول وبعض الاغتيالات اللاحقة وشبكتي التعقب والتنفيذ اللتين تولتا العمل. وتوج اغتيال الضابط وسام عيد، مستخرج الترسيم، وقبله محاولة اغتيال الضابط سمير شحادة من شعبة المعلومات، السياق هذا.
  وكانت الجماعة الخمينية والحرسية المسلحة أرست شبكة اتصالاتها الخاصة، واستقلت بها على رغم الدولة. ووسعها اختراق جهاز اتصالات الدولة، والشبكات الفرعية، وجزء من الشبكات الاقليمية. وكان بعض دأبها أعمال تنصت واسعة وعميقة على اتصالات لجنة التحقيق الدولية، ثم على اتصالات مكتب المحكمة. واستدراج التحقيق من طريق الشهود المزروعين والمصطفين، ومن طريق التعرض المتعمَّد للتهمة، قد يدعو الى ظن الاستدراج في اذاعة بعض اسماء المظنونين المباشرين الاربعة من طريق الصحيفة الفرنسية "لوفيغارو" والاسبوعية الالمانية "دير شبيغل"، وضلوع أصحاب المظنونين في الافشاء. فتشابك الشبكات، واختراق بعضها بعضاً، واضطلاع بعض الصحافة بمهمات استخبارية وقيام بعض الاجهزة الاستخبارية بأعمال صحافية، وإقبال الدول والجماعات والاحزاب على الاستخبار والاعلام في بيئة تكثر فيها جبهات "الحروب" والتشبيه والتضليل على أنواعها، هذا كله يجعل من ترجيح جهة واحدة مصدراً لتسريب يجوز استعماله على أكثر من وجه، على ما يفعل خطيب الجماعة الحرسية، جزءاً من عمل حربي أو شرك منصوب.
  ويصح القول نفسه في ذيول التحقيق والمحكمة والمسائل المتفرعة عنها مثل محاولة سعد الحريري مصالحة رأس الجهاز الاسدي، وزيارته دمشق، وكلامه في "شهود الزور"، وقبوله خطة مقايضة الادعاء في القضية بـ"تمدين" الحزب المسلح وضويه في اطار سياسي ووطني خارج التسلط العشائري والبيروقراطي السوري. ولكن هذا لم يستقم في ميزان "مجتمع الحرب المستشري والمستميت. فالاقرار بصفة الواقعة، واقعة اغتيال رفيق الحريري وولادة 14 آذار" من حمل اللبنانيين الاغتيال على جريمة ارهاب سياسي، وبحقيقتها المادية وجواز الاحتكام الى هيئة قضائية دولية تتولى الحكم فيها، يفوق (الاقرار) طاقة الفرع الحرسي، ناهيك بالرأس أو الرأسين، على الاحتمال. وذلك الى أن تقوض الحركتان الوطنيتان والمدنيتان الديموقراطيتان بإيران وسوريا النظامين العصبيين والبيروقراطيين المتسلطين على الدولتين والمجتمعين ويقوض اللبنانيون حرسييهم المحليين.