الأحد، 24 يونيو 2012

غسان تويني... علماً على ضيافة وجوار لبنانيين لم يشفٍيا من كذب الهوية الواحدة

المستقبل - الاحد 24 /6/2012
لم ترَ مكاتب التحرير في الفضائيات العربية او المحلية اللبنانية حرجاً في نعت غسان تويني، حين اعلان وفاته يوم الجمعة في 8 حزيران، بالنائب والوزير والسفير والكاتب، تباعاً وعلى هذا الترتيب. ولا تلام مكاتب التحرير لا على الترتيب ولا على غيره. فهي تردد اصداء ظن شائع. فلا غرو إذا حسبت ظنون شائعة ومتواترة أن تعريف رجل عام، أي تعاطى الشأن العام وهو السياسة، بشارات الحكم وعلاماته وألقابه، من نيابة ووزارة وسفارة، أولى من تعريفه بمهنة مبهمة مثل الكتابة، أو أدق تعريفاً اجتماعياً مثل الكتابة الصحافية.

[الخاص والعام

وقد يكون التباس المراتب، ومعايير الترتيب، شأناً ثانوياً حين تناول رجل، أي سيرة رجل، مثل غسان تويني. وأكتب "مثل" من غير أن أدري، لا على وجه الدقة ولا على وجه التقريب، علامَ يمثِّل غسان تويني، ولا بماذا يمثَّل به. فهو، على ما أحسب، عَلَم على علاقة الخاص بالعام، أو سيرة المرء في بيته وداره، وبين خواصه وصحبه وأهله، وفي انعطافاته ونفوره وأحوال انفعالاته ورغباته. وهو سيرته في صولاته وجولاته وجهره وأحلافه وعداواته ومخاطباته الآخرين، أفراداً وجماعات، واحتكامه في هذا كله الى موازين أو معايير تتعرَّض للمناقشة والآراء العامة، أو تقبل العمومية، والمشتركة، أو تنشد الاشتراك. وعَلَميته هذه، وهي مرتبة في الدلالة والمعنى، لم تطرأ عفواً واتفاقاً، ولم يصنعها غسان تويني، على ما أراد وشاء. فهي بنت إرادة الرجل ورغبته ونازعه وموارده، وبنت الحوادث والوقائع والهيئات التي لابسها واختار، على هذا القدر أو ذاك، أن ينقاد لها أو ان يتصدى لليِّ وجهتتها.

وفيما قرأت عنه، أي ما قرأت فيه من مقالات قبل وفاته بوقت طويل وغداتها وما سمعت من قبل (وبعض ما قرأت غداة الوفاة، على ما أذكر)، في هذا يتنازع وجها الخاص والعام، ويلابس الوجهُ الوجهَ ولا ينفك منه. فالكتّاب لا يتخلصون من تناول خاص الرجل موت الأولاد الفاجع، مرض الزوجة قبل وفاتها، ترجحه بين فنون الكتابة، هواياته وأهوائه... حتى يعودوا ويمزجوا هذا الخاص برابطتهم به، وهواهم، ورأيهم فيه وفي أحواله: السياسي والكاتب والمرء الحي، مرة أخرى، في آخر المطاف وفي أوله من غير تفريق.

وقد يستجيب هذا الخليط، أو الانقلاب من وجه الى وجه والعود الى الوجه الاول قبل الانقلاب من جديد، نازعاً قوياً حمل غسان تويني نفسه، على الاخص، في اثناء فصول الحروب التي تقلبت على لبنان واللبنانيين وتقاذفته وتقاذفتهم، ولم تنفك تتقاذفه وتتقاذفهم، الى اليوم، حمله على التوسط بين "شعبه" وبين الحياة ( او "العيش"، على قوله في مناشدته "العالم" وهيئة أممه المتحدة). وهو غسان تويني، الوسيط الجامع في صوته وصرخته، وفي القرار 425 والقرار 426 غداة عملية الليطاني الاسرائيلية وديبلوماسيتهما المتزنة، آلامَ المعتقلين والمهجرين وإرادة الدولة المسؤولة عن الارض والمصائر. ولعله مال على الدوام ميل هوى الى الاضطلاع بهذه الوساطة، والى رسوخه هو، لغة ولحماً ودماً، في حلقاتها الثلاث من غير انفصال ولا فصام. وفي خضم حسابات 1952 المتقاطعة والمعقدة بينما كانت تختلط ذيول 1948 الفلسطينية بذيول 1949 الانتخابية المزورة والانقلابية السورية والقومية السورية، و"تثأر" السياسة البريطانية من حليفها الفرنسي، ويلوح في الافق العربي من جهة مصر تقدمُ منطق القوة الانقلابي، على قول تويني، على المنطق البرلماني المتلعثم والعقيم خرج صاحبنا بصرخته الاول ربما التي استعارها من العامة: "بدنا ناكل جوعانين". وكانت ولاية كميل شمعون، يحفها اقتراع كمال جنبلاط التقدمي الاشتراكي والاصلاحي الاجتماعي والروحي، وتأييده، جواب الصرخة.

والحق أن مهمَّ غسان تويني (أي باعث همومه) أو شاغله في هذا المعرض، وفي معارض كثيرة لاحقة، لم يكن مطابقة كميل شمعون، "الهاشمي" الاقليمي والليبرالي التجاري والمغامر وصاحب وجاهة الاستعراض السياسية والشخصية الجديدة، إلحاحَ الجوع، ولا العزم أو القوة على معالجته. والمعالجة التي نجمت فعلاً عن سياسة كميل شمعون الاقتصادية إنما ترتبت على تداعي المفاعيل ولم تقصد لنفسها، وهذا لا يتنافى مع المذهب بل هو في صلبه. فشاغل الصرخة التوينية في الوقت المبكر هذا من سيرته المهنية الصحافية والسياسية وسيرة الرجل اليافع، كان إخراج المسألة السياسية والعامة مُخرج المعاناة الحسية والنفسية الأليمة والصارخة. ولا يخلو الإخراج أو الجلو على هذا النحو من مسرحة مشهدية، ولا من خطابة متمادية. ولا ريب في أن الإيقان الثابت، على مثال ديني بيزنطي قيامي أو روماني، بعدالة القضية التي تتناولها الوساطة على مثال التجسيد والشهادة والقيامة، وبرسالة المندوب الى التبليغ والبشارة، هذا الايقان المزدوج دعا "التويني"، على تسميته بعض محبيه، ودعا مريديه ومن تتلمذوا عليه، الى الاقبال على المسرحة والخطابة والوساطة من غير تحفظ ولا اقتصاد.

[الكونية والعصبية

والتطرق الى هذه المسألة، قبل جلجلة الرجل وفي اثنائها وهي لا بَعد لها إلا... القيامة، وهذه لا علم لنا بها إلا من طريق التصديق المحض، محرج. فالانتباه الى المسرحة والخطابة يُخرج المنتبه من المشهد، أو المَشَاهد على قول الشيعة الإمامية، وما يحسبه المؤمنون لجة عميقة، الى صحو سطحي وتقريري وجانبي. وحرص تويني، صاحب "النهار"، ومعمارها وعقيد حروبها ومعماتها، على تأمين خطوطه الخلفية، إذا جازت الاستعارة الحَربية والميدانية. فنأى بالقضايا والمسائل التي رفع راياتها على منبر صحيفته الوطنية اللبنانية "المؤتلفة"، وهي فريدة في بابها يوم كانت الصحف الأخرى ألسنة غرضيات محلية وأهلية، من صيغها الأهلية أو الحزبية التي لم تفارقها، ولم يكن لها أن تفارقها أو أن يسعها مفارقتها.

فقبل "ثورته" في 1952، و"الجبهة الوطنية الاشتراكية" على زعم القطبين الشوفيين، على الرئيس الاستقلالي الأول، خرج الحزبي والناشط العشريني على انطون سعادة، ونظامه الحزبي، ومعه رهط لامع من الجامعيين الفلسطينيين. ودار الخلاف على جواز ادعاء الحزب، وصاحب دعوته وبَيْعته وتعاقده، الاحتكام الى قيم ومعايير "سورية" تتقدم القيم والمعايير العامة والجامعة، الانسانية الكونية، على مذهب "التنوير". وعلى حين أوجب "الزعيم" اعتقاد القيم والمعايير السورية الخالصة، وأوجب فرادتها وخصوصيتها، وخواء المزاعم الجامعة والعامة الكونية، وهذا على خطى مذاهب قومية جماهيرية اجتماعية شاعت في انحاء شرق أوروبا وبعض وسطها غداة الحرب العالمية الأولى وفظاعاتها وأهوالها لم يتردد صاحب "النهار" والرهط الفلسطيني معه في الانشقاق عن النظام "المناقبي" "السوري"، والخروج عليه.

ولم يحمله انشقاقه على الطعن في صاحب النظام الحزبي، ولا على جفاء أنصاره ومريديه ومشايعيه. فهو انتصر للفكرة والاصل الكونيين والاخلاقيين التنويريين، على الدعوة العصبية والقبلية السلالية، وأصبح على ظنه في حل من معاداة الرجل وشيعته. وحين خرج انطون سعادة على الدولة اللبنانية، على رأس بعض العشائر والعسكريين و"المخابرات" المبكرين، وحكم القضاء العرفي والعسكري فيه بالاعدام، وصف غسان تويني الإجراء بـ"الاغتيال". ودعاه الى وصفه الخطير هذا داع أو شاغل قضائي وحقوقي صوَّر له جواز محاكمة علنية وعادية يحتج فيها الخصوم المترافعون لقضاياهم، ويدفعون حجج خصومهم ودعاويهم. ويفترض تجويز مثل هذه المحاكمة بعض الاجماع السياسي والتاريخي على محل الدولة وهيئاتها وقضائها من الجماعات ومنازعها، وعلى دورها في التحكيم في الانقسامات والمنازعات. ولكن اطمئنان خالف جبران تويني على صحيفة والده ومساعد شارل مالك بسان فرنسيسكو ونيويورك، الى عدالة دعواه الجامعة والعامة، واستقامة أسسها وأركانها، هذا الاطمئنان سوغ من غير تردد ظاهر مساواة الحكم القضائي المستعجل بجريمة خاصة.

وربما خطر للصحافي الرأي القاطع، والمحرض بعض الشيء، وربما لم يخطر أن الوصف بالاغتيال لا يبعد كثيراً من تسويغ عملي وأخلاقي لـ"رد" باغتيال مثله. والبادئ (من البادئ في الحال هذه؟)، وهو القضاء العسكري العرفي، ظالم من غير مقايسة ولا أسباب مخففة. فهو جزء من دولة وكيان حقوقي وقانوني، ولا عذر له اذا اشتط أو أفرط في إعمال قوة الحق العام، ووضعها موضع خادم مصلحة خاصة. فخلط وصفُ الفعل القضائي المتسرع، والناجم عن حرج عميق، بالاغتيال التشخيصَ القانوني والاخلاقي المجرد بالغفلة عن الاشتراطات الاجتماعية والثقافية لإعمال المسرح أو الميدان القضائي، على قول ويزينغا (صاحب "انسان اللعب")، جهاراً نهاراً. وبينما يسع صاحب التشخيص القانوني، والاخلاقي المجرد وهو في هذا المعرض غسان تويني الخارج لتوه من حزب سعادة، والمنكر عليه تقديم الجزئي الحزبي على الجامع العام الكلي- الإدلال بطهارة كفه ويده وبانتصاره للحق انتصاراً خالصاً، يتخبط من يطعن في صدق التشخيص، ويدعو الى احتساب الاشتراطات والملابسات والنظر فيها، في ترتيب المقتضيات والمسوغات والمقارنة بين احتمالات معظم نتائجها طي الغيب المجهول والخفي. فيضطلع صحافي الرأي بالدور المجليّ والناصع، ويلبس السياسي القميص الملطخة بالقذارة والاوساخ. وقد يسدد الحساب من دمه وعمره، على ما حصل لرياض الصلح.

والقسمة هذه هي من محدثات الديموقراطية وبلورتها رأياً عاماً، يشار إليه منفرداً ويراد بمفرده جمعاً يتعدد كتلاً وتيارات وأفراداً. و"صناعة" الصحافة هي، بدورها، من ولائد الرأي العام وقيامه رقيباً وقيداً على السياسيين، ومنازعته إياهم "قيادة" الدولة وأجهزتها ومرافق الاجتماع، على قدر انقياد هذه جميعاًالى قيادة. ولا ريب في ان غسان تويني كان في جملة مديدة وعريضة من كتاب رأي عرب، حصة اللبنانيين منهم وافرة، انتبهوا الى قوة "السلاح الميتافيزيقي"، على ما سمى ت. إ. لورنس مزيج الصحافة والدعوة الدينية، هذا، على النحو الذي أعمله شريف مكة الهاشمي في ثورته على العثمانيين. وهو احتذى على دمجهم تناول العامة، المدنية والاصلاحية والتاريخية، في الكتابة الصحافية واليومية. فما من كاتب إلا وهو مفكر، وما من كاتب مفكر إلا وهو داعية إصلاح ومحرض على الاحياء أو التقدم أو النهضة من طرقها المتفرقة.

[الصحافي والسياسي

وتصدى لهذا الدور المتاح في "بلد" أو مجتمع لا تقوم دولته، ولا "طبقته" الحاكمة، وصية قاهرة على وجوه تدبيره الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية، من يملكون مقومات النشر الصحافي ومقتضيات الدور السياسي أو المكانة السياسية، ومن كان يسعهم مزج العملين، والترجح بينهما، والإدلال بمزايا الجمع والترجح على رغم الفرق بين معايير العملين وغاياتهما ومناهجهما. وأتاحت الصحافة في لبنان لغسان تويني، ولكثيرين غيره من اصحاب قرنه أو جيله مثل كامل مروة ورياض طه ونسيب المتني وسليم اللوزي وفؤاد حداد (أبو الحن) وآخرين، اداء دور مولِّد أو مختلط جمع من "المهنتين" بعض مقوماتهما وآثارهما. فالعلانية الاجتماعية والسياسية اللبنانية، تضافرت مع المنازعات والانقسامات المتفرقة وغير المستترة، ومع قوة الهوى السياسي العامي وتحكمه في الجماعات الاهلية، تضافرت كلها على تغذية الصحافة، وتكثير منابرها، واحتداد خطابتها. ولكن المنابت الاجتماعية العامية التي تشاركها معظم الصحافيين وأصحاب الصحف الذين تقدمت أسماؤهم، ونشأتهم في جماعات أهلية لم تضعف فيها بعد بنيتها المرتبية، ومباشرتهم الصحافة ابتداء من غير وراثة، حالت بينهم وبين مزاولة السياسة أو النجاح في المزاولة، على خلاف غسان تويني.

فهو سليل عائلة أرثوذكسية تصدرت في اثناء النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع آل سرسق و"خواجاتهم"، ارتقاء بيروت الى أحد موانئ شرق المتوسط الاولى، مع الاسكندرية وإزمير وبينهما. ولم يُخرِج ارتقاء العامة المسيحيين اصحاب المراتب الجديدة من جماعاتهم، على خلاف عامة الجماعات المسلمة، ولم يشطرها شطرين متحاربين، على خلاف الجماعات المسلمة كذلك والشيعة الاماميين على وجه الخصوص. فبقي الشاب المتحفز والداعية الحزبي " النهضوي" ومحترف الصحافة وعلانيتها، بين أهله، وفي ربعه. فلم يُفرَد على حدة، ولم يُدع الى اطراح رومنطيقيته الجامحة. وأسعفته اقامته الدراسية والديبلوماسية المبكرة في بعض العواصم العالم الجديد والمولود من الحرب الثانية وأطوار عولمتها العسكرية والاقتصادية والحقوقية غير المسبوقة. فتقدمت احاطته بأحوال العالمين على مطامح النخب اللبنانية الاهلية وصبوتها الى محاكاة المثالات التي تتلمذت عليها، وكانت في اصل سبقها الاجتماعي ورجحان كفتها السياسية (وليس سيطرتها).

وعلى خلاف السياسيين والصحافيين، من أقرانه وغيرهم، لم يحترف تويني السياسة (على قدر ما احترفها) من داخل أبنية السياسة اللبنانية ومراتبها وعصبياتها، من غير أن يغرد طائراً خارج سربه. ولم يحترف الصحافة على شاكلة الصحافيين المحترفين، إما الموالين لجماعاتهم والمعولين عليها وإما المترفعين عن الولاء والمستظهرين بمرتبة سامية وجامعة تهيمن على الولاءات الجزئية، من غير الاقتصار على الهواية الاريستوقراطية. فأقام على حلم مستحيل لوَّح له بإمكان نهوض الصوت الانتخابي على "الصياح" الصحافي، واتصال الاول بالثاني وصدوره عنه. فلا يدين الصحافي بانتخابه لمقعده البرلماني الى احلاف اللائحة المعقدة في دائرة عاليه: أصوات الارثوذكسي متنور الطبقات الوسطى الى اصوات الدرزي الارسلاني والشمعوني الى أصوات الماروني رجل الاعمال البيروتي الثري... أو في دائرة بيروت الاولى، بل يعوم على المياه المجتمعة رأياً عاماً من القراء الذين استمالتهم الصحيفة واحداً واحداً، ومعركة بعد معركة، وخبراً بعد خبر، وأخرجتهم من أسوارهم العشائرية والمحلية والعصبية الى رحاب "منطق" أو "عقل" مشترك ، الصحيفة الصباحية لسانه الفصيح.

ومن المفارقات الكثيرة أن طريق غسان تويني الصحافي الى نيابة الرأي رمته على الدوام في احضان عصبيات حادة، وألزمته الركون اليها، وأن مَن قلما احتاجت اللوائح النيابية الى سهمه في رميها، رحبت به الوزارات والرئاسات مشيراً، وصاحب شعارات، وخطيباً مثيراً. وبقي طيف جان جاك سيرفان شريبر، منشئ اسبوعية "الاكسبرس" الفرنسية في اوائل الخمسينات وعضد بيار منديس فرانس على تصفية الممتلكات الاستعمارية، وداعية جمهورية حديثة قوامها "عقد ولاية" بين الحكومة وبين غالبية نيابية تؤيدها على رغم اخفاق الصحافي في الانقلاب أو التحول سياسياً نافذاً، بقي يداعب خيال تويني. فإذا أزف وقت تصفية شهابية ضعيفة وآفلة، انقلب عليها قبل 6 أعوام أركانها البرلمانيون وجفتها الكنيسة المارونية لم يبق وفياً لها غير بعض العسكريين المعتادين تنفيذ الاوامر، كانت "النهار" واستاذها الاول، على موعد مع رئيس شمالي هو خلاصة او زبدة عيوب "الطبقة" السياسية الحاكمة: ضيق أفق، ومحاصصة، وجهلاً بمقتضيات عمل الدولة.

ومع سليمان فرنجية هذا، وجه "ديموقراطية الصوت الواحد"، على قول غسان تويني فيه وهو ذهب مثَلَاً متناقلاً على رغم مفارقته المتعمَّدة وزيفه العميق، مع رجل البارودة وجرن الكبة وقدح العرق والمسبحة و"بز" السيجارة والشروال، على ما صوره بيار صادق الرسام وأحد أعلام "النهار"، ومع صائب سلام، رئيس الوزراء العائد بعد "دهر" من التعليق والتواري الداخليين، أراد الاستاذ التويني طي صفحة الشهابية وتجديد صيغة الحكم و"شبابه"، وحمله على التصدي لمشكلات العصر الكبيرة والحادة على ما تراءت في مرآة "ثورة الشباب" العالمية في 1968 وربيعها وخريفها الداب. وكانت الصحيفة اليومية اللبنانية الاوسع انتشاراً، والاحدث طباعة ومطبعة، والأغنى تحريراً، والاكثر تنوعاً وملاحق اسبوعية، والأسبق الى زرع المراسلين المقيمين في اليمن والخليج وندب المراسلين الجوالين الى مصر وبراغ وفيينا وواشنطن كانت (كان استاذها في المرتبة الاولى) تهتز اعطافها ترحيباً بموجات الربيع الطالبي والشبابي الاوروبي وتتغاضى عن الربيع الاميركي والاسيوي، وتهلل لمزيج الافعال والاقوال الشعرية والجرأة السياسية والمطلبية الجامحة والمنضبطة. وتولى جناحها "الشعري" الوجوه الثورية والغنائية والفوضوية من الحركات الطالبية الربيعية، وأدرجها في تراثه وتجديده المحليين والعربيين.

[الجوار المضياف

وتولى سياسيو "النهار"، غداة 1967 وهزيمتها المدوية وبدايات الكفاح الفلسطيني المسلح واستدخاله المعارضات العربية الطالبية واليسارية في المرتبة الاولى، تثمير اصداء الحركات وذيولها في الحملة على الانظمة العسكرية المستولية ونزعاتها الادارية والامرية، الاجتماعية والثقافية المتزمتة، وأحلافها الشرقية والسوفياتية. ودمج السياسيون النهاريون، على نحو متعسف، شهابية الهزيع الاخير من عهد شارل حلو، المتردد والمتلعثم والمحبط، في الانظمة العسكرية العربية، "الشيوعية" على زعم ريمون اده، أحد ملهمي غسان تويني السياسيين والمتناقضين. وكان مرشد "النهار" ومجددها اليقظ والمتنبه راقب من باريس، منبهراً ومفتتناً، هبوط أول مركبة فضائية (اميركية) مأهولة على سطح القمر في 1969. وبعث فيه الانجاز العلمي والتقاني حماسة محمومة. فحسب أن في وسعه النظر من علياء الصنيع هذا الى أحوال "هذه البلاد"، واقتراح صيغة نهضة علمية وتقنية عليها، وعلى شعوبها وحكوماتها في ضوء ما رأى على شاشة التلفزيون بباريس، وما رآه مثله مليار ونصف المليار من البشر بينهم عشرات الملايين من العرب. ولعل كشف الحساب العربي العسير في محاوراته مع جان لاكوتير وجيرار خوري الموسومة بـ"قرن بدد" (أو "قرن للاشيء") ولد في العشرة الباريسية هذه.

والمنزع الى "الاستشراف"، والى التحريض بناء على الاستشراف المفترض وحسبان الانفراد به، هو من ميراث النهضويين العرب، حداثويهم وسلفييهم الاحيائيين معاً. فغلبت على الخطابة التوينية والنهارية، إذا استثنيت بعض أعمدة ميشال ابو جودة، إرادوية سادرة، وميل الى الكرازة. وعظَّم هذا الميل تولي صحافي الصحيفة الاول، وهو السياسي الصحافي المولَّد والموشَّى على ما مر، ادارة التحرير اليومية، التنفيذية والتخطيطية في دقائقها وتفاصيلها. وهوى الصحافة السياسية، وقربه من هوى السياسة وامتزاجه الحميم به، نأى بـ"الاستاذ" من الانتباه الى مثال صحافي غير مثال صحافة الرأي العربية والنهضوية التقليدية، هو صحافة التحقيق، الاميركية أولاً، أو صحافة التقصي والاستطلاع والوصف والرواية و"الاستخبار"، على قول هيردوتس أو النساخين الذين تولوا عنونة تقصيه في بلاد العالم القديم. فكست صفحات الصحيفة المتكاثرة العدد آراء وأفكار في الشاردة والواردة. فلا يدلي سياسي، أو اداري او نقابي او ناشط من كل حدب وصوب (وكان امتياز أو مائز "النهار"، محاولتها الاحاطة بمصادر القول وانحائه كلها)، إلا واستقبلت الصحيفة دلوه. وانتهى الأمر بها، غداة إحكام القبضة الاستخبارية السورية، الى التحول مجمعاً من مراسلي المنظمات السياسية، وفيديرالية معلقين ووكلاء تيارات لا رابط بينهم.

وغداة خروج المنظمات الفلسطينية المسلحة الى العلن السياسي والاهلي المحلي والدولي، ولجوء المعارضات الحزبية العربية الجديدة والقديمة الى بيروت، بادرت هي الى استكتاب اصحاب الرأي، المتفرقين على صحف يومية وأسبوعية كثيرة اختارت بيروت منبراً وموئلاً قبل هبوب الاغتيالات والتفجيرات عليها وعلى ضيوفها، وجمعتهم في مياهها المختلطة والمتدفقة. فكانت مرآة تنوع مرسل وجوار مضياف لا يحتكمان الى حد أو وازع أو "غلبة في التأليف"، على قول ابن خلدون الذي أوجب في التأليف بين الكثرة غلبة أو مرجعاً ينتهي اليه التداعي لا إلى غاية. وفشت الفتاوى المأذونة التي مال "الاستاذ"، في ذروة انتشار صحيفته واستحواذها على "سوقي" القراءة والاعلان، الى الاحتذاء على اسلوبها، في صفحات الصحيفة الليبرالية. وانتصب المحررون، وكلهم معلقون وكتاب افتتاحية وعمود، في الاقسام كلها قضاة لا راد لفصلهم وبتهم في ما يلتبس على الناس ويشكل من شؤون وشجون. فكانوا، في غرة شارع الحمراء الشرقية وفي مرافق الشارع المتدافع والمحموم، صنفاً مختلفاً من الناس، بريئاً من منازعاتهم وانقساماتهم واضطرابهم وخفاء وجوه منهم على ادراكهم وارادتهم ورغباتهم المعلنة. وأوهمتهم أسفارهم ورحلاتهم واقامتهم في بعض عواصم العالم بعالميتهم، وطليعيتهم العالمية، ومكانتهم المتقدمة في مراتب الابداع والخلق والذوق.

فلما استأنفت الحركة الطالبية، وهي في القلب من روافد نقابية واهلية وعروبية ولبنانية، اضراباتها وتظاهراتها، وتبوأ غسان تويني نيابة رئاسة الوزارة في ظل "قبضايين" سياسيين أهليين ومحترفين، حسب أن في وسعه اخيراً تجسيد حكم "الرئيس الصحافي"، عوضاً عن "الملك الفيلسوف" اليوناني أو الامامي الاثني عشري، شريكاً فكرياً عاملاً لرئيس البارودة ورئيس النبوت والقرنفلة. وحمله الاعتداد بالنفس، والتشبه بالمثال الاوروبي المفترض، الى سحر التخييل الاعلامي الطاغي الذي زاولته "النهار" وانقادت اليه، حملته هذه مجتمعة في خضم صخب معمٍّ على تصديق ظنون حميمة صورت له أنه نجح في اصابة الكيمياء الموعودة، أي تسيير الحكم ودفته بواسطة الحمى الصحافية. فاحتلت محاورة خاطفة ومبهمة بين وزير التربية الذي نزل من مكتبه الى الطبقة الارضية حيث طليعة المتظاهرين، وبين بعض الطلاب الثانويين، عناوين الصحيفة الاولى والغليظة (الحرف). وأرهصت المحاورة، على زعم "الصحيفة" بنهج جديد في السياسة والتصدي لمشكلاتها وحلول المشكلات. وتمادى الصحافي التويني في اقتناص "مفعول الاعلان"، على القول الفرنسي، فأوعز الى الوزير تويني بإجراء رقمي وجزئي أراده مدوياً، وهو افتتاح 50 مدرسة ثانوية مسائية. فجلا الاجراء حلاً ثورياً لقضايا البطالة والاستيعاب والتصفية التعليمية، المتشابكة بقضايا الهجرة من الارياف، وغلبة الفتيان والشباب على اهل الجماعات الطائفية المهاجرة، ونزول هذه ضواحي وأحزمة داخل المدينة الكبيرة ومنفية منها وانقيادها المتردد والمتفاوت لسياسة "البندقية" والهوية الفلسطينية الجديدة.

والحق أن هذا لم يكن خير ما تفتقت عنه مسيرة الرجل أو قريحته. وهو ليس قرينة على التخبط والارتجال والتنقل بين أوجه المشكلات والاحوال والسياسات، على ما قد يُشتمّ من الرواية المتقدمة. فسبل السياسة ومسالكها في مجتمع تحرر من ربقة سلطان قاهر من غير أن يتوج تحرره في صيغة عقد سياسي ووطني، شديدة الالتواء. وامتنع التعاقد القوي على الجماعات المستسرسلة في التحاقها رعية بسلطنات آفلة أو بازعة أو مختلطة (وهو ما حسبه "الاستاذ غسان" حروب الآخرين، أشهر كلماته ربما). وعلى هذا، استغلقت سبل السياسة ومسالكها في هكذا مجتمع أو مجتمعات، على غير الملهمين وأشباه الائمة والأولياء. وعلى رغم تتلمذ تويني على انطون سعادة، وبعض الافراط في الجمع بين اليقين والحقيقة والاطمئنان الى "العلامات" وتأويلها، لم يركب الرجل هذا الشطط. وامتحنت الحروب الملبننة والمتوالدة والمتحولة صاحب "النهار"، و"نهاره". فاضطرت الحروب الصحيفة، وصحافييها وقراءها أو شطراً منهم، وصاحبها في المرتبة الاولى ربما، الى الخروج من قوقعة الاصطفاء والارادة النرجسية والجبرانية. واضطرها انفجار الدولة والمجتمع اللبنانيين الى الصدور في ثوب خلق مثَّل على زوال السحر، من غير شك، وعلى ثمن السعي المستميت في احقاق هوية "حقيقية" لا تشوبها شائبة الداخلية ولا شائبة الساحلية، "لا شرقية ولا غربية". وطوال عقد ونصف عقد على اضعف تقدير، أقامت الصحيفة اليومية "الكبرى" على خلقها وفقرها، وعلى لبنانية غريبة هي الظل النحيل والقاتم لاحتراب اللبنانيين واقتتالهم شيعاً وأحزاباً على جدار من الكلمات المرصوفة والمكابرة.

وطوال هذه الاعوام الطويلة المريرة، كانت "النهار" الخلقة والفقيرة، نتفة شامخة من الوطن اليومي الذي كنت أنام كل خاتمة نهار مبكرة على نزعه المتطاول ولا أفيق، مع "نهار" غسان تويني، على غير نتفه الدامية والباقية. وكان هذا دواء شافياً من كذب الهوية "الحقيقية"، العروبية، ومحاكاتها المميتة الطهر والقداسة والملحمة المظفرة على طريق النفس الواحدة والمجتمعة.

الأحد، 10 يونيو 2012

دمج العدو الداخلي والوطني (السوري)في قطبية المشرق الخصيب/الخليج القاحل


المستقبل، 10/6/2012

يرسو رد نظام بشار الاسد على الحركات الشعبية السورية المناهضة، والتكتل الدولي والاقليمي المساند، على دمج العنف البربري، العشائري والبيروقراطي، الذي تتوسله القوات النظامية واحتياطها الاهلي، في اثنينية جغرافية سياسية واستراتيجية تنهض على دائرتين متقابلتين ومتعادلتين هما دائرة الهلال الخصيب، من جهة، ودائرة بلدان الخليج أو شبه الجزيرة العربية، من جهة ثانية. فغداة مجزرة الحولة، وبعد لقاء كوفي أنان، مبعوث الامم المتحدة (والجامعة العربية)، في 29 أيار، ابلغ بشار الاسد المبعوث الدولي أن "المجموعات الارهابية المسلحة صعدت من أعمالها الارهابية في الآونة الاخيرة في شكل ملحوظ في مختلف المناطق السورية ومارست اعمال القتل والخطف بحق المواطنين السوريين...". وهو الشق الامني والأهلي من التشخيص. وأرفق "الرئيس" قوله أو إيضاحه، على قول "سانا"، بـ"تأكيده ضرورة التزام الدول التي تقوم بتمويل وتسليح وإيواء المجموعات الارهابية بهذه الخطة" (خطة أنان)، وهو الشق الاقليمي والدولي من التشخيص. وكرر في خطبة 3 حزيران مقالته.

وفي اليوم نفسه، وقبله بأيام وبعده بأيام، تناوب الفريق "المدني"، التقني الديبلوماسي والسني (وليد المعلم وبثنية شعبان وفيصل المقداد وجهاد مقدسي)، على تفصيل الشقين ودمجهما الواحد في الآخر معاً. فأرسل المعلم رسالة الى نظيره وصنوه اللبناني يأمره فيها بإبلاغه ما انتهت اليه التحقيقات في المركب "لطف الله -2" الذي ضبطت فيه اسلحة مهربة، وفي مصادرها في المرتبة الاولى. ودأب "عامل" الاسد في لبنان على تسمية بلدين خليجيين يحملهما المسؤولية عن التهريب المشهود (والمجهول المصدر) والمنحول والمحتمل بينما تقتل القوات السورية على الحدود الشمالية – الشرقية مزارعين (لبنانيين) وصياد أرانب ومهربين من الاصناف جميعها رعتهم الاجهزة "العربية السورية" عقوداً طويلة ويسّرت أعمالهم واستخدمتهم.

أجنحة متكسرة

وأما صحافة "المقاومة" بساحة لبنان وثغره وإقليمه فلا تمل ولا تضجر من الابداء والاعادة في سرد فقرات المرحلة التي نجم عنها الانفجار السوري: إجلاء القوة العظمى الصاعدة الايرانية، المستوية قوة نووية تتمتع بحقوق القوة النووية الثابته، القوةَ العظمى السابقة الآفلة الاميركية عن العراق عنوة، نشر هذا الاجلاء الذعر والارتباك والهستيريا في صف حلفاء أو اتباع الدولة الاميركية المتهاوية، أي دول الخليج واسرائيل. فاجتهدت في اضعاف القبضة المجاهدة من طريق إخراج الحلقة السورية ثم حلقة الجماعة الخمينية المسلحة في لبنان من الطوق المقاوم والصامد، على ما ينوه باتريك سيل كل أسبوع تقريباً وبالعبارة الثابتة نفسها. وليست "حوادث" سوريا إلا ثمرة الهلع الاميركي والاسرائيلي والخليجي والتركي العثماني، وتواطؤ هذه الاجنحة المتكسرة على مربع الصمود الامبريالية الصليبية والاستيطان العنصري والنيوليبرالية المتوحشة.

ويبعث الرد الاسدي على الحركة السورية، ودمجه التشخيص الامني الارهابي في التشخيص الاقليمي والجغرافي السياسي وقسمته، يبعث شطراً عريضاً من تاريخ النزاعات والحروب والانقسامات العربية في نصف القرن الاخير. وحملُ الرد الاسدي على بعد أو عمق تاريخي ينأى به، ظاهراً، عن عماه العنيف والمدمر. والتنبيه الى "منطق" العنف يسوغه. فانشطار "جامعة" البلدان العربية، غداة الحرب الثانية في اثر قيام اسرائيل وتعاقب الانقلابات العسكرية، كتلين ومعسكرين (على التقريب) إنما كان محوره أو خط أساساته البلدان الثلاثة، العراق والاردن وسوريا (ولبنان استلحاقاً)، التي تقع على مفصل الدائرة الصحراوية، الشرقية والجنوبية، والدائرة المشرقية "المتمدنة" و"السياسية"، على قول صاحب القوم نفسه. وكان اضطلاع سوريا بدور الساحة المفصلية في النزاع الموروث من حقبة ما بين الحربين مصدره الجعرافي السياسي دخولها في الدائرتين معاً: الدائرة الصحراوية، "البدوية"، على قول انطون سعادة، والدائرة المشرقية. فهي طرف الهلال الخصيب الغربي، وقلبه السياسي الحديث، من وجه، وهي تتمة المسالك والممالك التي تضرب بجذورها ومصادرها في قلب جزيرة العرب ومصبها، من وجه آخر. واجتمعت فيها المنازع السياسية والجماعات الاهلية المترجحة بين القطبين. ولا شك في ان قيام مصر، في طرف فلسطين والاردن، قطباً راجحاً ومائلاً الى الكفة المشرقية ، قبل عبد الناصر وفي اثناء مرحلته، إنما يندرج في رسم النزاع العريض وتكتيله قواه البارزة. وأدت الحرب الباردة، وتمددها في أرجاء الشرق الاوسط (الادنى)، الى بلورة الكتلتين العربيتين، وبروز ملامحهما بروزاً حاداً. فاستجاب "الصراعُ على سوريا" بنية الجماعات الداخلية ومنازعاتها على قدر استجابته موازين المنازعات والاحلاف الاقليمية، على خلاف مزاعم صاحب العبارة الذائعة وترجيحه كفة العوامل الثانية على الاولى.

وعلى هذا استقرت كتلتان عربيتان كبيرتان ومتنازعتان دارت خلافاتهما المتجددة على عوامل داخلية وخارجية ثابتة. فبينما أقامت بلدان الداخلية العربية، وبعضها بقي ممتلكات استعمارية الى وقت متأخر من العقد السابع والجلاء عن شرق السويس، في عهدة طبقات حاكمة قديمة محافظة وعصبية، استولت على حكم المشرق "طبقات" جديدة، عامية ومدينية من المتعلمين والموظفين في أجهزة الدولة. ولم ينفض معظمُ أجزاء هذه "الطبقات" الروابط الاهلية السابقة وعصبياتها. ولكن نشأة الكيانات السياسية وإداراتها ومجتمعاتها ومدنها ومدارسها وجامعاتها، ولدت أو بلورت في وجه العصبيات الاهلية المشدودة الى ديراتها ودوائرها ومعتقداتها وشعائرها، عصبيات "عليا"، "قومية" ودينية، تولت رعايتها ونشرها عيئات وبنى جديدة مختلطة، جمعيات ونوادٍ وأحزاب وروابط مهنية وأجسام سلكية. وغالباً ما حصنت الفئات الضعيفة، والمنفكة من الاجسام العصبية والمتصدعة، ضعفها بإزاء الرئاسات العصبية الممتحنة والمراتب الاهلية التي خلخلتها علاقات اجتماعية طارئة، غالباً ما حصنت الضعف الموضعي هذا بواسطة النازع المتسامي والعَلَوي والتنظيمي. فلامست حروب أهلية وعصبية متفاوتة الحدة تبلور الجماعات الجديدة ونهوضها الى القيادة، ولازمت النزاعات "الوطنية" وصبغتها بصبغتها.

وغذت المحنة الفلسطينية – وهي مشرقية في المرتبة الاولى، وأسهمت في ضم مصر الى الكتلة المشرقية أو "بلدان الطوق" وفي إبعاد الداخلية العربية عن المشرق وشدها إليه معاً- الشقاق السياسي والجغرافي والاستراتيجي. فرتب على العصبيات العامية و"الجمهورية" الحاكمة، وعلى جمهورها ودولها، "مهمة" عاجلة وقريبة هي السعي في "عودة" فلسطين والفلسطينيين من طريق الوحدة وعصبيتها الجامعة، ومن طريق مناهضة الامبريالية والاستعمار الغربيين والرأسماليين. وماشت الكتلة الداخلية والصحراوية بعض النازع المشرقي هذا. ودعاها الى مماشاته داعيا القومية العروبية، على معنى ميزته البنى الاجتماعية الاهلية من المعنى العامي المشرقي، والاسلام، وهو في إطار الداخلية غيره في اطار المشرق ومصر. وفرقت الكتلتين، على هذا، عواملُ ناجمة عن البنية الاجتماعية، وعن التاريخ القريب والبعيد، والايديولوجية، على نحو وقدر ما هي ناجمة عن القواسم المشتركة الحقيقية والمفترضة.

نقائض

ولم تكن "الحرب العربية الباردة"، على قول قتيل أحد "القادة المؤسسين" في الجماعة الخمينية المسلحة، واستقرارها في صلب العلاقات الاقليمية العربية، إلا احد وجوه حرب اهلية عربية، بعضها اجتماعي، وبعضها الثاني قومي، وبعضها الثالث إيديولوجي... وفي ختام الفصل الناصري من الحرب هذه، عشية 11 حزيران 1967، حمل رئيس جمهورية مصر العربية الضربة القاسية على تموين الاسطول السادس بنفط عربي وعلى فتح أجواء عربية للطيران الاسرائيلي الغادر. ودعا صديقه وزميله "الاميركي" الى خلافته على الرئاسة. وكان الرجل نفسه نقل الحرب المشرقية – الخليجية الى اليمن قبل نصف عقد، وارسل نحو ربع قواته المسلحة الى جوار القطب الخليجي، وأباح لها استعمال السلاح الكيماوي في بلاد البرابرة. وأثقل انقسام الحرب الباردة، وهي حرب أهلية عالمية على ما جرى القول، على الانقسامات الاخرى المستعرة بين الكتلتين. ولم يعدم الكتلة الرد على الاخرى بتقديم محور على آخر، ونَقْض قطب بآخر: فنُقض قطبُ الرجعية او المحافظة بالتقدم، والاسلام بالعروبة، والملكية بالجمهورية، والتبعية بالتحرر، والبورجوازية والاقطاع بالعمال والفلاحين والشعب، والامتيازات بالعمل، وغيرها مثلها كثير. وأدخل التوسع والريع النفطيان نقيضين بارزين على القاموس هما الثراء (الفاحش) والفقر الناجم عن تبديد الثروة تحت أقدام الشركات المتعددة الجنسيات فالأسواق المالية فالعولمة وعجلاتها. وتخلفت عن هذه النقائض وأمثالها نقائض جديدة تناسب الاحوال الطارئة: السلفية والاسلام العادل، الارهاب والامن والاستقرار، الفوضى الخلاقة والسيادة الوطنية، الاحتلال الاجنبي والامن الاقليمي الذاتي...

وسوغ تضافرُ النقائض والأضداد هذه، وشبكها بعضها ببعض، امتداد الحرب الاهلية والعصبية وانتشار عدوى مثالها ورسمها في انحاء المجتمعات الوطنية ومرافقها وعلاقاتها. وأثر هذا في انشاء السلطة أثراً بالغاً. فأهل "الدولة" الجدد، في المشرق، استولوا على مقاليد القوة والعقد والحل من خارج موازين العلاقات الاجتماعية وكتلها. وعل خلاف مزاعمهم، أو مزاعم الأحزاب السوفياتية وكتابها ومتعلميها فيهم، لم "يمثِّل" أهل الاستيلاء مصالح كتل اجتماعية معينة، ولم يحتكموا في تسلطهم على المرافق والادارات الى المصالح المفوضة أو كتلها. فحررت التأميمات، في اعقاب مصادرة الكتل والجماعات والاقوام والاسلاك على حقوقها السياسية الاساسية (في التجمع والتعبير والتحالف والمعارضة: في تنظيم الاحزاب وإصدار الصحف والتظاهر والاضراب والتقاضي...)، الكتل والجماعات من قوامها المادي والمعنوي. فألغت التأميمات والمصادرات والاحتكارات الوسائل التي تمكن (أي كانت لتمكن) النزاعات السياسية والاجتماعية الوطنية من الحلول في اجسام وقوة وجوارح، على قول الفقهاء. وأطلقت التأميمات والمصادرات يد المستولين، وهم يلبسون لباس دولة حديثة تملك قوة تصرف وتشريع مطلقة، في المصالح كلها من غير استثناء تقريباً، ومن غير قيد أو مساومة. فالقيود التي كان ربما وسعها الحد من تصرف "الطبقة الجديدة" المطلق، على قول منشق شيوعي مبكر، هي قيود التملك (الملكيات والتصرف بها) والتبادل (التجارة) والتعاقد المدنية.

أمة الدم

وأدت مصادرة القوة الاجتماعية على مواردها ومصادر دخلها، ومصادرة الافراد والجماعات على الحقوق السياسية العامة، والامران متصلان اتصالاً وثيقاً- الى سباحة الانظمة المشرقية في فراغ أو خواء سياسي واجتماعي لا قعر له. فاستحوذت الانظمة العسكرية والحزبية المشرقية وعلى مقدرات دولها ومجتمعاتها، وعوائد مرافقها، ومقاليد القوة والادارة والتشريع والاعلام. وانتصبت حاكمة بأمرها من غير انذار أو إلغاء أو أضداد. وحملت اقتسامَ السلطة ومصادرها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على مساومة مدمرة انتحارية. ودعتها راديكاليتها الحزبية، وثورية متعلميها وكتبتها وإيديولوجييها، الى لفظ المساومة. والانظمة التي أبقت على بعض العوامل الاقتصادية، من ملكية وسائل انتاج وتجارة أو ريع، بمنأى من حيازتها أو إدارتها ورقابتها المباشرتين، حالت بين أصحابها وبين توسلهم الى التحصن في كتلة اجتماعية سياسية. وسرعان ما نقل الاستحواذ الاداري والجهازي الموارد من جماعات خاصة سافرة ومتفرقة الى جماعة خاصة مقنعة يوحدها ولاؤها واستحواذها واستعداؤها الجماعات الاخرى كلها. وحين اضطرت بعد دورة اقتصادية وسياسية طويلة، الى التخصيص أو الخصخصة حرصت على ذهاب الاصول الى خواصها وصنائعها أو الى رهطها الاقربين من غير مواربة. وسوّى الاستيلاء العسكري والحزبي هذا السياسةَ والحياة السياسية الوطنية، على شاكلة لا سابق لها. فهو (الاستيلاء) ملأ طيف السياسة المتبقي، بعد إطراح المصالح القريبة والتكتلات والاحلاف والمنازعات والاهواء، بمثال الامة الواحدة أو الشعب الواحد وخوائه.

فعلى المثال المزعوم هذا، ليست الامةُ (أو الشعبُ) المركبَ المؤتلف من أجزاء وسياقات، ومحصلة السياسة وعلاقاتها ومنازعاتها، وترعى تحصيله الموقت والمضطرب على الدوام بواسطة حياة سياسية متجددة تقوم على المنازعة المقيدة والمعارضة. فالامة على المثال المشرقي العروبي وديعة ناجزة وتامة استُودعها الحزب القائد وقائده وحاشية القائد وأذرعته. ولا تدين القيادة المستولية بمكانتها وامتيازاتها واطلاق يدها في الشؤون كلها لدراية مشهودة، أو سوابق تاريخية، أو تحالف تمثيلي جامع، أو لعوامل أخرى تقبل الاختبار والمناقشة والزيادة. فركن الاستيلاء المشرقي الاول هو قطع دابر عوامل التفريق أو التقسيم والتفاوت المفترضة، والقضاء على الجماعات التي تحرك هذه العوامل، وتتخذها مطية. وركنه الثاني هو تمهيد النتؤ والشواذ في صورة أو مثال سلطة صماء، قاهرة وجامعة، تسد على الخلافات منافذ التعبير، وتزعم لنفسها القوة على وأد المنازعات والخلافات قبل ولادتها، وتتولى التمهيد والتشذيب بالقوة والمراقبة والخوف. فصحبت الخطابة القومية العربية (و"السورية") الوحدوية التي نسبت النازع القومي الى الفطرة التلقائية والاصيلة والى المصالح العميقة، سياسة بوليسية وقمعية عرفية، فعلاً وقانوناً. وليس في الامر تناقض، أو هو لا يتناقض. فالامة على المثال الذي صاغه عليه المستولون المشرقيون، من حزبيين مدرسيين وعسكريين، كيان دموي نَسبّي ومعنوي لا يتجزأ، يدمج الاوقات والازمان بعضها ببعض، ويجمع الافراد والاسماء والاهواء في سلسلة متصلة لا يتميز فيها التذكر، على قول ميشال عفلق وقبله ادمون رباط، من الادراك الحسي في الحاضر، ولا ما يصنع البشر على تقطع وتوصيل وتبديل، مما صنعه الله ، على قول حافظ الاسد في "ما بين سوريا ولبنان"، ولا تبديل له: شعب "واحد" في دولتين الى يوم الدين وربما بعده. وهذه الامة المندمجة والمتجانسة والراسخة والجوهرية توكل الى دولتها، أي الى الحزب القائد والواحد أي الى القائد الزعيم الاوحد، تطهيرها من أعلاق الفروق والتجزئة والحواجز الداخلية المتخلفة عن الانانيات القبلية والمحلية والطبقية والاجنبية الكومبرادورية، والمعملة تمزيقاً في جسد الامة وروحها. ولا ريب في ان التمثيل الابلغ على امراض الامة والعصبيات المتقوقعة التي تتناهشها، وتنهض سداً في وجه قوتها الجامعة والغالبة المتجسدة في دولتها وجيشها، إنما هو القبائل والعشائر والمشيخات والسلطنات "العربية" المتناحرة. وعلى شاكلتها وصورتها نشأت أو أنشئت الكنائس "الغربية" والمتحدة المَلَكية (على غرار الروم المَلَكيين الكاثوثوليك) فجمعت الارض والاوقاف شأن "الاقطاعية" من دم الفلاحين والمزارعين، وراكمت "القرش" على قول ميخائيل نعيمة، وسرقت الرغيف من الكادحين، شأن الرأسماليين...

وعلى هذا، فالعدو الذي ينبغي للدولة المشرقية والعروبية ("السورية") القضاء عليه وسحقه هو "المخلفات" الاقطاعية والعشائرية والطائفية المترسبة من شبه جزيرة العرب وسلطناتها و"ملحقاتها". وإذا تصدت التأميمات والمصادرات والاحتكارات "غير الرأسمالية"، على قول سوسلوف وبونوماريف السوفياتيين والبريجنيفيين، الى تقويض الاسس المادية للجماعات الرأسمالية والبورجوازية الرجعية، الوثيقة العلاقة بالكتلة العربية الخليجية وبالامبريالية والاستعمار من ورائها، فالتصدي للعصبيات الاهلية، العائلية والمحلية والمذهبية، وكتلها ولحماتها، أصعب من اضعاف المراتب والمكانات الريعية والطبقية المحدثة بما لا يقاس.

وفي القلب من العصبيات الاهلية هذه العصبية المذهبية القومية نسبة الى القوم الاميري والنَسبي العريض والمحلية. فشن أهل الاستيلاء الحزبي والعسكري حملات محمومة على "الطائفية"، ونسبوا اليها أوزار التقسيم والاستعمار والاستشراق والتصهين والكومبرادور، الى آخر لائحة أمراض متجددة. ومثلوا بلبنان على الاوزار والامراض المميتة، وبطوائفه المسيحية وموارنته، ومآسيهم وانهياراتهم، على مفاعيلها وآثارها. والتمثيل بلبنان، و"مارونيته السياسية" المزعومة ( فيما "المارونية" اجتماعية واهلية وتاريخية وثقافية في المرتبة الاولى)، على الكوارث التي تجرها الطائفية الجوهرية على الامة ودولتها وعلى أصحاب الكفاءات والحداثة السياسية والرأسمالية نفسها، كان القناع الذي تقنع به استيلاء نخب القوم العلوي الاقلي وحزبها وجيشها العقائديان على السلطة ومرافقها، وعلى المجتمع وهيئاته. وعادت نخبُ القوم العلوي الطائفيةَ (الواحدة والمشتركة على زعمها) المارونية في لبنان، على نحو ما عادت النخب العسكرية والاسلامية المصرية وتعادي طائفيةَ الاقباط، والنخب الصدامية في العراق طائفية الشيعة.

أنقاض

والانقلاب الظاهر من عداء الطائفة المارونية والضغينة عليها الى إصلاء الطائفة والطائفية السنيتين عدواناً لا يقل عنفاً اجرائياً عن الاول قد لا يكون ظرفياً، على خلاف ما يبدو للفحص الاول. فاستيلاء نخب القوم العلوي على الدولة والمجتمع السوريين، في سياقة تقويض النظام العربي القديم ( على معنى أعرج ومثلوم مستعار من الضدين الاوروبيين: النظام القديم المرتبي الطبقي وثورة المساواة الديموقراطية) من مصر الى العراق، استتب على انقاض الكثرة السنية ونخبها الحاكمة والمتملكة وعوامها "المؤمنين". ولما افتقرت الكثرة السنية ونخبها الى حصون المجتمع المدني وخنادقه لتتحصن بها في وجه الاغتصاب العسكري والحزبي، أي العشائري والبيروقراطي في نهاية المطاف، التجأت الى حصون "المجتمع" الأهلي الحصينة وخنادقه العميقة، والوثيقة الاتصال بخنادق الامة، على معناها المتجدد و(بعض) القديم معاً، وبلدانها القريبة والبعيدة.

وحُملت على الحصون والخنادق الاهلية الطائفية، وهي قد تضطلع بصلات وصل في دوائر عريضة قدر اضطلاعها بأعمال قطع وتفريق في وجه السلطة المركزية الطاغية، الروابط الكثيرة التي شدت أجزاء الاهل والجاليات وكتل المصالح وسياسات الجماعات. فكانت ثمرة الاغتصاب العشائري والبيروقراطي المركزي في سوريا (وعلى نحو آخر في العراق ونحو ثالث في مصر) انكفاء الاهل السني المختلط والمتفرق إما الى المنظمة الاخوانية وبنيانها الحركي والمشرَع على متعلمي المدن وأهل مهنها الجامعية وحرفها وتجاراتها وأسرها المحافظة ومشرع على مراجعاتهم، وإما الى اسلام تعليمي ومسجدي وقيمي يؤول الاطوار والاحوال الطارئة والداهمة تأويلاً سكونياً ما وسعه الامر. وبين الاثنين او القطبين النموذجيين ألوان كثيرة ترعاها الطرق الصوفية وحلقات التدريس والشعائر. وصدقت قوة العصبيات الأهلية والمذهبية والقومية العرقية والقبلية المتجددة رعب "الطبقة العشائرية والبيروقراطية المستولية من مدافعة العصبيات العصية هذه سلطانها الطاغي والضعيف الأركان. وكانت "الطبقة" احتاطت لانتقال العصبيات من المدافعة الى المهاجمة بوسائل كثيرة مثل السيطرة على الحركات الفلسطينية، والإسهام في إنشاء الجماعة الخمينية المسلحة في لبنان وصوغ لبنان صوغاً جديداً في ضوء الإنشاء هذا، وتعريب مدافعة صدام حسين وحملها على حماية أنظمة الخليج من النظام المشرقي ومطامعه في الارض والنفط والنفوذ.

ولا شك في أن الثورة الايرانية (و) الخمينية قبل حرب الخليج الأولى، ثم الحرب الثانية (إخراج صدام حسين من الكويت) ثم الثالثة، وبين هاتين هجمات 11 أيلول 2001 وبروز "القاعدة" قوة إرهابية وعالمية، وبعدهما أزمة إيران النووية وذيول تصديها لأداء دور إقليمي محوري – لا شك في أن الحوادث المتصلة هذه بلورت قطبية الهلال الخصيب (المشرق) – الجزيرة (الخليج) الجغرافية السياسية على نحو لا سابق له نتوءاً وحدّة وشمولاً. فصبت في القطبية القديمة والمترجحة روافد كثيرة المصادر، ومتفاقمة التفاوت. وزادها احتداداً تآكل أنظمة الاستيلاء العشائرية والبيروقراطية، وتعاظم عوائد النفط والغاز وتعولم أدوارها في عالم كثير الأقطاب، وتقلص المحل الفلسطيني وإلحاقه بالقطب الايراني وأدواته الأهلية والجزئية، وانفجار بؤر النزاع الموضعية وشيوعها غداة انهيار القطب الشيوعي، وضعف أبنية السلطة والدولة مع تردي مشروعية الدولة – الامة وتمثيلها شعوبها وتقلص مواردها وأجهزة رعايتها، الخ. وطوال العقود الستة المنصرمة، على أقرب تقدير، دمجت الجماعات المشرقية المستولية مشروعيتها التاريخية المفترضة في قطبية جغرافية سياسية مضمرة أو معلنة، وناطت أركان سياساتها في الداخل الوطني، وفي الدوائر الاقليمية والدولية، بهذا الدمج. وسوغت عنفها المنفجر والمستتر، في الداخل والخارج، بالقسمة التاريخية والاستراتيجية هذه. فلا غرو إذا حملت العصبية "الأسدية"، في أعقاب نيف وأربعين سنة من القبول والتصديق المروعين، ولادة حركة وطنية وعامية، مترجحة الديموقراطية والمدنية، على أعمال مجموعات إرهابية قاعدية تمولها دول الخليج العربية وتسلحها، وتدربها شركات أمنية من المرتزقة والمحترفين. فهذا أضعف النكران بعد الحظوة الطويلة السالفة.

الأحد، 27 مايو 2012

رانيا اسطفان تسألها وتحاورها وتوقظ ذاكرتها وذاكرتنا في "اختفاءات سعاد حسني الثلاثة"

حوار أجزاء سعاد حسني وصورها في خضم مرايا متقابلة ومتلاطمة


حاورها وضاح شرارة

  "ما أنشده واتخذه ميزاناً لعملي هو أن أكون والكاميرا شيئاً واحداً، وان استخلص من الواقع ومشاهده بنية متماسكة ولكن من طريق الصدفة، فأحصل على فيلم قائم بنفسه ومن تلقاء نفسه، من غير تدخلي، (...) وينتظم الشريط وحده. أطرح سؤالاً ويجيب الناس، ثم ينصرفون الى المناقشة بعضهم مع بعض، وانا أسمع وأدون، الموقف من العنف وكيف يتدبرون أمرهم..."، تقول رانيا اسطفان، وهي تقصد شريطين سبقا "اختفاءات سعاد حسني الثلاثة" (2011). الاول صنعته في 2005، عام اغتيال رفيق الحريري، والثاني في 2006، عام الحرب. ويعرض "اختفاءات..." في برنامج دفاتر يومية، شهر السينما اللبنانية، بميتروبوليس أمبير. وما تقوله المخرجة اللبنانية في أشرطتها الوثائقية يصدق في شريطها "الروائي" الطويل والغريب: فمادة روايتها هي روايات الآخرين في سعاد حسني، وروايات سعاد حسني في نفسها، وفينا نحن، مشاهديها منذ ابتدائها التمثيل، وطوال نحو 30 سنة، وبعد تركها التمثيل قبل 10 سنين من موتها الاليم، وبعد موتها بعقد كامل ومتجدد. وقد تكون رانيااسطفان جزءاً أو وجهاً من وجوه ولادة سينمائية لبنانية خصبة.
و.ش.

  يتوقع المشاهد، وهو ينوي مشاهدة فيلم يتناول سينما سعاد حسني، الممثلة السينمائية المشهورة، أن يقع على "صور" أو "وجوه" أو "مشاهد"، وكلها تدور على الحضور والظهور، فيقع على "اختفاءات" لا تقل عن ثلاثة، وأوكل اليها الاعراب عن الحضور...
 *أحدهم قال لي أن الاختفاءات هي 300 صورة أو 300 حضور. المسألة ميتافيزيقية: كيف بعثُ أو تذكر انسان رحل ومات. والشريط ولد من موت سعاد حسني العنيف، ومن الانفعال الحاد الذي خلفه موتها في مشاعري. فرأيت أن المادة الأقرب اليها، والوثيقة الاقرب، هي عملها، والعودة الى أعمالها. وهي مثلت في 82 شريطاً سينمائياً شاهدت منها 76. ومع سعاد حسني طوي نوع من السينما المصرية. وهي أقلعت عن التمثيل في نهاية الثمانينات. والسبب في إقلاعها، في هذا الوقت، هو وقوع السينما في ازمة معنوية أدبية ومادية أدت الى استحالة الاستمرار على الحال السابقة: فالانتاج تغيرت متطلباته ومعاملته الممثلين والممثلات والمخرجين، ولم تبق مصر مصدر الروايات السينمائية التي تعم العالم العربي وينتظرها الجمهور العربي. ولعل سعاد حسني شعرت في ذلك الوقت انها هي كذلك تحطمت، وتحطم جسدها، ونضب ما انتجته الثورة الناصرية في السينما وانتهى. فاجتمعت أزمة السينما وأزمة حسني وأزمة مصر معاً.
 وكان هذا الاختفاء الاول: تواري سعاد حسني عن السينما معنوياً وتمثيلاً قبل تواريها الثاني، المادي، وموتها بعد عشر سنوات. أما الاختفاء الثالث فهو طي السند المادي الذي كانت اعمال سعاد حسني تُتداول بواسطته وهو الفي إتش إس (VHS)، وهذا حادثة ثانوية ربما. وعندما بدأت أجمع نسخاً عن أعمالها، في 2001، جمعتها في هذه الصيغة، وعلى هذه الشاكلة، أي الفي إتش إس. وصادف أن هذا الوقت شهد نهاية مرحلة الفي إتش إس والانعطاف الى مرحلة الدي في دي (DVD). وكنت أحسب أنني قد أرجع الى الافلام في نسخ 35 ملم قبل أن استقر على السند الثاني...
 ... على رغم رداءة بعض الفقرات والصور...
*هذه الصور، على حالها المتعثرة والمتلعثمة في بعض الاحيان، هي مرتكز العمل، وهي مصدر الذاكرة ومرجعها. فأردت إعادتها وإحياءها في الذاكرة مع أمراضها واضطرابها وتفتتها. وكنت أحسب أنني قد استعمل النسخ الرديئة والثانوية مجرد وسيلة قبل العودة الى النسخ الاصلية. وأدركت شيئاً فشيئاً أن النسخ الثانوية هي مادتي الاولى، وأنها هي من صنع الذاكرة والزمن. ومنها نشأت الفكرة. الممثلة الميتة تتذكر حياتها الماضية، أي اعمالها، وهي "ذكريات" تعتريها فجوات وغبش وانقطاعات وخواتم غير واضحة ودخول صوت وأصوات في صور وأصوات اخرى.
  الفيلم من ثلاثة أقسام، ويسبق القسم الواحد ترتيبه ورقمه...
*خط بناء الفيلم العام رُسم على مثال مأساة من 3 فصول. والثلاثة رقم سحري. أردت أن استرجع ما  صنعته الممثلة طوال 30 عاماً كما قد تسترجعه هي بعد الموت! وما صنعته يلابس تاريخ مجتمعها ومجتمعاتنا، ويتناول موضوعاته ومشكلاته، مثل الاختلاط أو العمل أو التردد الى الاماكن العامة والظهور فيها... وتقود الاستعادة الى مأساة. وسعاد حسني ماتت ميتة مأساوية. وثلاثة هو عدد فصول المأساة ورقمي الشخصي والسري أو الحميم.
 والفصل الاول مادته من أفلام المرحلة الاولى، تلك التي تقع بين 1959 و1967، وفي أثنائها كانت سعاد حسني تعمل بنشاط وهمة، فتمثل في 4 أو 5 أفلام في السنة. وبلغ عدد أفلامها 34 فيلماً هي تقريباً نصف سيرتها المهنية. وهي افلام حقيقية، دراما اجتماعية تؤدي فيها دور الصبية المشاكسة واللعوب، وتروي قصص غزل واختلاط. وبعد الهزيمة، برزت أسئلة اجتماعية مختلفة، حادة وجدية. وتوجهت حسني الى مخرجين أقوى شخصية، واهتماماتهم أعمق من مشاغل الفتيان المراهقين والفتيات المراهقات المباشرة. فعملت في اشراف صلاح أبو سيف وهنري بركات وكمال الشيخ ونيازي مصطفى. والى 1973، وهو منعطف تاريخي آخر أصبحت عشيته، في 1972، نجمة، بلغت ذروة نضوجها التمثيلي وأدائها. أي ان الفصل الثاني هو أعوام 1967 – 1973. وفي 1972، تزوجت بعلي بدرخان، ومثلت 6 الى 7 أفلام تميزت بنظرة اجتماعية حادة. وفي 1973 – 1991، مثلت نحو 20 فيلماً.
 والفصل الواحد من الفصول الثلاثة ينقسم، بدوره، الى مشاهد. ويجوز القول عموماً، أن الفصل الاول هو فصل الطفولة والنشأة، والفصل الثاني هو فصل النضوج، والثالث هو الخاتمة. وأردت أن أقول رأياً في الفي إتش إس والتلفزيون، في الصورة الاخيرة.
 تتناول المختارات من الافلام المختلفة موضوعات تدور عليها، وهذه المختارات حظيت بحصص وشطور، قليلة أو كثيرة، وحظي المخرجون بحصص متفاوتة كذلك. والحصص هذه، من الافلام والموضوعات والمخرجين والمراحل، جزء من "صوغ" سعاد حسني ومن بلورتها في المراحل المختلفة. فما هي عوامل صوغها أو بلورتها؟
 *أعود الى المربع الاول أو الفكرة الاولى: ولد الفيلم من صدمة انتحار سعاد حسني. وعندما بدأت أعمل على الاشرطة وأشاهدها مرة ثانية وثالثة ورابعة، امتلكني حدس قوي أدركت معه أن في وسعنا، في وسعي، انشاء أو صنع عمل متخيل ومتماسك البناء والمعنى من مادة هي أعمال روائية وسينمائية متخيلة سابقة. وأنا لم أشاهد الاشرطة الشريط تلو الآخر بحسب سنوات صنعها وعرضها، بل شاهدتها من غير تدرج ولا نظام، على نحو مصادفات ورودها من مصر. وحدسي الاول بقي من غير قوام أو شاهد يصدقه. فكان عليَّ انجازه والبرهان عليه وعلى حقيقته اثناء العمل، أي التوليف، ومن طريق التوليف نفسه.
 فالعمل الروائي المتخيل والمتماسك لم يسبقه مثال قائم في نفسه، وما كان علي إلا أن أحتذي عليه، الرواية المتخيلة والمتماسكة كان عليَّ  صنعها من فتات الصور والفقرات والسعي في تماسكها من داخل ومن تلقاء نفسها. وأردت منذ ابتداء العمل، اطراح أي عنصر من خارج أعمال سعاد حسني، ويتولى الربط بينها أو الايحاء، من خارج، بمعنى يُقحم على المتفرج المشاهد وفهمه، ويعترض رحلته في ثنايا المادة السينمائية.
 وانضبط العمل على الاصلين هذين: البناء على رسم مأساة والاقتصار على المختارات. وفي ضوئهما اخترت الصور أو المقتطفات من الافلام. وانتقيت او اقتطفت ما يجاري بناء الرواية المتخيلة والمتماسكة، وليس ما استهواني أو يستهويني من أعمال سعاد حسني، وما أحبه منها. ففي "المتوحشة" (1978)، على سبيل المثل، مشهد مشادة مع محمود عبد العزيز، وتحاول هي القول أنها ترغب في رعايته واهتمامه، وأن الناس يحملونها على خليلة أو "مومسة". وهي لا تبكي في الاثناء، ولكن الدموع هنا، ويلمس المشاهد توترها أو كمونها. وهي حال مترجحة وعسيرة على الممثلة. ولم أدخل المشهد في توليفي لأنه يتصل بسياق قوي ومتماسك طويل، ولا يُختصر. فشرطا الانتخاب هما القابلية للانخراط والاندراج في روايتي، من جهة، وقوة التعبير عن أداء حسني وموضوعاتها، من جهة أخرى. وغلبت الشرط الاول على الثاني، أي تماسك الرواية على الانفعال.
 وما كانت النتيجة في ميزان الحصص والشطور؟
 *القسم الاول معظم مختاراته من الافلام بالابيض والاسود، الى 1967 كما قلت من قبل. والقسم الثاني معظم مقتطفاته من سينما النضوج والمشاهد القوية البناء والاداء. وفي هذه المقتطفات تؤدي حسني أدوار المرأة المتزوجة، أو المرأة الملهمة والمثالية. ولم اشأ أن أقيد نفسي في مختارات القسم الثالث، أو أن اقصر الانتخاب على معايير ضيقة. فقدمت قوة المشاعر والتأثير على سائر المعايير. ولما كانت الفكرة الاساس، أو خيط الشريط، هي تذكر الممثلة المنتحرة أوقات حياتها الماضية، فلا بأس بتلعثم الذكريات وتعثرها وتكرار بعضها، بل لا بد من التلعثم والتعثر والتكرار والتحريف. وعمدت الى التوسل بمشاهد الحلم في بعض المواضع، فجمعت في المشهد الواحد اضطراب الصورة الى ضعف التعرف والإلحاح في السؤال، والتفاوت بين الاوقات، ودمج أوقات في أخرى. وهذا طريقة من طرائق القص والرواية حين يكون موضوعهما التذكر: كيف تتذكر سعاد حسني "حيث" هي ومن "المحل" الذي تتذكر منه، ما قد تتذكره؟ وكيف تنبعث ذكرياتها وتأتيها؟ وهذا، أي الانبعاث والاتيان، من ركام صور أفلامها...
   هل "بئر الحرمان" هو نواة القسم الاول؟ وما حال الافلام الاخرى؟
*لا، ليس هو النواة، والحق أنه ليس هناك نواة بل ما يشبه المدار أو المحطة. ومدار القسم الثاني هو على عدد من الافلام. ولا شك في أن "بئر الحرمان" مركزي في مسير حسني. وهي تعلمت كثيراً من كمال الشيخ. وهو "جنتلمان" السينما المصرية، وأكثر المخرجين المصريين انكباباً على رسم "الكادر" واختيار الألوان، وأكثرهم رهافة، على رغم انخراطه في السوق الجماهيرية. وافلامه دقيقة البنيان، ويحرص على ادارة الممثلين بحرفة واحترام. وهو لا شك ساعد سعاد على حدس "الاشخاص" الذين أدت أدوارهم، وعلى بناء هذه الادوار واستبطانها او الاحساس بها من داخل. ولا شك في جرأة الدور وتعقيده: المرأة التي تقر بماضيها لخطيبها والخطيب الذي يعرف الماضي، والمرأة والرجل اللذان لا يخجلان لا بالماضي ولا بالحاضر... ويُشاهد الفيلم الى اليوم، بمتعة. وكمال الشيخ تعلم كثيراً من هيتشكوك ومن "مارني" على الاخص.
  والى "بئر الحرمان" هناك "البنات والصيف" (فطين عبد الوهاب، 1960) و"حسن ونعيمة" (بركات، 1959) في المرتبة الاولى. وجمعت توليف الصوت الى توليف الصورة، فأدخلت الاصوات في صور ليست لها في مصادرها أو افلامها الاصلية، وأدخلت الصور على اصوات هي اصوات صور أخرى. فمشاهد الركض مأخوذة من 15 فيلماً هي مجموع الافلام التي تركض فيها حسني.
 ومصادر الجزء الثاني هي على الخصوص "غروب وشروق" (كمال الشيخ 1968 أو 1969)، و"زوجتي والكلب" و"القاهرة 30" (صلاح أبو سيف) و"شيء من العذاب" (ابو سيف كذلك)، و"خللي بالك من زوزو" (1972)، و"حب في الزنزانة" ( ربما 1981)، و"أميرة هي أنا" و"نادية" (علي بدرخان)، وغيرها كثير. وهذه الاعمال تعالج الكوميديا الاجتماعية، وفصولها هي الزواج والصداقة والطبقات الاجتماعية والجامعة والطلاق. والسؤال البارز، في نهاية المطاف، هو قدرة المرأة على بلوغ مثالها الشخصي ومشاركة الرجل "متعته". وحين وقعت هزيمة 1967، آذنت بوداع عمر البراءة وقدوم عمر النضوج.
 وأفق الجزء الثالث هو النهاية المأساوية، والسؤال عما يدعو امرأة ممثلة الى الموت انتحاراً. ومصادر هذا الجزء هي أفلام "الخوف" (سعيد مرزوق، 1971)، و"موعد على العشاء" (محمد خان، 1980؟) و"شفيقة ومتولي" (علي بدرخان، 1978)، و"عصفور الشرق" (يوسف فرنسيس، 1989)، "المتوحشة" (1978). والمشاهد مختارة من افلام العنف والفراق هذه. فما الذي يحمل ممثلة، هذه الممثلة، بعد نضوجها وأدوارها الكثيرة، وفي ضوء "ذكرياتها" (في مرآة أفلامها)، على اختيار الموت؟
  هل وقائع افلامها هي وقائع حياتها؟ وهل تسوغ مشاهد الانتحار السينمائية في مقتطفات الجزء الثالث الكلام على انتحارها بلندن؟
 *لا شك ان المادة السينمائية متخيلة، وهي جزء من بناء الممثلة وعملها. ويبدو لي أن هناك توازياً قوياً بين السياقين. فالسينما كانت مرآة الاختبارات التي ربما لم تختبرها سعاد حسني على الشاكلة السينمائية التي يراها المشاهد، ولكنها تشبه شبهاً قوياً اختبارات ممكنة قد تجربها كل النساء ومنهن سعاد حسني طبعاً. ومشاهد العنف تصف ما يصيب جسد الممثلة وتصوره الكاميرا. والعنف غير مادي فعلاً ولا يصيب الجسد الحي ولا يؤلمه، ولكنه يوحيه ايحاءً حاداً، ويدعو الممثلة الى استبطانه، والى الاحساس به. والممثلة، وما يحل بها، هي داخل الفيلم وخارجه، تؤدي ما تمثل من داخل، وتراقبه من خارج. وطوال 30 سنة، اصاب جسدها السينمائي من القبل والرغبة والعبادة والركل والشتم والازدراء، ما يفوق التصور والاحصاء. والمعروف والمتداول عن سعاد حسني إعدادها أداء ادوارها إعداداً دقيقاً، وفضولها بإزاء أدوارها. فكانت تسأل عما إذا المرأة التي تؤدي دورها عسراوية أم لا، وتفضل الحليب على القهوة، واشياء أخرى من هذا القبيل.
 هل ترينها ممثلة كبيرة؟
*تتمتع بصفة نادرة هي ان المشاهد لا يمل مشاهدتها، وأرى أنها صفة الممثلات الكبيرات. وهي لا تتحفظ ولا تمسك، وحضورها كامل وغامر.
في الجزء الاول من المختارات المولفة المركبة يغلب وجه سعاد حسني وهي تحاول الخروج من غيبوبة ونسيان يصيبان هويتها، ويعلو صوت الرجل المعالج الطبيب، ويأمرها بالتذكر والاسترجاع والصدق والضبط. فيبدو أن الاختفاء والنسيان يسبقان الهوية وتعرفها واستعادتها. وفي مشهد مسابقة العدو والركض، تحتل حسني المكان الاول. والجزء الثالث يستعيد المشهد الطويل هذا وتصور الكاميرا الممثلة كاملة: الوجه والجسد والمنصة والرقم 1. فهل هذا، السبق والمكانة والتمام، هو جواب خلل الهوية؟
*استعادة الصور والمشاهد والاجزاء مثالها أو أنموذجها هو استعادة الذكرى أو بناء ما نتذكر من تقديم وتأخير وخليط وتقاطع. وتعريف الهوية في الزمن، التذكر والنسيان والفجوات والرضات، يتصل من وجوه كثيرة بتعريفها الاجتماعي. في "خللي بالك من زوزو"، الصبية تأتي من طبقة اجتماعية متواضعة، فهل يجوز أن تخالط أناساً من طبقة أعلى؟ ودخول الجامعة مسألة أخرى من الخط نفسه. ويروي "الحب الذي كان" قصة امرأة يتعثر زواجها وتلتقي الشاب الذي أحبته قبل زواجها، فتريد العودة اليه. فمن تكون المرأة والحال هذه؟ وأي أحوالها وأوقاتها أقرب إليها وإلى من هي وما هي على حقيقتها؟ وهذا جريء، ويذهب الى ان الحب وحده ليس جواباً، ويطرح أسئلة شخصية واجتماعية واخلاقية وجنسية. ومشكلة المرأة مع زوجها، في الفيلم نفسه، هي انهما لا يتشاركان المتعة. ولعل هذا التعقيد هو من نتائج خسارة 1967، فلم يعد ممكناً النظر الى العالم من غير الانتباه الى وجوهه الكثيرة والمتضاربة واعتبارها، ولا يسيراً تعريف الهويات في نفسها وبمنأى من سيرها أو سير أصحابها.
 في الجزء الثاني، سعاد حسني مثال للصورة وللوحة، وشبه للتمثال اليوناني (أفروديت)، وهي على هذه الحال من الهوية والمثال، تسأل عن الحب وعن الماضي والفن. وعلى هذا، فهوية سعاد حسني – الممثلة والمرأة الحية، التاريخ الفني الروائي والجسد موضوع العشق والانتقام – وهوية أي امرأة تتعرض للحياة والرواية، عصية على التوحيد والجمع...
*ما كان واضحاً في ذهني وانا اصنع الشريط من المختارات ان سعاد حسني تجيب عن أسئلتي بصوتها. وفي نص الترجمة أسفل الشريط، كتبت الاقوال الصادرة عنها بخط مائل للدلالة على هذا الحوار. والاسئلة التي رغبت في طرحها عليها، ولكنتُ طرحتها عليها لو أنها حية، مستقاة من خزانتها السينمائية هي. وتدور هذه الاسئلة، على نحو ما هو ظاهر في قيامها بدور المثال وفي كلامها، في الاثناء، على علاقة الفنان بفنه. وسذاجة اسئلة حسني وأقوالها لا تطعن في حقيقة الاسئلة، ولا في المسألة الجوهرية التي تتناول حياة الصور السينمائية وعلاقة الفنان، مخرجاً وممثلاً ومصوراً وكاتباً... بها، كان ذلك في اثناء الاخراج والتصوير ام بعد الفراغ من العمل واستعادته في الذاكرة أو في تاريخ الفن. وشريطي كله، من أول صوره الى آخرها، يجري في خضم مرايا متقابلة تتبادل الصور، وتتحاور حواراً متكسراً ومتعرجاً بواسطتها ومن طريقها.   
... وهذا  ربما يجعل العمل المركب، العمل الذي تنزع مادته من اشرطة روائية وليس من "الحياة"، يعصى السبر والاحاطة فوق ما تعصاهما المادة الاولى...
*...طبيعة السينما نفسها وفتنتها تقومان على كيمياء الضوء الذي يغسل وجهاً انسانياً، على المعجزة الاولية هذه. ويخلط هذا قوة متصلة تدوم ما دامت الصورة. واستعادة الصور، اليوم، في حبكة أخرى غير الحبكة الاولى، يبعث الحياة، أو يبعث حياة في معجزة التقاط الوجه والتعبير. وأثر الوجه أو الحياة، في الصورة، يكاد يكون واقعة ميتافيزيقية. ولا ينفك ظهور "الشخص"، أي من تثبته آلة التصوير على الشريط وتحضرُه الضوءَ امام المشاهدين، يتمتع بشحنة قوية وعميقة. وهذا لا يحول دون الانفعال بالشحنة المتأتية من علاقات الصور بعضها ببعض، على النحو الذي يقيمه التوليف. ولا شك في ان التوليف يومئ الى افق علاقات وامتزاج وتوالد لا يحصر ولا يحد. والمخرج المولف يَحرف مولفاته عن معانيها المباشرة، وهي نفسها معانٍ مضطربة وكثيرة، ويسوقها الى معانٍ أخرى مولودة من أسئلته وتوقعاته وحواراته مع الاشرطة، ومع سعاد حسني وتاريخها، وأفكاره وأخيلته... فثمة حياة تحياها الصور فيما بينها، وحاولتُ رواية أجزاء من هذه الحياة.

الأحد، 20 مايو 2012

السوريون المستميتون يهربون من مملكة الأوهام الأسدية إلى واقع الحرب الجارح

المستقبل - الاحد 20 أيار


"أُسِّست المملكة على صهوات الخيل

ولكنها لا تُحكم على ظهورها"

(أغوداي خان ابن جنكيز خان)

بينما كان الفتيان الماويون، في الصين الحمراء، وفي أقاليم ثورة أو حركة 1968 الأوروبية والعالمية، يشمرون عن سواعدهم المتحفزة، وينبرون للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى الأولى على علاقات الإنتاج الرأسمالية وأبنيتها السياسية الأمرية والمرتبية الصلبة، ويقصفون "مقر الأركان" اليميني والمنيع، ويعدون بثورات ثقافية بروليتارية كبرى لا تقل من غير مبالغة عن الألف- كان فتيان ماويون آخرون، وربما هم أنفسهم، ينشدون، وقبضاتهم مشدودة ومرفوعة، "السلطة تخرج (أو تؤسس، على قول ابن الفاتح المغولي "الكبير") من فوهة البندقية". وفي المناقشات الدائرة على ثبات الحكم السلالي الأسدي، ودوامه منذ نحو نصف قرن او نيف وأربعين سنة، وبلائه وتماسكه في العاصفة التي تهب على سوريا منذ 14 شهراً وتنذر بالدوام نظيرها أو أكثر، يميل معظم المراقبين والمنخرطين الى تعليل الثبات والدوام والبلاء بالهتاف الماوي: السلطة مصدرها وركنها فوهة البندقية، وولاء حاملها الماشي في صف مرصوص وأعمى، وقيامه على مقر الأركان المنكفئ، في حال، أو على "الشعب" الأعزل والثائر، في حال أخرى.

مرض السلطة المميت

فيذهب المراقبون والمنخرطون أو معظمهم الغالب إلى أن العامل الأول في ثبات حكم الخان الثاني، بعد الخان الأول، الوقت الطويل المنصرم هو إرساؤه حكمه أو تسلطه ونظامه على احتكار السلاح وأجهزة القوة وأصولها وفروعها الاستخبارية والإدارية والرقابية والإعلامية والقضائية. فعلى رغم الخدمة العسكرية العامة، وشمولها فئة الشبان من غير تمييز من جملة سكان نحو 80 في المئة منهم من السنة غير العلويين ومن غير أنصار "السلالة" العصبيين، وسع حلف العشيرة الحاكم تمليك 70 في المئة من المناصب والأعمال النافذة والضاربة في أجهزة القوة لأهل العصبية والولاء الأقربين. واستيلاء طائفة تعد، اليوم، 9 في المئة من السكان (وخسرت نحو 2 في المئة من حصتها من السكان هما قربان ارتقاء شطر من نخبها)، على 70 في المئة من المناصب وعديد الأجسام والأسلاك القاهرة، هذا الاستيلاء يسد المنافذ على محاولات إضعاف القبضة المسلحة، ويحكم في هذه المحاولات بالإخفاق والتعثر. فإذا بلغ عديد القوات المسلحة والأجهزة المساندة نحو 400- 450 ألف "مجند"، وسع القيادة الآمرة خسارة 120 ألفاً الى 150 ألفاً من غير لحاق الشلل بها. وإلى اليوم، إذا صح أن المنضوين في صفوف الجيش السوري الحر بلغ عددهم حوالى 40 الى 60 ألفاً، لم تبلغ الخسارة إلا ثلث هذا العدد. والأغلب على الظن أن ثلثي الـ40 إلى 60 ألفاً "الأحرار" ليس في مستطاعهم القتال وربما لا يرغبون فيه، إما لنقص العتاد، وإما لعسر الانخراط في وحدات طرية العود وضعيفة التنسيق والانضباط، وإما لهول اختبار القتال الأهلي وفظاعته...

وتماسك العصبية المستولية من طريق العشير الجامع والواحد، واحتكار القوة والتصميم على القتل، علاج قديم ومشهور لتآكل السلطة و "مرضها" المميت خبرته المجتمعات العربية المشرقية والمغربية، وأعمل حكامها في سوس جماعاتها و "مجتمعات" هذه الجماعات أزماناً طويلة. ومن هذا الوجه، يشبه حكم العصبية الأسدية العلوية المستولية "ممالك" سابقة كثيرة ملأت قرون ضعف الدول الإسلامية الطويلة والمتمادية. ولم تغب ملاحظة هذا الأمر عن الخان الأول، ولا عن حلف الخانات الثلاثي، جديد- الأسد- عمران، الذي انفرط عقده إقصاءً وقتلاً. فتصدي ضباط أقلية ومذهبية وطرفية وريفية للاضطلاع بالدور الأول على رأس الدولة السورية خالف تقاليد عريقة وراسخة. فهذه قصرت الأقليات (المسيحية القومية على الأغلب) على المنافسة على المحل الثاني، أو الوزارة دون الإمارة، على قول فرنسوا زبَّال في تحليله "كليلة ودمنة" لابن المقفع. ويقتضي التربع في المحل الأول، وهو تقليدياً محل الكثرة السنية، عربية أو إسلامية سلطانية (سلجوقية عسكرية أو مملوكية غير قومية أو عثمانية)، يقتضي قوة معنوية وسياسية على الجمع والشبك تضوي إلى صاحب المحل الأول "عصبية الدولة"، وتقوم من الجماعات الفرعية الموالية مقام اللحمة و "النسب الوهمي".

وفصَّل حافظ الأسد جهازَ الحكم السوري على مقاس استيلاء ضابط الاستخبارات العلوي الريفي والجبلي على الدولة الوطنية، عاصمة ومحافظات. وشرطُ التفصيل والإلباس الأول هو اجتثاث أضعف مسوغ ولو شكلي لاقتسام مقاليد السلطة الفعلية، كان المسوغ طائفياً طبعاً (حقوق الطوائف في التمثيل) أم محلياً (حقوق المناطق أو المحافظات) أم تقنياً (حقوق الخبرة) أم طبقياً (حقوق أصحاب رأس المال أو المستثمرين أو ملاك الأرض). فالحكم كله للـ "واحد" وحده. وحمل الديكتاتور الجديد نفسه وسلطته ونظامه على ضدٍ للأبواب التي أراد اجتثاثها: فهو قومي على خلاف الطائفية والقطرية، وهو شعبي على خلاف الطبقات... وتفترض هذه الحال ألا يبقى اثر لنفوذ المكانات والطبقات القديمة في اي مرفق من مرافق الدولة، وهذا أمر يسير نسبياً على الديكتاتوريات الثورية والحزبية، أو من مرافق المجتمع، وهذا أصعب وأشد عسراً حتى على الأحزاب الكليانية الشيوعية. وإطفاء أثر المكانات والطبقات القديمة، وتوهين عصبياتها ولحماتها، ونخر مقومات نفوذها، يُبلغ (أو تُبلغ) من طريق واحدة هي نصب الولاء الشخصي والمباشر للقائد الأوحد والأعلى معياراً للأهلية الوطنية، السياسية والاجتماعية. وتوحيد معيار الولاء يتيح أمرين مختلفين وربما متضاربين: تقريب أفراد ينتسبون الى جماعات مذهبية ومحلية واجتماعية "غير صديقة" ورذل جماعاتهم، من غير غمط الجماعة العصبية المستولية والنواتية "حقها" في الاستيلاء والسطو، تدريجاً، على المحل الأول ومقاليد الأمر وموارده. فالمعيار محايد وغير عصبي شكلاً وظاهراً، وهو الولاء للدولة، وللدولة العتيدة و"الجديدة"، على خلاف الدولة التقليدية المائعة والرخوة، جسد شاخص، من لحم ودم ولغة (أو خطابة)، يملأ الدولة المجردة والبعيدة بقوة عينية، ويمتلئ بها.

أحمال الدولة

ويسَّر اجتثاث النظام القديم، العثماني والفرنسي والسوري المختلط، عقدٌ أول من الانقلابات العسكرية (1949- 1958)، أعقبته 8 أعوام من ناصرية أصيلة وناصريات مقلِّدة، ثم 4- 5 اعوام من اختبار استيلاء متعثر على المحل الأول، فاقمت عثرته خسارة الجولان في أثنائها. وفي أثناء ربع القرن هذا (1946- 1970) تصدعت أركان حكم "الجماعات" القديمة. فغرقت هذه في انقساماتها ومنازعاتها وعداواتها، الناجمة عن مصالحها المباشرة وعصبياتها الأهلية و "الجهوية" وأحلافها الوطنية والإقليمية. ولا ريب في أن أحمال إنشاء الدولة الوطنية وسوسها، وخلافة الانتدابات، وإواليات حكمها المعقدة، وقيام إسرائيل، وتبعات الصراعات الدولية والإقليمية، هذه الأحمال فاق ثقلها قدرة الطبقات الحاكمة والطبقات المحكومة على الاحتمال، فهي خرجت، ومجتمعاتها، لتوها من قرون طويلة من التبعية والانقياد. ولم تتول السلطة الفعلية والمستقلة طوال الزمن المديد هذا ولم تصدر عن نفسها في أثنائه. وورثت بين ليلة وضحاها، في ميزان التاريخ السياسي والاجتماعي، سلطة ومجتمعاً كانت هذه الطبقات والجماعات عالة عليهما حين كانت سياستهما. وتدبيرهما بيد قوة خارجية. فقصارى جهد الطبقات والجماعات، في أثناء العهود التي توالت على مجتمعها "الوطني" الموروث، هو محاكاة أساليب الحكم الخارجي ومناهجه، وتقليدها. وطوال العهود المتفرقة هذه كانت الطبقات والجماعات المحلية أو الوطنية في موقع ضعف واستضعاف. فجاءت ابنية الدولة الوطنية المركزية، بمواردها وإداراتها وقواتها المسلحة، فوق طاقة الجماعات الحاكمة على التدبير والتصرف بكثير. فاقتصر الحكم غالباً، على المكانة والمنافع الريعية المتأتية من المكانة والاحتكار والحماية، وعلى المنافسة بين أصحابها على اقتسامها.

ولم يكن النهج الناصري، وهو وارث دولة راسخة ومستأسدة على جماعات مجتمعها، لا قبل الوحدة العابرة ولا في أثنائها، مدرسة تؤهل الجماعات والطبقات المحلية، على جهتي السلطة، للحكم والتدبير والتحكيم في المنازعات والخلافات. ولا وسع الديكتاتوريات العسكرية الرثة، قبل الوحدة ثم بعدها مباشرة، تولي مثل هذا التأجيل أو تمهيد الطريق إليه. فلم يصعب والحال هذه على لواء "المخابرات" الجوية تحميل "النظام القديم" كله، الوطني (القطري) والطائفي المذهبي (السني) والطبقي ("البورجوازي") والحزبي العصبي والإيديولوجي، أوزار الركود والانقسام والهزائم والهشاشة "السورية". وبدا استيلاؤه على الحكم منقذاً من الترجح والتطرف اللذين أوقع سوريا فيهما استيلاء صلاح جديد وزميلته اللدودين والأخوة الجندي وسليم حاطوم على الدولة قبل سنين قليلة. وأورثت الناصرية الأنظمةَ والدول والبلدان العربية المشرقية، فيما أورثتها، معايير رأي سياسية، جماهيرية عامية وقومية إقليمية ودولية عالمثالثية، لا فكاك منها تقريباً، وزادتها "الثورة" الفلسطينية صرامة. فإذا حاول نظامٌ الانفكاك منها سلط على نفسه إدانةً قاطعةً بالمحافظة والعزلة والتأخر.

فملأ حافظ خان (الأسد)، حين نصب نفسه قائداً قومياً، "عربياً سورياً"، فراغاً عميماً وعظيماً بفراغ عميم وعظيم يفوق سابقه وطأة وإيهاماً وتشبيهاً. فالفراغ السابق كان أبقى على حطام مجتمع وجماعات، وفتات إدارات وكفاءات وأفراد، وعلى بواعث سعي وعمل. فأسرع النظام الجديد الى التضييق عليها، قبل عزلها وخنقها وتصبيرها مومياءات في متاحف الصمت والخواء مثل الجبهة الوطنية ومجلس الشعب واتحادات العمال والفلاحين والكتّاب والصحافيين. ولكن الطاغية العربي ليس من مخلفات عصر مضى وأفل، على خلاف رأي أدبي و "تنويري" فيه. فهو شديد المعاصرة، ومتنبه الى مقتضيات هذه فوق تنبه التنويريين المحترفين. فسعى في "الامتلاء"، على ما تقدم القول، بروافد وموارد دولة تتصاغر الدولية التقليدية، المدعوة "دولة العصر الليبرالي"... العربي، بإزائها وتتضاءل. وزعم، غير هيَّاب ولا متردد، القدرة على الاضطلاع، معاً وفي آن، بالمهمات العظيمة والساحقة التي ناءت بها الجماعات والطبقات الحاكمة والمحكومة طوال ربع القرن الذي انقضى على رفع الانتداب وجلاء القوات المحتلة الأجنبية، وهي (المهمات) إنشاء الدولة الوطنية من صفر، والتصدي لتركة الانتدابات، وجبه إسرائيل، وتحمل تبعات الصراعات الدولية والإقليمية وإداراتها من دمشق وقصر الرئاسة فيها.

وماشى تفصيل حافظ الأسد جهاز حكمه على مقاس استيلائه وسعيه في اجتثاث مسوغات اقتسام السلطة أهواءً وبواعث سورية وعربية قائمة وفاعلة، على نحو ما ماشى زعمه مكافأة "دولته" المهمات العظيمة والساحقة المتخلفة من تصفية ذيول السلطنة العثمانية والاستعمار الغربي المباشر والمرحلة الوطنية والاستقلالية المتعثرة والمرحلة الناصرية المتلعثمة أهواءً شعبية، سورية وعربية، محمومة. وعلى رغم تحفظ عربي عريض، شعبي ورسمي، عن المثال القيادي الفظ والسري والباهت الذي جسده حافظ الأسد، وعن استيلائه على سوريا في أعقاب هزيمة 1967 وأيلول 1970 "الأسود" وشراكته فيهما على هذا القدر أو ذاك، على رغم التحفظ المزدوج طابقت أخيلة الخان الجبلي والعلوي السياسية والقومية أخيلة جماهيرية معاصرة. ولولا هذه المطابقة لما تمكن ضابط الاستخبارات المستولي من ممارسة الوصاية العدائية والثأرية على المنظمات الفلسطينية المسلحة منذ طردها من الأردن الى حين استقرارها و"تخزينها" (صلاح خلف) في لبنان، قبل نفيها الى اليمن وتونس وعودتها الى فلسطين مشرذمة ومتحاربة. ولما وسعه الإسهام الراجح في ابتكار اللبننة، ومزاولتها وتطويرها وإثرائها، طوال عقد ونصف العقد، وإغراق الفلسطينيين والإسرائيليين وغير هؤلاء وأولئك في "وحولها"، ثم توريثها نمطاً سياسياً ناجزاً ومدمراً يصلح لميادين ومسارح وطنية وأهلية متفرقة الى اليوم. وحالت الأخيلة المتطابقة، دون الانتباه الى انقلاب القائد العروبي والقومي الأول والمفترض الى قائد "إسلامي" ثانوي يعتال ويتعيش على نفوذ إيران الخمينية في أوساط الحركات الإسلامية الناشئة والقديمة، ويحتمي به من غائلة قمعه الدامي والفاجع لتمرد إسلاميين محليين عليه. ويتوسل بالمسألة الفلسطينية شأن إيران إلى تحصين نظامه من التحفظ العربي وعداوة الغرب.

الأخيلة المتضاربة

فقبل التماسك النسبي والجزئي والمترنح بعض الوقت في قلب العاصفة السورية، أرسى الخان الجبلي والأقلوي صروح "دولة" شامخة وطاغية ومقلقة على أسس غير قائمة إلا في الوهم. فـ "الدولة المفتاحية" (فاروق الشرع) في الملعب الشرق أوسطي وفيلته السكانية والاقتصادية والوسيطة والعسكرية تفترض كل ما لم يتوافر لحافظ الاسد: الموارد والعدد والتوزيع المقسط والقوات المقاتلة والمجهزة والديبلوماسية الخانقة. فالدولة التي أوجبها واحدة ومتشابكة في الوهم والتخييل والحسابات الاستراتيجية، لا تنتمي جماعاتها الى حيز سياسي أو تاريخي مشترك او متضافر: فبعض جنوبها ينظر الى الأردن بعض آخر الى فلسطين أو إلى شطر طائفي منها. وبعض شمالها ينظر الى العراق (أو الى شطر منه) وإلى شطر من تركيا. وبعض آخر هواه في كردستان على جبهتي الفرات أو وراء تركيا. والسهل السوري الفسيح بعضه يتصل بالساحل وامتداده اللبناني التجاري والمصرفي، وبعض آخر جزء لا يتجزأ من "الداخلية" العربية والبدوية النفطية وأسواقها وتجاراتها وأهوائها السياسية والمذهبية. وأما أقليات الجبال والمدن الكبيرة فيحلم بعضها بـ "حلف أقليات" خائفة ومنكفئة، حين يحلم بعضها الآخر بالهجرة واستيطان مهاجر بعيدة وغريبة. و"الأرياف" دوائر سكن وعمل واستنقاع ضيقة. ويحيط فقراؤها ومهاجروها الداخليون بالمدن أو بقاياها، إحاطة حبل المشنقة برقبة المشنوق (لينين). وهذا كله بقي على حاله طوال نصف قرن.

وهذا الإرث، وهذا المركب الأهلي والبلداني والسياسي والاجتماعي، رفعهما الخان المستولي إلى مرتبة القدوة والعلاج والأداة الاستراتيجية والتاريخية. وصدق الدعوى معظم السوريين والعرب معظم الوقت. وأرسى على هذا التصديق سياسة إقليمية فاعلة ومخربة. فلم يدر أحد من ضحاياها أو من الرابحين منها من أي طريق خَسِر أو من أي طريق ربح. ويعد هذا، أي النظام، قرينة على المهارة والإبداع والإعراب عن "روح الأمة". ووسعه شق السوريين والعرب، والمجتمع الدولي، شقين وشطرين، وحال الى اليوم بين هذه الدوائر وبين الإجماع على رأي فيه، على رغم "هجنته" وغرابته الفاضحتين، وعلى رغم فصامه المروع، قولاً وعملاً.

ونظير "صمود" الخان الابن، وهو يبدو معقولاً أو قابلاً للاعتقال في شباك الفهم فوق قابلية ضده، ينهض مراس حركة السوريين وعنادها ودوامها على طرف نقيض. فيعصى النقيض أو الضد الفهم السببي، ذاك الذي يزاوله نشطاء هيئة التنسيق الوطنية على وجه التخصيص وبعض "مخضرمي" معارضة "الداخل"، والفهمَ الحدسي الذي يزاوله بعض محترفي التحليل التاريخي والأدبي. وما يُتناقل واستقر رواية جامعة لواقعتي تظاهرة 14 آذار 2011 بدمشق ("الشعب السوري ما بينذل") وتظاهرة 18 من الشهر نفسه بدرعا (والعَلَم عليها جواب ضابط الأمن قريب الخان الأهل: "انسوا أولادكم" ثم "هاتوا نساءكم إذا كنتم عاجزين عن استنتاجهن أولاداً محل أولادكم")، يدعو الى العجب. فإلى 14- 18 آذار 2011 لم ينتبه سواد السوريين الى انهم، ومن ولدوهم قبل جيل من اليوم وبلغوا 50 الى 60 سنة، إنما عاشوا في ذل عميم ومقيم ليس بعده ذل. ولم يدركوا، على هذا، أن "المجد" الذي أعطيه الخان والفاتح الجبلي والمذهبي إنما ارتفع سراباً خلاباً في صحراء خالية إلا من الكذب وأشراكه التي لا تحصى، ومن عظام عشرات آلاف القتلى عنوة وملايين الموتى كمداً وخيبة وخسراناً ممضاً.

ولكن السوريين الذين يقومون على طاغيتهم، "الواحد"، ويرمون بأنفسهم في مرامي نيرانه، ولم يبالوا بثمن هائل يسددونه لم يتستر الطاغية يوماً على هول فاتورته ولوح به منذ أيامه الأولى عِدْلاً وكفواً لأضعف اعتراض أو تحفظ وصدَّق التلويح في شتاء 1982 بحماة، هؤلاء السوريون يفزعون الى مقاتلهم اليوم من انهيار صروح الكذب والتشبيه العالية التي رفعها الطاغية. فكأن (على سبيل الاستقراء) الاستماتة، الباهظة الثمن والموقَّعة والمتمايلة والمنتشية، هي جواب تصدع "سوريا الأسد" وثمرة هذا التصدع. فيصدق في السوريين ما قاله بوريس باسترناك، صاحب "دكتور جيفاغو"، في "ترحيب" الروس بدخول بلادهم الحرب العالمية الثانية، وإقبالهم عليها على رغم أثمانها العظيمة. فهو قال في تعليل الترحيب والإقبال هذين ان الحرب والموت والقتل فيها كانت واسطة الروس "السوفياتيين" و"الستالينيين" إلى الواقع، وطريقهم أو جسرهم إليه، بعد 23 سنة من التخييل الاشتراكي والأممي الشامخ. فالموت في حرب حقيقية ومادية، هي عزاء "مواطني" ممالك الوهم التي يبنيها طغاة عقيمون

الخميس، 10 مايو 2012

كورين شاوي وشريطها القصير "أحبك فوق ما تسع الظنون" (لا إلى غاية أو نهاية)... السينما الوثائقية وكناياتها من غير طريق الفولكلور

المستقبل /6 /أيار 2012
صنعت كورين شاوي، المخرجة السينمائية اللبنانية "الناشئة" (شريطها مادة شهادة ماستر)، في الشهر الأخير من 2010، فيلماً وثائقياً، على ما تقتضي الحال الجامعية والدراسية، وصنعته على موضوع هو، من غير مفارقة ولا مراوغة، الحب العظيم أو الحب المجنون. وهو الحب الذي لا تسعه الظنون، على قول الشاعر العربي، ولا يحده حد، ولا ينتهي إلى حد أو نهاية. فهو حب لا إلى غاية يبلغها وينتهي إليها، "لا نهائي"، على قول يشي بإرادة قائله أو صاحبه التخلص، ونفاد صبره، وطلبه الحسم. وكورين شاوي لا ترى ما قد يغمض أو يشكل في "توثيق" هذا اللانهائي، وليد المخيلات والمهج والأشواق المحمومة والمريضة. وهي تقول هذا في اسم شريطها الذي لا يتخطى الدقائق العشرين إلا قليلاً. ولا يسع المشاهد، أو الجمهور، أن يحدس في ابتسامتها، الساخرة أو الماكرة، ربما، تنديداً بالحب، أو بالجنون، أو بالسينما. ويخص مكرها التوثيق، ومزاعمه في الحقيقة، بسهمه، من غير أن يقع المشاهد على أثر ظاهر للمكر الساخر.

ففي 17 إحاطة عدسة مفردة- أو فقرة متمادية ومصوبة على "شيء" أو نواة منظر، أو حادثة لا تجمع واحدتها الى الاخرى، رابطة أو آصرة عدا موسيقى موكبية تسكن الصور، وتخيم على بعضها على شاكلة الغيم ونزوله على المنحدر العريض والربيعي الى الوادي، وإحالته بطرفة عين الألوان الزاهية، الأحمر والاخضر والاصفر والترابي، منظراً ليلياً مقلقاً. وتتنقل الفقرات إذا جاز الكلام على تنقل فيما لا هوية له ولا يصدر عن سياق أو فاعل متصل، بين المرأتين المسنتين والمتداعيتين، والمتبادلتين حديثاً عنيفاً ومتقطعاً يدور على رجل تسميه المرأة الاولى خليل وتروي عنه فيها هي كلاماً مقذعاً ومنهما الى المنحدر الربيعي والخريفي. ومن المنحدر الى رجل يحمل منجل "الحاصدة"، على ما يسمي الأوروبيون ملاك الموت، ووراءه صلبان على قبور مقبرة، ويتردد في ارجاء الصورة العريضة والمنيرة طنين الطوافة البعيدة، وصرير مروحتها وهي تخبط الهواء الساكن، وتقطعه إرباً.

وفجأة يظهر قرميد كنيسة ومبناها وجدرانها الملساء "بلا دنس"، "قرميدي" اللون، في حلة بطاقة بريدية مصورة. وفي الجزء القريب من الصورة مضرب بدو، خيمتان الواحدة بجوار الأخرى، الخيمة الأقرب من قماش لا يخالطه بناء "صلب"، ووراءها حجرة من طين لصيقة بالأرض، ويخالط مواد بنائها الكرتون وربما التنك. وعلى عتبة الخيمة البدوية الخالصة أوقف "شيخ" الخيمة، أو ربما زائر من أهل المدن، دراجة نارية من دراجات التنقل الداخلي والقريب، متكئة على قدم وحيدة. وفي الخلف، بين الكنيسة وبين الحجرة الحدودية رجل يعمل، وولد يتوارى. وتعود الصورة، أو يعود التصوير الغفل المصدر والرواية والمتنقل على غير هدى أو غرض واضح، الى المرأتين. ولا يظهر منهما غير يد معروقة، قديمة وضخمة، غارقة في قماشة داكنة الحمرة. ويملأ صوت جميلة الحلقي والأنفي الفضاء الخانق والضيق والقاتم، ويحيط بالمشاهد إحاطة المدفن أو التابوت بالمسجى فيه. ويتناول صوت جميلة "القهر"، وقهره المقهور.

وعلى نحو العدوى، يدخل المشاهد محراب كنيسة أو محلاً لبيع "التحف" الكنسية: صلبان وصور وصحون وتماثيل السيدة العذراء. وفي وسط "التحف" رجل جالس على كرسي، مفتح العينين من غير نظرة، ولولا العينان هاتان لقطع الناظر أن الرجل نائم ومنخطف، على رغم العينين وخلوهما من نظرة تنم بقصد لا يفارق النظر. وبينما المشاهد يترجح بين رأي وآخر، أو بين رأي وضده، تضيء شمعة ذاوية صفحة طاولة تعج بصور لا يُرى منها شيء. فلا الشمعة للإضاءة، ولا الصور للرؤيا، ولا الطاولة للعرض على النظر، على حين ان نور الشمعة ممتلئ وقريب من سمنة بذيئة، وظلال الصور لا شك في حقيقة رسومها والتماعها...

ويخرج الشريط الى الضوء والفضاء كما يخرج المسافر من عتمة نفق الى نهار ساطع ولئيم القسوة والوضوح. فيقع على بقايا جثة كلب مهترئة، منبطحة على حاشية الطريق الترابية. ويتعاظم انبطاحها، وتغلغلها في الأرض، مع كل وطء سيارة. فتحفظ الدماء القليلة وحدها رسم الكلب الذاوي والنازع الى الذوبان في تراب الطريق، لوناً ومادة متحللة. ومن أطراف الصورة غير المرئية، على شاكلة طنين الطوافة وصريرها في فقرة سابقة، يطلع نباح متقطع، أم هو مواء مخنوق؟ يتردد المشاهد في حمله على بقية الكلب المتآكل وروحه الهائمة بين "الأقبر"، على قول الشاعر في صدى الحبيبة، أو يؤوله بكاءً يُشيّع القلب الى غباره المتطاير.

ويعود "التوثيق" الى المشهد الأول، والمرأتين الهرمتين والمتحاورتين، على نزقٍ من الأولى واستحياء من الأخت، جانيت. وتسأل جميلة الأخت عما إذا كانت رأت حية، وعما تريده الحية منها. ومن غير جسر أو تمهيد، في وقت جميلة وأجزائه المتجاورة، ووحداته المنفك بعضها من بعض والمؤتلفة في كلٍ أو جميع يرعاه إله لايبنتز المفارق والمحايث معاً، تنشج جميلة نشيجاً أليماً ورتيباً، : "نحنا شراميط، نحنا الحية"، في حجرة الجلوس الفردوسية وضوئها الصافي والصباحي، وأريكتيها الثابتتين واللصيقتين الواحدة بالأخرى. وتميل المتحدثة الى أمام، وتكلم الاطياف التي تحوطها وترف حولها، ويخرج بعضها منها، هي جميلة الجنية المسكونة بالجنيات ومخاطبتها الأثيرة وقائدة أوركستراها. فتخوض المتكلمة، في الوسط النوراني والابليسي الذي يحوطها في قصص لا يدري المشاهد السامع كيف يراه أو يسمعه. فهي تخاطب أطيافها وظلالها تحت بصر جانيت، ووجهها المستطيل والثابت وجسمها المتين، وابتسامتها المطوِّفة بالوجه، والمتقاسمة بين الشك فيما تقوله الاخت وبين حملها على محمل التصديق، على ما توحي آلة التصوير وكورين شاوي وراءها.

ويخرج الشريط، فجأة كذلك، من الحجرة والمرأتين والضوء والجن الى علياء سماوية تطل على حفرة عميقة معتمة، تصلح غاراً على طريق هجرة او نزوح نبوي. وعلى ضفة الحفرة الصخرية، بين الصخور الكلسية المدببة، يروح ويجيء بشر ضئيلون كالنمل، ليليبيتيون على شاكلة "الشعب" الذي كبل غوليفير الغارق في سكرة نومه العوليسي، يتجولون حول خيم مضرب بدوي على كتف جبل هائل. وعلى شاكلة كل مرة تحضر فيها الأرض "قديمة وعنيدة"، على قول أندريه مالرو، تطوِّف بها موسيقى الأرغن الباخية، فتحتفل بالولادة من رحم عظيمة وتشيِّع الخلق الى مثوى الظلال، من غير افتراق.

وينعطف الشريط الى رجل مستلق نائم على أريكة طويلة، ينتحي هو ناحية منها، وإلى جنبه ما يشبه رداء مركباً ومزركشاً، ملقياً على الأريكة الصيفية الألوان والنسيج. وتغشى الصورة ضوضاء راديو متقطعة ومتذبذبة، تستدخل الصورة وأشياءها من غير إثقال عليها ولا وطأة. فكأن الضوضاء بعض الضوء أو بعض فضاء الصورة، من غير حضور ولا جسم. وتعود، في فقرة لصيقة بالرجل النائم والمستلقي، جثة الكلب على اسفلت الطريق. وتمضي السيارات والمركبات على نهبها، وتبديدها، وتجريدها من رسمها، وحملها على الدم المتبقي والجاف. وتهرب الصورة، متعمدة القطع، من الكلب والاسفلت والسيارات، الى صوت جميلة الحلقي والأنفي في فضاء حجرة استقبال صيفية خالية، تتوسطها ساعة زجاجية تدور فوق الطاولة الواطئة، ويملؤها الضوء تارة ويغشاها الظل تارة اخرى، على ما مر من قبل في فقرة المنحدر المنقلب من الضوء الى غاشية الظل والغيم. ويتدافع كلام جميلة في السعدان وطيزه، وفي خليل، "وينك يا خليل؟".

وتعود المرأتان، ويعود كلامهما في الحجرة، كلام جميلة:" شو بدي اعمل؟ شو بدي قول؟ إيه، ما على شي شرموطة، بتصير منيحة، يشرمط عليك...". وقبل أن تعودا منفصلتين: جانيت مستلقية على سرير لا يبدو منها إلا رأسها، وعلى مقربة منه مقعد أبيض من البلاستيك السائر، على خلاف الأرائك التي مرت في الحجرات الصيفية والفردوسية وجميلة من فتحة بابا أو حائط من لون الكريم الصافي والمتصل، المجرد أو التجريدي على حاله في المستشفيات والمصحات، وأمامها، في الفتحة العمودية والضيقة، "شيء" ابيض محدودب، قد يكون بوظة وقد يكون قبعة، وتغشى الصورة أصوات أجراس بعيدة وعميقة وتوقيعات الأرغن المتطاولة-، قبل أن تعود المرأتان منفصلتين على هذه الشاكلة، تمر فقرة الشريط السادسة عشرة، أي قبل الأخيرة، بحية مقطوعة الرأس، من لون الاسفلت الأسمر، وتحوم على موضع الرأس ذبابة تشرب من خيط الدم الرقيق الذي خلفه الرأس المقطوع في الاسفلت، وتذروه عجلات السيارات والدراجات. والفقرتان المتبقيتان، الثالثة عشرة والرابعة عشرة، عَوْدٌ على امرأة تدخن في عتمة ضوء أو نهار مضاد، على ما يسميه الفرنسيون، ثابتة فيما هي تنفث الدخان، وامامها طاولة تعج بأغراض متفرقة، وتملأ فضاء الحجرة موسيقى ملحة ومضرب بدوي يتناوله التصوير من تحت ومن بعيد، ثم يتناول قطيعاً من الماشية من أعلى الهضبة المطلة على المنحدر، ثم يلم بالمضرب الغارق في الضباب، وبين العدسة والمضرب حمار أسود لا يرعى ولا يمشي، ثابت مثل المرأة المدخنة أو مثل الرجل النائم جالساً على الأريكة أو مثل الرجل النائم في حجرة التحف والتماثيل من غير أن يغمض عينيه...

وعلى هذا، لا يقص شريط السينمائية اللبنانية "الناشئة" قصة متصلة الحلقات والسياقة، ولا يلمح إلى نهج قراءة أو تأويل يفتح "الاقفال"، ويفك "رموزها". ولكن التقطع الصريح والتعرج الواسع والمتباعد لا يخرجان المشاهد عن طوره السينمائي والصوري، ولا يرميانه في عماية. وتنفذ لغة الشريط القصير واللجب الى بصر المشاهد وسمعه وفهمه وأحاسيسه من نوافذ ومداخل كثيرة أحصى الوصف المتقدم بعضها. ولا أتستر على أن الباب الذي (أحسب أنني) دخلت منه إلى الشريط هو الباب البدوي المترحل والتوراتي والعربي. فالحب المجنون الذي أصاب جميلة (مؤنث جميل... بثينة؟) منذ صباها الأول، وتتجاذب حديثه مع اختها، وتتقلب صوره وكلماته بين الكنائس والمقابر والايقونات والتماثيل اليسوعية والمريمية، ويطوِّف خياله بين المضارب وفوق الهضاب والمنحدرات والوديان وعلى طريق الرعي، ويستعير للكناية عن نفسه حيوانات الرعاة الظاعنين ("العابرين") مثل الكلب والحمار والحية، وإلى هذا وربما قبل هذا كله يضطرب (الحب المجنون) على الحدود الغامضة بين حضور نيِّر فردوسي وجنبات وحواشٍ تغشى الحضور وتصدعه وتنشر ثناياه المطوية والمنسية على ملأ كثير الثنايا بدوره. ويكاد المدخل البدوي هذا يسوغ انتساب الشريط الى الصنف أو الفن الوثائقي. ويتردد الحب المجنون، ذاك الذي لا تبلغ غايته ولا غاية يحج إليها، بين رواية معقولة ومفهومة، فتخبر عن خليل، وسفره وعودته وطعنه في "شرمطة" المرأة، وترد هي بخبر عن العودة المتوقعة، وصلاح "الرذيلة"، والحية الغاوية والمخيفة، وتضرب قُدماً وغرقاً في أخيلة الجن وبين اختلاط الصور وتناثرها و"تجددها" تحت عجلات السيارات، وعلى صورة الدراجة النارية على باب الخيمة، وتبدد رسومها وأجسادها، ورُسُوها على خيط الدم على الاسفلت "الحديث". وتتضافر رسوم القص والتقطيع والكناية وأشكالها، على إيقاع موسيقى مات جونسون، ووصلها الأرض بالسماء، والهضاب بالوديان، والولادة بالتشييع، والزمن بالأبدية، والقلب بالحواشي، والضوء بالغيم، تتضافر على نفي "الوثيقة"، وتقريرها المفترض من الفولكلور. وربما كان هذا النفي، العسير على الدوام، والممتنع في معظم الاحيان، مطهر شريط كورين شاوي وانجازه: محاورة صمويل بيكيت وطرفة بن العبد.

الجمعة، 20 أبريل 2012

صناعة التلبيس والتدليس الإعلامية تحشر البشر في واحدِ عشائري ـ بوليسي


المستقبل - الاحد 15 نيسان 2012

أذاعت وزارة الداخلية السورية، في 17 آذار 2012، خبر "تفجيرين ارهابيين" قام بهما انتحاريان قادا سيارتين مفخختين. دوى الأول الساعة 7 والدقيقة الـ20 صباحاً بدوار الجمارك، والثاني، بعد دقائق، بساحة التحرير بين شارع بغداد ومنطقة القصَّاع. وسبق المقتلة هذه، وهي قتلت 27 " من المواطنين المدنيين وعناصر حفظ النظام" بحسب تصنيف الوزارة الامنية، سوابق ذكرت بها الوزارة العتيدة في المناسبة المروعة: في 23 كانون الاول 2011 هاجم "انتحاريان" مبنى ادارة امن الدولة وأحد فروع الامن فقتلا 44 مدنياً وأمنياً وجرحا 166، وفي 6 كانون الثاني 2012 قتل "انتحاري" بحي الميدان قرب مدرسة حسن الحكيم 26 ضحية وجرح 63 مدنياً و"من قوات حفظ النظام"، وقتل "تفجير ارهابي" بحلب في 10 آذار 28 مدنياً و"حافظَ" نظام وكان غرضه فرع الامن العسكري بالمحلق الغربي ومقر كتيبة قوات حفظ النظام بالعرقوب.

وأعقب مقتلة 17 آذار بدمشق انفجار سيارة مفخخة بحي السليمانية بحلب قرب كنيسة اللاتين، اليوم التالي، 18 آذار. وفي 19 منه، انفجر قتال بحي المزة بدمشق بين القوات الرسمية وبين منشقين "من ساعات الليل الى الصباح"، على قول معارض أكد "وقوع اصابات في صفوف القوات النظامية". وأحصى المرصد السوري لحقوق الانسان 18 جريحاً "على الاقل" في صفوف القوات النظامية، ووصف الاشتباكات بأنها "الاعنف من نوعها والاقرب الى المراكز الامنية في (دمشق) منذ انطلاقة الثورة السورية". وأوضح المراسل الناشط أن "سيارات اسعاف توجهت الى المكان من دون صوت إسعاف". واقتصرت "سانا" الرسمية على تعيين مسرح الحادثة بـ"منطقة المزة في دمشق"، من غير طرق ولا شوارع ولا ساحات ولا كنائس ولا مدارس. ونقلت "رويترز"، الوكالة الاعلامية البريطانية ومصدر تحريات صحافية دقيقة في الحوادث السورية، عن "سكان" دمشقيين أن مسرح الاشتباكات هو "منطقة الفيلات الغربية قرب منزل آصف شوكت صهر الاسد ونائب رئيس أركان القوات المسلحة".

وعلى حين يدقق الاعلام الرسمي، "سانا" الوكالة أو وزارة الداخلية، في الاماكن والاوقات التي تتناولها أخباره، وموضوعها غالباً هي عمليات إرهابية بسيارات مفخخة يقودها انتحاريون (على مثال معروف ومشهود هو مثال "القاعدة" في العراق الى اليوم)، يكاد الاعلام نفسه يسكت عن الاعمال الحربية والاشتباكات التي لا يتستر المعارضون المقاتلون على مبادرتهم إليها. فتتولى مصادر معارضة، حقوقية أو اعلامية، الإخبار عن الحوادث. وتكاد هذه القسمة، أي تولي الجهة المبادرة الى القتل أو القتال الاعلام عما تبادر إليه وتفعله، تكون قرينة على البادئ الفاعل. وهذا ما لا يرضاه "النظام" وينكره أشد انكار. ولكن أحداً من المحترفين أو من الجمهور وعامة الناس لم يغفل عن إسراع أجهزة أخبار الحكم البوليسي بسوريا الى إذاعة وصف عمليات القتل بالسيارات المفخخة والانتحاريين. فتذيع الاجهزة، في الدقائق التي تلي الانفجار والقتل، معلومات عن المتفجرات وزنتها، وعن نوع العملية، وتعد بفحص الحامض النووي وتسمية المجرمين. ويقارن المستمع بين "غزارة" الاخبار السورية الرسمية وسرعتها وثقتها الشكلية وبين شح نظيرها العراقي، على سبيل المثل القريب والمستمر، أو اللبناني، وطول الوقت الذي يقتضيه تمييز العملية الانتحارية من العملية الموقتة (بواسطة ساعة أو ذبذبة هاتف تفجير أو آلة تفجير)، فيقع المقارِن على أعاجيب أمنية.

رعية المتفرجين

وإذا لم يكن العمل "تفجيراً انتحارياً" أذاع الجهاز الرسمي والبوليسي، "سانا" أو التلفزيون أو وزارة الداخلية، أخباراً غريبة اقتصرت اذاعتها على الجهاز وانفرد بها. فموقعة المزة في 20 آذار، هي في "الوسيط" التلفزيوني كنايةعن عملية مداهمة تولتها "قوات حفظ النظام". فهاجمت القوات "عصابة ارهابية مسلحة"، على التسمية النوعية التي أشاعها الجهاز الرسمي. وتترتب على التسمية فروع الخبر وتفاصيله. فالعصابة الارهابية اتخذت "أحد المنازل"، من غير موقع ولا قرب ولا بعد، "ضمن منطقة سكنية"، لا يعلم أحد حتى اجهزة الامن التي تعد 15 (أو 16 أو 17) جهازاً أين يكون "المضمون" هذا، "وكراً" على ما يليق بالعصابة، في طبعها ونحيزتها وغريزتها. ويطمئن الجهاز رعية "المواطنين". فقتلى الارهابيين في الوكر بأحد المنازل ضمن منطقة سكنية (3 مراتب تضمين على شاكلة دمية روسية، للمصادفة!)، ثلاثة، واعتقل رابع ("من ضمن" أي عدد؟) في انتظار عرضه على رعية المشاهدين والمتفرجين، ولم يستشهد إلا "عنصر من قوات حفظ النظام".

ويفرط التلفزيون في الاعلام والتدقيق والتفصيل، ويبالغ في الوصف والتقريب. فلا يحجب عن الرعية أن "الاشتباكات"، وهو يريد المداهمة، "أوقعت أضراراً مادية داخل المنزل"، وهو "اتخذه الارهابيون وكراً"، على ما ينبه الخبر مرة ثانية. و"الاضرار المادية" أوقعتها "القنابل والقذائف الآر بي جي (و) الاسلحة الرشاشة". ولم توقع "قوات حفظ النظام" ضرراً يذكر، بداهة. والتزاماً للأمانة والصدق، لا يقول الخبر المتلفز الدقيق أن الارهابيين أرادوا الاضرار بالمنزل أو ضمنه. فهم استخدموا ذخيرتهم "ضد قوات حفظ النظام"، لا غير. وأفرطت "سانا" في الصدق فوق افراط التلفزيون. فـ"الوكر" يقع في "بناء مخصص للسكن في منطقة المزة". فلم يتفق اتفاقاً أنه بناء سكني، على ما قد يحسب القارئ أو السامع المنحاز الى افتراض الصدفة. فإذا اتخذه الارهابيون وكراً فلغاية لئيمة في نفوسهم المريضة.

ولكن قوات حفظ النظام استبقت الغاية، وعطلت السعي. كيف؟ "دهمت فجراً"، وليس في أي وقت، الوكر "بعد إخلائه من العائلات القاطنة فيه". وقد لا تفهم الرعية الغرض الدقيق من البادرة الانسانية الرقيقة: فالاخلاء دعا إليه "الحرص على حياة (العائلات) وسلامتهم"، على ما تشهد أنقاض بابا عمرو والخالدية وباب السباع بحمص، وأحياء إدلب وبلدات ريفها القريب، والبلد في قلب درعا... وعلى ما توضح الوكالة. وهي ترجع في عدد القتلى الارهابيين: فهما اثنان، واما الثالث فاعتقل، وأما الرابع فليس موجوداً. وبرهان تماسك خبر الوكالة أن عدد البنادق الآلية التي غنمها حافظو النظام 3 بنادق فقط: للقتيلين بندقيتان وللأسير (أو المعتقل الجاني وليس الاسير المحارب) واحدة. فمن أين جاء التلفزيون بالرابع؟

وأهمل جهاز "الإنباء" الصادق والصادر عن "السيف"، وليس عن "الكتب" و"الفلسفة" ("الوطن") وصور "اليوتيوب" المزورة وأخبار الشهود الكثر المختلقة والمسترسلة في جزئيات لا طائل منها، أهمل تقولات مصادر "رويترز" الثرثارة. فإلى عدد الجرحى وسيارات الاسعاف المخنوقة وموضع الاشتباكات وأدوار المقاتلين والوقت الذي دامته، يغضي الجهاز عن استقدام بعض قواته من ريف دمشق الى دمشق نفسها، ونشره ميليشيات في الشوارع القريبة وتجنبه الحجز بين الطرق بكتل إسمنت، وعن استعمال مدافع ثقيلة غير البنادق الآلية، ودوي انفجارات بجوار سوق حمادة، وقطع الكهرباء عن المصابيح في أعلى أعمدة الانارة. فهذا، وغيره مثله، علم لا ينفع وجهل لا يضر. وأما علم "السيف" الرسمي وإنباؤه فنفعه ظاهر ولا يمارى فيه: فمن يعلمه من المصدر الموثوق والواحد على خلاف جهل "رويترز" وشهودها المجروحين (مرتضى رشيد من "مجلس قيادة الثورة في محافظة دمشق"، "المرصد السوري لحقوق الانسان"، "سكان في دمشق"، "لجان التنسيق المحلية"، "سكان عبر الهاتف"، و"ربة منزل تقطن بالمنطقة") يميز يقيناً الصديق من العدو، وحرسي الأمن والسلام من المخرب، والوطني والعميل، والمنطقي المتماسك من الهاذي المسترسل. وهذا التمييز ربح صاف تجنيه الرعية ولا يخسره "النظام".

ولكن إنجاز إنباء النظام بواسطة السيف والفتوح ("يهاجم الجيش المسلحين بآلياته ودباباته ويقوض بناهم وينهي وجودهم المنظم، فتدخل بعده الاجهزة الامنية لتنظيف ما تبقى من هؤلاء وشن حملات دهم واعتقالات"، نقولا ناصيف، "الاخبار"، 20/2/2012، ص 4) ليس شيئاً، على عظمته الملحمية والناصيفية، قياساً على انجازه بواسطة فهم الرعية وعقلها المنظم والثاقب. ففي يوم التفجير، السبت في 17 آذار، وبعد ساعات قليلة عليه، كان "السوريون"، سوريو الاستفتاء الرسمي وجهاز أخباره وآرائه وأحكامه، يلهجون بلسان واحد معنى واحداً سبقت إليه وزارة الداخلية في بيانها الافتتاحي: التفجيران "جزء لا يتجزأ من استهداف الشعب السوري في أمنه واستقراره ويأتيان في ظل التصعيد الذي نشهده مؤخراً من أطراف اقليمية ودولية، الذي تكرس مؤخراً مع خروج دعوات ارسال الاسلحة الى سورية الى العلن".

مواطنو النظام

فما كان من "سانا" إلا أن انتخبت من المواطنين أولئك الذين أصيبوا في العملية المزدوجة وجرحوا. فهم الأوْلى بالشهادة والرأي، وهم ألسنة صدق لا يطعن انسان سوري في صدقها. فـ"ذكروا تفاصيل تعرضهم لهذه الجريمة البشعة التي ارتكبتها المجموعات الارهابية"، على ما يعمم جهاز التحريض الرسمي. ويجمع "الجرحى" المصابون "المواطنين" الى "قوات حفظ النظام"، بحسب المصطلح إياه، في باب واحد. ويقول مستصرحو "سانا" ومستفتوها ما قاله قبل أيام قليلة المقترعون على "ترهات" الاصلاح الدستوري، على قول "الرئيس المحبوب من 40 مليون سوري" و350 مليون عربي في بعض بريده الالكتروني (والمثال هو كيم إيل سونغ الجد: كان محبوباً من 70 مليون كوري: سكان كوريا "الديموقراطية" الشمالية وكوريا عميلة الامبريالية ونحو 10 ملايين كوري لم يولدوا بعد). كلهم قالوا:" هذه الجريمة تؤكد وحشية منفذيها وتجردهم من المشاعر الانسانية وارتهانهم لقوى خارجية تريد إرهاب الشعب السوري وكسر إرادته".

وما قالوه جماعة أو جميعاً قالوه فرداً فرداً. فقالت نهاد محمود، "الناجية الوحيدة من الميكروباص الذي احترق في دوار الجمارك":" مثل هذه التفجيرات الارهابية لن تزيد الشعب السوري إلا قوة وإصراراً على مواصلة مسيرته في الدفاع عن أمن الوطن واستقراره" (والامن والاستقرار هما فرعا وظيفة وزارة الداخلية ودورها ومهمتها). ويصف كيفوت باشايان، من حي القَصَّاع وهو مصاب وأخو مصاب، وصفاً دقيقاً وحسياً العمل الارهابي: فهو وأهل الحي "استيقظوا على صوت التفجير" و"شظايا الزجاج أصابت شقيقه بجروح عميقة". وعلى هاتين المقدمتين الكبيرتين والأليمتين يبني النتيجة الثابتة:" من يقوم بمثل هذه الاعمال الاجرامية لا يملك أي ذرة رحمة أو انسانية"، أي هو "وحش" و"مجرد من المشاعر الانسانية"، على ما مر للتو.

ويُصعد باشايان الأخ في معراج الفصاحة والبيان السياسيين، فيكمل: ان الاعمال الاجرامية "تندرج في اطار الحملة التي تقودها بعض الانظمة العربية التي تدعو الى تسليح من يرتكبون الاعمال الاجرامية بحق المواطنين السوريين". ولا شك في أن الاندراج هو، في حي القصاع، مصطلح عامي يتداوله سكان المباني السكنية والقاطنون حال إفاقتهم على الانفجارات الاجرامية، وتبادلهم أطراف الحديث مع جيرانهم. ويجزم محمد خليف الحمادة، سائق الحافلة الصغيرة وجريح دوار الجمارك، أن الديموقراطية والاصلاح ليسا إلا قناع "القتل والتدمير والتخريب". وتوج سمير الخالد، من غير تعريف ولا إصابة والحمد له كثيراً، تحليل المصابين بـ"رسالة لمن يتدخلون في شؤون سوريا الداخلية" (وهو عفّ عن أوباما ورجب طيب أردوغان، مخاطَبي بعض حكماء المعلقين ومجربيهم)، فينبههم الى أن "عهد الاستعمار القديم والوصاية ولى منذ زمن بعيد، وأن الشعب السوري اتخذ قراره بالوقوف مع برنامج الاصلاح الشامل". وهو "شامل" شأن كل ما ينهض إليه وكيل العشيرة والمؤتمن على سرها.

فإذا تصدت القيادة القطرية "للبعث" لإبداء الرأي في المجزرة تقلب بيانها بين "البيوت الآمنة والاحياء المستقرة"، وابتكر "للأمن والاستقرار" موصوفين جميلين. ولكنها لم تُبقِ "الارهابيين" غير مطلَّقين ولا معلقين. فنسبتهم نسبة قاطعة: "هم تكفيريون"، ويندرجون على ما كان كيفوت باشايان القصّاعي قال، "في اطار عملية تآمرية واسعة ومخطط لها منذ زمن تستهدف المنطقة بأكملها...". و"المنطقة بأكملها" تكني عن الجماعات الطائفية، وعن السابقة العراقية وقبلها اللبنانية. وفي الحالين تعهدت "روح حافظ الاسد" حماية الجماعات، والقصاع وحي حلب، حيان "مسيحيان" شأن السيوفي ومونو في أيار 2005 ببيروت. ولم يسقط في يدي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، ولم يستغلق عليها باب القول بعدما أتى المتقدمون على المعاني كلها. فمن هويتها الفلسطينية المقاتلة، وتصدرها الجهاد على أنواعه وطرائقه ومراتبه: جواً وبحراً وبراً وعراقاً وقبرصاً وطهراناً وفزاناً ويرموكاً ومجاناً وكيْلاً، نَظمت "المجازر الممتدة من غزة الى دمشق" في سلك واحد، وغاية واحدة هي "اغتيال روح المقاومة وثقافتها". و"ثقافة مقاومة" هي شعار حركة العميد السابق اللبناني البيروتي الطريق الجديدي مصطفى حمدان، قائد حرس فخامة اميل لحود الجمهوري، و"شهيد" تعسف ميليس (اليهودي الأم) "الحي"، ومجدد "المرابطون". وتوارد الافكار والألفاظ بين ألسنة الامة وخطبائها ومفكريها يدعو الى التفاؤل. فهو القرينة على مجيء وحدتها الوشيك، واستفادتها من "انحدار الغرب"، على قول الولي الخميني الصاروخي.

المواقيت

والحق أن التعقيب على العملية "الانتحارية" المزدوجة أو المثلثة يسدد حساباً سابقاً قريباً ويفتح حساباً متوقعاً وجديداً.. والحساب السابق القريب هو إعلان أربع دول في مجلس التعاون الخليجي في 16 آذار، بعد السعودية والبحرين، عن غلق سفاراتها في سوريا. وعللت الدول الاربع إجراءها بـ"(رفضها) تمادي النظام السوري في القتل والتنكيل بالشعب السوري الاعزل...". وتحمل أجهزة التحريض النظامية الاعلان وقبله الانسحاب الاميركي والفرنسي وبعده الياباني، على عدوان ووصاية جديدة ونازع امبريالي واستعماري، شأن المبادرات العربية السابقة، من إنشاء لجنة المراقبين في رئاسة الجنرال السوداني الطاهر الذيل، والناصع اليدين الذي وقع عليه اختيار وليد المعلم في ضوء مشورة جزائرية. وتخشى "الديبلوماسية" السورية، غداة انتداب أمين عام الامم المتحدة سلفه كوفي أنان مبعوساً دولياً وعربياً خاصاً الى "التوسط" في حرب النظام على السوريين، جلسات محلس الامن أو مجلس حقوق الانسان المتوقعة لمناقشة تقارير المبعوث الخاص أو توصيات تقترحها كتلة الدول الاعضاء. وعزت رسالة الحكومة السورية، في 16 آذار، الى عدد من الهيئات الدولية انفجار 12 منه بحلب، الى "(اعتياد) المجموعات الارهابية ارتكاب مثل هذه المجازر واتهام الحكومة بذلك قبيل انعقاد جلسات لمجلس الامن أو مجلس حقوق الانسان (...)، بهدف الاساءة الى سورية واستخدام هذه المأساة وغيرها كمادة اعلامية للمتاجرة بها..". وانتداب كوفي أنان، وهو حاجة روسية ماسة الى التعلق بأهداب إجراء ديبلوماسي يداري النقض على مشروعات قرارات الادانة ورفض المبادرة العربية، يشغل بال الجهاز الأسدي ويقلقه، ويقلق طهران، على ما لم يتكتم مستشار خامنئي، ولايتي. فذهب وزارة خارجية الجهاز العشائري والامني الى أن بنود أنان "لا ورقة" ردت الوزارة عليها، ساخرة، بمثلها. ولا ريب أنها أوجست من إعراب الناطق باسم الامين العام السابق عن تحفظ الرجل عما سمعه في دمشق من رأسي الجهاز، ومن تعمد وزير الخارجية الروسي في الاثناء نفسها إعلان انتقاداته لـ"أخطاء" حليف بوتين و"تأخر إصلاحاته" و"التلكؤ في تنفيذها" قبل إعرابه من تخوفه (من) "حكم السُّنّة" سوريا العلمانية. واقتراع مجلس الامن على البيان الرئاسي، في 21 آذار، وتزكيته خطة أنان، على رغم كتابتها العائمة والاقتراع إليها ومعها على ادانة "الهجمات الارهابية" في دمشق وحلب في 17 و19 وفي 18 آذار (من غير نسبتها الى "المعارضة")، هذا الاقتراع لا يدعو الجهاز الى "النوم على حرير" صحافيي العهد السوري - اللبناني. والتنبيه الرسمي ("سانا") الى افتقار البيان "صفة القرار" يعد وعداً صادقاً بفنون العرقلة والتثبيط التي تجيدها "سوريا" وتمرنت عليها منذ عقود.

وما بسطته "سانا" ونقلته، على رغم رتابته القريبة من البلاغة "الادونيسية" ("بدوي الساحل") نثراً وشعراً وسياسة وثقافة، يخلص منه الى أن "مواطني" الوكالة السورية للأنباء يغادرون لفحات النار القاتلة ليس الى المشافي والمخابر، على قول وائل الحلقي (وزير الصحة)، بل إلى منابر الخطابة ومنصاتها وذراها. فلا يغفل الجهاز التحريضي "العلماني" عن مهمة حيوية تتخطى الاعلام على المعنى التقني والقطاعي، الى الكيان السياسي ومقوماته، والى صورته في عيون المحكومين (الرعية) وأفهامهم. وعلى الحوادث والوقائع ان تدخل في أبواب الوصف المعيارية التي تسميها سلطة الجهاز، ولا ترضى عنها بديلاً، ولا لها تحويراً. وهذه الابواب صارمة وحديدية. فـ"المجموعات الارهابية" هي الباب الوحيد والضيق الذي تُحشر فيه المعارضات الكثيرة، السياسية والمحلية والقومية والمذهبية والمطلبية والاهلية والاجتماعية والثأرية والايديولوجية السلمية والعسكرية وغيرها. ويحسب الاسد الثاني أو الآخِر أنه ارتكب خطأ فادحاً حين صنف، في خطبته الثانية غداة خروج درعا على قريبه ووكيله الامني عليها، المعارضين المحتجين على ثلاثة أصناف، صنفان منها من غير "الارهابيين". وهذا ليس "ضعفاً" يدعو حرسه وباسيجه الى صرفه الى "العيادة" وإحلال صاحب الفرقة الرابعة المدرعة الماهر محله في "القيادة"، وحسب، بل هو خيانة للمثال "الكينوني" (روح الله خميني) والوظيفي الذي أرساه القائد المؤسس. والخروج، مهما كان طفيفاً وضئيلاً، عن باب "المجموعات الارهابية" الى باب غائم يختلط فيه أصحاب حاجات معيشية أو حائرون أو مضللون، يؤذن بجهنم نارها الشكوك والظنون وتصفح العلامات والتماس الشهود وقبول التحقيق والمراقبة والمحاسبة والإذعان، في نهاية المطاف، الى الكيل الدولي والمعولم بمكيال حقوق الانسان، وهي باب على محكمة الجزاء الدولية ربما.

الحادثة الواحدة

وتتداعى الاسماء المرذولة الاخرى من الفرق الجوهري الاصلي. فسوريا والعروبة والمقاومة والاستقلال والصمود والامن والاستقرار والازدهار والعلمانية والانسانية... هي كلها معنى واحد لا يتجزأ ولا يختلف. ويجيز الرسم، وخطوطه وألوانه الناتئة والفاقعة، الاستدلال على الحوادث ومعانيها، واستباق أوقاتها في "طبيعة" مرتكبيها والغايات التي يسعون فيها. فإذا أسفر تقويض بابا عمرو عن نحو الالف قتيل الذين خلفهم القصف والقنص والخطف والتهجير طوال 3 أسابيع متصلة، وعن مجزرة كرم الزيتون والعدوية ثم عن مجزرة حي الرفاعي (بحمص كذلك)، لم يتردد الجهاز في حمل المجزرتين على "المجموعات الارهابية". وعزاهما الى إبداء الاهالي، قبل قتلهم وربما بعده، معارضتهم ارهاب الارهابيين. ولا يسعى هؤلاء في غاية تخصهم، أو قد تنم بحاجة موجبة أو معقولة تصورهم بشراً أسوياء أو قريبين من سورية الناس. فهم لا يسوقهم إلى ما يرتكبون إلا "تشويه" صورة "سوريا"، وتبرير تهمتها بفظائع غير انسانية، وتخريب امنها واستقرارها، الخ. والمرتكبون "أدوات"، ومأجورون "ذهباً" و"فضة" و"(حلفاً) بين السماء والمال" (أدونيس، "الحياة"، 22/3/2012، ص 16). وأوقات الجرائم توقتها، على وجه الضبط، ساعة حائط دولية لا تخطئها عين هي مواعيد المناقشات في هذا المحفل أو ذاك، أو مواعيد الاستفتاءات والانتخابات و"الاستحقاقات" الاصلاحية والديموقراطية التي تملأ الروزنامة الاسدية منذ آذار 2011، وتاريخ ولادة السياسة الاصلاحية التلقائية والعفوية، على قول الجهاز. ويخيم على الرسم، وخطوط ألوانه، منطق صارم يُنزل بالرسم ما ينزله المنطق المجرد في صنائعه ومخلوقاته الذهنية الخالصة من إحكام وتجانس ووحدة تحيلها هياكل عظمية لا تتميز. والكلام على حوادث، في صيغة الجمع والكثرة، هو من باب الاعتياد. ففي ملة الجهاز واعتقاده، على قول المعري (قريباً من ادلب ومخيمات تركيا)، الحوادث كلها حادثة واحدة تتقطع وتتناثر أماكن وأوقاتاً. ولكنها لا تفلح في التستر على وحدتها الجوهرية والعقيمة. وإذا خدعت الكثرة العين غير المدربة، وهي على الدوام عين مغرضة، فعين الجهاز الساهرة واليقظة تُعمِل التفكيك في الكثرة المتشابهة، وتجلو الواحدة (الارهابي) المتلفع بالثنايا، والمتقنع بالديموقراطية. وتشهره عارياً على الملأ. وتقتضي صرامة المنطقة الاجماع الذي يطبق على المصادر الكثيرة والمبثوثة في الناس والاوقات والمواضع والكلام، ويخنقها. فليس هناك ما يخالف صرامة المنطق الجهازي، وإجماعه الفطري والالزامي، فوق تشدق الاعلام أو الصحافة والدول الغربية الاستعمارية والديموقراطية من ورائها بالحرية، طبعاً، وبكثرة المصادر وامتحان تطابقها أو تضافرها على وصف واقعة وصفاً متواطئاً ومتفقاً. فوزارة الداخلية ووزارة الخارجية و"سانا" والتلفزيون وصحيفة "الوطن" ومحافظ إدلب ووزير الصحة وكيفوت باشايان ومحمد خليف الحمادة وسمير الخالد (وأحسب أن الثلاثة يمثلون ربما على "وحدة وطنية" على رغم الفسيفساء "اللبنانية البغيضة)، وقيادة حزب "البعث" غداة انزياحها عن موقع قيادة الدولة والمجتمع، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (وما بين الخليج والمحيط وبعد بعدهما) القيادة العامة، هؤلاء جميعهم تواضعوا على وصف أعمال الارهاب وجماعاته ومقاصدهم ومعتقداتهم وأقنعتهم ومموليهم بكلمات متفقة، تكاد تكون واحدة. ولولا أنهم ينطقون بالحق، والحق واحد، لما أجمعوا إجماعهم المشهود والمعجز. والتلويح أو الايحاء الحيي بامتحان الاجماع وحقيقته من طريق تكثير الآثار والاخبار والشهود والشواهد والروايات والسرديات والصور والوثائق والمدونات والتقارير، يحمله الجهاز على طعن لا يطاق في وحدته الكيانية: وحدة القيادة والشعب، ووحدة القيادة والقضية، و"الدولة" والأمة، والسياسة الخارجية والداخلية، والامن والقانون، والاقتصاد والمقاومة، والقتل والاستقرار... والشهود على حقيقة الكثرة، أي كذب الوحدة واضطلاعها بالتقتيل والتدمير، يُقتلون، على نحو ما قتلت ماري كولفن، وكادت سيمون بيرتييه أن تقتل، وقتل المصوران الفرنسيان وعشرات "المراسلين" السوريين قبل وبعد. وتكذيب الشهود المخالفين ووثقائقهم تكذيباً محموماً، وانكار العلم بتردد صحافيين غربيين الى معاقل المعارضين (وهذا ما كَذَّبته المراسَلات الرئاسية الالكترونية المقرصنة) وتعمد قتلهم بالقصف المركز، وإقناع الصحافيين العرب بترك التحقيق الميداني (وامتناع هؤلاء راضين مرضيين ومحللين ثاقبين) هذه كلها تتولى رعاية "الواقع الواحد المتماسك وحراسته من التفسخ والتناثر، وصون أوليائه من الانهيار. فيبدو السلطان السوري قواماً على "الواقع" الواحد والمتماسك هذا، والمحامي اليقظ والمتشدد عن (رفض) التحقيق في شأنه. ويبدو، من وجه آخر، هو ودوامه المتطاول ثمرة هذا "الواقع" الخرافي والمفتعل.

جامع التعريفات

وتتربع فكرة "الواقع" (والوقائع والحقائق من فروع هذا الاصل) بمنزلة عالية وشريفة من النظام السلطاني بسوريا. فهو، بحسب المشيئة، ما يعرِّفه السلطان واقعاً أو حقيقة. ويتناول التعريف، أول ما يتناول، السلطان نفسه. فهو ما هو ومن هو في نفسه، على ما انتهى اليه صدام حسين في أعوامه الاخيرة حين سمى الارض "كوكب صدام حسين"، وعلى تسمية جهاز الدعاوة في الجماعة الخمينية المسلحة بلبنان "سادة قافلة الوجود" بعض موظفيه، وعلى سؤال رجال التعذيب الأسديين رهائنهم "من ربكم؟". ويتناول التعريف خلاف السلطان أو ضده، أي عدوه وهو العدو على الاطلاق، عدو الجنس البشري في نهاية المطاف، وفي أوله. وتفترض التعريفات، وحكمها الذي لا راد له في الوقائع والحوادث، إطاراً أو نظاماً مغلقاً لا يشوبه تنازع التعريفات أو كثرة مصادرها ومقاصدها. فيرفض الآمر الناهي في التعريف ولاء أو تسليماً لا يصدع حرفياً بالأمر والنهي على صورتهما اللازمة. وليس للـ"مواطن" المصابق بدَوَّار دمشقي، أو درب حلبي أو شعب إدلبي أن يقول من تلاء نفسه، ومن دواعيه، لماذا قد ينصرف عن حركات المعارضة المحلية وقد ينحاز على قدر أو آخر الى الحاكم العرفي والجهازي. ولا يفترض، في الاطار السلطاني المغلق، أن يملك "المواطن" شيئاً يشبه تلقاءَ نفسٍ، أي شيئاً تلقائياً وطوعياً وعفوياً. وهذا الافتراض يسرق من السلطان، ولو جاراه بعض المجاراة، وحدانية التعريف ونظامه المغلق، وهو ضمان ضبطه. والضمان لا يأتي إلا مما يصنعه الجهاز صناعة يدٍ فقيرة وقليلة العناصر. فإذا استحكى الجهاز من يريدهم ألسنة الشعب الآمن والمستقر عمد إلى صناعتهم على مثال عظيم، وأوكل إليهم تجسيد المعاني والتعريفات التي يريد أن تنسب إليه وينسب هو إليها: الأمن، الاستقرار، السيادة، المقاومة، الانسانية. فالأصل الشعبي والعروبي والانساني الذي يتحدر منه السلطان هو صنعه الباهت والرمادي، وعلى شاكلة تعريفاته وتوليدها المنطقي والميكانيكي بعضها من بعض. وإذا أراد رواية حادثة على بعض التعقيد، شأن هجوم المزة الذي يفتقر الى آلات "القاعدة" و"التكفيريين" المعروفة (والانتحاري في سيارة مفخخة آلتها الأولى)، ظهر الارتباك على صناعة الخبر. فعزاه الجهاز الى مبادرته، وأسكن "مجموعة" مبنى واضطر الى وصف أهله بمدنيين، وإلى إخراجهم قبل المهاجمة، وتعثر بعدد القتلى ونوع الأسلحة.

ولا ينفي هذا باع السلطان الاسدي، في أثناء ولايته المديدة، على المحاكاة والتقليد والتلبيس (إلباس ما يصنعه ويحاكيه لباس المثال المزعوم). فهو حاكى ويحاكي (مثال) حركة تحرر "مناهضة للاستعمار" ترد الامة سيادتها على نفسها وثقافتها ومواردها، وتجلو دولتها أداة توحيد وجمع. وحاكى ويحاكي حركة عروبية ووحدوية تتعالى على الخصوصيات والعصبيات الضيقة، وتصل بين أجزاء "الوطن" المتقطعة، وتسند السيادة الى قوة منيعة وموارد تقوم بأود مواطنين طلقاء من قيود الحاجة والعوز. وهو توسل الى هذه المحاكاة بدولة الحزب القائد، وحزب "الدولة" السلطان، وبالجيش العقائدي، وعصائب "اسد شرى" "القاعدة"، والبوليس "الكوري الشمالي"، والطائفة المتعصبة والجبهة الوطنية الذليلة، والشعب المكسور والمنكفئ، والفصائل الفلسطينية المنقادة والخائفة، والفصائل اللبنانية المتكسبة والمذعورة، والفصيل الحرسي والخميني المستميت والمنتشي، والشارع العربي المصدق. ولم تقتصر المحاكاة على المشاهد والاستعراضات والخطب، فتعدتها، على خطرها، الى حروب نظامية وأهلية، مباشرة وبالواسطة، خاطفة ومتطاولة، وإلى انقلاب جبهات، ومساومات مجهضة و ومُخْلِفة، ومقايضات بأنواع "العملات" ومن موارد الغير، سوريين وغير سوريين. ولم تكذب هذا التلبيسَ أربعون سنة أسدية، وبعض المستقرضات، لم يُحرر في أثنائها المتمادية شبر واحد زائد من الارض "العربية" المحتلة، ولم يبق "عربي" واحد لم يقاتل "عربياً أو يستدرجه الى القتال او يبتزه أو يتهمه، ولم تلن شوكة متسلط كاسر (على مراتب المتسلطين) على شعبه، ولم تقايض قوة جماعة بغير إذلال الجماعات الأخرى والمواطنين عموماً، ولم ينل مواطن حقاً بغير شفاعة أو منة وواسطة، ولم يخلَّ بين انسان وبين تلقائه أو نفسه وعبارته. وبلغ السلطان ما أراده من تقليده القضايا الكبيرة، وتدليسه فيها، ومسرحته "صراعاً" جيو سياسياً واستراتيجياً كونياً، على "شفير" المهاوي المهولة. وتوسل الحكاية البطولية أو الإلهية الى "سحر" تشبه عليها المعجزات والفتوح والقوة والريوع. وأدار حكايته على حرث "حديقته" اللبنانية "الخلفية"، على تسمية صحافية مترجمة، حين حلتها المنظمات الفلسطينية المسلحة وبعد أن جلت عنها، وعلى قطاف عوائد الخوات والاغتيالات والتسليح والتحريض و"التحرير" والنفخ في ذوات طاووسية ذاوية. وتولى "السحر" وسطاء الحرس والباسيج اللبنانيون، وهو أشبه بسحر "الفوبيجو"، أو الحلي المقلدة والكاذبة، وتشبيه تنكها وزجاجها "حقائق" الذهب والفضة والياقوت والعقيق. وفي أثناء الاربعين سنة ونوافل احتفل الجهاز العشائري والبيروقراطي البوليسي بأعراسه الدامية والراعفة، وأسكر "المدعوين" قسراً بعصير المياه العادمة والآسنة، وقلد الاعناق، قبل ذبحها من الوريد الى الوريد، قلائد التنك والزجاج. وبعد نيف وسنة على قيام الرعية على سلطان الجهاز، والمقاتل والملاحم والمذابح، لا يزال السلطان متربعاً في سدة "قوات حفظ نظام" متماسكة، وإدارة منتظرة، وتجارة دمشقية وحلبية تشتري الوقت والرضا، وشويعر لمي يرثي "ضوء الخارج (و) ضوء الداخل" في أجرومية "تنوير" بائخة