الخميس، 6 مايو 2010

الجماعة الأهلية تقتص من منتهك أصولها بالعودة الى أركان اجتماعها العنيفة والحربية

5/5/2010
جددت جريمتا القتل اللتان ارتكبتا بكترمايا، إحدى بلدات إقليم الخروب (الشوف من جبل لبنان)، في 28 نيسان (ابريل) و29 منه، معضلة أهلية لبنانية، وعربية، حادة ومزمنة، هي معضلة علاقة الأهل بالدولة. وإجمال الجريمتين المختلفتين اختلافاً عميقاً في باب واحد يغفل الفرق بينهما، وينحاز الى مرتكبي الجريمة الثانية «رداً» على الأولى وانتصافاً من فاعلها - المفترض على ما يجب القول الى حين التلفظ بحكم قضائي مبرم ومعلل. ويسهم الإجمال، بهذه الحال، في الاشتباه الأهلي المعضل. فالجريمة الأولى، على ما علم منها، فردية، ارتكبها واحد فرد، هو محمد سليم مسلم. والقاتل المفترض رجل مصري (39 عاماً على قول والده) يقيم بالبلدة الشوفية اللبنانية مع والدته (المصرية)، المتزوجة زيجة ثانية رجلاً لبنانياً من كترمايا، ومقيماً في البلدة بجوار أسرة الضحايا الأربع، يوسف أبو مرعي (78 عاماً) وزوجته كوثر (79 عاماً) وبنتي ابنتهما، آمنة الرواس (9 أعوام) وزينة الرواس (7 أعوام)، المولودتين لرنا يوسف أبو مرعي، المدرّسة، ومحمد مصطفى الرواس، طليقها المهاجر الى بلد من بلدان الخليج منذ سنتين. وقتل العامل المصري، والنازل البلدة منذ أشهر قليلة من طريق أمه، ضحاياه وجيرانه «انتقاماً» وعدواناً. والداعي الى القتل المروِّع هذا يتصل، من طريق أو أخرى، بمحمد سليم مسلم ونوازعه وغرائزه وميوله. وراج في أعقاب القتل وشيوع الخبر في البلدة، أن محمد سليم مسلم كان فاراً ومتوارياً، ألجأته الى الفرار شبهة اعتداء جنسي ارتكبه أو حاول في حق واحدة من نساء البلدة. فما ان عرفت الجريمة – وكانت رنا يوسف أبو مرعي، ام البنتين القتيلتين وبنت الزوجين القتيلين أول من دخل البيت ورأى الهول الفظيع الذي خلفه القاتل – حتى سعى الشرطيون في أثر محمد، والقوا عليه الشبهة وربما التهمة. وحامت شبهة «مبدئية»، في أثناء لحظات، على طليق المرأة وأم الطفلتين، على ما يحصل في أحوال الطلاق المدمر.

القتل مرتين

وأما جريمة القتل الأخرى فكانت ثأراً من القاتل المفترض، واقتصاصاً منه. وقتل القاتل المصري مرتين أو في وقتين: الأول حين اقتاد شرطة المفرزة القضائية والأدلة الجنائية ودرك مخفر البلدة ومخفر شحيم (كرسي القضاء) القاتل المفترض الى مسرح الجريمة، فرآه أحد الأهالي وأفشى الخبر في الأهل والأقارب والجيران فهاجموا الشرطيين والدركيين، وانتهوا الى محمد فضربوه وجرحوه جروحاً ثخينة. والوقت الثاني حين علم الأهل والأقارب والجيران ان طريدهم الذي خلصه حراسه وفريق التحقيق من القتل نقله هؤلاء الى مستشفى قريب، ببلدة سبلين، فهجموا على المستشفى، وأخرجوا منه «رجلهم» وقتلوه ذبحاً هناك، وأوثقوا جثته الى سيارة، وجابوا المنطقة بالجثة العارية وجروها على الأرض، وبلغوا بها ساحة كترمايا غير بعيد من مكان الجريمة، على مقربة من مسجد البلدة، فعلقوا جثة القتيل مشنوقاً وعارياً إلا من كساء عورة الى عمود كهرباء (الى «آرمة» معدنية لطبيب وجراح غدد محلي متخرج من فرنسا مثبتة الى عمود الكهرباء). وعلى هذا، فالقتل الثاني، على خلاف الأول، بادر إليه بعض أهل كترمايا جماعة أو جميعاً. فاقتصوا من القاتل المفترض لتوّهم وتو الجريمة، وجَزُوه بمقتلته، وبضحاياه العزل، ذبحاً وعرياً فاضحاً وتعزيراً وسحلاً وجراً وشنقاً. واستبقوا تحقيق الشرطة، والتحقيق القضائي، والمحاكمة الطويلة، ومرافعات الادعاء والدفاع، واقتصوا بأيديهم من قاتل لم يشكّوا، ولا يشكون في ارتكابه القتل الذريع، واستضعافه مسنين قاربا الثمانين وولدين لم يبلغا العاشرة، وربما في أشياء أُخر يريدون طيها.

وحين تحفظ قادة سلك أمني، هم رؤساء قوى الأمن الداخلي، عن القتل الثأري، وانتزاع القاتل من أيدي التحقيق القضائي والأمني، وعن مباشرة الانتقام والتمثيل عنوة وانتهاك جثة الجاني القتيل، وأعلنوا عزمهم على معاقبة المقصرين من رجال جهازهم، وملاحقة المشتركين في قتل القاتل و «منظمي» القتل – رد بعض وجوه أهل كترمايا على الشق الثاني من التهديد، فقالوا انهم لا يقبلون ملاحقة أحد منهم، ولن «يسمحوا» بالملاحقة والمحاسبة، على زعم رئيس بلدية البلدة. وسكت أقرب نواب الدائرة الانتخابية إليها، أي نائبا إقليم الخروب السنيان. وأحدهما عضو في كتلة نواب المستقبل، وهي كتلة رئيس الوزراء سعد الحريري، والثاني عضو في كتلة اللقاء الديموقراطي، وهي كتلة النائب الدرزي وليد جنبلاط. والبيان الذي ندد بالجريمتين، واستنكر طريقة «الاقتصاص من الجاني»، وأعلن «رفض» الانتقام، وقعه الحزب التقدمي الاشتراكي، ولم توقعه الكتلة النيابية «الجنبلاطية» المختلطة.

وتعاقب على إبداء الرأي في الحادثة المزدوجة، وفي شطرها الثاني على وجه الخصوص، الوزراء «المعنيون» وقمم الإدارات الأمنية. وترجحت بيانات الوزراء ورجال الأمن بين الثناء على النفس و «الدولة» وبين الإقرار بالتقصير و «النقد الذاتي» وابتداء التحقيق في الثغر التي نفذ منها قتلة القاتل. فثمة أمنيون يظن انهم أفشوا موعد الكشف على موقع الجريمة، ونقل الجاني إليه. وثمة من ارتكب «خطأ جسيماً في سوء تقدير الموقف الميداني ولعدم توفير الحماية اللازمة والكافية للمشتبه فيه»، على قول رأس الأمن الداخلي. وأثنى رجال الدولة على سرعة رصد رجال الأمن الجاني المظنون، «في أقل من 24 ساعة»ن على قول وزير الداخلية. وتذرع الوزير بالسرعة، وهي قرينة على الكفاءة وعلى رعاية «غضب الأهالي ووجعهم» وحمل همومهم وحقهم في عدالة قوية وحاسمة، الى معاتبة الأهالي على «استيفا(ئهم) الحق بغير الطرق القضائية... و (استسهالهم) إحقاق العدالة بهذه الصورة». وقدم الوزير لملاحظته على انتهاج طريق العدالة الأهلية والثأرية والتطاول على القضاء والحق العام والاعتداء على ذراعه، بالإقرار بـ «(شناعة) الجريمة» وإبداء «تفهمه» الغضب والوجع اللذين عصفا بـ «ذوي الضحايا».

وأحجم وزير الداخلية عن جهر رأي قاطع وحاسم في «قضاء» الأهل الثأري والتمثيلي، ومباشرتهم المحاكمة أو الحكومة بأنفسهم ومن تلقائهم. فتحفظه عن الغضب والوجع، وعما قادا الأهالي إليه، وشفعه التحفظ بالتفهم، لا يحملانه على الإدانة المواربة إلا قياساً على اضطلاع القضاء بمهماته. وهذه المهمات هي «كشف ملابسات الجريمة» و «(إجراء) التحقيقات بإشراف القضاء» و «إحقاق العدالة». وتختصر عدالة الأهل مهمات القضاء الى غاية عاجلة هي «إحقاق العدالة» على الظن ومن غير إرجاء يقتضيه إثبات لا تشوبه شائبة من شك. فينكر الوزير على الأهل الغاضبين والموجوعين اختصار الطريق الى عدالة آتية ومحقَّقة تستجيب رغبتهم المفترضة فيها، أي في العدالة، ولكن من طريق القضاء والتزام معاييره. وعلى هذا، فالأهل ملومون على خروجهم على القضاء، واستعجالهم ما كانوا محصليه وبالغيه بواسطة القضاء ويده الأمنية، لو تحلوا ببعض الصبر وتجملوا به. وهم ليسوا ملومين (وهذا تأويل من الكاتب) على طلبهم الثأر وشفاء غليلهم المحموم الى مكافأة الجريمة المروعة – والعدوان الضاري على الفتاتين والشيخين الضعفاء والقاصرين عن المدافعة – ببربرية مثلها وعدلها.

... والغايتان

ويريد وزير الداخلية، ورجل الدولة بهذه الحال، الإغضاء عن ان غاية عدالة الأهل المباشرة، والمنكرة على الجاني الرهيب شبهة إنسية (أو إنسانية) تتوجه عليها عدالة القضاء بإجراءاتها الشكلية الصارمة، ليست غاية عدالة القضاء والحق. وهي نقيضها وخلافها على بعض الأوجه. فعدالة الأهل متوحشة، على معنى الصفة الحرفي، أي هي تخرج المعتدي ومنتهك حياة أمثاله وأهله من الاجتماع الإنسي، المتأنس والمتمدن، وتلفظه الى عراء خارج وحشي وحيواني. ولا ريب في ان تابعية محمد سليم مسلم المصرية، وإقامته بالبلدة من طريق امرأة هي امه «يسّرتا» على «ذوي الضحايا» قتله على هذا النحو، وحالتا بينهم وبين احتساب رد أهلي. فذُبح ذبح البهيمة التي حاكاها فعله (وكان القاتل المفترض قضَّاباً لحاماً في مسلخ البلدة أو الناحية وقتل ضحاياه بسكين هي بعض عدة عمله)، وجُرَّ جر الماشية النافقة الى المزبلة أو إلى المحرقة. وأبيح، وهو ميت وأشوه ولحم من غير بدن، لمُثلة جماعية انتهكت بقية إنسيته المبطلة والمنفية. وحين علق الأهل «العادلون» الذبيح الأشوه، والمعفر بالتراب والإسفلت والحجار والشوك، تذكروا حقوق البدن الإنسي فستروا عورته. وهم عفّوا عن خصيه. وحق بدن القاتل في الستر هو حق (أنظار) المتفرجين في العفة. و «العمل» الذي تتولاه الجماعة الهائجة، على هذا النحو، يقطع أواصر الجاني المفترض بالاجتماع الإنسي، ويلفظه منه لفظاً جسدياً ورمزياً (معنوياً) متشنجاً وراعفاً. ويبسط اللفظ على الملأ السلطان العظيم الذي تباشره الجماعة على آحادها و «أجزائها». فهو (اللفظ) يعكس آية الإدخال والدمج والضوي، ويقلبها رأساً على عقب، ويذكر بما تضمره هذه، أي آية الإدخال، من شروط كثيرة، وبما يفترضه التأنيس من ضبط. فالقتل يجدد سلطان الجماعة، ويستعرضه في «احتفال» يتطاول الى اركان السلطان هذا. ويستبق هذا كله تأنيس القضاء المجرمَ، بالغاً ما بلغت جريمته من الفظاعة والوضاعة. فالقضاء يؤنس من يحاكم حين يكلمه ويخاطبه ويسأله عن اسمه وسنه وإقامته ومهنته، إلخ.. وعن صحة ارتكابه ما ارتكبه، وداعيه إليه. ويفترض هذا، وغيره مثله، «تحت» بهيمية القاتل ووراءها، نواة إنسية جامعة يتحدر منها أفراده من غير استثناء.

ويدفع المجتمع، من طريق هذا الإقرار، ترتيبه ناسه وأهله على مراتب جوهرية أو «وجودية» متفاوتة. فمثل هذا الترتيب يُحل نفي بعض «الأهل» – أي من يأهلون ويقيمون أو صادفت ولادتهم وإقامتهم بمكان – من الرابطة المشتركة والأولى التي يترتب عليها تقييد السلطان المطلق والاستعمال المحض، والحط الى درك الآلة أو البهيمة، والقتل المرسل والعشوائي. وتحريم هذه، أي النفي من الرابطة المشتركة وتقييد السلطان المحض...، يتفادى انتشار القتل الذريع في الجماعات وداخلها وضرب الناس وجوه بعض بالسيف، على ما كان العرب يكنون على حروب الأهل وتناسل العنف والثارات. وعُدَّت حرمة النفس من القتل، والنهي عنه، أصلاً عاماً، وقيدت الإباحة بشروط. والتمس التعويض من القتل من سبل تحفظ الحياة، ولو جانية وعادية، تفادياً لعدوى القتل وطاعونه، على حسب تشبيه «أوديبوس ملكاً». وإخراج القصاص من ايدي الأهل والجماعة الأهلية، وقصره على هيئة ليست من الأهل، ولا تميل ميلهم ولا تخالطهم ولا تلابسهم، يتحاشى الغرق في دوامة رد الدم على الدم، و «عدالة» الردود، على معنى مساواتها الواحدة الأخرى لا إلى حد غير حد التفاني او الإفناء المتبادل، على قول نظرية الردع النووي الهوبسية.

فـ «رفع» الاقتصاص من القاتل الـــى راعي المصلحة العامة، وحصن الناس والأهل من الإفناء المتبادل، يلغي مساواة الدمين، دم القتيل الأول ودم القتيل الثاني ثأراً للأول. فولي دم القتيل، إذ وجدت دولة ولم يعدم قضاء، ليس أهله أو عاقلته (دائرة الأقرباء القبليين أو الأهليين الذين ينتدبهم العرف الى الأخذ بالحق وإلى احتمال «الثمن» أو الغرم)، وإنما هو الحق العام، أو المدعي العام التمييزي في هــرمنا القضائي. ويتولى الحق العام، باسم عمومية غير أهلية، القصاص (وهو مرادف الحياة التي للناس «لو يعلمون») على وجه لجم العنف، وإطفاء إشعاله الثارات في النفوس. ويقتضي «رفع» الاقتصاص من عنف الأهل المحمومين الى برد العدالة المجردة من الأهواء والميل حمل الجاني المفترض على إنسان تام شرائط الإنسية السوية من عقل وإرادة ومشاعر... وهو يُقاضى على شرط المسؤولية عما فعل. وإذا لم يقاض على هذا الشرط جاء نفيه من الأهلية الاجتماعية، ومن الحياة كلها في النظم التي تلحظ الإعدام، متعسفاً وداعياً لدوام العنف. والمحاكمة، من بابها الى محرابها، عنصرها، أو هواؤها الذي تتنفسه وماؤها الذي تسبح فيه، هو اللغة وكلام العلانية العامة والمشتركة. ويُخرج كلام العلانية الى الملأ وينشر على رؤوس الأشهاد «أخباراً» تطويها الأسر والعائلات في ثنايا مظلمة ومعتمة، وتُكره من قد يستقوي بنشرها على الصمت. والظاهر البربري قد يتستر بهياجه وثورته على خطة باردة تحتسب قطع الكلام جزءاً من استراتيجية ثقافية وأخلاقية وسياسية متماسكة. وهذا كذلك وجه من وجوه القيام على الدولة والخروج عليها.

والقصاص لا يمحو الجريمة، ولا يحيي ضحيتها بديهة، وليس كفء الجناية أو الجريمة على وجه مادي. ويذهب كثر الى ان الإعدام لا يردع عن الارتكاب، وموت القتلة لا يقوم مقام العظة او الدرس او الصارف عن المثل، على ما يشهد إحصاء مقارن بين المجتمعات التي تقضي قوانينها به وبين تلك التي ألغته. ولعل ما يحسمه القصاص على أنواعه ودرجاته، ويبطله من أساسه، هو جواز الجريمة أو جواز تسويغها والاحتجاج لها، والتذرع بذرائع ترسيها على «علة» تحمل الجاني قبل غيره على قبولها. فيتولى القضاء، بهذه الحال، إنكار «العلة» المزعومة، ودحض عليتها أو سببيتها ورد منطقها. وينبغي ان يكون من يتولى هذا غير مغرض، ولا صاحب مصلحة أو ميل. ويفترض احتجاج القاضي، شأن احتجاج المدعي العام ومحامي الدفاع والاتهام، الفهم فيمن يقاضى، وأن يكون هو وعاقلته ومن لف لفه وفي طبقته، «ذا حجى». وإذا قصّر القضاء وجهازه المعقد عن إبطال حجج الجاني وإطفائها المعنوي و «الأدبي»، وعن البرهان على شططها واعتلالها في ميزان المظنون أو المتهم الجاني، فهذا قد ينهض قرينة على ضعف ضبط القضاء، على ما كان يقال في بعض رواة الأخبار وأهل اللغة. فمحل الإبطال والضبط هو النفوس، وإبطال وضبط لا يطاولان النفوس ناقصان.

عدالة الأهل

وعلى رغم سكوت «الأهل» عن الرد على منكري اقتصاصهم من القاتل المفترض، استبق فعلُهم ردهم، و «قال» احتجاجهم المتوقع. وحجة الأهل، في مرآة فعلهم وعملهم، أن عدالة الأهل أبعد غوراً و «أعمـــق» من عدالة الدولة. والأهل وحدهم فـي مستطاعهم مكافأة «عمق» الجريمة، والفهـم عنها فهماً دقيقاً، وإدراك ما تبطنه مــــن مقدمـــــات وتستتبعه من نتائج. وهم وحدهم يسعهم الرد على الانتهاك المروع لأركان الاجتماع والتأنس والتمدن والضيافة وصرمها بنظير يخاله الأهل مساوياً ورادعاً. ويريد الأهل من تجنب مثول المعتدي عليهم جميعاً بين يدي الدولة، وعلانيتها الثرثارة، خنق قيل وقال يرمي الفتنة في صفوفهم، ويشق عصبيتهم المجتمعة على «عدوهم». فعلى خلاف ما ذهب إليه وزير الداخلية، المحامي والحقوقي، لا تسعى الجماعة الأهلية، البلدية في الحال هذه، وعدالة القضاء في غاية واحدة، بل هما تسعيان في غايتين مختلفتين. واختلاف الغايتين يستتبع، أو يفترض اختلافاً حاداً في الوسائل، إذا جاز تمييز الوسائل من الغاية أو الغاية من الوسائل.

ويدرج خروج جماعة كترمايا الأهلية على الدولة واقعة القتل المزدوجة في «ثقافة» اجتماعية وسياسية وعدلية عربية عريضة ومتجددة. وتجهر الواقعة المزدوجة (ولم نتناول منها إلا شقها الثاني المتاح) منازعة الجماعة الأهلية – المؤتلفة من عائلات «عشائرية» وإقامة بلدية واعتقاد مشترك وأحلاف وخلافات على مراتب – الدولة، وإداراتها ومنطقها الاجتماعي والقانوني أو الحقوقي المضمر، على السلطة. والسلطة التي تنازع الجماعةُ الأهلية الدولةَ عليها هي تلك التي انتزعتها الدولة، «دولة العدالة» وليس دولة السلطان السياسي والحربي والمالي، من الأمراء والأشراف المحليين ومحاكمهم المتفرقة المراجع، وأوكلت بها «سلطة» تعلو قوى الواقع كلها، وفيها قوة الدولة والحكام. وإذا كان «مثال» الدولة، الحديثة والديموقراطية المدنية، حسم المنازعة، فأخرج من أيدي الجماعات الأهلية السلاح («حق» الدماء) والقانون والجباية و (الانتقال على) الطرق والأمن تالياً، فالحق أن المثال لم يحسم المنازعة في المجتمعات العربية. فنسيج معظمها جماعات أهلية وعصبية، ودولها عصبيات متغلبة، بواسطة أجهزة الدولة المحدثة في أحيان كثيرة، تنازع عصبيات أخرى. ولحمة هذه أهلية، على المعنى المتقدم. وعوامل اللحمة هي ما تخالف به الجماعة الأهلية الجماعات الأخرى، ويضوي تماسكَها الرجراج، وتدفع به تفتتها الداخلي بوجه صوغ الروابط واللحمات والخلافات ومعنى السلطة ومواردها على أركان أخرى غير أركان العصبيات الأهلية ومعاييرها ودوائرها.

ومثلت الحروب الملبننة – منذ دبيبها في الأوصال اللبنانية المتصلة بالأوصال العربية، من طرق شتى ليست «الطريق» الفلسطينية و «طريق» «الداخلية السورية» أضيقها ولا أضعفها – على المنازعة العاصفة هذه. وآذنت الحروب، تحت اللواء العروبي والفلسطيني العام والمجرد وغير المعين، بتداعي مباني السلطة أو أدواتها ذات الصفة الأهلية الضعيفة والضيقة. وتوسلت الجماعات الأهلية والوطنية (المحلية) المتغلبة باللواء العروبي – الفلسطيني، وهو على حاله من العموم القومي والتجريد، الى تسييس سلطتها، وصبغها بصباغ الدولة السياسية، والتحرر الوطني، والمصالح القومية الجامعة ومناهضة الامبريالية والصهيونية. وتماسكت، تحت القناع السياسي القاهر والمزعوم، عصبيات أهلية كانت خالدة الى تقاليد رتيبة، وثارت عصبيات أخرى نفخ فيها أفق الدولة الوطنية القريب وأفق السلطنة أو الامبراطورية الإقليمية (العربية) الأبعد، والاستيلاء على أجهزة القوة فيها عنفواناً محموماً. فلم يكد عُشْر السبعين من القرن العشرين يمضي، غداة 1967، حتى انفجرت النزاعات الأهلية في الأردن ومصر ولبنان وسورية والعراق وبلدان أخرى، الى فلسطين نفسها. وكثرة عوامل الانفجار وموادها لا تحجب انبعاث العصبيات الأهلية، وإذكاءها بعضها بعضاً من طريق النزاع على السلطة الوطنية، وعلى «سلطة» إقليمية نافذة في الجماعات الأهلية المتفرقة، وتمتطي المطية الفلسطينية. وسعت الطواقم الحاكمة في البلدان هذه، وفي جوار إقليمي يتوسع، في الجمع بين لحمة الجماعة الأهلية الأقرب وتسليطها على «عصب» الدولة المحكومة وبين الانخراط في القضية القومية الأعرض والمفترضة قضية سياسية ودولية.

الازدواج

وكان نصيب لبنان – من طريق عروبة مسلميه، والجماعات الفلسطينية المقيمة، والجوار السوري المضطرب والنزاعات العربية المحتدمة، ومن طريق رجحان الكفة المسيحية في دولة ومجتمع من غير عصبية أهلية قوية ومن غير غلبة – من النزاعات والاضطرابات، ولا يزال نصيبه منها عريضاً. ففي اثناء اليومين اللذين شهدا المقتلة بكترمايا وتتمتها، في 28 و29 نيسان، لفظت محكمة أمن الدولة المصرية العليا حكمها في قضية خلية «حزب الله» الأمنية الاستخبارية والمسلحة بمصر. ويتصدر القضية لبنانيان شيعيان تسترا بأوراق ثبوتية تنسبهما الى الطائفة السنية، وهما حصّلا الأوراق من طرق مشروعة ومزورة معاً. فالحزب العتيد استدخل الأجهزة الإدارية، والعسكرية والأمنية والتقنية والتعليمية، على نحو ما استدخل أهل كترمايا سلك التحقيق القضائي. وحصلت المقتلة قبل نحو اسبوع من ذكرى 7 أيار (مايو) 2008 الثانية. واستبق اجتياح الجماعة الخمينية المسلحة انحاء كثيرة من لبنان، وشل إدارات الدولة إما استدخالاً وإما ترهيباً، تعليق القضاء في البلدة الشوفية والنقض عليه، و «اجتياح» الأهل الأدلة والآثار والدواعي المحتملة، وتجديد الأهل لحمتهم تحت لواء عدالة «طبيعية» وقريبة من مصادر الاجتماع. وكان اللبنانيون، وفيهم الشوفيون، يخوضون غمار انتخابات بلدية واختيارية سوّغت، على زعم «الأحزاب السياسية»، وهي قناع الجماعات الأهلية على باب السلطة الوطنية، تقديم «العائلات»، وروابطها ومراتبها وحزازاتها، على روابط ومراتب وحزازات أهلية أوسع دائرة، وأعقد ترتيباً.

وفي وقت حصول الجريمتين كان تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في القرار 1559، والقرار عنوان انضباط لبنان ودولته بمعايير المجتمع الدولي وعلاقات الدول السيدة بعضها ببعض، يثير لغطاً داخلياً (وسورياً) لا ينفك منه إجراء واحد من الإجراءات الديبلوماسية في عالم تهيمن على علاقاته وديبلوماسيته مسألة الإرهاب ومصادره وطرقاته وتسلحه وتمويله. ويدور اللغط المحموم على فصل داخل أهلي متنازع ومنقسم عن خارج يحاول لجم العنف والتضييق على تصديره في الشبكات «القومية» والمذهبية والإقليمية. وخَلَفَ تقريرُ بان كي مون (تيري رود – لارسن) زيارة وفد أمني أميركي الى بعض الممرات الحدودية والمرافئ، وقبلها اتفاقاً أميركياً – لبنانياً على هبة الى وزارة الاتصالات. وحشرت حادثة ضئيلة في محلة جبلية تطل على البقاع الشرقي الشمالي في الصراع الإقليمي والكوني. وفي غير بلد عربي، كان مصر (الخلية الأمنية) أم الإمارات (صرف لبنانيين مهاجرين) أم الكويت اليوم، والحبل على الغارب، يؤخذ لبنانيون خمينيون بجريرة ازدواج الولاء والهوية والتستر بالهوية الوطنية على أفعال أهلية.

وازودواج الجماعات الأهلية - وهو ليس وقفاً على شيعة لبنان على رغم بلوغه على أيدي كتلتهم ذروة لا سابقة لها – يتصل بفصول السيطرة السورية والإيرانية، وقبلها الفلسطينية، على لبنان وفلسطين، ومن طريقهما على النظام الفوضوي العربي. وتترجح السيطرة على «الدول» الوطنية بين حد عروبي – فلسطيني عام ومجرد وبين حد أهلي وعصبي ضيق، وتجمع الحدين في «مقاومة» وجودية مطلقة. والعناصر الثلاثة هي جزء من آلة حرب تشنها بعض الجماعات الأهلية على الجماعات الأخرى المنافسة، وعلى دول تحكم بعضَها وتحول دون تبلور هيئاتها. وصوغ الذريعة الفلسطينية على النحو الذي صاغتها عليه «الدولة» الصدامية بالعراق والأسدية بسورية والحرسية بإيران، والحركة الفلسطينية المسلحة قبلها، ليس امراً ثانوياً، على ما تنبه واقعة كترمايا. فالمعنى الفلسطيني، على الصورة المتداولة برواية «المقاومة»، هو الأقرب إلى صورة الجماعة الأهلية وأركانها المهددة. وعلى المثال نفسه، يستدعي الثأر للجماعة الأهلية فعلاً لا يسبر «عمقه»، ويختصر العلاقة الاجتماعية في حق الدماء وفروعه، ويوقظ بربرية مدمرة تغفو على حدود الجماعات

الأربعاء، 21 أبريل 2010

ربط واشنطن سطوة التطرف بتعثر الحلول الإقليمية تشمل تبعاته الدول المتنازعة كلها

الحياة، 21/4/2010

تلقى المواقف والتصريحات الأميركية التي تربط معالجة المسألة الفلسطينية (العربية) – الإسرائيلية بمصالح الولايات المتحدة الإقليمية والدولية، وبأثر المسألة في حظوظ السياسة الأميركية العسكرية من النجاح على مسارح مكافحة الجماعات الإرهابية - تلقى ترحيباً عربياً رسمياً وإعلامياً يكاد يكون عاماً لولا تحفظ إيراني تعلنه طهران و «وكالاتها» المحلية إعلاناً صاخباً. وتتوالى المواقف والتصريحات هذه فصولاً منذ تنبيه قائد القيادة الوسطى الجنرال ديفيد بترايوس في جلسة استماع بواشنطن، في 16 آذار (مارس)، الى ان دوام النزاع وتعثر حله، الى انخراط الولايات المتحدة في التوسط فيه وفي ميادين قتال شرق أوسطية وإسلامية قريبة، تعرض الجنود الأميركيين، وسياسة بلدهم الساعية في حلول سياسية وطنية، الى أخطار إضافية وعرقلة متمادية.

وفسر المراقبون على المعنى نفسه ما أعلنه الرئيس الأميركي مباشرة في مؤتمر الأمن النووي بواشنطن في 13 و14 نيسان (ابريل). فقال ان «المصلحة الحيوية» للولايات المتحدة تقضي بتقليص حدة النزاعات الإقليمية تمهيداً لحلها. وعلل مصلحة بلده بقوتها العسكرية الدولية، وبحشرها في النزاعات وإلزامها الانخراط فيها، مضطرة، حين انفجارها. «وهذا يؤدي الى ثمن باهظ نسدده دماً وموارد». وكررت وزيرة خارجية أوباما، هيلاري كلينتون، في الأسبوع نفسه، تسويغ الدعوة الى الحل، والإلحاح فيه، بالقول ان إرجاءه، والتسويف فيه، يقويان «دعاة الحقد والعنف، و (يعززان) قوة الرئيس الإيراني المعادي للسامية والمتطرفين» من أمثال «حماس» و «حزب الله». وكان ديفيد بترايوس نفسه يكرر، في 16 نيسان، ان «دوام النزاع العربي – الإسرائيلي يسهم في تكوين مناخ معاد في منطقة تخوض فيها القوات الأميركية حربين، بأفغانستان والعراق»، وأن التعثر على طريق السلام يغذي مساعي المتطرفين، ويسمم «المناخ» في المنطقة.

وإلى ربط المسؤولين الأميركيين المتواتر انخراط بلدهم في الحلول السياسية للنزاعات الإقليمية والمحلية الوطنية بمصالحهم الوطنية، ومسوغات هذه المصلحة وضروراتها، فهم يحرصون على رهن الحلول ونجاحها بـ «قرار» المتنازعين و «رغبتهم» في بلورة الحلول، والاضطلاع بتبعاتها. وشاهد أوباما من وزير خارجية جورج بوش الأب، وراعي خطوات مؤتمر مدريد الأولى، جيمس بيكر، يذهب الى ان الأميركيين لا يسعهم ان «يرغبوا في السلام فوق ما يرغب فيه» المتنازعون والمتقاتلون أنفسهم. وهو ما كررته وزيرة الخارجية في افتتاح مركز دانيال ابراهام للسلام في الشرق الأوسط، وصدّرت به خطبتها.

والحق ان عناصر سياسة أوباما وفريقه، اليوم، مستقاة، على هذا القدر أو ذاك، من «خطوط» سياسة الرئيس الأميركي الحادي والأربعين الموسومة بـ «الواقعية». ولا يقتصر الأمر على دعوة جورج بوش الأب في افتتاح مؤتمر مدريد في أواخر 1991، المتحاورين والمتفاوضين على الاضطلاع بالحوار والمفاوضة «مباشرة»، على قوله، والتخفف تدريجاً من الوسطاء، وأولهم الوسيط الأميركي. فهو حاول، في العام التالي، التخفف من التوسط في نزاعات البلقان عشية انفجار الاتحاد اليوغوسلافي. ونبه الى مواقف دولية متناقضة، بعضها دعا الولايات المتحدة الى الانخراط في النزاعات القومية والأهلية المتخلفة عن الحقبة السوفياتية، وبعضها الآخر نعى عليها التدخل والتوسط، واتهمها بالانحياز إلى أنصار التفتيت الوطني، أو التجزئة في مصطلح عربي، وإلى أداء دور «الشرطي» الدولي.

و «تخطى» بعض السياسيين العرب النازعين المتناقضين. فدعوا الى وساطة «نزيهة»، ولا يزالون يدعون إليها. وقوامها «الضغط على إسرائيل». ويتيح اشتراط النزاهة الجمع بين طلب الالتزام الأميركي، بذريعة دالتها على إسرائيل ومساندتها لها، ومهاجمة السياسة الأميركية المتغطرسة والمنحازة الى إسرائيل والحض على «مقاومتها»، من غير استبعاد السلاح الأعمال الإرهابية تحت ستارة حرب التحرر الوطني.

وينطوي الرأي هذا، وهو يصدر عن رأي عام في العلاقات الدولية، على التباس لا تسلم منه السياسة الأميركية نفسها وليس لها ان تسلم منه. فالمسؤوليات الدولية أو العالمية الأميركية حقيقة أو واقعة سياسية وعسكرية واقتصادية وتقنية (تكنولوجية) وثقافية ثقيلة تتولاها السياسات الأميركية المتعاقبة، على تنازع بين الاعتزال وبين الاضطلاع بتبعات «الاستثناء» الباهظة. ومؤتمر الأمن النووي الأخير بواشنطن قرينة قوية على مترتبات المكانة الأميركية، على نحو ما ان ضآلة «مؤتمر» طهران قرينة جيدة ومؤسفة في آن على عزلتها في عهد رئيسها الحرسي. وحين يقرر أوباما اضطرار بلده، القوة العسكرية الكبيرة، الى التدخل في النزاعات فهو يعزوه الى ان بلده «لا(يزال) دولة عسكرية قوية»، مهما كان رأي الأميركيين في تبعات قوة بلدهم العسكرية («بغض النظر عن رأينا»)، على قوله. وهذا رد صريح على دعاة العزلة ودعاة الاستثناء و «الرسالة المسلحة»، جميعاً. فهو يدعو الأولين الى تحمل المسؤولية عن الدور الأميركي العالمي والمتعاظم العولمة، وكان هؤلاء حملوا العولمة المسؤولية عن الإرهاب وهجماته و «كره أميركا». ويدعو الآخرين الى حماية المصالح الأميركية العالمية من غير التخلي عن معيار المصلحة الأميركية الوطنية، وعن التقيد بهذا المعيار في معاملة أقرب الأصدقاء والحلفاء، وإسرائيل في صدارتهم من غير شك.

وربما يهمل الترحيب العربي بعض الشيء دلالة الرابط الذي تقيمه السياسة الأميركية وتوجبه بين حماية مصالحها الوطنية وبين الإسهام في حل النزاع «العربي» – الإسرائيلي، ومضمون هذا الرابط. فهذا الرابط ينبغي حمله على عالمية القوة الأميركية، ومسؤولياتها ومصالحها المترتبة على مكانتها. وعلى هذا، فهو لا يُحمل لا على الصداقة الأميركية – الإسرائيلية، ولا على دور الولايات المتحدة في «إعالة» الدولة العبرية وضمان أمنها، ولا على عدالة القضية الفلسطينية – على حسبان الاعتبارات العربية وبعض الاعتبارات الإقليمية-، من غير إهمال هذه العوامل أو إغفالها. وسابقة جورج بوش الأب، ووزير خارجيته جيمس بيكر، في 1991، أي التلويح بتقييد ضمان القروض الأميركية الكبيرة الى اسرائيل اذا مضت على عرقلة الإعداد لمؤتمر مدريد، وهي السابقة التي يحلم «رأي عام» عربي بتكرارها، لم تخرج عن إطار الرابط ودلالته. وتوسطت الديبلوماسية الأميركية يومها وساطة قوية في مسألة ورطتها فيها سياسات إقليمية خرقاء، لم يكن التباس مصالحها بالمصالح الإسرائيلية في عدادها أو من بينها. وبعض الدعوات «العربية» الى وساطة «نزيهة» لم تحجم عن التوسل بـ «النزاهة» الأميركية الى الاستقواء بها، وبمفاوضة الأميركيين الى عقد صفقات على حساب الدول والقوى الصغيرة الجارة واقتسام النفوذ الإقليمي مع الدولة العبرية.

ويهمل الترحيب العربي كذلك اشتراط السياسة الأميركية على الجانب العربي، وهي تلوح بتقييد شطط الجانب الإسرائيلي ودعوته الى قبول مبدأ التسوية ثم تسويات جزئية، شروطاً غير يسيرة. وفي سابقة بوش الأب وبيكر، ينبغي التذكير ربما بأن القروض أو الائتمانات الكبيرة، نحو 10 بلايين دولار ، كان غرضها استقبال المهاجرين اليهود الروس وتوطينهم في مستوطنات، الضفة الغربية والقدس الشرقية. واشترت السياسة الإسرائيلية استيطان الوافدين الجدد لقاء انقيادها الى ما فيه مصلحتها، المشتركة مع المصلحة الأميركية. وهذا ثمن أضعف من الثمن المعنوي والسياسي المطلوب من بعض المفاوضين الفلسطينيين والعرب. ويتصدر الثمن المطلوب النزول عن «حق العودة». وتعلن بعض الأطراف العربية، وأولها سورية الأسدية، رفضها التقيد بمترتبات وساطة اميركية «نزيهة» تتضمن فيما تتضمن، وعلى خلاف «مكاسب» المفاوضة مع بيكر في 1991، انسحاب سياستها من فروعها الفلسطينية واللبنانية والعراقية.

ولا ريب في ان القواسم المشتركة، الأميركية والإسرائيلية، تتناول فك المسألة الفلسطينية، وفروعها العربية الباقية، من ارتهانها الإيراني و «الإسلامي» المتفاقم. فالسياسة الإيرانية جعلت المسألة الفلسطينية مطية أولى من مطايا أغراضها النووية والإقليمية والداخلية (تحصين طاقمها القيادي المضطرب). وهي نجحت في توسيط المسألة العربية الأولى، وإعمالها في إنشاء ولايات وأحزمة بعيدة تأتمر بأمرها، وتقوم مقام مسارح حرب بديلة أو فرعية تبادر طهران إليها، أو تسوغها وتتوسل بها الى إعلاء مكانتها قوةً إقليمية مقتدرة. وعلى رغم الفرق الكبير في الاستثمار في المسألة الفلسطينية، وفي الفلسطينيين، لم يقتصر التوسل والامتطاء على ايران الخمينية والحرسية وولاياتها، ولا على سورية الأسدية في عهديها ووكالاتها، بل تعدى «الدولتين» الى «قاعدة» بن لادن و «قواعد جهادها» و «دولها الإسلامية» المزعومة وجماعاتها المتقلبة والمتحولة في أواني «الجهاد» المستطرقة وخدماتها هنا وهناك، في العراق والأردن ولبنان.

وتجمع الكتل الثلاث، طهران وولاياتها ودمشق ووكالاتها و «القاعدة» وأذرعتها، على فرق ما بينها واختلاف مصالحها وسياساتها في بعض المسارح وتناقضها في بعضٍ آخر، تجمع على الأخذ بجدل «العدو الخارجي» و «العدو الداخلي»، بحسب تمييز وربط قاعديين يكثر أيمن الظواهري من استعمالهما على خطى «أمميات» ومنظمات «عالمية» سابقة وحالية. وترعى سياسات الكتل الثلاث، على مقادير متفاوتة، ربط الحرب «العالمية» على «الغرب الأميركي» و «المتصهين» بالخروج على أبنية الدولة الوطنية، بذريعة حلّ الدولة الوطنية وأجهزتها ووظائفها في تبعيتها للقوة العالمية العظمى، وفي طاقم الحكم «العميل». ويحمل النهج هذا القوى المتفرقة والمختلفة التي تنتهجه على إرساء العلاقات السياسية الداخلية («المنزلية») على الحرب الأهلية، وانتهاك سيادة الدول. والمزاودة على الانتهاك (ومن بعض فصول المزاودة الأخيرة تشهير العولقي، من «القاعدة»، بالجماعة المسلحة الشيعية في لبنان). وتتخفف العلاقات الإقليمية والخارجية من ضوابط العنف، وتسعى في الانتشار النووي والصاروخي، وفي استتباع مناطق نفوذ، وتغذي الحروب المحدودة وغير المتكافئة. وتعول في أفعالها وخططها ومقاصدها على تورط واشنطن، القوة العظمى، في المنازعات المحلية والإقليمية، وفي التحكيم الدولي.

فينشأ عن هذا نظام إقليمي هجين وموازٍ، من دول وأشباه دول ومنظمات أهلية معروفة ومعلنة وجماعات مسلحة سرية وغامضة الهوية، يحضن أنواعاً مركبة من «الكائنات» السياسية والأهلية والعسكرية والأمنية. وتتحدى هذه «الكائنات» النزعات الوطنية والإقليمية الساعية في بلورة أطر تقر بغير الحرب أداة سياسية، في الداخل الأهلي وفي الخارج الإقليمي والدولي. والنظام الهجين والموازي هذا يضيِّع المسؤوليات، ويهرب من المحاسبة، ويدمج النزاعات المختلفة بعضها في بعض، ويحول دون استقرار السياسات الوطنية الداخلية على تقاليد وأعراف تكبح جماح التعسف والتسلط، وتحضن نمو قوى اجتماعية متماسكة، وتمهد لعلاقات تجمع المنازعة الى التحكيم والتأليف.

والذريعة الفلسطينية التي ينوه أوباما ووزيرة خارجيته، بعد بترايوس قائد قيادته الوسطى، بضرورة نزع فتيلها والحؤول دون تسميمها بالعنف العلاقات الإقليمية، لم يقتصر إعمالها على طهران وطاقمها الحاكم، ولا على سورية ونظامها، أو «القاعدة» وأذرعتها. فهي نافذة فرص «إسلامية» عامة. ومنها دخل، أخيراً، قادة حزب العدالة والتنمية التركي، أو هم يحاولون الدخول منها. و «إشراقات» رجب طيب أردوغان «العربية» ليست بشير خير وفأل. فالحزب الإسلامي المعتدل لا يمتنع من إعمال «الموارد» الفلسطينية (والعربية والإسلامية تالياً) المتحصلة من وساطته المعلقة في المفاوضات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة، ومن تنديده بحرب إسرائيل و «حماس» في غزة، وإحجامه عن الاضطلاع بتبعاته عن أحوال العراق، ولا يمتنع من توظيف الموارد هذه في سياسات داخلية وإقليمية حزبية ومشكلة. فهذه المكاسب ليست جزءاً من مثال سياسة إقليمية ينبغي أن تؤدي الى إحاطة تركيا بأصدقاء،وحسب. وإنماهي شطر راجح من برنامج سياسي داخلي يرمي الى إحلال غلبة حزبية واجتماعية مختلطة محل غلبة بيروقراطية متصلبة وشائخة،والى مقايضة القومية العسكرية التركية الآفلة بقومية «عثمانية» تحابي بعض بلدان الجوار وشعوبه، وتترك مخلفات المرحلة العثمانية – التركية (الأكراد والعلويون والأرثوذكس والعلمانيون في الداخل والأرمن وقبرص وقره باغ في الخارج) معلقة ومترجحة. ويستر الحزب المتردد المسائل الحاسمة هذه، وتركة التصدي لمعالجتها، بانتصاراته الفلسطينية والعربية، وينازع القاهرة على وساطتها الفلسطينية إمعاناً في إبراز ثقله المفترض.

والمقارنة بين أنقرة وطهران (ودمشق) عَرَضية وسطحية من غير شك، ولا تساوي بين أطرافها. وإهمال أردوغان مؤتمر «صديقه» النووي أحمدي نجاد أمارة صريحة على التزام الأول منطقاً سياسياً متعارَفاً على حدوده الدنيا. ويسوغ المقارنة موضع المسألة الفلسطينية، في صيغها السائرة، من استدراج سياسات مختلفة وتسعى في غايات متباينة وربما متعارضة، الى ركوب المركب الهجين، الأهلي والقومي والوطني والإقليمي والعالمي، المفضي الى مزج النزاعات، وتضييع المسؤوليات، والحض على استشراء عنف في الأحوال كلها. وأياً كان الموقف الأميركي، ورأي الإدارة «الشخصي» أو حتى السياسي في نزاع من النزاعات، فالمصلحة الوطنية الأميركية تدعو القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية العالمية، الى رعاية أطر داخلية وإقليمية يعوَّل عليها في تقييد النزاعات، و «تصفيتها» من الهجنة والتداخل المعميين، وتحديد المسؤوليات، ولجم تناسل العنف ومسوغاته. وهذه مصلحة وطنية أميركية تلتقي ومصالح وطنية وإقليمية ودولية جامعة. وجزء من تبعات المصالح هذه، وهو جزء ثقيل، يقع على عاتق «العرب»، شعوباً ومجتمعات ودولاً. والاستقواء بـ «الرابط»، وقبله الاستقواء بـ «تقرير غولدستون» قبل نسيانه، لا يقيت من سياسة مسؤولة.

الحادثة الإرهابية برواية "بناية يعقوبيان...سيرة الفتى العامي طه محمد الشاذلي من غير ابتلاء ولا اختبار

المستقبل 18/4/2010
يدخل طه الشاذلي، ابن الشاذلي بواب عمارة يعقوبيان وأحد سكان "فوق سطحها المستقل تماماً عن بقية العمارة"، دائرة القص واقتفاء الخبر من باب سهره طوال الليل الى "الإيذان بصباح جديد" بينما لم ينفك "ضوء صغير شاحب... ينبعث من نافذة حجرة" البواب. ويتصل تقرير الواقعة الطبيعية والفلكية بتفسيرها وتعليلها. فيكتب علاء الأسواني تتمة الجملة: "... حيث كان ابنه الشاب طه قد قضى ليلته ساهراً...". والتتمة التالية: "... من فرط القلق" لا تتأخر، على شاكلة سابقتها، وتعقب على السهر الليلي الطويل، ودوران الليل والنهار، بتعليل نفسي. ويتوسط الإعلانَ عن القلق الداعي الى السهر الطويل، وتسويغه، انصراف الشاب الساهِر والقلِق الى الصلاة ثم الى تلاوة الأدعية، على السرير ولابساً جلباباً أبيض، في كتاب "الدعاء المستجاب"، وسؤالُه "ذا الجلال والإكرام" و "وجهه الكريم" الخير والحراسة والمغفرة والإقبال والضحك والرضا والرحمة في "هذا اليوم". وتختلط قراءة الأدعية بـ "أصوات وصياح وضحكات وسعال وأبواب تغلق وتفتح وروائح ماء ساخن وشاي وقهوة وفحم ومعسل" معاً.

تنزل الخارج

وصاحب القص ومقتفي الخبر – وهو من رأى الصباح الجديد ينفجر، على قول عربي بائد أو منصرم، ولاحظ الضوء الصغير الشاحب ينبعث من نافذة حجرة البواب، وانقضاء الليل على ابن البواب المسمى باسم نبي الإسلام ("كقولك يا محمد بلسان الحبشة" عن ابن عباس) من غير نوم، وسمعه يقرأ الدعاء في كتاب أدعية معروف وشائع بعد قيامه الى صلاة الفجر، وحدس القلق في نفس المصلي الساهر، ووصل القلق بـ "حيثيته"، وتناهت الأصوات الى سمعه والروائح الى خيشومه... – القاص والمخبر هذا لا يعلم قارئ الرواية كيف علم ما يخبر به، ومن أي وجه بلغه علمه أو علومه. فهو يقص من أنحاء كثيرة، وأوقات متصلة، معاً. فلا يعقل ان يكون فرداً قاراً بموضع أو محل، وملازماً "وجهة نظر" يلم منها بشطر من المرئيات والمسموعات والروائح، وسابراً دواخل طوية من الطوايا المطوية (تعريفاً) ووجدان من الوجدانات، أو مؤوِّلاً حركات وسكنات أو حادساً في بعض معاني ما يرى ويسمع ويشم ويحس. فلا ريب أنه كثير في واحد... وعلى هذا، فالقص ينزل أو يتنزل على القارئ من خارج غير متعين يلم بالأوقات والأحوال والأماكن والسرائر كلها، من خلف وقدام وفوق وتحت وبطن وظاهر. وكان جان – بول سارتر نعى، في باكورة مقالاته النقدية، على روائيين فرنسيين معروفين روايتهم ما يروون من خارج متعال ومفارق إلهي (حرفياً: "من وجهة نظر الله"، وهذا يتناقض)، على خلاف الروائيين الأميركيين المعاصرين، المنحازين الى موضع ووقت وعلم لا يتعدونها ولا يطّرحون قيودها ورسومها، على شاكلة جون دوس باسوس في ثلاثيته "يو إس إي" أو وليم فوكنر في "الضجيج والغضب" (أو ما اصطلح على ترجمته بهذا).
ويقدم راوي "عمارة يعقوبيان"، في صفحات القصة الأولى، لحادثة سهر طه الشاذلي طوال الليلة هذه، وعشية فحص كلية الشرطة أو "كشفها"، بالتأريخ للعمارة عموماً، ولسطحها على وجه الخصوص. والتأريخ، على طريقة الراوي، يبدأ من "الأول". والأول هو "فكرة" فكرها عميد الجالية الأرمنية بمصر، في 1934، هاغوب (هاجوب) يعقوبيان، وأوكل إنفاذها الى مكتب هندسي إيطالي. وفكرة المليونير الأرمني وَلَدت "تصميماً جميلاً" عن يد المكتب. وينتهي الى القارئ من الجمال الممتدح نسبةُ المبنى الى "الطراز الأوروبي الكلاسيكي الفخم". ويتداعى الوصف بالكلاسيكية الى "التماثيل الإغريقية"، وهو تداع لغوي أو لفظي، والى "الرخام الطبيعي". وينعطف الى "المصعد ماركة شندلر على أحدث طراز". واسم ماركة المصعد، والمصعد كله من عناصر المبنى الداخلية وغير المرئية، وغير المحتسبة تالياً في الجمال ولا الكلاسيكية ولا الاتحاف، أي الاسم الصناعي هو الواقعة المتعينة الوحيدة في صفة العمارة أو المبنى. وحين أنجز المبنى حلَّ به مستأجرون هم "صفوة المجتمع في تلك الأيام". وبنيت على السطح 50 غرفة حديدية خزن فيها المستأجرون المواد الغذائية" والثياب المغسول، وبيَّت فيها بعضهم الكلاب.
والفصل الثاني من تاريخ السطح، ومن تاريخ مصر كلها، ابتداؤه هو ثورة 1952. وغداتها هاجرت الصفوة. وهي من "اليهود والأجانب"، وليس فيها "وزراء وباشوات من كبار الإقطاعيين"، على حسب إحصاء الراوي المؤرخ قبل صفحة واحدة (ص20)، تشاركوا الإقامة مع "اثنين من مليونيرات اليهود" و "رجال صناعة أجانب" يليقون بتعريف ماوتسي تونغ البورجوازية الوطنية بـ "الكومبراردور"، أو اهل الوساطة والحاشية وخدمة رأسمالية الحواضر الغربية. وولاة الفصل الثوري، وأهل قوته، هم ضباط القوات المسلحة. "وكانت كل شقة تخلو بهجرة اصحابها يستولي عليها" ضابط من هؤلاء. واستجد استعمال جديد لغرف السطح صحب التجديد الطبقي والاجتماعي والسياسي الذي تولاه الضباط، من "ملازمين ونقباء" و "لواءات": "فصارت الغرف الحديدية مبيت السفرجية والطباخين والشغالات الصغيرة والمجلوبات من قراهن"، وكان الباشوات والأجانب واليهود يتورعون عن "(تصور) إمكانية نوم أي إنسان في غرفة ضيقة بهذا الشكل"، فكيف بإلزام "الإنسان" المبيت أو قسره عليه.
والفصل الثالث هو "الانفتاح". وحَمَلَ العهد الاجتماعي والسياسي الجديد "الأثرياء" على ترك "وسط البلد"، حيث العمارة، الى الضواحي الغنية والفخمة. وربما فات الراوي، العجول واللاهث، ان يقص على القارئ كيف انقلب الضباط من الرتب كلها، في غضون العقدين تقريباً، أثرياء يسمون بحالهم جديدة من غير تمهيد. فهم بقوا ضباطاً، على رأسهم اللواء الدكروري، زيادة في التعيين ولكي لا يحسب القارئ ان الكاتب يخبط على غير بينة (شأنه في "وصفه" العمارة الكلاسيكية والإغريقية والرخامية)، وأقاموا على حالهم الى السطر الذي سبق "حديث" الانفتاح. ومهما كان من امر الانقلاب الاجتماعي الخطير، وحصوله في غفلة من التأريخ والقص، فهو أدى الى انقطاع "الصلة شيئاً فشيئاً بين الغرف الحديدية وشقق العمارة". فأقام في الغرف على السطح "فقراء جدد" جاؤوا من الأرياف، وهم "يعملون في مكان ما في وسط البلد"، على قول الراوي المؤرخ والمدقق المحيط بأطوار السكن وموجات السكان ودوائر نزولهم وعملهم. ويتناول الراوي أحوال "الرجال جميعاً" من موجة اهل السطح الأخيرة، كفاحاً وإنهاكاً ومتعاً (ثلاثاً). ويثنّي بتناول أحوال "النساء جميعاً"، حباً للجنس وتهامساً بأخباره واستحماماً وتعطراً. ويجهر الراوي قصوره عن (نقل) تعبيرات وجه امرأة فوق السطح، صباح الجمعة، عندما ينزل زوجها لأداء الصلاة وتغتسل..."، فيوكل بالأمر، تواضعاً، "رساماً بارعاً". والروائي ليس إلا روائياً، ولا يتوقع منه تصوير "تعبيرات" وجه المرأة، ولا جسدها المنسي، ولا تصوير المعاني والخواطر والمشاعر التي تضطرب في وجدانها. فهذه مهمة "عالم نفساني" بارع.

الواحد... جميعاً

ويخرج الراوي من عموم التاريخ الاجتماعي، وتعاقب فصوله وحقباته العريضة المروية من خارج غفل وانتقائي، الى التدقيق في واحد من سكان السطح هو طه الشاذلي، على ما تقدم. وطه هذا، الساهر وقارئ الأدعية المستجابة والقَلِق، مرد سهره وقلقه الى بلوغه اليوم، وهو ابتدأه بالصلاة والدعاء، "الحاجز الأخير في سباق الأمل الطويل... بأن يكون ضابط شرطة". فهو أحد ابناء الجيل الثالث من "سكان" العمارة. وتناولُ القص واحداً فرداً، وليس جيلاً من الناس أو جزءاً من طبقة اجتماعية، لا يدعو الراوي الى تخصيص الموضع الذي يقص منه ويطل على "جزء" من المشهد او السياقة او الحوادث التي يأتلف القص منها. فالواحد الفرد، طه الشاذلي، يتناوله القص "جميعاً"، شأن كتلة الرجال وكتلة النساء في مجتمع سطح العمارة المستقل والمنفصل. والواحد الجميع كتلة لا تتميز أجزاؤها، ولا فرق بين الجزء والجزء الآخر منها. والمعنى الغالب على الكتلة، فرداً أو جمعاً، يغلب عليها كلها مرة واحدة، ويختصر أحوالها في حال متصلة يكني عنها الراوي بـ "سباق الأمل الطويل"، وعلته الغائية أو التمامية: التربع في مرتبة ضابط شرطة. وينصرف المتسابق الآمل الى غايته، وقبلة سعيه، لا يلوي على أمر أو شاغل آخر.
وهذه حاله "منذ الطفولة". والأرجح انها حاله قبل الطفولة، وقبل الولادة، وسبقه إليها والده، بواب العمارة، وكانت في بال الوالد "فكرة" أو "حلماً" قبل ان يعهد بها الولد، وهو ورثها عن والده، على خطى رسم اجتماعي غفل، الى المراحل المدرسية لتخط هذه "تصميمها الهندسي"، على شاكلة عمارة الثري الأرمني وهي تحبو وتدب وتشب وتبلغ تمامها الفخم والكلاسيكي والرخامي والشندلري. فطه الشاذلي يدخل "عمارة يعقوبيان" كتلة معنوية مجتمعة ومتصلة، تحركها قوة فيزيائية أو طبيعية ماثلة كلها، وتولد أطوارها بعضها من بعض ولادة "طبيعية" محكمة. وعلى مثال طه، طفولته هي "الطفولة"، وأمله هو "الأمل"، وحلمه هو "الحلم"، ودراسته هي "الاستذكار في الثانوية العامة حتى حصل على مجموع 89 في المئة بدون دروس خصوصية...". وكان سهره الطويل الى الصباح قبيل يوم الكشف الصورة المادية عن الاستذكار، والتمثيل الممتلئ عليه. وعلى المنوال هذا، انضم الفتى الى مركز شباب عابدين، و "صبر على تمرينات كمال الأجسام الشاقة"، وتودد الى ضباط الشرطة، و "تحمل رذالة سكان العمارة وغطرستهم"... يحدوه، في محنه ومقاماته ومراحل ابتلائه المتعاقبة تعاقب الفصول، الحلم إياه "وتحقيقه ايضاً". وهو، الشاب، آلة الحلم المسلط عليه، وعصاه الصماء. وتجتاز الآلة المراحل والمحن والمقامات مقيمة على "فكرتها" أو "حلمها" و "سباقها"، ونصب عينيها "مصير(ها) الى الأبد"، على ما يوجز الكاتب متنبئاً ومعتلياً من الزمن أو الدهر سناماً باسقاً، وشرفة تطل على الغيوب المطوية وراء الآفاق.
والحق ان الراوي أعد "بطله"، منذ المشهد الأول، الى مصير مرسوم ومقسوم، متصوِّر في نطفته القصصية، أو فكرته. وسياقة القص – إذا جازت العبارة، أو جاز الكلام على سياقة حين يوضع القص على أوقات ناجزة وقطع زمنية صبت في قوالب أنموذجية – تُحققُ الفكرة، وتُنزلها منازل الرسوم البيانية، وتُعاقِب بين المنازل والمراحل على مقادير ووجوه معلومة. ولا تغادر السياقة هذه، على معنى تحقيق الفكرة، الذهنيات ومجرداتها ومعادلاتها الحسابية والفيزيائية المستقيمة والجلية. ويملأ القص القوالب والمنازل والمراحل بمادة محسوسة تنحو نحو التعيين، أو الأعيان. ولكنها "أعيان على العموم" أو "أعيان عمومية"، على قول جورج بوليتزير في "معيوش" برغسون و "بدائه وجدان"(ـه).
وفي تمهيده وتسويغه القصصي خروجَ طه "الإسلامي" على الدولة والمجتمع المصريين، وهما دولة "الانفتاح" ومجتمعه على نحو ما يمثل عليهما الأستاذ فكري عبد الشهيد المحامي والحاج محمد عزام المقاول وكمال الفولي البرلماني والحزبي "القومي" (الحاكم) والأستاذ طلال السوري وبسيوني المصور وملاك خله الترزي الناشط وفوق هؤلاء جميعاً "الكبير" المحجوب - يضع الراوي الشابَ الطالب والمذاكر الطموح ومجتمع العمارة في شطريه على طرفي "تناقض" أو تقابل. وقسمة "أهل العمارة" قسمين، "بعضهم... يشجعه على الاستذكار" وآخرين "تزعجهم (فكرة ابن البواب المتفوق) على نحو ما"، بقيت من غير مفعول قصصي. فلا تخصيص ولا توسيط. وأقام القص على تكتيل الأدوار المفترضة كتلاً قَبَلية، على شاكلة قبائل الجمجمة وعظامها المتقابلة أو شاكلة الجماعات النسبية والقرابية التي يعرّفها اختلاف أرحامها وتفرقها. فيتناسل "الانزعاج" من "فكرة" تفوق ابن البواب "أفعالاً". وتترتب الأفعال على الفكرة الأولى ترتباً منطقياً: فحاول "الآخرون" إقناع والد طه، محمد، "بإلحاقه بالتعليم الصناعي بعد الإعدادية"، وكانوا "يسألون عليه أيام الامتحانات ويكلفونه بأعمال شاقة تستغرق وقتاً طويلاً...". ويفترض الراوي ان القارئ لم يفطن بعد الى غايات "سكان العمارة" وهو يصفها بـ "الدفينة". فيصرح، وهو لم يفعل غير التصريح، ويعزو السؤال والتكليف والأغراء بالبقشيش الى "رغبة دفينة خبيثة لتعطيله عن الاستذكار". وعلى شاكلة القَصَص البطولي الشعبي وأخباره "الحربية"، أو مثال قَصَص القُصّاص والوعاظ، يجمع طه "الأعمال" المرهقة والمصطنعة والمبدِّدة الى "التفاني" في الدرس والاستذكار. ويخرج الفتى منتصراً على "اولاد الكثيرين في العمارة".

فيزياء الطبائع

والواحد من "الكثيرين" ليس واحداً، على معنى الانفراد باسم وسيرة حال وقصد. فهو واحد على معنى إحصائي، وتمثيل على العينة. ويبقيه الراوي على سمته الغفل. وعلى هذا، فـ "الواحد... يلتقي بالآخر أمام المصعد فيسأله متهكماً... (فـ)يعلن الآخر بصراحة امتعاضه من هذا الموضوع...". ويتخفف الراوي من توسيط الواحد والآخر، ومن تخصيص لقائهما امام المصعد أو فيه. ويجمع الآحاد والآخرين في "هؤلاء السكان" جماعة أو جميعاً: "أخذوا يتحرشون بطه بعد ظهور النتيجة ويوبخونه على أهون سبب كان... يتعمدون إهانته... (يتثاقلون متعمدين) وهم داخلون الى العمارة حتى يهرع..." وهو على حاله "عندما يدخل الى فراشه آخر الليل يكون دائماً طاهراً متوضئاً بعد ان يصلي العشاء والشفع والوتر". ويتبدد، في الأثناء، "القسم" من اهل العمارة الذي دأب على "تشجيع" ابن البواب، وحضه على الاستذكار من طرق أبقاها الراوي طي الخفاء، أو عَلَماً على قصد قصصي يفترض التخصيص والتوسيط، ويواريه افتقار الراوي الى الإقبال على العالَم وعلى مسالكه الملتوية وأصحاب أدواره الكثر وأفعالهم.
فإذا نصب الراوي، وهو الخارج غير المتعين زمناً ولا موضعاً ولا مصالح أو ميولاً وهو المتناول الناس والحوادث كتلاً ومثالات، إذا نصب طه محمد الشاذلي تمثالاً وسطاً، حالماً منذ الطفولة بمثال الضابط "الناصري" أو السباعي (نسبة الى يوسف السباعي "الضابط"، على ما كان يوقع قصصه الأولى)، ومتسابقاً ومستذكراً وساهراً ومصلياً طاهراً وعفيفاً ومحباً بثينة السيد، جارة السطح ورفيقة الطفولة والمدرسة والصبا، وكاظماً الغيظ، ومترفعاً عن الإهانة – لم يبق ألا رمي المعدن الصافي هذا وبلّه في حمأة الاختبار وأتون الانفتاح والفساد و "الضلال" السياسي والاعتقادي. وحساب الراوي أو نهجه في القص ليس اختبارياً، على وجه الدقة. فـ "بروتوكول" الاختبار مغلق، ولا يحتمل نتاجاً غير ذاك المقدّر والمعلوم. واكتمال شرائط المثال، أو التمثال على ما مر، إنما هو المقدمة التي يريد القص ان يبني عليها أو يستنتجها حكماً في ضراوة "أهل" السلطة" و "أهل" المجتمع، أو "سكانهما". فلولا الضراوة هذه لما انتهى شاب من صنف الشاذلي الابن، دماثة واستقامة واعتدالاً، الى القتل والموت ثأراً من الإذلال الاجتماعي، والتحطيم النفسي الجسدي، والنفي من الإنسانية – في مجتمع يعرف الإنسانية بالكرامة المعنوية والرمزية وينزل "العيب" منزلة القتل. وموازنة الكفتين، كفة الفتى وكفة عوامل الإفساد والتضليل المسلطة عليه، يفترض فيها ان تقيس قياساً مجرداً وذهنياً، أي طبيعياً فيزيائياً، قوة عوامل الإفساد والتضليل.
وغلقُ "بروتوكول" الاختبار، وتحجير هذا على نتيجة واحدة، يحول دون حمل فصول الحوادث والوقائع التالية، والمفضية الى انخراط ابن العم الشاذلي في جماعة جهادية ثم الى مهاجمة الضابط الذي عذبه ورعى انتهاكه، على فصول ابتلاء، على معنى ديني أو أخلاقي. فتخرج قصة طه الشاذلي، وهو "رافد" بارز من روافد "نهر" الرواية المفترض، من الاختبار الروائي، واحتمالاته وجوازاته، على نحو ما تخرج من الابتلاء وإيحاءاته الخلاصية والإيمانية. وباب الخروج المزدوج هذا واحد، هو "بطولة" القَصَص الشعبي وملاحمه القتالية والأخلاقية. فالبطل المتوسط، والمتكتل كتلة معنوية متماسكة، يُلبسه الراوي صفات التمام والكمال البسيطة في معرض قص واقعي وطبيعي (على المعنى الأدبي الاصطلاحي) تقريباً له من مثال يجلو فصائل "الفارس" العامي الأخلاقية والدينية على تمامها وكمالها المتوقعين. ولا تخالف آداب السينما والتلفزيون والصحافة و "كتابتها"، ولا آداب السياسة المحلية، على وجهيها السلطاني والمعارض الخلاصي و "الخوارجي"، القصص الشعبي البطولي. فهي تشترك في نصبها خارجاً مفارقاً تلم منه بالحوادث والوقائع، وتُكتل الحوادث والوقائع وتحجرها انصاباً وأصناماً ومعاني ناجزة.
وليس انقلاب الفارس العامي مقاتلاً منتقماً انحرافاً عن مثال بطل القصص الشعبي، على وجهيه ومذهبيه. والحق ان الانقلاب هذا يستعير من "فكر" الرواية، على قول ناقد ومؤرخ أدبي معاصر، ومن "صورتها" المحدثة والبورجوازية الأوروبية والأميركية، رسمه. فهو يتعقب آثار دخول "البطل"، الصادر عن قيم الشرف والإقدام والعدالة وأحكام عملها الموجعة، "العالَم"، السفلي (تعريفاً) والمنفك من "سماء" القيم والصور. والتمثيل بـ "دون كيخوتيه" على الصدور والورود هذين، على خطى صاحب "نظرية الرواية"، جورج لوكاتش المجري، يكاد يكون مدرسياً. واشتباه معاني الحوادث والوقائع، والناس في ثنايا هذه وتلك وفي سياقتهما، هو ذريعة القص على وجه الرواية المحدثة، والباعث عليه. فالصدور عن قيم أو معان سامية وسابقة يقضي في من يصدرون عنها، حين مسارح السعي ولدت ناساً عاميين مختلفين وأحكاماً نثرية وذرائع تتماسك على منطق نفعي "تافه" – يقضي بعشي النظر واشتباه المعاني معاً. فلا يسع "البطل" المحدث والعامي، وهو ينتسب الى عالم دنيوي قوامه المنافع والأهواء في الأحوال كلها، الإقامة المزمنة، على غابر شأنه، (بـ)مقام البطولة الحربية والأخلاقية. وأوكل القصص البطولي الشعبي الى الشطار والزعار من العامة، على الضد من الأشراف نسباً وعملاً، التقلب بين أظهر العالم السفلي وأقنعته وحيله وتشبيهه. فثبَّت القصص، من هذه الطريق، انقسام الدنيا والناس طبقتين يحجز بينهما حاجز "عرقي" وكينوني، تتقاتلان قتال إفناء وإبادة، وقد تتداولان مرتبة "الأمر"، وهي مرتبة وجودية أو كينونية في عالم القصص وفي بعض الفقه السياسي الإمامي وفروعه المقاتلة والناطقة المعاصرة، على شاكلة مداولة الليل والنهار.

الحقيقة والتمثيل

وتجري "عمارة يعقوبيان" في تناولها سيرة الفتى طه محمد الشاذلي على رسمين: بطولي شريف وعامي وضيع، ملحمي القصد وإخباري النسيج وصحافيه أو تلفزيونيه (من باب متفرقات "البيبول" والمسلسلات). وتتوالى السيرة فصولاً. وفصلها الأول انفصال بثينة السيد، الجارة والرفيقة والحبيبة المرجوة والزوجة، وانحراف طريقها، على معاني الانحراف الكثيرة، عن طريق طه المستقيم. وانفصال بثينة ذريعة تشبيه تخلي الراوي، هنيهة سريعة ونادرة، عن موضعه الغفل من القص. فبعد لقاء طه ببثينة، وهو في طريقه الى كشفه "المصيري"، في مشهد "تعبيري" وتصويري تقليدي، يركب الشاب سيارة تاكسي. ويتأخر فكره أو خاطرته في "تغير" بثينة وفتور مشاعرها بإزائه وتحولها عنه، عن الواقعة نفسها. فيفترق الجاران والرفيقان، "تنسحب" هي وتمد يدها مصافحة "وتتحاشى النظر إلى عينيه (وتقول) بلهجة عادية رسمية: بالتوفيق إن شاء الله" (وكانت لتوها "هتفت بحرارة"، و "قالت بحنان صادق"، و "تطلعت إليه بعينيها العسليتين كالمندهشة")، "بعد ذلك فكر طه وهو جالس في التاكسي ان بثينة تغيرت ناحيته". وقد يحمل القارئ تفكر أو تفكير طه على تناول جانبي، على المعنى السينمائي والفوتوغرافي، لما يروي والعبارة عنه عبارة جزئية ومقيدة. فيكذِّب الراوي ظن القارئ تكذيباً قاطعاً. فالفكرة لم تكن فكرة، على معنى تقليب الرأي في أوجه جائزة، بل هي"حقيقة لا جدوى من تجاهلها". والحقيقة هذه ليست استدلالاً ولا استقراء، وهي لا توسِّط قرائن ولا تجمع وقائع، ولا تجر الى تحقيق ولا الى رواية تحتمل انقسام الرأي. فطه "يعرف (بثينة) جيداً وتكفيه نظرة واحدة لكي ينفذ الى أعماقها وهو يحفظ عن ظهر قلب كل أحوالها...". وانتهى العارف القلبي والحادس في الأحوال الى الحقيقة على صورة انقلاب من عدم الى وجود. وهي صورة الحادثة نفسها، أي حال بثينة. فالصبية "فجأة تغيرت... حدث ذلك عقب وفاة أبيها...".
وفي اليوم نفسه، وهو يوم الكشف، يتبدد "حلم" ابن البواب بالمرتبة والدور والمثال الاجتماعي والأخلاقي. ويوكل الراوي سرد واقعة الكشف الى ذاكرة الشاب المتحن. فيقول ان طه "يسترجع... احداث ذلك اليوم". وسبق الاسترجاع تمهيد قابل "الفيلم السينمائي"، والاستغراق فيه والانفعال به، بـ "الواقع" والعودة إليه، ونَقَضَ "السينما" أو صالة العرض بـ "الشارع المزدحم بالسيارات والمارة" ولفح "الهواء البارد". ويقص المسترجع في آخر النهار واقعة الامتحان في ضوء التقابل والنقض هذين، وعلى هدي تفريقه السينما من الواقع، وبلوغه مقام الحقيقة، والنفاذ الى الأعماق بنظرة واحدة، على ما فكر في تغير بثينة صباح يوم "الكشف" (وهو اسم صوفي على مسمى روحاني أو "مكي"). ويوجب مقام الحقيقة ان "كل ما حدث... مجرد فيلم، تمثيل في تمثيل...". وعلى هذا، لا تحول رواية الحادثة من جهة طه الشاذلي، وبحسب ما يرى، بينه و بين قص بعض أجزائها من جهة الفاحصين، "اللواء الرئيس" ومقدم الهيئة الفاحصة أو الكاشفة الثلاثية. فاللواء الرئيس علق على إجابة طه بالابتسام، و "هز رأسه في إيجاب صريح" دعا طه الى توقع أمره بالانصراف. و "لكن اللواء الرئيس حدق فجأة في الأوراق". والفجأة أو الفجاءة هذه من مقتضيات وقوع القدر وتنزله على المصائر العامية والضعيفة. ومهد التحديق الفجائي لكشف اللواء، هذه المرة، عن "حقيقة" طه، وهي "مهنة والد(ه)". وبددت حقيقة المهنة سينما الحلم. ونطقت الحقيقة بلسان بثينة و "علمها" الذي علمها إياه "الشغل"، وهي كانت موضوع علم طه بحقيقتها: "البلد دي مش بلدنا يا طه. دي بلد اللي معه فلوس".
ويمضي طه على تبديد "التمثيل" والأقنعة التي تحجب الحقيقة عن أعين الحالمين الواهمين، بينما تمضي "عمارة يعقوبيان" وفروعها وروافدها الأخرى، من جهتها أو جهاتها، على استعراض الحقيقة والتمثيل عليها، وعلى أعيانها الاجتماعية والسياسية والأمنية. فيكتب الممتحن الراسب الى "سيادة الرئيس" رسالة شكوى وتظلم يدعي فيها على "سيادة اللواء رئيس لجنة الاختبار بكلية الشرطة" بالسرقة. واحتج لدعواه بحديث نبوي صحيح. وشفع الدعوى بالانتساب الى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، سُلَّم "أولاد الكبراء" الى العمل الديبلوماسي. والصلاة في المسجد، حين رفع آذان الظهر، هي فارق "الطلاب الأغنياء (من) الفقراء"، والعصا التي تشق البحر كتلتين، واحدة من "خريجي مدارس اللغات وأصحاب السيارات الخاصة والملابس المستوردة والسجائر الأجنبية"، وهم قطب "أجمل البنات وأكثرهن أناقة"، والأخرى من "الطلاب الفقراء (المتلاصقين) كالفئران المذعورة". وذلك على قسمة تبويب وترتيب لا توسط فيها. ويقطع طه على "شكله" خالد عبدالرحيم. و "(يحبه) جداً ربما لأنه فقير مثله أو هو... أفقر منه"، وقطعاً "لأنه عميق التدين" و "(يستحضر) الله بمعنى الكلمة". ويقود خالد عبدالرحيم صديقه طه الشاذلي الى أصدقائه في المدينة الجامعية، وهم "ريفيون وطيبون ومتدينون وفقراء جميعاً". و "يفهم" طه من طريقهم ان "المجتمع في مصر مجتمع جاهلية لا مجتمع إسلام"، على قول سيد قطب الأشهر، وفتواه في التبديع والردة.
وتتداعى حلقات الدعوة والدعاة، وتسلم الحلقة طه الى تاليتها من غير التواء. ويقود خالد عبدالرحيم زميله وصديقه ومحبه الى الداعية الشيخ شاكر، إمام صلاة الجمعة في مسجد أنس بن مالك بميدان التحرير. وفي المسجد يسبح المريد الجديد في "جو اسطوري وصادق ونقي". ويدخل حلقة "المقربين" الى الشيخ. ويستبدل ملابسه الإفرنجية بالزي الإسلامي، ووجهه الحليق بلحية "أعفاها فمنحته مظهراً مهيباً وقوراً"، وشخصه القديم بشخص آخر جديد، و "روحه" القديمة بـ "روح جديدة قوية متوثبة". فتخفف من "التضاؤل والرهبة والانكسار أمام السكان". وأشركه الشيخ شاكر في تجارة الكتب الدينية، فلم يحتج مذ ذاك الى مداهنة أهل العمارة. و "طلق" بثينة و "طلقته": "دا انت حتى بقيت ملتح وملتزم وأنا بالبس قصير وعريان... شكلنا ما يلبقش على بعض". ويشركه شيخه في "مظاهرة كبرى في الجامعة" ويدعوه الى قراءة "ميثاق العمل الإسلامي". وفي التظاهرة "يستشهد" خالد حربي، ويعتقل مخبرون، "ثلاثة رجال ضخام"، الناشط الإسلامي. وينهش "كلب ضخم" في قسم التوقيف "في صدر (طه) وعنقه". وينهال الضباط عليه بـ "الضربات والركلات" قبل القارعة: "ألقوا به منكفئاً على الأرض وبدأت أكثر من يد... تنزع عنه ملابسه الداخلية... وثبتوا جسده بأيديهم وأقدامهم وامتدت يدان غليظتان فشدتا عضلتي إليته وفرقت بينهما وأحس بجسم صلب ينغرز في مؤخرته ويقطع أنسجته الداخلية...".
ويخرج طه من المعتقل الى لقاء الشيخ شاكر في "طبعة افرنجية"، كناية عن لباسه المتخفي والمتنكر، ويجاهر برغبته في الثأر من الذين "هتكوا عرضـ(ـه)"، والانتقام من الذين "قتلوه في المعتقل". والقتل هو التأنيث: "كانوا يسمونني فوزية... وكانوا كل يوم يضربونني حتى أقول امامهم: أنا امرأة واسمي فوزية". فلا يريد بعدها ان ينسى ولا ان "يعيش". و "فهم طه ان معارضة الشيخ (شاكر) له في البداية كانت حيلة لاختبار قوة عزمه". وفي الصحراء، وراء الجبال، يسافر طه وشيخه الى "مجموعة بيوت صغيرة مبنية بالطوب الأحمر (...) أشبه بشوارع المناطق العشوائية"، هي قاعدة الجهاد. وفي القاعدة، في إمرة الشيخ بلال، يتعلم طه "بإذن الله كيف يأخذ حقـ(ـه) وينتقم من الظالمين جميعاً". ولا يفصله عن مقتله المحتم إلا زواج هوليوودي برضوى، أرملة أحد "الشهداء" السابقين. ويتوسط سقوط طه الدامي مقتل حاتم المثلي بيد عبده الصعيدي، وزواج زكي الدسوقي، الدونجوان المتداعي، ببثينة السيد، العاشقة التائبة، في مطعم مكسيم "الملكي" السابق.
ولكن روافد القص الكثيرة والمتزامنة والمفترضة متضافرة، لا تلزم القارئ بشبكها، ولا تدعوه كتابتها التقريبية والرتيبة الى شبكها أو الى تعقب أصداء الرافد في الآخر. وعلى مثال سيرة طه محمد الشاذلي، في وسع من شاء إخراج السير الأخرى من مواضعها المتناثرة ودمجها في سير متصلة قائمة برأسها. وبعض الروابط بين السير، مثل "رابط" بثينة، تبقى ضعيفة، ولا تتطاول الى الحوادث، ولا الى الناس. والرابط المعلن – العمارة، وآصرتها المدينية والاجتماعية والزمنية، والوقت، جيل "الانفتاح" وأولاده (في اثناء حرب الخليج الثانية ورد صدام حسين عن الكويت) – لا يرتب تضافراً، ولا شبكاً، ولا اختياراً كتابياً. فيجمع الكاتب فنون القصص الشعبي، القديم الشفهي والجديد المصور ومتفرقاته، "الملحمة" والمشهد الكوميدي والمشهد العاطفي والدرامي والمشهد البورجوازي اليومي...، من غير حرج ولا ضيق ولا تركيب. ولعل هذا "أدب" الانفتاح، بدوره.

الخميس، 15 أبريل 2010

تآكل النظام الإقليمي العربي بلا تعريف للوحدات الوطنية

 الحياة 14/4/2010
استبق الأمين العام لجامعة الدول العربية، ووزير خارجية مصر سابقاً، عمرو موسى، انعقاد الجامعة في سرت الليبية، فحاضر في جمهور جامعة الروح القدس، المارونية اللبنانية، في ذكرى تأسيس الجامعة. وأراد الأمين العام المحاضرة، عشية القمة العتيدة، مطارحة عامة وجامعة تناولت قضايا المنظمة الإقليمية، شعوباً ودولاً و «عروبة» مشتركة، ومحلها من أطوار العالم الأوسع. ولم تسعف نتائج القمة ولا مناقشاتها المعلقة والمبتسرة الأمين العام على بلورة بعض مقترحاته وأفكاره التي أراد التمهيد لها في محاضرته اللبنانية. وجاءت النتائج والمناقشات على شاكلة علاقات الدول والشعوب و «العروبة» بعضها ببعض، وتغلَّب الإغفال على الإعلان، والالتباس على التوضيح والجلاء، والتهرب والتورية على صوغ الخلافات ومواجهتها.

وقد يقال إن هذه جميعاً من طينة الدول الوطنية التي تجمعها الجامعة، وطينة شعوبها وهويتها وسياساتها منذ نشأة الجامعة وإطارها الإقليمي المشترك قبل ستة عقود ونصف العقد. و «تقرير» الأمين العام التمهيدي، أو محاضرته، يتقلب في أحضان الالتباسات والترجحات التي يشكو «العمل العربي المشترك»، وهو اسم حالم على مسمى بائس، من إغفالها، والسكوت عنها. وربما أسهم طموح المحاضر الى صوغ «رؤية» مترابطة لمشكلات منظمته في بروز معضلاتها المستعصية. وركن «الرؤية» تعريف الجامعة ودورها ومحلها من العناصر والعوامل التي تأتلف منها. فهو يذهب، على خلاف الوقائع والاختبارات والامتحانات (أو المحن)، الى ان الجامعة هي «بيت العرب» و «مركز القرار الجماعي العربي». ويمزج التعريف الطموح والقصي والمغرق في التمني، بتعريف متواضع يقصر الجامعة على «منتدى مناقشات».

وشتان بين نحوي التعريفين ووجهيهما. ويعلل المحاضر فعل إيمانه بالمنظومة، و «ضرورة وجودها»، بعلة هي «ما تفرضه الضرورة على شعوب هذه المنطقة وحكوماتها في أن يكون لهم منظمة ترعى شؤونهم...». والعلة هذه غريبة على لسان رجل سياسة أو رجل دولة مفترض. فمناقشة دور جامعة الدول العربية، وتعريف هذا الدور، ليس موضوعها الضرورات التي تقتضي وجود جامعة إقليمية و «قومية»، بل إن موضوعها هو اضطلاع المنظمة الإقليمية العتيدة بالدور المفترض أو المقتضى «الضروري». فإذا استقوى أمينها العام على وصف دورها، أو تعريفها، بالضرورات الموضوعية، بقي عليه، أو على المنظمة وأبنيتها وطرائق عملها وأصحابها، القيام بموجبات الضرورات الموضوعية، والوفاء بإلتزاماتها. وتتردد في التعريف الوظيفي والهيكلي هذا أصداء زعم «قومي» يحمل السياسة، و «قرار(ها) الجماعي» و «المركزي»، على ثمرة طبيعية وتلقائية ناجمة عن طبائع وضرورات و «روح» و «جذور» (فيكتب: «والحفاظ على التراث، أي أن نظل عرباً» بإزاء «التحديث»، وهذا من أهومة الهوية العروبية وهواجسها وكوابيسها). فيحتج الزعم الطبيعي لدعوته العربية المعتمرة بإنجاز «الكيانات المتنافرة»، الأوروبية، «كيانات كبيرة». وهذا قرينة على الحط بالسياسة الى درك العصبية.

ويغفل أصحاب الزعم الطبيعي، أو بعضهم، عن مترتبات يسوغها هذا الزعم، ويجر إليها، وأولها تصدي بعض «أصحاب» الهوية الى التمثيل على «الطبائع» القومية وروحها وجذورها، واستجابة ضروراتها، فوق غيرهم من شركائهم في الهوية المشتركة و «الإطار العام للأمة»، على قول موسى (محامياًَ عن ضم الأكراد والأمازيغ وأهل جنوب السودان الى العرب). ولعل هذا التصدي - وتصنيفه الدول أو الأنظمة على مراتب من الأصالة والوطنية، وإدراك مصالح «النظام» العربي الحقيقية، والجدارة بقيادة سياسته - في صلب أزمة جامعة الدول العربية المزمنة، وأزمة العمل العربي المشترك والمفترض. فزعم قيادات دول أنها مؤتمنة، فوق غيرها، على قرار عربي جماعي ومركزي ركنه «قضية» كبرى، بمعزل عن المنازعات السياسية والاجتماعية والفكرية داخل الكيانات الوطنية وفي علاقات بعضها ببعض، هذا الزعم ينتقص من سيادة الدول المتفرقة، وينيط ببعضها، أي بقيادة بعضها، الوصاية على بعضها الآخر، أو على أجزاء أهلية و «قومية» من بعض هذه الدول.

ويكتمل الخلل ويبلغ تمامه، إذا جازت العبارة، مع إرساء قيادات حاكمة عربية مشروعية قيادتها، أو غلبتها الداخلية، على تصديها لأعباء القضية الكبرى، «القومية». فيُنكر على الفلسطينيين أو على اللبنانيين أو على الأردنيين أو على العراقيين أو على المصريين، بحسب الأوقات والظروف والأحوال، وبذريعة انقسامهم ومنازعاتهم، الحقُ في معالجة منازعاتهم من طريق قوانينهم الأساسية وهيئاتهم. ويُنكر الحق في المنازعة والخلاف على أهالي الكيانات، وأولها الكيانات المتصدرة و «المفتاحية». ويُفترض أن المنازعة والخلاف - ومتعلقاتهما من حريات رأي وقول واعتقاد وتجمع وامتلاك وأمان بضمانة الدولة ورعاية حقها العام وأمنها وقضائها، ومن حقوق متساوية في هذه كلها - تَطاولٌ على السيادة والقيادة، وعلى صدارة القضية الكبرى. فتستبقي القيادات «القومية» من عدة السياسة الظاهرة، و «الحديثة»، الانتخابات والهيئات التمثيلية واختصاصات السلطات والنصوص القانونية والدستورية، وتملؤها بمادة سلطانية وعصبية تقسم «الشعب» على مراتب النفوذ والحظوة والامتيازات والعوائد الفعلية والمستترة.

وعلى قدر ما يزوِّر هذا الضرب من السياسات العلاقات الداخلية، على وجوهها، ويموه التسلط والانفراد والإكراه، يصبغ العلاقات «الخارجية» الإقليمية، وهي علاقات دولية أو بين الدول، بصبغة تزوير عام ومخيم، ويحملها على لعبة أقنعة مسرحية تفضي غالباً الى ما أفضت إليه قمة سرت. وجامعة الدول العربية مظهر من مظاهر لعبة الأقنعة هذه. فهي تنهض على التباس الوطني بالقومي، والقومي بالوطني، التباساً غير معلن يحول دون تمييز المستويين واحدهما من الآخر، ويجعل تحديد المسؤوليات والالتزامات مستعصياً أو مستحيلاً. فمن وجه يقول الأمين العام أن الجامعة «تحترم السيادة الوطنية»، وإنها «جامعة للدول، وليس في ميثاقها ولا أنظمتها ما يمنحها سلطات فوق سلطات الدول الأعضاء». ويخلص الى أن نظامها هو «نظام تعاون تعاهدي». وهو يرد عن الجامعة تهمة لم يتهمها بها أحد، وهي التدخل في الشؤون الداخلية، ومصادرتها سلطة فوق سلطات الدول الوطنية... فما يؤخذ على الجامعة هو تقصيرها عن حماية الدول الوطنية العربية، الواحدة من الأخرى، وإلزام الدول كلها مناقشة علاقاتها الإقليمية المتبادلة على «مائدة» المنظمة الإقليمية، والسعي في نقل العلاقات البينية والمشتركة من ميدان موازين القوى الى ميدان معايير المصالح المتبادلة على أساس المساواة والندية والتعاقد الحر والإلزام من غير إكراه.

وما يحصيه المحاضر «الجامعي» من أزمات عربية انفجرت في الأعوام الأخيرة، من الحرب على الإرهاب وغزو العراق والحربين الإسرائيليتين - العربيتين (لبنان وغزة) وحروب اليمن والسودان والصومال الأهلية، يتعمد إغفال الشطر العربي من عوامل اندلاعها، ومن عوامل استمرارها ودوامها وتقلبها بين أطوار مختلفة. وهو حين توسط في بعض مراحل الأزمة اللبنانية غداة اغتيال رفيق الحريري، وحين تمخض الاغتيال عن ذيول محلية وإقليمية أبرزها حرب صيف 2006 وهجوم كتلة حلفاء سورية وإيران على الدولة والأهالي والهيئات، نبه الى «الطبقات الأربع» التي نجمت الأزمة عنها ويقتضي الحل معالجتها. والطبقة العربية والإقليمية في القلب منها. ويلمح، في محاضرته، من طرف إيمائي الى «انقسام قيادات» و «خلافات ثنائية»، والى «النظرية العدوانية» (صفة ينفيها عن «العروبة» و «اكتساح الكيانات الوطنية» المترتبة على النظرية المفترضة، و «العوارض العرقية والعنصرية»، و «التشرذم»، و «السلبية الكامنة»، و «تنازع الإرادات العربية»، و»الاسفين» الطائفي... والإلماح هذا يصدر في معرض نفي أو استدراك أو اشتراط. ولا يخص المحاضر المسائل التي يلمح إليها بمعالجة يقفها على هذه المسائل، ولا يصلها بالإنجازات المشتركة التي يعددها، ويمدحها، ويغضي عن حدودها وقيودها. فيرسم لوحة انطباعية من غير إطار متماسك وجامع يتيح وحده للمواطن ترتيب المسائل، وتقدير الأفعال ووجوه تأثيرها.

ويتحاشى المحاضر في لائحة مقترحات ترمي، على قوله، الى «خلق وتنظيم المصلحة العربية المشتركة التي تحقق التقدم والازدهار»، وتتقدم التقرير، تخصيص الدول الوطنية، كيانات وشعوباً وسيادة، والإقرار بها، ببند على حدة أو مادة برأسها. وتجنب المحاضر إفراد الدول الوطنية العربية ببند يثبت سيادتها واستقلالها الوطنيين والداخليين، ويوجب على الجامعة ودولها احترامهما، ويشترطهما مقدمة لكل عمل مشترك، يلقي ظلال الريبة والشك على جدية المقترحات السبعة، وعلى سابعها وآخرها على وجه التخصيص («ضرورة أن يكون بند الإصلاح والتحديث، وتكريس مسيرة الديموقراطية وحقوق الإنسان بنداً رئيساً على جدول أعمال كل عمل عربي مستقبلي»). فتشخيص المصالح المشتركة العامة، وإحصاء الصداقات والعداوات والتحفظات، وتسمية دول الجوار، والإشارة الى الأزمات، ليست ما يشكل في نظام إقليمي أو عليه، وليست ما يعترض قيامه وبلورته تدريجاً. وإنما تنشأ المشكلات من الخلافات المشروعة على تعريف العوامل والأدوار وقواعد العلاقات الناظمة. ومعاهدة فيستفاليا الأوروبية، في أواخر النصف الأول من القرن السادس عشر وفي أعقاب «حرب» الثلاثين عاماً المذهبية بين دول الكثلكة ودول الإصلاح، لا تزال المثال الذي تقتدي به الأنظمة الإقليمية الواقعية.

فالشرط الذي ينهض عليها نظام إقليمي فاعل، لا يتستر على نوايا ومبانٍ توسعية بوليسية وقاهرة، هو تعريف الوحدات السياسية التي يأتلف منها، ومن أدوارها وإسهامها، النظام المرجو. ونهض النظام الفيستفالي على تولي الدول و «الأنظمة» السياسية تدبير الشؤون الدينية الداخلية وحدها، على رغم اشتراك رعايا (قبل المواطنين) بعض هذه الدول بمعتقد واحد، أو انتماء بعض هذه الدول الى كنيسة، أو رابطة كنائس، واحدة. وإقامة «العروبة»، أو وكالتها الفلسطينية، مقام المعتقد الديني، ومذاهبه وملله - وهذا ما يبدو الأمين العام مقراً بها من غير خطابة غنائية - فتحت الأبواب على مصاريعها بوجه سياسات إقليمية زرعت وحصدت ولا تزال تزرع وتحصد حروباً أهلية وصدوعاً داخلية متناسلة. وجامعة الدول التي لا ترى بعض «دولها» غضاضة في دعوة جماعات أهلية وحزبية الى تمثيل «شعبها» في المحفل الرسمي، أو يستقبل رئيس دورتها من تتهمهم دولهم ومفوضو هذه الدول بالقتل والاغتيال الجماعيين وبإرهاب المدنيين، أو تندد بعض قيادات دولها بجماعات أهلية في الدولة الأخرى وتدعو الى تغيير أنظمة هذه الدول «برمتها» - مثل هذه الجامعة يتساءل المواطن عمن تجمع، وما تجمع، وعلامَ تجمع إذا جمعت.

الأربعاء، 7 أبريل 2010

الأنساب جهاز التذكر القومي العربي والمشرقي وآلة السياسة الامبراطورية والسلطانية

التوحيد والتضمين النَّسَبيان ذريعة الى طلب عبودية مستميتة
النهار 4/4/2010
كان إدمون رباط جاز الثمانين قليلاً أو كثيراً في 1989، غداة إذاعة وثيقة الوفاق الوطني في أعقاب أشهر من الحرب اللبنانية - السورية ومناقشات البرلمانيين اللبنانيين في منتجع مدينة الطائف السعودية، يوم استجاب رجائي إبداء رأيه في التعديلات الدستورية المترتبة على الوثيقة العتيدة. وحين أُدخلت مكتبه، وهو مكتبته، في مبنى بشارع بدارو، أو أحد الشوارع المتفرعة عنه، حسبت أني أغرق في ظل قريب من العتمة لولا تكذيب النهار الذي خلفته لتوي ورائي شبهةَ الظلام. والأرجح ان انقطاع الكهرباء، ودكنة الكتب الكثيرة المجلدة على الرفوف والرابضة على الطاولات الواطئة وعلى الطاولة الكبيرة في صدر الغرفة الأرضية وفي مقابلة النوافذ، وانزواء الرجل على مقعده المتحرك وراء الطاولة، هذه كلها تضافرت على تعتيم الغرفة. ولما هممت بالدخول، وتركتني المرأة التي استقبلتني عند باب المكتب، أوصتني وهي تتمتم خجلة وحيية ألا أطيل على الرجل المسن والمريض وألا أرهقه.
واضطررت، لخجلي وحيرتي، أن أبحث عن الرجل الذي جئت ألتمس رأيه، وقَبِل متلطفاً إبداءه على رغم المرض والعقود والحرب. ورُفع لي إدمون رباط، فجأة، على كرسيه، أبيض البشرة والرأس، مائلاً الرأس على الصدر، وعلى قميص ناصعة الزرقة ومكوية كياً مستوياً لا غضون فيه ولا تردد. ورحب الرجل بضيفه. وأراد ترحيبه صادراً عن أريحيته، وكرم استقباله ونفسه ورغبته في المنازعة الحية والجدال، وليس عن جسده المرهق والمكبل بالسنين والشلل النصفي والنطق المستعصي. وتحادثنا قبل تناول موضوع الزيارة العاجل. وأردتُ إخباره، وأنا لم تسبق لي معرفة به ولم أوسط أحداً بينه وبيني، كيف قدِّر لي أن أعرف بعض ما كتب في فتوته الباريسية، في عشرينات القرن العشرين، وأن أقرأ ما لم يقتصر على شهرته فقيهاً في الحق الدستوري، وشارحاً أحكام الدستور اللبناني في صيغه المتفرقة والمتعاقبة.
وبدا الانتباه على الوجه المتعب والأملس، وفي العينين الحائلتين، متحفزاً. وعرت القسمات ابتسامة خفية سرت بين الرجل وبين نفسه، وافتر بها الفم المتحفظ والمرتعش. وقلت له ان كتابه الأول هذا، ورسالة "اجتهاده" في القانون والسياسة، عرَّف القومية "فعل تذكر"، وعلى هذا فهو "مصدر" تعريف ميشال عفلق القومية العربية، تلية نحو عشرين عاماً، بالكلمات نفسها. والتعريف العفلقي هذا سارت به الركبان، على قول العرب معظمين شيوع الكلام وفشوه (من بعد) فشواً إذاعياً وتلفزيونياً ورقمياً جامعاً. ويرجح المصدر الرباطي، الحلبي السوري، المصدر الإيطالي الموسوليني والفاشي، على ما أحسب، على رغم تستر المدرّس الأرثوذكسي الدمشقي على مصدره "الوطني" أو البلدي، وطلبه لإلهامه أو حدسه نسباً افرنجياً عالياً و "مجيداً"، أو ظنه مجيداً. فلما قلت قولي هذا، ولم أقصد به المديح إلا موارباً، وعلى وجه دون وجه أو وجوه ليست من باب المديح ولا من قبيله، طفح الوجه الشاحب بحمرة خفيفة وتهلل غير متكتم على سرور الرجل. وبدا ناسياً "سبقه" الذي زففت إليه خبره وبشراه متأخراً 60 عاماً، وغير دار بخبر (تعريف) عفلق واقتفائه خطوه ومثاله. فسأل: هل قال هذا حقاً؟ أو لم ينتبه احد الى القرابة؟
ولم تثنِ الإشارة الى الفاشية الإيطالية والموسولينية، وإلى صبغها عشرينات القرن العشرين بصباغها المقيت والقبيح، فقيه الحق الدستوري والمؤرخ عن الاسترسال بعض الوقت مع سروره. وتناول الحديث اموراً أخرى ومسائل قريبة، منها أو فيها مسألة الوحدة القومية (العربية ضمناً). فقال إدمون رباط في أواخر صيف 1989 اللبناني – العربي، غداة نشر تقريري اللجنة الوزارية العربية الثلاثية في "حوادث" لبنان و "وساطة" الوزراء الثلاثة بين الرئيس السوري وقائد جيش بلده الأعلى في سوريا ولبنان يومها، وبين اللبنانيين- قال ان الوحدة لا تنفك من الضم والقسر والعنف، وهو على هذا لا يؤيدها، ويعارض السعي فيها ما لم تقبل عليها الشعوب من غير تحفظ ولا انقسام أو نزاع، على ما يستحيل فعلاً وحقيقة.
وكان هذا قبل عام من محاولة صدام حسين، التكريتي العراقي العفلقي، "توحيد" الكويت والعراق، أي دمج الكويت في العراق قسراً وبالإكراه. وحين غزت قوات صدام حسين الأراضي الكويتية، وبددت الكويتيين وشردتهم، هلل للتوحيد القسري والمدمر والغادر ناشطون عفلقيون في لبنان، كانوا في عداد قيادة بعثية "عراقية" قبل ان ينقلبوا "فلسطينيين" خوفاً من القوات السورية واستخباراتها، وينقلبوا من "فلسطين" الى "سورية الأسد" ورصدها واستطلاعها، ويقيموا على ولائهم الصدامي و "كوبونات" نفطه، على التوالي ومعاً. و "اعتذروا" للعنف والدمار اللذين لحقا بالكويت والكويتيين، ولم يعتذروا عنهما، واحتجوا لاعتذارهم، أي تسويغهم وصدوعهم، بشهادة إدمون رباط: الوحدة القومية تقتضي إعمال العنف. وأسقطوا، بديهة، تتمة ما قاله الشاهد المؤرخ والمنخرط في ثلاثينات القرن في الحركة الوطنية السورية، والمستقيل منها طوعاً حين اختار "الانضمام" الى دولة لبنان، وانتخبه وطناً، وتولاه دولة وسيادة و "نظاماً".

مبنيا التذكر والمتذكرين

وعلى هذا، جمع المحامي ورجل الحق والقانون والمؤرخ، والمهاجر من الداخلية السورية العربية الى لبنان الجبل والساحل، جمع بين قومية فعل التذكر وبين إنكار عنف التوحيد القومي. وأقول "جمع" تعويلاً على صدور قولين مختلفي المسالك والمترتبات عن رجل واحد في وقتين متباعدين. وهو حين احتفل بسبق مقالته مقالة صاحب حزب البعث العربي الأول في القومية (العربية) لم يعرب عن موضوع احتفاله أو باعثه على الاحتفال، ولم يقل انه مقيم على رأي رآه يوم كان شاباً وطالباً. وحين أنكر العنف القومي والتوحيدي، وانحاز الى الانفصال و "القطرية" الكيانية دفعاً للعنف اللازم عن التوحيد القومي، لم يرجع في رأيه القديم الذي لم يتعرفه، ولم يوله عنايته ولم يخصه باهتمامه، ولم يُسَرّ إلا بسبقه ميشال عفلق إليه من غير ان يعلم.
ومهما كان من أمر المحامي وفقيه الحق الدستوري الراحل في رأييه، فالحق ان تعاقبه وصاحب البعث العربي القومي على التذكر تعريفاً للقومية العربية (المشرقية) "مفعم" بالمعنى والكناية، على شاكلة ما يمت بسبب الى الطوية المطوية على ثناياها الحارة والحميمة. ويوكل الرجلان، على فرق ما بينهما وفرق ما صارا إليه، الى "فعل" واحد، نفسي و "وجودي" (من وجد على معنى شم وأحس وذاق، وهي أفعال ذاتية وجدانية ناجمة عن ازدواج النفس ذاتاً تَحِس وذاتاً محسوسة)، القيام بأحمال كيان جماعي وتاريخي، معنوي ومادي، على النحو الذي يتجلى عليه الكيان الراجح والثقيل هذا على مدى الأزمان وربما الدهر ("الرسالة الخالدة" في الخطابة العفلقية). فيتولى الكيان الضعيف والهش، وهو نفس المتذكر، المنقلبة ذاكرة أو تذكراً (وهما ليسا شيئاً واحداً)، إحياء الكيان الجماعي والتاريخي "الضخم"، على قول المتنبي في أبي "أمه" (جدته)، وبعثه وتجديد قوته.
والسحر الخارق الذي يضطلع به في هذا المعرض التذكرُ والمتذكرون، وهم ليسوا فرداً على رغم السند الوجداني النفسي، مرده الى مبنيي الذاكرين وما يتذكرون. فالمتذكر أو الذاكر (العربي) يخرجه تذكره اليوم من عزلته وانقطاعه، واقتصاره على نفسه وحاله وضعفه، ومن انشداده الى حاضر يُشبِّه حضورُه أو مثوله الحسي الممتلئ البداهةَ والمتانة والحقيقة.
وعلى هذا، فتذكر الذاكر القومي ليس هوى، على معنى الانفعال والتخلية بين النفس وبين التأثر بمؤثر من خارج. وليس حركة نفسية، نطاقها أو مسرحها النفس المنطوية على نفسها، تتلقاها هذه من داخل، وتغشى النفس على نحو ما يغشاها الحلم أو النعاس أو الأسى أو عض الندم، وعلى نحو ما يعصف بها قلق تجهل مصدره أو تهذي بما "يرد" عليها ولم تستمد "وروده"، على قول تصوف عامي. ويخرج الذاكر من العزلة والانقطاع والاقتصار على النفس والاستغراق في الحاضر الى رحاب الجماعة العظيمة أو الضخمة، وإلى رابطة الأمة القومية والوثيقة ثقة الأوتاد المتينة والرواسي الراسخة في الأرض (والأرض هذه، على هذه الصورة، تُشْكل على القومي العربي، "المقيم" في نسبه ودمه ولغته وفتوحه ودينه، بينما يستمدها القومي "السوري" والمشرقي التمثيل على الثبات والدوام والصدور عن "نظام" يتخطى الفرد الضعيف والآفل). والأمة لا تموت، ولا تزول، وتنهض بعد كبوة أو سبات أو زلة أو تخلٍ أو انحطاط أو خيانة. ولكنها تنبعث وتتجدد وتقوم من الأنقاض والرماد والرميم.
والذاكر القومي في متناوله هذا كله، أي الخروج من العزلة والضعف والانقطاع والحاضر، لأن ما يتذكره هو من "طبيعة" أو طينة أو "فضيلة" تسوغ فعل السحر هذا. وما يتذكره، ويسوغ فعل السحر، هو الأمة أو النسب القومي الجامع والفاعل. فموضوع التذكر، أي الأمة، ليس ما يتوجه عليه التذكر من خارج، أي من المتذكر المنفصل، بل هو نفسُ المتذكر وأخص خاصه، أو خصوصيته العميقة والباطنة، وقد استيقظت من "فترتها"، أي من انقطاع نبوتها وحركتها الناشطة وديناميتها المنشئة عالماً. وحالُ الأمة في التذكر القومي، وفي المتذكر، توجبها على هذا النحو "النظرية" القومية العربية والمشرقية، ويوجبها مرتكزها أو صاحبها ومصدرها "السوري"، وهو المتناثر أقواماً ومعتقدات وتواريخ وثقافات وطبقات وأقاليم وبلاداً وأهواءً متفرقة ومختلفة تعصى الائتلاف الطوعي والتلقائي من غير قسر وتسلط خارجيين.
وصاغت "النظرية" القومية العربية والمشرقية ما يتذكره الذاكرون (وهو الأمة) على مبنى يقوم من مبنى الذاكر أو المتذكر مقام المتمم والمضاف المستوفي التتمة والإضافة. فتنهض الأمة في المتذكر وذاكرته القومية كياناً جامعاً ومؤلِّفاً (على خلاف عزلته). وتسبق لحمته الكيانية انفراطها أفراداً وتذررها آحاداً (على خلاف الاقتصار على النفس والحال)، وتستبق جواز الانفراط وتحول دونه وتحصن المتذكر منه. وتجمع الأمة في الذاكر القومي وذاكرته الأوقات المتفرقة في التاريخ المديد على صورة تدمج المواضي والأزمان والأيام الآتية في حاضر واحد مجيد وقوي وماثل في جسد ومعنى هما جسد الأمير ومعناه اللذين لا ينفكان واحداً (على خلاف الانشداد الى الحاضر والاستغراق في لحظته الهشة والمترجحة). فينفك تذكر الذاكر القومي، من طريق الأمة التي يذكرها على صورتها هذه أو المبنى هذا، من الهوى والانفعال والحركة النفسية وغاشية الحلم والهذيان بما "يرد" على النفس. ويعتصم تذكره (وهو الأمة مرة أخرى) بالجماعة العظيمة أو الضخمة، وبرابطة الأمة القوية والوثيقة والراسخة في الأرض (أو/ أي في النسب واللغة والدم والفتوح والدين).

"الحياة" والسلطان الامبراطوري

وعلاقة الذاكر القومي العربي المشرقي بما يتذكر هي علاقة دورية (من الدور في المنطق) أو دائرية تامة. فيخرج هذا الذاكر، وهو على تفرقه وضعفه واستغراقه في الحاضر، من أحواله المحبطة والمهيضة هذه بواسطة ما يتذكر. ويخرج كيانُ الأمة الفاعل من النسيان والعطالة التاريخية من طريق هذا (الصنف من) التذكر ومن طريق مثال المتذكِّر أو الذاكر هذا. فينقلب الفرد جماعة، والواحد جميعاً، "متحداً"، في صيغة الاسم وليس الصفة، على حسبان انطون سعادة (الاجتماعي) الآلي أو الميكانيكي. وتحيا الجماعة في الواحد أو الآحاد بحياة تتعالى على (الحياة) العضوية. فالحياة العضوية حياة منفصلة ومتفرقة في أفراد أو وحدات متعضية، ومستقلة بإيظاف أو عمل وظائفها، وبرجوعها الى وسطها أو بيئتها وتفاعلها معه (أو معها). والحياة "القومية" على معناها في "النظرية" القومية العربية المشرقية وعلى محلها منها، تستعير من الصورة العضوية التكامل والاتصال والتداعي (الاستجابة) والبناء المرصوص، ولكنها تقحم عليها نفي الآحاد والأفراد والأجسام المتعضية المنفصلة، أو هي تدمج (هؤلاء وهذه) في شروط استوائهم الأولى، وتغلب الكل على الجزء، على منطق جميعي هو نواة المنطق الديني الكلي والمرتبي الصلبة، وهو نواة منطق السلطان الإمبراطوري والبنية الإمبراطورية.
ويتعدى التزام التذكر القومي العربي السلطانَ الامبراطوري الميلَ الى الصور التاريخية الامبراطورية المجيدة، والاعتزاز بقوتها وفتوحها وعلوها المفترض، قيماً وإنسانية وعلماً وسيفاً، على أصحاب السلطان الحاليين أو أسياد اليوم. والالتزام هذا لا يقتصر على الثأر من أسياد اليوم المفترضين، ومن ركاكة سيطرتهم وهمجيتها. فيقرأ السيد عمر كرامي – شقيق رشيد كرامي رئيس الوزراء الطرابلسي ووارث تاريخ المدينة "الشامية" و "السورية الساحلية" على قول والده عبدالحميد كرامي، ورئيس الوزراء غداة الفتح الأسدي في 1990 ثم في ولاية إميل لحود الممددة التي اغتيل في اثنائها رفيق الحريري – يقرأ الرجل في خطبة مكتوبة بين يديه، فيقول: "نحن الغالبون على مدى اكثر من 14 قرناً ولن تغلبنا بعد اليوم خديعة القرن العشرين، قرن أميركا المشؤوم. وأقول لكم، مخالفاً كل الأدبيات المكررة حول الاستعمار، بأننا نحن الاستعمار، ونحن المستعمرون الأصليون، ونحن من فتحنا الأقطار والأمصار ونشرنا العدالة وأقمنا بنيان الرقي الإنساني وطبقنا للمرة الأولى في تاريخ البشرية قاعدة: لا إكراه في الدين... كانت أوروبا التي تلقي علينا دروساً في الحضارة تتخبط في النازية والفاشية وتقود الكرة الأرضية الى حروب ضارية أنهاها الأميركي بقنبلته الذرية، مفخرة سلطان الدنيا ومخترع الديموقراطية..." (صحف 21 آذار اللبنانية).
والمنطق الامبراطوري السلطاني الغالب على ركن التذكر القومي العربي المشرقي وعلى جماعات المتذكرين، يتطاول الى بنيان الوحدات السياسية، وإلى علاقات الأجزاء بالكل، وبعضها ببعض. والمنطق والبنيان واحد. فصاحب السلطان في الامبراطورية، أو في السلطنة، هو جزء مادي من الامبراطورية، وبعضها، من وجه. وهو كل الامبراطورية، مكانة وسلطاناً ومعنى، من وجه آخر. والتمثيل العثماني على هذه الحال واضح. فالسلطان، رأس السلطنة وخاقانها، هو حقيقة وفعلاً "صاحب" الأناضول، أوسع اقاليم السلطنة، وجابي التزاماتها، وأمير محاربيها. وتجمع الجباية، شأن النفقات، في ديوان الخاص، العائد الى السلطان لا يشاركه فيه أحد. ولكن السلطان نفسه هو رأس السلطنة، وجامعها، ومستودع "وحدتها"، وعلة الوحدة وركنها. والجزء لا ينفك جزءاً، ولا يضم الأجزاء الأخرى إليه، ولا ينفي كياناتها ولا جماعاتها ولا دوائرها. فهو يتوجها، ويقرها على حالها، شطراً أقل ومرتبة أدنى. وعلى هذا، فهو الأول والأعلى والمقدَّم، وإليه يعود التمثيل على وحدة الكل، المعنوية والرمزية فوق المادية. فتترجح علاقات الجماعات الجزئية بعضها ببعض، ومنها الجماعة المقدّمة و "الأسرة الحاكمة"، بين المساواة وبين المرتبية الكينونية والحادة (ويمثل أحد دارسي المساواة والمرتبية على هذا باليدين، اليمنى واليسرى، فيقول أنهما متساويتان في حالهما المشتركة ولكن اليمن تتقدم اليسرى مرتبة ومكانة و...تيمناً).
وما سرى البنيان والمنطق الامبراطوريان وغلبا، حلا محل النسب، وجمعا الفرق والهوية الجزئية والمنفصلة (في الإطار الجامع) الى الوحدة والهوية المتصلة والجامعة. فلا ترى الجماعة الأدنى، أي إحدى الجماعات الدنيا، غضاضة في نزولها مكانتها المتأخرة ما حُملت هذه المكانة على التمثيل على الكل الامبراطوري والنسبي. والانتساب الى الكل الامبراطوري، يشبه الدم والصلب والاسم، ويجمع المتفرقين والمتباينين مرتبة وطبقة وشرفاً على سوية الإضافة الى الكل ووظائفه وأدواره، والتمثيل على الإضافة ولو على مقادير شديدة التفاوت. فيسع الجماعة الامبراطورية، أو من يتوهم من أفرادها الإقامة على نسب امبراطوري، القول: إننا من "القوم" الامبراطوري، على معنى نسب الولاء والالتحاق والاستتباع في آخر المطاف. فيكتب جورج خضر، الأسقف الأرثوذكسي اللبناني: "... أحسسنا في بدء المسيحية أننا قائمون في الامبراطورية الرومانية التي هي ذاتها بيزنطية. وسلكنا بعد الفتح الإسلامي على اننا ننتمي الى دار الإسلام في حكمها وليس في دينها. وهذا ما أوضحناه للأمويين لما أدرنا شؤونهم المالية وبنينا لهم أسطولاً في ميناء طرابلس وهم احترموا عقيدتنا وشعائرنا (...) الولايات العثمانية في بلاد الشام كانت تعرف موهبة الروم الأرثوذكس على مستوى الإدارة والمال" ("النهار"، 13 آذار 2010). وفي الأثناء يستدرك الكاتب: "هناك أقلوية معنوية. لا تجبروا عليها الطائفة الرابعة من البلد".

فعل الانتساب

والنسب، وهو أنساب على الدوام، هو جهاز التذكر القومي وآلته الحية والعضوية. ورسم التذكر القومي على رسم النسب والانتساب، إصعاداً وإعلاءً وإيغالاً الى ابتداء، واتصالاً به، ونفياً للفروق، وإثباتاً للمراتب والفروع، وضوياً للمتفرق والمتفرع في أصل وتحت اصل، وتعقباً لآثار الماضي في الحاضر والآتي، وحملاً للحاضر والآتي على الماضي الأبعد فالأبعد، وتنقلاً بين الأوقات رواحاً ومجيئاً وكأن بعضها يعاصر بعضاً أو كأن ما كان إيذان أكيد بعودته وانبعاثه وقرينة على دوام الحياة في ما يبدو رميماً. والمنتسب، شأن المتذكر القومي، فرد في صيغة جميع. ونسبه هو جسره الى جماعته، أو عشيرته، كلاً وجميعاً وأبعاضاً وأفراداً، وهو سلمه إليها وإليهم. ويُبعث النسب في فعل الانتساب. وهو (النسب) أولاً، وليس آخراً، فعل الانتساب هذا وشرطه الإجرائي، وإن لم يقتصر النسب على فعل الانتساب وإرادته وجهره.
ويحضر النسبُ فعلَ الانتساب على شاكلة حضور الأمة وتاريخها فعل التذكر القومي. فالنسب، شأن الأمة، ليس تقريرَه أو إيجابه المجرد من امتلائه بالقيمة والمثال. وهو دعوة حارة ومحمومة الى الجدارة بالتحدر منه، وإلى استقامة التحدر القح وصليبةً، ونفي الاختلاط والهجنة والتوليد. ويستيقظ النسب في المنتسب على نحو انبعاث الأمة وتجددها في "أبنائها". وتنسب الأفعال الكبيرة والمجيدة إليه. فهو مجترح الأفعال وصاحبها الحقيقي. والمثال القرآني والإلهي المشهور ينفي الفعل (الرمي بالنبال والإصابة) عن فاعله ظاهراً ويحمله على الله (الأنفال، 17). ومقام النسب الصريح، والتذكر العميق، من الفعل المجيد ومن تاريخ الأمة السياسي ("فتوحها") هو مقام إلهي حكماً. وليس يغيب المقام الإلهي عن خواطر مداحي الأفعال "العظيمة" العربية. فذهب من ينوب عن الحرس الثوري الإيراني، والحرس عربي في هذا المعرض ومشرقي فوق المشرقيين العروبيين الأقحاح، الى نعت حربيه على إسرائيل، شمالاً لبنانياً وجنوباً فلسطينياً، بـ "الإلهيتين". ولم يشك اردنيون إسلاميون في ان رامي حذاءي منتظر الزيدي على جورج بوش الابن، في آخر زيارة الى بغداد، لم يكن الصحافي نفسه، وهذا لم يكن إلا ذريعة الرماية أو محلها وآلتها. والأنبياء هم "المقول بهم" ما يوحى إليهم، على ترجمة يازجية للتوراة.
وقد يبدو التعليق أو الشرح هذا تذييلاً ميتافيزيقياً على أحوال ومقالات سائرة وعابرة. والحق ان تواتر الأحوال والمقالات هذه، وتربصها بالمنعطفات "الكبيرة" والحوادث "الصغيرة" جميعاً، واضطلاعها بدور يوهم بدوام الفاعلين والأفعال والمرامي والغايات والنتائج، هذه كلها تدعو الى تذييل يسأل عما يعيد الأحوال والمقالات على بدئها أو بداياتها، ويقيدها بقيد لا فكاك لها منه. وفي الحوادث "اللبنانية" أو ارتكاساتها العروبية و "الإسلامية" القريبة، شواهد على قوة القيد النسبي القومي، وعلى سلطان التذكر "البعثي".
وفيما يبدو سجالاً مع ما تقدم، أو رداً عليه، يصدِّر خطيب الجماعة الخمينية المسلحة في لبنان ما سمته الصحافة "وثيقة حزب الله الثانية" (صحف 2 كانون الأول 2009)، بإثبات "أولوية الفعل وأسبقية التضحية" على "تصورات ومواقف... وآمال وطموحات وهواجس" جماعة الخطيب وقومه وأهله. والاحتجاج بسبق الفعل التصور، وبقيام الفعل من التصور مقام السند والمصدق، يماشي، في وقت أول، ظناً مشتركاً وسائراً عممته ثقافة غربية تاريخية تحمل العلم، والتحقيق "العلمي" واليقين، على التجريب والاختبار. وهذه لازمة في خطابة القيادات الحرسية الخمينية. فهي تستدل استدلالاً قاطعاً، وتريده "ضرورياً" ودافعاً للشكوك، على رسوخ غاياتها ومقاصدها وإنجازاتها في أرض تاريخية صلبة ومنيعة. وينبغي ألا يتعاور الاحتمالُ الإنساني والمخلوق الحتم الإلهي الذي لا راد له. فبعد تمجيد "التحولات الواعدة" – وهي ليست أقل من "ارتقاء" الجماعة الشيعية المسلحة الى "قيمة عالمية وإنسانية يجري استلهام أنموذجها والبناء على إنجازاتها في تجارب وأدبيات كل الساعين الى الحرية والاستقلال في شتى أنحاء المعمورة"-، وبعد إثبات "عالمية... جبهة المواجهة للخطر الأميركي"، يقر الخطيب بأن المواجهة "هي معركة ذات مدى تاريخي (و) معركة أجيال"، تتولاها "شعوب حية ومتفاعلة، وقيادة حكيمة... تراهن على تراكم الإنجازات، وتصنع النصر تلو النصر". وتتربع في قمة "التحولات الواعدة" في الحزام الإيراني جنوب لبنان وفي ضواحي بيروت، نهاية تاريخ نقيض أو معكوسة، "(عمودية) عبر التاريخ"، و "(أفقية) بالامتداد الجغرافي والجيو – سياسي ايضاً". فيجمع البشر في النهاية الموعودة، جنساً وأرضاً، "مستقبل محكوم بعلاقات من الأخوة والتنوع والتكافل في آن، ويسوده السلام والوئام، تماماً كما رسمت معالمه حركة الأنبياء والمصلحين العظام عبر التاريخ، وكما هو في تطلعات وأشواق الروح الإنسانية الحقة والمتساوية".
ويبعث الخطيب التلفزيوني المفوه "الرسالة الخالدة" العفلقية، ويرسيها على إنسانية "بلا ضفاف". ويدمجها في "روح الحياة"، وهي صورة عن عين الحياة التي نهض فيروز شاه (بطل "شاهنامه" في صيغتها العربية الشعبية) الى أقاصي الأرض ووحد أقاليمها في سبيل لقائها. ويدمج أقاليم الأرض في امبراطورية أو سلطنة شاهنشاهية أو نبوية إمامية، لا فرق، واحدة. ويترتب على اضطلاع الخطيب، و "أمته" أو رهطه الأقربين، بإحداث "التحولات الواعدة"، وتفتيح أكمامها، ان يعود إليه ريع "القيمة العالمية والإنسانية" المضافة والعظيمة التي كان نتاجُها، وولائدها، على يديه وأيدي أصحابه ورفاقه المشهورين والسريين. ولبنان، في المعرض الكوني هذا، هو محل الفعل الواصل ختام الملحمة الشاهنشاهية والامبراطورية بمطلعها. وحين يريد الخطيب التلفزيوني والمسلح تعريف المحل بما يليق بدوره الموعود والباهر، يقع على حد نَسَبي ضيق و "صغير". فإذا به "وطننا ووطن الآباء والأجداد، كما هو وطن الأبناء والأحفاد وكل الأجيال الآتية". وهذا قريب من درس معجم اللغة أو كتاب القراءة.
والخطيب لا ينتسب الى تاريخ "وطنه"، بل ينسب الوطن المفترض الى أهله هو وأنسابهم السابقة واللاحقة. وينسب الوطن والأهل الى نفسه ورهطه و "تقديماته"، وهي "أغلى التضحيات وأعز الشهداء". وإذا أرخ، أي تذكر ونسب "وطنه"، لم يبعد تأريخه من بعض تذكر والديه اللبنانيي المولد. ونسب الى نفسه التأسيس الأخير الحقيقي الوحيد: "استعادة الوطن من خلال المقاومة المسلحة". فعلى الأصل المزعوم هذا ارتفع "تحرير الأرض والقرار السياسي من يد الاحتلال الإسرائيلي... واستعادة الدولة وبناء مؤسساتها الدستورية". وسطا على الأفكار اللبنانية، وصادر اللبنانيين، وهو يضمر المسيحيين ومتلبنني المسلمين، عليها. فـ "الأهم من ذلك كله إعادة تأسيس القيم الوطنية التي يبنى عليها الوطن: السيادة والكرامة الوطنيتان، ما أعطى لقيمة الحرية بعدها الحقيقي"، على خلاف بعدها البطريركي والبكركي والماروني "مجردَ شعار معلق". والشعار المعلق زائف، على أضعف تقدير مهذب، وكاذب، على تقدير آخر.
والنسب الامبراطوري، والانتساب الى أمومة "الحياة" أو أبوتها وإلى "روح الإنسانية"، يقودان الى جَبِّ التاريخ، وقصره على تذكر نرجسي متوحد، من غير حوادث ووقائع، ومن غير لبنانيين من خارج الأصلاب وعمود النسب. فلا تعقل حوادثُ ونشأةٌ عن غير "صناعة الموت (والشهادة)". ولا تزن في كفة هذه الصناعة أفعال غير نسبية، ولا قومية، مثل التعلم والإعداد المدرسي (في المدرسة الشرقية الفاتيكانية فوق هذا!)، وأخذ الطباعة والمطبعة عن أصحابها الأوائل و "الأغراب"، واستصلاح الأرض وحرثها وتمليكها الأسر والأفراد وإخراجها من يد السلطان، والخروج من معقل الأهل الأول و "الانسياح" في ديرات الجيران المتروكة مواتاً، ومثل تولي الأهالي في بلداتهم تسيير أمورهم وانتخاب من ينوب عنهم الى التدبير البلدي والمحلي موقتاً ومداورة (بدير القمر وزحلة أولاً)، وإرساء الروابط بين الجماعات على نسيج الأعمال المشتركة والمتشابكة وليس على الولاء المفترض لـ "أمير" متحدر من أشراف السلطنة، والإقرار بكثرة الجماعات والأفراد والمصالح والتواريخ وحقها في المنازعة والمداولة، والصدوع بكثرة الأنساب والذاكرات، ومثل الانتقال من لغة الى لغة، وتجديد اللغة المستأنفة وإحياء اللغة الآبدة، وغير هذا ومثله. ولولا التاريخ هذا لما انتهى إلى الخطيب الخميني المسلح فقه معاني الدولة والدستور والسيادة والحداثة والحرية والتنوع... وغيرها من المفهومات والمعاني التي يحملها، هو ورهطه و "حلفاؤه"، على وجوه غير الوجوه التي تبلورت عليها في سياقات تاريخ اللبنانيين. فالخطيب المسلح يخطب على صفة المواطن، في لغة "لبنانية"، ويعمل عمل (الجزء من) الرعية السلطانية المندوبة الى المغازي وفتوح البلدان والولايات.
والانقلاب من الرعية السلطانية الى المواطَنة، أو المواطنية، اختبار ثقيل، لا ريب في ان رعية آخر، مثل وليد جنبلاط، عانى منه ويعاني الأمرّين. فهو صاحب نسب وذاكرة. ويتقدم نسبه وذاكرته، القومية والشخصية معاً، مواطنته، ويحولان بينها وبين التبلور والحصحصة. فهو، على الدوام، محل دراما عائلية. وروايته هذه الدراما الى شاشة "الجزيرة" في 13 آذار مفعمة، مرة أخرى، بالتفاف الأنساب، وعودتها على بدئها ووراثتها، وتذكرها ونسيانها، وانقطاعها بالقتل والثارات والخصوصية، وانبعاثها من طريق الخوف والأوبة الى النفس والعمومية والتضحية.

الثلاثاء، 16 مارس 2010

الحادثة الإرهابية في رواية جون أوبدايك الأميركية

عمل الرواية يبني الحادثة وأصحابها ومسارحها... تخصيصاً وتوسيطاً واستعارة فارقة
المستقبل 14/3/2010

يروي جون أوبدايك (1932 – 2009) في "رابّيت مدرَكاً"، 1971، حادثة قتل إرهابية غير متعمدة. والحادثة اقترفها في ولاية تقع بوسط الولايات المتحدة، في 1969، أشباه من كانوا يقتلون السود في الخمسينات والستينات المنصرمة، في ولايات الجنوب الأميركي، من بيض الطبقات الوسطى و "حلفائهم" وأنصارهم ومأجوريهم المرتثين، والزائلين عن مرتبة مضطربة، وعلى شاكلة قتلهم. وعلى هذا، فإرهابيو الرواية الأميركية الكبيرة ليسوا السود، ولا المهاجرين الجدد، ولا مهاجري الجيل الثاني – بل الرابع، على قول فيليب روث في "(موسيقى) ريفية أميركية" – ولا "العرب المسلمين الأميركيين". وغداة 35 عاماً على روايته هذه، يتناول أوبدايك في"إرهابي" (2006) قصة الفتى التلميذ أحمد عشماوي، المولود من مصري مهاجر ومن ممرضة أميركية شقراء، وإعداده تفجير شاحنة في نفق بضاحية نيوجيرزي. وبين روايتي جون أوبدايك، يقص فيليب روث، في الجزء الثاني من "ثلاثية" ضعيفة الأواصر، نشر في 1997، انخراط ميري ليفوف، بنت سيمور ليفوف "السويدي" وارث مصنع القفازات في نيوارك، في حرب السود على البيض تحت لواء "الفهود"، وقتلها عمداً نساء صادفتهن في "عمليتها". وعلى جهة ثقافية وجغرافية بلدانية وتاريخية بعيدة، عمد علاء الأسواني، "بناية يعقوبيان" (2002)، الى تعقب انقلاب طه محمد الشاذلي من طالب جامعي قصارى أمنيته لباس بزة شرطي الى جهادي مقاتل، من غير ان يقصر تعقبه على الانقلاب هذا.
وتناول قتل إرهابي في رواية، أو عمل روائي، قد يكون امتحاناً روائياً قاسياً. فحمل الجريمة على فاعلها يدعو الى اختصار هذا الحمل في علاقة سببية. وتبدد العلاقة السببية، وما يكتنفها من تعليل نفسي تحليلي (فرويدي) وثقافي ويلابسها من اسباب اجتماعية، الحادثة الروائية. فتنخرط هذه في "سلسلة الوقائع" المولود بعضها من بعض ولادة يستوفي "ولدُها سرَّ أبيه". وعلى هذا، تخرج الحادثة عن سمت الولادة، وعن إضمارها ابتداءً يحيط سلفاً بأقدار المولود ومصائره. والمقارنة بين روايتي أوبدايك، ورواية روث على نحو أضيق، وبين قصة علاء الأسواني، تختبر "عمل" الرواية في مادة الإرهاب، وإنشاءها المادة هذه إنشاءً روائياً، من غير زعم ان المقارنة تحتمل الإفضاء الى استخلاص ما يشبه منهجاً أو طريقة. فهي (المقارنة) ليست معيارية، ولا هي مقايسة أو حملاً على قياس أول، بل هي وصفية وتشريحية ووظائفية، أو هذا سائقها من غير ادعاء انها وفت به والتزمته. والجزء الأول من المقارنة هو بعض عمل في إطار IFPO (المعهد الفرنسي للشرق الأدنى) رعاه فرانك ميرمييه F.Mermier، مدير المعهد السابق.

الإقبال على الالتباس

وتروي "رابّيت مدرَكاً" قصة متماسكة، "بدايتها" القصصية المباشرة، وذريعتها، انفصال هارولد انغستروم وجانيس سبرينغر، وترك هذه زوجها، عامل الرينيوتيب في مطبعة قادمة على صرف بعض أعمالها، الى عشيقها. فيسعى الزوج في امرأة تشاركه فراشه، في انتظار عودة زوجته التي يراها وشيكة. و "يقع" على جيل بيندليتون، المدمنة والهاربة من امها وزوج الأم، وعلى سكيتير، وسيطها الأسود و "مرشدها" الفكري وقوادها. ويحل هذان في ضيافة العازب الموقت على مرأى من ضاحية البلدة وأهلها الجدد والمحافظين. فيريد بعض هؤلاء تأديب المضيف على استضافته نواة "القبيلة" الهيبية، ويوعزون بحرق مرأب المنزل أو يتولون الحرق بأيديهم. فتقتل الصبية في الحريق الإرهابي والمفتعل. ويهرب الوسيط الأسود من التهمة. وتروع الحادثة الزوجة، وتخيفها على ابنها، وفي الأثناء يهجرها عشيقها المريض، فيعود الزوجان واحدهما الى الآخر، أو الى فراش مشترك في غرفة موتيل بضاحية البلدة. وإيجاز القصة على النحو، الأمين، هذا يعريها من معظم ناسها وتواريخهم، ومن معظم الأفعال وسياقاتها، ويسكت عن الدواعي كلها، وعن مصادرها ومواردها، وعن المقالات ولغاتها، والأماكن وخرائطها. ويبدد الإيجاز الفرادة والتواتر على قدر ما يبدد المفاجأة والتوقع، وصدورَ الحوادث عن المنازع القديمة ونجومها عن ظروف طارئة، معاً.
فحين يسأل شرطي يتولى التحقيق في حادثة الحريق المفتعل الذي أودى بالصبية جيل بيندليتون، الضيفة على هاري (هارولد) آنغستروم، الملقب برابّيت، عن الشاب الأسود الهارب، وهو الضيف الثاني في منزل هاري، والمظنون في الحريق المفتعل، يسأله: هل كان الشاب الأسود، هيوبرت جونسون المدعو سكيتير، يرهبكم؟ يجيب صاحب البيت ومضيف الصبية والشاب: "لا، كان يسلينا". وسؤال الشرطي المحقق – وهو يبطن تهمة بالإرهاب تقع على شاب أسود سبق ان حارب جندياً في فيتنام، ويتناول المخدرات الثقيلة ويتجر بها، ويخطب خطابة حادة ومتصلة في حقوق السود ويصور نفسه "مسيحاً منتظراً" – صدى مباشر وآني للوقت الذي تحصل فيه حوادث رواية جون اوبدايك "رابّيت مدرَكاً" ووقائعها، أي صيف عام 1969 وخريفه. ففي الأشهر الخمسة أو الستة الأخيرة من العام وقعت حوادث عرقية في بعض مدن الولايات المتحدة الأميركية، أبرزها مدينة يورك، رددت أصداء اغتيال مارتن لوثر كينغ في اوائل نيسان (ابريل) 1968 في مدينة ممفيس الجنوبية، وخلفت 46 قتيلاً ومئات الجرحى. واتفقت حركة السود الأميركيين على وجوهها المتفرقة، المدنية السلمية والأهلية أو القومية المسلحة والاجتماعية العمالية والثقافية الحياتية اليومية، مع الاحتجاجات الطالبية العريضة على حرب فيتنام والتجنيد الإلزامي، وشيوع مذاهب موسيقية وغنائية ومسرحية واستعراضية احتفالية تؤدى على مثال الشعائر الجماهيرية وتمزج الغناء والموسيقى والرقص بتناول مخدرات وجهر صور "الحب" على الملأ.
ويربط سؤال الشرطي الحادثة الجرمية الملتبسة، أي قضاء الفتاة البيضاء الفتية والهاربة من دار أمها الثرية في حريق منزل تركته صاحبته وألجأ إليه صاحبُه "العازب" الصبية التائهة والشاب الأسود الهارب، بجملة حوادث ووقائع خاصة وعامة، معاصرة ومتواقتة. فالإرهاب، أي تقصد القتل بواسطة الحريق المفتعل، جريمة يحملها الشرطي، وهو الرجل الأبيض المحلي الأشيب الشعر والمتخفف من شارة سلك الشرطة والمكسور الأنف، على فعل يرتكبه مظنونون يدخلون في باب أو فئة. ولا ريب في أن شاباً ملوناً ومن غير عمل ومطلوباً بحيازة مخدر وهارباً متخفياً، يسلك طريقاً لا التواء فيها الى باب المظنونين وكتلتهم. فهو، على قول الشرطي، من سود برِيوير، المدينة الصغيرة التي ولد بها هاري انغستروم ونشأ ويعمل ويقيم ومنزله المحترق بضاحيتها الجديدة، بينْ فيلاس. وسود بروير متصلون، على معنى المواطأة، بسود فيلادلفيا وكامدين ونيوارك، معاقل حركة السود الناشطة القريبة والكبيرة. وراقبت الشرطة سكيتير، المتنازع الاسم بين هيوبرت جونسون وبين هيوبرت فارنسويرث ومن غير هيوبرت في الحالين، وهي على علم بضآلة شأنه ومرتبته. ولكنها أملت في تعقب خطوه الى الكتلة ذات الشأن، والعالية المرتبة في العالم المضطرب بضاحية "الحدود والقوانين"، على ما شعر نلسون، ابن هاري، وهاري نفسه من بعد ("أحس في نفسه تعاظم ما يشبه موجة أو كتلة من عشق القانون"). والواقعة الأخيرة في جملة الوقائع العرقية الملونة التي تقود استدلال الشرطة ومحققيها هي حادثة يورك. ويستدرج المحقق مضيف الصبية التي قضت لتوها احتراقاً، الى متابعته على رأيه في الاضطرابات العرقية، والاجتماعية والسياسية و "الثقافية"، فيخاطبه بسؤال ليس سؤالاً: "لا نرغب هنا في حصول يورك أخرى، على ما أظن؟" وكانت يورك مسرحاً لهرجة أهلية ملونة أطلق سود مسلحون في أثنائها الرصاص من بنادق ومسدسات، واختلط فيها "السياسيون" الناشطون والمنظمون بمروجي المخدرات والبطالين والمسجونين السابقين. والخليط هذا، شأن ما يشكل تمييزه وتبويبه على القانون ورجاله وذراعه، يخشاه رجال الشرطة. وهو مزلق الى التباس الوقائع والفاعلين والنوايا وضياع حدودها ومسالكها، وتالياً الى اضطراب أحكامها.
ويقبل الروائي إقبالاً قوياً، يكاد يكون محموماً على الالتباس الذي يخشاه الشرطي ويعلم انه لا مناص له من الخوض فيه من غير رجاء تركه والتخفف منه، فهو مادة عمله وطينة الحياة التي يعالج عمله بعض شرائحها وأحوالها. وشرطيه، شرطي الروائي – شأن هاري بطله ونلسون ابن هاري وجيل القتيلة حرقاً وسكيتير أسوده وغيرهم – يتحرى وجه الإرهاب، من طريق سؤال صاحب المنزل المحروق عمداً عن ترهيب الشاب المتواري مضيفَه الغريب، بين وجوه أخرى جائزة، تجوِّزها جهات هبوب الحوادث ومصادر هذه الحوادث ومسالكها الظاهرة. فهو يستجوبه (أي يطلب جوابه)، قبل الإرهاب، عن علة المادة الحارقة في مرأب السيارة، وعن حيث كان ساعة ارتكاب الجريمة والذين يسعهم إثبات صدق قوله وذريعة براءته، على رسم تدرج تحقيق أولي في جريمة "عادية" (إذا جازت الصفة). وينتقل الى باب سؤال آخر، أكثر تخصيصاً من السؤالين العامين الأولين، يتناول استضافة رابيت الشابة الفتية وصديقها الأسود الهارب. وفي الأثناء، بين السؤال عن مكان الرجل حين شب الحريق القاتل وبين طلب السبب في الاستضافة والداعي إليها، يُعلم محققون على طرف الهاتف سيارة الشرطة الآخر المحقق بثمرة تحريهم صدق زعم هاري وتصديق الزعم. ويستقوي المحقق بالتصديق. فيطرح على المضيف وملجئ القتيلة والهارب سؤالاً يتناول خصوصية غامضة أو مشبوهة، وداعياً جائزاً الى القتل: قد تكون القتيلة حاملاً من مضيفها وأراد هذا التخفف منها، ومن جنينها، فأشعل النار في منزله وقتل مضيفته "الثقيلة"، وأشبهَ معظم الذين يفتعلون تحريق منازلهم عمداً (والملاحظة الإحصائية هذه يدرك رابّيت مغزاها تلية وقت قصير حين يخبره شرطي آخر هو حارس المنزل ان التأمين يعوضه خسائره كاملة" ما دام العقار اشتري من طريق التسليف). فيجيب ان الشابة كانت، شأن بنات وقتها ونسائه مذذاك، تتقي الحمل و "الوقوع" فيه، بواسطة حبوب تحول دونه. ولا يحتاج المحقق الى جملة ثانية تشرح الأولى، وتعقّب عليها. فيدعو محادثه الى التكلم في حالها، وفيما انتهى بها وبالشاب الأسود إليه هو، وإلى منزله وضيافته.

التعريف البوليسي الثقافي

وتوجز الإجابة المقتضبة ما ربما لم يعمل المضيف فكره فيه من قبل. فلا يرى مسوغاً لاستضافته الصبية اليافعة والتائهة، ومدمنة المخدرات الثقيلة وداعية سلام الكائنات الصوفي، غير مغادرة زوجته منزلهما، ولحاقها بعشيقها اليوناني الأصل شارلي ستافروس، الموظف في وكالة أبيها بائع سيارات "تويوتا" اليابانية في السوق الأميركية (وهذا من سمات العصر وقسماته الاقتصادية والاجتماعية). ولم يكن هاري رأى رأياً آخر يوم دعاه أحد زملائه السود في المطبعة التي يعمل فيها جنباً الى جنب مع والده، قبل نحو خمسة أشهر، الى الخروج من انكفائه المفترض على نفسه جراء ترك زوجته منزلهما، وعزيمته الزميل على موافاته الى مقصف وناد ليلي يرتاده السود، لعله يقع على امرأة يضاجعها وتضاجعه، ولوح الزميل الأسود بهذا من قبيل الوعد، وتحل محل زوجته على ما يليق برجل في مثل حاله. فجيل أشبه ببديل من غائبـ(ـة). وهي جرّت الى المضافة صاحبها الذي علقته وعلقها، وكانت الماريجوانا ومن بعدها حقن الإل إس دي صلة عقدهما المدمرة. ويوضح المضيفُ للمحقق ان طرده سكيتير، لو عزم على طرده من بيته، لم يكن ليبقي جيل وحدها في ضيافته ويفصل بينها وبين صاحبها، ولكانت لحقت به وهو واسطتها الى الماريجوانا والحقن في العروق. وعلى هذا، فالضيفان نزلا في ضيافته من طريق فجوة خلفتها المرأة وراءها حين غادرت البيت ولحقت بعشيق "رد(ها) الى نفسـ(ـها)" و "جلا(ها) على حقيقتـ(ـها)"، على قولها في لغة الوقت النسوية، ورطانته السائرة والشائعة.
وكان شرطي أول التقاه صاحبُ المنزل وولده حال وصولهما الى المنزل المشتعل – بعد دقائق من مهاتفة سكيتير الهارب هاري المدعو الى عشاء ببيت بيغي فوسناشت الجارة والصديقة، وإبلاغه خبر الحادثة قبل هربه – تولى تحقيقاً أولياً في الهويات وتعريف الأشخاص، بحيال الحريق وإزائه وفي وسط الفضوليين المتجمهرين وجلبتهم ولغطهم. ويعدّ صاحبُ البيت، وهو ينظر الى الحريق والإطفائيين ويداري غضب ولده منه وتهمته له بتخليه عن جيل الى سكيتير وتركه حمايتها منه، قاطني البيت المنكوب ونزلاءه، ويحصيهم ويعرّفهم اسماً وسناً وجنساً وصفة، على مسمع من الشرطي المدوّن. وحين استيفاء التعريف الأولي، وظهور غرابة الجمع في المنزل الصغير بين رب الأسرة وولده الفتي وبين الشابة الفتية والشاب الأسود، من غير معرفة وثيقة ولا صلة صداقة أو قرابة، يفترض الشرطي المدون ان الجمع المتباعد هذا لا يفهم التئامه إلا على مثال رهط المساكنة "الجنسية"، أو قبيلة المساكنة، الذي شاع في شباب حركة الاحتجاج على الحرب الأميركية وجمهور "الثقافة النقيض" واستعراضاتها ومشاهدها واحتفالاتها. فيخلص المدون من تعريف الأربعة – انغستروم، وولده نلسون المولود لهاري انغستروم وجانيس المولودة سبرينغر الغائبة، وجيل بيندليتون المؤودة في البيت المحترق والقادمة من مدينة ستونينغتون بولاية كونيكتيكيت، والمدعو سكيتير ربما فارنسويرث على ما يظن هاري وربما اسم آخر من بريوير نفسها – يخلص الى ان رابطتهم هي رابطة مساكني رهط أو قبيلة. وقوام الرابطة هذه هو تداول الأقران والأزواج والمضاجعات وتعاطي المخدرات، والتعيش من الاحتيال على "الرعاية"، والإعداد للاحتفالات "القبلية" المشتركة والتظاهرات "اليسارية". ويرد هاري تهمة الشرطي المدون، أي حمله اجتماع الأربعة ومساكنتهم على مساكنة قبلية وينفيها نفياً سياسياً، وهو الوجه الذي يحسب ان التهمة تصدر عنه ومنه. فيقول ساخراً: "رباه، لا! أنا محافظ واقترعت لهيوبرت همفري" (في انتخابات 1968، وهي انتخابات حاسمة خرجت الرئاسة الأميركية فيها من الديموقراطيين بعد ولايتين وفاز فيها الجمهوري ريتشارد نيكسون على المرشح الديموقراطي الرمادي الذي حل محل روبرت كينيدي، بعد اغتياله).
وتحري الشرطة، في هذا الفصل من الاستجواب الأولي الذي تولاه الشرطي المدون تلية اندلاع النار وفي الوقت التالي عن يد الشرطي المحقق، الإرهاب وعنه، على معنيي الترهيب المعنوي النفسي وتعمد القتل ثأراً عرقياً أو تستراً، هذا التحري بوليسي اجتماعي وثقافي سياسي. وسائقه أو ميزانه هو قرب سكيتير أو بعده من مثال الأسود "القومي" الذي تجتمع فيه دواعي الخروج على القانون وانتهاك سنن الحياة "الأميركية" العادية، على نحو ما يصفها جون أوبدايك وصفاً مادياً مستفيضاً. وتراوغ أجوبة رابيت التحقيق المستظهر بالمثال والرسم النمطيين. ورده (على) السؤال المباشر عن الترهيب بالقول ان سكيتير كان يسليهم، نقض على دواعي السؤال، وعلى المثال والرسوم البوليسيين السياسيين المضمرين في السؤال. فالمخدرات وتجارتها واللون والسن والمساكنة والهرب والبطالة والخطابة القومية، إذا صدق المثال والرسم وهما صادقان لأنهما يحظيان بقبول اجتماعي، ينبغي ان تستوفي علة الجريمة او عللها. وهي توجب تهمة من تجتمع فيه، وعليه، العوامل والقرائن هذه كلها. ويذهب المضيف، وهو صاحب البيت والشاهد الأول، الى ان المظنون مسلٍّ، ولا يصلح مسوغاً لتهمة أو ظن يصمد لتحقيق جاد. والقول هذا ينسب الشاب الأسود الى المسرح أو الى المحاكاة الإيمائية والاستعراضية، وإلى فن الخطابة والتشبيه. ويعطفه على الظرف الذي جمعه، هو هارولد انغستروم، بسكيتير المرة الأولى. فهما التقيا في المقصف أو الملهى الليلي، "بار الأصدقاء"، عشية اليوم الذي دعاه فيه زميله الأسود، بيوكانان، الى مقصف لا يغشاه غير السود، ويقوم بإزاء جسر البلدة فوق النهر، بريوير، في بلوم ستريت. والملهى الأسود ("أسود، على ما يرى رابيت، ليس إلا بعضاً من لغة السياسة"، يكتب أوبدايك في مطلع الفقرة التي تُدخل رابيت الى "بار الأصدقاء"، مسرح أدوار وملعب أقنعة وميدان أطوار وأحوال. ورابيت، حين يخطو خطواته الأولى، يبدو في عيون السود التي تستدير إليه وتثبته "رجلاً أبيض كبيراً ورخواً في بزة مناسبة (...) يشبه كرة سلة تنتظر رميها". وأول ظهور سكيتير، في الملهى الى جنب بايب، المغنية و "المامّا" والمومس لقاء 50 دولاراً الليلة، هو في صورة "لسان أجفل رابّيت من بياضه: فم ملؤه لحم أبيض". وتُتمّ صورةُ الفتى "اليافع، وشعر لحيته المجتمع في طرف ذقنه (كأنه) عصارة ما قدِر على إنباته"، القناعَ المسرحي الذي يمثل سكيتير فيه وعليه. واسمه لقب أو اصطلاح مسرحي كذلك. وعلى هذا فهو لا ينسبه الى أسرة أو أبوين أو رابطة تتعقب تحدره وأصوله وفروعه، ويقصره على صحب يتردد إليهم اليوم، ويسمون بالاسم هذا ظهوراته. وترجح الشهرة، او اسم العائلة اللاحق بين جونسون وبين فارنسويرث (وفارنسويرث شهرة زميل أسود قديم، من جيل والد انغستروم، في المطبعة)، قرينة على رجحان الدور والاصطلاح والسيرة وحوادثها على "الأصل" أو الرابطة التي تعرف الاسم والهوية وتعين موضعهما من جملة مواضع. وتتوالى قسمات الصورة الظاهرة. فبعد اللسان الأبيض والفم الممتلئ به وطرف اللحية المجتمع بطرف الذقن واليفاعة، يلم الوصف بجمجمة الرأس الضيقة و "فراش الصوف الأسود السميك قدر بوصة" على الرأس. وتخلل هذا كله تناول المادة المخدرة في لفافات السجائر وتداول اللفافات.

المَسْرحة والأفول

ويرهص اللسان، وبروزه ولونه وكلامه الحاد واستدراج حدته تعقيباً مستشرفاً ("يعود عليك لسانك بالشر يا ولد"، "وقاحاتك احفظْها في عقب حذائك"، يقول له بيوكانان في الملهى)، يرهص بمعظم الدور الذي يضطلع به سكيتير في أثناء نزوله ضيفاً على رابيت. فهو، في الأثناء، لم ينفك يتكلم ويروي ويعلِّم ويشرح ويخطب ويقرأ ويقرئ مواضع من كتب انتخبها وأعْلمها بشارات. وكلامه وروايته وتعليمه وخطبه... هي معظم مادة ضيافته وتستهلك معظم وقت هذه الضيافة. ومسرحتُها هي ركن روائيتها. فالخطب الطويلة وملخصات الكتب إنما هي شروح على الحوادث الكبيرة المعاصرة، وأولها حركات السود القومية والاحتجاجات الحادة على الحرب الأميركية بفيتنام وفصول من الحرب نفسها، ومعلقات ملحمية وتاريخية بعضها هاذٍ وبعضها صاحٍ عليها. والثلاثة، غير سكيتير، هم الجمهور المصغي على تباين مراتب الإصغاء، وهو المؤدي الكاهن والوسيط. وأداؤه أو كهانته، كان موضع أخذ ورد وتأويل. فزعم، في ثنايا بعض المطولات الخطابية وتضاعيف سحب الانتشاء، انه المسيح المخلص. وقبل ان يسر هاري الى الشرطي المحقق ان هيوبرت جونسون أو فارنسويرث، يوم كان يعرفه بسكيتير وحسب ويقنع من معرفته بالاسم المنتحل هذا، ان الفتى الأسود كان يسليهم ولم يكن يرهبهم، كان هاري تلقاء مسرح الفتى وبإزائه جمهوراً كوميدياً. وآية كوميدياه محاكاته اللاهية والساخرة، من غير مرارة ولا إفراط، بعض توقيعات المؤدي الخطيب اللفظية. فهو اعتاد توقيع جمله، وقطع الجمل الواحدة من الأخرى بلفظة يكررها تعني "مفهوم؟" أو "معلوم؟". وهذا التوقيع لم يلبث هاري ان أخذ يرد به على سكيتير، ويحمل اللفظة، وهي "محط كلام" ونافلة من نوافله، على محمل الجد، إمعاناً في مسرحة هازلة.
وحين يمضي المحقق على تأويل "شخصية" سكيتير تأويلاً سياسياً وبوليسياً وقصصياً ينتهي منه الى تحقيق تهمته بالقتل، وافتعال الحريق سعياً في القتل، فينسبه الى الجماعات السوداء القومية والمسلحة، يلاحظ المضيف ان ضيفه السابق والمتخفي بعد الحريق "كان يبدو، إذا أصغى المرء إليه، وقد تخطى الثورة الى ما بعدها، وأشبه المتصوف، وليس مجرماً قاتلاً". وهذه هي الصيغة الجادة للمسلي المسرحي التي ذهب إليها رابيت نفسه قبل دقائق. والصيغة الجادة تتناول سكيتير على الوجه الذي قد يرى هو الى نفسه عليه. ونمت بالصيغة هذه أقوال سكيتير في "الفهود السود"، وبعض أعلام حركات السود ("نحن فتنتك إيها الرجل الأبيض وشطر من أحلامك. نحن كابوس التكنولوجيا، والطبيعة الطيبة واليانعة التي دمرتموها في أنفسكم حين غرقتم في النهم الدنيء. نحن نفايات الثورة الصناعية، ولذا فنحن الثورة التالية"، يقول سكيتير لهاري في ختام مناقشة مستفيضة موضوعها اميركا والسود). ولعل تخطي الثورة الى ما بعدها، وشبه التصوف، هو نفسه ما رآه هاري لتوه تسلية ومسرحاً. وحين يعمد سكيتير الى تعريف نفسه و "حركته" ومثاله التعريف الخطابي الذي يتوسل به، ولا سبيل له الى غيره وهو مترجح بين جمهور مسرحه وخطابته وبين تجارته وتخفيه وأصدقائه، يجمع في التعريف روافد حركة الشباب الأميركية ومنازعها – اللونية العرقية والفوضوية والنسوية والعمرية والخلاصية والبيئية المسالمة و "السياسية". والحق ان هذه الروافد ينبغي تعريفها على وجوه الأضداد: فالرافد اللوني العرقي هو الرد الأسود على "التاريخ" الأبيض، وقيام السود على البيض، وإيجابهم في قيامهم قيماً تخالف قيم "عدوهم". ويصح هذا في الرافد النسوي، وفي إبطال "العقلانية" التقنية... ولا يُخلص من تعريف على وجوه الأضداد، ونفيها اضدادها، الى سياسة تسوغ حزباً ثورياً، على المعنى الذي يقصده الشرطي المحقق، ويفهمه عامل المطبعة في بلدة بريوير. فسكيتير تخطى الثورة الى التصوف. ويريد هاري بهذا انه تخطى السياسة الى ما لا يجتمع في تعريف مركب، ولا يقتضي قتلاً، حقيقةً ومجازاً في آن.
وتناولُ سكيتير على وجه الضيف المسلي والمتصوف، أو على وجه المناضل القومي الأسود والقاتل الإرهابي الجائز، في الوقت الذي يلي احتراق المنزل، لا يستوفي إيحاءات الشاب الأسود الروائية، ولا يلم بالوجه الذي يراه عليه نلسون – ابن هاري انغستروم وبعض من "جمهور" سكيتير القليل وربيب جيل ورفيق نزهاتها في سيارة البورش البيضاء وربما "رفيق" أشياء أُخر – في الوقت هذا. ويطل نلسون (نيلي في بعض المخاطبات) في سياقة الوقائع والحوادث التي تلت الحريق وبلوغ خبره صاحب المنزل وعودته وابنه من زيارته الى جارة قريبة، ويحْضُر الولد الوقائعَ وسياقتها على نحو متنازع ومشكك في والده. فبينما الاثنان، الوالد والولد، في طريقهما الى المنزل المحترق، ويتولى الوالد سوق سيارة "موستونغ" أعارته إياها الجارة القريبة المطلقة ووالدة زميل ابنه، تمر بسيارتهما "كتلة حمراء" هي سيارة إطفاء كبيرة ومسرعة. فتهتز لمرورها سيارة "الموستونغ"، وتنحرف الى وسط الطريق حيث لا تزال ظاهرة بقايا سكة حديد الترامواي الآفلة والمعطلة. فيحسب الفتى ان أباه فقد سيطرته على المركبة، وينبهه الى الأمر. فيجيب الأب، وهو رياضي ولاعب كرة سلة سابق ونجم فريق البلدة قبل نحو 15 عاماً يوم كان في العشرين، يجيب جازماً ومنتخياً: "أبداً. ليس أباك" (ليس من يفقد سيطرته... أباك، أي بأبيك). وقوله هذا هو من بقايا فتوة رياضية ومراهقة آفلة. ومبنى حوادث الرواية أو "فرصة" حبكها الأولى، إنما هو على الأفول هذا وأزمته، في معرض الرواح الى مسرح الكارثة. ويقيس الأفول الفرق بين الحوادث، على الوجه الذي يسع القارئ فهمها عليه، وبين مزاعم الشخصية الأولى في نفسها وعن نفسها. ويطل الولد على الحادثة، وعلى محل أبيه منها، من نافذة انحراف السيارة عن خط سيرها المستوي، وجنوحها الى موضع لا تزال ماثلة فيه آثار الماضي القريب، ماضي البلدة وماضي والده. ويُروى هذا الشطر من الرواية فيما الاثنان رائحان الى مسرح الحريق المتعمد الذي قتل الضيفة الصبية "جزاء" استضافة عامل طباعة الرونيوتيب، المنفصل عن زوجته، الصبية الهيبية والأسود المتصوف، وإعلانه الضيافة على ملأ ضاحية سكنية جديدة تحلها طبقة متوسطة محافظة وخائفة.
ويسبق الولد أباه الى مشاهدة التماع ألسنة النار في الأفق القريب، قبل انعطاف السيارة الى اليمين انعطافة حادة تقود الى شهود حي بينْ فيلاس والإطلالة عليه سريعاً. فينبه مرة ثانية، الأب الى أعراض الحريق واتفاقها مع محل المنزل. فيرد الأب جازماً ان الحي أبعد من الموضع. وينكر ان تكون أعراض اللهب البادية قرينة على حريق منزلهما. ولا تكاد السيارة تنعطف يميناً، وينفرج مشهد الحي، حتى يدرك هاري ان ابنه صدق فيما نبه إليه لتوه، وأن السطح المشتعل "قبة محمرة" هو سطح بيت الأسرة الصغيرة. ويسبق الولد والده، مرة ثالثة، حين يوقف الوالد السائق السيارة على تخوم الحشد الذي يحجز بين المنزل المحترق وبينهما. وتحول كثافة الحشد، على بعد منزلين من منزلهما، بين الأب وبين المضي قدماً وبلوغ المنزل. وأما الولد فينسل ويوارب ويمضي صوب مقصده و "يتوارى"، حين يضطر الوالد الى المدافعة بكتفيه وصدره، والاعتذار الى المحتشدين عن مدافعته يُجهر مِلك المنزل المحترق (على خلاف تواري الولد، ووسع الولد فعل هذا نكرة من غير تعريف). وحين يتوسط الرجل، اخيراً، فناء المبنى المحترق الأمامي، ويشاهد من قرب الشطر المحترق وجمهور المتفرجين من اهل الحي والبلدة، يجمع توسطه، والنظر الذي يتيحه التوسط، أطراف علاقة معقدة يسعه وحده جمعها. و "وحده" هذه تفصله من ولده الفتي. فهو، على خلاف ولده، في وسط "جزيرة الضوء" التي يصنعها "السينمائيون"، وهم مصورو شبكات التلفزيون عند منعطف عقد السبعينات وصحافيوها المتهافتون على رواية الحوادث ومتفرقاتها من طريق الصورة الحية، قبل ان يُنسبوا الى حرفة التلفزيون وقبل ان تلتهم الحرفة هذه السينما. ويدرك الفرقَ السينمائي هذا من بلغ الثلاثين تقريباً في أواخر العقد السابع من القرن العشرين، وعاصر النزول الأميركي على القمر – ومشاهد النزول هي لازمة رواية جون أوبدايك هذه ومعلَمها التاريخي المباشر. وهو يتوسط دائرة الضوء السينمائية أو التلفزيونية، من وجه، ولكنه، من وجه آخر ملازم، "هامشي وبعيد ويغلبه الحنين ومكفوف (الاستجابة)". فمن دخل لتوه دائرة الضوء الإعلامي والتلفزيوني الوليد، ولم يألفها بعد وهو طابع حرفي ومهدَّد في حرفته الآفلة، من هذا شأنه لا عجب إذا شدته مشاعره ومنازعه الى الهامش والماضي والحِدَة، فدخل الحاضر أو استقبله وهو يمشي القهقرى، على قول ماركس وقبله هيغيل في ولوج الجماعات والمجتمعات غير المعاصرة تماماً، وصاحبة "الوعي غير المطابق"، التاريخ الكبير.

البناء على الاستعارة

ولكن الولد يخسر سبقه، إذا صدقت العبارة، حال بلوغه ووالده مسرح العمل الإرهابي وجريمة القتل غير المتعمد التي نجمت عنه. ويسع الوالد رؤيا مشهد الاحتراق، وحمل المشهد وعوامله المتفرقة على صورة مركبة ومعللة، على نحو ما يسعه التأريخ لبعض العوامل (فلاقط التلفزيون فوق قبة القرميد ركب على مرحلتين، فعوضت الثانية تقصير الأولى عن تلافي اشتباك موجات البث والالتقاط مع اجهزة الجيران المتكاثرة) ومقارنة الجزء بالآخر (فاللاقط يهتز تحت وقع ألسنة اللهب اهتزاز "شجرة هزيلة لا تزال متماسكة بخيط ما أو ببعض آصرة تشدها الى جذورها"، وسحابة الدخان الأصفر الكثيفة تخرج من انهيار زاوية المنزل فوق حجرة النوم "رمادية وذهبية، لزجة وذائبة مثل بوظة سكر تنفر من يدي الحلونجي الملطختين"). ويقول الشرطي بصوت مسموع، وهو يكلم نفسه ويجيب غير متعمد ولا قاصد عن رعب الولد والوالد وربما، ان من صادف وجوده في الحجرة، إذا كان ثمة احد فيها، قضى "شواء" منذ نصف ساعة، فيكرر ما سبق ان قاله الإطفائي، "مطمئناً" الولد وأبيه الى ان فتاة نائمة حين ينتشر دخان الاحتراق، ويملأ حجرة النوم، لا بد قضت اختناقاً قبل ان تتسنى لها يقظة. وبينما يكرر الشرطي قول الإطفائي يصيب الغثيان والتقيؤ الولد، فيميل بعضه على بعض، ويخرج من جوفه ما يثقل عليه، وينوء صدره وكاهلاه بحمله وحفظه. فيستدرك الوالد على ما فاته حين بلوغه فناء البيت المحترق وأثبت له ولابنه موت الضيفة الصبية في الحجرة. فلم يملك الولد غير تهمة والده بالقتل، وتهديده بالموت جزاء فعلته. ولحظتذاك، أفلت الولد من والده، وأراد مهاجمته وضربه وركله، ونسبه الى مواطأة سكيتير على قتل جيل. وحامى رجال الشرطة والإطفائيون عن الوالد وأمسكوا بالولد. وأوّل هاري تهمة نلسون، ابنه، على وجه إناسي ونفساني مرحلي: فالولد في هذه السن لا يفقه جواز المصادفة ووقوعها، ويحسب ان كل ما يحدث في دنيا البشر إنما يحدث عمداً وقصداً، والراشدون البالغون وأولهم الآباء، يُسألون عما يحدث سؤال تبعة ومسؤولية. وعزا نلسون موت الفتاة، رفيقته و "أخته" على معنى الشراكة في رعاية الأب (على ما قال الأب للمحقق) و "صديقة" الأب و "ضحية" سكيتير معاً، الى تخلي هاري عن جيل بيندليتون وتركها لقمة الى "الأسود المقيم معنا"، على ما يشرح الولد ويصرخ على مسمع الشرطة الممسكين به ليحولوا بينه وبين مهاجمة والده. ويعزو الولد الى نفسه القوة على تخليص الصبية، وإيقاظها وإخراجها من سريرها وحملها، وهي "الخفيفة على الحمل"، خارج النار والحريق. ويردد الولد مرتين "أعرف ان في مستطاعي" تخليصها. ويحقق الفتى ذو الثلاثة عشر ربيعاً خاطر أبيه في شأن إنسانية المقادير والتحكم الإرادي فيها. يرى نفسه سوبرمان لا يعييه اقتحام النار وسحب الدخان، وإيقاظ "الأميرة النائمة في الغابة" من غرة الحريق المميتة، بينما يشرح الإطفائي لرابيت جواباً عن توقع ابنه او تخيله حيدة النائم عن فعل الحريق وبقاءه حياً، وعن سؤال الأب الأطفائي ("وهذا ضرب من الحيوانات القاضمة المسنة، كث الحاجبين وأسنانه الطويلة تغشاها الصفرة") عما إذا كانت جيل خرجت الى الشرفة – استحالةَ مثل هذا الخروج حين يفاجئ الحريق النائم في نومه.
وحين يقر في روع الولد ان صديقته قضت، وتتسرب الى رئتيه آثار احتراق البلاستيك والدهان وغيرهما من المواد المركبة، يغلبه الغثيان، ويعيد والدَه الى حضانته ورعايته. وينقاد هو الى الرعاية الأبوية، ويخلي "الولد" بين ابيه وبين "لمسه". ويمسك الوالد كتفي ابنه و "يتراءى له انه يحاول الحفاظ خارج الماء على سمكة كبيرة تريد العودة والغطس عميقاً وإلا ماتت". فيعود الأب سند ابنه، ومتكأ كتفيه. ويحنو عليه حنو الأم الغائبة والصديقة التي قضت، فيرد الى خلف رأسه المائل الى أمام الشعر الطويل "النسائي" المنسدل على رقبته "الحارة"، على حسبان الأب الحسي والجسماني، ويجدله شنيوراً أو شينيوناً وقاية من قذارة القيء. ويحاول الأب أن يفيد من عودة الوصلة و "الحرارة" بينه وبين ابنه، فيتذرع بها الى طمأنة الابن، على رغم ما سمع الابن ورأى، الى خلاص جيل من الحريق والموت، وإلى رواحها ونأيها بنفسها بعيداً منهما. والطمأنة المصطنعة والمتعمدة وجه من وجوه حماية الولد – السمكة من الغرق، ومن وجوه موازنة الفرق الكبير والخطير بين "ثقل" الولد، كناية عن تعرضه لموت الصبية الصديقة وعن وطأة الموت، وبين خفة "عظامه"، كناية عن يفاعته ورخص بنيته وهشاشتها. ويبني الكاتب على استعارة السمكة المستعادة، وهو أعملها لتوه، استعارة جديدة تردد صدى الحادثة القمرية المعاصرة: فيكتب ان الحادثة - مقتل جيل في الحريق، وما سبق الحريق من إقامة مشتركة في منزل غادرته "ربته"، وما تخلل الإقامة من "مشاهد" ومن مسموعات - أشبه بصاروخ جوبيتر عاصف وصاعق سندُه، أو بنية ركيزة انطلاقه إثر اشتعال وقوده، ضعيف ويتهدده الانهيار تحت وطأة انطلاق الصاروخ. والاستعارتان ماديتان، الأولى مائية والثانية فضائية هوائية ونارية، على تبويب الصور والمجازات الشعرية تبويباً اسقطسياً. والأولى جسدية ووجدانية على معنى إحساس النفس (بـ)نفسها، وآبدة على مثال الرسوم النمطية، والثانية ذهنية مجردة وتقنية ظرفية. وتترجح كتابة الرواية بين الحدين هذه، وتدعو الى قراءتها على الحدين على رغم تفاوتهما وتفرق منزعيهما.
وحادثة القتل الإرهابية اختبار انعقاد الحدين على رواية حادثة، وروايتها على حدِّ حادثة مروية رواية روائية معاصرة (على ما في العبارة من تكرار آمل ألا يكون لاغياً او لغواً). ولعل تضافر الاستعارتين على رغم منزعيهما الماديين والديناميين المختلفين، على أداء حال الولد المفترضة، قرينة على اضطلاع "فن الرواية (الأميركية المعاصرة؟) بسرد الحوادث الفريدة والمتواترة، المفاجئة والمتوقعة، الصادرة عن منازع قديمة والناجمة عن ظروف ومصادفات طارئة، معاً وجميعاً. ويتولى السرد شبك الناس (وتواريخهم) والأفعال (وسياقاتها) والدواعي مصادرها ومواردها والمقالات (ولغاتها) والأماكن (وخرائطها) على حدود الفرادة والتواتر والمفاجأة والتوقع... ويتولى سلكَ هذه وأولئك، على الحدود وشرائطها، من غير تفريط بالكثرة وبعثرتها واضطرابها ولا قسرٍ على الواحد الجامع والمتصل، من وجه، ومن غير انقياد الى كثرة مرسلة "لا إمام لـ(أفرادها)" او آحادها، على قول بعض فقهاء المسلمين في الفوضى السياسية أو نفيٍ بات وقاطع لمنازع التضافر والالتقاء والانعقاد، من وجه آخر. وذريعة أوبدايك الى هذا تكثير الوسائط، ودوائر الرواية، وتخصيص السياقات على أنواعها وضروبها. فـ "أزمة" هاري، وهي إدراك "أميركا" إياه بعد ان أدركت أباه وهدمته على قوله هو في أبيه، لا تحصى وجوهها الشخصية والعامة. فإلى قلق العروة الزوجية، "جراء" خسارة الزوجين ولداً إذا صح رد القلق والاضطراب الى سبب، وإلى قلق الزوجين البالغين سناً هي حد الانقلاب من حال الشباب الى الاكتهال الجسماني والمعنوي، يبعث على القلق مرض الأم المصابة برعاش باركينسون، وهرم الوالد الخائف من قصوره عن رعايتها ورعاية نفسه وبيته، وبلوغ الولد سناً مضطربة، وتشككه في والده وأهله شأن أترابه، وانتشار الطلاق والانفصال في أوساط زملاء الدراسة السابقين في ثانوية البلدة، وعصف مسألة السود وحرب فيتنام وحركات الاحتجاج و "ثقافته" في الشباب والمجتمع الأميركيين، وفي سياسة الولايات المتحدة، وتطاول آثار المسألة العرقية والحرب الخارجية الى الهوية الأميركية و "وطنية" المهاجرين من الجيل الثاني. وفي الأثناء تنتقل البلدة من طور الى طور، وتنقسم أماكن قديمة (مونت جادج، حيث يقيم الوالدان) وأخرى جديدة (بين فيلاس حيث يقيم الابن ومن هم على شاكلته عملاً ودخلاً)، ومهناً قديمة وأخرى مستحدثة، ويتركها بعض سكانها القدامى ويفد إليها سكان جدد، وتميل عمارة مبانيها الى مواد مركبة، وإلى "الأجنحة" في الضاحية القريبة. وتمثل اميركا البعيدة بعض الشيء، في تلفزيونها وإنجازها القمري وبرامج تسليتها ونشرات أخبارها ولغات جماعاتها (السوداء والنسوية والموسيقية...) وضعف رابطتها العائلية واستقبالها السلع المستوردة من انحاء العالم. ولكن هذا، وغيره، لكان ينقلب اجتماعيات مبعثرة لولا روايته على وجوه المسرحة والمحاكاة والاستعارة، على ما مر.