الاثنين، 4 أبريل 2011

خطابة الديكتاتورية العربية الآفلة و"ثوراتها"في حلّة وأداء مسرحيين وأوبراليّين هازلين ومأسويين

المستقبل - الاحد 6 آذار 2011

كانت خطبة «العقيد» معمر القذافي، في ختام 41 سنة ونصف السنة من الاستيلاء المباشر (1 ايلول 1969 22 شباط 2011)، بياناً مسرحياً، شكسبيرياً أو بيرنديلوياً أو أوبوياً (نسبة إلى «أوبو ملكاً» لألفرد جارّي الفرنسي)، في السلطة والحاكم الفرد والتأله السلطاني الهاذي والعزلة. والبيان الطويل والفذ والاسثتنائي آية من آيات الأداء المتلفز والمباشر، لغةً وإلقاءً وتشخيصاً ولباساً وقيافة و«ديكور» خشبات وأدواراً ثانوية. فالرجل الذي ظهر فجأة على شاشات الفضائيات، قبيل السادسة مساءً (أو الثالثة في توقيت غرينتش)، وتكلم طوال ساعة وربع الساعة، بدا، وهو في السبعين من العمر، إذا صح أنه كان في الثامنة والعشرين حين استولى على حكم ليبيا وطرد الإدريسيين عن العرش، حطاماً إنسياً، وبقية بشرية. ولولا ترويع الأخبار والصور الصادرة عن بعض البلاد الليبية، وأولها بنغازي، ونذر الهول التي لم تتكتم عليها كلمة سيف الإسلام معمر القذافي قبل يومين (في 21 شباط)، لكانت الخطبة المعمرية من أمهات الأعمال المأساوية والمسخرات الهازلة معاً. فالوجه غارَ في تجاعيد بشرة وغضون من غير لون ولا التماع. والقسمات ارتخت، وتراكم بعضها فوق بعض لزجاً وهلامياً، على ما يرى في بعض أشرطة ميازاكي المصورة والمتحركة. وانقلب محور الوجه أو قوامه وعباراته من الطول، على ما هي حال الوجه العادي، إلى العرض. فتراكمت القسمات، الواحدة فوق الأخرى، واقترب بعضها من بعض على نحو غير مألوف في الوجوه. وظهر التحول في الشفتين والفم فوق ظهوره في القسمات الأخرى. فحلت فيه، في التوائه العَرْضي ولعابه واندلاقه على الذقن تحت شعر الشاربين المتفرق والقليل والضعيف، عقود من الازدراء والقرف والكراهية والتجبر والانكفاء على نفس لا نافذة لها ولا شرفة. واعتمر الخطيب المفاجئ، والمتهالك بعضه على بعضه، قبعة قد تكون صحراوية، تشبه شبهاً غريباً قبعات الأمراء والقادة الإيطاليين في تصاوير القرنين الخامس عشر والسادس عشر ولوحاتهما. ولبس صدرية من اللون البني الغامق نفسه، تنتهي في الجزء الأعلى بياقة عريضة تنبسط على معظم هذا الشطر من الصدر. فلم يعوض اللونُ البني، وهو قريب من لون وبر بعض الجمال والنوق، بشرةَ الوجه الكالحة والمغبرة «لهجةً» لونية، على قول صنّاع التزويق وأصحابه. [فرح الاعدام ووقف الخطيب البادي الاضطراب، والحاضر حضوراً طيفياً أقرب إلى تطواف الصدى بين الأقبر في حكايات الجن وعبقر البدوية، في مدخل ثكنة العزيزية وبوابتها الحديدية بطرابلس الغرب. والمبنى العسكري والستاليني العمارة، ضخامة وثقلاً وإرهاصاً بالخراب وامتناعاً من إحاطة الصورة القريبة بأنحائه كلها، ظاهر الخلو من السكان والمقيمين. وهو لا يزال يحمل آثار قصف سلاح الجو الأميركي في 1987، رداً على ضلوع «الأخ العقيد» في اغتيال جنود أميركيين ببرلين. ووقف الزعيم الثوري متداعياً تحت قوس البوابة، وراء منصة عارية نصب فوقها لاقط صوت معدني نحيل. ويحف المسرح الهزيل والمقفر نصبُ ذراع طويلة وقوية وقبضة تهصر طائرة فانتوم أميركية، عادت عدسة التصوير إليه المرة بعد المرة، وترددت بينه وبين بوابة ثكنة العزيزية وواجهة المبنى الخرساء ووجه الخطيب الأغبر، وقيافته الصحراوية والنهضوية الإيطالية. وخطب حوله «جمهوراً» ضئيلاً ومتفرقاً وصفه عبدالرحمن شلقم، وهو وزير خارجية «الأخ معمر» سابقاً ومندوبه الدائم إلى الأمم المتحدة قبل استقالته و «صديقه» بداهة، غداة الخطبة بيومين، فقال: كان القذافي يخطب جمهوراً هو «أطفال أتى بهم من دور الرعاية (...) ومواطنين هم جنود ألبسوا زياً مدنياً«. وتكلم «القائد المؤسس»، غداة تلويح ابنه «السياسي» والديبلوماسي، والمفاوض، ومحرر الرهائن وبيّاعهم في سوق طويلة عريضة حدودها مستشفيات طرابلس الغرب وصوفيا البلغارية وأدغال تايلندا وبرلين واسكوتلندا ولبنان وليبيريا وإيران وسوريا وفلسطين بحرب قبائل وبلاد وديرات وأهل. وهي حرب سبق أن نفخ والده الذي «لا يمس» في مثلها بلبنان، قبل نحو 30 عاماً، وبالصومال وتشاد والحبشة وأطراف السودان ومالي إلى ليبيا نفسها، في العشرين عاماً «الافريقية» الأخيرة. فأوجز، إذا صدق الفعل في خيوط الكلام المتقطعة مثل خيط طائرة ورق مرتجلة، فلسفة ثورته وروحها، وبسط حوادثها ووقائعها وأحكامها، إيجازاً وبسطاً لا ريب في أن صورهما التلفزيونية «عمل» يجب حفظه وتداوله. فالرجل الذي تربع طوال أربعة عقود وبعض العقد على كرسي بلد افريقي شاسع، محوري ومفتاحي (بعد الاستئذان من فاروق الشرع وبثينة شعبان) موقعاً ونفطاً، ومد يديه الطويلتين، وعضدهُما «الفلوس» الغزيرة والسائبة واستباحة القتل من غير قيد، إلى بعض أنحاء الأرض، يبحر في الكلام والمخاطبة من غير دفة ولا شراع ولا بوصلة أو خريطة. فينتقل موج الخطابة المتلاطم بين الجهات كلها، ويتقدم وينكفئ على عقبيه، وييمم شمالاً ويحيد جنوباً، ويبدي ويعيد، ويقطع البداءة والإعادة، ويخلط الواحدة بالأخرى. ويوعد ويتهدد ويستجدي ويستدرج ويهيب ويسلّم وينزل ويعد. وينتصب ويتهالك، ويبدل نظارتيه، ويتفقد قبعته طويلاً، ويسوّي حمالة ثوبه العريضة بين كتفه وخصره. ويقطع الخطابة بقراءة مخطط خطبته، ويشرب من كوب ماء يأتي بها أحد خدمه، ويقرأ في قانون العقوبات الليبي «قبل الثورة». وتقتصر قراءته على «إعدام». ويكرر اللفظة في ختام جمل تصف الجرائم قبل النص الواحد على عقوبتها. ويفرح باللفظة فرح الولد بلعبة يخبئها تحت غطاء يخفيها، ثم يشد الخيط فتظهر اللعبة بعد خفائها، وتهتز أعطاف الولد انبهاراً بسحرَيْ الخفاء والتجلي، واحتفالاً بولادة الكلام الذي يوقّع السحرين توقيعاً منظوماً، ويعاقب بين الساكن والمتحرك معاقبة «قانونية». «إعدام»، «إعدام»، «إعدام»... وكأن هذا هو وجه المعنى وإيذانه وبشارته وعبارته المبينة. وتتداعى الخطبة في هذا الموضع تداعياً مفاجئاً. فينعطف «القائد» صوب حوادث ووقائع دامية ومعاصرة، وقعت في العقدين الأخيرين، مثل مقتلة تيان آن مين ببكين في 1989، وقصف الدوما الروسية في 1992 (وأغفلها ملخص الخطبة). فيرويها رواية «روحانية»، ويستحضرها على نحو استحضار المسحور، أو المربوط الذي حل الجن حركات جسده وعبارات لسانه، خيالاته المعذِّبة. وراوي الكوابيس هذه يرى الآن وهنا ما يرويه. وتغشى رؤاه السوداء والليلية عينيه وكلماته. ويخبر الرجل المتصدع، على شاكلة الملك لير في عين العاصفة الليلية، المنفضين عنه وأعداءه المتكاثرين أخبار حملات قمع دامية جردها حكام طغاة دينغ هسياو بينغ في الصين الشيوعية، وبوريس يلتسين في روسيا النافضة عنها لتوها رداء الحزب الدولة الحديدي، وبيل كلينتون مزعوم هو من بنات دماغ الخطيب المحموم على متظاهرين عزل أو نواب معتصمين في مبنى الدوما. وإذا بلطخات ومعرات تصم سير هؤلاء الحكام وسجلاتهم «الإصلاحية» تنتصب علامات هداية ورشد وفقه يهتدي بها والي حركات السطو والاغتيال والخطف في أجزاء من العوالم العربية والإسلامية (وبعض الأوروبية، من طريق الجيش الجمهوري الإيرلندي و «كارلوس» القاتل الفينزويلي - الفلسطيني...). ويردد السائر على نهج القتل العمد على مسامع «رعيته» بشائر إردائهم بنيران قواته الخاصة و»فيلقه الافريقي»، وقوات أولاده، الساعدي وهنيبعل وخميس، وجحافلهم. وفي الأثناء، بينما يرتجل الخطيب دعواته وتذكيره وتهديده ووعوده، ويتنقل بين الواحدة والأخرى على غير هدى ولا منطق، تُسرّي آلة التصوير عن المشاهد، فتترك الخطيب المفترض يغرق في أَجَمة خطابته ويتيه في شعابها المتشابكة، وتثبت صورها بوابة الثكنة، أو واجهتها، أو نصب الساعد والقبضة والطائرة الحربية. وتلم إلماماً خاطفاً بوجود أولاد دور الرعاية والجنود المتنكرين في زي مدنيين، وبهتافاتهم الناحلة وسواعدهم وقبضاتهم. ويبدد تعثر إلقاء القذافي، وتضييعه خيط كلامه، وعودته المكررة والآلية إلى مسائل سبق تناولها قبل لحظات، وتأتأته، تبدد هذه الإيحاء «الحربي» و «البطولي» الذي قصدت الصور الهزيلة الرمز إليه، والتمثيل عليه. فتنقلب المحاكاة «الثورية»، والبطولية الفاتحة، مشهداً بائساً ومتداعياً يؤديه امرؤ مستعار من مسرح صمويل بيكيت المقفر. فكأنه من «أبطال» «في انتظار غودو» أو «ختام اللعبة» المعفَّري الوجوه بالطحين، أسرى جرار مهشمة ومنزوية تقوم منهم محل الصدر والجذع والحوض والقدمين. [اصل الاستبداد الإرادي فالخطيب الذي يرى نفسه، في مدخل الثكنة الخربة التي قصفتها «القوة العظمى» قبل ربع قرن، وارثَ حرب عمر المختار على المحتل الإيطالي وانتصارات جمال عبدالناصر على الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة والجديدة وعلى «أذناب الاستعمار»، هذا الخطيب لا يرى الفرق بين «وقفته» الأخيرة وبين مواقف الأسلاف العظام، المحدثين والقدماء (عقبة بن نافع وطارق بن زياد وغيرهما من المحاربين والفاتحين الذين سمى باسمهم حامل راية «الفاتح من سبتمبر» القواعد العسكرية التي أخلاها الأطلسيون نزولاً على رغبة العقيد الانقلابي). وغفلته عن الفرق بين مسرحه الركيك والميلودرامي الآفل وبين مسارح الحروب والفتوح والأفعال التاريخية والدرامية الكبيرة قرينة بليغة وجارحة على هزال ما ينصب «الواحد»، على قول إتيين دولابويسي في السلطان المستولي، طاغية فرداً، وحاكماً بأمره ونهيه. وكان لابويسي (1530- 1554) سأل عما يسوغ انقياد الناس إلى صاحب سلطان آمر وناه فيهم، وهم الكثرة والعدد والقوة والرأي واليد المنتجة، وهو أي صاحب السلطان في أحيان كثيرة، قليل الأنصار وخاوي الوفاض من القوة والرأي والتدبير. ويعزو المفكر السياسي الفرنسي رفع الطاغية إلى مرتبة السلطان الواحد، إلى «إرادة العبودية» والانقياد والتسليم، وذلك بإرادة ورغبة تلقائيتين لا مسوغ لهما مسوغاً «موضوعياً»، مثل ميزان القوى وكفاءة القائد وتفوقه، إلخ. فهو قد يكون «عبداً أجدع»، على ما جاء في بعض الحديث، أو رجلاً ضئيلاً وأشوه وأحمق وألثغ، على قول صاحبنا. ولا يحول هذا بينه وبين صدوع الرعية بسلطانه وطاعته، ورفعه فوق مرتبة البشر، وحله المرتبة «العظمى» والمنزلة السامية والمتألهة. ويحقق «قائد الثورة» الليبي الرأي في أصل الاستبداد ا لإرادي والطوعي، على معنى التسليم والتصديق والاعتقاد. وخطبته الهاذية، والمشهد الميلودرامي والأوبرالي الهازل (والمأساوي) الذي اختاره ساحة ومعرضاً، بيان بليغ عن أركان سلطاته أو سلطانه. والبيان القذافي، شأن الأسطورة أو الخرافة ومقارنةً بالتجربة المعللة، «لا يُدحض»، وليس إلى إبطاله ومناقشته سبيل. فهو، من هذا الباب، شكلاً ومضموناً، مثال أنموذجي لخطابة (وخطابات أو مقالات) «القادة» العرب المتسلطين والمؤبدين. وهو مثال أنموذجي لأفعالهم وتصريفهم السلطة المؤبدة التي صنعوها، وتواطأت جماعات بلدانهم على صنعها والإذعان لها. ولعل ركن السلطان المشروع والمطلق الذي ينسبه إلى نفسه معمر ابن المجاهد البطل محمد («من ابطال القرضابية وتالا... المدفون في الهاني») ابن عبدالسلام أبو منيار («أول شهيد سقط فوق الخمس في أول معركة عام 1911»)، وابن أخي الشيخ الساعدي («في مقبرة منيدر») هو تحدره من نسب بطولي «ثوري»، يرتقي بدوره إلى اصل متأله. وما قد يبدو في الكلام السائر مجازاً، وقولاً مرسلاً على عواهنه، ينتصب في خطابه «القيادة» كتلاً من صور وألفاظ وأفكار أو أحكام يترتب عليها إنشاء عالم الحياة التاريخية والسياسية على مثال وشكل بعينهما. وتعريف الرجل نفسه «قائد ثورة»، ونفيه عنه، تالياً، الرئاسة أو غيرها من ألقاب الانتداب أو التكليف أو التمثيل، هذا التعريف يقصد به «قائد الثورة» تخطي الوسائط السياسية، والهيئات والمؤسسات، إلى جوهر السلطة الذي لا اسم له، ولا تمثيل عليه. وذلك أن الاحتكام إلى الرئاسة، أو إلى الوسائط السياسية والهيئات، وإلى الانتداب والتكليف، يلزم عنه تقييد الرئيس ومتقلدي المناصب بقيود تعاقدية وإجرائية دستورية. وهذا ما يسارع الوالي المتصدع والمتداعي إلى نفيه أشد النفي. فيُتبع تجديد صفته «قائد ثورة» بالإيضاح: «والثورة تعني التضحية دائماً وأبداً حتى نهاية العمر» عمرِ قائد الثورة وأعمار أبنائه وأحفاده إلى حين انقطاع ذراريهم بمشيئة علوية ربانية («إلى الأبد»)، في مقابلة ونظير «أجدادي» و «أجدادكم»، و «دماء أجدادنا» الواحدة، أنا وأنتم. وعلى هذا، فالثورة، وصنوها القيادة، لا تقتصر على الإنشاء والتأسيس، أي على الولادة. ومن بعد الولادة على تحرير الأولاد من والديهم، ومن ولايتهم عليهم، وتركهم يبلغون رشدهم وأشدهم أحراراً من غير وصاية أو ولاية مزمنة. فالإنشاء والتأسيس الثوريان لا ينتهيان إلى حد أو وقت. وهذا ما مثلت عليه وتمثل الأسر الحاكمة «الثورية» و «التقدمية» العسكرية، من اليمن إلى تونس، وبينهما علناً أو وراء الستارة العراق (الصدامي بعد العارفي والقاسمي) وسوريا (الأسدية أبداً ودوماً) ولبنان (الحزب اللهي الحرسي) ومصر (الناصرية) والجزائر (البومدينية). [وصلة العالمين ومرجع الإنشاء والتأسيس الثوريين والمرسلين لا إلى حد أو غاية هو التضحية، على قول صاحب النظرية الثالثة، و«قبلة» حركات التحرر العربية والإسلامية والعالمثالثية الثورية وقيادييها ومقاتليها ومناضليها وصحافييها وباحثيها وجامعييها وطلابها وروائييها وشعرائها ونقادها وناشريها. والقيادة الثورية، «دائماً وأبداً» مرة أخرى، أولها تضحية بالنفس والدم والأهل وملك اليمين. ومن يضحي بهذا كله وهو لا يُحصر، ويهبه هبة لا يرجو لها ولا عنها مقابلاً أو ثمناً، يشترط لقاء هبته السخية والكلية مكافأة مثلها، لا يحصر سخاؤها ولا قيد على كليتها. والمكافأة المستحقة هي القيادة الثورية أو الولاية الكينونية، في مصطلح الخمينية ووكالاتها، «حتى نهاية العمر» والأعمار المتحدرة من العمر الأساس والأول. والقيادة الثورية، على الصور القذافية والناصرية والصدامية والأسدية والبومدينية والصالحية والبنعلية، إنما تستحق المكافأة العظيمة وربما الباهظة هذه لأنها فعل يصل عالم الخلق، ودنيا الإنسيين والشاهد، بعالم الغيب والميعاد والبقاء، على ما لا يصرِّح «العلمانيون» ويجهر العرفانيون والمتألهون الخمينيون. وقائد الثورة، المقاوم والمجيد والمقاتل والحر والمجاهد والتاريخي والطاهر والفارس والشهيد «في النهاية»، هو هذا كله في آن، وجامع أسمائه الفاضلة (ولولا الفتنة لما اقتصرت على الفضيلة وتجاوزتها إلى الحُسن)، لأنه عائد من مجابهة الموت، ويعشق «عادة» الشهادة، وقافل منتصراً ومظفراً ومعاهداً. و»ليبيا شجرة نحن نتفيأ ظلالها لأننا غرسنا(ها) بيدنا وسقينا(ها) بدمنا». فالراجع من الموت حياً ومخضباً بدم التنين أو أبي الهول، أو الشيطان الاكبر، ليس حياً كسائر الأحياء وسوادهم وعامتهم، بل هو مبتدئ حياة، ومتعهد حياة وارفة وظليلة بسقايته الشجرة (الأمة) بدمه ودم أبيه وعمه وجده الجاري في عروقه وعروق أبنائه وبنته وأنسبائه الحقيقيين والوهميين. والخطبة المعمرية والعربية النسبية لا تنفك تروي سيرة الموت والبطولة المجيدة. وفصلها الأول، بعد فصولها الأولى التي سطرها الجد والأب والشيخ العم، مداهمته إذاعة بنغازي، وإعلانه «البيان الأول لتحرير ليبيا المحتلة» في «الفاتح العظيم» من ايلول (سبتمبر) 1969. وعلى من قد يستهين ببطولة المداهمة، وإعلان بيان التحرير، أن يعلم هول ما حرر منه البطل والقائد مذذاك «الليبيين والعرب والمسلمين» (وافريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا والعالم، على قوله في مواضع متفرقة ومتواردة من الخطبة). فهو حررهم من «5 قواعد أمريكية (و) 20 ألف إيطالي يحتلون الأرض الليبية من مصراته إلى ترهونة إلى صبراته تحت السلطة المدنية الطليانية (...) وكانت البطنان محتلة بالكامل بالقوات البريطانية، (و) طبرق ترزح تحت السيطرة البريطانية الكاملة«. والحق أن هذا غيض من فيض. وقبل المداهمة وإعلان بيان التحرير كانت «الأرض الليبية» تنوء بأسباب الدمار وأعوانه ودواعيه: وهي «كل الدكاكين والورش وكل الخدمات، وعندهم (الطليان والأمريكان والبريطانيين) أعضاء في مجلس النواب ليبيين مرتشين». وفوق هذا، ناءت الأرض الليبية بالأسماء الأعجمية ومهانتها الفظيعة: «معسكر المستشفى في بنغازي، هذا كان معسكر ويفل، مكتوب عليه اسم ويفل». والمداهم العظيم وحده «(تجرأ) على أن يشطب على كلمة ويفل». ومعسكر الفويهات كان اسمه ديغاروستا. والبطل العربي بعث من رميم العجمة ورمادها البارد جمرة العربية ولألاءها، اسماً وحالاً وحياة. والمداهم الجريء وحده، وصحبه الخلص وهم فيض منه وفرع، أعلن من ميدان الجلاء في طرابلس ولا يقدح في عظمة الأمر أنه إعلان، وبقي إعلاناً «ان القتال سيكون من شارع إلى شارع، ومن بيت إلى بيت، ضد القوات الأمريكية... ما لم يتحقق الجلاء». وكفى الله المؤمنين القلائل شر القتال، وكفاهم «فقصَ وجه البارود، وتفجيرَ (القنابل)». فجلت القواعد الأمريكية الخمس، والقوات البريطانية، وجلا الـ20 ألف إيطالي (مدني)، وتحررت ليبيا من الاحتلالات، ومن «النكسة والعودة للوراء والخزي والعار». وهي، على هذا ومذذاك وإلى يوم الدين والنشر، غنيمة غالية، وطُعمة محرريها وحدهم. فهم، أو بقيتهم الباقية والمقتصرة على الرجل وذريته وفروعه، ضحوا بأنفسهم، وأعدوا العدة وأعلنوا، حين لا يعلم أحد «أين كنتم (أيها المتظاهرون المحتجون)؟ أين كان آباؤكم وأجدادكم أنتم يا مرتزقة...؟ لم تقولوها أنتم أبداً ولا آباؤكم يا شذاذ الآفاق، أين كنتم أنتم؟!». فمن لم يضحّ بنفسه، أو لم يعزم عزماً أكيداً على التضحية بها ولم ينوِ الشهادة على قول قائد الثورة الليبي، ومرشد الثورة الإيراني وحرسها وباسيجها وأنصارها وقواتها الخاصة والعامة هذا لا حق له في الحكم والقيادة، أي في الولاية البطولية والمقدسة والحرام. والحق في الولاية حصري. ولا يرى السلطان الليبي الآفل حرجاً في نفيه من هذا الحق الأبناء والآباء والأجداد، ولا الأولاد والأحفاد والأرحام (الفروج والأعراض)، والأموال بديهة أو «فلوس البترول» التي يزعم قائد الثورة الطاهر والحر انه عيي وهو يقول لليبيين «خوذوها بيدكم، كل شهر خذوا فلوس البترول وتصرفوا فيها» (بينما تتواتر الأخبار والأرقام عن أصول «سيادية» مودعة في المصارف والبورصات باسم «القائد» وذراريه وفروعه تبلغ قيمتها 100 مليار دولار). وتتجدد الولاية بتجدد «العدوان» المتناسل على باب العزيزية، ومربعها الأمني والاستخباري. وتحشد الرواية الخرافية المعمرية الأعداء من كل حدب وصوب، وهو يحصي العشرات منهم بالاسم: جبروت امريكا، وجبروت بريطانيا، والدول النووية، وجبروت حلف الأطلسي، وفرنسا «في الجنوب»، والسادات، وهبري (التشادي)، وهيلاسلاسي (الإثيوبي)، وبورقيبة (التونسي)، والنميري (السوداني)، إلى «الرجعية وعملاء الاستعمار» وإسرائيل، وغيرهم كثر. [الدولة المزدوجة وعلى صورة الرواية الأسطورية والفلسفية المتواترة والسائرة، وهي رواية حربية بدوية الأصل ورعائية، يسود المقاتل البطل والمقدام، العازم على التضحية والفداء شأن القائد و «طبقته»، القاعدين عن القتال، و «طبقة» المرتزقة. وهؤلاء لا يُعلم أين كان آباؤهم وأجدادهم، ولم يعلنوا ان القتال سيكون من شارع إلى شارع، ولا فقصوا باروداً ولا فجروا قنبلة، ولم يناطحوا الطائرات الأميركية، ولم تقصفهم هذه ولم «تدق بيت (هم)» ولم تقتل أولادهم. وهؤلاء، أي الكثرة الغالبة والساحقة، هم «رعية»، على معنى غيبته ذاكرة «ديموقراطية» على رغمها، واطرحت منه الترتيب الأخلاقي والسياسي والعرقي والبيولوجي. فالرعية هذه، بإزاء طبقة الحكام الأشراف والسادة (أو طبقة «أشرف الناس» و «المقاومة»، في المصطلح الخميني والبعثي المسلح)، هي طبقة لجبة تلم في صفوفها من لا يحصون عدداً: الدراويش والملتحين والمعممين والمنتكسين وأهل الحضيض وأشباه الليبيريين واللبنانيين والجرذان والمأجورين وشذاذ الآفاق والفئران والشذاذ والمتشدقين والمستسلمين ومتعاطي الحبوب والمغيرين والمجرمين والصغار والمقلدين والمرضى والمندسين والمرتشين والقاعدين في الخارج والحراقين والمَخزيين والمرتزقة وغير القائلين (أن القتال سيكون...) والسذج المضحوك عليهم والسراقين والعويلة («العيال» في المصرية) والمدوَّخين والسكرانين والمعزولين (عن أهلهم). وهؤلاء الرعية، وفوقهم «طبقة» الأشراف والقادة والأبطال والمقاومين (ولو اقتصرت على الصلب المعمري وذريته)، لا يرتبطون برابطة الدولة وأبنيتها وقوانينها، ولا برابطة المجتمع وعلاقاته ومعاييره. فهؤلاء جبلوا من نور، على قول أهل العصمة والإمامة في أنفسهم، وأولئك جبلوا من طين. والحرب «الأهلية» هي ميزان «السياسة» في بلد هذا شأن طبقة الحكام الأشراف وطبقة الرعية المحكومين فيه. فلا محل والحال هذه ولا معنى لتقسيم العمل السياسي وهيئاته وقيوده (الرئاسة والحكومة والنيابة والإدارة والقضاء والقوات المسلحة النظامية...)، أو لتقسيم العمل الاجتماعي (فالعاملون «شركاء لا أجراء»). و «مجتمع الحرب» أو «مجتمع المقاومة» هذا، على قول خميني وحرسي عتيد، يطرح قيود الحقوق والقوانين والهيئات والمؤسسات (الوطنية والدولية والاقليمية)، ويدوسها ويزدريها ويخشاها. فهي تفترض فرقاً بين الدولة وبين المجتمع، وبين الحكام وبين المحكومين، وبين العام وبين الخاص، وبين الجماعة وبين الفرد، وبين القوانين وبين الحقوق. وعلى هذا، فليس قول معمر القذافي، في ضوء ما تقدم، أنه ليس رئيساً لتصح فيه الاستقالة أو يصح فيه القتل فولكلوراً فحسب. فهو ليس رئيساً، بل هو قائد ثورة وبطل ومقاوم و»تاريخ مجيد على ما تلقب قادة الانقلابات العرب ويتلقبون كلهم»، لكي لا تجوز فيه الاستقالة أو الإقالة، وتبطل محاسبته ومراقبته، ويعطل تقييده. وهذه، الاستقالة والإقالة والمحاسبة والمراقبة والقيود، تفترض الفروق التي تنفيها الثورات والانقلابات «التقدمية» والعسكرية العروبية. وما يسوغ «لا رئاسة» القائد المزعومة يسوغ قيام المرتزقة الليبيين والعرب والافريقيين والأوروبيين، وقوات الساعدي وهنيبعل وخميس القذافيين الخاصة، محل القوات المسلحة النظامية الوطنية، من غير تبعات أو مسؤوليات هذا المحل. فما لا يتعين في محل ووقت وصلاحية ومبنى، أي في دولة وسلطات وهيئات واختصاصات، من اليسير أن يتخفى وأن يتبدد في «ليل المطلق الأليل والأجوف»، وفي مساخره المسرحية والميلودرامية الدامية. والزعم ان «الدولة»، أي القائد وحاشيته وأعوانه، هي الشعب «المصعد» أو المرتقي إلى سدة الأمر النافذ، يتستر على ما «الشعب يريد» رؤيتَه وتشخيصه وتظهيره وتقسيمه وتفصيله وإخراجه من الإبهام المعمّي وعَرْضَه على العلن والمحاسبة والفحص. ويبرر دمج «الشعب» في «الدولة» العربية (وفي كل دولة) ازدواج الحكم والسلطة والإدارة والقوة العسكرية والقضاء والقانون ازدواجاً قاتلاً. فإذا لم تكن الدولة (نيابة عن الشعب وشريطة مراقبته) هي ولي أمر الجيش الوطني، والمخولة وحدها إعلان حال الطوارئ، وإعلان الحرب، ورعاية السلم المدني، ازدوجت الدولة، وتناسلت «دولاً» و»شعوباً» و»جيوشاً» و«حروباً«. وفلسفة «ثورة الفاتح العظيمة»، على نحو ما تجلوها مقالات قائدها، وجلاها تاريخ ليبيا المأساوي، تلقي ضوءاً فاضحاً على تواريخ العراق وسوريا وفلسطين ولبنان ومصر واليمن والجزائر وإيران، الدامية والمحبطة. فهذه البلدان والمجتمعات نهب لرواية بطولية أسطورية ترفع القيادة المحاربة والمجاهدة فوق الرعية المحكومة، وتقسم «الشعب» حزبين وأهلين متقاتلين، وتلغي الدولة وهيئاتها وسلطاتها وقوانينها وتبددها في ولاية مقدسة ومطلقة يتوارثها الأولاد عن الآباء في أصلابهم، وترسي ازدواج الدولة والشعب والمجتمع كيانين كاذبين يستحيل تشخيص أحوالهما ومناقشتهما وتحسينهما من طرق عادية آمنة، معلومة ومعتادة. فالقائد من الرئيس، تلقب بلقب الرئاسة أم لم يتلقب، هو بمنزلة الميليشيا الأهلية (أو القوات الخاصة أو الثورية أو الحرس الخاص أو الجمهوري) من الجيش الوطني، وبمنزلة الحزب الواحد أو الطليعي والحاكم من المجلس النيابي والحكومة والإدارة، وبمنزلة عصبية القيادة الأهلية من المجتمع «السوي» وجماعاته وتكتلاته وطبقاته وبمنزلة أجهزة الاستخبارات والعمليات الخاصة من العلاقات الخارجية، والاغتيالات من العمل السياسي والديبلوماسي، والسلاح الذري من العلاقات الدولية... والقائد والميليشيا الأهلية الخاصة والحزب الواحد أو الطليعي وعصبية القيادة، ورواية «الثورة» البطولية والأسطورية التي تقيم الحدود والمراتب والأدوار وتصنعها وتؤبدها، هذه كلها تحتاج إلى خفاء صفيق تتستر به على أحوالها وأفعالها وعلاقاتها وغاياتها وأفكارها وأموالها. فالتملص من العلانية والمناقشة والمراقبة والمنازعة وتبديع المعارضة، هي سمات الديكتاتوريات «التقدمية» والشعبوية العربية، مالت سياستها الخارجية إلى السياسة الأميركية أم أقامت على «مناهضة الإمبريالية» و»تحرير فلسطين» والحرب الوجودية على اسرائيل واليهود، وعلى عالمثالثية («محايدة») مضمرة أو معلنة. وتقود مجتمعةً، على ما هي حالها غالباً، إلى محاكاة أبنية الدولة والسياسة محاكاة ظاهرة وصورية، فيما هي تبطن تفلتاً تاماً من موجبات الدولة والسياسة المفترضة. وردت الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية، العربية الوليدة، على سمات الديكتاتوريات الشعبوية العربية المتحدرة من انقلابات عسكرية «تقدمية»، ببرامج ومطاليب إجرائية شكلية، وقانونية دستورية، تفضي إلى فصل السلطات، وإضعاف رأسها الجامع والمركزي الساحق، وحل الأجهزة الموازية والخفية، وإلغاء الازدواج، وتعزيز العلانية، والإقرار بالكثرة السياسية والاجتماعية وبحقيقة خلافاتها ومنازعاتها ومناقشاتها وبضرورة تمثيلها وجدوى هذا التمثيل... وهجرت الحركات هذه القضايا «الجوهرية» الدولية والقومية والعسكرية والاجتماعية الطبقية. ورعت، على حياء وخفر، إجماعاً مضمراً ومائعاً على اعتدال وسطي ومسالم، لا يرتب عداوة أو حرباً أو انعطافاً باهظاً. وهي، إلى اليوم، لا تظهر حرصاً على صوغ رواية أسطورية وبطولية تحل محل الرواية المجهضة والمدمرة، المتخلفة عن «ثورات» الديكتاتوريات المتصدعة والآفلة. والديموقراطية لا تعفي من الهوية الوطنية، ولا تعصم من العداوات والصداقات والحروب والاحلاف، ولا تلغي المواقع والأدوار والمصالح الاستراتيجية، بل تحمل هذه على مداولة حادة. ولا يحول دون إفضاء المداولة إلى انقسام أهلي بنيانٌ سياسي ديموقراطي متماسك لا ريب تضعه هذه الحركات نصب عينها.

الأنظمة السياسية العربية قبل امتحان الديموقراطية وحقوق الإنسان

المستقبل - الاحد 20 آذار 2011

قبل نحو 12 سنة، في 1999، حفل العام ما قبل الاخير من القرن العشرين، بتظاهرات سياسية عربية صوّرت، على أدق صورة، ما تتشارك فيه أنظمة الحكم، وأنظمة السياسة، في كثرة من البلدان والمجتمعات العربية. فحيث جرت انتخابات رئاسية - بسورية واليمن ومصر وتونس أو جرى استفتاء عام بالجزائر- وحيث خلف حاكم (ملك) حاكماً بالاردن والمغرب- او احتفل حاكم بتنصيبه حاكماً وبذكرى فوزه بالحكم بليبيا- كان الاجماع الرسمي والشعبي المظهر اللازم لمشروعية الحاكم، ولمشروعية نظام حكمه من بعد. ففاز الرؤساء بكثرة لم تقل عن 94 في المئة، وبلغت 99 في المئة في حال واحدة، ولم ينافس مرشح ثان جدي المرشح الاول، حيث ترشح ثانٍ (باليمن). وتولت الاحزاب الغالبة على المجالس النيابية، وعلى الحياة العامة، وإن لم تكن أحزاباً واحدة ومنفردة بالدولة، ترشيح الرؤساء إلى الانتخابات، أو إلى المبايعة واعلان الولاء، على ما جرت الكلمة ولم يتحفظ أولو الامر عنها أو عن استعمالها، وخلف المرشحون أنفسَهم على ولايات، ومدد ولايات، تترجح (عدداً) بين الثلاث والاربع، و(مدة) بين الخمس سنوات والسبع، وتترجح جملة مدد الحكم بين اثنتي عشرة سنة وتسع وعشرين. وإلى هذا، فالرؤساء الاربعة عسكريون في ابتداء امرهم، انقلب اثنان منهم على حاكم عسكري سابق، وثالث انقلب على حاكم مدني، وانتقل الحكم إلى رابع من طريق نيابة رئاسة بالتعيين وليس من طريق الانتخاب. [حلة الخلافة ولعل استواء الانتخابات المفترضة مبايعةً، وهي انتخابات من غير مرشحين ولا منافسة ولا حملة ولا فصل بين الدولة، ادارات ومجلساً نيابياً، وبين «حزب الرئيس»، يقرِّب الاجراء السياسي، الدستوري والديموقراطي، اي الانتخاب والاقتراع، من المبايعة المشيخية، والوراثة. فما لم يسقط الرئيس، أو ينحَّ، او يعزل، فهو مستمر على مزاولة السلطة وماضٍ عليها. والاقتراع، ولا تقل نسبته عن 85 في المئة من المسجلين، انما يجدد الولاية، ولا يتطرق إلى برنامجها، ولا إلى القوى السياسية والاجتماعية الملازمة لاقتراح البرنامج وإنفاذه. وهذا كذلك صفة شبيهة بالصفة الملكية المطلقة وغير المقيدة بأحكام دستورية تفصل بين «ولاية الاحكام» وبين «الحكم». وفي ضوء الشبهين هذين، المبايعة واطلاق الولاية، تبدو خلافة الملكين، الاردني والمغربي، والديهما، من غير منافسة ولا ترجيح ولا برنامج أو مضمون ولاية، من باب انتخابات الرؤساء الثلاثة الجمهوريين، أو تبدو الانتخابات الجمهورية حلة ترتديها الخلافة الملكية المطلقة من غير أن تضمر القواعد السياسية والاجتماعية والثقافية التي تتضمنها الانتخابات الجمهورية. وتدل مدد تولي الحكم في البلدان الخمسة، وفي غيرها، على صفة الاطلاق (من القيود الدستورية والديموقراطية) نفسها. فالمملكة الاردنية الهاشمية تولى حكمها الفعلي والمباشر عاهل واحد طوال أربعين عاماً. وتولى الملك في المملكة المغربية الشريفية والعلوية ملك واحد طوال 38 عاماً. ويحكم العراق، منذ 31 عاماً، شريكاً في الحكم ثم منفرداً، «الرجل القوي» نفسه. ودام حكمه إلى 2003، فجمع 35 عاماً تامة. وهذا شأن «رجل» ليبيا «القوي»، ورئيس الجمهورية السوري، بفارق عام واحد وعامين. ويدوم عهد الاول منذ 42 سنة، وحكم الثاني من طريق الابن المستخلف 41 سنة. وتتفاوت مدد الولاية في سلطنة عُمان، ودولة الكويت، واتحاد الامارات العربية، وفي امارتي البحرين (وهي مملكة منذ أوائل العقد الاول) وقطر إلى أمس قريب، ولكنها تعد بالعقود (بين الخمسة والثلاثة). وتخطى رئيسان «جديدان»، الرئيس التونسي (إلى حين سقوطه) والرئيس السوداني، العقدين الاولين من الولاية إلى نيفٍ وثالث. وأتمت ولاية عاهل المملكة العربية السعودية السابق العقدين قبل خلافة عاهل جديد هو ولي عهد منذ بداية ولاية سلفه. والاستثناء الفلسطيني ليس استثناء. فرئيس السلطة الفلسطينية الذاتية المنتخب الاول إلى 2004، انتخبه المجلس التشريعي في الشهر الاول من 1996، هو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1968، ورجل «فتح« الاول، وهي أولى المنظمات السياسية والعسكرية الفلسطينية وأقواها، منذ نشأتها في 1965. والرئيس الثاني هو رئيس «فتح». وصنوه الغزاوي منذ 2007 رأس «حماس». وأما لبنان، فخلف رئيس جمهوريته السابق، في أواخر 1998، بالاجماع النيابي، ومن غير منافس، وفي اعقاب «اختيار« وقع على المرشح من غير خارج الاطار النيابي والدستوي، خَلَف رئيساً تولى الرئاسة طوال تسعة أعوام هي محصلة ولاية من ست سنوات وتمديد من ثلاث اقتضى تعديلاً للدستور (1998 2007). والولاية الاولى ونصف الولاية انما تولاهما رئيس الجمهورية الاسبق جراء «اختيار» انتخبه واصطفاه قبل أن ينتخبه المجلس النيابي بإجماع نوابه الحاضرين. وهذا شأن خلفه (1998 2007). ولا شك في أن اضطراب الرئاسة والنظام الجزائريين بعد استقرار دام 13 سنة مع بومدين (11 منها، من 1965 إلى 1976، مضت من غير دستور ولا انتخابات)، وعقداً مع خلفه هو مرآة اضطراب اجتماعي بنيوي، وأزمة سياسية عميقة، أصابا الجزائر، دولة ومجتمعاً، وتخلصت منهما ظاهراً مع انتخاب الرئيس بوتفليقة منذ 12 عاماً. [السلاح والحزب الحاكم وجليّ أن استقرار الانظمة السياسية العربية، ملكية اميرية (دستورية، وبرلمانية، على ما هو حال المغرب والاردن والكويت، او مطلقة)، أم جمهورية (رئاسية او برلمانية)، يلازم استقرار الحكام، وينجم في معظم الاحيان عن شكيمتهم ودرايتهم، السياسيتين والامنيتين. فإذا اسثتنيت الملكيات والامارات (بما فيها الدولة و»السلطنة») الاسرية والقبلية، أحصي سبعة رؤساء، صاروا ثمانية اذا عد لبنان وتسعة اذا احتسبت الجزائر إلى أوائل 1999، خرجوا من صفوف الجيوش العربية. والبلدان السبعة او التسعة، هي جماع الدول العربية غير الملكية ولا الاميرية الوراثية، اذا استثنيت السلطة التنفيذية، من الاحصاء والمقارنة. ولا ريب في ان هذا قرينة قوية على التعالق بين استقرار الانظمة الجمهورية وبين نسبها العسكري والامني المباشر. فرئيس السلطة التنفيذية في هذه البلدان، هو القائد الاعلى للقوات المسلحة، وهو رئيس مجلس الوزراء الفعلي، ووزير الدفاع دستورياً في بعضها. وفي خمسة من هذه البلدان (أو ستة اذا احصي العراق فيها إلى 2003) لم يزل الرئيس هو نفسه الضابط الذي تولى الحكم حين نحى عنه من كان يتولاه قبله. ولم يختبر النظامُ الذي أنشأه مع توليه الحكم انتقالَ مقاليد الحكم منه إلى خلفه على خلاف الاختبار الملكي والاميري والسلطاني منذ مدد طويلة اذا استثني الاختبار السوري في العام 2000- اقترن هذا الاختبار بهيئة الدولة (منذ النصف الثاني من القرن العشرين عموماً) أو لم يقترن. وفي ثمانية من هذه البلدان، والاستثناء النسبي هو لبنان، تساند القوات المسلحة، وقوات الامن، في تثبيت الحكم والحاكم، وفي رعاية غلبتهما على المجتمع، منظمةٌ سياسية واحدة تحفها جبهة «وطنية». ويقوم الحزب «الخميني» المسلح في لبنان مقام الحزب الحاكم و»جبهته»، أو هو يحاول هذا، وتقتفي «حماس» في غزة خطاه. وتترجح صيغ المنظمة السياسية بين صيغة الجهاز المتماسك، والقائم بإزاء الدولة الظاهرة ومراتبها بمنزلة الرقيب عليها والمقوِّم «اعوجاجها» الشرعي والقانوني، وبين صيغة الرابطة النيابية، وتضم إلى النواب أعيان السلك الاداري ووسطاء النفوذ المحلي، وهذه الرابطة رخوة، ومجتمعة على الولاء للرئيس ولاءً شخصياً وليس حزبياً أو ايديولوجياً وعقدياً (عقائدياً). وتتولى المنظمة السياسية، جهازاً كانت أو رابطة، انفردت بالسلطة أم حفتها جبهة «وطنية» صورية، تتولى توحيد الدولة السياسي، إلى توحيدها الاداري من طريق الادارات والبيروقراطية، بما فيها البيروقراطية العسكرية والاقتصادية. وتوكل بعض الدساتير إلى الحزب القائد والاول بعض الصلاحيات الجوهرية مثل الترشيح إلى رئاسة الجمهورية، والترشيح إلى الانتخابات النيابية، وحفظ حصة من النواب على الحزب الاول، الخ. ويؤدي اضطلاع الحزب السياسي بهذا الدور، ولو لم ينفرد بالسلطة وأجاز لأحزاب أخرى او منابر قدراً من العمل والوجود، إلى دمج الدولة في الحزب السياسي، أو في الاحزاب السياسية المقبولة. وإذا خرجت الدولة، ادارات وبيروقراطية، من انفراد حزب حاكم بالسلطة، تولى «حزب الرئيس» ومن ورائه البيروقراطية العسكرية والامنية العليا، رعاية الوحدة السياسية للدولة. [العصبية والدولة ولا يقتصر تثبيت الحاكم الفرد على رأس الدول، جامعاً لمقاليد السلطة والتوحيد، على الحزب والقوات المسلحة والادارة، بل تتولى العصبية قسطاً من مهمات التثبيت والتوحيد هذه. وإذا كانت الاجهزة السياسية والعسكرية والادارية من تظاهرات التحديث الاجتماعي (النسبي) في بلدان امتُحنت جماعاتها الحاكمة امتحاناً وطنياً قاسياً، أو تأخرت طبقاتها الحاكمة عن مسايرة تغيرات مجتمعاتها فسرعان ما ظهر عجزها عن حماية وحدة الدولة، والتسلط عليها، بواسطة موارد الدولة السياسية وحدها. فلا الولاء السياسي والايديولوجي التلقائي، ولا القوة المنضبطة، ولا الوظيفة الادارية بوجهيها: المصلحة والمكانة الاجتماعية بدت لحمة قادرة، منفردة أو مجتمعة، على التمكين من بلوغ السلطة، ثم من حفظها. والحق ان أياً من هذه الاجهزة لم يبق بمنأى عن منازعة العصبيات عليه. فكانت الاحزاب والحركات السياسية، على رغم زعمها «الوطنية» العامة والعلمانية المحايدة، موئلاً لجماعات أهلية وعصبية. وهذه غلبت على الاحزاب والحركات السياسية، وصبغتها بصبغتها، أي صبغة الجماعات الاهلية، المذهبية أو القومية المحلية، أو القبلية. واصطبغت الاجهزة الادارية والعسكرية بصبغة القيادة السياسية، الاهلية، وحاكتها. وعمدت القيادات السياسية الجديدة، الحزبية والعسكرية، إلى انشاء نخب اقتصادية على مثالها، من طريق القطاع العام، أو بواسطة الالتزامات وحصص الاستيراد وتعهد الوساطات والامتيازات والمصاهرات. فالتحمت الدائرة العصبية الاقرب بلحمة كثيرة الموارد والوجوه. والتقت الانظمة السياسية المحدثة و»التقدمية»، أي تلك التي استولت على السلطة من طريق الاجهزة السياسية والعسكرية والادارية، بالانظمة «التقليدية» المنسوبة إلى القبيلة أو الاسرة أو الطريقة (الصوفية) أو المذهب والدين. واستوى الضربان من الانظمة واحداً. فاصطبغت الانظمة السياسية العربية كلها بصبغة عصبيات قادتها الاهلية. وبعثت غلبة العصبيات على سياسات داخلية وعلى منازعات داخلية بعينها، على قدر ما دعت إلى انتهاج سياسات اقليمية دون غيرها، ورجحت احلافاً على اخرى. فأشبهت الانظمةُ الجمهورية الانظمةَ الملكية والاميرية، وأشبهت الانظمة التقدمية الانظمة التقليدية، من وجوه كثيرة. واستوت مسألة مثل مسألة الخلافة، وكان يُظن أنها وقف على الممالك والامارات والسلطنات والمشيخات، قاسماً مشتركاً بين ضروب الانظمة السياسية العربية كلها، وأزمةً سياسية عمّت الانظمة وامتحنتها. فأظهرت الانظمة التقليدية طول باع في الامر تقدم باع الانظمة التقدمية. [المثالات الجامعة تؤدي الظاهرات التي مرت: أي الاجماع والمبايعة والولاية المتطاولة وتضافر الاجهزة السياسية والعسكرية والادارية مع العصبية الاهلية على تثبيت الغلبة على الدولة وتوحيدها تؤدي هذه معنى واحداً جوهرياً هو التلازم بين المثال السياسي العربي المعاصر وبين السعي في الالتحام العصبي. ويَمثُل هذا التلازم، في أوائل القرن الواحد والعشرين، على نحو واحد وجامع. فكأن المسارات التاريخية المختلفة والمتعرجة التي سلكتها البلدان العربية منذ مطالع القرن، وفي معظم الاحوال منذ منتصف القرن الماضي، مشرقاً ومغرباً؛ والاختبارات السياسية المتباينة التي خبرتها الجماعات الناطقة بالعربية والمتصلة «الديار» والبلاد والمتعالقة المصائر على هذا القدر أو ذاك، كأن هذه وتلك لم تنفع في بلورة مثالات سياسية متباينة ومختلفة تكون مرآة لاختلاف المسارات التاريخية والاختبارات السياسية وتباينها. وهذا بقي صحيحاً إلى شتاء 2011. وهذان، الاختلاف والتباين، ينبغي ألا يُنكرا في ضوء غلبة نازع، يبدو مشتركاً، إلى الالتحام العصبي وإلى تحكيمه في الحياة السياسية والقضاء فيها بأمره. فبينما بكّرت بعض البلدان إلى اختبار صور من العلاقات السياسية الدستورية والديموقراطية على شاكلة «الممتلكات» العثمانية المشرقية التي تناهى اليها أمر دستور 1876، وشارك بعضها في اختبار ممثليها إلى «مجلس المبعوثان»، أو على شاكلة مصر التي بعثت الحماية البريطانية المباشرة، في 1882، بعض نخبها العسكرية والدينية على الاجتماع والانتداء في ما يشبه «الحزب»، ونجمت عن الاجتماع والانتداء صحافة رأي، وخلفت المنازعات الاهلية اللبنانية في اواسط القرن التاسع عشر صحافة دعاوة وتحضيض وتكتيل- تأخرت بلدان أخرى، إلى اليوم، عن تحقيق مثل هذه الصور، أو بعضها، وارتكست بلدان أخرى عما اختبرته طوال عقود من السنين في اثناء القرن المنصرم، مثل صحافة الرأي وحرية الاجتماع (المقيدة). وكان العامل الحاكم والمؤثر في افتراق البلدان العربية، في علاقة جماعاتها بالسياسة، فريقين عريضين، هو مبانيها الاجتماعية، وبعدها أو قربها من المبنى الاهلي والعصبي. فحيث غلب المبنى الاهلي والعصبي من غير منازع تقريباً على ما كانت الحال في شبه جزيرة العرب، وإماراتها ومشيخاتها وسلطناتها، وفي أطراف ولايات المشرق العراقية والشامية واللبنانية والفلسطينية والمصرية، وفي الارياف والصحاري الافريقية الشمالية اقتصرت السياسة على الرئاسة، أو الرئاسات، ومراتبها. وقامت الرئاسات ومراتبها وشبكتها محل الهيئة السياسية الناظمة. والرئاسات جزء عضوي من هيئة الجماعات كلها، صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، ضعيفها وقويها، المختلط النسب منها والصريح. وتنضوي الرئاسة الادنى وجماعاتها معها، في الرئاسة الاوسع، من طريق الحلف والالتحام وليس من طريق الهيمنة والتذرير (أي التفكيك ذرات). وعلى هذا تقوم السياسة على عقد الاحلاف وفكها وتبديلها، من غير تغيير كبير في هيئة الجماعات، وعلاقاتها بعضها ببعض، أو في علاقات مراتبها ورئاساتها. فالمنازعة على الرئاسة حكر على «بيوت» دون أخرى. ولا يخرج المنازعة من المرتبة، أي من الاسرة والبيت والسلك، إلى التداول الحر والمنافسة، تعاظمُ فئة اجتماعية، وظهور قوتها ودورها، شأن تجار «مدن» الساحل، مثل الكويت والبحرين، وواحات نجد وعسير والقطيف وحائل. وعلى هذا، استغرقت الاحلاف والغزوات سياسة «ملوك العرب». وطرأ التغيير الداخلي من طريق الاحياء الديني، الوهابي، وحلف الفقهاء و»الرؤساء» الشيوخ، ومن طريق تجدده في العقد الاول من القرن العشرين. فانضوت قبائل نجد وتهامة والقطيف وحائل، ثم الحجاز، في مملكة واحدة، ربطت بينها برباط الحلف القبلي الكبير، تحت لواء أقوى العشائر شكيمة، وأقدرها على رعاية المراتب، وتوزيع المغانم، وعلى الاستظهار بالشرع ورجاله، والتزام موازين القوى بين الداخل وبين الخارج. وعلى هذا المثال العملي والمعقد، ضبط عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الهيئة السياسية التي استأنف انشاءها منذ خروجه من الدرعية إلى الرياض، في 1909، ثم توحيده نجداً وملحقاته في سلطنة توجتها المملكة العربية السعودية في أواخر العقد الثالث. وكان مثارَ الخلاف السياسي، وامتحان السياسة تالياً، تقييدُ التوسع بالقيود الاقليمية والقبلية المناسبة. فقمع عبد العزيز بن عبد الرحمن مشي أحد قادة «الإخوان» إلى الشمال، صوب امارة شرق الاردن، المحمية البريطانية، وأباح الحرب على الجنوب، فقاد أبكار أبنائه الثلاثة، سعود وفيصل وخالد، الملوك الثلاثة اللاحقين، ثلاثة جيوش دخلت اليمن، غير المحمي، وتقدمت في نجران وجيزان في 1936. سلطان من غير ند وكِفء فاستقرت الكيانات داخل حدود أهلية معروفة وموروثة، وتولت القوة البريطانية رعاية العلاقات بين الكيانات السياسية والاهلية المستقرة، في حين رعت الاعراف، وعلاقات الولاء، الروابط السياسية الداخلية. وأولت هذه الرعاية المباني الاهلية والعصبية استقلالاً حقيقياً وعريضاً عن سلطة مركزية لم تكن، فعلاً، الا العصبية الاقوى والاعرق. ولما كانت الجماعات العربية هذه بقيت بمنأى من السيطرة الاجنبية والاوروبية، وبمنجى من وطأتها المباشرة والمدمرة، حفظت سنداً فاعلاً وظاهراً للحريات الاهلية بإزاء سلطة مقيدة بالاعراف والولاءات. وحالت بين الحريات والحقوق الفردية والخاصة وبين الخروج إلى العلانية، أي منعت الحريات والحقوق الفردية والخاصة من التبلور أصلاً. وهذا بعض تأويل «وداعتها»، إلى الريع النفطي، وما لم يشقها فارق مذهبي عريق. وأما البلدان العربية التي تعرضت للاحتلال والسيطرة الاوروبيين، وكان معظمها، من قبل ممتلكات عثمانية، فاستوت على هيئة الدولة المركزية والحديثة باكراً. فكان بعضها، مثل مصر (1922) والعراق (1928)، ملكيات دستورية منذ أوائل العقد الثالث. وحيث لم تنصب التقاليد المحلية والاهلية أسرة غالبة ومتصدرة سنّت الدولُ المنتدبة، أو المتسلطة والمستعمرة، مواثيق انتداب لم تلبث أن ولدت دساتير، شأن لبنان في 1926. أو أدخلت المستعمرات في نطاق أحكام وتشريعات استثنائية، مرجعها المبدئي شرعة دستورية وعامة، على ما كانت عليه الحال بالجزائر وتونس، وعلى قدر أقل بالمغرب. ونجم عن حكم الدول الاوروبية هذه البلدان وهي أكثر البلدان العربية سكاناً، وأقدمها مدناً وخبرة بالادارة، وهي إلى هذا يتصل بعضها ببعض بواسطة ساحل المتوسط، أو تقع على طريق أوروبا إلى أفريقيا، أو على طريقها إلى آسيا الوسطى فالشرق الاقصى- نجم عن الحكم الاوروبي ارساء ادارة مركزية، عسكرية ومالية واقتصادية وحقوقية، على المباني الاهلية وشبكاتها. فاجتمعت في أيدي السلطة الاوروبية، ثم في أيدي الطبقات الحاكمة المحلية بعدها، سلطة عظيمة تكاد تكون من غير ند أو مكافئ من المجتمع الناشئ نفسه. ويصدر ندها أو مكافئها والقيد عليها عن الجماعات الاهلية ومبانيها العصبية أو الدينية. ولعل هذه الحال هي في صلب المسألة السياسية العربية. فالتحديث السياسي والاجتماعي، منذ «التنظيمات» العثمانية في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر، أدى إلى تقوية الكبراء والاعيان على حساب العوام الذين أضعفت الحمايات علاقاتهم الاهلية الداخلية. وكان نظام ملكية الارض الجديد علماً على الخلل هذا. فوضع الاعيان والشيوخ (أو المعمرون الاوروبيون في المغارب) يدهم على الاراضي المشتركة. ونزع التجنيدُ من الجماعات الاهلية ملاذها وحماها اللذين كانت تمتنع بهما، وسوّى الاحصاء، وسوّت الضريبة بين الافراد في الواجبات، بينما عجز النظام الانتخابي، والفصل بين السلطات ونصب القضاء سلطة مستقلة، عن الاضطلاع بالمساواة بين «المواطنين» المفترضين. فهؤلاء لم ينفكوا، حين أقرت هذه، أي الانظمة الانتخابية والدستورية والقضائية، قبل الاستقلال أو بعده، أهالي وجماعات وعصبيات وطوائف (حرفاً ومذاهب) وأقواماً. وكانت المباني الاهلية والعصبية، المتصلة بالاعيان والشيوخ والرؤساء والوجهاء (القدماء والجدد) «واسطتهم» إلى الاحتماء من سلطة تصوّرت في صورة القوة الغاشمة، والغاشية كل مرافق العلاقات الاجتماعية. فهذه المباني لم تصدعها السيطرة الاجنبية التصديع التام، وتوسلت بها إلى سوس الاهالي بمراتب يقر لها الاهالي بالمشروعية وينقادون اليها. فلجأوا اليها احتماء من قوانين الدولة الواحدة، أو طلباً لبعض «الامتيازات». فكانت السيطرة الاجنبية، انتداباً دولياً او تملكاً منفرداً، مدرسة للتعسف وانتهاك الحقوق والمساواة. وحذت السلطات المستولية المحدثة، والسلطات التقليدية اللابسة لباس الدولة، حذوها من غير تردد. دول» من غير مجتمعات وطبع هذا الالتباس بطابعه الحركات السياسية الاستقلالية. وكانت حركات الاستقلال عن السيطرة الاجنبية الجسر والسُلَّم إلى دخول السياسة المحدثة، من وجه، والسبيل إلى صوغ المثال السياسي العربي على صورة الانبعاث الداخلي والاحياء التاريخي والحضاري، من وجه آخر. فنشأت، بين الحربين العالميتين، حركات «الوفد» بمصر (استتماماً للمفاوضة على استقلالها، في 1919)، و»نجمة شمال افريقيا» في صفوف جزائريي فرنسا، محاربين قدامى وعمالاً مهاجرين، في 1920، والاحزاب الشيوعية بلبنان وسوريا وفلسطين ومصر، 1924 و1928. وجمعية الاخوان المسلمين بمصر، في 1928، ونشط في مضمار العمل العام، بمصر والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان، في اثناء العقد نفسه، ضباط واداريون اختبروا السياسة في المنظمات العثمانية السرية، وكانوا نواة «الاحزاب» السياسية التي انتشرت في المشرق كله في العقد الرابع التالي. فكانت «الكتل الوطنية» و»العُصَب» وأحزاب «الدستور» و»الاستقلال» في المشرق والمغرب، منهم، ومن النخب العائلية والمدينية، التجارية والادارية الوليدة. وتواقتت نشأة حركات النخب هذه مع نشأة حركات «عامية» (من غير أسر النخب المتحدر معظمها من «التنظيمات» العثمانية)، من المتعلمين وأهل المهن الحرة والموظفين وأبناء المهاجرين الاولين إلى المدن، جمعت إلى المطلب الاستقلالي، نازعاً احيائياً، قومياً وتوحيدياً، حاداً وغالياً. فكان الحزب القومي السوري الاجتماعي، بلبنان وسوريا، وعلى نحو أضيق بفلسطين وشرق الاردن، طليعة هذا الضرب من الحركات السياسية. وتبعته حركات «القمصان»، بمصر وفلسطين، وإرهاصات «البعث العربي» بسوريا. واستبقت هذه الحركات، المختلفة والمتعادية، والمتقاتلة في أحيان كثيرة، رسم الدول العربية القائمة اليوم، ومثالها السياسي المشترك والمُجتمِع من اختبار ربع القرن المحوري هذا (1920 1945). فافترضت النتيجةَ المرجوة والمبتغاة، وهي الدولة المتماسكة والقوية أو «الدولة الامة» على ما تبدو من خارج ساذج، مقدمةً متحققة وناجزة. وليس على الحركة السياسية إلا نشر ألويتها وإعلانها في الحال، ومن غير ابطاء ومن غير اعتبار حواجز (مصطنعة) ومعوقات وطنية واجتماعية. فعمّ مثال للدولة، الكلية القدرة والمستغنية بنفسها من كل سند أو رافد أو خارج، استعادته الناصرية المصرية الحاكمة، وغيرها من مناهج الحكم والسياسة، الجديدة و»التقدمية». وأمكن الانظمة «الناصرية» المختلفة، وهي ناصرية على معنى الاستعادة والمحاكاة والبنية، بذريعة الثورة على عجز الانظمة التقليدية وضعفها، الاستيلاء على الحيز السياسي والحقوقي كله. وألحقت بها، وبإدارتها وموظفيها وأنصارها، شطراً كبيراً من الانشطة الاجتماعية والاقتصادية، على تباين مستوياتها السوقية والسلعية. فمذ ذاك، وهذا الطور تبلور غداة الحرب الثانية و»النكبة» الفلسطينية، ومع استيلاء القوات المسلحة على السلطة وهو لا يزال إلى اليوم غالباً، انقلبت السياسة، وانقلب مثال مزاولتها ومباشرتها، إلى منازعة أهلية عامة على السلطة كلها. ويكاد لا يسلم بلد عربي، ولو لم يكن في عداد بلدان الساحل المتوسطي والممر القاري، من هذه المنازعة، ومن اطاحتها ضوابط دولة القانون (والحقوق). فالحقوق كلها، المدنية والسياسية، قيود على سلطة الطوارئ التي تسوس بها معظم المجتمعات العربية الحرب الاهلية، المضمرة أو المعلنة، في بلدانها وبين جماعات هذه البلدان. وليس بمنجى من الحرب الاهلية هذه، ومن السلطة العرفية، تالياً، إلا البلدان التي تتصدر الروابط العصبية القريبة فيها المباني الاجتماعية والسياسية، وشريطة ألا تكون الجماعات كثيرة ومتفرقة المعتقدات. وإذا كانت السلطة العرفية والاستثنائية من خاصيات البلدان «المتقدمة» أو «التقدمية» وأنظمتها السياسية، فالبلدان الاخرى، بلدان الروابط العصبية القوية، تسوس خلافاتها ومنازعاتها وانقساماتها من طريق مراتبها، وقيود المراتب على النزعات السياسية والاجتماعية الجديدة. فما يجمع عليه الضربان من الانظمة السياسية هو إخراج المنازعة المعلنة والمتبلورة من العلاقات السياسية والاجتماعية، على حد واحد وسواء. وهي تجلي، مع المنازعة المعلنة والمتبلورة في حركات سياسية واجتماعية وثقافية وفي هيئات التمثيل والادارات وتنازع السلطات، حقوقَ المواطنين وقيودهم على مباشرة السلطة وسوسها «مواطنيها». فتترجح الدول والانظمة، في الفراغ الحقوقي والسياسي الذي تسبح فيه، بين استقرار مديد وثقيل تنعم به، على مثال تقدم وصفه، وبين انفجار متقطع ومباغت، موضعي أو منتشر. ولم تعف الانفجارات، في العقود الاربعة الاخيرة، عن أي بلد من هذه البلدان. فإما تُخمد المنازعة، في «ديموقراطيات» من غير منازعة، وإما تتفجر منازعات بين «أجزاء» الاهل وجماعاتهم. وقد تكون الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية في منقلب 2010 إلى 2011، وقبلها في لبنان 2004 2005 إلى اليوم، إيذاناً بانعطاف تاريخي يبني ديموقراطيات المنازعة السياسية، ويرسيها على إيجاب المجتمع والمواطنة والحقوق والعلانية والدولة (المنفصلة).

الأنظمة المهددة انكفأ حكامها وأصحابها على امتيازات مرتبة مغلقة

الأنظمة المهددة انكفأ حكامها وأصحابها على امتيازات مرتبة مغلقة ومتوارثة... من غير قيدِ عليها من تمثيل أو علانية أو منازعة المستقبل - الاحد 3 نيسان 2011 تشترك الأنظمة السياسية العربية التي يطاولها الاحتجاج والإنكار، مشرقاً ومغرباً، ويدعوها المتظاهرون الى الرحيل أو السقوط، في ميزة ظاهرة للعيان وبارزة هي «عمرها» المستطيل لا إلى نهاية (عطفاً على مقالتي في «نوافذ» في 20 آذار). وما يرد عليه المتظاهرون المنكرون بنفاد الصبر وفراغه، وباستعجال مضيّه وطيّه، هو جثوم «نظام» حاكم، يختصره رأسه الثابت ونصبه المعنوي والمادي، على صدور أهل البلاد وعيونهم وأسماعهم منذ عقود. وإذا كان ترتيب قيام حركات الاحتجاج، من تونس ومصر فليبيا الى اليمن والبحرين وسوريا، لا يتفق ومدد العهود والرئاسات، ولا يتدرج من الأقدم الى الأقل قدماً، فالحركات شملت أطول الأنظمة السياسية العربية عمراً، ولم تعف، الى اليوم، إلا عن نظام عمر حسن البشير السوداني (المستولي في 1989)، «الفتي» قياساً على بعضها. فكان نظام بن علي بتونس بلغ 24 عاماً حين سقوطه. ورحل نظام حسني مبارك عن 30 عاماً تقريباً. وأتم معمر القذافي الأربعين عاماً قبل سنة ونصف السنة. وهو عميد السن بعد سقوط صدام حسين في 2003. ولا يزال علي عبدالله صالح حاكم شمال اليمن، فاليمنين، بأمره منذ 34 عاماً. وحمل متظاهرو دوار اللؤلؤة بالبحرين على رئيس الحكومة ترؤسه الهيئة التنفيذية من غير انقطاع طوال عقود أربعة تكاد تكون تامة. ويستدلون بطول المدة على جمود الحكم، ودوام خلله وظلمه. وحين «يخاطب» بشار الأسد، وهو الثاني في العدد والترتيب، السوريين من طريق «مستشارته الإعلامية والسياسية» (على ما تعرَّف وتوصف)، فيعدهم الوعود الواضحة، مثل زيادة الأجور أو إنشاء صندوق ضمان اجتماعي، أو الغامضة، مثل «درس» إلغاء الطوارئ أو سن قانون أحزاب جديد وقانون إعلام مثله، يرد المخاطَبون مذكرين بالأعوام الأربعين المنقضية التي تربع في أثنائها الأب والابن في قمة السلطة. ويذكرون بسيادة «قانون» الطوارئ الحياة العامة السورية 7 سنوات «بعثية»، قومية (مع أمين الحافظ) وقطرية (مع صلاح جديد)، قبل الفصل البعثي الثالث والثابت من الانقلاب والاستيلاء. والمحصلة هي، على هذا، 47 سنة، على نحو ما يضم المصريون 11 سنة حكم السادات في أثنائها و18 سنة ناصرية خالصة ومباشرة الى «عمر» مبارك في السلطة، فتجتمع 60 سنة حُمِل «الأخوة المواطنون» طوالها على رعية قاصرة ومذعنة ومنقادة. [ الانصاب والآيات والمدد الطويلة التي يستكثرها المتظاهرون المنكرون على أنظمة الحكام المقيمين والمزمنين لا تقتصر على إحصاء عدد السنين (ومن معاني السنة، وجمعها على سنين، معنى القحط والمجاعة والكساد) الكثيرة واللجبة. وحين خرج المتظاهرون المنددون إلى الساحات والميادين والطرقات مخرجهم السلمي الأول وهو بقي سلمياً ما وسعهم وتُرك لهم الأمر استثنوا من «السلمية»، أو المسالمة والموادعة، مرافق و «أنصاباً» دون أخرى. فبادروا الى حرق دور بعض كبار النافذين، وأصحاب الحظوة والقرابة من رأس النظام، بقرطاج وموناستير التونسيتين. وتعمدوا إشعال النار في مباني شركات يملكها أهل الحظوة والقرابة، وتحتكر التصرف بقطاعات مواد أو عمليات مثل الاتصالات، وساووها بمباني تحلها بعض أجهزة الأمن «المركزي»، وبأخرى تنهض آية متجبرة على تسلط المنظمات الحزبية الرسمية، على ما صنعوا ببوزيد وتونس والقاهرة والاسكندرية والسويس وبنغازي وطبرق وراس لانوف وبعض أحياء طرابلس وصنعاء وتعز والحديدة ولودر ودرعا وحمص واللاذقية. فجمع المحتجون الثائرون في باب واحد ومشترك تعديات أجهزة التعسف والإذلال والتعذيب، وأقنعة التمثيل السياسي الصفيقة والكاذبة، وأدوات المصادرة الاقتصادية والمعاشية. وحين وسعهم الأمر، أدخلوا القضاء الصوري والشكلي في الباب هذا. ولعل توحيد أبواب السلطة ومواردها في باب مشترك ومتصل، ودمج التربع بسدتها الظاهرة والمرئية في وجوه مزاولتها وحمايتها البوليسية العنيفة، والاقتصادية الساحقة والمواربة، والقضائية المراوغة، لعل التوحيد والدمج هذين هما مرآة ما تفهمه حركات الاحتجاج المدنية والديموقراطية (والأهلية، في ليبيا واليمن وسوريا) من أبنية الأنظمة السياسية التي تستفز الاحتجاج وتستدرج إليه. فالمحتجون المنددون والناقمون حين يختارون، في المراحل الأولى من تحركهم وخروجهم، إحراق مقرات أمنية بوليسية، ومباني أحزاب رسمية قيادية، ومكاتب شركات اقتصادية احتكارية، إنما هم يعربون بعبارة صريحة وفصيحة عن معنى السلطة (أو النظام) في نظرهم وإدراكهم وتجربتهم الراسخة. وهم يقولون ان النظام الحاكم والمتسلط، أو «الديكتاتور» على قول الإيرانيين في أحمدي نجاد ثم في علي خامنئي، والجاثم منذ 24 عاماً الى 41 عاماً على الصدور والرؤوس، هو مركَّب مدمر من عنف مادي ومعنوي، ومن فساد اقتصادي وأهلي، ومن سطو سياسي وتمثيلي واعتباري لا قيد عليه ولا حد له. وهذا ما انتهت إليه الأنظمة السياسية العربية عنوة. وينهض عليه قرينةً حادة تربعُ قادتها في سدتها الوقت الطويل الذي تربعوه ويتربعونه. والوقت في هذا المعرض عامل نوعي وجوهري. والتنديد به ليس مظهر ضجر أو ملل أصاب جيلاً من المواطنين والسكان لم يروا، ولم يسمعوا طوال ربع قرن أو ثلث قرن إلى (قرابة) نصف قرن من السنين، متسلطاً في زي قائد ملهم وتاريخي، غير «سيادته» أو «فخامته» أو «زعامته» و»قيادته» (ناهيك بعطوفته وسماحته وقُدْسِ سره...). ففي غضون السنين الطويلة التي يجمع «الحاكم» فيها مقاليد الأمر والنهي، والجمع والمنع، في يده الغليظة لا ينفك يمد أذرع سلطانه الطويلة والملتفة الى زوايا «مملكته»، وثناياها الخفية والقصية، ومواردها الظاهرة والمستترة. ويتحول، في الأثناء المتمادية، الضابطُ الذي استولى على قصر الرئاسة ومبنى الإذاعة والتلفزيون ومقر قيادة الأركان (وسلاحي المدرعات والجو)، وحوله زمرة من رفاق «السلاح» أي الرصد، يتحول قائداً محازباً واستراتيجياً وديبلوماسياً كبيراً، ومفتياً فقيهاً، وزعيماً جماهيرياً وتاريخياً. فتخدمه أجهزة حزبية تعبوية وتنظيمية وأمنية جرارة، ويتربع في قمة إدارات ومرافق لا يحصى عديد العاملين فيها، ويسوس موارد إنتاج وقوى عاملة ودوائر تداول نصبه التأميم (وثوابت العقيدة القومية الاشتراكية) سيداً مطاعاً عليها. [ البطانات المزمنة والرؤساء الخالدون ورؤساء الأنظمة العربية، منذ ربع قرن الى (زهاء) نصف قرن، عليهم سوس هذا كله وغيره، وإذا بقي غير أو خارج، سياسة مباشرة لا تحتمل التأويل، ولا حسبان الصدور عن وسيط (اللهم إلا وسطاء أوقات الشدة والأزمة مثل محافظ من هنا أو بواب بناية من هناك). ويقتضي هذا «متابعة» وتأطيراً مباشرين، لا هوادة في معاييرهما وصرامة هذه المعايير. والمعيار الأول الصدور عن إرادة رأس النظام، و»استباق» منازعه وتوجهاته، على ما كان يقول النازيون الألمان في علاقتهم بمرشدهم وزعيمهم، أو «السير على خطه» على قول قريب جغرافية وتاريخاً وثقافة. والصدور عن إرادة مهيمنة تلزمه «عدة» (بشرية) تعمل الإرادة بواسطتها، على ما أوضح سليمان فرنجية، «الحفيد» و «صديق البيت»، بحسب تعريفه نفسه. فيترتب على هذا ملء الوظائف والمواقع الكثيرة، الأصيلة والرديفة والشاغرة والمستحدثة والمتوقعة والظاهرة والخفية، بمن هم أهل ثقة، ومستودع ودائع متعاظمة العدد والتعقيد. فلا يثبت رأس الهرم المقلوب في الولاية المطلقة وحده. ولا تدوم ولايته، وهي متصلة بشخصه الملهم وبصورته المتجسدة والشحمانية، إلا متلازمة مع مركب معقد من الأجهزة والمصالح والولاءات. فلا جمال عبدالناصر (المثال) من غير الكوكبة المتماسكة والمقربة من نوابه، ومسؤولي مكتبه وأذرعته الأمنية، و»أطر» تنظيمه الطليعي، ومحركي جماهيره وخطبائها ومثقفيها العضويين، ومن غير التقنيين والمهندسين والمخططين الذين «يترجمون» الرؤى التاريخية والآفاق السياسية إجراءات يومية، وأعمالاً إدارية وتحكيماً سارياً في الشاردة والواردة. فـ «الثورة» على النظام القديم وأصحابه ومصالحه، والاستيلاء الانقلابي أو العسكري والبوليسي «الأمني» (المخابراتي) على السلطة والمرافق والأنشطة الأهلية والاجتماعية والاقتصادية، رفعا الى مقام السلطان «قيادة» عامية وقليلة العدد ومتسرعة، وضعيفة الخبرة بمجتمعاتها وجماعاته، ولا لحمة سابقة بين عناصرها وبين الجماعات الأهلية والفئات الاجتماعية (على) الاستيلاء أو الانقلاب. وعلى هذا، تولت «القيادة» المستولية من فوق إنشاء كتلة عصبية واجتماعية عريضة تقوم محل القاعدة التي تفتقر إليها هذه «القيادة». فتوسلت الى لحمة الكتلة المصنوعة على عجل وإلى تماسكها خليطاً متنافراً من المقومات. وجمعت النزعة الاستقلالية الوطنية الى طلب الارتقاء الاجتماعي. وعهدت بهذين الى اجهزة آمرة لا رقابة عليها، تأتمر بأمر «القيادة» المستولية ولا تدين بالحساب إلا إليها وحدها. فنجم عن هذا انقلاب النزعة الاستقلالية الوطنية عصبية قومية توسعية، تجتر ثاراتها الخارجية والداخلية لا الى غاية أو نهاية. وعلى مثال قريب، قُرن الارتقاء والتجدد الاجتماعيان بالانتقام من الطبقات القديمة واختصارها في تبعيتها للمستعمر والمحتل السابق، وبالإطباق على المقدرات والموارد واستهلاك ريوعها وتوزيعها على جماعات موالين لقاء ولائهم، وخنق مصادر تجديد الموارد وبواعث هذا التجديد. وأوكل النظام الجديد تدبير العوامل المتنازعة والمتدافعة، ورعاية هذا التدبير الى أجهزة متسلطة لا قيد عليها غير السلطان النافذ الكلمة والأمر والمصالح والتحكيم. وعندما تصدعت لحمة الكتلة المرتجلة، جراء إخفاق السياسات القومية التوسعية، وتآكل العوائد الريعية، وتفاقم المنازعات في صفوف قيادة الكتلة العصبية والاجتماعية وقواعدها، وظهور بوادر العولمة المالية وأعراضها الأولى (ومنها تراكم «البترو دولار» غداة حرب تشرين 1973) اضطرت «القيادة» المستولية الى إرساء استيلائها وسيطرتها على عوامل وأركان جديدة. فهي نزلت عن رعاية العصبية التوسعية والقومية، وارتضت محلها سلماً بارداً، ووطنية منكفئة ومكلومة، وانقياداً خجولاً للسياسات الأميركية. وعوضت القوات المسلحة، لقاء منزلتها الظاهرة والرمزية الثانوية امتيازات اقتصادية وبيروقراطية كثيرة. وبنت دعامتها الاجتماعية على أنقاض القطاع العام وإداراته الخاسرة السابقة، من المقاولين، ووارثي الشركات المخصخصة، وأصحاب «القطائع» المحظيين، والمضاربين والوسطاء، وشركاء هؤلاء جميعاً المتقاعدين من الجيش والإدارة وقممها، والأقارب وشبكاتهم المترامية. ولم يحرر التخلي عن الدولة المتسلطة والجامعة، باسم «المشروع» القومي التوسعي والارتقاء الاجتماعي («العدالة الاجتماعية»)، المجتمع وطبقاته وفئاته من التوحيد السياسي والبوليسي القسري. فبقيت هيئات التمثيل والتحكيم والعلانية، من مجالس نيابية وبلدية ومحلية ونقابية مهنية، وقضاء (على مراتبه واختصاصاته)، وأجسام دينية أهلية أو وطنية عامة، وصحافة وإعلام، وأحزاب وجمعيات، وإدارات، في قبضة الدولة أو «القيادة» المستولية. [ سلطةٌ من غير ضد فما يقوم من الدولة والسلطة مقام الند والصنو، وما عُرف في التاريخ السياسي البريطاني الليبرالي باسم «حزب البلاد» (أو «حزب البلد«) في مقابل «حزب التاج» أو العرش، وهو في مصطلحنا المعاصر «المجتمع» أزيل عن محله الندي والضدي المقيِّد، وأخرج من دوره ونفيت حقوقه، وألحق قسراً بدولة متسلطة. وتسلطت هذه، أي «قيادتها» المستولية، على هيئات التمثيل، ووسائط العبارة العلنية عن المجتمع وهويات جماعاته. وحلت محلها في تعريف المصالح الجزئية والمصالح العامة، وفي وصف هذه المصالح من غير الاحتكام الى أصحابها، وعيار أوزانها ونِسَبها. وأنكرت «القيادة» المستولية جواز قوانين ومواثيق وأركان تعلو مصالح (أصحاب) الدولة المزعومين والمفترضين، وتصدر عن حق طبيعي راسخ. وتصدر بدورها القوةُ التشريعية والإدارية عنها، وعن التزامها. ويتولى القضاء، والمتقاضون جماعات وأفراداً، صوغ أحكامها، وتأويلها، والاجتهاد المضبوط في التأويل وفي بت المنازعات والخصومات اللازمة. وعلى الحال والمنوال هذين، تعاظم سلطان «قيادة» الدولة على المجتمع، وعلى قواه وإراداته وحاجاته، وحيل بين هذه وبين مراقبة آلات السلطان الجامح وتقييده، وإلزامه اعتبار حقوق الغير والناس واحتساب موجبات إراداتهم وخلافاتهم في سياساته. فمن جهة، انكفأت «القيادة» المستولية وأجهزتها وكتلتها وشبكاتها على نفسها انكفاء المرتبة المغلقة المرصوصة والمتوارثة («كاسْت»، على قول فرنجي). واستقلت بحالها عن العوام والرعية والجماعات، أو هي سعت في استقلال متوهم وممتنع. وحرست الانكفاء والاستقلال هذين من طريق تعطيل هيئات التقييد والتمثيل والعلانية والمنازعة والإدارة التقنية، وإلحاقها بها شأن الأجهزة الصماء المتفرقة. وسوغ، تسويغاً شكلياً وكاذباً، الانكفاءَ المرتبي المغلق أمران متصلان: تعليق الدولة الوطنية وسياستها وأدوارها ووظائفها على «المسألة القومية» (والدينية)، بعد صوغها صياغة عصبية ثأرية، و»وجودية» ذرائعية، أسهم التهافت الفلسطيني الوطني في دوامها. والأمر الآخر هو إناطة «المسألة»، وإدارتها وتدبيرها الى قوة على حدة من المنازعة والقانون والحسبة. وتصدر سمات القوة، على هذه الشاكلة، عن تقاليد سلطانية وعصبية استبدادية مديدة، لعل «التنظيمات» العثمانية وملابساتها من المثالات الكلاسيكية والحديثة عليها (ويحلو الكلام اليوم على «ثقافوية» التقاليد، ويسوغ نفيها واطراحها من غير فحص ولا تقويم). وتستقوي السمات هذه بحوادث متجددة، وموازين قوى متغيرة، وبموارد غير محلية غالبة وقاسرة. وتفحُّص الحركات المدنية الديموقراطية في ضوء التاريخ المديد ومراحله الأخيرة، وفي ضوء ملابسات نشأتها واشتداد عودها حيث اشتد عودها وتعثرها حيث تتعثر، يحقق الملاحظات التي تقدمت. فدواعي النشأة الأولى تعود كلها الى ما سماه المصريون «التوريث». فقبل نصف عقد ظهر الأبناء والأصهار وأبناء الأخوة والزوجات والأصحاب، وتحلقوا حول الحكم، واقتسموا المرافق، واستولوا على هيئات التمثيل والعلانية. وفاقم ظهورهم الصارخ التفاوت الاجتماعي الحاد بين المرتبة المغلقة المرصوصة والمتوارثة وبين الطبقات المتوسطة «الجديدة» (من غير الموظفين وأصحاب المصالح الصغيرة والمتوسطة)، المولودة من الخصخصة والانفتاح والعولمة والهجرة ومرافق الخدمات. والتوريث هو تتمة تعاقب الولايات الرئاسية، واستقرار «الولايات» والامتيازات الأخرى المتفرعة عنها، وتمتع الرئاسة بصلاحيات «مطلقة»، من غير قيد ولا حصر. ولكن التتمة لا تقتصر على الكم، وعلى عدد الولايات على رغم ثقلها، وتتعدى العدد الى كابوس «الأبد» النوعي. ويتصل بهذا، أي بالتوريث ودلالته، الانفجار السكاني وغلبة الشباب على السكان، وضيق سوق العمل، وزيادة البطالة، وانتشار العلاقات الأفقية والافتراضية، ويسر دخولها والانخراط فيها. ولكن «الثورة»، على ما يسمي التونسيون والمصريون والليبيون والسوريون واللبنانيون والبحرينيون واليمنيون حركاتهم المتفرقة والمختلفة، سياسية واجتماعية فوق ما هي اقتصادية. والقيام على التوريث هو قيام على الحجر على الحريات السياسية والمدنية، وعلى توسل هذا الحجر الى خنق المطالبة بعدالة توزيع الموارد وموازينها. وفي عداد هذه الموارد والعوائد مورد الهوية (الأهلية والثقافية والمهنية والعمرية والجنسية والفردية...) وإعلانها وتداولها في دائرة العلانية العامة والمشتركة، على ما لاحظ الأميركي مايكل والزير. فينهض التوريث آية على تأبيد احتكار المرتبة المغلقة («الطغمة») الموارد واقتسامها وتوارثها من غير قيد. ويقتضي تعطيل القيد، أو القيود على احتكار الموارد، تعريف الهويات بهوية (قومية دينية) واحدة، ونفي الهويات الأخرى والطعن فيها وعليها. ويترتب على التعريف والنفي المتعسفين إنكار التمثيل والحق فيه، وإنكار حقيقة النزاعات والانقسامات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. والحال هذه، لا حاجة الى تجزئة التمثيل، وإلى وصف المصالح المتباينة علناً وجهاراً، ولا إلى التحكيم في المنازعات بواسطة القانون والقضاء والتقاضي. ولا ريب في أن غلبة الهوية الوطنية على الدولة والمجتمع واستقرارها، قياساً على اضطراب الهويات الأهلية الكثيرة وتخطيها المزعوم في هوية «قومية» متعالية ومفارقة، عجلت في نشأة الحركة المدنية الديموقراطية في تونس ومصر، ومهدت الطريق الى انفكاكها من ربقة «القيادة» المستولية والمتسلطة، على خلاف الحال في ليبيا وسوريا والعراق ولبنان واليمن وفلسطين. فتقاسم الهوية الوطنية يحول، على الأرجح، دون انتصاب جماعة من الجماعات الأهلية، أو سلك من أسلاك الدولة، مستودعاً متميزاً للهوية وولياً قواماً عليها. ويبطل طلب الجماعة امتيازات وسلطة قاهرة لقاء الوديعة المفترضة وحراستها وحمايتها. وما حظرته «القيادات» المستولية على الجماعات من تمثيل ومنازعة وعلانية وفرت بعضه وسائل الاتصال والإعلام الاجتماعية الرقمية والتلفزيونية. و»اتفق»، وقتاً وزمناً، انتشارُ استخدام هذه الوسائل في صفوف الشباب مع انعقاد بعض ثمرات العولمة ومفاعيلها في «تحرير» المرافق المؤممة وسوق العمل، وفي تبلور الطبقات المتوسطة الجديدة ووسائط اتصالها ومخاطبتها و»ثقافتها» وترتيب مشاغلها. وآذن تضافر المشكلات والمسائل والظاهرات هذه أي بروز التوريث واستتمامه تعاقب الولايات ومراكمة الاستحواذ على الموارد، وقصره الاستحواذ على مرتبةٍ مرصوصةٍ ومغلقةٍ والحجرُ على التمثيل والمنازعة والعلانية، وقيام وسائط علانية اتصالية واعلامية محلَ وسائط علانيةٍ اتصالية واعلامية محل العلانية السياسية آذن بأجوبة وحلولٍ غير الاجوبة والحلول المتوقعة والمولودة من داخل الانظمة السياسية وعلاقاتها. وفاجأت الجِدَّة الانظمة الاولى التي أصابتها الحركات المدنية والديموقراطية. فهي لم تعتد انكاراً ومعارضة من هذا الضرب، ولم تعد العدة لمثله. والمعارضة والانكار المعروفان والمختبران من قبل هما الصادران عن أحزاب أو حركات سياسية، معلنة او سرية، تنافس الطاقم الحاكم على السلطة والدولة والادارة والموارد، وتخوض المنافسة غير المتكافئة في دائرة لا تسوغ فيها المنافسة ولا تتمتع بأضعف شرائط المساواة. وأما الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية فلا تنافس على السلطة، بل تخرج من ثنايا المجتمع ناضجة، وتأخذ «القيادة» على حين غرة ومن خلف، إذا جازت العبارة. وارتجال الحركة، وهي لا شك تكونت في رحم حوادث وانعطافات عامة وخاصة لا تحصى، عامل قوة. وتبذل الانظمة، وطبقاتها الحاكمة، وسعها في سبيل الحركة الديموقراطية الى دائرة سياستها وعنفها، فإذا أفلحت تعثرت الحركة بالسياسة والعنف هذين. واستحواذ «القيادات» المستولية على السياسة، واستبعاد الحركة الاجتماعية والمدنية من دائرتها، جزء من قوة «القيادات» وأنظمتها المغلقة والمنكفئة. فإيصاد باب المجتمع السياسي العلني، والحؤول دون دخول الحركات المدنية والديموقراطية حلبته ومنازعاته ومنافسته على التمثيل، يقصران هذه الحركات على تناول أركان العلاقات السياسية (بين الحاكم والمحكوم) ربما وشرائطها الاجتماعية، ولكنهما يمنعان الحركات هذه من مباشرة السياسة ووجوهها السلطوية (تدبير السلطان والقوة) وعوامل الهوية فيها، مباشرة عامة وشاملة. فيؤدي «تقسيم العمل» الى تنصيب المجلس العام العسكري وصياً على الدستور والمرحلة الانتقالية وولياً. ويؤدي في بلدان أخرى إلى دوام الوصاية والولاية ما أشكل على جمهور المواطنين العلم بما تبطنه الحركة المدنية الاجتماعية من آراء وأحكام. فهذه الحركة ليست بديلاً من السياسة، ومن الحركات السياسية.

الاثنين، 7 مارس 2011

خطابة الديكتاتورية العربية الآفلة و"ثوراتها"... في حلّة وأداء مسرحيين وأوبراليّين هازلين ومأسويين

المستقبل 6/3/2011

كانت خطبة «العقيد» معمر القذافي، في ختام 41 سنة ونصف السنة من الاستيلاء المباشر (1 ايلول 1969 22 شباط 2011)، بياناً مسرحياً، شكسبيرياً أو بيرنديلوياً أو أوبوياً (نسبة إلى «أوبو ملكاً» لألفرد جارّي الفرنسي)، في السلطة والحاكم الفرد والتأله السلطاني الهاذي والعزلة. والبيان الطويل والفذ والاسثتنائي آية من آيات الأداء المتلفز والمباشر، لغةً وإلقاءً وتشخيصاً ولباساً وقيافة و«ديكور» خشبات وأدواراً ثانوية. فالرجل الذي ظهر فجأة على شاشات الفضائيات، قبيل السادسة مساءً (أو الثالثة في توقيت غرينتش)، وتكلم طوال ساعة وربع الساعة، بدا، وهو في السبعين من العمر، إذا صح أنه كان في الثامنة والعشرين حين استولى على حكم ليبيا وطرد الإدريسيين عن العرش، حطاماً إنسياً، وبقية بشرية. ولولا ترويع الأخبار والصور الصادرة عن بعض البلاد الليبية، وأولها بنغازي، ونذر الهول التي لم تتكتم عليها كلمة سيف الإسلام معمر القذافي قبل يومين (في 21 شباط)، لكانت الخطبة المعمرية من أمهات الأعمال المأساوية والمسخرات الهازلة معاً.
فالوجه غارَ في تجاعيد بشرة وغضون من غير لون ولا التماع. والقسمات ارتخت، وتراكم بعضها فوق بعض لزجاً وهلامياً، على ما يرى في بعض أشرطة ميازاكي المصورة والمتحركة. وانقلب محور الوجه أو قوامه وعباراته من الطول، على ما هي حال الوجه العادي، إلى العرض. فتراكمت القسمات، الواحدة فوق الأخرى، واقترب بعضها من بعض على نحو غير مألوف في الوجوه. وظهر التحول في الشفتين والفم فوق ظهوره في القسمات الأخرى. فحلت فيه، في التوائه العَرْضي ولعابه واندلاقه على الذقن تحت شعر الشاربين المتفرق والقليل والضعيف، عقود من الازدراء والقرف والكراهية والتجبر والانكفاء على نفس لا نافذة لها ولا شرفة. واعتمر الخطيب المفاجئ، والمتهالك بعضه على بعضه، قبعة قد تكون صحراوية، تشبه شبهاً غريباً قبعات الأمراء والقادة الإيطاليين في تصاوير القرنين الخامس عشر والسادس عشر ولوحاتهما. ولبس صدرية من اللون البني الغامق نفسه، تنتهي في الجزء الأعلى بياقة عريضة تنبسط على معظم هذا الشطر من الصدر. فلم يعوض اللونُ البني، وهو قريب من لون وبر بعض الجمال والنوق، بشرةَ الوجه الكالحة والمغبرة «لهجةً» لونية، على قول صنّاع التزويق وأصحابه.
فرح الاعدام
ووقف الخطيب البادي الاضطراب، والحاضر حضوراً طيفياً أقرب إلى تطواف الصدى بين الأقبر في حكايات الجن وعبقر البدوية، في مدخل ثكنة العزيزية وبوابتها الحديدية بطرابلس الغرب. والمبنى العسكري والستاليني العمارة، ضخامة وثقلاً وإرهاصاً بالخراب وامتناعاً من إحاطة الصورة القريبة بأنحائه كلها، ظاهر الخلو من السكان والمقيمين. وهو لا يزال يحمل آثار قصف سلاح الجو الأميركي في 1987، رداً على ضلوع «الأخ العقيد» في اغتيال جنود أميركيين ببرلين. ووقف الزعيم الثوري متداعياً تحت قوس البوابة، وراء منصة عارية نصب فوقها لاقط صوت معدني نحيل. ويحف المسرح الهزيل والمقفر نصبُ ذراع طويلة وقوية وقبضة تهصر طائرة فانتوم أميركية، عادت عدسة التصوير إليه المرة بعد المرة، وترددت بينه وبين بوابة ثكنة العزيزية وواجهة المبنى الخرساء ووجه الخطيب الأغبر، وقيافته الصحراوية والنهضوية الإيطالية. وخطب حوله «جمهوراً» ضئيلاً ومتفرقاً وصفه عبدالرحمن شلقم، وهو وزير خارجية «الأخ معمر» سابقاً ومندوبه الدائم إلى الأمم المتحدة قبل استقالته و «صديقه» بداهة، غداة الخطبة بيومين، فقال: كان القذافي يخطب جمهوراً هو «أطفال أتى بهم من دور الرعاية (...) ومواطنين هم جنود ألبسوا زياً مدنياً«.
وتكلم «القائد المؤسس»، غداة تلويح ابنه «السياسي» والديبلوماسي، والمفاوض، ومحرر الرهائن وبيّاعهم في سوق طويلة عريضة حدودها مستشفيات طرابلس الغرب وصوفيا البلغارية وأدغال تايلندا وبرلين واسكوتلندا ولبنان وليبيريا وإيران وسوريا وفلسطين بحرب قبائل وبلاد وديرات وأهل. وهي حرب سبق أن نفخ والده الذي «لا يمس» في مثلها بلبنان، قبل نحو 30 عاماً، وبالصومال وتشاد والحبشة وأطراف السودان ومالي إلى ليبيا نفسها، في العشرين عاماً «الافريقية» الأخيرة. فأوجز، إذا صدق الفعل في خيوط الكلام المتقطعة مثل خيط طائرة ورق مرتجلة، فلسفة ثورته وروحها، وبسط حوادثها ووقائعها وأحكامها، إيجازاً وبسطاً لا ريب في أن صورهما التلفزيونية «عمل» يجب حفظه وتداوله.
فالرجل الذي تربع طوال أربعة عقود وبعض العقد على كرسي بلد افريقي شاسع، محوري ومفتاحي (بعد الاستئذان من فاروق الشرع وبثينة شعبان) موقعاً ونفطاً، ومد يديه الطويلتين، وعضدهُما «الفلوس» الغزيرة والسائبة واستباحة القتل من غير قيد، إلى بعض أنحاء الأرض، يبحر في الكلام والمخاطبة من غير دفة ولا شراع ولا بوصلة أو خريطة. فينتقل موج الخطابة المتلاطم بين الجهات كلها، ويتقدم وينكفئ على عقبيه، وييمم شمالاً ويحيد جنوباً، ويبدي ويعيد، ويقطع البداءة والإعادة، ويخلط الواحدة بالأخرى. ويوعد ويتهدد ويستجدي ويستدرج ويهيب ويسلّم وينزل ويعد. وينتصب ويتهالك، ويبدل نظارتيه، ويتفقد قبعته طويلاً، ويسوّي حمالة ثوبه العريضة بين كتفه وخصره. ويقطع الخطابة بقراءة مخطط خطبته، ويشرب من كوب ماء يأتي بها أحد خدمه، ويقرأ في قانون العقوبات الليبي «قبل الثورة». وتقتصر قراءته على «إعدام». ويكرر اللفظة في ختام جمل تصف الجرائم قبل النص الواحد على عقوبتها. ويفرح باللفظة فرح الولد بلعبة يخبئها تحت غطاء يخفيها، ثم يشد الخيط فتظهر اللعبة بعد خفائها، وتهتز أعطاف الولد انبهاراً بسحرَيْ الخفاء والتجلي، واحتفالاً بولادة الكلام الذي يوقّع السحرين توقيعاً منظوماً، ويعاقب بين الساكن والمتحرك معاقبة «قانونية». «إعدام»، «إعدام»، «إعدام»... وكأن هذا هو وجه المعنى وإيذانه وبشارته وعبارته المبينة.
وتتداعى الخطبة في هذا الموضع تداعياً مفاجئاً. فينعطف «القائد» صوب حوادث ووقائع دامية ومعاصرة، وقعت في العقدين الأخيرين، مثل مقتلة تيان آن مين ببكين في 1989، وقصف الدوما الروسية في 1992 (وأغفلها ملخص الخطبة). فيرويها رواية «روحانية»، ويستحضرها على نحو استحضار المسحور، أو المربوط الذي حل الجن حركات جسده وعبارات لسانه، خيالاته المعذِّبة. وراوي الكوابيس هذه يرى الآن وهنا ما يرويه. وتغشى رؤاه السوداء والليلية عينيه وكلماته. ويخبر الرجل المتصدع، على شاكلة الملك لير في عين العاصفة الليلية، المنفضين عنه وأعداءه المتكاثرين أخبار حملات قمع دامية جردها حكام طغاة دينغ هسياو بينغ في الصين الشيوعية، وبوريس يلتسين في روسيا النافضة عنها لتوها رداء الحزب الدولة الحديدي، وبيل كلينتون مزعوم هو من بنات دماغ الخطيب المحموم على متظاهرين عزل أو نواب معتصمين في مبنى الدوما. وإذا بلطخات ومعرات تصم سير هؤلاء الحكام وسجلاتهم «الإصلاحية» تنتصب علامات هداية ورشد وفقه يهتدي بها والي حركات السطو والاغتيال والخطف في أجزاء من العوالم العربية والإسلامية (وبعض الأوروبية، من طريق الجيش الجمهوري الإيرلندي و «كارلوس» القاتل الفينزويلي - الفلسطيني...). ويردد السائر على نهج القتل العمد على مسامع «رعيته» بشائر إردائهم بنيران قواته الخاصة و»فيلقه الافريقي»، وقوات أولاده، الساعدي وهنيبعل وخميس، وجحافلهم.
وفي الأثناء، بينما يرتجل الخطيب دعواته وتذكيره وتهديده ووعوده، ويتنقل بين الواحدة والأخرى على غير هدى ولا منطق، تُسرّي آلة التصوير عن المشاهد، فتترك الخطيب المفترض يغرق في أَجَمة خطابته ويتيه في شعابها المتشابكة، وتثبت صورها بوابة الثكنة، أو واجهتها، أو نصب الساعد والقبضة والطائرة الحربية. وتلم إلماماً خاطفاً بوجود أولاد دور الرعاية والجنود المتنكرين في زي مدنيين، وبهتافاتهم الناحلة وسواعدهم وقبضاتهم. ويبدد تعثر إلقاء القذافي، وتضييعه خيط كلامه، وعودته المكررة والآلية إلى مسائل سبق تناولها قبل لحظات، وتأتأته، تبدد هذه الإيحاء «الحربي» و «البطولي» الذي قصدت الصور الهزيلة الرمز إليه، والتمثيل عليه. فتنقلب المحاكاة «الثورية»، والبطولية الفاتحة، مشهداً بائساً ومتداعياً يؤديه امرؤ مستعار من مسرح صمويل بيكيت المقفر. فكأنه من «أبطال» «في انتظار غودو» أو «ختام اللعبة» المعفَّري الوجوه بالطحين، أسرى جرار مهشمة ومنزوية تقوم منهم محل الصدر والجذع والحوض والقدمين.
[اصل الاستبداد الإرادي
فالخطيب الذي يرى نفسه، في مدخل الثكنة الخربة التي قصفتها «القوة العظمى» قبل ربع قرن، وارثَ حرب عمر المختار على المحتل الإيطالي وانتصارات جمال عبدالناصر على الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة والجديدة وعلى «أذناب الاستعمار»، هذا الخطيب لا يرى الفرق بين «وقفته» الأخيرة وبين مواقف الأسلاف العظام، المحدثين والقدماء (عقبة بن نافع وطارق بن زياد وغيرهما من المحاربين والفاتحين الذين سمى باسمهم حامل راية «الفاتح من سبتمبر» القواعد العسكرية التي أخلاها الأطلسيون نزولاً على رغبة العقيد الانقلابي). وغفلته عن الفرق بين مسرحه الركيك والميلودرامي الآفل وبين مسارح الحروب والفتوح والأفعال التاريخية والدرامية الكبيرة قرينة بليغة وجارحة على هزال ما ينصب «الواحد»، على قول إتيين دولابويسي في السلطان المستولي، طاغية فرداً، وحاكماً بأمره ونهيه.
وكان لابويسي (1530- 1554) سأل عما يسوغ انقياد الناس إلى صاحب سلطان آمر وناه فيهم، وهم الكثرة والعدد والقوة والرأي واليد المنتجة، وهو أي صاحب السلطان في أحيان كثيرة، قليل الأنصار وخاوي الوفاض من القوة والرأي والتدبير. ويعزو المفكر السياسي الفرنسي رفع الطاغية إلى مرتبة السلطان الواحد، إلى «إرادة العبودية» والانقياد والتسليم، وذلك بإرادة ورغبة تلقائيتين لا مسوغ لهما مسوغاً «موضوعياً»، مثل ميزان القوى وكفاءة القائد وتفوقه، إلخ. فهو قد يكون «عبداً أجدع»، على ما جاء في بعض الحديث، أو رجلاً ضئيلاً وأشوه وأحمق وألثغ، على قول صاحبنا. ولا يحول هذا بينه وبين صدوع الرعية بسلطانه وطاعته، ورفعه فوق مرتبة البشر، وحله المرتبة «العظمى» والمنزلة السامية والمتألهة.
ويحقق «قائد الثورة» الليبي الرأي في أصل الاستبداد ا لإرادي والطوعي، على معنى التسليم والتصديق والاعتقاد. وخطبته الهاذية، والمشهد الميلودرامي والأوبرالي الهازل (والمأساوي) الذي اختاره ساحة ومعرضاً، بيان بليغ عن أركان سلطاته أو سلطانه. والبيان القذافي، شأن الأسطورة أو الخرافة ومقارنةً بالتجربة المعللة، «لا يُدحض»، وليس إلى إبطاله ومناقشته سبيل. فهو، من هذا الباب، شكلاً ومضموناً، مثال أنموذجي لخطابة (وخطابات أو مقالات) «القادة» العرب المتسلطين والمؤبدين. وهو مثال أنموذجي لأفعالهم وتصريفهم السلطة المؤبدة التي صنعوها، وتواطأت جماعات بلدانهم على صنعها والإذعان لها.
ولعل ركن السلطان المشروع والمطلق الذي ينسبه إلى نفسه معمر ابن المجاهد البطل محمد («من ابطال القرضابية وتالا... المدفون في الهاني») ابن عبدالسلام أبو منيار («أول شهيد سقط فوق الخمس في أول معركة عام 1911»)، وابن أخي الشيخ الساعدي («في مقبرة منيدر») هو تحدره من نسب بطولي «ثوري»، يرتقي بدوره إلى اصل متأله. وما قد يبدو في الكلام السائر مجازاً، وقولاً مرسلاً على عواهنه، ينتصب في خطابه «القيادة» كتلاً من صور وألفاظ وأفكار أو أحكام يترتب عليها إنشاء عالم الحياة التاريخية والسياسية على مثال وشكل بعينهما. وتعريف الرجل نفسه «قائد ثورة»، ونفيه عنه، تالياً، الرئاسة أو غيرها من ألقاب الانتداب أو التكليف أو التمثيل، هذا التعريف يقصد به «قائد الثورة» تخطي الوسائط السياسية، والهيئات والمؤسسات، إلى جوهر السلطة الذي لا اسم له، ولا تمثيل عليه. وذلك أن الاحتكام إلى الرئاسة، أو إلى الوسائط السياسية والهيئات، وإلى الانتداب والتكليف، يلزم عنه تقييد الرئيس ومتقلدي المناصب بقيود تعاقدية وإجرائية دستورية.
وهذا ما يسارع الوالي المتصدع والمتداعي إلى نفيه أشد النفي. فيُتبع تجديد صفته «قائد ثورة» بالإيضاح: «والثورة تعني التضحية دائماً وأبداً حتى نهاية العمر» عمرِ قائد الثورة وأعمار أبنائه وأحفاده إلى حين انقطاع ذراريهم بمشيئة علوية ربانية («إلى الأبد»)، في مقابلة ونظير «أجدادي» و «أجدادكم»، و «دماء أجدادنا» الواحدة، أنا وأنتم. وعلى هذا، فالثورة، وصنوها القيادة، لا تقتصر على الإنشاء والتأسيس، أي على الولادة. ومن بعد الولادة على تحرير الأولاد من والديهم، ومن ولايتهم عليهم، وتركهم يبلغون رشدهم وأشدهم أحراراً من غير وصاية أو ولاية مزمنة. فالإنشاء والتأسيس الثوريان لا ينتهيان إلى حد أو وقت. وهذا ما مثلت عليه وتمثل الأسر الحاكمة «الثورية» و «التقدمية» العسكرية، من اليمن إلى تونس، وبينهما علناً أو وراء الستارة العراق (الصدامي بعد العارفي والقاسمي) وسوريا (الأسدية أبداً ودوماً) ولبنان (الحزب اللهي الحرسي) ومصر (الناصرية) والجزائر (البومدينية).
[وصلة العالمين
ومرجع الإنشاء والتأسيس الثوريين والمرسلين لا إلى حد أو غاية هو التضحية، على قول صاحب النظرية الثالثة، و«قبلة» حركات التحرر العربية والإسلامية والعالمثالثية الثورية وقيادييها ومقاتليها ومناضليها وصحافييها وباحثيها وجامعييها وطلابها وروائييها وشعرائها ونقادها وناشريها. والقيادة الثورية، «دائماً وأبداً» مرة أخرى، أولها تضحية بالنفس والدم والأهل وملك اليمين. ومن يضحي بهذا كله وهو لا يُحصر، ويهبه هبة لا يرجو لها ولا عنها مقابلاً أو ثمناً، يشترط لقاء هبته السخية والكلية مكافأة مثلها، لا يحصر سخاؤها ولا قيد على كليتها. والمكافأة المستحقة هي القيادة الثورية أو الولاية الكينونية، في مصطلح الخمينية ووكالاتها، «حتى نهاية العمر» والأعمار المتحدرة من العمر الأساس والأول. والقيادة الثورية، على الصور القذافية والناصرية والصدامية والأسدية والبومدينية والصالحية والبنعلية، إنما تستحق المكافأة العظيمة وربما الباهظة هذه لأنها فعل يصل عالم الخلق، ودنيا الإنسيين والشاهد، بعالم الغيب والميعاد والبقاء، على ما لا يصرِّح «العلمانيون» ويجهر العرفانيون والمتألهون الخمينيون. وقائد الثورة، المقاوم والمجيد والمقاتل والحر والمجاهد والتاريخي والطاهر والفارس والشهيد «في النهاية»، هو هذا كله في آن، وجامع أسمائه الفاضلة (ولولا الفتنة لما اقتصرت على الفضيلة وتجاوزتها إلى الحُسن)، لأنه عائد من مجابهة الموت، ويعشق «عادة» الشهادة، وقافل منتصراً ومظفراً ومعاهداً.
و»ليبيا شجرة نحن نتفيأ ظلالها لأننا غرسنا(ها) بيدنا وسقينا(ها) بدمنا». فالراجع من الموت حياً ومخضباً بدم التنين أو أبي الهول، أو الشيطان الاكبر، ليس حياً كسائر الأحياء وسوادهم وعامتهم، بل هو مبتدئ حياة، ومتعهد حياة وارفة وظليلة بسقايته الشجرة (الأمة) بدمه ودم أبيه وعمه وجده الجاري في عروقه وعروق أبنائه وبنته وأنسبائه الحقيقيين والوهميين. والخطبة المعمرية والعربية النسبية لا تنفك تروي سيرة الموت والبطولة المجيدة. وفصلها الأول، بعد فصولها الأولى التي سطرها الجد والأب والشيخ العم، مداهمته إذاعة بنغازي، وإعلانه «البيان الأول لتحرير ليبيا المحتلة» في «الفاتح العظيم» من ايلول (سبتمبر) 1969. وعلى من قد يستهين ببطولة المداهمة، وإعلان بيان التحرير، أن يعلم هول ما حرر منه البطل والقائد مذذاك «الليبيين والعرب والمسلمين» (وافريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا والعالم، على قوله في مواضع متفرقة ومتواردة من الخطبة). فهو حررهم من «5 قواعد أمريكية (و) 20 ألف إيطالي يحتلون الأرض الليبية من مصراته إلى ترهونة إلى صبراته تحت السلطة المدنية الطليانية (...) وكانت البطنان محتلة بالكامل بالقوات البريطانية، (و) طبرق ترزح تحت السيطرة البريطانية الكاملة«.
والحق أن هذا غيض من فيض. وقبل المداهمة وإعلان بيان التحرير كانت «الأرض الليبية» تنوء بأسباب الدمار وأعوانه ودواعيه: وهي «كل الدكاكين والورش وكل الخدمات، وعندهم (الطليان والأمريكان والبريطانيين) أعضاء في مجلس النواب ليبيين مرتشين». وفوق هذا، ناءت الأرض الليبية بالأسماء الأعجمية ومهانتها الفظيعة: «معسكر المستشفى في بنغازي، هذا كان معسكر ويفل، مكتوب عليه اسم ويفل». والمداهم العظيم وحده «(تجرأ) على أن يشطب على كلمة ويفل». ومعسكر الفويهات كان اسمه ديغاروستا. والبطل العربي بعث من رميم العجمة ورمادها البارد جمرة العربية ولألاءها، اسماً وحالاً وحياة. والمداهم الجريء وحده، وصحبه الخلص وهم فيض منه وفرع، أعلن من ميدان الجلاء في طرابلس ولا يقدح في عظمة الأمر أنه إعلان، وبقي إعلاناً «ان القتال سيكون من شارع إلى شارع، ومن بيت إلى بيت، ضد القوات الأمريكية... ما لم يتحقق الجلاء». وكفى الله المؤمنين القلائل شر القتال، وكفاهم «فقصَ وجه البارود، وتفجيرَ (القنابل)». فجلت القواعد الأمريكية الخمس، والقوات البريطانية، وجلا الـ20 ألف إيطالي (مدني)، وتحررت ليبيا من الاحتلالات، ومن «النكسة والعودة للوراء والخزي والعار». وهي، على هذا ومذذاك وإلى يوم الدين والنشر، غنيمة غالية، وطُعمة محرريها وحدهم. فهم، أو بقيتهم الباقية والمقتصرة على الرجل وذريته وفروعه، ضحوا بأنفسهم، وأعدوا العدة وأعلنوا، حين لا يعلم أحد «أين كنتم (أيها المتظاهرون المحتجون)؟ أين كان آباؤكم وأجدادكم أنتم يا مرتزقة...؟ لم تقولوها أنتم أبداً ولا آباؤكم يا شذاذ الآفاق، أين كنتم أنتم؟!».
فمن لم يضحّ بنفسه، أو لم يعزم عزماً أكيداً على التضحية بها ولم ينوِ الشهادة على قول قائد الثورة الليبي، ومرشد الثورة الإيراني وحرسها وباسيجها وأنصارها وقواتها الخاصة والعامة هذا لا حق له في الحكم والقيادة، أي في الولاية البطولية والمقدسة والحرام. والحق في الولاية حصري. ولا يرى السلطان الليبي الآفل حرجاً في نفيه من هذا الحق الأبناء والآباء والأجداد، ولا الأولاد والأحفاد والأرحام (الفروج والأعراض)، والأموال بديهة أو «فلوس البترول» التي يزعم قائد الثورة الطاهر والحر انه عيي وهو يقول لليبيين «خوذوها بيدكم، كل شهر خذوا فلوس البترول وتصرفوا فيها» (بينما تتواتر الأخبار والأرقام عن أصول «سيادية» مودعة في المصارف والبورصات باسم «القائد» وذراريه وفروعه تبلغ قيمتها 100 مليار دولار). وتتجدد الولاية بتجدد «العدوان» المتناسل على باب العزيزية، ومربعها الأمني والاستخباري. وتحشد الرواية الخرافية المعمرية الأعداء من كل حدب وصوب، وهو يحصي العشرات منهم بالاسم: جبروت امريكا، وجبروت بريطانيا، والدول النووية، وجبروت حلف الأطلسي، وفرنسا «في الجنوب»، والسادات، وهبري (التشادي)، وهيلاسلاسي (الإثيوبي)، وبورقيبة (التونسي)، والنميري (السوداني)، إلى «الرجعية وعملاء الاستعمار» وإسرائيل، وغيرهم كثر.
[الدولة المزدوجة
وعلى صورة الرواية الأسطورية والفلسفية المتواترة والسائرة، وهي رواية حربية بدوية الأصل ورعائية، يسود المقاتل البطل والمقدام، العازم على التضحية والفداء شأن القائد و «طبقته»، القاعدين عن القتال، و «طبقة» المرتزقة. وهؤلاء لا يُعلم أين كان آباؤهم وأجدادهم، ولم يعلنوا ان القتال سيكون من شارع إلى شارع، ولا فقصوا باروداً ولا فجروا قنبلة، ولم يناطحوا الطائرات الأميركية، ولم تقصفهم هذه ولم «تدق بيت (هم)» ولم تقتل أولادهم. وهؤلاء، أي الكثرة الغالبة والساحقة، هم «رعية»، على معنى غيبته ذاكرة «ديموقراطية» على رغمها، واطرحت منه الترتيب الأخلاقي والسياسي والعرقي والبيولوجي. فالرعية هذه، بإزاء طبقة الحكام الأشراف والسادة (أو طبقة «أشرف الناس» و «المقاومة»، في المصطلح الخميني والبعثي المسلح)، هي طبقة لجبة تلم في صفوفها من لا يحصون عدداً: الدراويش والملتحين والمعممين والمنتكسين وأهل الحضيض وأشباه الليبيريين واللبنانيين والجرذان والمأجورين وشذاذ الآفاق والفئران والشذاذ والمتشدقين والمستسلمين ومتعاطي الحبوب والمغيرين والمجرمين والصغار والمقلدين والمرضى والمندسين والمرتشين والقاعدين في الخارج والحراقين والمَخزيين والمرتزقة وغير القائلين (أن القتال سيكون...) والسذج المضحوك عليهم والسراقين والعويلة («العيال» في المصرية) والمدوَّخين والسكرانين والمعزولين (عن أهلهم).
وهؤلاء الرعية، وفوقهم «طبقة» الأشراف والقادة والأبطال والمقاومين (ولو اقتصرت على الصلب المعمري وذريته)، لا يرتبطون برابطة الدولة وأبنيتها وقوانينها، ولا برابطة المجتمع وعلاقاته ومعاييره. فهؤلاء جبلوا من نور، على قول أهل العصمة والإمامة في أنفسهم، وأولئك جبلوا من طين. والحرب «الأهلية» هي ميزان «السياسة» في بلد هذا شأن طبقة الحكام الأشراف وطبقة الرعية المحكومين فيه. فلا محل والحال هذه ولا معنى لتقسيم العمل السياسي وهيئاته وقيوده (الرئاسة والحكومة والنيابة والإدارة والقضاء والقوات المسلحة النظامية...)، أو لتقسيم العمل الاجتماعي (فالعاملون «شركاء لا أجراء»). و «مجتمع الحرب» أو «مجتمع المقاومة» هذا، على قول خميني وحرسي عتيد، يطرح قيود الحقوق والقوانين والهيئات والمؤسسات (الوطنية والدولية والاقليمية)، ويدوسها ويزدريها ويخشاها. فهي تفترض فرقاً بين الدولة وبين المجتمع، وبين الحكام وبين المحكومين، وبين العام وبين الخاص، وبين الجماعة وبين الفرد، وبين القوانين وبين الحقوق.
وعلى هذا، فليس قول معمر القذافي، في ضوء ما تقدم، أنه ليس رئيساً لتصح فيه الاستقالة أو يصح فيه القتل فولكلوراً فحسب. فهو ليس رئيساً، بل هو قائد ثورة وبطل ومقاوم و»تاريخ مجيد على ما تلقب قادة الانقلابات العرب ويتلقبون كلهم»، لكي لا تجوز فيه الاستقالة أو الإقالة، وتبطل محاسبته ومراقبته، ويعطل تقييده. وهذه، الاستقالة والإقالة والمحاسبة والمراقبة والقيود، تفترض الفروق التي تنفيها الثورات والانقلابات «التقدمية» والعسكرية العروبية. وما يسوغ «لا رئاسة» القائد المزعومة يسوغ قيام المرتزقة الليبيين والعرب والافريقيين والأوروبيين، وقوات الساعدي وهنيبعل وخميس القذافيين الخاصة، محل القوات المسلحة النظامية الوطنية، من غير تبعات أو مسؤوليات هذا المحل. فما لا يتعين في محل ووقت وصلاحية ومبنى، أي في دولة وسلطات وهيئات واختصاصات، من اليسير أن يتخفى وأن يتبدد في «ليل المطلق الأليل والأجوف»، وفي مساخره المسرحية والميلودرامية الدامية. والزعم ان «الدولة»، أي القائد وحاشيته وأعوانه، هي الشعب «المصعد» أو المرتقي إلى سدة الأمر النافذ، يتستر على ما «الشعب يريد» رؤيتَه وتشخيصه وتظهيره وتقسيمه وتفصيله وإخراجه من الإبهام المعمّي وعَرْضَه على العلن والمحاسبة والفحص. ويبرر دمج «الشعب» في «الدولة» العربية (وفي كل دولة) ازدواج الحكم والسلطة والإدارة والقوة العسكرية والقضاء والقانون ازدواجاً قاتلاً. فإذا لم تكن الدولة (نيابة عن الشعب وشريطة مراقبته) هي ولي أمر الجيش الوطني، والمخولة وحدها إعلان حال الطوارئ، وإعلان الحرب، ورعاية السلم المدني، ازدوجت الدولة، وتناسلت «دولاً» و»شعوباً» و»جيوشاً» و«حروباً«.
وفلسفة «ثورة الفاتح العظيمة»، على نحو ما تجلوها مقالات قائدها، وجلاها تاريخ ليبيا المأساوي، تلقي ضوءاً فاضحاً على تواريخ العراق وسوريا وفلسطين ولبنان ومصر واليمن والجزائر وإيران، الدامية والمحبطة. فهذه البلدان والمجتمعات نهب لرواية بطولية أسطورية ترفع القيادة المحاربة والمجاهدة فوق الرعية المحكومة، وتقسم «الشعب» حزبين وأهلين متقاتلين، وتلغي الدولة وهيئاتها وسلطاتها وقوانينها وتبددها في ولاية مقدسة ومطلقة يتوارثها الأولاد عن الآباء في أصلابهم، وترسي ازدواج الدولة والشعب والمجتمع كيانين كاذبين يستحيل تشخيص أحوالهما ومناقشتهما وتحسينهما من طرق عادية آمنة، معلومة ومعتادة. فالقائد من الرئيس، تلقب بلقب الرئاسة أم لم يتلقب، هو بمنزلة الميليشيا الأهلية (أو القوات الخاصة أو الثورية أو الحرس الخاص أو الجمهوري) من الجيش الوطني، وبمنزلة الحزب الواحد أو الطليعي والحاكم من المجلس النيابي والحكومة والإدارة، وبمنزلة عصبية القيادة الأهلية من المجتمع «السوي» وجماعاته وتكتلاته وطبقاته وبمنزلة أجهزة الاستخبارات والعمليات الخاصة من العلاقات الخارجية، والاغتيالات من العمل السياسي والديبلوماسي، والسلاح الذري من العلاقات الدولية...
والقائد والميليشيا الأهلية الخاصة والحزب الواحد أو الطليعي وعصبية القيادة، ورواية «الثورة» البطولية والأسطورية التي تقيم الحدود والمراتب والأدوار وتصنعها وتؤبدها، هذه كلها تحتاج إلى خفاء صفيق تتستر به على أحوالها وأفعالها وعلاقاتها وغاياتها وأفكارها وأموالها. فالتملص من العلانية والمناقشة والمراقبة والمنازعة وتبديع المعارضة، هي سمات الديكتاتوريات «التقدمية» والشعبوية العربية، مالت سياستها الخارجية إلى السياسة الأميركية أم أقامت على «مناهضة الإمبريالية» و»تحرير فلسطين» والحرب الوجودية على اسرائيل واليهود، وعلى عالمثالثية («محايدة») مضمرة أو معلنة. وتقود مجتمعةً، على ما هي حالها غالباً، إلى محاكاة أبنية الدولة والسياسة محاكاة ظاهرة وصورية، فيما هي تبطن تفلتاً تاماً من موجبات الدولة والسياسة المفترضة.
وردت الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية، العربية الوليدة، على سمات الديكتاتوريات الشعبوية العربية المتحدرة من انقلابات عسكرية «تقدمية»، ببرامج ومطاليب إجرائية شكلية، وقانونية دستورية، تفضي إلى فصل السلطات، وإضعاف رأسها الجامع والمركزي الساحق، وحل الأجهزة الموازية والخفية، وإلغاء الازدواج، وتعزيز العلانية، والإقرار بالكثرة السياسية والاجتماعية وبحقيقة خلافاتها ومنازعاتها ومناقشاتها وبضرورة تمثيلها وجدوى هذا التمثيل... وهجرت الحركات هذه القضايا «الجوهرية» الدولية والقومية والعسكرية والاجتماعية الطبقية. ورعت، على حياء وخفر، إجماعاً مضمراً ومائعاً على اعتدال وسطي ومسالم، لا يرتب عداوة أو حرباً أو انعطافاً باهظاً. وهي، إلى اليوم، لا تظهر حرصاً على صوغ رواية أسطورية وبطولية تحل محل الرواية المجهضة والمدمرة، المتخلفة عن «ثورات» الديكتاتوريات المتصدعة والآفلة. والديموقراطية لا تعفي من الهوية الوطنية، ولا تعصم من العداوات والصداقات والحروب والاحلاف، ولا تلغي المواقع والأدوار والمصالح الاستراتيجية، بل تحمل هذه على مداولة حادة. ولا يحول دون إفضاء المداولة إلى انقسام أهلي بنيانٌ سياسي ديموقراطي متماسك لا ريب تضعه هذه الحركات نصب عينها

الاثنين، 21 فبراير 2011

الحركة المصرية المدنية والديموقراطية في مرآة لغتها


المستقبل، 20/2/2011
منذ اليوم الأول أو ربما الثاني لاعتصامهم في ميدان التحرير بالقاهرة، في 25 يناير (كانون الثاني)، سمّى المصريون المعتصمون والمتظاهرون فعلهم هذا، أي خروجهم إلى التجمع والتظاهر وطلبهم إلى "النظام" ورأسه أن يرحل، "ثورة". وقالوا "ثورة 25 يناير" من غير تردد ولا تلعثم، ربما تيمناً بما كانت آلت اليه قبل 11 يوماً الحركة المدنية والديموقراطية التونسية، وراء الحاجز الليبي الأفريقي وصحرائه. فشاءت التسمية بتاريخ الاعتصام المصري الأول اختصار الأسابيع التونسية، منذ حرق محمد البوعزيزي نفسه إلى تنحي الرئيس السابق ولجوئه مستجيراً بمجير عربي، والابتداءَ من حيث انتهى أهل تونس وشعبها. فيجمع اسمُ "ثورة 25 يناير" مطلع الحركة، وخطوتها الأولى ورجاءها واستقبالَها الزمن الآتي واحتمالاته الكثيرة والمتضاربة، إلى خاتمتها المأمولة والسعيدة. فهي، على هذا وإذا صح هذا، منتصرة وظافرة وغالبة منذ باكورة أيامها وإيذانها.
[الثورة
وقد تكون التسمية بيوم الحركة الأول رداً ضمنياً على "ثورة 23 يوليو" (تموز 1952). وهي الاسم الرسمي لانقلاب فريق من ضباط الجيش المصري الملكي على نظام القصر الحاكم منذ قرن وثلث قرن (يومها، في 1952) وخديوية محمد علي باشا، نائب السلطان العثماني قسراً على مصر. فـ"ثورة 25 يناير"، اسماً وصيغة، هي النظير الصوري والشكلي واللفظي لاسم المبتدأ التاريخي والرمزي الذي أراد طي صفحة طويلة من تاريخ مصر والمصريين وابتداء صفحة جديدة بريئة من معاني الصفحة السابقة وشاراتها، وهي الظلم والفساد والاحتلال والفقر والضعف. وإلى 11 شباط حَكَمَ حسني مبارك الدولة المصرية والمصريين وسندُه هو "ثورة "23 يوليو". فالفريق المتنحي قسراً مولود من "جمهورية" مصر، ومن نظام السياسة وموازين القوى والهيئات والمراتب الذي صنعته الثورة العتيدة. وهو وارث بعض مباني هذا النظام ومداميكه وأسسه منذ خطوة الثورة الاولى وفاتحتها.
واسم الوليد التاريخي الجديد يحاكي الاسمَ القديم، ويقوم بإزائه صنواً له ونداً، وينسخه ويمحوه معاً وفي آن. فهو مدعو إلى القيام محله علماً على زمن وعهد جديدين ومختلفين مأمولين. وكثُرٌ المصريون الذي قالوا من ميدان التحرير بالقاهرة، منذ تعيين حسني مبارك اللواء عمر سليمان نائباً لرئيس الجمهورية إلى حين تلاوة "السيد النائب" بيان "التخلي"، أن تولي النائب العسكري صلاحيات الرئيس العسكري هو قرينة على دوام النظام العسكري الثابت وإزمانه منذ ستين عاماً (وبعضهم ضبط الحساب ودقق فقال 58 عاماً، والعام الجاري لا يزال وليداً). والمصريون هؤلاء أنفسهم قالوا أو زادوا أن ثورتهم "مدنية"، و"لا ينفع" أن يتولى الجيش الحكم خلفاً لنفسه. وتلتمس القيادات المتفرقة والمتضافرة معنى مشتركاً هو ارادة الانقطاع من تاريخ مضى وطوي، والعزم على ابتداء تاريخ آخر أولُ تعريفه بعد مصريته وثوريته أو جدته، أنه مدني وشبابي وسلمي وتلقائي وعمومي. والنعوت هذه، وهي من باب النسبة والاضافة، كثيرة المعاني. وتستخرج معانيها أو تصاغ وتخصص من طريق مقارنتها بالمعاني الظرفية والسياقية التي "ترد" عليها، وتناقشها، وتتخفف أو تتحرر منها ومن ملابساتها.
[الشعب
فالثورية أو الثورة، على ما تقدم، تقوم مقام النظير والضد والطي من سلف "يوليو" الثقيل والمُعْلِم. والمدنية تُتِمُّ معنى الضدية، وتثبت مضمون التفرق وصورته الحسية الظاهرة والمائلة. وهي تنسب "الثورة" إلى المدنيين، من غير العسكريين بديهة وطبعاً، ومن غير أهل الدولة والسياسة والقوة كذلك، وربما أولاً. وتتصل النسبة أو الصفة المدنية بالنسبة المصرية والنسبة التلقائية والعمومية الجمهورية. فالجمهور المصري، أو "الشعب"، تعرفه مساواته، أفراداً وجماعات دينية اعتقادية وجغرافية واجتماعية، وانتفاء المراتب منه، على خلاف الجيش، وهو جسم أو سلك على حدة، وعلى خلاف الدولة والسياسة والوظيفة والادارة، وأهلها أو اهاليها. وترد صفة أو نسبة المدنية، والفئات الاخرى المتواطئة والمتصلة، على نازع العسكريين المصريين، وغير المصريين، إلى حصر جماعتهم وأنسبائهم ومتعلقاتهم في سلك أو جسم منفصل وقائم بنفسه. فإما يتعالى على جمهور المدنيين العاميين أو هو يزعم القيام محلهم ومقامهم، ويدعي العبارة عنهم، والنطق بخفايا مكنوناتهم وطويتهم، و"التسلط" أو الاضطلاع بالسلطان عنهم وعليهم.
[المدنية
وتبدو النسبة المدنية إنكاراً صريحاً لسجل التاريخ السياسي العسكري الذي دوَّن تاريخ المصريين، دولة ومجتمعاً، في أثناء الستين عاماً المنصرمة. فالمدنية تريد نقل "التاريخ"، أو الفعل التاريخي، والثورة آيته والعَلَم عليه، من الاختصاص السلكي او "المهني" به إلى عموميته المدنية وأسوته أو مساواته الجمهورية والعامية والاجتماعية. ولعل انكار "البطولة" أو القيادة أو الامتياز (بالعلم أو "الوعي" أو الاستشراف) على نواة الداعين إلى الاعتصام والتظاهر والاحتجاج وهو انكار خص به الداعون أنفسهم قبل أن يعموا به سواهم ويستثنوا "الشهداء" منه- وجه من وجوه نقد المراتب والسلطات العسكرية والادارية والسياسية والتقنية، ووجه من وجوه النقض عليها، معاً. فالفعل التاريخي يفترض قوة ودالة وعلماً ودراية يُحمِّلها إياه "صناع" التاريخ ومحترفو صناعته وأهل العلم بهذه الصناعة ("الطليعة" أو "التنظيم الطليعي" على ما سمى جمال عبد الناصر العيون والارصاد الحزبية والامنية في صفوف الادارة والهيئات والحزب نفسه). وهذه، القوة والدالة والعلم والدراية، ليست من صفات العامة أو العوام المدنيين والجمهور. ولم يُعطَها ويُخَصّ بها الا الخواص والنخب، او القادة و"القيادة" على ما تسمي الشلل أو الطغمات الحاكمة والديكتاتورية في الجوار المشرقي نفسَها (وهي، أخيراً، "دوائر القرار"، أو "الدوائر"، في الجماعات المذهبية المسلحة و"المقاومة").
ونهض وينهض إلى اليوم وإلى اجل غير معلوم، في بلداننا ومجتمعاتنا، شطر غالب من دالة الولاية والسلطان والحكم، على الاختصاص بالفعل التاريخي و"الثورة". ونسبت البلدان والاوطان والجماعات والحقب، في عصر الجماعات والشعوب و"الجماهير"، إلى آباء أبطال. فقيل مصر عبد الناصر وسوريا الاسد وعراق صدام وايران الخميني، على سبيل المديح والتعظيم. وأوكل إلى هؤلاء تجسيد الامم، وانبعاث القوة في اجسادها الواهنة ودولها الضعيفة، وتوحيد روحها المتفرقة والمبعثرة في الانانيات العصبية الصغيرة والضيقة (بعثرة أجزاء الإله الفرعون في أراضي مصر قبل انبعاثها في أوزيريس). وكانت أسلاك القوة وأجهزتها ووزاراتها وقادتها هي الرواق المؤدي إلى رأس الدولة وكرسي السلطان، وهي المنصة والرافعة إلى الرأس والكرسي هاتين.
[الشباب
ومعظم المعاني الاخرى، التي نسبتها الحركة إلى نفسها او حملت نفسها عليها، المعنى الشبابي والمعنى السلمي والمعنى التلقائي والعمومي، تتضافر على بسط المعنى الوطني المصري والمدني وجلائه. فالشباب المبادر والمعتصم والمتظاهر هم شباب، وحركتهم شبابية، على وجه التقرير المادي والحسّي والوصف الاحصائي الكمي. ولا ينفك هذا الوجه من اعلان الابوة التاريخية "والثورية" للصفحة الجديدة التي يريد الشباب ابتداءها ، وبادروا اليها. فهم من هذا الوجه، الشبابي، يتخففون من المسؤولية عن زمن ما قبل "الثورة"، وعن السكوت عن الطغيان والفساد والركود والتسليم للتعسف والقهر. فهم إما كانوا لم يولدوا بعد، قبل 30 سنة، أو كانوا في سن لم يبلغوا فيها رشدهم وتكليفهم السياسي والاجتماعي. فما "يتفتح في جناين مصر" اليوم، على النحو المصري المدني و"الثوري" الذي يتفتح عليه، إنما يولد ولادة طبيعية وتلقائية من تربة متجددة لا عهد لتاريخ مصر بها منذ آلاف السنين سبعة آلاف سنة على قول الموغلين المتطرفين، أو أربعة على قول "المعتدلين"، أو مئتين على زعم المقللين والمقرِّبين.
واختصار الزمن يقرب الحركة المدنية الديموقراطية من القائمين بها، والمبادرين إليها، من الشباب. ويجعلها وديعة بين أيدي أصحابها وصانعيها، ماضياً وحاضراً و(يرجون) مستقبلاً. وعليه، فهم لم يرثوها من "الهوية المصرية" البالغة من العمر 4 آلاف سنة، على تأريخ الرئيس المتخلي في خطبته الثانية. ولم تتحدر إليهم، على زعم سائر ومضمر، من أيدي آبائهم الذي أوكلوا "ثورتهم" المفترضة قبل ستين عاماً إلى "البطل. فأسرع إلى تقمص الثورة والنهضة و"الاخوة المواطنين" والدولة والكرامة جميعاً، وإلى جمعها وحلِّها في "دوره" و"بطولته" و"فلسفته"، وفي سلكه العسكري وضباطه. ولا ينافي هذا الوطنية المصرية ولا يخالفها. فالحركة المدنية الديموقراطية وطنية مصرية، هذه المرة، على معنى "التفتح"، والولادة الارضية، والانتساب إلى الفعل الارادي والحر. ويخالف هذا الهوية الثابتة او "عبقرية المكان"، وميراثها الثقيل وسندها القوي والمقيد معاً.
وما "يستحقه" المصريون ومصر معهم، على قول جهير تواتر على ألسنة المعتصمين والمتظاهرين، ولم ينالوه، وحجب عنهم طوال الستين سنة المنقضية - ما يستحقونه هو تثمير موقع مصر "العبقري" (نهراً وبحراً وبراً وشرياناً قاريين)، وتماسك مجتمعها العريق، ودالة صنيعها الحضاري (وظلاله البربرية) على أمم إقليمها، وعدد سكانها ومواردهم. وهذه العوامل قد تُحمل على ريع يعود على "أصحابه" بعوائد مياه النيل وقناة السويس (5 مليارات دولار) والسياحة (7-8 مليارات) والنفط والغاز وتحويلات اليد العاملة الفائضة والمهاجرة والمساعدات العسكرية الاميركية. وحظ التثمير والانتاج والعمل الحي من العوامل الجغرافية السياسية والاستراتجية هذه قليل وضئيل. وهي توكل إلى "اصحاب" الدولة السيطرة على التوزيع والمكافآت والاعالة. ويقتضي التثمير المرجو حرية المصريين الراشدة، والاقرار بها من غير مراوغة ولا تجسيد اجماع بواسطة علاقات سياسية يتولاها مواطنون متفرقو الاهواء والمصالح والمنازع، ولا يجمعون إلا على دستورهم وقواعده المحكِّمة في اتفاقهم وخلافهم، وفي تقسيم سلطات دولتهم وتعاونها، إلخ. على صورة المعتصمين المتظاهرين ومثالهم. وهذا الحال هو عنوان كرامة وقوة لا تشبهان الكرامة والقوة الريعيتين والناجمتين عن انتصاب "البطل" سلطاناً مطلقاً والشعب رعيةً منصاعة.
[المراسلة
وتقرير المعنى الشبابي ينسب الحركة المدنية الديموقراطية إلى الآلات والوسائل والتقنيات التي توسل بها الشباب (سناً) إلى بث دعوتهم، وإلى تأليب المصريين على التعسف والعنف القاتلين. فالمداولة والمحاورة والمراسلة من طريق المدونات الاجتماعية الرقمية، وهي العمدة في التأليب الشبابي، لا تشترط مركزاً، ولا إدارة، ولا برنامجاً. وقبل هذه كلها وبعدها لا تشترط "أعلين" أو ولاية ومرتبة. فهي تدعو دعوة ملحة إلى تناسل "المراكز" وتوالدها بعضها من بعض، من غير التحجر على "مركزية" أم، أو مرجعية تقليد أو اجتهاد أو علم وفهم. فتوسعُ التبليغ والاتصال، وتعاظمُ أعداد المبلغين (على الوجهين) والمنخرطين التلقائيين أو العفويين، لا يعود على "المبتدئ"، وهو حكماً واضطراراً جميع وكثير، بمرتبة تتقدم على الآخرين، وتلحقهم بها. والامران، التوسع والتعاظم، يجريان على صورة الاغصان الملتفة التي يشجر وينجم بعضها من بعض، فلا يتميز فيها أول من آخر، ولا موصول من منقطع.
ومثال الأغصان الملتفة والمتكبكبة يحول بين المراقب (الامني الاستخباراتي أو المنخرط الناشط) وبين توقع جهات التوسع والتعاظم ومظانهما ومواقعهما وجمهور هذه وتلك. ولا ريب في أن تعذر التوقع، بدوره، يخلط الزمن الآتي وأوقاته وحوادثه ووقائعه خلطاً مقلقاً ومفاجئاً، على خلاف ما يريد جهاز السلطان الامني وعلى الضد من رغبته وسعيه وتخطيطه. وبينما دأبُ النظام الامني هو الحجبُ (على ما صنعت الادارة الحزبية الصينية في أثناء الحركة المصرية وسبقتها "الادارات" المصرية والسورية والايرانية) تنزع المداولة والمحاورة والمراسلة الالكترونية والرقمية إلى "الانفجار" والتعالق والتكاثر. ولعل الالتفاف الشجري هذا هو أشد ما يخشاه السلطان الحاكم بقوة الاجهزة، وتخويفها وارهابها وبقوة التجسيد الجامع والمانع. فالالتفاف الشجري المولود من مدونة "6 أبريل" ومن مدونة "كلنا خالد سعيد" وهي الموقع الذي وقفه وائل غنيم الغوغلي على المدون خالد سعيد، قتيل جهاز الامن المصري قبل عام جزاء أعماله التدوينية التي انقلبت، على زعم قتلته وقادتهم، قطعة حشيشة ابتلعها خالد سعيد وغص بها غصة مميته الالتفاف هذا يخرج على استواء التوقع الزمني الامني والاستخباراتي وعلى استقامته. وقد يلد خروجه المفاجآت والحوادث غير المرتقبة، والمنعطفات الداهمة.
[الذاتية
وهذا شأن الكثرة، كثرة متداولي الرأي والمتحاورين والمتراسلين. فمفاعيل الكثرة متنقلة ومتداعية. وتلملم النثرات من كل حدب وصوب، وتجمع الاصداء المترددة في أفق لا يتكلف الجمع والتنضيد والترتيب، ولا يشترطها. وما خُشي أن يقود إلى "فوضى" مرسلة ولا قيد عليها، وهي خشية تلازم دعاوى أهل "التنظيم" ومحترفيه وبيروقراطييه المحلَّفين، قاد حقيقة وفعلاً، إلى تماسك وانضباط ذاتيين مشهودين. والتماسك والانضباط الذاتيان ظهرا وتبلورا في خضم الامتحان الامني والاهلي القاسي الذي فرضه على المعتصمين قمعُ قوى الامن ثم انسحابها، وهجوم عصابات البلطجة الرثة واللصوص على المعتصمين المتظاهرين، وعلى أهل المدينة ومرافقها. وقد يكون هذا قرينة على أن الحركة الوطنية المدنية والديموقراطية المصرية، والشبابية على المعاني المتقدمة، تتحدر من مصادر يفترض بعضها وربما معظمها نظماً دقيقاً لعلاقات متداولي الرأي والمتحاورين والمتراسلين بعضهم ببعض. وتفترض هذه المصادر في "الشباب" دراية شكلية واجرائية قد لا تكون أضعف أثراً من التنظيم الصناعي في "الطليعة" العمالية. ولكن الاقتصار في التحري عن المصادر على الانترنت والمدونات والمواقع والمنتديات والشبكات يبخس المصادر الاخرى حقها من التأثير.
فشطر من المعتصمين والمتظاهرين الذين انتظموا صفوفاً وخطوطاً ومتاريس في وجه عصابات الامن الداشرة، وعصابات المرتزقة والمسجونين الرثة، هم من الاداريين وأهل المهن الحرة والطلاب العاملين في مرافق مكتبية وصناعية معقدة، واعتادوا التنسيق والاستباق واحتساب الطوارئ في أعمالهم. وشطر آخر، هم بعض الشطر الاول، له باع طويلة في الانشطة الحزبية والجماعية، وما تقتضيه من تخطيط ومبادرة ومدافعة وردع وحماية. ومشاركة الاخوانيين وناشطي المنظمات غير الحكومية واليساريين والناصريين وبعض الامنيين والعسكريين الذين انضموا إلى الحركة المدنية الديموقراطية، كانت (المشاركة) مدداً مادياً وتنظيمياً حاسماً. ولكن المصادر الاجرائية التعليمية، إذا جازت العبارة، لا تطغى على المصادر المعنوية و"الاخلاقية"، على ما نوّه الصحافي الفلسطيني محمد هواش. وليس محقاً ولا منصفاً القول السائر أن شباب الحركة المدنية الديموقراطية لم يروا من أهلهم، ومن الجيل السابق، ولم "يرثوا" تالياً إلا الخنوع والتسليم أو التعلق بالحزب الطليعي المستبد والتعويل عليه.
فاحتجاجات القضاة على التزوير الانتخابي (وتنحيتهم عن اللجان جزاء تنديدهم)، وحركة "كفاية" وتظاهراتها الشجاعة، ومبادرة أيمن نور إلى انشاء حزب مستقل وترشحه إلى انتخابات الرئاسة وحيداً أعزل، وسعي بعض الاخوانيين في انشاء حزب وسطي وميل بعض آخر إلى الانكفاء على دعوة غير سياسية وضميرية، ورفض محمد البرادعي الترشح قبل الغاء مواد الدستور المتعسفة، ويقظة نازع مطلبي في صفوف العمال والعاملين في مرافق الوكالة والمراقبة والخدمات العينية، إلى الجمعيات غير الحكومية وفرق الابحاث المستقلة هذه وغيرها مثلها غلَّبت معايير النزاهة والاستقامة والعدالة والمسؤولية الفردية والجماعية على احتساب الفرص، وتحكيم معايير التكتيل المصلحي وموازين القوى والمنافسة على النفوذ والحصص والانخراط "الواقعي" والاستدخالي في الابنية القائمة. والارجح أن جنوح السلطان العسكري الامني والاوليغارشي ("الاعمال") إلى انتهاك القوانين وتفصيلها على مقاسات مواليه وزبائنه، وإلى استعمال الجماعات الهامشية والرثة في المضاربات والاستحواذات والعمولات غير المشروعة، وفي القمع والتأديب والاغتيال، هذا الجنوح حمل مصريين كثيرين على تقديم الادانة الاخلاقية وأحكامها القاطعة على الادانة السياسية النسبية و"المتزنة". وتوسلُ أجهزة السلطان المنفرد والطاغي بـ"الجماهير"، وتعبئتها الحاشدة في مساندة سياسات "الرياس" والقيادات والمرشدين وتخويف المتحفظين والمعارضين والمعتدلين و"الاعداء"، هي من السنن الناصرية والبعثية والخمينية ومن مناهج التيارات الشعبوية والاهلية المتسلطة الراسخة. ولعل هذا في جملة ما حمل قيادات الانظمة والتيارات والجماعات القومية والمذهبية على التلويح بتأييد الحركتين المدنيتين التونسية والمصرية، بعد تأويلهما تأويلاً شعبوياً "مناهضاً للامبريالية" وإسلاموياً، ضمناً او علناً. ويخلط هذا التأويل خلطاً متعمداً بين المنازع الشعبية الوطنية والمدنية، وهذه المنازع تقر بكثرة الجماعات وتفرق مصالحها وبرامجها في اطار الشعب الواحد والدولة الدستورية الواحدة، وبين تجييش الجماعات الهامشية والرثة "المؤطرة" وإخضاع الشعب (وجماعاته الكثيرة) بواسطتها وبإرهابها، على ما يُرى هنا وهناك منذ عقود.
وتصدي المتظاهرين المعتصمين للمشادات والاشتباكات الداخلية بين المتظاهرين أو بعض كتلهم وأفرادهم، بالهتاف "سلمية! سلمية!" كناية عن التزام الحركة فض المنازعات من طريق الاحتكام إلى المحاورة والاحتجاج بالكلام والمنطق، يترتب على مدنيتها وشبابيتها وعموميتها الشعبية. وهو علامة على مجافاتها المنازع التسلطية والحزبية والثأرية الاعتقادية والاجتماعية. فالحركة ليست جبهة مختلطة تحشر في كتلة موحدة المتظلمين والمهمشين وسواقط الجماعات والطبقات المتفرقة، وتعول على إذابتهم ومحو خصائصهم واحتياجاتتهم المتباينة والمتنازعة، وتنصيب سلطان يجسدهم على هذه الحال من الذوبان والانكار والانتشاء. والمثال هذا سبق ان نصبته الناصرية والبعث والخمينية والمنظمات القومية والاهلية المسلحة فخاً سطت بواسطته على الجماهير المنقادة إلى دعاوى هذه الحركات وتلويحاتها.
والدعاوى والتلويحات هذه ليست سراباً كلها. فعلى خلاف الحركة المصرية المدنية والديموقراطية، وعلى الضد من تواضعها وقصرها موضوعاتها على المسائل الداخلية وعلاقات المصريين بعضهم ببعض ومحكوميهم بحكامهم قدمت الحركات الدينية والقومية القضايا "العظيمة" والصراعات الاقليمية والدولية ومعضلات الهويات والمصائر التاريخية على المشاغل والمشكلات الركنية مثل موقع الدولة من المجتمع، وتنازع كتل المصالح المتفرقة، والتمثيل على منازعاتها في هيئات، والتحكيم في الخلافات والمنازعات، وتقييد السلطات ومراقبتها من غير شلها، وتنمية الموارد وسياساتها، وغيرها. وناطت حل المشاغل والمشكلات هذه بمكانة الدولة من "صراع الامم". وفي نهاية المطاف عَجِب جمال عبد الناصر من استعصاء تسيير مستشفى القصر العيني على المنتصرين بيسر، على زعمه، في معركة السويس. فالتعبئة تحت لواء قومي أو ديني عصبي، واختصار الامة او الشعب في قيادة و"بطل"، والدعوة إلى الانصهار والذوبان في مقاومة "الموت"، على قول شكيب أرسلان وخميني وخلفائه في الدول الغربية، هذه جميعاً تنفي السياسة من داخل الكيان الوطني، أو الامة، وترفعها نصباً ووثناً يسحقان الشعب وجماعاته. والحركة المصرية بعد الحركة التونسية قامت على النصب والوثن هذين، وسعت في تحطيمهما لعل ينهض على انقاضهما "دين" الانسانية الراشدة.

الخميس، 10 فبراير 2011

من كراهية الأميركان إلى إسقاط الطغيان؟

المستقبل - 6 /2/ 2011
بعد ساعات قليلة من اعلان الرئيس المصري (السابق قريباً، على الارجح) تعيين رئيس جهاز الاستخبارات العامة، وزير خارجية الظل، اللواء عمر سليمان نائباً له، هتف متظاهرون فيما كانوا يهتفون:» لا مبارك ولا سليمان احنا كرهنا الاميركان). وبدا الشعار هذا ناشزاً. ففي أثناء الايام الاربعة المنصرمة، 25 كانون الثاني 29 منه، لم يخرج إلى العلن، لا كلاماً ولا قولاً ولا صورة أو هيروغليفاً أو رمزاً، ما يدل على رأي في سياسات مبارك و»نظامه» الخارجية والاقليمية. وتتصدر السياسات الخارجية والاقليمية المصرية قضايا كبيرة وراجحة، مثل الميل والحلف الاميركيين، ومعاهدة السلام مع الدولة العبرية، إلى توجه الاقتصاد المصري شطر مجموعات احتكارية تنسب إلى «ليبرالية» السوق الحرة الغربية، وهي على نقيض منها.
وفي ضوء السياسة الناصرية والنظام الناصري اللذين يتحدر عهد حسني مبارك الطويل من جهازهما وطاقمهما، يبدو إغفال المسائل السياسية الخارجية والاقليمية، وفي القلب منها السيطرة الخارجية (الاستعمار) والمسألة الفلسطينية «القومية»، غريباً ومستهجناً، ويدعو إلى السؤال والفحص. وكان حرص السياسة والنظام الناصريين، في العقدين تقريباً اللذين تولى في أثنائهما زعيم الانقلاب السلطة مباشرة ووحده، على ربط نهجه واجراءاته ببعد اقليمي (قومي) ودولي، و»شعبي» جماهيري، ظاهراً.
والحرص هذا كان وجهاً طاغياً من أوجه المناهج الناصرية، وموضوعاتها السياسية، من مساندة العمليات «الفدائية» الفلسطينية الاولى بغزة ومفاوضات شراء السلاح «التشيكي» وإنشاء كتلة عدم الانحياز بباندونغ إلى حضانة حركة التحرر الوطني الجزائرية وتأميم قناة السويس والتحريض على الاستعمار البريطاني في الجزيرة العربية ومحاربة حلف بغداد والوحدة المصرية السورية وتمويل السد العالي وبناء الاتحاد الاشتراكي على مثال سوفياتي غداة التأميمات على المثال نفسه وحرب 1967 في ختام هذا المطاف. فهذه الاجراءات والسياسات أُخرجت إخراجاً جماهيرياً «شعبياً، وقومياً عروبياً، مناهضاً للاستعمار والامبريالية والرأسمالية والليبرالية والديموقراطية. وجمعت هذه كلها في باب واحد أو مشترك. ولما أراد أنور السادات تقويم نتائج «الاعمال» الناصرية في ختام عقدين من الزمن، عَزَل مبادراته وانعطافاته الكبيرة، وهي حرب تشرين الاول 1973 والانفتاح الاقتصادي (1976) ومعاهدة كامب دايفيد (1979)، عن الركنين الناصريين، الاقليمي والعروبي (المناهض للغرب) والجماهيري الشعبوي والاجتماعي، وأبقى من المناهج الناصرية على الاستبداد بالسلطة، والنهج الاستفتائي المباشر والقومي. ومضى على اضعاف الوسائط السياسية والاجتماعية، الحزبية و»الجمعية» بين أجهزة الدولة وبين المجتمع، ولجم الحياة العامة والمشتركة وحرياتها الحيوية والفاعلة. فكان وارث الاساليب الناصرية في الحكم والادارة، من غير مضامينها التعبوية والاعتقادية الايمانية، ووعودها التوسعية العروبية والامبراطورية و»رسالتها» الباهرة والمحفزة.
وطوال 3 عقود رمادية، وسع الرئيس المصري الثالث (في ستين عاماً) رعاية «العزلة» السياسية والانكفاء على داخل «عام» خاو ومتسلط، وعلى مجتمع ضعيف الموارد والاود والحراك. وأدى تربع جماعة قليلة من المقاومين والوكلاء وأهل البطانة والحاشية في قمة الهرم الاجتماعي الشاهقة إلى استقطاب حاد. وغذى الخواء والتسلط السياسيان والاعلاميان الاستقطاب الاجتماعي، وفاقم عوراته. فولدت العقود الثلاثة المباركية طبقة اجتماعية حاكمة ومالكة، واستوت في سدة السلطة الاقتصادية من غير مخاض سياسي واجتماعي وثقافي، نظير حيازتها. فهي تدين برئاستها ومكانتها الاقتصاديتين إلى الجهاز المتسلط والفوقي الموروث من المداميك الناصرية، جيشاً وأمناً حصينين ولجبين، وحزباً كرتونياً، وادارات قاصرة ومترهلة، وانتخابات صورية، واعلاماً منصاعاً ومتملقاً وكذاباً.
ولجأت إلى حضن الحركة الاخوانية الملتبسة والمتداعية والحركة هي من مصادر الناصرية ومناهجها السياسية والايديولوجية جماعات الظل المعارضة. فحال الدولة المصرية في عهد حسني مبارك، وفسادها «الغربي» وخلو وفاضها من السياسة والدَّالة، بدت مسوغاً مقنعاً لعلل المعارضة الاخوانية اللصيقة بالآداب والاطر الاجتماعية والشعبية المحلية وبالمعايير الاخلاقية المحافظة أو الشكلية، والموازية لجسور الجماعات و»مواصلاتها» وعلاقاتها الاسلامية الداخلية والاقليمية والعالمية.
وما عدا الاخوانيين، وربما بقايا الناصريين، بدا أن جماعات المعارضة المصرية المتفرقة تتحاشى منذ بعض الوقت، غداة حرب غزة، على وجه التقدير، وإعلان محمد البرادعي انخراطه المتحفظ في السياسة الداخلية من بابها الرئاسي الدستوري، الخوض في المسائل الاقليمية والاستراتيجية «الكبيرة»، والانحياز إلى آراء حاسمة فيها. ورجح الميل هذا انخراط الشباب المصري، ومعظمه ولد في عهد الرئيس «الناصري» العسكري الثالث، في لون من السياسة التواصلية والافقية «الاجتماعية» انقطع من الاطر الناصرية المنصرمة، وهو لم يشهدها. وكان أهل هذا الجيل من الشباب طلَّقوها وأداروا الظهر لها. ورجح التحاشي هذا، من باب آخر، استقرار الدور المصري الاستراتيجي والجغرافي السياسي، على موازنات سالبة أو وقائية «معتدلة» (بإزاء الاسلام السياسي، وإيران النووية وأذرعتها، وبإزاء بعض الخليج الدعاوي والمتهور، وبعض النزعات الاميركية الطائشة...). وذلك على نحو ثقيل ومقيِّد لا يحمل على المبادرة.
ولا ريب في أن هذه العلل لا تستوفي دواعي انصراف الحركة الديموقراطية المصرية اليوم، غداة الحركة الديموقراطية التونسية مباشرة، إلى معالجة القضية السياسية الداخلية، وتقديمها على المسائل الاقليمية والاستراتيجية. فمصر، دولةً ومجتمعاً، تجمع في كتلتها وبنيتها وموقعها القاري وتاريخها، وجهي الامة المتماسكة والمفصل الاقليمي والدولي. وترجيح السياسات «الناصرية» وجه المفصل الاقليمي والدولي على وجه الامة الداخلي، في ذروة الحرب الباردة وإبان طي الامبراطوريات الاستعمارية وصرمها وفي سياق الصراعات العربية الاسرائيلية المتناسلة، هذا الترجيح أنسى بلدان الشرقين الادنى والاوسط، وربما أنسى المصريين أنفسهم، مكانة وجه الامة المصرية الداخلي والسياسي. وصرف الانتباه والاهواء عن معنى حكم الامة نفسها وتدبير المجتمع شؤونه الكثيرة والمتنازعة، من طريق هيئات ومرافق وإدارات ومنظمات معقدة، ولا مثال مستقراً ومعلوماً لعلاقات بعضها ببعض.
فكان الاقرب إلى متناول المتظاهرين المصريين الانقياد إلى مألوف لغوي رتيب ومكرر وقريب المتناول، والهتاف:» لا مبارك ولا سليمان احنا كرهنا الاميركان»، على ما تقدم. فكراهة أو كراهية «الاميركان» تبدد وصف المنازعات الداخلية، وتشخيص الخلافات الحقيقية والضاربة جذورها في كثرة الجماعات، وتباين المصالح والميول، وعسر العبارة عنها والتأليف بينها. والكراهية هذه تختصر التعقيد السياسي والاجتماعي والثقافي في اعتقاد وهوى ثابتين، يوهمان بأدوار جغرافية سياسية تبدو فاعلة وعظيمة في ميزان القتل والقتال. وهو ميزان ذو شأن. وعلى رغم قوة استدراج «كراهية الاميركان»، عاد المتظاهرون عن صيغة الهتاف، وعدلوا عنها في اليوم التالي (الاحد 30/1) إلى «لا مبارك ولا سليمان- يسقط يسقط الطغيان«.
فحل اسقاط الطغيان محل كراهية الاميركان. وصياغة البرنامج على هذا النحو، في ضوء أطوار الحركات السياسية العربية والشرق أوسطية في نصف العقد الاخير، قد يكون مرآة انعطاف سياسي وثقافي عميق يتطاول إلى أركان الحركات هذه واختباراتها. في حالة المسألة السياسية في عصر الديموقراطية العالمي والمتفاوت، وفي اطار الدولة الوطنية الغالب، إلى مناهضة مراكز قوى السيطرة الخارجية و»نهبها» الثابت والمؤبد، يبررها أمران: التنازع على المحل الاول في اطار ثنائي واحد أو فرعي (الشرق السوفياتي والغرب الاطلسي أو الغرب الديموقراطي والمروق الارهابي، أو الشرق الاوسط الاسلامي والشرق الاوسط الاميركي...)، واستتباع الطبقات الحاكمة جماعاتها الاهلية ومجتمعاتها وتجنيدها في حروب «تحرر» لا نهاية لها من القطب العالمي المسيطر.
ودعا الامران الدول الكبرى، الديموقراطية، إلى اهمال المسألة السياسية، ودعا الانظمة الحاكمة ومعظم مجتمعاتها إلى مسايرة هذا الاهمال ومماشاته. والاهمال والمسايرة وجهان يتصل واحدهما بالآخر، ويسوغ واحدهما الاخر. ولعل البرهان الاقوى على هذا هو مزاعم علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الايراني، و»رفيقه» احمد خاتمي، خطيب الجمعة في مسجد طهران وأحد رؤوس المحافظة الحرسية الخمينية، ووكالتهما الحزب اللهية في لبنان. فهؤلاء يدارون انصراف المصريين، بعد اللبنانيين والتونسيين والايرانيين «الخضر»، إلى معالجة المسألة السياسية الداخلية، ومعنى حكم الامة والمجتمع نفسهما ومدافعتهما الطغيان والاستبداد العرفيين والاستثنائيين (وما يستجران من فساد وانحلال ومهانة وفقر وركود)، يدارون هذا بإلحاق الحركة المصرية والحركة التونسية ذيلاً بإيران الخمينية.
فـ»ثورة الاحرار» في تونس ومصر لا تستحق صفتها على لسان رجال يتربعون في سلطة تحميها خناجر الحرس الثوري والباسدارن وقمعهم الحركة الخضراء، واغتيالات سجن إيفين وكهريزاك، واعدامات مدعي عام طهران الثوري وأموال الريع والخمس المسروقة - إلا لقيامها على «الديكتاتورية العميلة». وأما الديكتاتورية المذهبية العنصرية «تديناً» وقومية، فبراء من العمالة. فالديكتاتورية العنصرية تضع نفسها في موقع المنافسة على زعامة الشرق الاوسط «الاسلامي» وإرهابه. وبراءتها من العمالة، المفترضة، تبرئها حكماً، على زعم لاريجاني وخاتمي الخطيب وأنصارهما المحلَّفين والمتعاقدين، من الديكتاتورية.
والحق ان هذا قريب من الرقية والحماية من السحر. فما يحمل حراس السجن الايراني «العظيم» على مديح الحركتين الديموقراطيتين الطريتين قيامهما على عتبة ذكرى انتصار الثورة الاسلامية في ايران (وهي) ثورة عظيمة ربما لم تحدث مثلها خلال القرون الاخيرة»، على قول علي لاريجاني. ومعنى هذا ان الاتفاقات التنجيمية اللاريجانية والخامنئية، أي مصادفة التوقيت، هي قرينة (على قول الوكيل المحلف في لبنان) بل بيِّنة مفحمة على قرابة الحركتين التونسية والمصرية بنظام القمع والقهر في ايران ولبنان. ويستمد كلام التنجيم الحرسي والباسيجي بعض المعقولية والاحتمال من ثقل الاخوانيين في الميزان السياسي المصري، وهم نظير طغيان السلطة في المجتمع ورد جزء من المجتمع المكبل و المنكفئ على الاستبداد والتعسف.
ويلتقي التعويل الايراني مع التخوف الاسرائيلي. والرأيان يشتركان في وزن الحركة المصرية في ميزان «ناصري» أو اقليمي قومي، وفي إرادة اغفال المسألة السياسية ، أي مسألة الطغيان. وتتصدى الحركة الناشئة للمسألة السياسية الديموقراطية في سياق عربي وشرق أوسطي عريض تعود بداياته إلى انتخاب محمد خاتمي رئيساً على ايران «الاسلامية» في 1997، وانشقاق حزب «العدالة والتنمية» عن حزب أربكان المحافظ، وإلى انتشار الاندية المستقلة في السنة الاولى من عهد الاسد الثاني، وقيام اللبنانيين على سياسة «التعريب» والحزب اللهية الاسدية في 2004 2005، وعودة الايرانيين في 2009 إلى الانتفاض على طغيان الحرسيين والباسيج و»الآيات». وتوج التونسيون، ويتوج المصريون، موقتاً حلقات السلسلة الذهبية والكريمة هذه. ويحارب «كارهو الاميركان» الساعين في «إسقاط الطغيان» بواسطة السلاح الناصري التقليدي، أي تقديم الموقع من النزاع الثنائي الدولي المفترض، على رغم فوته وانصرامه، على موجبات حكم الامة والمجتمع نفسهما بنفسهما، على رغم الحاحه.

حلف القمصان السود وتماثيل الشمع طليعة حركة التحرر من الغزو والمذهبية وعنفهما

المستقبل - 30 /1/2011
يبدو، إذن، أن الطائفيين المذهبيين السنّة وشركاءهم الطائفيين المذهبيين الموارنة، وقد انضم اليهم بعض الطائفيين المذهبيين الدروز (مثل مروان حمادة)، فقدوا صوابهم واعتدالهم ووسطيتهم التي انتقلت كلها الى حمى الدستور مع السيد نجيب ميقاتي، وأسلموا قيادهم لغرائز الشارع الطائفية والمذهبية النيرونية والأميركية الفيلتمانية (وبعض اللبنانيين، المزعومين على الارجح، يسمون جيفري فيلتمان، السفير الأميركي السابق في لبنان، «جيف»، على ما لم يفت أمير الجماعة الخمينية المسلحة في أربعينية الحسين بن علي البعلبكية الحاشدة التنويه الانيق والخفي، بعدما علا صوت «الممثلين» الامويين اليزيديين والقتلة بشتم بقية عترة النبي وأهله، وأنحت السياط على رؤوس النساء والبنات وظهورهن، وهن يولولن:» يا أبي! يا حسين!» إمعاناً في الظلم والاذلال).
وعلى خلاف الوطنيين المستقيمين والثابتين واللبنانيين الرسوليين المسالمين والديموقراطيين الاقحاح، ترك المذهبيون العنان لنزعاتهم الثأرية المنحطة، وتقاليدهم المتأصلة منذ 5 شباط 2006، يوم حرقهم مبنى السفارة الهولندية بالاشرفية، على رأسهم سعد الحريري وبيار فرعون وغازي يوسف والطبيبان مجدلاني وحوري، بينما كان اللبنانيون الرسوليون والدستوريون، المسيحيون والشيعة والمير الارسلاني، عشية الحادثة، يتهيأون لتوقيع تفاهمات حضارية فريدة. وهذه التفاهمات العظيمة شقت طريق الانتقام والردة الى حرب صيف 2006 الغادرة (الفيلتمانية)، والى طعن المذهبيين اشرف مقاومة اسلامية وعربية ووطنية ولبنانية وجنوبية وبقاعية وكسروانية ومتنية وبعلية محسنية عالية في الظهر. فحرضوا الأميركيين والصهاينة على خطف جنود إسرائيليين وقتلهم داخل الاراضي المحتلة، وعلى قصف المطارات والمرافئ ومراكز الاتصالات اللبنانية، ودلوا الطائرات الإسرائيلية الى مجسمات «غوغل» والاهداف الحيوية التي ينبغي قصفها، ويستحيل نهبها بواسطة الموازنة وأبوابها الفاسدة وقطع حسابها ومهمتها. وقتلوا جبران التويني. وفتحوا باب المحكمة الدولية، واستدرجوا شهود الزور اليها. وأحرجوا الوزراء الشيعة وأخرجوهم، وحالوا بينهم وبين حيازتهم الثلث المعطل على نحو استرجاعي، حين ألفوا الحكومة، وبل حين اشترطوا الثلث، عداً ونقداً وليس تقسيطاً، في نص المادة الدستورية التي صاغها يومها (في 1990) أستاذ علوم سياسية «وديعة».
واستفزوا شاحنات الرمل، ودواليب «ميشلان» و»بيريللي» المطاطية، في 23 و25 كانون الثاني 2007، فَقَطَعت هذه الطرق، واحترقت، وحاصرت التجار والمسافرين والموظفين والساعين في الرزق، وأودت بالزيادين الجانيين على نفسهما. ولو لم يتول المسودون اليقظون، وقبعاتهم وقمصانهم وسراويلهم، ردع شاحنات الرمل، ودواليب الماركتين المسجلتين الاوروبيتين، لتمددت هذه، وحاصرت الناس، وخنقت الاقتصاد. واجتاحت الاراضي اللبنانية كلها، ودمرت مبنى المجلس النيابي على رغم حراسة رئيس المبنى، وحرصه عليه الحِرص الانساني العميق على «دارته» الطيبة في عين التينة، بحسب صحافي « النهار» المعتمد والمقيم. ولحالت بين النواب وبين الاجتماع الشرعي والدستوري، وأباحت تصريف فؤاد السنيورة الاعمال السوليديرية من غير رقابة استشارية نزيهة غير مناقِصة. ولولا الجرائم الـ14 آذارية والحريرية هذه لما اضطرت الاسلحة الخفيفة ومضادات الدروع الحِرفَية، الى الخروج من غمدها وخدرها المطمئنين في جيوب بيروت الوادعة والحالمة بفلسطين وأولى القبلتين والصحن العمري وجنة غزة، والى مصادرة 10 بنادق وقتل 121 اختصروا، اختصرهم مناضل متهكم وحكيم في سبعة ورآهم قليلين ولا يليقيون بثأر والدي مجيد. ولما حُملت سيارات الدفع الرباعي على ترويع العقال الموحدين عند منعقد الطرق المتسلقة من وراء الباروك وتلك المُصعِدة من سفوح عاليه وجوار الغرب والشحار.
وهذا فتح الطريق الى محجة الدوحة الشريفة وميثاقها الامين والشفاف، وعهودها المتينة، في رعاية الشرق المقنّع والغرب السافر، ومن بعدها الى انتخابات نيابية عقد الانتصار المؤزر فيها للدستوريين المسالمين والوطنيين، والمرجأ 19 شهراً فقط، وذلك، أي الانتصار المرجأ، أحلّ 11 نائباً، هم أقل من عشر اعضاء المجلس، من الشجعان الديموقراطيين والليبراليين وكارهي الحرب الاهلية وغرائزها المذهبية، من عهودهم غير الموثقة والخفيفة. والتحلل الرجعي هذا لا يؤاخذ صاحبه عليه ولا يدان. وحفظ النفس والمنافع يبيح المحظورات. وارتكاب هذه في ختام زيارات ومفاوضات ليلية، قبل أن يبين الخيط الاسود من الخيط الابيض، يطويه انبلاج الصبح، وانفجار الفجر على فضائح المذهبيين، وفسادهم، واختلاسهم 11 مليار دولار لا يغلط مقرر لجنة المال في جمعها وطرحها الشفهيين والارتجاليين على شاشات «الجديد» والـ»أن.بي.أن» و»المنار» والـ»أو.تي.في» مجتمعة. ولا يغلط المقرر في الاعمال الحسابية كلها، على رغم نظرات المذيعات الناقدة، وعلومهن النافذة في شؤون المال والضريبة وأبواب الصرف والجباية والتدوير والامضاء، وفحصهن الوثائق والاصول على الهواء.
ويمتزج الهزل المسرحي المقنَّع والمتجدد والمتمادي منذ نحو أربعين عاماً بجد مأساوي لا يقاس بعدد القتلى والجرحى والمفقودين والمسجونين واللاجئين والمهاجرين ومرضى الاعصاب، فحسب. فضحية المزيج المروع هي الجد نفسه، جد الحياة الفردية والعامة، وجد السياسة، وجد التاريخ. فمن نكد الدنيا على الاحرار وأنصاف الاحرار وأرباعهم وربما أكثر (أي اقل في ميزان الحرية) من اهل الاحزاب والعصبيات والغرضيات اللبنانية، ان يُدعوا دعوة حثيثة، تحت تهديد الاقتتال والقتل والاغتيال والكذب على رؤوس الاشهاد الصحافية والمواقع الالكترونية والاجتماعية والشبكات التلفزيونية، الى تصديق الهزل المسرحي والرتيب هذا، أو الى مناقشته وحمله على محمل الجد. فيُرد، على سبيل المثل، على «حجة جيف» الملهَمة والمفحِمة، شأن حجج صاحبها كلها. أو يُرد على معاقبة أو مُتوالية 5و6 شباط (2006)، النبيهة والكشافة والمستشرفة، على منوال اشارات ذي القيادتين السياسية والعسكرية المظفر. ويُناقَش مدير (دمى) الغاء الطائفية السياسية من طريق اطراح اقتراع المهاجرين، وتخفيض سن الاقتراع الى 18 عاماً أو 16 عاماً او 14 عاماً، وزيادة عدد المجنسين المقيمين في وطنهم الاول والقريب والمترددين على وطنهم الثاني في مواسم الانتخاب. وتُصدَّق أو تُكذَّب دعوى الخارج لتوه من متحف الشمع الباهت والمائع في الوسطية والحوار والتوافق. ويُستفهم عن معنى الانقلاب من لقاء ديموقراطي هو غطاء استزلام غرضي، الى سراب نضال وطني لم يكن يوماً غير تسليم صاغر ولفظي.
فهذه كلها، الرد والمناقشة والتصديق والتكذيب والاستفهام، في مثابة قبول مسرح الظلال القاتمة الذي ارتضينا، أحراراً ونصف أحرار وربع أحرار وقاصرين وعبيداً مطيعين، اعتلاءه منذ نحو 40 عاماً عروبية خانقة وثقيلة.
وعلى هذا، وفي مرآته، قد تبدو حركة التنديد بانقلاب 11 نائباً انتخبوا بشطر راجح من أصوات الاستقلاليين السياديين، على حلفائهم وناخبيهم وعهودهم، طائفية مذهبية، وسنية في المرتبة الاولى. وهي قد تتصور فعلاً في صورة محاكاة متشنجة ويائسة لأعمال وعروض تلامذة الحرس الخميني الرياضية الحالكة والمتقنة. ففي أثناء الاربعين سنة المنصرمة، منذ 1970 على وجه التقريب، انتقلت «الطائفية اللبنانية» - او ما وصم بهذه الوصمة، واقتصر على لبنان وعلى مسيحييه قبل أن يصيب سنته (في لبنان وسوريا وبعض الخليج) ويبرأ منه الشيعة وبعض الموارنة أخيراً - انتقلت من طور الى طور ضعيف الصلة بالاول.
فهي كانت عصبية نخب متنامية تتنافس على الحصص والشطور والمكانات في اطار هوية ملتبسة أو غائمة يعرَّفها التخلي المتبادل عن الانخراط في اقطاب القوة المتقابلة («الغرب» و»الشرق»)، فوق ما يعرفها انتساب وجودي وشعبي محموم وعارم. وانتصر الانتساب، على الشاكلة الوجودية المحمومة، مع «الزحف» العروبي. وهذا غذته الانكسارات امام إسرائيل، والاخفاقات الوطنية الداخلية، السياسية الديموقراطية والاقتصادية والاجتماعية، ولم تغذه انجازات حركات سياسية شعبية متعاظمة. وكانت سوريا، في وسط المشرق، بؤرة الانعطاف العروبي، واستبدال الحركة السياسية الشعبية بهوية متشجنة وفارغة من محتوى ديموقراطي واجتماعي وايجابي، تتولاها حفنة من الضباط الاستخباريين والمذهبيين. وتسترت الهوية القومية الخاوية والعاجزة على استيلاء مذهبي واقلوي متسلط. فكانت الهوية الممتلئة بالثارات والضغائن والخوف حصن الاستيلاء ومسوغه وركنه، في الداخل الوطني والجوار القريب على حد سواء.
فلم يشهد المشرق العربي، وجواره المتصل به، نزاعات مذهبية دامية كتلك التي يشهدها منذ استيلاء الجماعات المذهبية والحزبية والامنية العروبية على بعض دوله واقاليمه. فالجماعات المستولية تحصنت بأجهزة الحكم الامنية والعسكرية والادارية والاعلامية، وبموارد الدولة العامة، وحاربت الجماعات الاهلية المعارضة من موقعها هذا. وهي سعت في كسر الجماعات الاهلية، وفي سحقها وافقارها وعزلها. وكان تجريم «الطائفية»، المنبعثة من أنقاض السياسات القومية والمذهبية المستولية، جزءاً من حربها الفعلية والمدمرة، الايديولوجية والامنية والسياسية والاقتصادية، على الجماعات الاهلية والوطنية الاخرى. وحملت المجتمع كله، باسم الدولة المزعومة والغاصبة، على «حرب وجود»، أفقها الماثل والمخيف استئصال المجتمع، على معنى ازالته عن موقعه المواجه والمعارض والمقيِّد، وإلغاء قوته على المواجهة والمعارضة والتقييد، وضمه مكبلاً ومستكيناً و»مقاوماً» الى جهاز من اجهزة الاستيلاء والقهر.
وعلى هذا، «عُرِّب» لبنان تعريباً ساحقاً قُصد به الطعن المدمر في مسيحييه. وهم هيكل دولته، ونواة مجتمعه، وركن انفصاله النسبي والجزئي عن داخلية اهلية وعصبية مكبلة ومقيَّدة. ومشى التطييف المحموم والقسري في ركاب تعريب مستميت، بينما كانت تستكمل الاجهزة البوليسية والمذهبية القومية سيطرتها على دولها وحركاتها «الوطنية» ومجتمعاتها، وتشد قبضتها عليها. وقضت السيطرة، على المثال الجديد وغير المسبوق، بألا يبقى بين الاجهزة البوليسية والمذهبية المستولية، على العراق وسوريا و»فلسطين» وبعض لبنان، وبين «الصهيونية - الامبريالية» أو صورة العدو المطلق، موضع او محل لكيان وطني او حركة سياسية او جماعة أهلية، أو جماعة رأي. وألزمت هذه جميعاً بالانضواء طوعاً او كرهاً، في الحرب الايديولوجية المشبوبة، والمتخيلة، بين جهاز الاستيلاء المذهبي القومي وبين «الصهيونية - الامبريالية» الاسطورية.
والاستيلاء المفترض على لبنان توجه تآكل قوة جماعاته المسيحية، ومحاصرتها بجبهة متراصة من الجماعات الطائفية والمذهبية الاخرى، وهجرة أجزاء متعاظمة منها وانكفاء جماعات أخرى وتفشي الانقسامات في صفوفها وبروز قيادات هزيلة ومغامرة. وخسرت الجماعات هذه الحرب القومية والايديولوجية الضارية التي شنت عليها، وأخرجتها من الكيان الوطني، ودمغتها بالهجنة والانحراف، واختصرتها في مصالح جماعتها الضيقة والمتقوقعة. واليوم، حل دور السنة في عملية الاستبعاد والتهجين والتطييف والاعدام. فإذا بالحركة السياسية الوطنية العريضة التي نشأت على اغتيال العروبة المذهبية والامنية رفيق الحريري، تُزم وتُقزم وتُعلّب في وكالة من وكالات «القاعدة» وقتلتها وانتحارييها. فتُبدد، في هذه العملية، اختبارات اللبنانيين وتجاربهم في الائتلاف والروابط السياسية والموازنة بين الحقوق وبين القيود، ويُبدد سعيهم في طي ثاراتهم ونازعهم الى ارساء حياة سياسية فاعلة على استقرار وامن يحفظان كراماتهم - يُبدد هذا كله في مكيدة استخباراتية وأمنية تليق بعبقرية مزور نقود ومنتحل صفة واسم ووجه.
ولا ريب في أن «استمرار» 14 آذار - الرجاء الواثق، والرغبة الحية، والوعد بالتغلب على النفس قبل التغلب على الغير، وترك الثارات والضغائن، وتحمل التبعة كاملة عن تاريخ مضطرب ومتنازع - لا ريب في أن الاستمرار هذا هو جوابنا عن الاربعين سنة الثقيلة التي ترزح على الصدور والعقول والالسنة، وينهض الآل والاهل والخالفون علماً أسود عليها