الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

"جوزيف أنطون"... سلمان رشدي متخفياً وسابحاً في أثير رواياته وأصدائها الخارجة من إيهابها


المستقبل – 25/11/2012
يروي سلمان رشدي في نحو 30 صفحة افتتاحية من حكايته سيرتَه "جوزيف انطون" (عن راندوم هاوس، لندن، 2012، وبلون، باريس، 2012) حوادث يوم الثلاثاء "المنير" في 14 شباط، عيد ولي العشاق، 1989، الذي بلغه فيه، وبلغ الناس كلهم من طريق وكالات الأخبار، حكم روح الله خميني، السلطان الإيراني والإمامي المعمم، بقتله جزاء كتابته ونشره قبل نصف عام، يومها، "الآيات الشيطانية" (وليس "آيات شيطانية" على ما يصحح في إحدى الصفحات الأولى من "جوزيف انطون"، فالتعريف قرينة على تناوله، هو الروائي المتأخر زمناً وعلى صفته هذه، الخبر عما نسبه أخباريو المبعث، وبعضهم معاصرون، الى وسوسة الخناس وتشبيهه. وأما اغفال التعريف فيوهم بأن الكتاب يستعيد أو يستأنف الوسوسة المنكرة، أي التي ينكرها "المؤمنون"). والـ30 صفحة الاولى العاصفة، "الشحرور الاول"، وهي شطر ضئيل من الصفحات الـ700 التي تقتضيها السيرة "الكاملة"، أو سيرة الـ13 سنة التي دامتها حراسة الكاتب المهدد القريبة (الى 27 آذار 2002 صباحاً) تكاد تكون موجزاً لـ"طريقة" رشدي الروائية التي يُعمِلها في بعض أجزاء كتابه، وأعملها من قبل.
والفاتحة هي خبر إعلامي أو صحافي، وذلك في معرض "انفجار" حادثة الإفتاء الإمامي الخميني بقتله وانقلاب الإفتاء مسألة علاقات دولية و"ثقافية" من صنف جديد. فيستهل رشدي الحكاية العريضة بمكالمة تلفونية أو مهاتفة مصدرها صحافية من البي بي سي (هيئة الاذاعة البريطانية). سألته الصحافية التي نسي آسفاً اسمها، ولم يسألها عن طريق معرفتها برقم هاتفه في مكتبه ومنزله بإيسلينغتون من أعمال لندن، عن أثر بلوغه الدعوة الى قتله فيه. وسبقت الصحافية جوابه، وقالت له ان الدعوة الفقهية الى قتله لا بد طوت حياته الماضية وانعطفت به الى حياة جديدة. ومكانة الصحافة أو الإعلام المتصدرة من الحادثة الدولية المتفجرة مَعْلم على نوع العالمَ الذي صدرت عنه الرواية ويصب جدولها أو ساقيتها فيه. وهذه الصحافة، على هذه الشاكلة، تبلغ ملاذ الأفراد وملاجئهم عنوة. وتجيب قبل أن تسأل. وإذا سألت مهدت سبل الجواب ودلت من تتوجه عليه بالسؤال اليها. وأثرُ "السؤال"، والملاحظة الملازمة، في الكاتب المهدور الدم لقاء جائزة سنية من بيت مال "المسلمين"، مقوِّض: أظلم النهار المضيء، وقال الرجل الطريد في نفسه "أنا رجل مات" وأحصى الأيام المتبقية له من العمر فألفاها قليلة، ونزل سلم البيت بعد أن أغلق الشبابيك الخشبية والباب وأحكم الغلق وكأنه يحمي نفسه داخل البيت وهو يغادره.
ويتصل "المشهد" الأول والخاطف والروائي يقصه من غير غمز من طرف خفي ولا مسرحة ولا تنويه أو تذكير (بشواهد رواية "الآيات..." من "حرب النجوم" و"الرجل الفيل" وأسماء الأبطال الاتصاليين: جبريل فاريشتا والملك جبريل...) بتداعياته. والتداعي الأول يتناول عيد ولي العشاق وقديسهم: فالانتان. وحري بالولي القديس أن يرعى ما بين سلمان وماريان (ويغينز)، وهي زوجه يومها ويعرفها بـ"الروائية الاميركية" وهذه جهرت قبل 6 أيام من اليوم العتيد رأيها في حياتهما المشتركة التي يتشاطرانها ومشاعرها، وقالت أن هذه الحياة تفتقر الى متعة الشركة. وانتبه هو كذلك الى "خطأ" زواجهما وإقبالهما عليه.
وعلى رغم هذا، وبينما كان هو يغرق في اضطرابه، ويتلوى كمن مسَّه تيار كهربائي فيغلق الستائر ويوصد الشبابيك والباب الخارجي وهو يهم بالهرب لا يعرف الى أين، ويكلِّم ماريان هاذياً على غير هدى، أجابت بقولها "نحن". فسكن روعه بعض الشيء، وبعثت "شجاعتها" بعض التماسك في أوصاله المتهافتة والتالفة. وفي فقرة خاطفة تضمر فوق ما تعلن أو تسر، وتظلل جملها وكلماتها القليلة أواصرُ الفراق والصرم الضعيفة، تتردد أصداء الولي اللعوب والمريمي معاً، الربيعي الفتي والشتائي الآذن بانطواء البيت ودفئه وملله، الجامع الضاوي والمفرق المبعد. وتختلط الأصداء هذه بنور النهار الساطع ودبيب الموت الذي يحسبه المدان بالتجديف وشيكاً.
ويعود التداعي الثاني إلى الاعلام والتلفزيون، من طريق سي بي أس، الشبكة الاميركية القائمة في بووُترهاوس حي نايتسبريدج اللندني، على ما يحرص روائي التهويم "الشرقي" على العَنونة في كل مرة تسنح فيها الفرصة أي على الدوام. فالشبكة دعته الى برنامجها الصباحي والحواري "المباشر". وهو لا يريد تفويت الدعوة والذريعة المتاحة الى رد التهمة القاتلة. والبث التلفزيوني المباشر على الاثير ساحة حرب يتوق حكواتي "الآيات"، وقبلها "أولاد منتصف الليل" (1981) وبعدها "المهرج شاليمار" (2004)، الى خوضها، والمبارزة فيها. والأثير الرشدي يصل الأزمنة بعضها ببعض، ويخلط الأمكنة، وينقل الأحلام والصور، ويستسلم لأجنحة التخييل والكلام وينقاد لها ويلح في دعوتها الى التحليق والطيران (ولن تعتم الطيور القاتمة، ونذر الكارثة والدمار، الشحارير السود وهي أقرب الى الغربان، و"طيور" هيتشكوك التي تجري في رواية السيرة جري الدماء في الاوردة، وتظهر).
واتفق يوم 14 شباط 1989 هذا مع إقامة جناز إحياءً لذكرى صديقه، صديق الراوي (بضمير الغائب)، بروس شاتوين، في كنيسة موسكو رود الارثوذكسية في بيزووتر. وتوفي شاتوين بالإيدز إبان انتشار الوباء في صفوف المدمنين والمشردين والمتسكعين الفقراء والمثليين الفنانين و"المثقفين". وكان دعا، قبل سنتين، صديقه الهندي البريطاني الى الاحتفال بالذكرى الاربعين لولادة الصديق في بيته بأوكسفوردشايير. ويزور الصديق الميتُ الذي خلّف في ذاكرة صديقه المهدد احتفالاً قريباً وحاراً بولادته وخروجه الى ضوء الحياة، بينما تحوم فتوى الوعد بالموت قتلاً في ضوء يوم العشاق، ويظلل فتورُ "المتعة" التي جمعت ماريان ويغينز وسلمان رشدي قبل سنة شراكتهما وتقول ماريان اليوم ان حياتهما المشتركة هذه تفتقد المتعة ويقرها هو على قولها وشعورها. وسألت الزوجُ زوجها المرتبك، والمزمع الرواح الى مكاتب الشبكة التلفزيونية الاميركية ثم الى الكنيسة، ماذا ينوي أن يفعل في شأن القداس. فترك السؤال من غير جواب وغادر البيت المشترك في سيارة الشبكة، وهو لن يعود إليه قبل 3 سنوات، في اثنائها لن يبقى البيت منزله، ولا ماريان زوجه وهو زوجها، ولا حياته السارحة والمشرعة على أرياح الحكايات وأجنحتها قبل رأي الفقيه الفظ والمجتهد حياته المتخفية والمواربة بعد الاجتهاد.
ويكتب سلمان أنيس رشدي، ابن مبتدع تراث أرسطوطاليسي ندب ابنه الى الاضطلاع به، أنه خلّف منزله وراءه الى برنامج الشبكة الاميركية الحواري والصباحي وإلى جناز صديقه، وتلويح لائحة القتل ودبيبها في فرائضه. والحق أنه يترك هذا الشطر من روايته الى أولاد صف في بوديغا باي بكاليفورنيا يغنون أغنية تحكي عن جنية "تمسد شعرها مرة في السنة، بينما تصفر ريح باردة في الخارج، ويهوي من السماء شحرور وحيد يحط على قن دجاج في وسط حاكورة الدار، ومع كل تمسيدة مشط تذرف الجنية دمعة- ريستالتي، روستالتي، هاي بومبوزيتي، نايكتايك نايكتي، ريتوركوكواليتي، ويلّلو بي، والابي، مو، مو، مو شحارير أربعة تميل على قن الدجاجات، ويحط خامس على قن الدجاجات وآلاف أخرى تجتاح السماء على شاكلة طاعون. أغنية بدأت ولن تنتهي أبداً".
وهذه الفقرة، وأنا أنقل معظمها نقلاً يكاد يكون حرفياً، تمثِّل على كتابة صاحب "الآيات" وغيرها، من الروايات، وتقرِّب طريقته التي تراود شهادة خبرية على حوادث ووقائع عينية لا يد له في معظمها، وليس الامر خافياً على الكاتب. فهو لا يكاد يبتدئ كنايته عن حاله الجديدة في اعقاب ذيوع خبر التحريض على القتل، بطير الشؤم الاسود ثم بأمواج الطيور وطاعونها، حتى يباشر توسيع الكناية وتعظيمها على صورة "نظرية عامة" على ما يقول ساخراً ومسلِّماً. ففي اثناء الاعوام اللاحقة تخطت الوقائع والحوادث واقعة إنزال رأي قاتل بفرد واحد، جزاء تقليبه النظر والسؤال والخيال والروايات في وجوه التصديق والاعتقاد الغريبة، الى انتصاب الملاك جبريل واعتراضه الافق، وانفجار طائرتين في برجين كبيرين، واجتياح الطيور القاتلة الارض على شاكلة صنيعها في فيلم ألفرد هيتشكوك "الكبير". فبين التحريض على اغتيال الروائي الهندي البريطاني عقاباً على "مناوأته الاسلام"، على ما كتب خميني في نص فتواه، وبين اعتراض جبريل الأفق ورمي برجي نيويورك التوأمين بطائرتين مدنيتين وقتل 2700 نفس، حبل من المعاني والاستعارات والمباني (الاعتقادية والسلطانية والإدارية الاجرائية) كان سلمان رشدي من أوائل من انصرفوا الى تعقب عقده الظاهرة المواربة الخفية. والكلام على "تعقب"، أي الدلالة باللفظة أو الكلمة، غير دقيق. فهو لم ينتظر فقه روح الله خميني، ولا فقه أسامة بن لادن، و"إجازاتهما" الحربية و"الجهادية"، ليروي في اعقاب الاثنين وانصارهما ومريديهما الكثر، بعض احوال الكشف والرؤيا والسمع وأثرها في "التهام" الناس والحياة، بحسب كنايته الروائية التي تتصدر فصل "الامام" في الرواية، وتندد بـ"إصلاح" رئيسة الوزراء البريطانية الاقتصادي، ثاتشر. وهو حَمَل الاجتهاد الديني الخميني في شأنه، والقضاء فيه هو البريطاني التابعية والدولة واللغة والثقافة والعقلاني الميل والمعتقد، بالقتل بالنيابة عن الاسلام والمسلمين في ارجاء العالم، واقتناص السلطان القومي المطلق فرصة سانحة في نزاعه المذهبي والعصبي حمل هذا التعسف الفظيع على اجتياح "طبيعي" لا استعارة له في عالم البشر واجتماعهم، فلجأ الى عالم الطبيعة الحيواني وبعض صوره وآياته في الفن السينمائي المعاصر.
ويعود رشدي من الشاشة، وحلبتها وآرائها المتضاربة وشبهها بساحات الاعدام في مدن أوروبا الوسيطة (القروسطية)، الى زوجه، واتصالها التلفوني به، وطلبها إليه ألا يرجع الى بيتهما حيث ينتظره 200 صحافي ومصور. وحين ينوي الرواح الى تأبين شاتوين ينصحه أحد الاصدقاء بألا يذهب. وبلغه أن نائباً هندياً بريطانياً في مجلس العموم كان سانده حين انفجرت التظاهرات بباكستان والهند تنديداً بكتابه، قبل الفتوى الخمينية وهي التي دعت الفقيه الايراني الحاكم الى الافتاء واقتناص الجمهور السني وتصدر "المحاماة عن الاسلام"، رجع في مساندته، وتقدم تظاهرة مشى فيها 3 آلاف مسلم بريطاني مدحها بقوله انه يوم أغر من ايام الاسلام في بريطانيا. وها هي ماريان تلقاه بعينين استقر فيهما الهلع: هلع خلفته مهاجمة المصورين والمخبرين والعدسات إياها حين تعرُّفها. وفي ختام احتجابه القسري يصف الراوي صنيع فلاشات آلات التصوير في المرأة الشابة والجميلة التي تزوجها في الاثناء، بادما الهندية وفتاة الغلاف. فيقول انه رآها تدور على نفسها، وتختال أمام "جدار" المصورين الهائجين والفالتين من عقالهم، وتذر شرر فتوتها وجمالها. ونظر الى وجهها وأدرك أنه وجهها في اثناء المضاجعة، فقال في نفسه انها تضاجع مئات الاشخاص معاً، ولا يسع امرءاً احتمال هذا. وخسر سلمان رشدي بادما حين أدرك أن دنياه التي ارتضاها تقتضي مقاومته الذوبان في أحلام بادما التي تريده صنو رغباتها، وعلى شاكلتها، ويعود إليه هو أن يكون صنو رغباته، على خلاف فعل "الايمان" وقصده.
ويتذكر في اثناء الجناز رحلة الى استراليا في صحبة شاتوين، "موضوع" الجناز أو صاحبه في 1984. ومن وقائع الرحلة نزولهما فندقاً اجتاحه قبل عام سائق شاحنة سكير، رفض خادم مقصف الفندق تقديم قدح شراب إليه، فقتل هجومه على الفندق بالشاحنة 5 أشخاص. وحضر الكاتبان محاكمة السائق التي صادف اجراؤها مرورهما بالناحية. واحتج السائق لنفسه فقال إن مهاجمة الفندق بالشاحنة ليست من طباعه ولا من عاداته. ونسيَ مقتل الخمسة أو رآه نتيجة آلية ترتبت على ما ليس من طباعه ولا يسأل عنه. ويذهب راوي سيرته الى ان المفتي المأذون بقتله يشبه السائق: فهو من شيمه حمل لواء "مركبته" فإذا نجم عن الامر مقتل إنسان، وكانت تظاهرات باكستان والهند أدت الى مقتل 12 متظاهراً وقتلت فتوى العالم الايراني والامامي مترجمين من بعد وناشراً، فالتبعة لا تقع عليه. ويقول أنه فكر في تناول الحروف التي نسبها الرواة والاخباريون الى الوسوسة الابليسية في الطائرة التي استقلها عائداً من استراليا: الايمان مركبة تعلو مكانتها حياة البشر.
وهذا دأب "جوزيف (تيمناً بجوزيف كونراد، الروائي المجري البريطاني المختلط) انطون (تيمناً بانطون تشيخوف كاتب المسرح والقصة القصيرة الروسي)"، السيرة الروائية وصاحبها المقنَّع في الاحوال كلها. فهو يروي وقائع وحوادث لا غبار عليها، ولا جنحة على ماديتها. وجمع السيرة الواقعة أو الحادثة بجوار الاخرى، وعلى تخوم جموحها الى أقاصي هذيانها، على مثال سرده في مواضيع كثيرة أثر التلفزيون على وجوهه في الناس ومسارحهم ومعاملاتهم وأخيلتهم، يسلط أصداء الوقائع والحوادث بعضها على بعض، ويدعو القارئ الى نزع غشاوة الفهم الواحد والحرفي عن ذهنه، وسمعه وبصره ومشاعره و... فقهه. ومبنى الروايات والحكايات الرشدية على الاثير السحري الذي تسبح فيه الكلمات والمعاني والأجساد والاشياء، ويكني بعضها عن بعض على بعد الشقة الزمنية والمكانية واللغوية. "اللغة هي الشجاعة: نبدأ بالافتراض ثم نسعى في التحقيق".
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=548567

الاثنين، 12 نوفمبر 2012

وسام الحسن واغتياله في عهدة «الأخبار» وذمتها «الصحافية» الإعلام على تعبئة... أو النقض على الخبر


11/11/2012 
في الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الجمعة، في 19 تشرين الأول، أو بعدها بقليل، قَتَل انفجار سيارة مفخخة كامنة على طريق تُفضي الى مقر قيادة قوى الأمن الداخلي القريبة، بأشرفية بيروت، مدير «قسم» المعلومات في جهاز قوى الأمن، وسام الحسن، العميد فاللواء. وقتل الانفجار مرافق الضابط، أحمد صهيوني، وامرأة تعمل بمبنى قريب من الكمين، جورجيت سركيسيان. وعُلم ان المقصود بالسيارة القاتلة هو الضابط الاستخباري الكبير بعد انقضاء نحو ساعتين على الانفجار العاصف. فوسع الصحف اليومية المحلية معالجة «الخبر» عن الحادثة في غضون الساعات السبع أو الثماني التي أعقبتها. فالصحيفة ينبغي أن تطبع في الساعة الثانية صباحاً على وجه التقريب. وصباح يوم السبت، في 20 تشرين الأول، وُزّعت الصحف اليومية، وتصدَّرها «الخبر» العتيد.
فخصت «الأخبار» البيروتية الاغتيال القريب وقتاً بالغلاف وبأربع صفحات كاملة. وملأت الصفحات وغطتها 8 مقالات إخبارية ورأي، وزاويتان وأربع صور فوتوغرافية. وكتب المقالات «مراسلو» الصحيفة، أو أخباريوها المفترضون، ومعلقوها أو أهل رأيها. والحق أن المراسلين لا يحجمون عن أداء الخبر في صيغة رأي. ولا يتردد أهل الرأي في إبداء الرأي في صيغة خبر. فتمييز الواحد من الآخر ربما تحمله الصحيفة على تمويه وتدليس «موضوعيين»، أي على تشبيه الموضوعية في معرض ذاتي محض. ويلاحظ القارئ، على رغم حدسه في رأي الصحيفة هذا، أن إخراج المقالات الطباعي يصنف صنفين: واحداً مؤطراً (يُخص بالشبك الملون في الإطار رئيس التحرير المدير المسؤول رئيس مجلس الإدارة و «هم» واحد: ابراهيم الأمين، على زعم بطاقة تعريف الصحيفة في ص16 ويشارك زياد الرحباني الرئيس المثلث الامتياز)، ويعلو التوقيع بالاسم صدر المقال وعنوانه في حالي الرحباني والأمين. وصنفاً ثانياً يفترش الصفحة من غير إطار. وأسهمت بعض الصور في «العمل«.
وتوالى على معالجة الخبر والكتابة فيه أهل الصحيفة اليومية، على طبقاتهم ومراتبهم المختلطة. فكتب حسن عليق تفصيل الغلاف، أو الصفحة الأولى الموسومة بـ «اغتيال الرجل القوي» على «جبهة» وجه الحسن الساهم والممتلئ والجلي القسمات. وإلى يمين المقال الخبري و «الرأيي» إطار طريف ومختصر: «سيارة العميد تبخرت!»، في جزئه الأسفل صورة صبية كاملة الزينة ومدماة البلوزة. وثنى قاسم س. قاسم على التفصيل، فقرَّب مشهد الاغتيال الحسي ووصفه. وتوسطت لوصف نواته: «طار حيُّ ابراهيم منذر السكني القديم بأكمله». وبسط مقال ثالث، وقعته «الأخبار» جملة، الردود السياسية المباشرة على الواقعة، وأبرزها اثنان (في العنوان): «14 آذار الى الشارع، وميقاتي يفكر في الاستقالة»، وهما تقدما خبر الاغتيال على الصفحة الأولى. ويتلقف مقال الرئيس المثلث- إلى شمال الصفحة وعلى طولها ومؤطراً ومشبكاً وملوناً وغليظ جسم الحرف وأسوده، ويعلو الاسمُ العينُ «حاجب» الوسم، على خلاف الزعم السائر ان العين لا تعلو «على» الحاجب- المقالات الأربعة أو القطع الأربع. ويسمي الوسم المتصدر القتيل، أو يلقبه لقباً فروسياً متواضعاً، مخففاً ومحايداً: «الخصم المحترف والمثابر«.
[صناعة بهلوانية
والمقتطف في وسط العمود العريض يدعو، بين المزدوجات علامةً على الانتخاب، الى توسيع مسرح الحادثة، وتناولها من أطراف آفاقها البعيدة والمترامية، فيجزم: «يندرج اغتيال الحسن في مطلع الحرب الباردة الجديدة في العالم». وهذا من مصطلح الصحيفة اليومية ولغتها ومذهبها في تناول «العصر الحاضر» وحقباته (أو «تحقيبه» على قول بعض أعلام كتّابها) وسرد منعطفاته (أو «سرديته» على قول أعلام آخرين قد يكونون الأوائل أنفسهم). وكان «المراسل» الخبري، حسن عليق، عنون مراسلته السياسية: «وسام الحسن شهيد تليق به الحياة». وهذا الطباق من صور بديع الصحيفة، وهو الموروث من مدرسة صحيفة «السفير» الأم وإنشاء ناشرها التاريخي والمزمن «الأدبي». واقتصر قاسم س. قاسم على «اغتيال رجل الظل» عنواناً. فتوسط هذا «تبخر» سيارة صريع عصف المتفجرة»، إلى يمين الصفحة، و «طيران» حي ابراهيم منذر «بأكمله«.
ولا ريب في أن طباق «شهيد تليق به الحياة»- بين البَدَدَيْن المحكيين والعاميين القريبين من القفش، وفوق صورة مسرحية وجسدية أليفة (وهذا بعض تعريف فن الكوميديا) يتوسط فيها الضابط الكبير المبتسم بالبيريه الخضراء ثلاثة من أركان قيادة الأمن الداخلي أقربهم مديرها العام المهموم- هذا الطباق «الشعري» و «المأساوي» في الجوار وإيحاءاته الهازلة و «الشعبية» ينم بصناعة صحافية مترجحة وبهلوانية فوق ما ينم بهمّ الإخبار والإعلام والرأي. ويسبق هذا قراءة المقالات من بعض القرب، واستنتاجاتها أحكاماً و «خط» معالجة.
و «يروي» مقالان كتبهما نقولا ناصيف وأحمد محسن، في الصفحتين التاليتين (4 و5) من عدد الصحيفة نفسه، بعض سيرة القتيل الأمنية والإدارية الوظيفية والتعليمية في عين أخباري أمني وإقليمي، والتماعات من سيرة شخصية ومدينية حميمة. وتتوسط المقالين صورة ملونة كبيرة تردد أصداء العنوانين: «وسام الحسن... كأنه عاد إلى موكب الحريري» (ناصيف) و «أين ذلك الوحش الذي ركن السيارة؟» (محسن): حطام الطريق العام المهشّم، والحديد المتفحم والمتناثر، وأبواب المحال المبقورة، وجامعو الأدلة الحسية، ورجال الفرقة 16، والهاتفون في الخلوي، ومتصفحو الصور على شاشات هواتفهم... وتذيل الصفحة «سيرة الشهيدين» (في إطار داخل صورة المؤهل أحمد صهيوني)، والسيرتان نبذتان وزعتهما المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ومقال مولف يجمع بعض وقائع الاحتجاج الشعبي والحزبي على الاغتيال وقعته «الأخبار» جملة على شاكلة نظيره في الصفحة الثانية.
وتعلو الصفحة الخامسة، نظير افتتاحية الصفحة الثالثة، زاوية جان عزيز، من غير امتيازي مثلث الرئاسات وصاحب «بالنسبة لبكرا شو؟» و «فيلم أميركي طويل». ووسم الكاتب زاويته بجملة جوابية، وعبارة قانونية وأخلاقية «وجودية» (سارترية بعض الشيء): «لأننا كلنا متهمون». والتهمة الذاتية، الشجاعة ما اقتصرت القراءة على التصفح، والعامة تبدو جواباً عن سؤال أحمد محسن المتشنج والمنفعل: «أين ذلك الوحش...؟»، وتعليقة متعقلة على الصورة الكبيرة والملونة، والفاجعة، التي تتوسط الصفحتين، وتجدد المشهد الأخروي الذي أسفر عنه انفجار 14 شباط 2005 الساعة الواحدة بعد الظهر ويذكر مقال ناصيف به. ويطل كلام الزاوية «السياسي»، على دعوى «كيكر» العنوان المترفع على بعض التشاوف، على بقية الصفحتين ومقالاتها الأربعة «المنفعلة»، حكيماً وعلمياً ومتدبراً ثاقباً. وهذا يتخطى الشكل و «العناوين»، على ما يقال على سبيل الاستعارة في مسائل غير صحافية ولا إعلامية، الى الجوهر أو المضمون.
ويبني جان عزيز احتجاجه لعموم التهمة على مثال قياسي منطقي متماسك، من مقدمتين ونتيجة لازمة: 1) الجريمة الإرهابية (شأن اغتيال وسام الحسن، على ما يوجب صاحب الرأي، وعلى ما سبق أن أوجب بشار الأسد في اغتيال رفيق الحريري و..... ياسر عرفات في تشرين الثاني 2004) تتوسل بضحيتها المباشرة الى ذر الخلاف في «الأحياء» و «الإيقاع فيما بينهم»، 2) ووسيط الخلاف والفرقة هو «السياسيون الغربان» و «غربان الموت» و «جوقة المحللين»، ويجمعون على «الاتهامات الفورية» و «الجاهزة» و «الغزيرة»، وعلى «الاستثمار السياسي» في الجريمة، فهم آلة الإرهاب الموصلة، وعمدة تخريبها، 3) فما على الساعين الصادقين في «مواجهة الإرهاب» والراغبين في قطع دابره «عبر سياسات إعلامية واجتماعية و (سياسية) بمعناها الحرفي»، وليس كيفما اتفق وخبط عشواء، إلا إعمال (نا) «الحق (في) التزام الصمت»، واعتصامنا بـ «الواجب علينا جميعاً»، والواجب هو ما كان للتو حقاً (في الصمت) وما رفعته الجملة التالية الى مرتبة «الفضيلة»، قبل ان يعيده الشعار الختامي، «واجب الصمت» الى المنزلة المتوسطة بين منزلة الحق ومنزلة الفضيلة.
ودعوة الصحافي صاحب الرأي وكاتب العمود- في ختام كلام مزعوم في السياسة يتصدره زعم تعريف الإرهاب «التعريف العلمي والجنائي» على منهج «العلوم الجنائية والسوسيو- نفسية في عالم اليوم» (بلى! لا يُنقص الشاهدُ حرفاً ولا يزيد حرفاً)- دعوة الصحافي إلى الصمت، في ختام 5 صفحات و10 مقالات أولى في أعقاب ساعات من الواقعة، من باب العجب العجاب. فالدعوة صادرة عن صحافي مفترض ومعلوم الاسم والسمت والسيرة، الصحافة أي تسويد الصحائف والصفحات بالكلام على أصنافه وأبوابه ومظانه هو حرفته وشهرته او تعريفه. ومن هذه حلته (لباسه) وصفته (تعريفه) لا يحض على كلام صادق ودقيق يحتمل العرض على أصول التحقيق والمقارنة والنقد المتعارفة، جرحاً (طعناً) وتعديلاً (إقراراً بالعدالة)، على ما يحق ربما لقارئ صحيفة أن يتوقع وينتظر، ولم لا أن يطلب ويشترط.
[نسيان المدنيين
ولا بد أن تستوقف المفارقة الغريبة القارئ: صاحبُ قلم ورأي محترف يدعوه الى السكوت في معرض جريمة إرهابية وجواباً عنها. وتحمل المفارقة على قراءة الدعوة من جديد، فلربما لحق بعض الخلل مواضع متفرقة من القياس أو الاحتجاج، وأفضى من حيث لم يرد الكاتب الى الغرابة المُعلَمة والموصوفة. فيلاحظ أن «التعريف العلمي والجنائي» المزعوم للارهاب- وهو يتناول نتائج الاعمال الارهابية في المجتمعات السياسية المنقسمة وإدارة الانقسامات والمنازعات على وجه الاحتمال، وهذا لا شأن «للعلم» به يغفل الجانب السياسي والاجتماعي منه. فلا يقع القارئ على المعنى الفارق الذي يميز العمل الارهابي من العمل الحربي، وهو إيقاع القتل عمداً في «المدنيين» حين يكونون خارج دائرة قتال وحرب، ومنصرفين الى مشاغلهم. والمناقشات القانونية والحقوقية الطويلة التي تناولت حروب الغوار، والمقاومات الوطنية والشعبية، وأشكال الحروب غير النظامية المتفرقة، منذ تبلور صيغة الحروب الثورية والجمهورية الشعبية، «الكلية» أو العامة (على مثال النفير العام والتعبئة العامة)، وتتناولها الى اليوم، إنما كان مدارها على فصل دائرتي العنف المباح والامن المدني، الواحدة من الأخرى، وعلى جواز استدراج تأثير في مسرح القتال من طريق المدنيين وقتلهم وترويعهم.
ويعلم القاصي والداني أن سهم «العرب» في المناقشات هذه والخلافات المولودة منها، راجح. وليس من المصادفات العابثة تمسك السياسة الأسدية وألسنتها وأجهزتها بإباحة العنف على غاربه لمنظمات «المقاومة» و»التحرر» من حلفائها ورفضها حصانة المدنيين «الأعداء» في الداخل والخارج معاً ، من جهة، واختصارها السياسة الداخلية والاقليمية والدولية، إذا قدرت، في القتل والاغتيال الفردي والجماعي والاستدراج الى الاحتراب، من جهة أخرى. فنواة الارهاب هي إباحة المدنيين للقتل وذلك بناء على إبطال تمييز المدنيين من المحاربين. فمثل التمييز هذا يقيد الحرب والعنف، ويحول بينهما وبين الجموح الى أقاصيهما المدمرة، ويمهد من طريق مضمرة للسلم القادم، وللمفاوضات والمساومات وما تجره من خسائر لا تخلو من ربح وارباح لا تخلو من خسارة. فلا يشيح الجمهور، وتياراته السياسية المتنازعة، عن لائحة السلم و»الحل» السلمي...
والمفارقة العريزية و»الاخبارية» الثانية هي ترك الكلام على الارهابي القاتل والمفترض، ولو مجهولاً أو غائم الملامح والقسمات، والتنديد الحاد والجارح بمن يستدرجهم الارهاب الى التشهير به والتخويف منه، والى التوسل بحصاده الأليم والمخرِّب (المنافي السياسة) الى محاربته وإقصاء آلاته ومسايريه وشياطينه البكم («الصامتين؟») والفصحاء. وهذا من حقوق المنازعة السياسية، ومن حقوق الدفاع عن النفس. فمكافحة الارهاب «العلمية» و»السوسيو نفسية» تقضي بـ»قتل» السياسيين والصحافيين والمحللين إن لم يكن قتلاً مادياً، على شاكلة قتل وسام الحسن أخيراً، فقتلاً رمزياً ومعنوياً وأدبياً: قرفاً و»تقززاً» و»غثياناً» وتشهيراً أخلاقياً وتكذيباً ومساخر. فـ»اللوحة» التي يرسمها داعية الصمت الواجب لأنصار القتيل، ولمن كان القتيل نصيرهم، لم تتجنب عيباً ومثلبة، ولم تتفادَ بذاءة إلا وولغت فيها، وانتشت غير متسترة ولا مقتصدة بافتراضها والتلويح به على رؤوس الأشهاد. وهذا التشهير المنتشي بمسرحه ومحاكاته الحقيقية والحرفية كوميديا مفترضة يؤديها أنصار الضحية، لا يحتسب نفسه جزءاً من نتائج الارهاب المقصودة، أي من «الإيقاع بالأحياء«.
فعلى نحو الغفلة عن المدنيين في تعريف الارهاب، تنسب المقدمة الثانية في مقاصده شطراً من «الاحياء»، هم حزب القتيل، الى الحيوانات («الغربان») وأشباه البشر المنحطين (أهل الكوميديا والتمثيل). وهذه النسبة، نسبة شطر من الأهل و»الشعب» الى مرتبة منحطة و»عرق» أدنى، مدخل الى إباحة القتل والاستئصال وباب عليهما. وهي تستجيب نعرة عامية وشعبوية على «المناصب» و»البيوتات» (على قول خطيب «الحزب» في عمر كرامي ... مادحاً!)، وعلى زعماء الطوائف وأولاد «المترجمين» الواقفين على أبواب سفارات «الرجل الابيض» (حسن عليق)، تتشاركها أجهزة التعبئة في الجماعة الحرسية المسلحة والشيعة العونية الخلاصية وأفواج «باسيج» المحرومين ومثقفي مقاومة «المرابطين» الحمدانيين، وأصحابهم. والنعرة هذه عقيدة لبنانية جامعة تحشد أهل الثارات والضغائن من الجماعات كلها، وتقرهم على عدالة رغباتهم واستقامتهم، وتنسب خصومهم ومخالفهم الى اليزيدية و»القاعدة» وبيلاطس والسياسة.
[الغمز
وينتهي المتكلم في السياسة، والعالم البحر في العلم العلمي والجنائي وأركانه «السوسيو نفسية» (لماذا العفاف عن « - البسيكولوجية»؟ فالسوسيو- بسيكولوجية أو البسيكو وسوسيولوجية كانت لتليق بعلم المصطلحات العزيزي) وتقنياته (وهذه أبواب ومطالب على عدد حجرات «الف ليلة وليلة»: مفردات وتعابير ومعان ومدلولات ونوع متفجرات وحجم وعصف ومصدر وما ينجم وما يشبه وما يقارب وما يناقض... ما هذه الغزارة في العلوم يا شيخ؟ وكيف تُشكر على إنعامك بها على قارئك الفقير؟) ينتهي الى دعوته الفاضلة والكريمة الى حق وواجب وفضيلة يوقعها على الصمت، على ما مر. ويعرج في الأثناء، من طرف خفي، على وسام الحسن. والمقال لا يذكره بالاسم مرة واحدة، ولا بالصفة غير هذه المرة، بعد لائحة «التقنيات» المزعومة. فيقول فيه إنه «صياد رؤوس». وهي عبارة ملتبسة حين يكنى بها عن موظف أمني يعمل في إطار جهاز رسمي. ولعل هذا ما أراده الكاتب الصامت، الالتباس والغمز. وهو ربما يغمز من «صيد» شعبة المعلومات ميشال سماحة وعلي المملوك وبثينة شعبان والعقيد عدنان وربما جميل السيد وهم يحسبهم العالم التقني الجنائي «رؤوساً»، وكان طعن في «عار» تهمتهم في مقال «سياسي» سابق، في زاويته وصحيفته.
وعلى المثال إياه، يمدح صاحب الرأي أصحابه و»خطوات تضامن جماعي فعلي» خطوها وحدهم، على خلاف الغربان المسرحية والتلفزيونية، على «أرض الجريمة». وهو يلمح، حيياً وعفيفاً وممسكاً على عادته، الى مبادرات العونيين المحليين «التعاونية» التي لا يبتغى بها إلا وجه الكريم، في معرض كلام محتدم في الانتخابات الآتية، وفي الترشح الى المقعد الارثوذكسي بالاشرفية، أرض الجريمة والتضامن السري اتفاقاً. ومن طرف لا يقل خفاؤه عن خفاء التعريفات والعلوم والانتقالات الحافلة، ينتهي المقال الى جملة مفتاحية وختامية، وسم بها «كلامه» الجوهري والكرشوني معاً، وقع عليها أو وقعت عليه وحياً وإلهاماً:»لأننا كلنا متهمون». وهذا الختام، ومسكه، لا أثر له (أو لهما) في المقدمات العلمية الغزيرة والمتبحرة، ولا في الغمزات والاشارات والتلويحات المبثوثة في الثنايا والمنعطفات والمتفرقات. فمن «نحن» الغريبة هذه؟ ولماذا النصيحة بالصمت جواباً عن تهمة عامة؟
فينصح بالصمت، ويذكر بالمتهم المظنون حين توقيفه وتنبيهه الى حقه في التزام الصمت (على ما يرى جمهور التلفزيون مرات لا تحصى في المسلسلات الاميركية البوليسية اليومية، ولكن علم جان عزيز بهذا يرويه ويحمله على «أصول المحاكمات الجزائية الغربية»). وهذا الحق جزء من تحصين المظنون من تعسف التحقيق و»إرهاب» قوة الشرطة. فهو قيد مدني (متمدن) على السلطان الديموقراطي وذراعه القضائية، في انتظار التحقيق وشهادة الشهود، واستنطاق القرائن، ومرافعة الأضداد، والمداولات، علناً وجهاراً في معظم الأوقات. ولكن هذه الترهات والسخافات الشكلية تتهاوى وتتبدد في حضور سياسة واقعية تسوس «الناس» سوسيو نفسياً، ولا تعير الى القضاء والحق والقانون غير انتباه لفظي. فنحن «متهمون» بخطيئة أصلية لم نقترفها. وعلى أبواب «العلم» الميتافيزيقي المكنون يحجم العامي ويقف.
وإذا أوكلت الصحيفة الى قلم محلق ومهوم ومشبّه التلفظ بمبدأ محبب الى السلطان الجائر يقضي بإعدام الصحافة والاعلام هو مبدأ «واجب الصمت»، فهي احتفظت بـ»الحق» في الكلام المتمادي، وزاولت هذا الحق وباشرته من غير اقتصاد ولا إمساك. فإذا استحال الصمت، خارج الدعوة المراوغة، فليقصد الكلام الكثير والملتوي غاية تثبت استحالة قول أو رأي أو خبر مستقيم أو نزيه. فيكتب حسن عليق في عدد الصحيفة نفسه، تعريفاً بالقتيل يمدح «عقلانيته». وتسبق المديح صورة قدرية يبدو فيها الحسن «مستهتراً» مقبلاً على موته قتلاً، وساعياً فيه، ومسؤولاً عنه على قول العماد ورفيق السلاح السابق ميشال عون العائد من كرازة رعيته الاسترالية. ومن أمارات عقلانية هذا القدري الحشوي توليه «التواصل» بين سعد الحريري وبين «حزب الله» و»التنسيق الأمني» بينهما. ودلف الرجل من هذا الباب الى «إعجاب متبادل»، وإلى هدية (كالاشينكوف) ذهبية «اللون»، اللون وحسب، أهداها إياه خمِّنوا من؟ «سماحة السيد»: «أجاب (الحسن) بابتسامة طفل بعد فترة صمت. (والحسن) لا يتحدث عن الأمين العام لحزب الله إلا ويستخدم هذه الصفة». هاتِ الكلينكس يا حفيظ!
وهذه فضيلة راجحة تحسب له، إلى فضيلة ثانية هي رفضه الغريزي والتلقائي («لم يكن يفكر مرتين»، في عربية «الاخبار» الاصيلة) «ما كان يريد بعض (أصدقائه) أن يفرضوه عليه». وإلى فصيلة ثالثة: «لم يعتد... الانحناء أمام استخبارات الرجل الابيض». وينتهي هذا، من طريق مبهمة لم يعتم عليق ان تولى توضيحها وشقها في عدد لاحق، الى كثرة أعداء رجل الامن الكفي وجواز كثرة القتلة غير المحتسبين انحيازاً، وإلى استدارك طريف: «ليس هذا القول ذريعة لإضاعة دمه بين القبائل». ولكن من ظن في الكاتب أو في الصحيفة نية مثل هذه؟ فهو، حسن عليق، استرد الدم المسفوح من «الضياع» الذي تهدده بعد عشرة أيام على الاغتيال. فكتب في «قضية اليوم»، في 30 تشرين الاول (ص2) أن رئيس الاستخبارات الاردنية ووزيراً «على صلة بأجهزة الاستخبارات الاردنية» أخبراه «كل منهما على حدة»، مبالغة في التحوط وتكثيراً لطرق النقل :» الاسرائيليون لا ينظرون بعين الرضا إليك». وانفرد أحدهما بالقول: «عليك أن تكون حذراً، حتى في أوروبا»، فيصدق أن الاثنين ليسا واحداً.
[«الاتهام المسبق»
ويخرج عليق من الابهام و»التضييع» الى تسمية «القبيلة» صاحبة دم القتيل بالاسم: «ان الاسرائيليين يريدون رأسه»، ويؤيدهم الكونغرس الاميركي. وجهاز الاستخبارات في دولة الامارات العربية المتحدة، ووكالته الفرعية بأبوظبي على رأسها من ضبطت كاميراته قتلة الكادر الفلسطيني في الجرم المشهود، سبقت الاستخبارات الاخرى كلها: أبلغ الحسن «إمكان تعرض ضابط رفيع المستوى في المديرية العامة لقوى الامن الداخلي لعملية اغتيال بسيارة مفخخة في منطقة الاشرفية، على الطريق...». وخلا بلاغ «الإمكان» من نوع السيارة المسروقة ولونها ورقم لوحتها المزورة ورقم الهيكل («الشاسي») ومن اسم سائقها أو راكنها. ونسب بلاغ «الامكان» إعداد العملية الى ... «القاعدة». وهذا ما سها عنه الحسن الساذج، فحسب أن الجهاز الاستخباري السوري هو الذي يعد العدة لقتله، بينما الجهاز مشغول في تيسير انتقال آل طلاس الى أوروبا، ورئيس الوزراء الى الاردن، وفي «تنظيف» سوريا، على قول الرئيس المحبوب، من مبغضيه الحاقدين.
ولم يقتصر التمهيد لدحض «الاتهام المسبق» الذي ذهب العميد فاللواء القتيل ضحيته، على حسن عليق البعيد النظر. فأسهم ثاقب نظر آخر متمرس، وطويل الباع، هو نقولا ناصيف، في الخروج من «الاتهام المسبق» الكريه، وعدو «الاخبار» الاول، ونقيض صحافتها وإعلامها المنفتحين على آفاق كثيرة لا يفطن من مهنتهم الفطنة والاحتراز إليها: إسرائيل، الكونغرس الاميركي، «القاعدة». وذلك على رغم بلاء خطيب الجماعة الخمينية المسلحة في تظهر تعقبات اسرائيل غير السياحية ولا المجانية، جواً وبحراً، الساحة والشعاب الحريرية. ولما كانت سيرة رفيق الحريري وقضاؤه المثال السردي والسياسي البهي، روى صحافي «النهار» السابق عن مصادر «قليلون» من تسر إليهم بعلومها، من غير «سوسيو» ولا «نفسو« ولا جنائيات، أن بشار الاسد «سأل عن (وسام الحسن)، في لقائه الثاني بسعد الحريري.
وبين كتمان وإعراب، على ما يقتضي عمل البوليس وخبره، «أفصح» الحسن ولا تسل لمن أفصح، بل افترِضْ غير مكذَّب أن كاتم سره الى غداة مقتله، ليس إلا المسكين لربه المتواضع الى «مصادره» ان اللقاء «استغرق أكثر مما كان متوقعاً». فعلامة وقف قرينة على صمت طويلة، ثم الخبر الصاعق: «أكثر من ساعة». فيقطعه صمت ليستعيد القارئ رشده من الصعقة التي أصابته. فتفصيل الساعة المتطاولة إلى اكثر منها: «سأله الاسد عن الكثير من مهنته وحادثه بلطف في مسائل شخصية تتصل بحياته وعائلته». وبادل هو السؤال الكثير، والمحادثة باللطف، «فتخلص» الضابط المحترف من حسبانه، المسبق بديهة، أن سوريا انتزعت منه «الرئيس السابق»، أي رجع في رأيه أن بشار الاسد أمر باغتيال رفيق الحريري المتحفظ علناً عن تمديد ولاية إميل لحود «صنيعته ومولاه». فهل يعقل أن يقتل بشار الاسد من استقبله «أكثر من ساعة» وسأله وحادثه؟ دام استقبال حافظ الاسد خليل عكاوي 4 ساعات تامة بقصر المهاجرين في ربيع 1984، واغتيل عكاوي بعدها بثلاثة أسابيع. وسأله الاسد الاب كثيراً عن باب التبانة، وعن عائلته وأصحابه، واحداً واحداً، وولداً وولداً...
وعلى من لم يضيِّع «الطاسة» التي يستقي بها من معين الاخبار، ونبعها الزلال، الرواح الى النبع: المثلث الرئاسات «الاخبارية». فابراهيم الأمين يقفز بخفة الدوري من بطنة (نوع من الشجر الكثير و»العبي») «الحرب الباردة الجديدة والمتجددة في العالم: الى كشنة (نوع آخر من الشجر يفوق السابق كثافة) «حروب وفوضى دموية... من تحت (الحرب الباردة)»، فإلى حقل بلان «آخرين، من خارج طرفي النزاع (يلعبون) على التناقضات وتوجيه الرسائل، أو حتى إدارة الدفة من وجهة الى أخرى». وكان الضابط الصريع يتولى، في قلب «الفوضى» الجهنمية التي لا يبالي مقاتلها وقع الموت عليه أم وقع هو على الموت، «استثمار الفوضى»، مفوضاً من «الجبهة التي تقودها الولايات المتحدة ودول عربية وإقليمية»، في سوريا الاسد الممانعة والمتصدية. فكيف تخليص خيوط «تحقيق جنائي امني دقيق» من غابات البطن والكشن والبلان الفوضوية هذه؟ ويقطع هو نفسه دابر مثل هذا التحقيق، فينيطه بـ»جهة قضائية لا تديرها الولايات المتحدة» (افتتاحية 22/10)، على شاكلة المحكمة المختلطة التي أدماها طعن وزارء بشار الاسد، وقادة الحرس الثوري، وألسنة الجماعة المسلحة بلبنان ومحرر الشؤون القضائية في «الاخبار»، فيها.
وينتبه رئيس التحرير، قبيل الترحم على «الخصم»، إلى انه لم يحصِ الاسلاميين المتشددين» في عوامل «الفوضى». فيلحقهم باللائحة على عجل. وكان مر، ملمعاً، بـ»أمور كثيرة، سياسية وغير سياسية»، وهذا جلي ولا يحتمل التأويل، «ساعد» الراحل فيها رفيق الحريري. وفي عدد 24/10 من الصحيفة، يتصدر الصفحة الاولى «سر الاعلامية في جريمة الحسن». والسر هو «قضية اليوم» بقلم «المحرر» والمخبر ابراهيم الامين (من غير اطار ولا شبك ولا لون ولا توقيع فوق العنوان). وبعد كلام «عزيزي» في اصول التحقيق الحسية، والعبوات وأحوالها، وفي خفايا الامور الباطنة مثل:» ان التحقيقات جارية الآن لمحاولة التعرف الى هوية الاشخاص الذين ظهروا في الشريط» (هذه الفطنة كلها يا ... سيد!)، يروي العالم بما لا علم للجمهور به أن «الحسن كان قد تواصل مع اعلامية لبنانية واتفق معها على لقاء في مكتب الاشرفية السري...» وهذا خبر مهني وليس «غير سياسي». والاعلامية «كانت مصدر معلومات للحسن»، ومن ظن الظنون أثم وعليه إثم الأكارين. وليس على قارئ «الاخبار» إذا استبهمت عليه الامور في ضوء قراءة الصحيفة الكاشفة، إلا لوم حسبانه أن قارئ الصحيفة إنما يقرأ ما يكتب وليس ما يخفى بين السطور أو يتراءى طيفاً على سطح لجة مراوغة لا قاع لها


 http://www.almustaqbal.com/Nawafez.aspx?pageid=82608

الاثنين، 29 أكتوبر 2012

لوحات ريم الجندي المعلّقة على «شجرة العائلة» ...غابة صوَرِ مليئة بكنايات الأنساب ومجازات السفر وأرض الحكايات


المستقبل - الاحد 28/10/ 2012 

ترسم ريم الجندي (معرض «شجرة العائلة»، من 10 تشرين الاول 2012 الى 31، بصالة جانين ربيرز) في ثلاث لوحات مستطيلة وتعليمية سيرة شجرة العائلة وحكايتها. وهي (الشجرة) الكناية القوية والغالبة على السيرة وأوقاتها ومراحلها واتصالها. فتبدأ من «البداية»: «القبلة الأولى». وهي ثلاث لوحات: «لوحة» الفتيين العاشقين، و»لوحة» المخاض الأحمر، والتعليقة على المتن أعلى اللوحة وعلى شاكلة عينها. وقد يدعو خروج الوجهين الفتيين، في الاسفل، من غاشية الأحمر المخاضية ومن صفحته المائية والدموية غير القانية، قد يدعو الى تصفح اللوحة واستقبالها من أسفل ومن خارج. ويصف الشطر هذا إقبال الصبية حركةَ جذع وصدر ورقبة وعمقَ كتلة شعر على الرأس وبحثَ وجه وفم، والى هذه وقَبْلِها أصابعَ يد تشد رأس الصبي إليها يصف إقبالها على الشاب، ولقاءَ الوجه الوجهَ، واتصالَ الضوء على جانبي الوجهين والخدين في ما يكاد يكون فلقتي حمل واحد. وتثبيت الوجهين على نحو يستعيد إقبالَهما الواحد على الآخر وصدورَهما عن رغبة تجمعهما، يدرج عناقهما وقبلتهما في سياقة قصة «أخرى». وهي ليست قصة الأحمر المترع وموجته وصفحته المتلألئة، من غير استفاضة ولا تبجح، بقاعٍ غامض يحدس الرائي في تنفسه البعيد والهانئ حياةً وحركات خفية. وتغلق الدائرة بأعلى اللوحة، وهي «عينها» المفتوحة على داخلها وخارجها معاً والواصلة جذورها المتشعبة بأغصانها الوارفة، اللوحتين الأخريين: فهي وحدها ينطوي عليها اطار، ويحدها حد، على خلاف ماء اللوحة الأحمر والوجهين القادمين من رغبة ومن خارج مرسل ولا تعريف له ولا إضافة.
والكناية (الذهنية) عن أصل «العائلة» الماثلة في اللوحة الثالثة، «حليب»، بالاشتهاء وإقبال «الزوج» على «زوجه»، وتوسط المضاجعة «بداية شجرة العائلة» بحسب وسم اللوحة، الاثنين، هذه الكناية لا تستوفي الوصف الذي تبسطه اللوحات الثلاث معاً وجميعاً. فثمة، في «القبلة الأولى»، قاع المخاض المائي والدموي وقاع الجذور والتراب والسماء- وثمة في اللوحة نفسها، «بوستر» أو تعليقة الوجهين الصادرين عن مَعين نَسَبي وقصصي ولوني قائم بنفسه ومستقل بها. وفي لوحة «بداية شجرة العائلة»، الوسيطة (وهي «بداية» ولكنها ثانية، وكانت «القبلة الأولى» إلى يسار «بداية» للتو هي الابتداء المفترض، والابتداء كان نوَّه ببدايات ثلاث محتملة لما هو أوَّل، وذلك في تعكيس للعروس الروسية ولاحتواء العروس الأكبر عروساً تصغرها: ما «تحتويه» اللوحة هو التفلت من الإسناد المحكم) في اللوحة الوسيطة حلقة منقطعة، نسباً وقصصاً ولوناً مرة أخرى، من لوحة الثلاثية الأولى ومن لوحتها الثالثة معاً. فالقاع التحتي جسد الرجل والمرأة العاريان والمختلطان يفترشان أرضاً بنّية حارة أو يعومان عليها، ويخرجان منها من غير أن يفارقاها، ويحاكيان ثناياها السود هذه المرة، جزء أو فصل من اللوحة. وهو يكاد ينفرد بها لولا كساء الأديم المنير، أو النوراني، الذي يبسط على الضجيعين لحافاً من ذهب متوهج ليست شجرة العوسج إلا تألقه ولألاءه المنتشيين. والأديم المنير يفترش العاشقين، أو يلتحف العاشقان لحاف النور، لا فرق، على غير نحو افتراش الحبيبين الأرض. فهما بينهما وبين الأرض «نَسَب» أو سسبب لوني وقصصي. وأما لحاف النور، وشجرته المهلِّلة والمنتصبة فوق العاشقين الضجيعين والخليطين فينطوي عليهما انطواء الرحم على الجنين آن هو ثمرتهما المولودة من أرضهما. وما روته اللوحة الأولى فصولاً منقطعة، الفصل فيها قائم بنفسه وبمصدره ومضمره، ترويه اللوحة الثانية متصلاً. ولكنها لا تتستر على انقلاب الدوائر المتصلة النسب من حال الى غيرها أو خلافها، ولا تسكت (وهي بالأحرى تصيح وتجهر) عن غرابة الولادة واستغلاقها. فـ»يلد» الحبيبان المضطجعان المختلطان، المفترشان أرضاً يمتان إليها بشبه قوي وتحضنهما، ذهبَ الشجرة المتوهج والمتجلي من غير واسطة ولا شبه.
واللوحة الثالثة من الثلاثية، «حليب» أو رضاعة بعد الولادة، «تعلق» الأم والوليد على شجرة وارفة وفردوسية على أغصانها ثمار كثيرة خضر وورق مخضل، وتملأ سماء بحرية ومسائية فضاء اللوحة. فتحضن الأم الفتية و»السوداء»، شأن العذراء البولندية في شيستوشوفا، الطفل «الاسود»، وتحضن الشجرة الوارفة الأم والطفل، وتحوط السماء المخيمة والعميقة الشجرة الوارفة والأم الحاضنة. والحق ان الحضانة المتواترة لا تكرر فعلاً واحداً. فالأم لا تشد الطفل الى ثدييها وبطنها، ولا تحوطه على شاكلة ما تظلل الشجرة الفردوسية الأم والطفل. ولا تتخلل السماء وزرقتها الشجرة على نحو تظليل الشجرة الأم والطفل. فالأم وطفلها كيانان منفصلان ومتصلان، جسداً ومعنى، بحسب لاهوت الطبيعتين الذي تمت إليه الأيقونة بسبب وثيق. والطفل «صورة» تقوم بنفسها، على رغم تسويتها من مادة الام الشديدة الشبه بمادة الرجل في الفصلين السابقين أو اللوحتين. والرضيع يكلم الام: تقر يده وذراعه على صدرها، وينظر الى وجهها شاخصاً إليه. وتخاطب الأم الرضيع من غير واسطة النظر: فهي تحوطه من جهاته كلها، وإسدال الجفون على العينين يُسلم الجسد كله الى حضانة الرضيع وإرضاعه وضمه. غير أن إغماضة العينين تفك المرأة من فعلها الظاهر وتحملها على سريرة أو طوية بعيدة الغور لا تستغرقها الأمومة وحضانتها، ولا تستوفيها كلها. فهي ماثلة في صدارة اللوحة، وتغلب على الصف الاول والقريب من فضائها، وتملأ متنها ومطلها وفناءها. ولكن إغماضتها تصل الوجه بخارج لا تتطاول إليه اللوحة المثلثة، وتحيل الشجرة والسماء الى حاضنتين أليفتين وحانيتين من غير نسب.
فيعود الالتباس الى النسب حين تكتمل ثمرته وتتفتح. وذلك من طريق الرسم والتصوير، وآلاتهما وأدواتهما. ولا تُغفل الآلات والادوات، ومسرحها ومضمارها المساحة الملونة، أن الرسم والتصوير إنما ينجبان، على ما تصور ريم الجندي من غير تورية، عالماً، ويتوارثان «أشياءً»- معانيَ تتكلم بصريح العبارة وبمواربها وغامضها، بمحكمها ومتشابهها، كالآي «المنزَّل». فلا تتخلص «الاشياء» المعاني هذه من أنسابها، مرة أخرى، ومن غابه هذه الانساب، وليس من شجرتها الواحدة، على سبيل الاستعارة وحسب. وتقع صاحبة «شجرة العائلة» من حيث تدري دراية عميقة وواسعة، وهي تلمح الى هذه الدراية في تقديمها معرضها بل هي تعرب عنها، تقع على غابة الصور المتصلة بكنايات الأنساب ومجازات الشجر وبأرض الحكايات التي تُنبت الكنايات والمجازات على نحو ما تنبت الأنساب والشجر من غير تفريق. فتلتف الشجرة على النسب. ويتفتق النسب عن أصول وراءها أصول وفروع بعدها فروع. فكأنه كان شجرة قبل أن يكون نسباً، أو أنه صار نسباً، أرضاً وجذوراً وسماء وعشقاً ومضاجعة واشتمالاً وحملاً ورضاعة وغياباً وانفصالاً وسفراً وهجرة وتغريباً وتشريقاً، من طريق التشبه بالشجر. وذلك على شاكلة الجماعات القروية الاولى بجنوب الاناضول التي توارثت زراعة الحنطة، عشرة آلاف سنة ق.م.، واستقرت في قراها لترعى آلهتها وقبور موتاها. فلم «تنتج» قوى الانتاج وتجديد الحياة والنسل الآلهةَ والقبورَ والجماعة المستوطنة، بل كانت هذه «السبب» في تعهد الزراعة الحيوية ودوامها.
ويحصي المعرض في نواته المؤلفة من 12 لوحة وتطرقت الملاحظات التي مرت الى 3 منها أزعم أنها نواة النواة، على مثال تضمين وتكنية لا ينتهيان الى حد مثالات الأنساب ونماذجها واستعاراتها المتصلة بالشجرة، أو المعطوفة على الشجرة. فتنتقل النواة الاثنا عشرية، على عدد المعصومين وعدد الحواريين وعدد الأشهر وعدد الممالك التي فتحها الاسكندر وعدد الألوان التي تعملها الرسامة في لوحاتها هذه...، بين شجرة الملائكة ونسبهم الصدّيقي والاوراق المستديرة كالهالات وبين شجرة الجنة وأفعاها التي تلتف عليها وتشاركها جذورها وتستدخل جذعها. وتمر بشجرتي السلطان، وشجرة الحظ، وشجرة الشمس، وشجرة المفتاح المحفوظ، والغناء («الشجرة سكرانة عصافيرَ» يقول الشاعر الفرنسي)، والرعاية.
وتتوسط الشارات (العلامات المتعارفة) الجذوع، فتحملها هذه وتتدرع بها على شاكلة التعاويذ. ولو ان اللوحات اقتصرت على الشارات وإحصائها وتصفحها لكانت معرضاً للمعتقدات وتراثها الثابت ومدونة «شعبية» أخرى. وهي، اللوحات، لا تقتصر على هذا. فشجرها ينتسب الى المعتقدات، وتقديم الرسامة المكتوب يحصي بعضها ومتصفح اللوحات المعلقة قد يقع على غيرها، والشعائر والحقبات من غير شك. ولكنها تنتسب أولاً الى قوة مخيلة قصصية ولونية تقدم الإلماح الى بعض ثمراتها. فالبرتقالي (في «شجرة نسب الملاك») والأزرق (في «شجرة نسب العصفور») والرمادي الطحلبي (في «التعويذة من صيبة العين») والأصفر الكريمي الحليبي («الأفعى») والرمادي الفضي («الأغنية») والأحمر الأرجواني («القبلة الأولى») والذهبي الفضي («بداية شجرة العائلة») كلها تمور بتيارات تحتية ومختلطة تنكص دونها فكرة المصدر أو أول النسب ورأسه. وهو ما يسميه تقديم ريم الجندي «الخلاسية»» وهجنتها وتوليدها.
وتتقصى المخيلة اللونية الطفلية آثار المصادر والأصول الناكصة في أفراح الغصون والأوراق وأحزانها، وفي هزجها بفراديس وأعياد وتلويحها بأعاصير ومقابر ومحارق وكهوف وسموات وقيعان لا يسبر غورها، ولا قيد على إرسالها (أو مرسلها). فبين الأصول المفترضة وبين الفروع الموقتة، المولودة من الاصول من تيارات وحركات وموج وأسفار لا تحصى، هجرات يحصي المعرض بعضها. وإذا تولت «الشجرة» ورابطتها، أو حبل سرتها (وبعض «أسرار» التقديم لا ريب تنتسب الى الحبل هذه)، حفظَ كوكبة العائلة، الأرمنية واليهودية والكردية والسورية والفلسطينية، معاً، وحفظ الأخوات («الدانتيلا» و»الأخوات سماحة» و»زيتون 1948 الأخضر») على وجه التخصيص. فالعائلة هي أولاً مطية سفر وهجرة ورحلة. والعائلات تسافر أو تقيم تصحبها ألوانها، وهي ألوان أحلامها، على ما تنم المقارنة بين سيران العائلة الكردية التي تحتفل بالنيروز وبين العائلة الغزاوية المترحلة وبينهما وبين العائلة المتحلقة في صالونها حول جهاز تلفزيونها.
وتستعير الرسامة للتمثيل على مخيلة العائلات اللونية، والألوان والتصاوير و»الموتيفات» (التقديم) جزء جوهري من تعريف العائلة في اللوحات وهوياتها، ما تغطي به العائلات جدرانها: جدران المطبخ («كيف تكونين أماً») أو الستارة وراء المحتفلين بالزفاف («عرس يهودي بحلب») أو السجادة المعرشة فوق عائلة المعمم الشيعي أو الافق كله وراء العائلة الكردية، أو الورق المزركش وراء الفتاة «المعربشة» على غصن غليظ من أغصان شجرة العائلة... فالنسب، أو الثابت المفترض في تعاقب الأجيال ومعين الأسرار وخزانتها، قد «ينحل» في ورق جدران مرقع. وهذا كذلك من هجرات الشجرة
http://www.almustaqbal.com/nawafez.aspx?IssueID=3503

الجمعة، 19 أكتوبر 2012

تريستان تزارا... من بيان (دادا) إلى مراثي القرن الفاجع



المستقبل 14/10/2012

نقلت عن الفرنسية


(الى بيسان، عروس برلين القابونية)

[بيان

دادا هو جرثومة بكر

دادا يناهض غلاء المعيشة

دادا

شركة مغفلة تستثمر الافكار

لدادا 391 حالاً ولوناً بحسب جنس الرئيس

يتغير - يوجب يقول النقيض في الوقت الواحد غير آبه يصرخ-

يصطاد السمك بالصنارة

دادا هو حرباء التغير العاجل والمغرض.

(1917)

[شق جدار

شطر من جدار فيه شق

سألت نفسي

اليوم لماذا

لم تشنق نفسها

ليا الشقراء جداً

بحبلٍ...

(1917)

[موت أبولينير

لا نعلم شيئاً

لم نكن خبرنا شيئاً من الألم

فصلِ البرد المر (...)

لو أن العصافير كانت بيننا فتمارت

في البحيرة الساكنة فوق رؤوسنا

لوسعنا أن نفهم

لكان الموت رحلةً جميلة طويلة

عطلةَ الجسد المرسلة من الهياكل والعظام

(...)

الكلامُ وحده نور

في عالم ظلمات مقيم

الظلمة مثمرة إذا كان النور أبيض وصافياً فيعمي أقرباءنا.

(1918)

[ماء برية

أسنان العين الجائعة

يكسوها رغاء الحرير

تستقبل المطر

السنةَ كلها

الماءُ العارية

تظلل عرق جبهة الليل

العين أسيرة في المثلث.

(1920)

[مثلكم

حدقوا فيّ! إنني أبله، محتال، وبطّال. حدقوا فيّ! أنا قبيح، ووجهي

من غير عبارة، ولا معنى ضئيل. أنا مثلكم جميعاً!

(1920)

[قفل الحاجبين

لا نبيذ ولا زمن وسعهما أن يرسِّبا

في قعر البرميل التعاسةَ القديمة

ضعفٌ متقلب أيُّ ريح وسعها

هزَّ قِفل الحاجبين بعد لأي

الشباك الموصد على الرؤى القديمة

الانتظارُ من غير كلمات يؤثث عشه في العينين.

(1932)

[نُطف أبواب موشحة

(وأنتَ)

تُزف الى جموع المتمردين العريضة، وتُدحى في تكأكؤ

الاشياء العام، وتُرمى الى الساعين في الهموم الثقيلة

والأعقاب الانسانية المصبَّرة والمنقطعة الى نفسها

والمواطئة أهل الحسد ترى الى نفسك وأنت تردد

الحركات اليومية في فسحة الاغصان المرنة الضيقة

(...). وعلى جاري ضعف معتاد، سوف يقال في

يوم تمرد وثورة أن العيون المرجوة خلت من فرح

البشر. والبشر والفرح، أردت على الدوام مخالطتهما

، والاستعاضة عن الذوبان الكاسر الموعود والثاوي

بعد حياً في قاع الحكايات المتبقي، بين نُطف البرد

والابواب الموشحة بالطفولات.

(1940)

[ماء الخناجر

تلسع الريحَ، تغوص بأيدي الهمس

في ماء خناجر الضحك النيئة

وكيف لا تضحك من تفكرها من قبل

تبكي أنها لم تُفْضَ حية

في جسد شراب النور (...)

هو إعصار يعصى الوصف يقتات منه بحر زجاج النوافذ.

(1945)

[فمٌ ظاعن

كسرتُ جوزة الذكرى

والصورةُ هربت مني

سنجاباً مستحياً

يقفز لا يلوي من شباك الى شباك

حيث يطل فم ظاعن

وهربُ الشفاه الضاحك.

(1946)

[رامبو

رامبو أو الطفولة التي توسلت العبارة بآلات

انتهكت مادتها. طفولة الرجولة، الحرية

من غير ثقل ولا معيار، الطفولة القريبة

من الموت في ابتدائه وآخره، المغامرة

على الاوجه كلها، الطفولة على مقربة

من الأشياء، البغية، الطفولة في حدِّها

الاشياء، في غرة افتتانها بها، والطفولة

في اختمار ثوائها الحميم والمتدرج.

وغاشية الخشية من نهايتها العضوية

آن لا يؤبه بها ويُنصرف عنها.

(1946)

[قطيع الضباب

أسمع صخبَ الدم الطالعَ

وراء جدار الذاكرات

هجمة قطيعَ الضباب المنقشع

توهجَ الزمن

وابتسامَ الرجلِ المتألقَ حولنا

ساعةَ الظهيرة

لتردد الأجراسُ بعدُ

حنان معزاة وليدة

(1950)

[قصور في اسبانيا

موت كثير خشيناه على طريق اصطباراتنا (...)

هذه ليست قصوراً في اسبانيا

ينتزعها الاطفال من سلطان المنحدرات

ولكنها عظام لصيقة بتربة اسبانيا

المبكرة والقائمة محل وجع الامهات.

(1953)

[تخومنا المراهقة

في ضباب الازمنة البعيدة يوم كان الشعر أنيسَ

دربنا، والعبارةَ قبل معرفة الكلام الذي تقوم به

بنيته، لم يكن شيء يخالف الآتي المدهش الذي

كنا نعد عدته في عالم تحده مراهقة تخومنا حداً

صارماً. وحماسة السنين المتعتعة كلها رفعناها،

آلاء عجيبة، على ذرى أصواتنا. وفي سبيل بلوغ

نواتها النارية، لم نتخلف عن همز الأجراس التي

آذنت، من كل حدب وصوب، بقدوم الآتي العظيم.

(1955)

[شرك الايام الجسام

ريح البحر ضرير الأيدي

صوت جليد الارض في الكفوف

المحراث قبل الثور

وحياتي لمن شاءها

ألم أرصد جذر

المرء في شرك الأيام الجسام

وأسفح في رهان الكلمات

وجهي وتعبي.

(1960)

[حياة رخيصة

أنام متأخراً. انتحر 65 في المئة. حياتي رخيصة

جداً، فهي ليست إلا 30 في المئة من الحياة.

حياتي تبلغ 30 في المئة من الحياة. تنقصها أذرع

وقطع حبل وبعض الأزرار.

(1960)

[صحيح النوم

الثمار المتداعية

الجدران الممزقة

الثلج الميت

الساعات المدنسة

الخطوات المقفلة

قطعت الطرق

عار الحياة

يملأ العيون



المواقد المطفأة

الضحك من غير أسنان

الساحات المسحوقة

الشيخوخة المضطهدة

المُشرحة في النار

البؤس كله

الدوس هذا

الخيل المبقورة

في مضمار الرؤوس

الشبابيك المسروقة

والبيوت المفتوحة

الأولاد في الخارج

الأقوال من قش

الحقيقة الوحيدة

فراش مجوف

للحؤول دون النوم

دون الضحك دون الحلم

البرد في الاحشاء

السيف في الثلج

يحرق الزلعوم

ماذا فعلتم ماذا فعلتم

بالأيدي الحارة حناناً

هل أضعتم السماء

في الرأس بين ظهراني العالم

في الحَجَر في الريح

الصداقة والابتسامة

مثل كلاب شاردة

مثل كلاب

(1960)

[المتنصل خفية

السيرك يدور على نفسه

يتحول غباراً

مطيته الريح

الوقت على أهبة

المُدى في جيوبنا

قد تكون لها أجنحة

وتبلغ الكافر

غير أن الملائكة تركت

العالم المكتظ هذا

مداسات الأحذية على الارض

والقلوب في الأفران

حفظنا عن ظهر قلب

صرامة آداب التهذيب

أناقة الدوائر العليا

وافتضاح أحوال الغيبة

أو الموت يظهر عارياً

يبث تدريجاً

أخدار اغتيالات

ورود الذاكرة بأناملها الصوفية

الرغبات تروح في أثرنا

كلاباً سلوقية عاقلة

مسافاتها مصنوعة من دموع

الشوك على طية السترة

والعصا الى جنبنا

الى كل خطوة طاحون

الصدرُ

القولُ على طرف الشفاه

النظرات على شاكلة زاروب مسدود

والقلب قاس في متناول اليد

لأجل أفراح الغد

إنه الربيع الربيع

البيضة الجديدة البارقة.

(1960)



http://www.almustaqbal.com/Nawafez.aspx?pageid=81965

الأحد، 30 سبتمبر 2012

أجنحة عسكرية وبنوك رهائن ومعازل وديبلوماسيات موازية وسيطرة مفقودة وإعلام رقيع ... سياسات "العشيرة ـ الأمة" وحال الغيبوبة

المستقبل - الاحد 30 /9/ 2012


حين تندد عشيرة أو عائلة، أو بلدة، بمرتكب فعلة مشينة وثقيلة مثل القتل أو الاغتصاب، غالباً ما يلبس تنديدها القاطع لباس التبرؤ من صاحب الفعلة، وإخراجه من جسم العشيرة، وقطع نسبه أو سببه المعنوي بها. فهو ليس منها، وهي لا تعدّه نسيباً أو قريباً أو سبباً، ومثله "تضامنها" معه، وتحميل المسؤولية عنه دولة وشعباً شقيقين أو عدوين. والمعنى في الحالين ملتبس وغامض. فإذا أرادت القول انها، جميعاً وجسماً متماسكاً، ليست ضالعة في الفعلة، ولا تتحمل تبعة أو مسؤولية عنها، فقولها هذا فائت، ومعلق، قانوناً وقضاءً وحتى عرفاً. فالقانون والقضاء لا يحملان جريمة مثل القتل أو مثل الاغتصاب، ولا غيرهما مثل السرقة والتهديد بالسلاح...، على غير مرتكبها الفرد أو مرتكبيها الأفراد الأعيان. وإذا لم تعمد العشيرة الى التضامن وصاحب الفعلة المرتكِب فهي حكماً براء منه. وإذا لم يثبت ان للعشيرة جسماً أو قواماً مادياً فاعلاً، واحداً ومشتركاً، غير اسمها وأواصر القرابة والمصاهرة والجوار وحقوق هذه العرفية، فإعلانها تنصلها من صاحب الفعلة، ورذله والبراءة منه على الملأ، لا يعدو البعث الصوري واللفظي لكيان عفّى عليه "الزمن"، وهو في هذا المعرض انقلاب الاجتماع من طور أهلي وعصبي جميعي الى طور قانوني فردي و"بورجوازي" (مديني ومدني).

ولا يخلو البعث الشكلي واللفظي من بعض الحقيقة والقوة، ففي وجوه ودوائر كثيرة من المعاملات والعلاقات والأحوال- أبرزها ربما المسماة الأحوال الشخصية، وهي مشتركة عامة ويصدر أصحابها عن معايير متوارثة وملزمة أوكلوا البت فيها الى سلك فقهي ثابت-، على "صاحب" المعاملة أو العلاقة الانقياد الى الأحكام والمعايير الكلية والقاطعة. وإذا تخطت الوجوه والدوائر دائرة العصب أو القرابة أو الجوار، وقضت في مسائل عامة أوسع من هذه الدوائر، فمعاييرها على العموم هي نفسها معايير هذه الدوائر. فالزواج والتطليق والتوريث ودية الدم وحكم النسب والخلع منه تتصدرها كلها أعراف الجماعات وحدودها. وهي قد تتقدم أحكام الشرع وتبطله في مسائل حاسمة مثل توريث النساء واحتساب الديات، طوال قرون، فلا يسع الشرع وأهله إلا مجاراة الأعراف والصدوع بتمويهها و"حيلها" والإفتاء بجوازها.

والحق أن البراءة والنسبة تصدران عن تقديم العصب وتضامنه، أو لحمته، على المسؤولية الفردية أو الشخصية. فحين تخرج العشيرة واحداً فرداً منها، أو تحتفل بواحد فردٍ آخر، وبمرتبة عالية كسبها من طريق حظوة أو إنجاز أو خدمة أو "شهادة"، فهي تزعم أن الأفعال، في ميزان التقبيح والتحسين، لا يصنعها أصحابها وحدهم، ولا يتحملون التبعة عنها وحدهم كذلك. وهم، إذا دينوا بما فعلوا أو مُدحوا، يذهب شطر راجح من الإدانة أو المديح إلى الجماعة الأقرب، الدموية والنَّسَبية، التي وُلدوا منها وفيها، ويعرِّفهم اسمها.

فالعصبية عذر مخفف قوي إذا أعملت في تفسير أو تسويغ أفعال يعاقب عليها القانون، ويجازي أصحابها جزاءً قاسياً. وهي صنو القصور سناً أو عقلاً في الأفعال المتعمدة والإرادية، وتكافئ الإقدام على الفعل في حال الغيبوبة عن النفس وخروجها من "مِلك" صاحبها. والعصبية، من وجه آخر، عامل لا يضارع عاملٌ آخر أثرَه في حمل الآحاد الأفراد على "التحرر" من حدود فرديتهم وقيودها ومسؤولياتها والانقياد لها. وهو ينصب الفرد الواحد قبساً من كيان عظيم وراسخ وشريف وبعضاً من فيض هذا الكيان. وعلى هذا، فالدعوة الى الفداء والشهادة والموت دون العصبية وكيانها غالباً مستجابة. ويستجيبها الأولاد والفتيان والشباب قبل غيرهم، على ما شهدت بعض فصول "انتفاضة الأقصى" الفلسطينية بغزة في مراحلها الأولى، ولا تتردد النساء، أمهات أو عزباوات أبكاراً، في تلبيتها جذلات فرحات.

ولعل انقلاب الحزب السياسي جماعةً أهلية، أو عشيرة منظمة وجامعة، توحدها رابطة العصب، فيصدر أفرادها وآحادها عنها يداً واحدة، وتحل هي فيهم حلولاً يستوفي "وجودهم" ودواعيه وغاياته - لعل الانقلاب هذا هو قبلة سعي محموم تستثمر فيه وتوظف آلات الدعوة والافتتان والأهواء والإعالة والرشوة والترهيب على مقادير متفاوتة. والتنديد بـ"النتن" العصبي، على ما كان سيد قطب يقول ويذكِّر، لم يحل بين الجماعات "الإسلامية"، على اختلاف فرق الجماعات وشيعها ومذاهبها، وبين تحزيب المناصرين والمريدين والمجنّدين على مثال عصبي ودموي راسخ.

ويرعى هذا المثال اتحاد جسم الجماعة، المشتت والمنقسم أساساً والمؤتلف من وحدات متعارضة، يرعى اتحاداً مصطنعاً عليه أن يغالب، على الدوام، افتراق الأهل أو العشير قبيلاً نظير قبيل آخر، وتعظيم ضدٍ شديد الشبه به. ويترتب على هذه الحال، "العربية"، ترجح وتردد مرهقان وأليمان بين مثال وحدة عريضة وشاملة لا يبلغ وبين فُرقة أصلية تتطاول إلى الوحدات النواتية الضيقة. فعلى شاكلة براءة العشيرة أو العائلة من قاتل أو مغتصب، أو مرتكب كبيرة تتهدد عدداً كبيراً من الناس بفشو "طاعون" الثارات فيهم، أو "خائن"، طعنت مشيخة الجماعة الخمينية المسلحة بلبنان (وهي معروفة باسمها المتواضع والمتحفظ، "حزب الله" الى خط فاصل - ثم لبنان)، في 2004، بولاء أحد موظفيها الصحافيين. والسبب في الطعن هو مقال كتبه الإعلامي، العَلَم على جماعته الأهلية والسياسية، في صحيفة صديقة، أي موالية يعيب ولاءها اقتسامها إياه وأولياءَ آخرين.

وكتب الرجل مقاله عشية زيارة محمد خاتمي، الرئيس الإيراني، لبنان، وخطبته أصدقاء "الجمهورية الإسلامية" المحليين إلى أنصارها ومحازبيها. وكان خاتمي في أواخر ولايته الثانية، وغرضَ حملة تحريض وتسفيه جارحة في بلده و"دولته" مهدت لخلافته الوشيكة وهزيمة اصحابه، واعتلاء الحرسي الأمني محمود أحمدي نجاد الرئاسة. واختار الإعلامي الحزبي (اللهي، على حسبانه) الكتابة في فرع من فروع المسألة الحسينية، على مثال شيوعي حزبي مجرب يقضي بامتحان الولاء في مسألة راهنة (هي الرأي في خاتمي) أو جهره من طريق الكلام في مسألة "مبدئية" (هي رواية جزء من محنة أرض الكر والبلاء).

ولم تخطئ مشيخة الجماعة الأمنية والمسلحة معنى رواية الجزء على الشاكلة التي رواها عليها الموظف الإعلامي في الصحيفة الصديقة. فقضت فيها بـ"انحراف" ضده وهو الخاتمي. فأُقيل الموظف من عمله أو استُقيل. وأذيع على الملأ خبر الإقالة - الاستقالة وبراءة جهاز الإعلام، وأولياء أمر الجهاز من الانحراف المقيت. فالسكوت عن الانحراف، أو اللين في التنديد به وقصر التنديد على إجراء يقل عن نفي المنحرف، وعن إفراده ولفظه وتقيوئه، تواطؤ ومحاباة في الحق وعلى الحق. وقطع مرتب الموظف عنه.

وكان في وسع الجهاز حمل فعل الموظف على خطأ مهني ووظيفي "رأسمالي"، وحمل جزائه على عقوبة قصوى تقر بها قوانين العمل ولا تأنف من وصفها بالتعسف. ولكن هذا الرأي يُغفل وجهاً جوهرياً من وجوه "الثقافة" العصبية وموازين أحكامها. ويقضي الوجه بأن الفاعل، وهو الموظف العامل والمجاز الناشط، والمؤمن المجاهد، ونزيل الديرة (الحي أو الربع)، وابن العائلة وفروع هذه الحال (الولد والزوج والأب والأخ وابن العم...)، وأخيراً المرء الإنسان أو الإنسي- هذه الأحوال أو الوجوه هي واحد لا يتجزأ ولا يتبعّض ولا يتميز في "نظر" الثقافة العصبية وفي حسبانها وحسبتها.

وعلى هذا، لم تطرد مشيخةُ الجماعة - الأمة المنحرفَ الخاتمي من عمله وحسب. فنفته من حزبه وأمة حزبه (وهو حزب ليس كالأحزاب ولا يفيد معنى الجزء أو الفرقة وينتسب مباشرة الى الواحد الأحد)، وطردته أو فصلته. وعمَّ الطعن في المنحرف الرأي والولاء، وخائن الأمانة الناكص، والركيك الإيمان، ولدَه وابنه القاصر سناً. فبلغ الأولادَ أصحاب الولد في مدرسته (العصبية) وصفه، رأيُ الجهاز ومشيخته في والد الولد، صاحبهم وملاعبهم وزميلهم. فعزلوا الولد، ونفوه من حلقات لعبهم ودرسهم، و"أخبروه" ما صنع والده ويستحق عليه، وهو معه، الرذل والعزل والتعزير. ولم يروِ الوالدُ والصحافي المرذول ما حلَّ بالولد، وما وسعه فهمه وإدراكه وتعليله من محنة الطعن في استقالة والده وهويته، وشموله هو بالمحنة.

وحمل الوالد المكلوم أسرته وسافر بها إلى بلد من بلدان ضفة الخليج العربية. ولكن المهاجر إلى أرض حرب، قياساً على معتقده ومعتقد حزبه، لم ينفك حارساً على باب مشيخة جماعته، وكاتباً بقلمها الى غداة صيف 2006، على التقليل. فمذذاك لم أقرأ لـ"صاحبنا"، أو فيه، ما يصل خيط الخبر المنقطع.

ونظير خبر الإعلامي الخاتمي وحاله، خبر متصل عن جماعة مقلدي المرجع الراحل محمد حسين فضل الله. فبعد استدراج بعض أنصار خامنئي، المنتصب للتقليد بعد وفاة آراكي، فضل الله الى الإدلاء برأي في شفاعة بعض أهل البيت لا يراه إيرانيون كثر، قام مقلدو خامنئي، وهم متصدرو الجماعة الخمينية المسلحة ومجتمعها الأهلي والعصبي، على المرجع، وطعنوا في مرجعيته وفتواه وتقليده، وأَصْلَوا مقلّديه العداء، على نحو ما يتقن أمثالهم العداء. فطردوهم من أعمالهم وموارد رزقهم حيث قدروا. وزرعوا الشقاق في الأسرة الواحدة انتصاراً لمرجع تقليدهم على "السيد". وأحاطوا بالريبة والشك من وسعهم إحاطته بهما. وأفتوا بـ"كراهة" مخالطة مقلدي مخالف صاحبهم ومجالستهم. وهو، "العالم" الراحل، منهم ومن رهطهم بمنزلة السند والدعامة و"الوصي". ولكن كلمة رأس الجهاز هي الفصل. ولم يتعلق الأمر بسفارة ولا بسفير، ولا بزيارة إلى دار حرب، ولا بنصرة مخالفين. فهذه ذرائع تكفيريين.

وتجاوزُ تهمة الوالد الصحافي الى "جرح" الولد القاصر قرينة بشعة وفظيعة على إرادة إيذاء وإيقاع ضرر لا قيد عليها من تمييز أخلاقي، أو "أدبي" (على معنى آداب المعاملة). ومن آداب المعاملة، وهي في باب الحرب، تمييز غير المحارب المدني من الحربي المسلح والمقاتل، وتمييز العاجز من المقتدر، والقاصر من الراشد، والمشهر صفته (بواسطة اللباس مثلاً) من كاتمها... وترمي آداب المعاملة، أو آداب الحرب، الى تقييد الانتصار والحؤول دون إلغاء صفة المتعاقد من المنهزم حين يأزف وقت "المعاهدة" والتزام العهود والاتفاقات في ختام الحرب. و"آداب الحرب، تلجم نازعها الحيواني الى محو العمران وأبنيته وأخلاقه، وتحتسب فيما تحتسب وقت ما بعد الحرب والاحتكام الى "السَّلَم" على القول القرآني. وختام الحرب ما لا يرضخ له أهل "العشيرة - الامة".

فليس، على هذا، وراء الجماعة، الضيقة أو الواسعة والعريضة، النسبية والإيمانية الاعتقادية، دائرة إنسانية أو إنسية كونية تتخطى الجماعة العينية، وقد تدعوها الى النظر في ما تشترك فيه معها، ومع جماعاتها الأخرى، من معايير وأحكام ومصالح.

والنظر في المشتركات أو القواسم يدعو الجماعات، أمماً و"ممالك" أو دولاً، الى مناقشة معايير أو ضوابط وقيم مركبة وجامعة. وتدعو هذه ملتزميها والصادعين بها الى التخلي عن أجزاء من سيادتهم أو ولايتهم السياسية. وهو قاد إلى إلغاء الرق والعبودية وحظر الإتجار بالبشر، وإلى الخطو خطوات على طريق هيئات عدالة دولية. وحظَّر انتشار السلاح النووي وسلاح الدمار الشامل وراقبه، وقيد المراقبة التجارية غير المشروعة، وألزم الدول والمجتمعات و"الثقافات" الإقرار بحقوق فردية أساسية عامة لا استثناء فيها أو منها. والاستماتة في إيجاب الخصوصية القومية والدينية والتاريخية، ونصبُها فوق "الجميع": القوانين والأعراف والعقل والقواسم المشتركة المحتملة وخلافات الجماعة (الوطنية أو الدينية) الواحدة وكثرة مكوناتها، يترتب عليهما (الاستماتة والنصب) التلويح المزمن والمقيم بأمر ونهي مُطْبقين وساحقين. ويحل لأصحاب الأمر والنهي، نيابة عن الجماعة المفترضة، استئصال منتهكها، وجارح وجدان الجماعة وروحها بانتهاكه.

ولا يستقيم هذا المذهب إلا إذا استولى على وجدان الجماعة من تُسلمُ له الجماعة قيادَها، طوعاً، وهو طوع محكوم بكثير من الاضطرار، أو كرهاً، وهو كره قوي الشبه بالانقياد التلقائي. فيستقوي صاحب الجماعة عليها، ويخلبها ويفتنها. وهذا قرينة على أن الجماعات المطمئنة، وغير المهددة، قلما يحلو لها تنصيب "سائس" ساحر وشديد القبضة عليها، ينسيها انقساماتها طبقات: طبقةَ الخواص و"البيت" وطبقة العوام، طبقة أهل القوة وطبقة أهل الضعف، أهل اليسار وأهل العوز... ويسرع السائس الساحر، وأهل طبقته، إلى نفي الانقسام، وتحجير الجماعة على معنى يتولاه أهل "الإمارة" والسياسة المتسلطون. وليس مثل الحرب الماضية والقائمة والمعلقة والموعودة، والمطلقة، سنداً لتحجير الجماعة ومعيناً لا ينضب لحجج التحجير، وأسبابه ودواعيه.

وحرب مثل هذه تفترض شرطاً عسيراً، يتعاظم عسره في عالمنا، العالم المعاصر الذي تسوده العولمة المزعومة اميركية وليبرالية أو "نيو" ليبرالية استزادة من النظر الحاد والمرهف والجارح. وهذا الشرط هو الرجوع في التداخل والتشابك، وفي استدخال المجتمعات وتهجينها بعضها بعضاً وترك "الحمائية" على معانيها الكثيرة، والعودة عن تعريف دول هذه المجتمعات السيادة أو الولاية على توسع، على قول المفسرين. والكلام في العولمة، مديحاً أو ذماً أو تحفظاً أو تنقلاً بين هذه المنازل، يستدعي انفعال أهل "العشائر" وغيظهم وهجاءهم. فيعتلون أسوار ديراتهم وحيطانها المنقوبة، و"يدبون" الصوت على ديكتاتورية الاسواق، وتسليع البشر ونفوسهم ومشاعرهم وانتهاك كراماتهم، واستنفاد موارد الطبيعة، وتلويث غلاف الكوكب الأرضي، وتوسيع الهوة بين الجماعات والافراد وتعظيم التفاوت بين هؤلاء وتلك.

ويعلِّم كتّاب "العشائر" وخطباؤها، وهم طليعة "الثورة العالمية" الاشتراكية والقومية، الامم المتخبطة في تيه الليبرالية وصحاريها كيف تستعيد الامم لحماتها ومسكاتها، وتنشر العدالة الاجتماعية في بواديها وأريافها وحواضرها وفي طبقاتها، وتقر دولها وأجهزتها على سيادة وسلطة صارمتين، وعلى ديموقراطية لا تشوبها شائبة من إفراط أو تفريط. ولا بأس بالتمثيل بسوريا، قبل عهد عبدالله الدردري وبعده، على المثال المنشود، وبمديح الضفيرة البعثية الايديولوجية وجمعها ما يشتهي أهل الدنيا والآخرة وما لا بد لهم من اشتهائه. فرأس الشر هو الاختلاط و"النسبية" والتردد على "العشائر" الأخرى بغرض غير فضحها، واستقبال جواسيسها في عقر دار الأهل والربع. وأما النظر في عاداتها وأفكارها و"علومها"، غير النووية والصاروخية الباليستية والكيميائية، فـ"تعسف" و"نجاسة" و"عار" وحقارة"، على قول بعض نافخي الربابة وهازي الدف في أعراس نصر شديدة الشبه بالمآتم والمساخر.

والتحلل من العشيرة وولائها المرصوص وانكفائها، ولو دعا التحلل الى ميل حيي الى محمد خاتمي، أو الى تقليد جنرال مجرب وأمين من جنرالات الاجتهاد غير صاحب اللقب الرسمي والجهازي، أو الى تحريم "الشبيه" على ما أفتى محسن الامين قبل 90 عاماً فأخرجته فتواه من النجف الى "خرائب" دمشق، أو الى التشكك في جواز الحرب الهجومية بعد تحرير الأرض الوطنية على ما رأى حسن قمي وكلبيكاني من كبار مدرسي قم في 1982...، ولو لم يعدُ هذا الى قتال الوالغين في دماء أهلهم الى ذقونهم ومبددي أموالهم ومواردهم على آلات استعبادهم وموتهم ودمارهم - يبث (التحلل) الذعر في نفوس اهل القوة وجنودهم وخدمهم وحشمهم و"شعرائهم". فالاختلاط أو استدخال الغريب النفس يضعف القوم ودعوى الحروب الاهلية والخارجية، وينكر صراحة الاصول والانسان والجماعات، ويشق الجماعة العصبية ويذررها، ويحرض على إجماع إلزام من غير إكراه، ويحمل على الرأي واجتهاده، ويمتحن علل الحياة الهشة ويقلبّها على وجوهها، ويسوغ الخلاف ويرسي السياسة على معالجته، ويغني اللغة ويكثر اللهجات فلا تقتصر على الوعيد والتوحيد، ويهدم المراتب المتحجرة. ولعل باكورة ما يصنعه التحلل من العشيرة إقالة خطباء السفه والطهر المجازين من منابرهم.
http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=541016

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

شيخ العصبية الأسدية يجادل جناحها الأصولي «الكوري"... الاستيلاء الخالص يقتضي حرباً «كيماوية» ... متعذّرة ومرجأة


المستقبل - الاحد 9 أيلول 2012
رد الرئيس البعثي بشار الاسد في مقابلته قناة «الدنيا» (29 آب المنصرم) التي استعاض فيها بالحوار عن الخطابة، رد على جناح الحكم اليساري الاصولي، اذا جازت الصفتان. فهذا الجناح ينكر على رئيسه وزعيمه تأخر «الانجاز» أو «الحسم» والابادة أشهراً، وينكر عليه دوام القتال، أي القصف والاجتياح والاغتيال الجماعي، فوق «الاسابيع والايام والساعات» التي يقتضيها، على رأي الجناح اليساري الاصولي، قمع الحركة السورية الوطنية والديموقراطية. ويذكّر خالفُ «بطل تشرين» وفاتح لبنان وجزار حماه منتقديه المستعجلين بأنه هو وهم يخوضون «معركة اقليمية وعالمية». وعرض المعركة وعظمتها يؤخران الحسم بعض الوقت. وهذا سبب أول في استطالة الحرب.


ويلوم الجناح اليساري الاصولي رئيسه على حاجته الى «ضوء اخضر» قبل الاقدام على القتل الحر، وهو اسم آخر للانجاز أو الحسم لعله الاسم الصريح والاول. وربما يكني الجناح بالضوء الاخضر عن الإجازة للقتلة الذين ينتظمهم جسم بيروقراطي مثل الجيش، أو الذين يقتصرون على الروابط الاهلية مثل عصابات الزعار والشطار والفتيان أو «رجال الموت» على ما سموا أنفسهم على جدران بيروت، أو بالتوسل بأصناف من السلاح المدمر والسريع الى قتل ذريع ورادع، على ما يحسب الاسديون اليساريون الاصوليون. ويحجم كبير «الاشقاء» من أهل القتلة عن اجازة التوسل بهذه الاصناف من السلاح. ومرد احجامه، على ما فهم أشقاؤه وحرسه، الى مشاورته «الاصدقاء» الروس والصينيين والايرانيين واللبنانيين، خشية الاعداء الاميركيين والاوروبيين والاتراك، وبعض العرب من بعد، وخوفه من انقضاضهم عليه وعلى اجهزة قتله حال تيقنهم من إباحته إعمال سلاح قتل أو دمار شامل. والامساك عن السلاح الفتاك هو سبب ثانٍ في دوام الحرب، وغرقها في حال معلقة.

وجواب مقدَّم النظام العصبي قاطع وحاسم وناجز، وهذه مشتقات مفرداته ومصطلحه، على قول آية عظمى راحل: الضوء الاخضر «في القضايا السيادية وفي القضايا المحلية وفي القضايا الوطنية»، واستعمال سلاح الدمار في صدارتها، نحن «نمتلكه»، ولا يمتلك غيرنا ذرة منه، على خلاف مطاعن الطاعنين. ويوضح الوارث أمراً في صلب مذهبه او معتقده السياسي الثابت، وهو ان الانفراد بالبت في شؤون السلطة، وحماية هذا الانفراد «مهما كان الثمن»، على قول مأثور يتداوله الاعوان على مراتبهم، هو «الداعي لوجودنا كوطن ودولة». فركن معنى «السيادة» وهو معنى عام ليس في وسع المصلِح المجدد والفقيه الدستوري تخصيصه فيُدخل تحته «القضايا المحلية» و»القضايا الوطنية» من غير تمييز ولا تقييد هو توحيد الزعامة والتصرف المنفرد والمطلق بالسلطة في كيان الدولة السياسي والمجرد وكيان الوطن الحسي والشعوري. والتراخي في جمع الانفراد بالحكم الى معنى السيادة هو سبب ثالث في دوام الحرب واتساعها.

وعلى هذا، لا يصدر صاحب الامر أو وليه «السوري»، في لغة الحليف الخميني والحرسي، عن غيره أو عن رأي هذا الغير وإرادته. والشك في ركن المذهب أو المعتقد السياسي الاسدي طعن في وفاء الوارث لميراث سلفه الاول و»رب» العشيرة المقدس، وانحراف عن سنته في دمج القيادة في الدولة والوطن والأمة. وكان تخفيف الاسدي الثاني من نص «الدستور» الوقح والفظ على قيادة الحزب الدولة والمجتمع السوريين ذريعة لوم على تراجع وضعف فادحين. فإذا اهتز هذا الدمج، وهو ما يعرِّض به الأصوليون، انهار البناء الذي صبَّر السوريين وسوريا في هيئة المومياء العظمية طوال نحو نصف القرن من الزمن.

ويعلل حارس المومياء مُصابَ الحرب التي يخوضها جهازه بالزمن، أو وقوع الحرب في «وهدة الزمان»، على قول الروائي الشيوعي المفتعل، ودوامها وكثرة أوقاتها، بـ»تطوير (السوريين المعارضين) لأسلوب أعمالهم». وهذا إقرار بالواقع، وبتماسكه بإزاء السلطان الكلي الاقتدار والسيادة، على ما يتوهم الرجل وأصحابه. فهو يكاد يصدع بحقيقة كيان معارض يتمتع بـ»اسلوب» عمل و»يطور» هذا الاسلوب، ويلزم الدولة، وهو يقصد العصابة المقاتلة، بـ»مزيد من الخطوات المقابلة». ويُفهم من الرد ان الجناح اليساري المغامر أو الكوري، على ما سمي، لم يرَ مسوغاً لإحجام الرئيس عن استعمال قوة قمع ساحقة منذ الايام الاولى للحركة الديموقراطية، وحمل إرجاءَ استعمال القوة الساحقة الى مطلع صيف 2012 على التسويف والضعف. فيقول القائد العام للقوات المسلحة (والاستخبارات والقوات النيابية والادارية والمالية...):» البعض يريد ان نتعامل مع تلك المرحلة كما نتعامل مع المرحلة اليوم»، أي بدك المدن والبلدات بمدفعية دبابات ت 72 وبقصف طائرات الميغ 21 و23 و29 ومروحيات م إي 24، وبرمي الأحياء والحارات بعصابات القتل والتمثيل الاهلية. ويقطع جازماً: «وهذا الكلام غير منطقي». وفي اختصار شديد يكاد يعصى الفهم العامي والظاهري:» المرحلة مختلفة«.

وهو يرد الاختلاف الى عوامل من العسير على «الكوريين» احتسابها أو قبولها، مثل «عدم وجود تفهم شعبي» (على خلاف تفهم الشعب دك حماه فوق رؤوس معظم أهلها قبل 30 عاماً، وتفهمه احتلال لبنان وتدمير دولته وخنق المنظمات الفلسطينية المستولية على اجزاء منه أو تصفية قياداتها...). والتدرج في تعظيم قوة النار «القدارت النارية» المصوبة على أهل حمص وأحيائهم، على الضد من إلحاح الاصوليين اليساريين، السبب في التدرج هو ان استخدام كل القدرات العسكرية «مرفوض». وهو لا يجرؤ على القول أن الروس وربما الصينيين يحرجهم هذا الاستخدام. وهو، ثانياً، «لا يحقق النتائج المطلوبة«.

ولا ريب في ان المتحفظين الداخليين من أهل السلطة عن سياسة «التراخي» التي ينتهجها قائدهم في معالجة قيام معظم السوريين على سلطانهم يرون في الانشقاق عن نظام العصابة المستولية، وعلى الاخص انشقاق رئيس الحكومة الإسمي السابق، مأخذاً عليه، وعلى تقريبه حزبيين وإداريين وعسكريين سنة غير مأمونين، وليس له عليهم الدالة التي كانت لأبيه. وهو، على ما يحسبون، خامس الاسباب في تباطؤ سحق «الثوار» و»الثورة»، وإرجائه ربما الى يوم آجل قد لا يدرك قبل أبعد الاجلين المخيف. وإجابة من سمته بعض الصحافة الغربية، في هذا المعرض، «البروفيسور«، كناية عن ميله الى الشرح التعليمي (الساذج)، إجابة جدلية و»سوفياتية»، تتخطى «المنطقي»، بحسب صفة أو نسبة أثيرة على قلب الاسد الثاني.

فعلى منوال ستالين الذي عمد الى تطهير الحزب الشيوعي القائد، وجهاز الامن فوق القائد، وأركان قيادة الجيش المولود من الحرب الأهلية وانتصاراتها، عشية الحرب الثانية المصيرية، وعلى منوال حركة تطهير الحزب الشيوعي والصيني في مراحل متفرقة من الصراع على رأس السلطة وفي بعض أحرج الاوقات (المجاعات، الصراع الصيني السوفياتي، الخلافة...) يردد الطاغية والسفاح «الصغير» اليوم أن انشقاق الجنود والضباط والنواب والوزراء والموظفين والسفراء واللاجئين، وخروجهم على «سيادته» وسيادة صحبه وعشيرته، إنما هو انتصار محقق على الفساد والخوف والطمع: «عملياً، هذه العملية هي عملية إيجابية وعملية تنظيف ذاتية للدولة أولاً وللوطن بشكل عام». ولا ريب في انه يلمح الى حجاب رئيس الحكومة السابق اللاجئ الى الاردن، وربما الى مناف طلاس، ويغمز من قناة هذا وذاك، ويعزو اجتيازهما الحدود الى غض الاستخبارات النظر.

«والتنظيف الذاتي» فضيلة جوهرية من فضائل الانظمة الكليانية أو الشمولية. فهو ينسب الى الانظمة، وإليها وحدها و»ذاتيتها»، من دون «النجاسات» أو «الاوساخ» المنفية، التطهير أو التنظيف. وتحسب «النفايات» أنها تصدر عن نفسها، وإرادتها ومصلحتها، حين تخرج على سيادة الدولة والوطن، بحسب جمع وملازمة يصِر عليهما طاغية العشيرة ومدرسها. وهذا من مكر السيادة ورميها: فيتوهم المنشقون انهم بادروا الى الانشقاق من تلقاء أنفسهم وذواتهم. وهم من غير أنفس ولا ذوات، على ما يفترض النظام وعلى ما يحسب أنه صنع بيديه. وما انشقاقهم إلا نتيجة وظيفة عضوية وحيوية يتولاها الجسم الوطني الصحيح والسليم. ويظن المنشقون أنهم يرمون نظام «الدولة والوطن بشكل عام»، ويوقعون به الضرر حين ينفصلون عنه، ولا يدرون أن نظام «الدولة والوطن بشكل عام» إنما يرمي بهم «الجماعات الارهابية» ويصيب منها ومنهم مقتلاً حين ينفيهم من جسمه، ويشقهم عن نفسه.

وكناية الطهارة والتطهر، وهي صنو البراء أو البراءة في الاعتقاد الديني السياسي الاخواني والخميني، آلة من آلات التسلط على الدولة والمجتمع، وأداة ترتيب الرعية على مراتب متباينة في القرب والبعد والجدارة. وتصاحب الكنايةُ الحرب الاهلية واستواءها نظاماً سياسياً عصبياً، لا محل فيه للجماعات المتفرقة والجزئية ولا لهيئات الوساطة والتحكيم. وينتهي الامر بجزار عموم الاقاليم السورية، الطاهر أو النظيف الذاتي، الى دمج الخارج في الداخل والداخل في الخارج، وتسوية الصعيدين أو الوجهين. وتمييزهما هو ركنُ الدولة الوطنية، واساس التفريق بين الحياة السياسية واطارها الآمن والسلمي والقانوني الحقوقي وبين النزاع العسكري الخارجي.

فيزعم «الشيخ» العصبي ان «العدو تحرك هذه المرة... من الداخل وليس من الخارج»، غافلاً عن خلطه وخلط دعايته الرسمية، وأعلام سوق الرقيق الإعلامي الذي يروج دعاويه ودعاوى اصدقائه الاثرياء الشرفاء، الداخل بالخارج خلطاً يستحيل معه تخليص «بن لادن» و»التكفيري» و»السلفي» و»الاخواني» و»السني» من الاميركي الصهيوني الخليجي (أو «بعض العربي») التركي. والتحرك من «الداخل» بأمر من «الخارج» المتسلل والمستبطن والملابس الداخل، يرد عليه بـ»الحماية من الداخل أيضاً». وعلى هذا، وقع على عاتق الجيش «حماية الوطن... من الداخل«.

والمنطق الصوري والقومي والسيادي هذا لا يُفل، والراد عليه «كالراد على الله»، على قول إجازات الاجتهاد الإمامية الاثني عشرية. ويتمتع هذا المنطق الصارم والرباني بقوة جوهرية وفاعلة في الجواهر والهويات: «قد تقول لي (يخاطب القائد المختار المذيع العامي) انهم سوريون وأقول (أنا المختار الاسدي) ان أي سوري يقوم بتنفيذ مخطط أجنبي ومعادٍ يتحول (نظير الخبز والنبيذ في الذبيحة الالهية) إلى عدو ولا يعود سورياً». ويجوز أي يجب قتله وقصف وهدم بيته على رأسه ورؤوس أولاده وتشريده وتجويعه وحرق غلاله وتسميم آباره وقطع الماء والكهرباء والخبز عنه وأسره وخطفه وتغييبه وتسليح «الوطنيين» عليه وحمله («تحويله») على العدو الاجنبي والمقاتل، على ما تفعل الامبريالية البشعة والظالمة في المقاتلين المظلومين.

والحق أن ما تقدم قديم قِدَم الاستيلاء القومي العروبي والعصبي على الدول التي سلط عليها «حظها» التاعس الجماعات المستولية هذه (وهي، الدول والجماعات والمجتمعات أو «الشعوب»، على حسبان أهل التنظيف الاقواميين، وليدة هذا التعْس وصانعته). فمعظم جماعاتها وطبقاتها الحاكمة والمحكومة تشترك في تحكيمها معايير الطهرة والأصالة والبراءة في علاقاتها بعضها ببعض، وفي معاملاتها مع «الاجنبي» و»الغريب». وهي لا تزال تحسب، في عالم لم ينفك يخلط الشعوب والأجناس والدول ومصالحها بعضها ببعض- وسبق لها هي أن كان لها، يوم كان لها شأن، سهم راجح ومعلّى في خلط الشعوب والاجناس والآلات والتجارات والعلوم والكلمات والحقوق- ، أن معايير الطهر والاصالة والبراءة، الدينية والعصبية، في متناول الجماعات السياسية، وطوع إرادتها. فهي، الجماعات والطبقات الحاكمة والمحكومة، تقيس على مثال سياسة الاستيلاء والاستتباع الخالصة التي نصبت المستولين من غير أضداد ولا قيود، في رأس دول ومجتمعات خاوية.

ومجادلة رأس العصبية المستولية جناحَه اليساري الاصولي و»الكوري»، ورده على حمى الجناح الكيماوي وعلى إلحاحه في خوض حرب تطهير شاملة على السوريين، قرينة داخلية على استعصاء إعمال هذه المعايير والعمل بها. فيدعو رأس العصبية بعض «ضباطها»، وعوامها المجندين في عصابات القتل الخاصة و»رجال الموت»، يدعوهم الى احتساب معوقات حرب التطهير والتأصيل والبراءة، الشاملة، مثل صفة المعركة الاقليمية والعالمية، ودور «الاصدقاء»، وتطوير «الثوار أساليب عملهم، والحاجة الى «تفهم شعبي» لارتقاء القتل من الآحاد الى العشرات فالمئات في اليوم الواحد، ومن العشرات والمئات الى الآلاف في الشهر... فـ»القيادة السورية»، على ما تسمي نفسها، شأن «القيادة الايرانية»، تحتاج ، قبل الاستقرار على حرب داخلية - خارجية مزمنة إلى إعمال طقوس غيبوبة تخلط اللظى النووي بولادة نظام عالمي وتاريخي جديد، ووأد قوى جبارة، تبعث النبوات، وتحرق الشياطين، وتقرأ الادعية.

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2012

فقرات على هامش أشرطة «دفاتر لبنانية» الوثائقية وسينماها الرواية تولد في ثنايا الوثائقي وتضاعيفه

المستقبل، 2/9/2012
غلس شرارة ووضاح شرارة


ـ خارج البؤرة

الافلام التي جمعتها «دفاتر لبنانية» وعرضتها تملك مفعول مكتبة أقراص سينمائية مدمجة (دي في دي)، وفي الوقت نفسه غرابة المتحف. والمكتبة والمتحف يدعوان الى تقليب الاعمال على وجوهها، ومشاهدتها أجزاء أو أشرطة كاملة المرة بعد المرة. ولكن المهرجان السينمائي، على رغم بعض نسخ الاشرطة السيئة و»المضروبة»، هو اطار العرض المناسب: الشاشة الكبيرة، آلة العرض وجهازه. وعلى هذا، تتمتع الاشرطة بقوة إيجاب ذاتية، وتتمتع في الوقت نفسه بمفارقة ترفعها فوق مستوى الواقع الذي تتناوله وترويه. فهي جزء من مجموعة أشياء تذكارية يحتفظ بها الواحد، مثل «بوستر» شوماخير تحفه هالة القِدَم وتبعث على الاعجاب.

وفي المقارنة بين الافلام اللبنانية الجديدة وبين الافلام القديمة، تُشْعِر الجديدةُ المشاهدَ بقوة الاشياء المصورة، وبتماسكها وقيامها بنفسها. ويقوي الشعورَ هذا تقارب بين القصص يولد منه يقين وحضور ماثل وبعض العنف ربما، على ما هي الحال في «الحوض الخامس» (سيمون هبر)، وفي «القطاع صفر» (نديم مشلاوي). فثلاثة أرباع الشريط صور أو لقطات ثابتة، بعضها وضاء، وتضطرب بؤرتها وتترجح بين الغائم وبين الواضح المرتسم، فيقع المشاهد في ما يشبه الدوخة، ولا يميز اقتراب البؤرة من ابتعادها. ويتساءل: هل يعقل أن ثمة حيزاً في الصورة أو تفصيلاً لا ينفك يقترب من العدسة أو لم يتقرب بعد ما يكفي؟ وهذه الطريقة في التهديد «تقية».

وفي «أبي ما زال شيوعياً» (أحمد غصين)، تترجح صور مشهد دق اللحمة، وهو مشهد افتتاحي تقريباً، بين اشتمال البؤرة على التفصيل والدخول في دائرتها وبين الخروج منها والانتحاء جانباً. فيتبقى موضوع الصورة غائماً الى حين بلوغه مستوى العدسة. وهذا يصح في حال فيلم رانيا اسطفان، «اختفاءات سعاد حسني» كناية عن ظهوراتها وتظاهراتها، على رغم أن عمل اسطفان يقع على التوليف، وليس على الصورة الأولى. فما تؤديه الصور وحركتها وتعاقبها، هو مركَّبها، مثل تعاقب أفعال الضرب وتوقيعها، فلا يشغل المشاهدَ فعلُ الضرب، والانفعال به، بل التوليف الذي يتولى المشاهد صنعه على بعض المسافة من الصور المباشرة، وموضوعها المادي، وسطوة الموضوع. فيقتسم الانتباهَ الى الموضوع او الفعل، ما تفعله سعاد حسني نفسها، وكيف ترد على ضربها...

أما «القطاع صفر» فيخلو من رد أو فعل غير النظرات التي تحط على الاشياء والامكنة. والاصوات، وفيها اصوات المحاوَرين، تبقى خارج الصحراء القاحلة والخالية من البشر. وفي فصول المستشفى، المدبغة، المسلخ... يتولى الصوت من خارج تعليل السكن ومواضعه وأشكاله. والحركة لا تولد من حركة آلة التصوير بل من التصويب، أي من تقريب البؤرة وتبعيدها من قشرة المرئي. فالحركة ليست وليدة آلة التصوير وحركتها الخارجية، بل وليدة العدسة وحركتها الداخلية. والصوت، في الشريط نفسه، ينجو الى الخطابة المفرطة، والى ملئ الاطار الفارغ. وذلك على شاكلة بعض مشاهد «الحوض الخامس» مثل مشهد رواية أحد السواقين بطولاته، وفي أثناء الرواية تمر الشاحنات وتغلب جلبة مرورها الرواية وتقنعها، وتقطع مشهد الرواي.

وربما تقنيع الصور هو ما يفتح الباب لفضول الطفولة، ولفضول طفلي أو طفولي: بابا كيف كنت عندما صغيراً؟ شو كنت تعمل؟ فرجيني صورك. وشريط كورين شاوي، «أوكسجين» وهو لم يعرض في «دفاتر» يتناول حال شقيقها وأهلها في الحرب. وكذلك غسان سلهب في «1958».

ثمة وجوه لا تحصى لتناول الحرب. ويبدو أن ما يُغفل عنه غالباً هو أن المخرجين ليسوا من جيل ما بعد الحرب بل هم مولودين في اثناء الحرب. وفي الحال هذه، لماذا كان الرجوع الى الاهل؟ الناسَ كلهم، وفيهم المخرجون الذين بلغوا نحو الثلاثين، خبروا صيغاً من الحرب مختلفة. وهل معرفة الواحد بوقائع من الحرب تعني أنه «يعرف الحرب»؟ لا. القصص الارشيفية ليست دليل معرفة حقيقية، على خلاف زعمها. فهي عندما تروى، وهذا ما لاحظه نور عويضة، تتحول صيغة من الصيغ، ورواية من الروايات، ولا يعول عليها فوق ما يعوَّل على الشهادة.

ـ الحلم حالاً

صوت والد أحمد غصين في اشرطته المسجلة والخرساء، وروايات والد سيمون هبر وشاحناته وأخيراً والدة نيحاوي، وكلماتها المجللة بالرماد والمليئة بنفثات لفافات دخانها وتبغها... كلهم ثرثارون، مثقلون بأخبار وحوادث أزمنة وبالاسف والتأسي، لكنهم بخلاء في صمتهم. وبإزاء ابنها، نظر «يامو» جلي، ويبدو مستهلكاً ومستنفداً لا يسع أمراً أو شيئاً مفاجأته وأخذه على غرة. والمرأة اعتادت المحاورة والمحادثة وكأنهما صورة مصيرها التامة والجوهرية، على رغم نبرة ابنها الأجشة في اثناء المحاورة، ونازع المَشاهد الملونة والحدودية في مدينة الألعاب، أو على طرف الكورنيش البحري، الى بعض الرقة. فتحدونا رغبة حادة في معرفة حقيقة قصة «يامو»، على ما عاشتها واختبرتها في أدق تفاصيلها والتواءاتها وخيباتها وندوبها. ولا نزال تهدهدنا الجملة السابقة:» كان بدي اعمل ممثلة مسرح، هيدا كان حلمي»، وهي امامنا فجأة وفي أثناء لحظة خاطفة، حقاً ممثلة، ويدوم هذا الوقت الذي يدومه انتباه المتفرج الى أظافرها المطلية، وشفتي الممثلة المكتنزتين (!)، وسيجارتها المقيمة، وصوتها المترامي والمتماوج. فبلغت أمنيتها وكان لها ما أرادت.

ـ توقيع الحكايات

يولد أصحاب بعض الاشرطة وصناعها في أشرطتهم. فيقص «الحوض الخامس» (سيمون هبر) و»أبي ما زال شيوعياً» (أحمد غصين) و»يامو» (نيحاوي) ولادة الثلاثة، هبر وغصين ونيحاوي أنفسهم، على وجوه مختلفة. وفيما يروي هبر ولادته من أبيه، اسماً وتاريخاً وصوراً، يروي الآخران ولادتهما من أميهما، صراحة ومن غير مواربة في فيلم نيحاوي ووسمه، ومواربة ومن طريق الأب في وسم فيلم غصين. والفيلمان الاموميان، اذا صدقت النسبة (وهي نسبة ونسب من طريق الام، والام إن لم تكن سبيلاً الى الخؤولة والاخوال، في تقاليد مجتمعات الاجداد والآباء والاخوة الإخوان، هي عَلَم على التنكير أو «أداة» تنكير)- يؤرخان غياب الاب: مهاجراً ومخاطباً يراكم الاولاد في رجعاته المسماة عطلات (مع غصين)، وطليقاً وغريباً من غير أرض معروفة (مع نيحاوي).

وفي الاشرطة الثلاثة توقع الصور الفوتوغرافية الحكايات والاخبار التي يقصها الأب، وترويها الأمّان على طريقتين مختلفتين. فيخرج أبو سيمون ألبوم صوره قبيل زواجه، وفي اثناء شهر عسله وبعد ولادة الاولاد، ويُري ابنه فصول الحياة التي تفتقت عنه في بعض أوقاتها. و»يرد» سيمون التحية بتصوير والده في غيبوبة غسيل الكليتين وأسر خراطيم الغسيل وآلاته، وبعث الشاحنة الاولى المتقاعدة اليوم حيية ومتواضعة في مرأب المرفأ واحواضه. وبين قصة أبو سيمون ووقائعها «البطولية» والساخرة، المفضية، من طريق ورق تظهير الصور ومواقف أهل الصور وملاحمهم المترعة بالطعام والحيل والطاعة، الى أسفار وأيام ومواقع وولادات وخسائر، وبين قصة أو قصص الابن المصورة والنابضة بدم وقلب ملحميين من صنف آخر، خيط أو آصرة قد تكون وثيقة. فالعالم الذي يضعه الابن في متناول المشاهدين وأبصارهم وليد لم يتخفف بعد من أعلاقه، حبل السرة وكتل الدم والمخاط...

ـ لحظة... إيطالية

بين أشرطة «دفاتر لبنانية» كلها «طيِّب خلص يلا « (رانيا عطية ودانيال غارسيا) وحده لا يزعم التوثيق أو الوثائقية، من وجه، وينتهج نهجه أو نهجها، من وجه آخر. وهو لا يعلن لا هذا ولا ذاك. ولكن التصوير المتصل والدقيق، اليومي والخبري، لمواضع الحياة اليومية ومسارحها، البلدية العكارية، والحرص على نقل رتابتها وسكونها وترتيبها وتكرارها (المباني والطرق...) ولهجة كلام أهلها، التصوير والحرص هذان ينزعان من غير شك الى الوثيقة والاقتصار عليها أو على طريقتها في الوصف. ولا تشذ «درامية» بعض الحوادث، مثل سفر الام وتركها البيت لابنها وحده أو المشادة على التلفون بين الام وابنها أو زيارة الصديق العامل في الخليج أو استخدام المرأة الاسيوية...، عن السوية التوثيقية، الوصفية والخبرية.

ولا يلبث التوثيق أن ينقلب، على غفلة من المشاهد أو شبه غفلة منه، الى «نقيضه» (ما هو نقيض التوثيق يا ترى؟ التبديد؟ التقطيع؟ والاثنان ليسا خلاف الحفظ ولا الجمع...). فتستقر الطريق المبللة والخالية، والجدران الحائلة في الخارج والكاوتشوكية الطلاء والداكنة في الداخل، والظل الثقيل في محل الحلويات المقفر من الهواء والممتلئ بحنق صاحبه، وجسمُ الشاب ورأسه العتيدان والصفيقان، تستقر هذه وغيرها مثلها على استجلاء معانٍ يتستر عليها التوثيق ووصفه الظاهر. فتكني مواربة عن جوار طرابلسي راسخ، وتماشي تكراره ورسوخه المريرين والأخرسين.

وحين يبدو أن الامور والاحوال انتهت الى مستقرها، واستوت على مثالها الجوهري، ينعطف «طيِّب يلا خلص» إلى فسحة طراوة. فالشاب سبق أن روى لصديقه الخليجي أن رسائل ضائعة تبلغ هاتفه، وتلمح الى رغبة صاحبتها في لقائه. ويرجح أن المصدر امرأة هوى على وجه من الوجوه. ويلتقي الاثنان يجران حرجاً وخجلاً تنوء بهما الجبال بضاحية طرابلس البحرية، على جانب كورنيش صحراوي طويل، قاحل ومتجهم كيوم ضياع. وحين يرى الاثنان خيبتهما العميقة والمشتركة الواحد في جسم الآخر، يرى واحدهما الآخر على حقيقته، الآن، المولودة لتوها من دهشة خالصة وبداهة حضور «بكر» (فيرلين) على رغم الثقل العكاري والطرابلسي. فترتسم لحظة «ايطالية» في قلب الزمن الصفيق. أيكون انتباه الممثلين الى ادائهما ولعبهما خارج دوريهما؟ على شاكلة الام (يامو) الممثلة وولادتها على هذه الحال في شريط نيحاوي...

ـ حلف العدسة والشاشة

وجه أم أحمد غصين لا يكف عن الاقتراب من عيني المتفرج، وحدّة قسمات الوجه المادية، والمرهقة على رغم الفتوة، تهجم على بصر المشاهدة ودرايتها وتنتهكها. وحلف العدسة والشاشة يحتال على ليِّ الواقع، فلا يشفع للصورة المولودة من الحلف قربها من الحقيقة، حقيقة رغبة، على خلاف المعقول، في الاقتراب من الجسد، والذوبان فيه، في المادة، في الحكاية وتعرجاتها، في الصوت والكلمات، في المرئي وليس في متناول اللمس.

ـ العشق وليس التقصي

أحمد الصغير لا يحضره ابوه في ذاكرته إلا غائباً، أي في المراسلة المسجلة والمسموعة التي يتبادلها الشاب والشابة العاشقان المُعسِران والمتزوجان منذ وقت قريب، والمغالبان مضايقات الحرب والحياة. والزوجة الشابة والام وحيدة، تثرثر عاشقة على مسمع آلة تسجيل صامتة ولا تحور جواباً. ويزور غصين، ثلاثين سنة بعد التسجيل، الاشرطة، وينتخب منها، ويعود القهقرى، ويحقق، وينحدر مع الزمن ومضيه. وهو لا يفعل هذا متقصياً بل حبيباً عاشقاً يقرأ بعد وقت رسائل ملتهبة تقطعها زفرات معلقة، ويستعيد مذاق رغبة حبيبه ورغبته هو.

ومن لم يشته الكلمات الطرية التي تبادلها والداه أيام الحب الخفي الذي جمعهما قبل الحمل به؟ هل كان هذا الحب حاراً على شاكلته في الافلام؟ هل مدَّه البعد، ومدته الكتابة والغيبة وأخيلتهما بالهوى والجموح؟ هذا الهوى يُحمل على القدس والتدين... ولا تكذب قدسه مشاهد الام وهي ترتدي الثياب في عرينها، أو وهي تمشي أمام بيتها المتواضع في الضيعة الغفل والمقفرة.

ـ رسم خانق

هل في الوسع أداء المدينة في صور سينمائية على نحو أداء الصورة أو الرسم الوجه؟

لحظة الصورة في رسم الوجه تنحو جانباً، على حدة، وتتربع (في) تجليها وظهورها. وكان ديباردون يقول أن «الصورة الفوتوغرافية هي اللحظة، وأما السينما فهي الوقت». وربما ينبغي إفساح الوقت لظهور اللحظة واستوائها ، على شاكلة الغيوم المترحلة واللاهثة التي تنشئ لا محالة مملكة من الأمواج البيض تبعث ظلالها على الارض مشاعرنا في مرآتها.

في «القطاع صفر»، ينشأ المكان عن اطار التصوير أو حركة العدسة أو غفلة الصوت أو ضبط بؤرة الصورة المضطرب على الدوام. فيحضر رسمُ الكرانتينا خانقاً مثل ماضيها.

ـ عدوى الإسراء

فقرة أخرى تخلط، في «الحوض الخامس»، الإنس والإنسية بخلافهما وغيرهما بالمعدن هذه المرة. وهي كذلك باب على بيروت وعلى حوادث الشريط وأخباره. وتتناول الفقرة، الطويلة، شأن فقرة البقرات، نقل آلة تحميل الحاوية من ظهر المركب الى الرصيف أو الى ظهر الشاحنة. وتخوض صورها في أسلاك الذراع الضخمة التي تتولى الاحاطة بالحاوية ورفعها وتعليقها في الفضاء قبل حطها في مستقرها. والأسلاك يدخل بعضها في غياهب الذراع الوحيدة، مثلَ عين عملاق المغارة بوسط جبهته في القصص الملحمي الهوميري، ويصر صريراً مريراً ولاهثاً في دخوله النفق الغامض، وفي خروجه منه. ويملأ الصرير، شأن الخوار في الفقرة الاخرى، الصور الصافية التي تجلو الآلة الرافعة ونواحي المرفأ والأرجاء القريبة، ومن ورائها المدينة، من وراء زجاج حجرة قيادة الآلة. فتجمع الصور، وألوانها الزاهية والعميقة وبلورُها الشاف من بعض البعد عن رسوم الاشياء وأحجامها، فوضى احتكاك المعدن وحباله المنجدلة والمشدودة، ودورانها على بكراتها المرئية والخفية، المسننة والملساء، الى حركات النقل الهندسية والصريحة. وحين تعلق الرافعة الحاويةَ البنية في الفضاء، وتتوسط الحاوية أبنية المدينة البعيدة والقريبة، تبدو هذه لوهلة خاطفة بنية طارئة وزائرة بين الابنية الراسخة، أو مركبة فضائية حصينة في طريقها الى كوكب آخر ربما. ولا يبعد أن تسري عدوى الإسراء والرحلة في أبنية بيروت الراسخة كلها.

ـ مرفأ البر

ملحمية الصور في الفقرتين، البقرات والحاوية، مدخل الى حكايات «بطولية شعبية» أو «عامية»، على معنى البيكاريسك (ودون كيخوتيه مثاله المتأخر ومحاكاته الروائية). وفي الحكايات هذه، يسافر «البطل»، ويلتقي أقراناً على شاكلته وعلى خلاف شاكلته، وينزل منازل وفنادق، ويأكل ، ويروي قصصاً وتروى قصص على مسمعه، ويتقنع ويكذب ويُكذب عليه، ويقامر ويغامر، ويبؤ بالخسارة والربح، ويمرض، ويشفى، ويؤمر ويطيع، ويهرب... وهذا ومثله يملأ «وثائقي» سيمون هبر. و»الحوض الخامس» جزء من مرفأ على البحر، وحوادثه كلها برية. وهو رأس الطرق التي تروح كلها الى الداخل، سهله وهضابه وجباله، وتعود من الداخل إليه. فهل وسم قصص سندباد بري باسم بحري وسياسي «توثيق» من ضرب مجازي؟ أم هو كناية عن الحياة وحوادثها بالآلة، الشاحنة، التي كانت تعمل على خط المرفأ وحوضه؟ أم هو فرع على اصل يدل على الولادة، وعلى الموت، وعلى حكاية ما بينهما؟

ـ الصوت والصورة

القول في «أبي ما زال شيوعياً» يبحث عن صوره القليلة، وعن جوابه أو إجاباته في الصور، من غير إلحاح في الطلب أو إلحاف. فالوثائقي، هذه المرة، «ينشر» وثائق صوتية ومستندات وأرشيفاً مؤرخاً. وعلى هذا، فهو نظير الوثائق الفوتوغرافية التي يستعيدها شريط هادي زكاك، «مرسيدس»، وشريط وسام شرف «إيتس أُول إن ليبنانون». وبينما يخفق الشريطان الوثائقيان الصرفان في حبك سياق زمني داخلي، مشترك وذاتي، كثير المسارح وعلى بعض الترابط والتوارد، يدمج شريط أحمد غصين تسجيلات المرأة الشابة والام والزوجة ملابسات الرسائل الصوتية، الشخصية والعائلية المادية والجغرافية والظرفية والاتصالية، في «نص» متصل. ويجمع وجوه «النص» وعناصره، ويلمها في ضميمة واحدة، قصصية خبرية ومصورة واحدة، إقامةُ غصين على الفصل بين منزع القول، الحار والمباشر المشبع بأصداء معرفة حميمة، وبين منزع الصور المتحفظ والمقتصر على تصديق القول وتحقيقه.

ولكن فصل المنزعين لا يعلي منزعاً (القول) على الآخر. فتحول الصور القليلة والقديمة والمعاصرة فيديو أو تصويراً فوتوغرافياً قديماً وجديداً لا يختلف عن القديم ولا يَبين منه بين الصوت وبين تربعه وبسطه دالته على الشريط. فتؤرخ الصور، وضوؤها الخافت وتوقيعها انقضاء الوقت وانصرامه، فعلَ الصوت الامومي، وأطواره، و»تُنيص» زهوه وانتصاره، على ما يفعل التأريخ عموماً ربما. وفي المقابل، وهذه الموازنات هي في صلب سينما غصين، يصبغ الصوت بصباغه الفرح الحياة المتواضعة والقلقة التي يروي بعض وقائعها. فيلفُ ليلُ الشجر والزرع والأرض والاضواء القريبة والطريق حول البلدة بيتَ العائلة، موضوع شطر من المراسلة، ويحضن من غير أن يتولاه. وعلى خلاف «الخطب» التي تلحم بين فصول أشرطة شرف وزكاك ومشلاوي («القطاع صفر»)، وتفتعل رابطاً ووحدة، يحاول القول الامومي الحار صور «أبي ما زال شيوعياً» الحيية، ويدعوها الى محادثته وممازحته والتذييل على زهوه ورغبته.

ـ خليط

فقرة إخراج البقرات من حظيرتهن المحملة على باخرة الشحن الى المرفأ من طريق ضيقة وملتوية تحفها الحبال وجسر خشبي قصير معلق ومهدد، تنم (الفقرة) بـ»فظاعة» حيوانية وجسدية أو شحمانية لا تعف عن الانسية، وتضمن الحيوانيةُ جسدها الانسي (الانساني) أو الإنسية وجهها الحيواني. فحضور الحيوان على صورة كتلة جسد هائلة في قبضة آلة تفريغ هندسية قوامها الحواجز والمسالك، لا يخلص الحيوان، البقرات، ولا يحرره من بعض احوال الانسان والتأنس. فإذا بالخروج الحرج من حظيرة المركب الى حظيرة الشاحنة والرصيف محنة عسيرة يتضافر على تعظيم عسرها ضيق المخارج، والتواء الطرق، وإلحاح القسر والحشر. وتخوض الصور القريبة، الملابسة جلبة الخوار ودبيب الأظلاف على الخشب ونظرات البقرات القوية والمسلِّمة (فالمسلخ ليس بعيداً...)، غمارَ «الولادة»، وتخلط الرسو على رصيف الحوض الخامس بجوار الكرنتينا والمسلخ ومقر أركان «القوات اللبنانية»، والوصول وبلوغ القصد بإرهاص الموت والقتل والعذاب. والمدخل بيروت وبوابتُها من البحر، والوصلةُ بينها وبين المدى الذي تسبح على صفحته المنبسطة «يمامات بيض» (بول فاليري)، هو هذا الحوض على الصورة التي تطالعه بها البقرات العظيمة في طريقها الى الانجاب والاستنتاج (طلب النتاج أو التلقيح)، وإلى الذبح. وهو المدخل، أو أحد المداخل الى حوادث الفيلم وأخباره الآتية، ومن هذه الحوادث والاخبار رحلات أبو سيمون وشاحناته، وزواجه، وولادة ابنه على ما روى الوالد لسيمون هبر.
 http://www.almustaqbal.com/Nawafez.aspx?pageid=80957