|
الأربعاء، 1 يونيو 2011
"حرائق" وجدي معوض... مسرحية وفيلماً: التوأمة الرحمية باعث على عنف يلجمه التعاهد
"اللادولة" نهج يستبق الردّ على الحركات الوطنية المدنيّة والديموقراطية
المستقبل - الاحد 29 أيار 2011
تبدو حلقات الحوادث العربية المتعاقبة وسلاسلها منذ انصياع الرئيسين السابقين، التونسي زين الدين بن علي والمصري حسني مبارك، لـ"رحيلهما" ورضوخهما لتخلي قيادة القوات المسلحة في الدولتين عن مساندتهما، تبدو هذه الحلقات مرآة دامية وعاصفة لخطط "بناء" الدولة التي تولتها واضطلعت بها طواقم حكم مستولية ومتسلطة على أجهزة القوة والسلطان، وعلى مجتمعات بلدانها ومرافقها، في ليبيا وسوريا واليمن أولاً، و"تعالج" اليوم الحركات الوطنية والمدنية التي تعارضها وتقوم عليها. فتستخدم في "معالجتها" موارد ووسائل أمنية وأهلية (اجتماعية) واقتصادية واعلامية دعاوية هي ثمرة "بناء" الدولة على المثال المتعمد الذي بنت هذه الطواقم أنظمتها أو دولها الخاصة عليه. فكأن "البناء"، على النحو الذي أنجز عليه، إنما قصد به منذ الشروع فيه الحؤول دون نشوء معارضته المحتملة، ومهاجمتها ومحصارتها وتدميرها إذا لم يبق باليد حيلة، ونشأت هذه وقامت على رغم الترصد لها واستباقها واطفاء مواردها.
ولعل في رأس ما يحول دون تبلور معارضة وطنية، ويقطع الطريق على نشوء حركة سياسية ومدنية تنازع الحكم الحاكم على الحكم، وعلى ادارة شؤون البلد وتنمية موارده وتوزيعها والدفاع عنه والحفاظ على استقلاله، هو حل كيان الدولة الوطنية الجامعة والمتماسكة في عصبيات أهلية، وتسليط ابنية هذه العصبيات الغالبة على اجهزة الدولة العامة والمشتركة، وعلى إداراتها ونواظمها القانونية والحقوقية والعرفية التقليدية. فحيث بقيت للدولة الجامعة والمتماسكة بقية على شاكلة جيش محترف مهني وغير فاسد، أو على شاكلة تعليم عمومي متوسط الجودة، أو مواد دستورية مدنية، أو نشاط اقتصادي لا تستغرقه الريوع وعوائدها وشبكاتها المتواطئة وتهربها الضريبي واستهلاكها الباذخ والمبدِّد...- اضطرت "الطبقة الحاكمة"، أو قمتها الظاهرة، الى الانصراف والاستقالة مرغمة ومكرهة. وعلى ما شُهد بالعين المجردة في تونس وفي مصر، حيث لم يدمر السلطان الامني والعسكري والاقتصادي كتل الدولة او مبانيها كلها، وسع حركة الاحتجاج الاتساع والتعاظم والسريان في ثنايا المجتمع المتصلة وروافده وجنباته. وانتهى المطاف بهذه الحركات، كان اولها ومبتدأُها في القلب (على صورة مصر) أم كان في بعض الاطراف الداخلية (على صورة تونس)، الى لم اطرافها الى قلبها وبث حركة القلب في عروق الاطراف. وجاز حصول هذا على وجه السرعة المباغتة وعلى وجه التزامن او التواقت الانترنتي والاعلامي "الفضائي".
ويعزو بعض المراقبين والناشطين الوطنيين، وبعضهم يجمع الصفتين معاً، تعاظم الحركة المدنية والديموقراطية التنوسية السريع الى جودة التعليم الذي حظي به أبناء أسر الطبقات الوسطى، وخوَّل بضعة آلاف منهم اذاعة وقائع القمع ومقاومته وانشاء جبهة الاحتجاج والمطالبة وبلورتها، وبعضهم يعزو التعاظم الى دور اتحاد الشغيلة العام التونسي والى مدنية الشباب التونسي "الشخصية". وهذه، جودة التعليم، وتماسك البنيان النقابي والمدنية القانونية والشخصية، من التراث البورقيبي، ومن أركان الدولة ومبانيها التي لم تبلغها يد بن علي، والرهط العائلي الذي يحفه، ولم تحطمها على ما ذهب اليه الفرنسي أوليفييه مونجان والتونسي الفرنسي عبد الوهاب المؤدب الاول في مقالة شهرية "اسبري" لخصتها "الحياة" في 11/5/2011، والثاني في كتيِّبه "ربيع تونس- تحول التاريخ" نيسان 2011، باريس. فوسع الحركة التأليف بين جماعات شعبية فقيرة وجماعات متوسطة متعلمة. وانضمت الى هذه وتلك جماعات عريضة من المهن الحرة والاطر الادارية العليا، وهيئات المجتمع المدني. فسرى التضامن والتكاتف في أوصال لم يستوف القمع تقطيعها (إلى) مناطق وجهات وإيديولوجيات وولاءات، على رغم عمق الخلاف بين الداخل الزراعي والمنجمي والبدوي "الهلالي" (بوزيد، اسم بلدة محمد البوعزيزي، على اسم عَلَم التغريبة العربية الاشهر) وبين الشرفة البحرية والمدنية ووارثة مركزية "الباي" وبعض امتيازاته.
وعلى المعنى هذا او قريباً منه، وقياساً على حالي ليبيا وسوريا، أرست الحركة المصرية بنيانها الكبير والجسيم على وطنية مصرية مشتركة وبدهية، وعلى عمومية شعبية تستقي من الوطنية المصرية تماسكاً قوياً. وحال هذا دون انفلات أجهزة القوة، وبعض الحركات الاهلية السياسية (مثل "الاخوانيين") من عقالها، وانقلابها على جسم الحركة الكبير إما قمعاً دامياً وإما استيلاءً سياسياً وتنظيمياً وقسرياً ومدمراً. ولم يؤد انهيار التعليم المصري الحكومي، على شاكلة عربية لا تقتصر على توسع التعليم الديني الصرف، الى غَلْق عقول المتعلمين ودراياتهم دون بعض احوال العالم وأطواره البارزة، الثقافية والاقتصادية والحقوقية القانونية والسياسية. ونفخت الحركة المدنية روحاً جديدة في جسم اعلامي متآكل ومتهالك، أناخت عليه "الثورة" وتأميماتها ومكافآتها و"إرشادها"، طوال 6 عقود طويلة، بقيودها الثقيلة. فانبعث شطر منه من عماه وسكوته وبلادته في أثناء الحركة نفسها (ويعود شطر آخر منه يتقنع بقناع محمد حسين هيكل و"حكمته" و"تجربته" و"اخباره" المنحولة والمزعومة، فيبايع المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع المزمن ورئيس المجلس الاعلى العسكري، "رئيساً انتقالياً"، وعلى تقليد عميق وثابت يقضي بالتسليم والخنوع فكان الرجل من سدنته وكهانه)، حين تولت الشطر الاعظم من الاعلام، في الوقت الحرج، الفضائيات الخليجية.
حل الدولة في الحاكم
وفي كلتا الحالين، انتقلت الحركتان التونسية والمصرية، من طرفية جغرافية واجتماعية ابتدائية الى عمومية متواردة ومتآصرة، وجمعت أذيال الثوب الوطني، ولمت اطرافه الى قوامه ومصدره. والارجح أن شبكة الاتصالات والتواصل الاجتماعية لم تضطلع بالدور الذي اضطلعت به في الحركتين إلا جراء لباسها جسماً وطنياً أقامت بعض مبانيه على بعض التماسك والوصلة. فجددت الشبكة، وأواصرها واتصالاتها، تماسكاً لم تتداع مبانيه كلها تحت وطأة الاستيلاء والتعسف والكذب والتفريق والمصادرة الاستبدادية. وحفظت الدول بعض العمومية الجامعة. فحالت هذه بين الجهاز الحاكم، على مثال صدامي من قبل وأسدي وقذافي اليوم، وبين تقطيع أوصال الجماعة السياسية الوطنية، وتسليط أجهزة القوة والتواصل والادارة، وعصابات أهلية طرفية، على الجسم السياسي الوطني وإرهابه وتقييده وشرذمته.
وعلى رغم شبه قوي بين الانظمة العسكرية الانقلابية التي تعاقبت على الاستيلاء على حكم بعض الدول العربية في العقدين السادس والسابع من القرن الحالي، ولا يزال معظمها على استيلائه، ثمة فروق سياسية واجتماعية لا تنكر بينها. وتقود هذه الفروق، أو بعضها، الى حال المجتمعات وجماعاتها، مُسكةً أو تصدعاً، حين الاستيلاء على حكمها. فخوَّل التصدع والتفرق العراقيان، نواحي ومدناً وأريافاً نهرية وأودية وحكاماً ومحكومين وطوائف وأقواماً وقبائل ومنازع، على تقسيم واحصاء فصلهما حنا بطاطو وتقصاهما، حاكماً مثل صدام حسين حين الاستيلاء على الحكم والدولة، وحلَّهما في شخصه وحده، وتوحيدهما فيه هو، وإبطال أضعف رابطة قد تربط اجزاء الدولة العراقية ومرافقها، وتشبكها بعضها ببعض تلقائياً ووظيفياً، خارج نظره وأمره وإيعازه.
فلم يشرك صدام حسين أركان جيشه في النصف الثاني من الثمانينات في التخطيط للأعمال القتالية الجوية المزمعة، ولا في التصدي للهجمات الايرانية على شكل الموجات البشرية الانتحارية في الاهوار. وكان الجبوري، قائد الاركان، تبلغه اخبار العمليات الكبيرة والصغيرة من الاذاعة، شأن غيره من الرعايا، على ما روى وأخبر. فالقوات المسلحة في الاوقات الخطيرة والحاسمة التي كانت تعركها وتمتحنها لم تكن قيادتها جديرة، في عُرف صدام حسين يومها ولا فيما يرى القذافي ورهط الاسد اليوم، بالاسهام في "قادسية صدام". فالقيادة لا يؤمن جانبها، ولايؤمن توسلها بقيادة وحداتها الى مهاجمة الحاكم والانقلاب عليه. و"عِلْمُها" لا اعتبار له في ميزان المحافظة على السلطة. والجنود "مادة" الحاكم الصماء والذليلة. وأحكام الخبرة والتقنية والمعرفة ذريعة لا يجوز، على ما يرى الحاكم الفذ والفرد، أو "القائد" التذرع بها الى إعمال معايير "غير سياسية" لا تصدر مباشرة عن ارادات قيادية ورئاسية، بالغاً ما بلغت هذه من الخرق وضعف التدبير.
ويسوغ هذا الالتباس، التباس تصريف أعمال الدولة بإرادات وأهواء لا قيد عليها ولا رقيب، فيما سماه بعض الخيمينيين، متفاخرين ومتعاظمين، "لا دولة". فلا قيد على "القائد" أو "المرشد" المعصومين، وهو (القائد أو المرشد) انشأ "النظام" وسواه من عدم، على ما هذى معمر القذافي وهجر في خطبة 21 آذار المشهودة. والهيئات التي قد تدعى الى مشاطرته السلطة، أو مراقبة أعماله وأفعاله، هي في حسبان "القائد" أو "المرشد" من خلائق النظام وصنائعه وفروعه وثمراته. فكيف يجوز أن تتصدى "الخليقة" الضئيلة، أو أن يتصدى الفرع للأصل، على ما يذكِّر بعض "كبار" الحوزة في قم، من امثال جنتي ومصباح يزدي وأحمد خاتمي، "المخلوق" أحمدي نجاد، وينصحونه بالرجوع عن مزاعمه البَنَوية الى حقيقته التابعة والمأمورة.
والحق ان ما جاز في العراق لم يجز في مصر الناصرية، وبالأحرى الساداتية والمباركية. فبعض أركان الدولة و"مداميكها"، على قول نابوليون في الادارات المحلية والقضاء والتعليم والتحصيل الضريبي ومرافق الانتاج الكبيرة والسياسة الدينية، عصي تصديعها وحلها في شخص الحاكم، على رغم دالته التاريخية. والحق أن هذه الدالة، والمكانة المترتبة عليها، حلت في المؤسسة العسكرية المصرية كلاً وجميعاً، وأحاطتها بهالة قيدت يدها الى اليوم، ومنعتها من التطاول على الحركة المدنية، وحالت بينها وبين خدمة التعسف الرئاسية وشططه، والانصياع لارادته وأهوائه. وهي تفرض على المجلس الاعلي مراوغته وترجحه بين الأقطاب المتخلفة عن اخراج مبارك واعتصامه بالصمت في مسائل كثيرة تتداولها المناقشات العامة مثل النص على مدنية الدولة ومترتباته على قانون الاحزاب السياسية وشروط انشائها ومراقبة التزامها القانون والشروط.
ويكاد ينفرد "النظام" القذافي الليبي، بعد انهيار قرينه الصدامي قبل 8 سنوات تحت ضربات الحملة الاميركية و"ائتلافها" الضيق وزعزعة معاصره وقرينه الاسدي السوري من بعد، في النص الصريح، عملاً وقولاً، على ارادة الغاء الدولة وهيئاتها ومؤسساتها وقواعد اضطلاعها بأدوارها ووظائفها تمهيداً لإلغاء "السياسة". وتتقنع دعوة الضابط والمحرض الليبي الى الغاء الدولة، وجماع هيئاتها الانتخابية والتمثيلية والتشريعية والقضائية وسلطاتها المستقلة والمتعاونة وأحزابها ونقاباتها...، بإلغاء الفرق بين "الشعب" وبين من ينوبون عنه، ويحلون محله، من طريق الانتخاب والتفويض والاجسام الوسيطة والقوانين والنظم الحقوقية والتنفيذية. ولا ريب في أن دعوة المحرض الناصري والمسلم "الجماهيري" تستقوي بانفصال الدولة، سلطةً وهيئات ومعاملات، من المجتمع وعنه، وانتصابها قوة أو كتلة مرصوصة تحكمه من فوق، وبمعزل من رغبات الناس والجمهور وارادتهم. والانفصال تجربة عامة تثقل على الناس في أنظمة اجتماعية وسياسية مختلفة. وهي أقسى ما تكون في الولايات السلطانية. ودواء الانفصال، على زعم محرضين كثر ليس معمر القذافي أولهم ولن يكون آخرهم، هو حل الدولة في الشعب، وتذويبها في مائه الصافية والطاهرة، ومصادرتها على سلطاتها التي صادرت الشعب عليها من قبل و"سرقتها" منه، على نحو ما سرقت المُلكية (المِلك) الممتلكات وخصت ملاكين بها بعد ان كانت مشاعاً مباحاً وغير مقسوم.
المثال القذافي
وتتردد اليوم، في خطب "القائد" وأولاده وهم عماد "الطبقة السياسية" العائلية الحاكمة وبعض ألسنته، الاحالات الى خطبة زُوارة، في 1973، البرنامجية. فالضابط الشاب الملازم الاول بعد أن كان نقيباً، لم يدعُ الى حل مباني الدولة حين استولى وصحبه من الضباط الاحرار، على الحكم وخلع الادريسيين، في 1969. وأرجأ الامر، من غير الافتراض أنه كان عازماً عليه، أربعة أعوام. وفي الاثناء، احتدمت الخلافات في قيادة الضباط الانقلابيين. ولم تلبث هذه ان انقلبت الى صفوف الموظفين، والجماعات الاهلية التي يصدرون عنها هم والائتلاف العسكري الحاكم. وذرت قرنها في أوساط الميسورين والمتعلمين (البورجوازية) في المدن الكبيرة، طرابلس وبنغازي. وتستجيب خطبة وزارة ودعوتها الى الغاء التمثيل، وإلغاء التقاسم وموازنة الحصص والمراقبة والقيود على المبادرات والتزام المداولة (وهذه كلها هي الوجه الآخر للدولة وانفصالها)، تستجيب داعياً شعبياً عميقاً، ونازعاً حاد الى التحرر من قيد سلطة مركزية قوية، وتشترك جماعات ليبية أهلية عريضة في الداعي والنازع هذين، على ما لا يلاحظ الديبلوماسي والضابط الفرنسي السابق باتريك همزاده ("في قلب ليبيا القذافي"، باريس، نيسان 2011).
وحرص "العقيد" الابدي، في خطبة زوارة، على ارساء اعادة الدولة الى الاحضان الشعبية المزعومة على عمليات استئصال تحيل المجتمع الليبي وجماعاته أنقاضاً، وتمهد خلافاته ونزاعاته وتزهق أسبابها. فتعهدت النقطة الثانية تطهير ليبيا من "المرضى". والمرضى هم أنصار النظام السابق و"الاخوان المسلمون" والشيوعيون و"القطريون" المتحفظون عن الوحدة (الوحدات) العربية. وأطلقت النقطة الثالثة "حرية الشعب" من غير قيد، على ان يحظر على "اعداء الشعب" التمتع بها على أي نحو كان. وعلى جاري عادة هذا الضرب من الانظمة المستبدة والمتسلطة، قلما تترتب نتائج معروفة وايجابية على الاجراء، على حين تترتب عليه نتائج سالبة مباشرة. واباحة حرية التظاهر في سوريا من آخر الامثلة على هذا. ولما كان لا يعرف أحد من يكون "الشعب" المفترض والمطلق الحرية، وكيف يتمتع بالهبة الالهية والمعمرية، بقي الاجراء من غير أثر. وعلى خلاف الوجه الايجابي، لا يجهل أحد من يكون "أعداء الشعب": فهم "الخبثاء" (لم يكن هذا اسم "الجماعات الارهابية" بعد)، و"القطريون" الوطنيون ودعاة الاقلاع عن المغامرات الخارجية وتمويل حركات "التحرر"، والانفصاليون من غير قبيلة (قوم) القذاذفة وحلفائها المباشرين والاوفياء وكاتمي الاسرار من المقارحة. وأقرت النقطة الخامسة اجراءً عاجلاً هو "الثورة الثقافية". وهي قضت من غير ابطاء، بإحراق الكتب الماركسية والرأسمالية والمخالفة الاسلام، وبـ"التعريب الكامل" للحقل الثقافي البارز والحيوي الماثل في اسماء المحال التجارية والشركات.
وأتبع "الأخ" خطبته بأفعال ترجمت عنها. فاعتُقل آلاف الليبيين المتعلمين والميسورين، وعذبوا، وقتل بعضهم. ومن لجأوا الى ديار (أو ديرات) أهلهم، واعتصموا بها، قصفوا هم وأهلهم. وهرب الآلاف من السجن الليبي الكبير الى الخارج. فأرسل "الاخ القائد" من تعقبهم، وقتل بعضهم عنوة في المنافي، خارج أسوار "اللادولة" القذافية الناشئة. ودأب الرجل، وهو انفرد تدريجاً بالحكم بعد أن انفض عنه حلفاء الساعة الاولى وشركاؤه في الغاء القواعد الاميركية والبريطانية وفي زيادة حصة ليبيا من عوائد تصدير النفط، دأب على النفخ في إوار "الثورة"، والحؤول دون برود توتراتها، واستقرارها على نظم وأعراف. فلا مناص إذا استقرت هذه، من أن يفضي استقرارها الى تقييد حملات التطهير، وتحصين المواقع والمصالح، والرجوع الى السوابق والاجتهادات وتقديمها على الاحكام المرتجلة. وسمى الرجل نهجه المضطرب هذا "ثورة الى الابد". ومزج تخريب الدولة، ونظمها وسننها، بإجراءات سياسية واجتماعية استجابت احتياجات فعلية وعامة. فهو لما دعا "الشعب" الى الاستيلاء على جهاز الادارات، وتحطيم الدولة، وندد بطلب جماعات ميسورة ومتعلمة اجراء انتخابات نيابية حرة وعلى قاعدة حزبية، عمد الى زيادة حد الاجور الادنى ضعفين. وأمر بتثبيت ايجارات السكن. وعرَّب التعليم فقرَّبه من متناول الفقراء وأهل العسر. وباشر خطط إسكان كبيرة وسريعة تلبي حاجات المهاجرين من قراهم وديراتهم الى مأوى في مهاجرهم الحضرية والغريبة.
وعلى هذا، اجتمع في نهج وسياسة متضافرين ومتلازمين تحطيم الادارات وهيئات التمثيل والتوسط والتحكيم واضطهاد الاحزاب ("الاخوان" والشيوعين والبعثيين) مع تلبية بعض حاجات الجماعات النازحة الى المدن واهل القبائل، واستعداء "النظام"، رسمياً وايديولوجياً، هؤلاء، وهم يحملون وظائف الدولة التحكيمية والتمثيلية والقضائية والادارية على ترف في وسعهم الغنى عنه، على البورجوازية وأنصار السنوسية والطرق الصوفية والاحزاب والدول الاستعمارية الغربية وشركاتها النفطية و"عملائها" المحليين. وأرفق اجراءات التوزيع باعتقالات معارضين حزبيين وناشطين من التيارات والميول كلها. وفي أواخر تشرين الاول 1975 غداة سنتين وبعض السنة على الاجراءات "الشعبية" التي مولتها زيادة عوائد النفط في اعقاب حرب تشرين (1973)، وتوسلها المحرض الجماهيري الى شراء الانصار وتكتيلهم وتجييشهم في إمرته كشف الضابط المستولي عن مؤامرة ضباط "رجعيين" يقودهم عمر المحيشي، المصراتي الطرابلسي. وكانوا ينوون الانقلاب على معمر "القذاذفي" السبهاوي الفزّاني. وكان المحيشي أنكر تقديم عبد السلام جلود على سائر الضباط، وانتدابه الى الولاية على المنظمات الفلسطينية المقاتلة في لبنان، والى تنسيق الولاية المزدوجة والعظيمة المردود مع الاجهزة السورية الاسدية "العاملة" في "بلد الارز". وسمى الضابط المحرض والناشط و"الموزع" مهاجمة بعض شركائه في هيئة الانقلاب وهي تشبه مرفق دولة ولو شبهاً ضعيفاً- والاعداء الكامنين والمتجددين، سمى العمل المزدوج "زحفاً" على المؤسسات.
وتوج مسيره المظفر منذ "الفاتح" (الاول من أيلول) بـ"الكتاب الاخضر"، أو النظرية العالمية الثالثة، مَدْرج البشرية (فهي وحدة القياس القذافية) الى تجاوز الشيوعية والرأسمالية، على ما هو مشهور. وفي أوائل آذار 1977، بسِبْها هذه المرة، وفي قلب الفزان، ومن مؤتمر الشعب العام، زف القائد الملهم بشرى انشاء "الجماهيرية العظمى..."، نظام سلطة الشعب من غير دولة، ودستوره و"مرجعيته" "الكتاب الاخضر"، بحر العلوم السياسية والاجتماعية والتاريخية ومحيط المحيط. وحسبان انسان او امرءٍ مثل معمر القذافي، وهو من هو عزلةً وتحصيلاً ضعيفاً وعالة ظاهرة وقصوراً فادحاً، أن في مستطاعه الخروج الى انسانية القرن العشرين بـ"دعوة" سياسية وأخلاقية واجتماعية جامعة تداوي أمراض هذه الانسانية وتشفيها، لا لمسوغ إلا تحكمه في انتاج نحو مليوني برميل نفط في اليوم وأمره ونهيه فيها وحده، هذا الحسبان مدعاة غرابة وعجب لا يتبددان على مر الزمن. ويصيب مثل هذا الغرور المرسل والارعن أشباه الرجل المتربعين على رأس وحدة صواريخ مهربة، ووراء جدار بشري من الشهداء "الاحياء" الذين تغلب "شهادتهم" "حياتهم" المبددة. ويبعث انكفاء الجماعات العربية "القبلية"، وانقطاعها من تيارات العالم وحوادثه، مثل هذا الاحساس المستحوذ والمستبد بالانتداب الى تبليغ "رسالة خالدة" وتخليص البشرية من "الآثام" و"الشرور".
الاعفاء
فتتصور الادارات، وأعمال التدبير اليومية، والسياسات التربوية والانتاجية والمالية والقضائية والتقنية، وغيرها مثلها، في صورة المهمات التافهة، والسخيفة. ولم يخامر الملازم أول والمحرض المنتشي بسلطانه وعوائد نفطه، والمتربع في قمة "ولايته"، شك في تفاهة القيود على سلطانه. فلم ينفك يخرب أبنية الادارة والتدبير بواسطة "اصلاحات". وتعمدت هذه تضييع المسؤوليات عن القرارات، وتمويه معايير تعيين المسؤولين ومحاسبتهم ومراقبتهم. وأعلت معيار الولاء او التحزب والتعصب على معايير الكفاءة والاداء والمسؤولية. فسادت مناخات "الثورة الثقافية البروليتارية العظمى"، الماوية الصينية المدمرة، "الدولة" والجماعات الليبية. وعاثت فيها فساداً وتخريباً وتفكيكاً. وعلى المثال الماوي الصيني، بقي الرأس المدبر، أو "قيادة الاركان"، يقظاً. فحصّن مرفقين حيويين ومتصلين من فوضى "اللادولة" القذافية، هما المورد النفطي والنهر الكبير أو العظيم. فأوكل بالاول إدارة تقنية صارمة. وصرف الى الثاني شطراً كبيراً، يقدره همزاده بنصف عوائد الدولة. فالماء، في بلاد صحراوية وزراعية، على رغم هجرة معظم أهلها الى المدن، مادة شاملة، إذا جازت العبارة، وركن ترسو عليه لحمة الجماعة الوطنية وتغرف منه. وقد تؤدي خطط الري الزراعي من دون مياه الشفة تقريباً وهي أنجزت منها 3 مراحل تروي أراضي أجدابية وسرت وبنغازي وطرابلس وشرق برقة وغرب طرابلس (في 1983 1996 الى اليوم)- الى نضوب المياه الجوفية في مستقبل قريب أو بعيد. وتحظر السياسة والمخيلة الستالينيتان والماويتان، ونازعمها الى العظمة الفرعونية، مناقشة المسألة الحيوية. فالأمة الليبية ذائقة الموت على خلاف سلطانها "الدهري" وسلالته.
ويُزري جعلُ النفط، أو عوائده، والماء في عهدة القذافي وحده، من غير تثمير العوائد ورسملتها، وعلى خلاف مقتضيات الحفاظ على مصادر المياه، بالدولة وهياكلها ويحط منها. وهو يوكل الى الرجل وأولاده وبعض أصهرته التمثيل على دوام الامة. فإذا اضطر الى تقليص أعباء النفقات "العامة"، على معنى السلطانية أو نفقات الاعالة من الموارد الطبيعية وليس من موارد العمل والانتاج، سلك نهج الادارة السوفياتية و"اصلاحات السوق" الحيية التي اضطرت اليها. فأباح في أواخر الثمانينات، حين شرعت أسعار النفط تتردى في ختام دورة زيادتها "العظيمة"، التجارات الصغيرة من جديد. وألغى دعم بعض المنتجات والسلع الحيوية. ورفع الحظر عن بيع المزارعين منتجاتهم بأسعار السوق أو قريباً منها. ولا تفعل مثل هذه الاجراءات إلا الإقرار المتأخر والوقح بأن للاقتصاد ومعاملاته منطقاً لا تستنفده إرادة الحكم ومصالحه التعبوية والشعبوية والارهابية (وهذه سنوات اسكوتلندا ولوكربي)، ونازعه الى إيهام رعيته بأنه "ربها" الذي "يحيي ويميت". وهذا على خلاف منطق الدولة، ورهنه النتائج والعوائد الاقتصادية بتنظيم الانتاج، وسياسة الاستثمار في المرافق المناسبة، واسهام عوامل الانتاج، وفيها العمل، في الناتج.
واضطر القذافي المحاصَر، وهو جرّ رهينته ليبيا الى الحصار، الى "تحرير" مرافق أخرى، على ما سميت اجراءات السياسة التاتشرية والريغانية الليبرالية في أوائل التسعينات. وعادت الاجراءات القذافية على الليبيين المحاصرين بكارثة انسانية. فزادت أسعار السلع الاستهلاكية، وهي تولت شركات الاستيراد الاحتكارية والمحظية استيرادها، ووزعتها المحال الصغيرة والخاصة، أضعافاً. ولم يكن عسيراً على "الاخ" المتعاظم القيادة الخرقاء والمتهورة استثمار عسر الليبيين في خدمة سلطانه: فاستمال اليه المستوردين، أو قوّى روابطهم بإرادته وإنعامه، وحمَّل صغار التجار أوزار النقمة "الشعبية" على المستغلين والعملاء وأنصار النظام القديم، وندد بالحصار الغربي والاستعماري على الشعب الليبي المظلوم وعلى قيادته العنيدة والمقاومة، وجدد العقد بين القيادة الحكيمة وبين الشعب. وأتبع، مرة أخرى، النظر والمقال بالعمل والحال: فأنشأ لجان تطهير ثورية (بديهة)، في 1994، أوكل اليها تعقب الباعة وصغار الوسطاء من "المنتفعين" ومصاصي دماء الشعب (ولولا بقية من جهل أو حياء لقال: الكولالك او لقال اليهود).
ولما عدم كل ذريعة الى استبقاء "الخطة" المركزية، أو "القطاع العام"، وهذا ما كان في 2002 -2003، "حرر"شيخ القذاذفة والمقارحة الاقتصاد كله، وخصصه أو خصخصه. وألقى على عواتق أولاده الكثر، وخواصهم ومحظييهم، أعباء السوق "الاجتماعية"، على قول الصينيين الشيوعيين وقول عبدالله الدردري الخبير الاقتصادي السوري في حكومة العطري الحلبي "التكنوقراطي". فاقتسم محمد معمر القذافي، بكر الاولاد، وسيف الاسلام والساعدي والمعتصم (بالله بعد والده) وهنيبعل (صاحب الفتوحات السويسرية واللبنانية) وعايشة وسيف العرب (الراحل)، مرافق الهاتف النقال والنفط والمصارف وكرة القدم وتجهيزات البنى التحتية ووكالات الاستهلاك العالمية والتجهيز العسكري والنقل البحري والعقارات. وأبلوا جميعاً في المهمات الثقيلة بلاء أولاد الاخوال والاصهرة في بلدان شقيقة أنشأ قادتها، وهم على الدوام فرادى، أجهزة تسلطهم "الى الابد" على مثال "اللادولة".
وعلى هذا، لا ينهض سلطان القائد المزمن والقادة المزمنون الاشقاء، على أجهزة الاستخبارات والامن والقوات المسلحة والعصابات الاهلية، أي على الارهاب والاكراه والعصبية أولاً. وإلا لم يُعقل، ولم يجز فعلاً وعملاً، انتهاء عهود مثل هؤلاء القادة، ولو تصورت نهاية عهد بعضهم في صورة المعجزة الفريدة. فلا أمن بن علي أصابه الوهن، ولا نقص عدد موظفي الامن المركزي المصري، ولا ألغي جهاز واحد من أجهزة الامن السورية الـ19 أو قلصت صلاحياتها في التوقيف و"المقاضاة" والاخفاء، ولا انحسر "الباسدران" و"الباسيج" الوارف عن الايرانيين. فركن الاستبداد المتين هو صدوع المحكومين وتوكيلهم الحاكم، وأهرامات أجهزته ومراتبها، بالنيابة عنهم في تدبير روابطهم ومصالحهم المشتركة، ومرافق معاشهم وعمرانهم، وفي تعريف هوياتهم ومثالاتهم. فيصح في معمر القذافي أنه اشترى من ليبيين كثر حرياتهم وتدبيرهم، "أن لهم"، أي لقاء اعفائهم من منازعاتهم على أي ليبيا يريدون : أي اواصر بين المناطق و"العواصم" التاريخية والاهلية؟ وأي ادارة لهذه الأواصر؟ وعلى أي معايير توزيع وتأليف وتداول؟ وعلى أي مقادير من العوائد؟ وعلى أي توزيع؟ وأي قسمة بين الدولة وبين المجتمع وقواه وجماعاته؟ وكيف يُنشّأ فتيان الليبيين؟ وأي روابط تشدهم الى مواضيهم؟ والى الامم الاخرى؟...
والدولة الوطنية المدنية، في عالم دول أمم غالب، هي الكيان الجامع للمباني التي تضطلع بالمداولة العملية في مثل المسائل التي "أعفى" منها القذافي، وأقرانه وزملاؤه "العرب"، رعاياهم من الخوض فيها، واحتمال اعبائها الثقيلة، الى بعض الوقت (الطويل). وهم لا ينفكون يطلبون إطالة الوقت وتسليفهم الصبر عليهم، على رغم استطالة الوقت هذا عقوداً مرهقة. وأنصار هذه الانظمة حين ينتصبون للدفاع عنها يختارون ما يتراءى لهم منها "مهمتها المركزية"، مثل المقاومة، او التحرير، أو عداء الامبريالية، أو الموقع الاقليمي المفتاحي... وفي الاحوال كلها يرفضون المجادلة في "السياسة"، أي في موضع التهمة الداعية الى الحركة المدنية: كيف اضطلع النظام بمهمته المركزية المفترضة. وكيف عرَّفها وانتخبها؟ وما هي تبعات التعريف والانتخاب على الشعب وأجزائه وعلاقات اجزائه بعضها ببعض وطاقاته؟ وعلى رشده وقيامه بنفسه؟ فالمجادلة في عدد الصواريخ وجفري فيلتمان أقرب تناولاً وأوضح معنى.
الجمعة، 27 مايو 2011
تمهيد الترجمة وتعليق أوَّلي على المترجَم: شعر تسيلان يكتب عمل "ليس" الإلهي وغير الجدلي
والحق أن هذه "الفقرات"، والقول قصائد عنتٌ غير مقبول على ما قد يرى القارئ بديهة، لا يقصد بها غير التنبيه على بعض أصداء شعر الشاعر الروماني الألماني، اليهودي الكتابي "قبل" النسبتين، إذا جاز التقديم أو التأخير في معرض اللغة والعبارة، اللغة العبارة على ما كان هو كتب ربما. ولا سبيل إلى التنبيه إلا من طريق النقل، على رغم أن نقلي عن لغة أصلية لا علم لي بها، ثم عن اللغة التي أقرأها وألم بعض الالمام بها والمنقول إليها غريبٌ غرابة تنم بغرابة الاصل واشتباهه- على رغم أن نقليَّ، على هذا النحو، يقصران عن إخراج الاصداء من شَبَه البكم الذي تصيبها به هذه الترجمة. ولست أغفل عن أن المضي على منطق الاعتذار هذا ينبغي أن يسلمني، من غير عذر مخفف، الى كتمان ما أقرأه من تسيلان، ويتراءى لي أنني أفهمه منه، في صمت أتقاسمه مع نفسي، ولا أثقل به على غيري. ولكنني أعصى المنطق، مرتين في أسطر قليلة، وأصر على نشر ما وسعني أن أقرأ من "ليس وردة أحد". فلعل في هذه الفقرات ما يخون باول تسيلان على وجه يحفظ من الأصل الممتنع عليَّ ما يبعث رغبة في وسع غيري استجابتها أحسن مما أستجيب. فيستجيبها ليس لقضاء وطره وحده، وهذا ما أصنع، بل لقضاء وطر كثيرين، على خلاف صنعي.
أما بعد، فشعر تسيلان، وهو ومباني لغته واحد، توقيع نَفَس، على قوله هو في وسم المجموعة التي تقدم الالماح اليها، "بلورات نفس". وعلى قوله في فقرات كثيرة من "ليس وردة أحد"، وبعضها في المنتخبات التي بين يدي القارئ. والنَفَس يلابس الخلق والكون، أو "الإكانة" (على ما لا تقول العربية) بـ"كُن". ويشترك الخالق والمخلوق في النفس، وفي النطق والقول والكلام، وتخللِ الحروف الساكنة أو الجامدة بأحرف معتلة. وهذا "أقوى" من الخلق "على صورة". ويحمل تسيلان، في فقرة مطلعها قسَم: "والنبيذِ والخسارةِ..." المدونين والحراس على "لغات ذات صور". والنفس، في الخالق والمخلوق، أمارة تقطع وضعف وفرق.
ويقود هذا الى التوقيع، على قول أحد أوائل من قرأوا تسيلان، هنري ميشونيك، هو كتب كتاباً في الشاعر المقيم بباريس. وكتب مقدمة في نقل التوراة العبرية الى الفرنسية، "يونان أو الدلالة المزدوجة"، مثَّل عليه بنقله سِفر "المزامير"، ووسمه بـ"مدائح"، على خلاف تراث يرقى الى 22 قرناً، أي الى الترجمة "السبعينية" الى اليونانية بالاسكندرية في القرن الثاني قبل الميلاد. وذهب ميشونيك الى أن لغة التوراة، في نفْسها وعلى هذا في اللغات التي تُنقل التوراة اليها، ومعاني كتبها واسفارها وآياتها، إنما تؤدي ما تؤديه أولاً على وجوه بسط القول وقبضه، وإرخائه ووقفه. ومثَّل الكاتب على هذا، في مقدمته ثم في "مدائح"، من طريق علامة وقف هي خلاءُ بين الجمل أو مسافة بيضاء. واستأنف مقالته في كتاب جامع "كبير" وسمه بـ"نقد الايقاع".
وكتابة تسيلان الشعرية، في مرآة النص الفرنسي وفي مرآة نظيره الألماني (أو صورة هذا النظير لمن لا يلم بالالمانية، مرة أخرى)، تُعمِل إعمال التوقيع في مباني العبارة، وتسعى في استيفاء التوقيع العبارة كلها. فتطرح الكتابة آلات العمل والوصل والعطف والتعدي، ما وسعها. وتتوسل بعلامات الوقف والتعليق والبدل. ويُعمل مباني غير نحْوية مثل المدح (يقول الطبري في اعراب حركة بعض ألفاظ الآيات: نصبه على المدح)، أو الجوار والتحريك عليه (والمثال الذائع هو: جحرُ ضبٍ خَرِبٍ، والخرب هو الجحرُ وليس الضبُ). ويولي هذا العبارةَ عن المعنى الى النفس، وقوله ما يقول بواسطة الجمع والتفريق. فلا يترجم الشعرُ عن (معاني) النثر، ولا ينقلها الى "لغة" المجازات والاستعارات و"الصور"، على بعض جاري القول. وإنما يباشر الشعر معانيه من غير واسطة، ويطلبها من مباني العبارة، وفي مباني العبارة.
وقد تصلح فقرة "مزمار"، وهي انتخبت وسم المجموعة منها، "ليس وردة أحد"، تمثيلاً على ما تقدم للتو، وربما تحقيقاً له. فالاحالة اللفظية التوراتية صريحة ابتداءً ومنذ الوسم المتصدر. والسطر الأول يردد أصداء الفصل الثاني من سِفر التكوين: "وإن الرب الإله جبل الانسان تراباً من الارض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار الانسان نفْساً حية" (7،2). و"سوّى"، في الترجمة، و"الطين"، هما من الاستئناف القرآني العربي، ومن إحالته. ويتردد في السطر الثاني (وهو من ترجمة لوفيفر) صدى الفصل الاول من سِفر التكوين:" وقال الله ليكن نورٌ فكان نور" (3). وجمعُ القول الى النفخ قرينتُه في الآيتين المتقدمتين. والرميم، محل الغبار، استئناف قرآني كذلك. و"ليس"، في مستهل السطر الثالث، نظيرُ نفي مشخِّص، واقع على شخص أو جوهر هو انسان. أي أن "ليس" هذه ليست حرف نفي، ولا هي كفء "لا". و"ليس أحد: ليست كفء "لا أحد". ومرّ معي في بعض ما قرأت أن وسم المجموعة هو "وردة لا أحد". وهذا زعم غريب ومُطْمئن الى عماه عن صنع تسيلان.
واقتراح "ليس وردة أحد" إنما هو من وحي أو إلهام المبنى الشعري التسيلاني عموماً، على ما مرَّ وصفه. وهو يعوِّل على اجتهاد بطرس البستاني، صاحب "محيط المحيط"، في مادة "ليس". والبستاني ردَّ على قول ابن السراج ان (ليس) "حرف بمنزلة ما". وذهب الى انها "فعل لا يتصرف"، وزنه "فَعِلَ (أي انه لَيِسَ قبل تخفيفه بسكون عينه، الياء). ويحتج بدليل أول من "القاموس" هو "قولهم ائتني من حيث أيْسَ وليس أي من حيث هو ولا هو" وعلى هذا فمعنى "أيْس" هو "موجود"، و"لا أيس" لا موجود. ودليله الثاني هو قياسه على السريانية والعبرانية: "وعندي أن (أْيسَ) في العربية كإيْتْ في السريانية ويشْ في العبرانية موضوعة للدلالة على الوجود (...) و(ليس) لنفي ذلك، كَلُوْ إيْت ولُوْيِشْ". والجمل الأولى من سِفر التكوين الاول تنقلب من القول الى الكون على مثال الخلق المتقدم:" وقال الله ليكن نور فكان نور"، أو: "وسمى الله الجَلَدَ سماءً. وكان مساءٌ وكان صباحٌ يومٌ ثانٍ"، (1-8). فلا يتعدى فعل الكون بحرف جر، كمثل القول: وكان صباحَ يوم ثان، ولا بإضافة كالقول: وكان صباحُ يومٍ ثانٍ، او كان صباحَ يومٍ ثان.
"وكان صباحٌ يومٌ ثانٍ" تفك الصباحَ من اليوم الثاني، واليومَ الثاني من الصباح. فلا قيد على الاثنين، الواحد على الآخر. وهما كلاهما صادر عن مصدر "واحد"، يوجبهما الواحد والآخر، ويجمعهما من غير توحيدهما، ويقرهما على فرقهما، على مثال تمييز الكون (أو الأيْس) من المكونات: فكثرة المكونات او الاكوان او الكائنات تُحمل على حال واحدة أو فعل واحد هي (أو هو) الأيْسية، على قول بعض المتكلمين المتهلينين، أو الكينونة. ولكن هذه الكثرة لا تتعلق بالوحدة تعلق آحاد النوع وأفراده بالنوع (الذئاب بالذئب). فهي تتستر على "شرطها" الزمني وتحجبه. ولكن "شرطها" لا يحضر إلا فيها، ويستتر من القصد إليه. ولعل أصلاً من أصول التمييز هذا هو سؤال موسى الله في سفر الخروج (3، 13 و14):" فقال موسى لله ها أنا سائر الى بني اسرائيل فأقول لهم إلهُ آبائكم بعثني إليكم فإن قالوا لي ما اسمُه فماذا أقول لهم. فقال الله لموسى أنا هو الكائن...". وتفسيره المشكِل والولود تفاسير لا تنتهي الى نهاية: أنا من يصدّق القولَ إنه (هو) من غير تعريف بغيرٍ او فرق أو اضافة.
ويشرح موسى، الآخر" او المثنى، ابن ميمون الافريقي المغربي، في "دليل الحائرين" ("من أهل ملته"، اليهودية الموسوية، وليس من أهل ملتنا السائرة على خط "المرشد"، على قول الناشر المصري في توطئة فصلٍ من فصول الكتاب الذي كتبه ابن ميمون بالعبرية وبالعربية ولم يطبع بالعربية منذ عقود)، فيقول: إنه هو من غير تعريف بغيرٍ أو فرق أو إضافة لأنه ميسم الغيرية، ومعين الفرق، وسند إضافة مرسلة. وكينونته غير جوهرية، ليس على معنى نفي التحيز (في مكان) والحركة والكم وحسب، بل أولاً على معنى امتناع الاحاطة والتعيين والتمثيل وهذه كلها، واحدة واحدة، آلات السلطان اللاهوتية. ويشرح أحد قراء موسى بن ميمون، غداة ثمانية قرون على "دليل الحائرين"، فيكتب إيمانويل ليفيناس:" إنه هو" على غير معنى "الهُوية"، وعلى معنى "الوجه الكريم"، البراني والمرسل لا الى غاية أو حد، وهو وجه (الانسان) القريب والضيف الذي لا ينفك يطالعني في عرائه المتعرض للقتل والناهي عنه، ويهل عليَّ إهلالاً متجدداً لا يأتلف منه مصدر جامع، ولا يُصعد اليه من طريق جدل مركب يلحم ("القالي" أو اللحمة، على قول تسيلان في "جليد، عدن") ما نثره التحليل.
وعلى هذا (إذا جاز القول!)، يكتب باول تسيلان عملَ "ليس" الالهي وغير الجدلي، ويروي "الحادثة" الأم والفارقة في لغتها (لغة ليس) غير الجوهرية وغير السلطانية. وغرابة هذه اللغة أن إعمالها، وهو تقويضها الجوهريةَ والمصدريةَ، لا ينجم عنه انهيار المعنى، ولا تمتنع معه "عمارة ما بين الناس" (ابن جني)، أو أواصرهم وفهمهم بعضهم عن بعض. ويحمل تناول "الحادثة" الفارقة، على هذا الوجه، القولَ على التوسع، ويدعوه الى الهجنة المركبة والمولَّدة. فتكثر الاسماء غير المتصلة إلا بجوار موقوف ولازم (على خلاف التعدي بحرف أو محل أو تقدير): "اللقاح صحراء السموات" ("مزمار")، "البعيد القريب" ("والنبيذِ والخسارةِ")، ولوائح الاسماء والمصادر... وتستوي الحروف، حرف العطف وأدوات الجر والاسماء الموصولة والافعال الناقصة والمشبهة بالحرف، على حدة، منقطعة، بعلامة الفصل والتعليق والبدل، مما تُعطف عليه أو تَعطفه على معطوف: "كان فيهم تراب، و/ كانوا يحفرون"، "كانوا ينحنون"، حين" ("والنبيذ...").
فالعبارة التسيلانية لا تطوي في المعنى المستقر والمفهوم والجامع موادها التي تأتلف منها، على نحو ما تأتلف من عمل المادة الواحدة في الاخرى. وهذا على خلاف العبارة المسرعة الى الطي، والمستقوية بـ"المعنى الهاجم"، على قول عبد القادر الجرجاني، على ضآلة آلات الوصل والتضمين، وعلى المَحال (جوار الصفة والموصوف، ومراتب الاسم والخبر تقديماً وتأخيراً...). فيُفك النعتُ من المنعوت بعد مجيئهما معاً، الواحد بعقب الآخر:" نعناع، جعد، نعناع، جعد،" ("ثالوث، رباع"). ويعلَّق الاسم، شأن الحرف، في حدة تخرج المعلق من تعلقه وإضافته، وتحرره من قيدهما وسلطانهما، ومن حملٍ على "كائن" عرشي يتولى (أو يولى) إعادة المتناثر والمتكاثر والمرسل وجوهاً الى طاعة المُحْكَم وغير المحتمِل أكثر من وجه واحد. وأحسبُ أن على الترجمة التسليم بهذا. فلا تجهر المضمر، ولا تملأ المحل الخالي.
وعلى خلاف الفرنسية (والانكليزية والالمانية) لا تُضَمّنُ العربيةُ الاسمَ، أي صيغة الاسم، النفيَ. فليس في العربية نظيرٌ للفظة "بيرسون". وأتاح اشتباهها، وترجحها بين صيغة الاداة المكمِّلة النفيَ ("ليس هناك أحد") وبين صيغة الاسم (" اسمي لا أحد")، لعوليس في "الاوديسة" الهوميرية التخلص من العملاق ذي العين الواحدة في وسط جبهته. وانتفاء النظير الاسمي والجوهري في العربية، و"العدم" لا يقوم مقامه، يوقع اللَّيسية على مركب من أداة واسم. ولكن "ليس" - على ما يدعو تسيلان، ودعا بطرس البستاني من "قبل" ("منذ" السريانية والعبرانية والتوراتية") ومن وجه آخر- تحتمل صيغة الفعل. فنظيرُ: " كان صباح"، يُكتب: "ليس إلهٌ" في الجملة المأثور: "قال الكافر في قلبه ليس إله". ولو تجرأ المترجم لكتب: "وردة الليس".
مختارات من مجموعة باول تسيلان الشعرية «ليس وردة أحد» أو «وردة الليس
[ 1
كان فيهم تراب، و
كانوا يحفرون.
كانو يحفرون، يحفرون، على هذا
مضى يومُهم، ليلُهم لم يحمدوا الله
الذي- فهموا- شاء هذا كله،
الذي فهموا- عَلِم هذا كله.
كانوا يحفرون، ولم يفهموا من بعد شيئاً؛
لم يصبحوا حكماء، لم يبتكروا أغنية،
لم يتخيلوا صنفاً واحداً من اللغات.
كانوا يحفرون.
جاء هدوء، جاءت كذلك عاصفة،
جاءت البحار كلها.
أحفر، تحفر، تحفر كذلك الدودةُ،
وما يغنّي هناك يقول: إنهم يحفرون.
يا هذا، يا نفِيٌّ، يا غُفْلٌ، يا أنت:
إلى أين يفضي هذا، إذا لا الى جهة؟
آه أنت تحفر وأنا أحفرُ، أحفرُ فيَّ إلى أن أبلغك
على إصبعنا الخاتم يستفيق.
[ 2
والنبيذِ والخسارةِ، و
ثُمالةِ هذه وذاك؟
كنتُ أمتطي (ظَهراً وأركضُ) في الثلج، أنت تَفهمُ،
كنت أمتطي (...) في البعيد القريب، كان يغني،
كانت
ركضتَنا الاخيرة على
أسياج البشر.
كانوا ينحنون، حين
كانوا يسمعوننا فوقهم، كانوا
يدوِّنون،
يَنموِّن بأنيننا
في واحدة
من لغاتهم ذات الصُّوَر.
[ 3
ثالوثٌ، رُباع
نعناع جَعْدٌ، نعناع، جعد،
طالعٌ أمام البيت.
هذه الساعة، ساعتُك،
مُحاوَرتُها وفمي.
والفمُ، وصمتُك،
والكلمات التي تمتنع.
والعَرْض، والضَيِّق،
والأفولات القريبة.
وأنا وحدي، ونحن الثلاثة،
نصفُ موثوقين، نصفُ في المُرسَل.
نعناع جعد، نعناع، جعد،
طالع أمام البيت.
[ 4
كواكبُ لا تحصى كَثرةً، توضع
في متناولنا. كنتُ،
حين نظرت اليكِ متى؟-
في الخارج أزور
العوالم الاخرى.
آه هذه الدروب، (في) المجرات،
آه هذه الساعة، التي أضافت
ثقلَ الليالي
إلى عبء أسمائنا. ليس،
أعلمُ، صحيحاً
اننا حَيِيْنا، أعمى
لم يسْرِ غيرُ نَفَس بين
هناك، ليس-هنا، وأحياناً،
عينٌ صفَّرت مثل مُذنَّبٍ
إلى المنطفئ، في الاخاديد،
حيث يموت الألق، يقوم
الزمان، مُرْضِعةً فاتنةً،
وينبت عليه مذ ذاك، فوقَ،
تحتَ، ما بعد، ما هو
كائنٌ، كان، أو سيكون - .
أعلمُ وتعلمُ، كنا نعلمُ،
كنا لا نعلمُ، ولكننا
كنا هنا، وليس هناك،
وأحياناً، حين
لا يكون قد بقي غير العدم بيننا، كنا نجدُ
واحدنا الآخر تماماً.
[ 5
مع الافكار كلها خرجتُ
من العالم: كنت هنا،
أنت، صامتتي مشرَّعتي، و-
استقبلتنا.
منْ
يقول ان كل شيء ميت
حين تنطفئ عينُنا؟
استقيظَ كلُ شيء، بدأ كل شيء.
كبيرةً، جاءت الشمس سباحةً، واضحتين
روح وروح قامتا بإزائها، جليتين،
آمرتين، سكتتا عن
مدارها.
من غير عناء،
صدرُك انشق، آمناً،
نَفَسٌ أصْعدَ في الاثير،
وما ائتلف، ألم يكن ذاك،
ألم يكن ذاك شكلاً، وخروجاً من نَفْسنا،
ألم يكن ذاك
إذا جاز القول إسماً؟
[ 6
الترعة
فوق الحِداد هذا كله
الذي هو حدادك: ليس
من سماء ثانية.
..........
لقاءَ فمٍ،
كان يحملُ اللفظة على (معان) كثيرة،
خسرتُ لفظة،
كانت بقيت لي:
أخْت.
لدى
ألف وثن
خسرتُ لفظة، كانت تسعى إلي:
كاديش.
خَلَلَ
الترعةِ اضطررتُ الى المرور،
لأنقُذَ لفظةً
أعيدها الى البحر المالح،
أُخرجها، أعبِّرها:
ييزكور.
[ 7
جليد، عدن
هناك بلد: ضائع
حيث يطلع قمر في القصب،
ميت من البرد معنا،
يشع في الجوار ويَرى.
هو يرى، فله عيون،
هي أراضٍ مضيئة.
الليل، الليل، القالي.
هو يرى، الطفلُ العين.
هو يرى، هو يرى، نحن نرى،
أنا أراك، تَرى.
الجليد يقوم من الموت
قبل أن تنطوي الساعة.
[ 8
مزمار
لن يسوّينا بعدُ أحدٌ من تراب وطين،
لن ينفخ أحد القول في رميمنا،
ليس أحد.
الحمد لك، ليس أحد.
حباً بك نريد أن
نُزهر.
لِصقَك.
ليسَ
كنا، ليس نحن الآن،
نبقى زهراً:
ليس وردةَ شيء
وردةَ أحد.
على
نحو الروح الواضح،
اللقاحُ صحراءُ السموات،
تاجُ
لفظةِ الأرجوان الاحمر التي كنا نغنيها
فوق، فوق
الشوكة.
[ 9
كيميائية
صمتٌ، ناضج مثل الذهب، في
أيدٍ
مترمدة.
طويل، رمادي،
مثلُ المضيَّع القريب
وجهُ أختٍ:
كل الاسماء هذه، المحروقة
معها، كل
الاسماء هذه. مقدار عظيم
من الرماد (ينتظر) المباركة. مقدار عظيم
من التراب المضاف
فوق
الخواتم
الخفيفة، الخفيفة جداً
خواتمُ
الأنفس.
طويلٌ. رماديٌ. من غير
زوائد.
أنت، قبلُ.
أنت مع كمِّ (الزهرة)
الشاحب: المشقوق بعضَّة.
أنت في سيلِ النبيذ.
(أنحن كذلك،
هذا البندول صَرَفنا؟
لا بأس:
كلامُكَ، ماراً هنا كان يموت.)
صمتٌ، ناضج مثل الذهب، في أيدٍ
مترمدة، مترمدة.
أصابعُ، دخان ناحل.
مثل أكاليل، أكاليل هواءٍ
حول - -
طويل. رمادي. من غير
أثر.
مَلَكـ -
يّ.
[ 10
لحن أوغاد وشطار غناه بباريس أمبريه بونتواز
باول تسيلان
من تشيرنوفيتش بساديغور
ولكن أحياناً، في أوقات مظلمة، بآدوم
هنري هاينه
في سالف الزمان، حين كان بعدُ هناك مشانق،
كان هناك، أليس كذلك،
ملأ أعلى.
أين لحيتي، أيتها الريح، حيث
دمغتي الصفراء اليهودية، أين
لحيتي، التي تنتفينها؟
أعوجَ كان الدرب، الذي كنت أمشيه،
أعوج كان، نعم،
فهو، نعم،
كان مستقيماً.
الطفل ينـ... نعم!
أعوجَ منحنياً يصير أنفي.
أنفي.
ورحنا كذلك الى فريول.
هنا لكان لنا، هنا لكان لنا.
فشجرة اللوز كانت تزهر.
باندلباوم، باندلماوم
ماندلتراوم، تراندلماوم
حلمُ لوز.
وكذلك العرعر.
ماشاندلباوم، شاندلباوم.
شمعدان.
ينـ... نعم!
أوْم
لازمة
ولكن،
ولكنها تحجم، الشجرةُ. هي،
هي كذلك،
تنتفض على
الطاعون.
الثلاثاء، 19 أبريل 2011
ولادة القضايا والمسائل الطائفية والأقوامية ونظيرها القومي العربي... و "إسقاطهما" معاً
دخلت الجماعات والمجتمعات العربية المشرقية عهد الدولة الوطنية، أو صورتها وبنيانها، واستقرت أو اضطربت على شاكلة كيانات سياسية ومثالها، من باب "الثورة السلبية" (على ما تقدم القول في مقالين سبقا في "نوافذ المستقبل"، 9/1 و23/1/2011). وتلازم الدخول، استقراراً واضطراباً، مع تقطيع أوصال بعض الجماعات الكبيرة، النَّسَبية (الأحلاف القبلية الكبيرة) والقومية (والقوم الكردي مثالها) والطائفية المذهبية (مثل الروم الأرثوذكس والمَلَكيين والدروز والشيعة الإمامية الإثني عشرية، وقبل هؤلاء وأولئك أهل السُّنة). فحُملت الجماعات العريضة والمنتشرة في عدد من الولايات وبعضها نازل على الحدود الجديدة بينها وقد انقلبت حواجز بين الدول، وبعضها الآخر نازل في أنحاء متفرقة من الولايات السابقة حُملت الجماعات الأهلية هذه على انقطاع بعضها من بعض. وهي كانت الى الأمس القريب قوية العلاقة، أو العلائق والأواصر، تروح وتجيء في حمى السلطنة الواحدة وولاياتها المتصلة، وديراتها المستقلة. والحق ان الاستقلال والاتصال نجما عن غلبة الجماعات على ديراتها وبلادها ونواحيها، وتدبيرها (أهالي) الديرات والبلاد والنواحي بموجب أعرافها وسننها وتقاليدها الغالبة. ولم ينجم الاستقلال والاتصال عن شراكة سياسية، ولا عن التزامات إدارية أو مصالح قضت بتسوير دوائر الإمَامة والإقامة، ورفع "المسالح" والحصون على طول خطوط الدوائر المرسومة والمعروفة.
[الملة المتصلة والواحدة
فقطعت الحدود السيادية الجديدة، والكيانات السياسية والإدارية الوليدة، أواصر وروابط الجماعات الأهلية والأقوام. وخلفت في نخبها القديمة والناشئة المولودة من الإصلاحات والإدارات والتجارات والمواصلات على وجه الخصوص، جروحاً وندوباً كان لها الأثر العميق في "سياسيات" الجماعات والنخب معاً. فالإدارة السلطانية العثمانية ساست الجماعات الأهلية المتفرقة، من قبائل أو عشائر وأهل مذاهب وملل دينية وأقوام (أو قوميات)، بسياسة سلطانية أو امبراطورية مشتركة تقريباً أقرت لها بروابطها وأواصرها، وبوحدتها وانفصالها، وأوكلت الى هيئاتها وأسلاكها ومراتبها الخاصة الولاية الداخلية عليها، ورعاية دوامها على سننها وأعرافها وتقاليدها والتحكيم في منازعاتها. ولقاء الولاية والرعاية الداخليتين اضطلعت الهيئات والأسلاك والمراتب، بنواحي السلطنة القريبة أو البعيدة، بأداء فروض الولاء والطاعة للسلطنة، سلطاناً ووالياً ومتصرفاً، الى آخر مراتب السلطنة الإدارية والسياسية المحلية. فتخللت الولاءات النَّسَبية والمذهبية والقومية الكيانات والأبنية الإدارية والجغرافية (البلدانية) والاجتماعية (البوادي/ الأرياف، البوادي/ المدن، الأرياف/ المدن).
فكان الدروز، على سبيل المثل، في الشوف ووادي التيم والجولان وحوران، وهذه نواح انضوت من بعد في أربعة كيانات سياسية وتقاسمتها ولايات متقلبة العدد (وإمارة ومتصرفية وإمارتان) ومختلفة العرض، كانوا في الأثناء "أمة" واحدة أو ملة متآصرة ومتكاتفة على اختلاف بلادها ومنازلها وجيرانها. وترتبت على الآصرة الملية والأهلية القوية والمقيمة، على رغم تفرق البلاد والإدارة والجوار، نتائج ذات شأن بالغ. فكانت الجماعة المذهبية والنَّسَبية، والوجهان متضافران، واحدة في نزاعاتها المتفرقة والمختلفة. فإذا تصدى دروز اللجا الحوراني، الفلسطيني والأردني والسوري، لجند ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا، نائب السلطان على مصر، وهو (ابراهيم) في طريقه الى عاصمة السلطنة في النصف الثاني من ثلاثينات القرن التاسع عشر، عازماً على الاستيلاء عليها قبل ان يقطع عليه الجوق الأوروبي الطريق (في كوتاهية 1838) فرق اجتماعه ساقة ابراهيم أو الشطر الخلفي من جيشه. وجاءت المقاتلين النجدة من الجولان القريب ومن الشوف الأبعد. ووسع من شاء منهم الالتجاء الى بعض أهله في أي بلد يختاره من بلاد الملة الواسعة.
والهجرة، جماعةً، من ديرة الى ديرة في أعقاب هزيمة عسكرية، أو محنة أو فتنة، دأبُ الجماعة، على صورة هجرة الجناح اليمني من دروز الشوف، غداة كسرتهم بعين دارا في أوائل القرن الثامن عشر، إلى حوران والجولان. وقام الدروز كتلة على الجيش الفرنسي في النصف الثاني من عشرينات القرن العشرين. وهرب بعضهم الى بلاد بعضهم الآخر. وشفع بعضهم ببعض عند أهل القوة. وهم، في الأحوال كلها، يتزاوجون ويتزاورون. ولا تحول موالاة بعضهم أولياء أو حلفاء متخاصمين أو متعادين، على ما هي حال إسرائيل اليوم بإزاء دروز لبنان ودروز سوريا، من دوام المودة والتآخي بين أجزاء الجماعة المتصلة. فيسع الجنود الدروز في صفوف الجيش الإسرائيلي المحتل في 1982، والمرابط في الشوف، زيارة الأهل المحليين والخطبة والزواج من غير أن تفسد الحرب مودة الأهل. ويسع، من وجه آخر، المقدم الجنبلاطي مناشدة أهل ملته الفلسطينيين، "العرب الإسرائيليين"، ترك الانخراط في الجيش الإسرائيلي، فلا يحمل الأهل المناشدة على عداوة أو ضغينة، بينما يتصور انخراط لبنانيين مسيحيين أو شيعة في صفوف ميليشيا محلية أنشأها الاحتلال الإسرائيلي، في صورة جريمة لا يلغيها تقادم الزمن.
[جامعة الأجزاء
والدروز ليسوا بين الجماعات الأهلية المشرقية، حالاً على حدة. فالجماعات المسيحية العربية من غير الأرمن والأشوريين والكلدان والسريان (وهؤلاء جماعات ملية وقومية)، ومن غير الموارنة، جمعت بينها كنائس بطريركية مستقلة رأسها منها، ومن اكليروسها. ومعتقداتها تحدرت إليها من تاريخها العريق، ومن المطارحات والمناقشات والخلافات اللاهوتية والتنظيمية التي هزت "الشعب" المسيحي المشرقي بين بيزنطية "والجسر" (على البحار الثلاثة) شمالاً وبين بلاد القبط جنوباً وبين النهرين شرقاً في القرون الطويلة الأولى من المخاض الكنسي. ولم تشذ عن هذا الكنائس "الكاثوليكية" المتحدة، أرمنية كانت أم كلدانية... والجماعة الأرثوذكسية، من بين الجماعات الملية القومية، هي الجماعة المسيحية العربية الوحيدة ربما التي تجمع العروبة التاريخية والثقافية والبلدانية إلى التنظيم الإقليمي المستقل، على رغم روابط قديمة بالفنار البيزنطي فالعثماني، وروابط أضعف بالبطريركية اليونانية. فلما انقلبت الولايات السابقة، بعد دمج بعضها ببعض وتقسيم بعض آخر، كيانات سياسية وقانونية (وإدارية واجتماعية واقتصادية) مستقلة تقطعت أواصر رعايا الكنيسة الأرثوذكسية، وهم مواطنون في الكيانات الطارئة.
وإذا أقامت الأجسام الكنسية المتفرقة على هياكلها ومراتبها، وعلى أسقفياتها وليتورجياتها ومعتقداتها بديهة، فالحق أن الحال ا لسياسية والكيانية الجديدة لم تعدم أثراً عميقاً في وجدان الجماعات الديني والتاريخي معاً. ولعل هذه الحال أثرت في الجماعة الأرثوذكسية العربية فوق ما أثرت في الجماعات الملية والقومية الأخرى. فعلى خلاف هذه، انتشرت الجماعة الارثوذكسية العربية في الأنحاء العثمانية، والبيزنطية قبلها، كلها. ولم يبقَ لها موئل أو معقل غالب، على نحو المعقل الأرثوذكسي الأرمني بشرق الأناضول، أو الموئل اليوناني على ساحل إيجه، أو الحمى الأشوري بوسط العراق الشمالي، أو المعقل الماروني بشمال لبنان ووسطه الشمالي. فأقامت على انتشارها الضعيف، وعلى تخللها الجماعات السنية العربية، الغالبة على السكان. فكان الهيكل الكنسي البطريركي، في إطار الولايات السابقة وحدودها السياسية والقانونية الرخوة، هو جامعة أجزاء الجماعة الاعتقادية.
فلما تماسكت الحدود السياسية والقانونية الوطنية بعض الشيء، نشأت مصالح سياسية واقتصادية عن الأطر الإدارية والجغرافية الطارئة، متباينة. فشبكات التبادل والتجارة والانتقال القديمة والمستقرة منذ زمن بعيد، وهي شبكات ربطت بين الجماعات والبلدان على قدر ما ربطت بين البضائع والسلع والأسواق، تقطعت. واضطرتها الحدود الجغرافية والسياسية، ومكاتبها الجمركية وحسبتها على الاستيراد والتصدير وحصصهما ومصادرهما وعلى التهريب، ومراقبتها الأمنية، اضطرتها الى تنظيم شبكات تداول جديدة، وإلى دعم سلع والتخلي عن أخرى، ومراعاة مصالح "الحمايات" الأجنبية الغالبة. فتضافر التقطيع والتضييق الجديدان، مع غلبة مصالح الدول المنتدبة وتحطيمها وسائل الإنتاج وأنماط التبادل السائدة من قبل، على رمي الشبكات القائمة وأهلها، في أزمات متناسلة ومزمنة. وولد بروزُ شبكات ناشئة أصحاب مصالح جدداً نازعوا المتربعين في سدة المصالح الآفلة على مكانتهم وعوائدهم. وعزلت الحدود الجغرافية والسياسية الوطنية الناشئة الوحدات الأهلية، الملية، بعضها عن بعضها الآخر. وفوق هذا، وأشد فداحة منه، نصبت الكيانات الوطنية أجزاء الجماعات الدينية والأهلية الجزء بإزاء الجزء، وليس الكل المنتشر بإزاء كل منتشر غيره. فألفت "الأبرشية" الأرثوذكسية في الكورة نفسها، وقد انقطعت من بطريركيتها "الشامية" والعثمانية العريضة والواسعة، بإزاء الكتلة المارونية اللبنانية بل الأنطاكية "الساحقة" كلها، على ما روى إميل شاهين الى محمد أبي سمرا اخيراً ("النهار"، 16/1/2011). وعظَّم فداحة الأمر "الوجودية" اندلاع الصراع على المحل الأول في الدولة الجديدة، وكان (الصراع) مقتصراً على المحل الثاني أو الثالث في الإطار السلطاني أو الامبراطوري. فشحذت الحال الجديدة النعرات، وصوّرت الحال السابقة في صورة فردوس "وحدوي" ضائع. وتنطحت الجماعات الصغيرة والقليلة العدد الى التمثيل على الكل الواحد والاوسع. فسوغت المكانةَ القائدة التي تصبو اليها الجماعة من طريق تعظيم القضية التي تضطلع بالدعوة اليها. وعلى هذا، تديّن أنطون سعادة وميشال عفلق الارثوذكسيان، مولداً ونشأةً و"جلداً معنوياً"، بدينين قوميين يشبه واحدهما الاخر عصبية وأسطورية دمويتين. وحُمِّل الكيان اللبناني، ودعاته الموارنة وهم كثرتهم الكاثرة في الدولة "الكيانية" التي ضوت حدودها، من قنوبين شمالاً الى يارون وعين إبل ويارين جنوباً، كتلتهم الغالبة المسؤولية الداخلية عن تقطيع "سايكس بيكو" الخارجي ومبضعه الجراحي.
وعلى هذا، فالإنكار الأرثوذكسي، شأن الإنكار الدرزي ونظيره السني، في فلسطين ولبنان والأردن وسوريا والعراق (على وجه آخر)، على الكيانات والدول الوطنية المشرقية أو العربية عزلتها، أو "انعزاليتها"، وطائفيتها، إنما تصدر ("الإنكارات") عن بواعث ملية وسلطانية (امبراطورية) فوق صدورها عن باعث قومي سياسي. فما تنكره نخب أرثوذكسية، اجتماعية وإكليركية وثقافية، قومية سورية وبعثية على "التجزئة القطرية"، أي على الدول الوطنية المشرقية، هو تصديعها الحيِّز السلطاني المتصل الذي لاذت به زمناً طويلاً الجماعات الملية المتماسكة. وتنكر تقطيع الدول أجسامها الملية، وامتحانها مصالحها المستقرة ومكانات أعيانها الموروثة والمزمنة. فالدول الوطنية لم تقطع أو تجزّئ جسماً سياسياً متصلاً وجامعاً فهذا الجسم لم يكن قائماً وهو يفترض بنية سياسية وأحوالاً اجتماعية غير معروفة ولا تزال غامضة الى اليوم -، بل قطَّعت وجمعت جماعات أهلية ومللاً وأقواماً وولايات ونواحي متناثرة، ومنكفئة على العموم، تربط بينها رابطة السلطنة (وهذه ليست "لا شيء") الفوقية والمرتبية والائتلافية (الكونفيديرالية). وأرسى التقطيع والجمع الكيانيان والوطنيان موازين قوة ومكانة ومصلحة لا عهد للجماعات بها، واقتضت منها جهود تكيف مادية ومعنوية عظيمة وثقيلة، ورتبت عليها منازعات وانقسامات داخلية مريرة.
[النداء الملي
ولم تستو الجماعات على قدم واحدة بإزاء التقطيع والجمع الكيانيين. فلما اجتمعت كتلة الموارنة الكبيرة والراجحة في لبنان، وضوت الدولةُ الوطنية معظم أجزاء الكتلة، استقوت هذه بالدولة واستظهرت بها، وقامت منها، ومن جماعاتها، مقام "الطبقة الحاكمة" أو "الأمة"، على المعنى الجرماني (وهو قريب من الحال العثمانية وقبلها المملوكية). فاجتمعت الجماعات المذهبية الأخرى على كراهيتها والضغينة عليها. ولم يكن لشيعة لبنان "الكبير" تتمة ملية وأهلية بفلسطين أو بسوريا، البلدين المجاورين. فلم يكابدوا آلام "التجزئة" والانعزال، ولم يعانوا تباريح الاتصال، على ما سمي النازع الوحدوي السوري في ثلاثينات القرن الماضي اللبنانية. وبقوا "كيانيين" على قدر ما، وعلى ما ظن فيهم الوحدويون، الى أن حمَّ القدر الفلسطيني، وفي ركابه الأقدار الإسرائيلية والسورية والإيرانية. وعلى رغم اجتماع الأقدار هذه، وغلبة الجوار السوري والعامل الفلسطيني من قبل، لم تستفق الأهواء الوحدوية إلا استجابة لنداء ملي، مصدره التشيع الإمامي الإثني عشري وسيطرة جهازه العلمائي "الإكليركي" على الدولة الإيرانية. وأقام شيعة العراق على عصبية مذهبية واجتماعية ("يسارية") ما بقيت العصبية السنية والعربية الشريفية (نسبة الى أنصار فيصل ابن الشريف الحجازي المكي حسين) غالبة. فلم ينتسبوا الى عروبية نشطة، وفرقت بينهم وبين الجوار الفارسي الإيراني عصبية دموية وتاريخ من الغزوات والغارات والمجازر يرقى الى القرن السابع عشر.
وغلبت العرب السنّة على سكان المشرق، عدداً وسطوة واجتماعاً وتاريخاً وثقافة، ناطت بهم قبل غيرهم، وفوق غيرهم، "القضية القومية" على وجهيها، انفصالاً وطنياً واتصالاً واتحاداً أهليين وقوميين (والأدق القول: أهليين قوميين، من غير انقطاع ولا عطف. فالقومية بهذه الحال ليست منفصلة عن الأهلية، ولا عن صورة الحلف العريض). فهم وجدوا أنفسهم، فجأة، في مقابلة جماعات وأقوام استتبعوهم طويلاً في سلطناتهم، ودان لهم هؤلاء بالطاعة، فمحضوهم الحماية والجوار الآمن. وتولت الاستتباع طبقة عسكرية احترفت الحرب والرئاسة والجباية لقاء تسليمها بالشريعة الإسلامية معتقداً وقانوناً ناظماً لمعاملات المجتمع، وبإدارة مجتمعية ذاتية يتولاها سلك الفقهاء والعلماء بالتكافل والتضامن مع أهل التجارة ومشايخ "العشائر" والخطط والقرى. فاتصلت نواحي المشرق، الى مصر جنوباً وكيليكيا والأناضول شمالاً فقابادوقيا وتراقيا العثمانيتين من بعد، من غير انقطاع ظاهر. وتماسكت ديراتها ومدنها ومزارعها وقراها وطرق تجارتها وحجها من طريق "طبقتها" الحاكمة والسلطانية. وهي بنيتها الفوقية. ومن طريق فقهائها (ومحاكمهم ومذاهبهم) وتجارها (وقوافلهم ووكالاتهم وقراباتهم وحوالاتهم) وأعيان عشائرها (وأعرافهم وأطر اجتماعهم). وهم وهيئاتهم بنيتها التحتية. ونهض اتصال نواحي المشرق و "وحدته" على تقسيم أدوار واختصاص: فعادت "الحرب"، وهي لب السياسة وركنها، ومتعلقاتها المباشرة وغير المباشرة، الى "أولي الأمر"، واختصت "الرعية" بأداء الضرائب والأخرجة والأعشار والجزية والطاعة، على قول محمد علي الأرناؤوطي الى الشيخ عمر مكرم نقيب الأشراف الطالبيين بالقاهرة عشية استيلاء الأول على حكم مصر، و "عزله" الثاني.
والوحدة على هذا النحو، أي ائتلاف الجوار ائتلافاً رخواً ومرناً لا إلزام فيه غير ذاك الناجم عن تقسيم عمل مصلحي، تترجح بين قطبين: قطب سلطاني (امبراطوري) فوقي، وقطب أهلي (ديني عرفي واجتماعي معاشي) تحتي. ويتخلل القطبُ الآخر، ويلزمه الإلزامات ويقيده، بحسب ميزان القوة والمصلحة والظرف، وذلك من غير ان يجري التخللُ والإلزام والميزان على سنن أو قواعد معروفة وثابتة تخول "المتضرر" الاحتجاج بها أو الاحتكام إليها. وهذه، أي السنن والقواعد، تنشأ عن عقد سياسي لم يكن تبلور بعد. وحين تعاقبت الحوادث الدولية والعثمانية والوطنية المحلية على بلاد المشرق (أو الشرق الأدنى، في المصطلح الاستراتيجي والجغرافي السياسي الفرنسي)، وتفتحت المنازع "القومية" الاستقلالية المحلية وقويت، أقامت الجماعات وأصحاب المنازع هذه من رؤساء الجماعات وأعيانها ووجهاء الصف الثاني والثالث على قسمة القطبين، السلطاني الجامع من فوق والأهلي المؤتلف من تحت. واستمرت الجماعات، ومنازعها، على الترجح بينهما.
[أمم الولاية
وَوَلدت القسمة القطبية من غير عقلها، وَوَلد الترجح بين حدّيها، القضية (والأدق: القضايا) القومية والمسألة (والأصح: المسائل) الطائفية أو الملية على الوجوه التي وُلدت عليها المشكلتان أو المسألتان واستمرتا عليها، على هذا القدر أو ذاك، الى اليوم. فبقيت "القومية" شعوراً أو "تذكراً"، على قول إدمون رباط وميشال عفلق، وحركةً، على قول جمال عبدالناصر، كناية عن الذوبان البركاني أو تدفق السيل الذي يطيح الترع والمجاري ويكسرها. وبقي شرطها وقوامها ولاءً ومبايعة يتولاهما الجمهور، وهو على نقيض أحواله الأهلية والعصبية الأساسية والتكوينية. ومن غير رسو النقض المفترض، والناجم تخيله وتوهمه عن خروج "طبقات" المتعلمين والموظفين ومزاولي المهن الحرة والمكتبية الجدد عن أحوال أهلهم، على معاملات وأبنية اجتماعية وسياسية وثقافية متماسكة ومختبرة.
ويبايع الجمهور ويوالي وليَّ أمر يمثل في نفسه نسباً ودماً (فيصل بن الحسين)، أو انتساباً تاريخياً (عبدالناصر ووحدة "الإقليمين" المملوكية)، أو دوراً جوهرياً (ياسر عرفات وحبل السرة الفلسطيني)، أو فتوة فروسية وحربية (صدام حسين وبوابة الأمة الشرقية)... يمثِّل على الفكرة والقضية القوميتين، ويجسدهما تجسيداً مقدساً أو حراماً (ذا حرمة تحظر التحفظ والرأي والمنازعة والمداولة). وليس في الجسم السياسي، وبالأحرى ألا يكون في رأسه ما يستبقي أثر تركيب أو كثرة أو تفاوت تصف الجمهور المبايع والموالي وتعيِّنه وتعرّفه. فسند "الولي" على معنيي ولاية الأمر والسلطان، وحرمة الكرامة أو "البطولة" هو عروة، أو رابطة، أو روح "لطيفة" تحوم في فضاء المشرق العربي، وتشد، وهي في عليائها الأثيرية، كتل البلاد والأقوام والجماعات المنكفئة، وتنفخ فيها لحمة متينة تعصى حوادث الزمن وفرقته وتبديده. وتستيقظ الروح، أو تتنبه وتستفيق على قول "الشاعر" اللبناني الصارخ، في الملمات، وبإزاء موت الأمة الوشيك عن يد الأجنبي القاطع، الفرنجي الصليبي أو المغولي التتري أو المستعمر الأوروبي أو الصهيوني الكياني والأميركي. وقرين هذه ووليدها هو الطائفي الأقلوي والشعوبي الدخيل والمولَّد. وعلى هذا، لا تحتاج الروح القومية، ولا "الدولة" القومية أو "دولة الوحدة" من بعد الى حركات سياسية وطنية وبلدية محلية تنزع، في إطار دولها ومجتمعاتها الوطنية أولاً، منزعاً "قومياً" مشتركاً، وتنحو نحواً مركباً يمثل على الجمع بين المستويين المفترضين والتأليف بينهما. فما تحتاجه هو جَبُّ الطائفي الكياني والشعوبي الدخيل والمولَّد، وسحقُه. ولا يبلغ الجب أو السحق غايته إلا حين الانتصار على الرأس الاستعمارية والإمبريالية، وقطعها مجازاً، وفصلها عن "شعوبها" المسالمة و "المحترمة"، على قول بعض الإيرانيين الخمينيين اليوم.
فما أقامت الجماعات الأهلية، وهي بلدانية محلية واعتقادية وقرابية معاً، على اتصال شبكاتها في إطار السلطنة أو السلطنات، قبل الكيانات الوطنية، وما مضت على استقرار تقاليدها وعلاقاتها بين ابعاضها وأجزائها و "أبرشياتها" في الكنف الديني والقومي المختلط والجامع، بقيت المسألتان، المسألة القومية العروبية والمسألة "الطائفية" (والأقوامية) الكيانية، خافتتين بعض الشيء. والحق أن الكيانات الوطنية المشرقية التي نشأت وأنشئت غداة الحرب الأولى، وفي أعقاب نحو 80 عاماً على "التنظيمات" العثمانية، وعلى احتداد المنازعات الأوروبية الإمبريالية في إطار العولمة الأولى، فجّرت المسألتين، وربطتهما الواحدة بالأخرى برباط وثيق ومزمن غلب على العلاقات السياسية داخل الكيانات، وعلى علاقاتها الإقليمية الواحدة بالأخرى. وغذى الرباط الوثيق والمزمن هذا إيديولوجيات محمومة ومعاملات عنيفة حوّلت المسارح السياسية الداخلية والإقليمية ميادين حروب أهلية مستترة مضمرة أو صريحة فاحشة.
فبين الكيان الأهلي والعصبي الداخلي (ما قبل السياسي أو تحته، على سبيل الاستعارة) وبين السلطنة القومية المفترضة التي أُوكل إليها التمثيل على الدولة "الأمة" المرجوة (ما بعد السياسي أو فوقه)، خلت المجتمعات "السياسية" من حلقة وسيطة تفتح الكيانات الأهلية والعصبية ومنازعاتها على الدولة الوطنية المشتركة من وجه، وتغرس الإطار السلطاني في أرض الدولة، من وجه آخر. والأمران كانا يقتضيان إبطال نازع الكيانات الأهلية الى الانفراد بمكانة عصبية الدولة المستولية ومحلها، وإلى إرساء الدولة الوطنية، المؤتلفة من جماعات أهلية متقطعة، غالباً، على المُسكة العصبية. ولكن "الدول" الوطنية المستجدة والناشئة ضوت جماعاتها، أو كياناتها الملية وأقوامها (وأوَّل هذه الأقوام القوم الكردي العصي)، على معيار عصبي مترجح. فنصبت "الدولة" السورية الدروز والعلويين وسنّة الشمال العرب والأكراد، في وجه كتلة الوسط السهلي والمديني السني، كيانات قد لا تنازع الكتلة العتيدة، والغالبة على مجتمعات المشرق، الغلبة، ولكنها تقيد غلبتها، وتطعن في ميزانها ودعواها. وفي إطاره بلغ التفاوت الملي والطائفي ذروةً أورثت المسألتين الطائفية والقومية حدةً داميةً مريرةً ومزمنة. وأخرجت "الدولة" الوطنية اللبنانية الناشئة بعض الكتل المسيحية المجتمعة، أو الأكثف اجتماعاً في المشرق، من انبثاثها في الأرجاء العربية والإسلامية، وخصتها بكيان سياسي تنازعه نازعا الانعزال (أو الانفصال، على ما سمي أولاً) والاتصال ("الوحدوي") قبل ولادته الديبلوماسية.
وتوجت الإمارة الأردنية الهاشمية جسماً عشائرياً، أقرب الى التجانس الاجتماعي والأهلي، ولكن لا مُسكة له من داخل، وبغير تاجه الأميري فالملكي الخارجي، شأن "الوحدات" أو الأحلاف القبلية. فكان الجسم العشائري، قياساً على الكيانات الوطنية والمشرقية المجاورة، أمتنها وأعصاها على المنازعات الأهلية. وهذه طرأت عليه مع التحاق اعداد كبيرة من الفلسطينيين به ولجوئهم إليه، ومع اشتداد عودهم الأهلي، ورفضهم الصيغة الاتحادية أو الفيديرالية التي اقترحها عليهم، متأخراً، العاهل السابق. ومثلت فلسطين الانتدابية، وهي اختتمت حقبتها أو مرحلتها هذه بتقسيمين، على مأساة الترجح بين الكيانات الأهلية ويبن السلطنة القومية المفترضة. فأفضت العروبة الأهلية والعصبية الى ضم الضفة الغربية إلى (ما استوى) مملكة هاشمية أردنية (جراء الضم)، وإلى الإنكار على الأهل الفلسطينيين وطناً وكياناً سياسيين بذريعة "الدولة الأمة" القومية ولائحتها في الأفق. وعلى هذا، أفضى التقسيمان الى حربين "أهليتين" مزمنتين، غير متكافئتي الصفة، فلسطينية إسرائيلية، وفلسطينية أردنية. وأفضى طيف السلطنة العروبية الجامعة، وانفجار المسألة أو القضية الفلسطينية، رافد الطيف الأول والنافخ شبه الروح فيه مذذاك، أفضيا الى معمعة نزاعات وحروب اختلط فيها الأهلي العصبي بالوطني "القطري"، والعروبي القومي بالإقليمي ودوائره الظرفية والمتباينة. وفاقم العراق، حيث الميزان الشيعي السنّي والميزان العربي الكردي متشابكان بالميزان العشائري المديني والريفي، تعقيد المسألة الوطنية والسياسية. ويقتضي هذا معالجة مستقلة.