الأربعاء، 1 يونيو 2011

"حرائق" وجدي معوض... مسرحية وفيلماً: التوأمة الرحمية باعث على عنف يلجمه التعاهد

المستقبل - الاحد 8 أيار 2011


قد لا يحتاج تقريب "حرائق" عمل وجدي معوض المسرحي (2003) فالسينمائي (2010 اخراج دوني فيلنوف، وتعرضه صالة ميتروبوليس ببيروت منذ نحو شهرين) من المسرح اليوناني القديم ومآسيه وفواجعه المتعاقبة الحلقات ادراج الكاتب اللبناني الكندي نفسه "حرائق" في رباعية كان كتب منها، قبل عمله هذا، "ساحل" (1997)، وأوشك على كتابة الجزء الثاني والثالث "سموات"، على ما روى وأخبر في توطئة الى عمله المطبوع (نشر ليمياك، اكت سود- بابييه، 2003-2008، مونريال وفرنسا). وهو وسم التوطئة بـ"عزاء صارم". ولا يقع القارئ المتصفح على "سموات" المزمعة في لائحة أعمال الكاتب المسرحية المطبوعة. ولكنه يقع على اعمال تالية زمناً، مثل "ويلي بروتاغوراس في المرحاض مسجوناً" (2004) و"غابات" (2006) و"عطاشى" (2007). وكلها نشرتها دارا النشر الكندية والفرنسية في الاعوام المدونة.
ووسم العمل التالي، او الجزء الثالث (؟)، بميسم أوسع الفلاسفة السفسطائيين اليونان شهرة، بروتاغوراس (وهو اسم على محاورة من محاورات افلاطون السياسية والخطابية الكبيرة)، يحمل على التقريب الشكلي والصوري هذا، على رغم الحال الساخرة، السجن في المرحاض، التي يتناول عليها العنوان ُالفيلسوفَ السفسطائي والديموقراطي اليوناني. والحق أن الاشارات والتوريات اللفظية، وترجحها بين وجه المأساة وأقنعتها الصارمة وبين أوضاع أو أحوال يومية وبدنية وحيوانية، تدعو القارئ والمشاهد من بعد الى توقع ترجح وازدواج لا يقتصران على ألفاظ العناوين، وتورياتها وكناياتها واضدادها. وحين يفاتح الكاتب المسرحي قارئه، قبل مباشرة المسرحية والمحاورة والتشخيص، بمناط عمله، وهو التفكير في الاصل والمصدر والمنشأ والتكوين، انما يدعوه تلميحاً الى انتظار مزيج لا تتخلص مواده الاولى وخيوطه من أقدار ومصائر مستغلقة وسابقة، ومن دواعٍ وبواعث تتصور معانيها في الانفس والعقول ولكنها لا تشفي غليل الاسئلة أو السؤالات على قول سعيد عقل، "الصارمة"، وتتركها معلقة الى وقت أو حين.
وحين يرضخ معظم الناس، كتاباً وفنانين و"عواماً"، غداة الحروب العاصفة، الاهلية والخارجية، الى تناول حروبهم الممضة والمريرة على وجه الدواعي والبواعث والمعاني النفسانية والمعقولة، وهو الشق الثاني من المزيج، يقتفي وجدي معوض، وَجِلاً وهيَّاباً ومعتذراً، خطى السلف اليوناني والتوراتي الكبير. فيسأل عن "الدم" الذين يتوارثه في عروقهم المولودون من الحب والاشتهاء، ومن ضغائن أهلهم وأمهاتهم، معاً. ويقتص آثار الاسماء والالقاب والعلامات، المحفوظة والمهملة، في المصائر والاحوال، المقسومة والمختارة. وينسب الشر، في صيغة تتعالى على الجمع والآحاد (الشرور والمظالم)، نسباً منقطعاً ومرفوعاً، على قول أصحاب الحديث، الى أصل من غير ابتداء. ويحتج لزعمه بـ"وعد"يلتزمه أصحابه، وتورثه الامهات أولادهن أو بناتهن على وجه الخصوص. ويشهد على الوعد والوصايا أهل القانون (الكاتب العدل) في قلب فوضى عظيمة تصيب الولادات والمواريث، وتخلط الدماء والارحام خلطاً ذريعاً.
ولكن حمل المأساة، ومعانيها الآبدة، على وجه الجد، اليوم وفي عصرنا أي منذ القرن السادس عشر أو السابع عشر على التقريب، يلقي بصاحبه المتزمت المقلد والسلفي، في كوميديا المساخر. فيحاكي محاكاة مصطنعة وآلية سِمْتَ ما يحاكيه وظاهره، ويكشف عن ازدواج الروح والجسم حيث كانت المُسكة البديعة آية العبارة ومجلاها، على ما يصنع أهل السلف كل يوم في داوئر الدين والدنيا. ولا يبلغ الكاتب اليوم من المأساة اذا هو غفل عما غفل عنه الابله في "زرادشت"، ومضى على حسبانه ان الآلهة لا تزال تقيم بين البشر وفي ظهرانيهم، لا يبلغ إلا ما يبلغه مجددو شعراء العربية المعاصرون من "الشعرية"، على قول بعض أعلامهم وببغاواتهم العالمة. وهو، في معظمه، مضحك ضحكاً آلياً وتلفزيونياً مضجراً. ولا يشفع له تقنعه بأقنعة "القضايا" الكبيرة، والهموم الثقيلة والمصيرية، وتذرعه بها الى التستر على أساطير ومنافع ومراتب عصبية وبائدة.
الشعيرة والبذاءة
فعمد وجدي معوض، في سبيل تبديد شهية المأساة الساذجة والخطابية، الى حبكة بوليسية وقصصية، أو خبرية، أوكل اليها النهوض بعبء السعي في اقتفاء الاصل، والتحري والاستخبار عنه. فلم يوقف على باب مدينة طيبة التنينَ، أو أبا الهول المصري، وسؤالها الملغز والمستغلق عن "الانسان" على قول الفيلسوف الالماني الاشهر (من الكائن الذي يحبو صباحاً على أربع قوائم ويمشي ظهراً على اثنتين...؟)- ولم يَجْزِ العجز عن الاجابة بالقتل. ولم ينشر الطاعون والموت في طيبة نفسها غداة نحو عقد ونصف العقد على قدوم أوديب ذي القَدم الملتوية المفصل، وحله لغز التنين، ورفعه الحصار والقتل عن المدينة، ودخوله اليها وبملكتها، أمه، من غير أن يعلم. والدخول بالملكة هو جائزة المنقذ العتيد.
ولكن كاتب المسرحية، وهو خلَّف وراءه فتىً طاعون حروب الاهل العربية المتناسلة ومسرحَها اللبناني الاثير والمزمن وسافر مع أهله المهاجرين الى فرنسا فكندا، استعاد معظم وقائع الخبر اليوناني. فاستهل خبره بلغز هو وصية الام الراحلة، نوال مروان، الى ولديها التوأمين جانْ (حنة، مؤنث حنا، جانْ التي تلفظ في الفرنسية من غير التلفظ بالالف والنون) وسيمون، سمعان، مروان. وشهرة الولدين هي شهرة الام، على ما ينادى الناس يوم الحشر ستراً لعيوبهم، بحسب حديث نبوي متناقل.
واللغز الامومي، على شاكلة مسألة التنين المميتة بباب المدينة اليونانية المولودة من هرب أوروبا وقدموس الصوريين الى جزر اليونان، موضوع على الولادة والنسب والهوية. فالأم تسأل ولديها، على معنيي المناشدة والاستفهام، البحث عمن يكونان: أبنا من أنتما؟ ومن يكون أخوكما؟
وإذا وقع القارئ على "نقد" تناول الفيلم الذي صنعه المخرج الكندي مع كاتب المسرحية، وفيه أن "البنية السردية... تجنح الى مطب الاستشراق" (سمير يوسف في "الاخبار" البيروتية، 24 كانون الثاني 2011)، أيقن ان البصيرة السعيدية، نسبة الى الكاتب الفلسطيني الاميركي، أعمت التلاميذ والمريدين والانصار، على نحو ما أعمت "الاستاذ" عن ادراك بدائه الوقائع الاصيلة والذاتية. فالسؤال عن النسب هو السؤال "العربي" الاول: من أي القوم أنت؟ وإذا عُلم من موقع الواحد في ميدان الحرب من هم قومه، والحرب "الاهلية" هي مدخل "الثقافة" العربية الاول الى تعريف الهوية، سُئل: "من أخوالك؟" على ما سأل المهلهلَ، أخا كليب، بعض المنتصرين لقاتله. ويوجز زياد عبدالله، في عدد لاحق من "الاخبار" نفسها، "المعنى العام للحرب الاهلية في الشرق الاوسط" ايجازاً جامعاً ومانعاً: "قتل المسيحيين للمسلمين" على ما يكتب غير مستهول نكران الوقائع والتعامي القومي الاسلامي والاستخباري او المخابراتي عنها، قبل أن يستدرك على مضض "... والعكس أيضاً". وعلى شرط التنديد بالـ"قالب الاختزال التبسيطي (الذي) تضيع فيه الفروق بين خطاب الجلاد (المسيحي) وخطاب الضحية (المسلم)". وهو (التنديد) دأب السعيديين وديدن حرفتهم ذات الريوع.
وتستودع المسرحية، شأن الشريط السينمائي، السؤال الباعث على التقصي وسيطاً لا حول له ولا طول، على خلاف التنين المميتة، هو كاتب العدل الكندي هيرميل لوبيل. واختار الكاتب المسرحي كاتب عدل أي (لغة) كاتب عدل من مسرح البولفار الهازل والبورجوازي الصغير او العائلي، وعلى مثاله، المخرج السينمائي ممثلاً ممتلئ الخدين والاوداج، يتدافع الكلام الثرثار وهو يخرج من فمه وعينيه وجسمه كله. ويتعمد تحريف الجمل الجاهزة والسائرة تحريفاً ساخراً ينم، في الوقت نفسه، بإرادته استدراج الاعجاب والتواطؤ الرخيصين. وكاتب العدل الهازل والبدين هو وسيط ارادة الام الاخيرة، ورغبتها الى ولديها في التقصي غير المأمون العواقب على المقتصيين الفتيين. والوصية التي يقرأها رجل القانون المدوِّن على الشابين تشبه الاحاجي في شقيها: الشق الموجب التقصي النسبي، والشق "الجزائي"، اذا جاز القول. فالمرأة المتوفاة عن 65 عاماً تطلب الى التوأمين، والى كاتب العدل الذي عملت في مكتبه أعواماً طويلة من غير أن يعلم منها وعنها غير اسمها "مدام نوال"، دفنها عارية من غير نعش ولا ثياب ولا قشرة ولا صلاة، وجهها الى التراب، ومن غير شاهد ولا اسم. وذلك الى أن تبلغ الرسالتان، واحدة الى والد التوأمين والاخرى الى أخيهما الشقيق، "غايتهما" أو مقصدهما (ونص المسرحية المكتوب يهجئ الغاية أو المقصد في صيغة المفرد، ويطرح علامة الاثنين أو الجمع، هذا ما لا تؤديه المشافهة، مسرحاً او سينما). فإذا بلغت الرسالتان مقصدهما أو مقصديهما، على ما يفترض السامع، وهتك السر وأنجز الوعد، أجازت الام، من وراء القبر، نصب شاهد على قبرها وحفر اسمها في حجر الشاهد، على ملأ "الشمس" ونورها.
المأساة في الرواية البوليسية
فتوسع الارادة الشعائرية الآبدة والموروثة من الجدة، والدة الام، وهذه ورثتها من والدتها على رسم الاصلاب (والغضب) الامومي الذي يؤرخ به معوض الاهدني المولد و"الدم" (على قوله في اهدائه عمله) الاجيال وتعاقبها وانقلابها- توسع بعدَ الشقة بين وجهي الترجح والمزيج اللذين تقدم الكلام فيهما (الاقدار والمصائر المستغلقة من وجه، والمعاني والبواعث المتصورة في الانفس والعقول، من وجه آخر). ويرد الفتى سيمون مروان، الملاكم الهاوي والمتدرب، على وصية الام الشعائرية، والمهيبة مهابة ما لا يطويه التقادم، بشتائم نابية وبذيئة:" "القحبة!"، "بنت الكلبة"، وغيرها أشد نبواً وبذاءة وصدوراً عن زعرنة يونانية. وتجهر الشتائم انتساب الولد الى عصره ووقته، على نحو ما تجهر مقدمة كاتب العدل في زحمة السير ورصف الطريق والاعلانات والإيجار ومكيف الهواء وجمله النمطية المحورة، آيات العصر والوقت.
ويفترق كاتب العدل والابن، على رغم انتسابهما المشترك الى حاضر "وضيع" الهموم والمشاغل، في حملهما وصية الام على معنين مختلفين. فعلى حين لا يرى الولد الفتى ما يلزمه في وصية الميتة، ويدعوه الى التمسك بشعائرها الغريبة والموروثة من "عرق" ملعون، على قوله، يقر كاتب العدل ورجل القانون للوصية بقوة إنفاذ يحتار في العبارة عنها، وفي ابلاغها. فيقول تارة أن الوصية يُعمل بها من غير تعليل ولا تسويغ، شأن أعمال ووثائق كتابة العدل الاخرى. ويقول تارة أخرى أن سكرتيرته السابقة، "مدام نوال"، كانت محل ثقته ومحبته، وكان هو محل ثقتها ومودتها. ويرد هيرميل لوبيل على غضب الشاب العاصف، وعلى انقياد البنت، بالتردد والترجح بين الامتثال لقوة القانون والعَقد التلقائية وبين التلويح بسلطان الصداقة والمحبة. والامران، قوة القانون موجب الصداقة، صورتان عن المزيج الذي صدرت عنه المسرحية، وصدر عنه بنيانها. فالقانون يتعالي عن الدواعي النفسانية والذاتية، ويُلزم بما لا تعليل له في المنطق والعقل المجردين من متعلقات الاعراف والمعتقدات والتقاليد المشتركة. والصداقة باعث نفساني وذاتي يرتضيه الصديق(ة) أو يتملل منه على هواه ومشيئته، وقوته من هوى صاحبه أو صاحبته.
والقسمة المركبة هذه، الناجمة عن مزيج المأساة والرواية البوليسية و"إقحام" الاولى في الثانية على قول ذائع في إحدى روايات وليم فوكنر الاميركي، هي شرط المسرحية الاول وركنها. فلولاهما لكانت المسرحية، والفيلم من بعد، قَصَصاً يشبه وعظ القُصّاص وأمثالهم الاخلاقية والادبية. أو لكانت سهرة سمر يحلو فيها التخفف من التبعة عن "الهزيمة" المشتركة وإلقاؤها على عاتق استشراق كوني وكلي يُنصب باباً من أبواب "التوجه على الكون" أو الكينة (الحال) الانسانية. وهما القصص وسهرة السمر الفصلان اللذان يكادان يستغرقان المثالات العربية الثقافية التاريخية والسياسية. ولعل السبب في ما يشبه الوجوم الذي استقبل به الجمهور (اللبناني؟ "العربي"؟) فيلم "حرائق"، وما يشبه الخجل الذي يبعثه وجدي معوض وأعماله في الجمهور نفسه وطبوله وأبواقه الدعائية، لعل السبب في الوجوم والخجل هو خروج بعض عمل معوض من الفصلين هذين، وعليهما. والحق أن خروجه ليس متماسكاً.
فهو يريد حمل المأساة، وأثقالها وأقدارها وليلها وصبحها (مجازاً وحقيقة)، على الحوادث اليومية العادية والطبائع الانسانية المتداعية. ولكنه يستسلم لغرق نوال مروان في صمت ثقيل وصفيق جمعه أو دوَّنه ممرض المستشفى الذي حلت عليه نوال ضيفة في أشرطة مسجلة ويقرب هذا من الكناية المشبعة والجامدة. أو هو يسترسل في كلام متدافع يزعم رواية المقاتل وهولها ولا يلبث أن يستعير صور الهول من روايات سابقة مثل رواية "اختيار" الام من تريد استبقاءه من ولديها أو أولادها حياً، ومن تتخلى عنه الى القاتل. وفي الفقرة 25، أطول فقرات المسرحية وأكثرها كلاماً، تروي سودا على مسمع نوال مقتلة "الميليشيا" في مخيم "اللاجئين". و"ترد" نوال على الرواية بالدعوة الى "التفكير"، وبوعد اغتيال قائد "الميليشيا"، معاً (وحذف المخرج "المشهد" على نحو ما حذف مشاهد الاشرطة المسجلة، ربما استثقالاً وربما مجاراة لداعي معالجة سينمائية أقل كلاماً). ولا تتخلص محاولة شبك نوال بسودا، ظل نوال وتلميذتها ومعلمتها الغناء ولاجئة المخيم وصديقة وهب اللاجئ وعشيق نوال الذي أولدها طفل الحب المنقلب قناصاً قاتلاً، وشبك سودا بنوال، لا تتخلص من أداء بلاغي، مجازي وتمثيلي، على رغم قوة التوأمة على المسرحة.
التوائم
والتوأمة، على وجوهها، تكاد تكون لازمة "حرائق": جيهان (الجدة) وإلهام (القابلة)، وهب (العشيق) ونهاد (السجان المغتصب)، سيمون وجان، نوال وسودا، كاتب العدل الكندي وزميله المحلي، الميليشيا والمخيم، حريق البوسطة واجتياح المخيم، الجنوب والشمال، الوطن والمهجر، الميتم والمعتقل... والتوأم، شخصاً او جماعة او مكاناً أو حادثة، هو القريب الذي يتهدد قربُه أو شَبَهُه الواحدَ (الآخر أو الغير أو التوأم) بالموت أو بالنفي. فإذا كان الاثنان (التوأمان) واحداً على ما يقول سيمون لجانْ، ولم يفترقا الفرق الذي يثبتهما على اختلافهما ويترتب على جمعهما (في) اثنين على ما يفترض وينبغي، نزعا الى العنف نازعاً لا راد له. فالواحد المجتمع من اثنين يستوي واحداً من طريق النفي، نفي واحدهما الآخر أو نفي نفسه وذوبانه في قرينه. وإذا أقاما على فرقهما، على رغم شبههما وأسوتهما أو مساواتهما، لم يأمنا المنافسة والرغبة في التقاسم والاقتتال.
وعناوين أجزاء المسرحية الاربعة الكبيرة أو العريضة "حريق نوال" و"حريق الطفولة" و"حريق جنان" (وهي جانْ)، و"حريق سروان" (وهو سيمون)، والجزء منها يحتوي على فقرات يترجح عددها بين 11 و9 و10 و7 على مثال حسابي قَبَّالي بعض الشيء- تكني عن الخروج من التوأمة الطفلية والاصلية الى فرادة لا تقتصر على الواحد أو الاحدية. وطريق الخروج هي التقصي عن النفس والاصل، وتعقب الآثار، والاخبار وراء الصمت والخرس المدميين. ولا يقود التقصي والتعقب، على خلاف الاسطورة النَّسبَبية العربية ومثالها العبري المطوي، الى ركن صلب وآمن. فحُمكهما هو حكم رياضيات الفوضى، على زعم جانْ، أستاذة هذا الضرب من الرياضيات (أو مساعدة استاذه). والقول أن التقصي والتعقب لا يقران على ابتداء أول وراسخ ليس معناه أنهما رمي في عماية أو خبط عشواء. فهما يرسمان خرائط طرق الانتقال والسفر والاقامة والهرب واللجوء، ومراحلها ومحطاتها. وتقتفي المسرحية الطرق والمراحل من المحطات على وجه محدث و"عصري"، إليزابيثي وشيكسبيري، أي غير "يوناني" ولا مقيد بالاجراء القضائي وإلزامه العمل المسرحي بـ"وحدة الزمان" و"وحدة المكان". فتُعاقِب الفقرة الواحدة بين أوقات وحوادث يحول اختلافها وتفرقها دون القرار على معنى ثابت وماثل ومثل هذا المعنى لا يمكن إلا أن ينحو نحواً خطابياً مدلساً ومتستراً على خطابته وتدليسه.
ويُسلم التقصي والتعقب الناس الى حمل الاخبار والآثار، والى تراويها والتحديث بها، وغالباً الى تأويلها وتعليلها ومقارنة متفرقها ونثرها. فيقود صاحب الخبر أو المحدث الى آخر قبله أو بعده. وعلى هذا المثال، في الفقرة 28 الموسومة بـ"الاسماء الحقيقية"، يقود عبد الصمد، اللاجئ في مخيم الشمال، خطى جانْ الى معتقل كفار ريّات، حيث سجنت الام نوال مروان وعذبت وحملت توأمين ووضعتهما. وفي كفار ريّات يسلمها منصور، دليل السجن الذي دلها اليه عبد الصمد، إلى فهيم، ناطور مدرسة كفار ريّات وميتمها، حيث كان يرسل ربما اللقطاء المولودون في المعتقل. ودلها فهيم الى راعي الجوار القريب من القرية، أو أحد الرعاة. والراعي، الخارج لتوه من "أوديبوس ملكاً" (أو طاغيةً) وجد ربما بعض الاولاد الذي كان السجن يرمي بهم بعد ولادتهم، وقد يعلم ما حصل لهم. وهذا الراعي أرسل جانْ الى مزارع اسمه عبد الملك هو محاور جانْ في الفقرة. وهو ربما مربي الولدين التوأمين اللذين لم يشأ الراعي تركهما للذئاب، فأوكل بهما المزارع. ويحتمل المزارع اسمين: عبد الملك أو مَلَك (والاسم الثاني كناية توحيدية ترقى من الملاك الذي شق صدر الراعي محمد بن عبدالله ووضع فيه قلباً نبوياً، الى الرعاية التي أخرجت مريم بنت عمران بمولودها الى مصر فأنقذته من مقتلة الأبرياء، الى ترك موسى في عهدة المهد والنهر وبنت فرعون وبمنأى من قتلة فرعون).
وإذا سأل عبد الملك البنت المستفهمة عمن دعاها الى قصد عبد الصمد أجابته:" على هذا المنوال، ننتهي الى يوم مولدي". وكان سيمون، على الهاتف بكندا، رد في الفقرة السابقة على أخته، وهي تبلغه ما آل اليه تقصيها آثار ولدي أمها، بالقول:" لا أريد أن أعرف! لا، لا شأن لي بتاريخها! أنا أعرف من أنا اليوم، وهذا يكفيني!". فالاستدلال على "التاريخ" يُخرج الواحد (والواحدة) من نفسه، ومن اقتصاره على نفسه، ويعقد بين الغير عقداً أو عهداً يتردد بين حدي الصدق والكَذب، ويحتملهما معاً. والعقد أو العهد هو ما يكسر المتعاقدان أو المتعاهدان به سر التوأمة، وما يقرّان به، من وجه آخر ملازم، بعلاقة تربط واحدهما بالآخر تحتمل العنف من غير شك، ولكنها تحتمل كذلك التعلم، وهو ما تنصح به الجدة نوال، وعلى ما تصنع نوال مع سودا، في فقرة توراتية وقرآنية، وتصنع سودا مع نوال (فتعلمها الغناء، وتوحي "المغنية" أو "المنشدة" للسجان، أبو طارق، بالغناء). وتحتمل العلاقة، كذلك، على مثال وعد نوال سودا بالاقتصاص من مقتلة المخيم، ووعدها بإنجاز تعليمها وإخراجها من لوثة القصاص والثأر.
فيجمع الكاتب، على نحو يتعثر بالنازع النبوي تارة وينهض من عثرته تارة أخرى من طريق البولفار اليومي والمعاصر، في سياقة متضافرة ومشتركة، الخروج من التوأمة، ومن أدوارها المغلقة والمدمرة، وسكوتها المترع بالضغينة والقتل، الى عقد الكثرة وعهدها ووعدها وحلقاتها وتقصيها رواياتها يجمع الكاتب هذا الى انشائه مسرحيته وروايته ومحاوراته وبنائها البناء المتقطع والمتجدد الذي انتهى اليه. فالسعي الذي يفرق التوائم، ويقر رابطتها على عهد، هو نفسه ما يعقد بين وجدي معوض وبين مشاهدي مسرحيته أو قارئيها، ويدعوهم إلى المشاهدة أو القراءة.

"اللادولة" نهج يستبق الردّ على الحركات الوطنية المدنيّة والديموقراطية

المستقبل - الاحد 29 أيار 2011


تبدو حلقات الحوادث العربية المتعاقبة وسلاسلها منذ انصياع الرئيسين السابقين، التونسي زين الدين بن علي والمصري حسني مبارك، لـ"رحيلهما" ورضوخهما لتخلي قيادة القوات المسلحة في الدولتين عن مساندتهما، تبدو هذه الحلقات مرآة دامية وعاصفة لخطط "بناء" الدولة التي تولتها واضطلعت بها طواقم حكم مستولية ومتسلطة على أجهزة القوة والسلطان، وعلى مجتمعات بلدانها ومرافقها، في ليبيا وسوريا واليمن أولاً، و"تعالج" اليوم الحركات الوطنية والمدنية التي تعارضها وتقوم عليها. فتستخدم في "معالجتها" موارد ووسائل أمنية وأهلية (اجتماعية) واقتصادية واعلامية دعاوية هي ثمرة "بناء" الدولة على المثال المتعمد الذي بنت هذه الطواقم أنظمتها أو دولها الخاصة عليه. فكأن "البناء"، على النحو الذي أنجز عليه، إنما قصد به منذ الشروع فيه الحؤول دون نشوء معارضته المحتملة، ومهاجمتها ومحصارتها وتدميرها إذا لم يبق باليد حيلة، ونشأت هذه وقامت على رغم الترصد لها واستباقها واطفاء مواردها.
ولعل في رأس ما يحول دون تبلور معارضة وطنية، ويقطع الطريق على نشوء حركة سياسية ومدنية تنازع الحكم الحاكم على الحكم، وعلى ادارة شؤون البلد وتنمية موارده وتوزيعها والدفاع عنه والحفاظ على استقلاله، هو حل كيان الدولة الوطنية الجامعة والمتماسكة في عصبيات أهلية، وتسليط ابنية هذه العصبيات الغالبة على اجهزة الدولة العامة والمشتركة، وعلى إداراتها ونواظمها القانونية والحقوقية والعرفية التقليدية. فحيث بقيت للدولة الجامعة والمتماسكة بقية على شاكلة جيش محترف مهني وغير فاسد، أو على شاكلة تعليم عمومي متوسط الجودة، أو مواد دستورية مدنية، أو نشاط اقتصادي لا تستغرقه الريوع وعوائدها وشبكاتها المتواطئة وتهربها الضريبي واستهلاكها الباذخ والمبدِّد...- اضطرت "الطبقة الحاكمة"، أو قمتها الظاهرة، الى الانصراف والاستقالة مرغمة ومكرهة. وعلى ما شُهد بالعين المجردة في تونس وفي مصر، حيث لم يدمر السلطان الامني والعسكري والاقتصادي كتل الدولة او مبانيها كلها، وسع حركة الاحتجاج الاتساع والتعاظم والسريان في ثنايا المجتمع المتصلة وروافده وجنباته. وانتهى المطاف بهذه الحركات، كان اولها ومبتدأُها في القلب (على صورة مصر) أم كان في بعض الاطراف الداخلية (على صورة تونس)، الى لم اطرافها الى قلبها وبث حركة القلب في عروق الاطراف. وجاز حصول هذا على وجه السرعة المباغتة وعلى وجه التزامن او التواقت الانترنتي والاعلامي "الفضائي".
ويعزو بعض المراقبين والناشطين الوطنيين، وبعضهم يجمع الصفتين معاً، تعاظم الحركة المدنية والديموقراطية التنوسية السريع الى جودة التعليم الذي حظي به أبناء أسر الطبقات الوسطى، وخوَّل بضعة آلاف منهم اذاعة وقائع القمع ومقاومته وانشاء جبهة الاحتجاج والمطالبة وبلورتها، وبعضهم يعزو التعاظم الى دور اتحاد الشغيلة العام التونسي والى مدنية الشباب التونسي "الشخصية". وهذه، جودة التعليم، وتماسك البنيان النقابي والمدنية القانونية والشخصية، من التراث البورقيبي، ومن أركان الدولة ومبانيها التي لم تبلغها يد بن علي، والرهط العائلي الذي يحفه، ولم تحطمها على ما ذهب اليه الفرنسي أوليفييه مونجان والتونسي الفرنسي عبد الوهاب المؤدب الاول في مقالة شهرية "اسبري" لخصتها "الحياة" في 11/5/2011، والثاني في كتيِّبه "ربيع تونس- تحول التاريخ" نيسان 2011، باريس. فوسع الحركة التأليف بين جماعات شعبية فقيرة وجماعات متوسطة متعلمة. وانضمت الى هذه وتلك جماعات عريضة من المهن الحرة والاطر الادارية العليا، وهيئات المجتمع المدني. فسرى التضامن والتكاتف في أوصال لم يستوف القمع تقطيعها (إلى) مناطق وجهات وإيديولوجيات وولاءات، على رغم عمق الخلاف بين الداخل الزراعي والمنجمي والبدوي "الهلالي" (بوزيد، اسم بلدة محمد البوعزيزي، على اسم عَلَم التغريبة العربية الاشهر) وبين الشرفة البحرية والمدنية ووارثة مركزية "الباي" وبعض امتيازاته.
وعلى المعنى هذا او قريباً منه، وقياساً على حالي ليبيا وسوريا، أرست الحركة المصرية بنيانها الكبير والجسيم على وطنية مصرية مشتركة وبدهية، وعلى عمومية شعبية تستقي من الوطنية المصرية تماسكاً قوياً. وحال هذا دون انفلات أجهزة القوة، وبعض الحركات الاهلية السياسية (مثل "الاخوانيين") من عقالها، وانقلابها على جسم الحركة الكبير إما قمعاً دامياً وإما استيلاءً سياسياً وتنظيمياً وقسرياً ومدمراً. ولم يؤد انهيار التعليم المصري الحكومي، على شاكلة عربية لا تقتصر على توسع التعليم الديني الصرف، الى غَلْق عقول المتعلمين ودراياتهم دون بعض احوال العالم وأطواره البارزة، الثقافية والاقتصادية والحقوقية القانونية والسياسية. ونفخت الحركة المدنية روحاً جديدة في جسم اعلامي متآكل ومتهالك، أناخت عليه "الثورة" وتأميماتها ومكافآتها و"إرشادها"، طوال 6 عقود طويلة، بقيودها الثقيلة. فانبعث شطر منه من عماه وسكوته وبلادته في أثناء الحركة نفسها (ويعود شطر آخر منه يتقنع بقناع محمد حسين هيكل و"حكمته" و"تجربته" و"اخباره" المنحولة والمزعومة، فيبايع المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع المزمن ورئيس المجلس الاعلى العسكري، "رئيساً انتقالياً"، وعلى تقليد عميق وثابت يقضي بالتسليم والخنوع فكان الرجل من سدنته وكهانه)، حين تولت الشطر الاعظم من الاعلام، في الوقت الحرج، الفضائيات الخليجية.
حل الدولة في الحاكم
وفي كلتا الحالين، انتقلت الحركتان التونسية والمصرية، من طرفية جغرافية واجتماعية ابتدائية الى عمومية متواردة ومتآصرة، وجمعت أذيال الثوب الوطني، ولمت اطرافه الى قوامه ومصدره. والارجح أن شبكة الاتصالات والتواصل الاجتماعية لم تضطلع بالدور الذي اضطلعت به في الحركتين إلا جراء لباسها جسماً وطنياً أقامت بعض مبانيه على بعض التماسك والوصلة. فجددت الشبكة، وأواصرها واتصالاتها، تماسكاً لم تتداع مبانيه كلها تحت وطأة الاستيلاء والتعسف والكذب والتفريق والمصادرة الاستبدادية. وحفظت الدول بعض العمومية الجامعة. فحالت هذه بين الجهاز الحاكم، على مثال صدامي من قبل وأسدي وقذافي اليوم، وبين تقطيع أوصال الجماعة السياسية الوطنية، وتسليط أجهزة القوة والتواصل والادارة، وعصابات أهلية طرفية، على الجسم السياسي الوطني وإرهابه وتقييده وشرذمته.
وعلى رغم شبه قوي بين الانظمة العسكرية الانقلابية التي تعاقبت على الاستيلاء على حكم بعض الدول العربية في العقدين السادس والسابع من القرن الحالي، ولا يزال معظمها على استيلائه، ثمة فروق سياسية واجتماعية لا تنكر بينها. وتقود هذه الفروق، أو بعضها، الى حال المجتمعات وجماعاتها، مُسكةً أو تصدعاً، حين الاستيلاء على حكمها. فخوَّل التصدع والتفرق العراقيان، نواحي ومدناً وأريافاً نهرية وأودية وحكاماً ومحكومين وطوائف وأقواماً وقبائل ومنازع، على تقسيم واحصاء فصلهما حنا بطاطو وتقصاهما، حاكماً مثل صدام حسين حين الاستيلاء على الحكم والدولة، وحلَّهما في شخصه وحده، وتوحيدهما فيه هو، وإبطال أضعف رابطة قد تربط اجزاء الدولة العراقية ومرافقها، وتشبكها بعضها ببعض تلقائياً ووظيفياً، خارج نظره وأمره وإيعازه.
فلم يشرك صدام حسين أركان جيشه في النصف الثاني من الثمانينات في التخطيط للأعمال القتالية الجوية المزمعة، ولا في التصدي للهجمات الايرانية على شكل الموجات البشرية الانتحارية في الاهوار. وكان الجبوري، قائد الاركان، تبلغه اخبار العمليات الكبيرة والصغيرة من الاذاعة، شأن غيره من الرعايا، على ما روى وأخبر. فالقوات المسلحة في الاوقات الخطيرة والحاسمة التي كانت تعركها وتمتحنها لم تكن قيادتها جديرة، في عُرف صدام حسين يومها ولا فيما يرى القذافي ورهط الاسد اليوم، بالاسهام في "قادسية صدام". فالقيادة لا يؤمن جانبها، ولايؤمن توسلها بقيادة وحداتها الى مهاجمة الحاكم والانقلاب عليه. و"عِلْمُها" لا اعتبار له في ميزان المحافظة على السلطة. والجنود "مادة" الحاكم الصماء والذليلة. وأحكام الخبرة والتقنية والمعرفة ذريعة لا يجوز، على ما يرى الحاكم الفذ والفرد، أو "القائد" التذرع بها الى إعمال معايير "غير سياسية" لا تصدر مباشرة عن ارادات قيادية ورئاسية، بالغاً ما بلغت هذه من الخرق وضعف التدبير.
ويسوغ هذا الالتباس، التباس تصريف أعمال الدولة بإرادات وأهواء لا قيد عليها ولا رقيب، فيما سماه بعض الخيمينيين، متفاخرين ومتعاظمين، "لا دولة". فلا قيد على "القائد" أو "المرشد" المعصومين، وهو (القائد أو المرشد) انشأ "النظام" وسواه من عدم، على ما هذى معمر القذافي وهجر في خطبة 21 آذار المشهودة. والهيئات التي قد تدعى الى مشاطرته السلطة، أو مراقبة أعماله وأفعاله، هي في حسبان "القائد" أو "المرشد" من خلائق النظام وصنائعه وفروعه وثمراته. فكيف يجوز أن تتصدى "الخليقة" الضئيلة، أو أن يتصدى الفرع للأصل، على ما يذكِّر بعض "كبار" الحوزة في قم، من امثال جنتي ومصباح يزدي وأحمد خاتمي، "المخلوق" أحمدي نجاد، وينصحونه بالرجوع عن مزاعمه البَنَوية الى حقيقته التابعة والمأمورة.
والحق ان ما جاز في العراق لم يجز في مصر الناصرية، وبالأحرى الساداتية والمباركية. فبعض أركان الدولة و"مداميكها"، على قول نابوليون في الادارات المحلية والقضاء والتعليم والتحصيل الضريبي ومرافق الانتاج الكبيرة والسياسة الدينية، عصي تصديعها وحلها في شخص الحاكم، على رغم دالته التاريخية. والحق أن هذه الدالة، والمكانة المترتبة عليها، حلت في المؤسسة العسكرية المصرية كلاً وجميعاً، وأحاطتها بهالة قيدت يدها الى اليوم، ومنعتها من التطاول على الحركة المدنية، وحالت بينها وبين خدمة التعسف الرئاسية وشططه، والانصياع لارادته وأهوائه. وهي تفرض على المجلس الاعلي مراوغته وترجحه بين الأقطاب المتخلفة عن اخراج مبارك واعتصامه بالصمت في مسائل كثيرة تتداولها المناقشات العامة مثل النص على مدنية الدولة ومترتباته على قانون الاحزاب السياسية وشروط انشائها ومراقبة التزامها القانون والشروط.
ويكاد ينفرد "النظام" القذافي الليبي، بعد انهيار قرينه الصدامي قبل 8 سنوات تحت ضربات الحملة الاميركية و"ائتلافها" الضيق وزعزعة معاصره وقرينه الاسدي السوري من بعد، في النص الصريح، عملاً وقولاً، على ارادة الغاء الدولة وهيئاتها ومؤسساتها وقواعد اضطلاعها بأدوارها ووظائفها تمهيداً لإلغاء "السياسة". وتتقنع دعوة الضابط والمحرض الليبي الى الغاء الدولة، وجماع هيئاتها الانتخابية والتمثيلية والتشريعية والقضائية وسلطاتها المستقلة والمتعاونة وأحزابها ونقاباتها...، بإلغاء الفرق بين "الشعب" وبين من ينوبون عنه، ويحلون محله، من طريق الانتخاب والتفويض والاجسام الوسيطة والقوانين والنظم الحقوقية والتنفيذية. ولا ريب في أن دعوة المحرض الناصري والمسلم "الجماهيري" تستقوي بانفصال الدولة، سلطةً وهيئات ومعاملات، من المجتمع وعنه، وانتصابها قوة أو كتلة مرصوصة تحكمه من فوق، وبمعزل من رغبات الناس والجمهور وارادتهم. والانفصال تجربة عامة تثقل على الناس في أنظمة اجتماعية وسياسية مختلفة. وهي أقسى ما تكون في الولايات السلطانية. ودواء الانفصال، على زعم محرضين كثر ليس معمر القذافي أولهم ولن يكون آخرهم، هو حل الدولة في الشعب، وتذويبها في مائه الصافية والطاهرة، ومصادرتها على سلطاتها التي صادرت الشعب عليها من قبل و"سرقتها" منه، على نحو ما سرقت المُلكية (المِلك) الممتلكات وخصت ملاكين بها بعد ان كانت مشاعاً مباحاً وغير مقسوم.
المثال القذافي
وتتردد اليوم، في خطب "القائد" وأولاده وهم عماد "الطبقة السياسية" العائلية الحاكمة وبعض ألسنته، الاحالات الى خطبة زُوارة، في 1973، البرنامجية. فالضابط الشاب الملازم الاول بعد أن كان نقيباً، لم يدعُ الى حل مباني الدولة حين استولى وصحبه من الضباط الاحرار، على الحكم وخلع الادريسيين، في 1969. وأرجأ الامر، من غير الافتراض أنه كان عازماً عليه، أربعة أعوام. وفي الاثناء، احتدمت الخلافات في قيادة الضباط الانقلابيين. ولم تلبث هذه ان انقلبت الى صفوف الموظفين، والجماعات الاهلية التي يصدرون عنها هم والائتلاف العسكري الحاكم. وذرت قرنها في أوساط الميسورين والمتعلمين (البورجوازية) في المدن الكبيرة، طرابلس وبنغازي. وتستجيب خطبة وزارة ودعوتها الى الغاء التمثيل، وإلغاء التقاسم وموازنة الحصص والمراقبة والقيود على المبادرات والتزام المداولة (وهذه كلها هي الوجه الآخر للدولة وانفصالها)، تستجيب داعياً شعبياً عميقاً، ونازعاً حاد الى التحرر من قيد سلطة مركزية قوية، وتشترك جماعات ليبية أهلية عريضة في الداعي والنازع هذين، على ما لا يلاحظ الديبلوماسي والضابط الفرنسي السابق باتريك همزاده ("في قلب ليبيا القذافي"، باريس، نيسان 2011).
وحرص "العقيد" الابدي، في خطبة زوارة، على ارساء اعادة الدولة الى الاحضان الشعبية المزعومة على عمليات استئصال تحيل المجتمع الليبي وجماعاته أنقاضاً، وتمهد خلافاته ونزاعاته وتزهق أسبابها. فتعهدت النقطة الثانية تطهير ليبيا من "المرضى". والمرضى هم أنصار النظام السابق و"الاخوان المسلمون" والشيوعيون و"القطريون" المتحفظون عن الوحدة (الوحدات) العربية. وأطلقت النقطة الثالثة "حرية الشعب" من غير قيد، على ان يحظر على "اعداء الشعب" التمتع بها على أي نحو كان. وعلى جاري عادة هذا الضرب من الانظمة المستبدة والمتسلطة، قلما تترتب نتائج معروفة وايجابية على الاجراء، على حين تترتب عليه نتائج سالبة مباشرة. واباحة حرية التظاهر في سوريا من آخر الامثلة على هذا. ولما كان لا يعرف أحد من يكون "الشعب" المفترض والمطلق الحرية، وكيف يتمتع بالهبة الالهية والمعمرية، بقي الاجراء من غير أثر. وعلى خلاف الوجه الايجابي، لا يجهل أحد من يكون "أعداء الشعب": فهم "الخبثاء" (لم يكن هذا اسم "الجماعات الارهابية" بعد)، و"القطريون" الوطنيون ودعاة الاقلاع عن المغامرات الخارجية وتمويل حركات "التحرر"، والانفصاليون من غير قبيلة (قوم) القذاذفة وحلفائها المباشرين والاوفياء وكاتمي الاسرار من المقارحة. وأقرت النقطة الخامسة اجراءً عاجلاً هو "الثورة الثقافية". وهي قضت من غير ابطاء، بإحراق الكتب الماركسية والرأسمالية والمخالفة الاسلام، وبـ"التعريب الكامل" للحقل الثقافي البارز والحيوي الماثل في اسماء المحال التجارية والشركات.
وأتبع "الأخ" خطبته بأفعال ترجمت عنها. فاعتُقل آلاف الليبيين المتعلمين والميسورين، وعذبوا، وقتل بعضهم. ومن لجأوا الى ديار (أو ديرات) أهلهم، واعتصموا بها، قصفوا هم وأهلهم. وهرب الآلاف من السجن الليبي الكبير الى الخارج. فأرسل "الاخ القائد" من تعقبهم، وقتل بعضهم عنوة في المنافي، خارج أسوار "اللادولة" القذافية الناشئة. ودأب الرجل، وهو انفرد تدريجاً بالحكم بعد أن انفض عنه حلفاء الساعة الاولى وشركاؤه في الغاء القواعد الاميركية والبريطانية وفي زيادة حصة ليبيا من عوائد تصدير النفط، دأب على النفخ في إوار "الثورة"، والحؤول دون برود توتراتها، واستقرارها على نظم وأعراف. فلا مناص إذا استقرت هذه، من أن يفضي استقرارها الى تقييد حملات التطهير، وتحصين المواقع والمصالح، والرجوع الى السوابق والاجتهادات وتقديمها على الاحكام المرتجلة. وسمى الرجل نهجه المضطرب هذا "ثورة الى الابد". ومزج تخريب الدولة، ونظمها وسننها، بإجراءات سياسية واجتماعية استجابت احتياجات فعلية وعامة. فهو لما دعا "الشعب" الى الاستيلاء على جهاز الادارات، وتحطيم الدولة، وندد بطلب جماعات ميسورة ومتعلمة اجراء انتخابات نيابية حرة وعلى قاعدة حزبية، عمد الى زيادة حد الاجور الادنى ضعفين. وأمر بتثبيت ايجارات السكن. وعرَّب التعليم فقرَّبه من متناول الفقراء وأهل العسر. وباشر خطط إسكان كبيرة وسريعة تلبي حاجات المهاجرين من قراهم وديراتهم الى مأوى في مهاجرهم الحضرية والغريبة.
وعلى هذا، اجتمع في نهج وسياسة متضافرين ومتلازمين تحطيم الادارات وهيئات التمثيل والتوسط والتحكيم واضطهاد الاحزاب ("الاخوان" والشيوعين والبعثيين) مع تلبية بعض حاجات الجماعات النازحة الى المدن واهل القبائل، واستعداء "النظام"، رسمياً وايديولوجياً، هؤلاء، وهم يحملون وظائف الدولة التحكيمية والتمثيلية والقضائية والادارية على ترف في وسعهم الغنى عنه، على البورجوازية وأنصار السنوسية والطرق الصوفية والاحزاب والدول الاستعمارية الغربية وشركاتها النفطية و"عملائها" المحليين. وأرفق اجراءات التوزيع باعتقالات معارضين حزبيين وناشطين من التيارات والميول كلها. وفي أواخر تشرين الاول 1975 غداة سنتين وبعض السنة على الاجراءات "الشعبية" التي مولتها زيادة عوائد النفط في اعقاب حرب تشرين (1973)، وتوسلها المحرض الجماهيري الى شراء الانصار وتكتيلهم وتجييشهم في إمرته كشف الضابط المستولي عن مؤامرة ضباط "رجعيين" يقودهم عمر المحيشي، المصراتي الطرابلسي. وكانوا ينوون الانقلاب على معمر "القذاذفي" السبهاوي الفزّاني. وكان المحيشي أنكر تقديم عبد السلام جلود على سائر الضباط، وانتدابه الى الولاية على المنظمات الفلسطينية المقاتلة في لبنان، والى تنسيق الولاية المزدوجة والعظيمة المردود مع الاجهزة السورية الاسدية "العاملة" في "بلد الارز". وسمى الضابط المحرض والناشط و"الموزع" مهاجمة بعض شركائه في هيئة الانقلاب وهي تشبه مرفق دولة ولو شبهاً ضعيفاً- والاعداء الكامنين والمتجددين، سمى العمل المزدوج "زحفاً" على المؤسسات.
وتوج مسيره المظفر منذ "الفاتح" (الاول من أيلول) بـ"الكتاب الاخضر"، أو النظرية العالمية الثالثة، مَدْرج البشرية (فهي وحدة القياس القذافية) الى تجاوز الشيوعية والرأسمالية، على ما هو مشهور. وفي أوائل آذار 1977، بسِبْها هذه المرة، وفي قلب الفزان، ومن مؤتمر الشعب العام، زف القائد الملهم بشرى انشاء "الجماهيرية العظمى..."، نظام سلطة الشعب من غير دولة، ودستوره و"مرجعيته" "الكتاب الاخضر"، بحر العلوم السياسية والاجتماعية والتاريخية ومحيط المحيط. وحسبان انسان او امرءٍ مثل معمر القذافي، وهو من هو عزلةً وتحصيلاً ضعيفاً وعالة ظاهرة وقصوراً فادحاً، أن في مستطاعه الخروج الى انسانية القرن العشرين بـ"دعوة" سياسية وأخلاقية واجتماعية جامعة تداوي أمراض هذه الانسانية وتشفيها، لا لمسوغ إلا تحكمه في انتاج نحو مليوني برميل نفط في اليوم وأمره ونهيه فيها وحده، هذا الحسبان مدعاة غرابة وعجب لا يتبددان على مر الزمن. ويصيب مثل هذا الغرور المرسل والارعن أشباه الرجل المتربعين على رأس وحدة صواريخ مهربة، ووراء جدار بشري من الشهداء "الاحياء" الذين تغلب "شهادتهم" "حياتهم" المبددة. ويبعث انكفاء الجماعات العربية "القبلية"، وانقطاعها من تيارات العالم وحوادثه، مثل هذا الاحساس المستحوذ والمستبد بالانتداب الى تبليغ "رسالة خالدة" وتخليص البشرية من "الآثام" و"الشرور".
الاعفاء
فتتصور الادارات، وأعمال التدبير اليومية، والسياسات التربوية والانتاجية والمالية والقضائية والتقنية، وغيرها مثلها، في صورة المهمات التافهة، والسخيفة. ولم يخامر الملازم أول والمحرض المنتشي بسلطانه وعوائد نفطه، والمتربع في قمة "ولايته"، شك في تفاهة القيود على سلطانه. فلم ينفك يخرب أبنية الادارة والتدبير بواسطة "اصلاحات". وتعمدت هذه تضييع المسؤوليات عن القرارات، وتمويه معايير تعيين المسؤولين ومحاسبتهم ومراقبتهم. وأعلت معيار الولاء او التحزب والتعصب على معايير الكفاءة والاداء والمسؤولية. فسادت مناخات "الثورة الثقافية البروليتارية العظمى"، الماوية الصينية المدمرة، "الدولة" والجماعات الليبية. وعاثت فيها فساداً وتخريباً وتفكيكاً. وعلى المثال الماوي الصيني، بقي الرأس المدبر، أو "قيادة الاركان"، يقظاً. فحصّن مرفقين حيويين ومتصلين من فوضى "اللادولة" القذافية، هما المورد النفطي والنهر الكبير أو العظيم. فأوكل بالاول إدارة تقنية صارمة. وصرف الى الثاني شطراً كبيراً، يقدره همزاده بنصف عوائد الدولة. فالماء، في بلاد صحراوية وزراعية، على رغم هجرة معظم أهلها الى المدن، مادة شاملة، إذا جازت العبارة، وركن ترسو عليه لحمة الجماعة الوطنية وتغرف منه. وقد تؤدي خطط الري الزراعي من دون مياه الشفة تقريباً وهي أنجزت منها 3 مراحل تروي أراضي أجدابية وسرت وبنغازي وطرابلس وشرق برقة وغرب طرابلس (في 1983 1996 الى اليوم)- الى نضوب المياه الجوفية في مستقبل قريب أو بعيد. وتحظر السياسة والمخيلة الستالينيتان والماويتان، ونازعمها الى العظمة الفرعونية، مناقشة المسألة الحيوية. فالأمة الليبية ذائقة الموت على خلاف سلطانها "الدهري" وسلالته.
ويُزري جعلُ النفط، أو عوائده، والماء في عهدة القذافي وحده، من غير تثمير العوائد ورسملتها، وعلى خلاف مقتضيات الحفاظ على مصادر المياه، بالدولة وهياكلها ويحط منها. وهو يوكل الى الرجل وأولاده وبعض أصهرته التمثيل على دوام الامة. فإذا اضطر الى تقليص أعباء النفقات "العامة"، على معنى السلطانية أو نفقات الاعالة من الموارد الطبيعية وليس من موارد العمل والانتاج، سلك نهج الادارة السوفياتية و"اصلاحات السوق" الحيية التي اضطرت اليها. فأباح في أواخر الثمانينات، حين شرعت أسعار النفط تتردى في ختام دورة زيادتها "العظيمة"، التجارات الصغيرة من جديد. وألغى دعم بعض المنتجات والسلع الحيوية. ورفع الحظر عن بيع المزارعين منتجاتهم بأسعار السوق أو قريباً منها. ولا تفعل مثل هذه الاجراءات إلا الإقرار المتأخر والوقح بأن للاقتصاد ومعاملاته منطقاً لا تستنفده إرادة الحكم ومصالحه التعبوية والشعبوية والارهابية (وهذه سنوات اسكوتلندا ولوكربي)، ونازعه الى إيهام رعيته بأنه "ربها" الذي "يحيي ويميت". وهذا على خلاف منطق الدولة، ورهنه النتائج والعوائد الاقتصادية بتنظيم الانتاج، وسياسة الاستثمار في المرافق المناسبة، واسهام عوامل الانتاج، وفيها العمل، في الناتج.
واضطر القذافي المحاصَر، وهو جرّ رهينته ليبيا الى الحصار، الى "تحرير" مرافق أخرى، على ما سميت اجراءات السياسة التاتشرية والريغانية الليبرالية في أوائل التسعينات. وعادت الاجراءات القذافية على الليبيين المحاصرين بكارثة انسانية. فزادت أسعار السلع الاستهلاكية، وهي تولت شركات الاستيراد الاحتكارية والمحظية استيرادها، ووزعتها المحال الصغيرة والخاصة، أضعافاً. ولم يكن عسيراً على "الاخ" المتعاظم القيادة الخرقاء والمتهورة استثمار عسر الليبيين في خدمة سلطانه: فاستمال اليه المستوردين، أو قوّى روابطهم بإرادته وإنعامه، وحمَّل صغار التجار أوزار النقمة "الشعبية" على المستغلين والعملاء وأنصار النظام القديم، وندد بالحصار الغربي والاستعماري على الشعب الليبي المظلوم وعلى قيادته العنيدة والمقاومة، وجدد العقد بين القيادة الحكيمة وبين الشعب. وأتبع، مرة أخرى، النظر والمقال بالعمل والحال: فأنشأ لجان تطهير ثورية (بديهة)، في 1994، أوكل اليها تعقب الباعة وصغار الوسطاء من "المنتفعين" ومصاصي دماء الشعب (ولولا بقية من جهل أو حياء لقال: الكولالك او لقال اليهود).
ولما عدم كل ذريعة الى استبقاء "الخطة" المركزية، أو "القطاع العام"، وهذا ما كان في 2002 -2003، "حرر"شيخ القذاذفة والمقارحة الاقتصاد كله، وخصصه أو خصخصه. وألقى على عواتق أولاده الكثر، وخواصهم ومحظييهم، أعباء السوق "الاجتماعية"، على قول الصينيين الشيوعيين وقول عبدالله الدردري الخبير الاقتصادي السوري في حكومة العطري الحلبي "التكنوقراطي". فاقتسم محمد معمر القذافي، بكر الاولاد، وسيف الاسلام والساعدي والمعتصم (بالله بعد والده) وهنيبعل (صاحب الفتوحات السويسرية واللبنانية) وعايشة وسيف العرب (الراحل)، مرافق الهاتف النقال والنفط والمصارف وكرة القدم وتجهيزات البنى التحتية ووكالات الاستهلاك العالمية والتجهيز العسكري والنقل البحري والعقارات. وأبلوا جميعاً في المهمات الثقيلة بلاء أولاد الاخوال والاصهرة في بلدان شقيقة أنشأ قادتها، وهم على الدوام فرادى، أجهزة تسلطهم "الى الابد" على مثال "اللادولة".
وعلى هذا، لا ينهض سلطان القائد المزمن والقادة المزمنون الاشقاء، على أجهزة الاستخبارات والامن والقوات المسلحة والعصابات الاهلية، أي على الارهاب والاكراه والعصبية أولاً. وإلا لم يُعقل، ولم يجز فعلاً وعملاً، انتهاء عهود مثل هؤلاء القادة، ولو تصورت نهاية عهد بعضهم في صورة المعجزة الفريدة. فلا أمن بن علي أصابه الوهن، ولا نقص عدد موظفي الامن المركزي المصري، ولا ألغي جهاز واحد من أجهزة الامن السورية الـ19 أو قلصت صلاحياتها في التوقيف و"المقاضاة" والاخفاء، ولا انحسر "الباسدران" و"الباسيج" الوارف عن الايرانيين. فركن الاستبداد المتين هو صدوع المحكومين وتوكيلهم الحاكم، وأهرامات أجهزته ومراتبها، بالنيابة عنهم في تدبير روابطهم ومصالحهم المشتركة، ومرافق معاشهم وعمرانهم، وفي تعريف هوياتهم ومثالاتهم. فيصح في معمر القذافي أنه اشترى من ليبيين كثر حرياتهم وتدبيرهم، "أن لهم"، أي لقاء اعفائهم من منازعاتهم على أي ليبيا يريدون : أي اواصر بين المناطق و"العواصم" التاريخية والاهلية؟ وأي ادارة لهذه الأواصر؟ وعلى أي معايير توزيع وتأليف وتداول؟ وعلى أي مقادير من العوائد؟ وعلى أي توزيع؟ وأي قسمة بين الدولة وبين المجتمع وقواه وجماعاته؟ وكيف يُنشّأ فتيان الليبيين؟ وأي روابط تشدهم الى مواضيهم؟ والى الامم الاخرى؟...
والدولة الوطنية المدنية، في عالم دول أمم غالب، هي الكيان الجامع للمباني التي تضطلع بالمداولة العملية في مثل المسائل التي "أعفى" منها القذافي، وأقرانه وزملاؤه "العرب"، رعاياهم من الخوض فيها، واحتمال اعبائها الثقيلة، الى بعض الوقت (الطويل). وهم لا ينفكون يطلبون إطالة الوقت وتسليفهم الصبر عليهم، على رغم استطالة الوقت هذا عقوداً مرهقة. وأنصار هذه الانظمة حين ينتصبون للدفاع عنها يختارون ما يتراءى لهم منها "مهمتها المركزية"، مثل المقاومة، او التحرير، أو عداء الامبريالية، أو الموقع الاقليمي المفتاحي... وفي الاحوال كلها يرفضون المجادلة في "السياسة"، أي في موضع التهمة الداعية الى الحركة المدنية: كيف اضطلع النظام بمهمته المركزية المفترضة. وكيف عرَّفها وانتخبها؟ وما هي تبعات التعريف والانتخاب على الشعب وأجزائه وعلاقات اجزائه بعضها ببعض وطاقاته؟ وعلى رشده وقيامه بنفسه؟ فالمجادلة في عدد الصواريخ وجفري فيلتمان أقرب تناولاً وأوضح معنى.

الجمعة، 27 مايو 2011

تمهيد الترجمة وتعليق أوَّلي على المترجَم: شعر تسيلان يكتب عمل "ليس" الإلهي وغير الجدلي

المستقبل - الاحد 15 أيار 2011 - -


أعلاه ترجمة نصف فقرات الجزء الأول، من أربعة أجزاء هي جملة مواد "ليس وردة أحد" (1963)، مجموعة الشاعر الروماني المولد والألماني اللغة والألماني الفرنسي الاقامة، باول تسيلان (تشيرنوفيتش 1920 مياه السين بباريس 1970). وسبق أن نقلت عن الفرنسية الى العربية، و"ناظر" على النقل عن الألمانية لقمان سليم، "الخشخاش والذاكرة"، عن الفرنسية (دار الجديد ببيروت، 1990). ونقلت "بلورات نفس" (1952) ، تامة كذلك، في صحيفة "الحياة" (1995). وأعود الى مجموعة تسيلان هذه، وأنقل عن فرنسية مارتين برودا (دار سوي) وأقارن بفرنسية جان بيار لوفيفر (منتخبات دار غاليمار). وهذا اقرار صريح بالافتئات على تسيلان، والتطاول على شعره. وعذري القبيح لا ريب هو ان من في مقدورهم التقليل من التطاول أو تقصيره لم يعمدوا اليه، ولم يحلّوا المتطاول، شأني، من تحايله على ضعف حيلته، ونهوضه الى سد الاعذار، على زعمه، أي زعمي.
والحق أن هذه "الفقرات"، والقول قصائد عنتٌ غير مقبول على ما قد يرى القارئ بديهة، لا يقصد بها غير التنبيه على بعض أصداء شعر الشاعر الروماني الألماني، اليهودي الكتابي "قبل" النسبتين، إذا جاز التقديم أو التأخير في معرض اللغة والعبارة، اللغة العبارة على ما كان هو كتب ربما. ولا سبيل إلى التنبيه إلا من طريق النقل، على رغم أن نقلي عن لغة أصلية لا علم لي بها، ثم عن اللغة التي أقرأها وألم بعض الالمام بها والمنقول إليها غريبٌ غرابة تنم بغرابة الاصل واشتباهه- على رغم أن نقليَّ، على هذا النحو، يقصران عن إخراج الاصداء من شَبَه البكم الذي تصيبها به هذه الترجمة. ولست أغفل عن أن المضي على منطق الاعتذار هذا ينبغي أن يسلمني، من غير عذر مخفف، الى كتمان ما أقرأه من تسيلان، ويتراءى لي أنني أفهمه منه، في صمت أتقاسمه مع نفسي، ولا أثقل به على غيري. ولكنني أعصى المنطق، مرتين في أسطر قليلة، وأصر على نشر ما وسعني أن أقرأ من "ليس وردة أحد". فلعل في هذه الفقرات ما يخون باول تسيلان على وجه يحفظ من الأصل الممتنع عليَّ ما يبعث رغبة في وسع غيري استجابتها أحسن مما أستجيب. فيستجيبها ليس لقضاء وطره وحده، وهذا ما أصنع، بل لقضاء وطر كثيرين، على خلاف صنعي.
أما بعد، فشعر تسيلان، وهو ومباني لغته واحد، توقيع نَفَس، على قوله هو في وسم المجموعة التي تقدم الالماح اليها، "بلورات نفس". وعلى قوله في فقرات كثيرة من "ليس وردة أحد"، وبعضها في المنتخبات التي بين يدي القارئ. والنَفَس يلابس الخلق والكون، أو "الإكانة" (على ما لا تقول العربية) بـ"كُن". ويشترك الخالق والمخلوق في النفس، وفي النطق والقول والكلام، وتخللِ الحروف الساكنة أو الجامدة بأحرف معتلة. وهذا "أقوى" من الخلق "على صورة". ويحمل تسيلان، في فقرة مطلعها قسَم: "والنبيذِ والخسارةِ..." المدونين والحراس على "لغات ذات صور". والنفس، في الخالق والمخلوق، أمارة تقطع وضعف وفرق.
ويقود هذا الى التوقيع، على قول أحد أوائل من قرأوا تسيلان، هنري ميشونيك، هو كتب كتاباً في الشاعر المقيم بباريس. وكتب مقدمة في نقل التوراة العبرية الى الفرنسية، "يونان أو الدلالة المزدوجة"، مثَّل عليه بنقله سِفر "المزامير"، ووسمه بـ"مدائح"، على خلاف تراث يرقى الى 22 قرناً، أي الى الترجمة "السبعينية" الى اليونانية بالاسكندرية في القرن الثاني قبل الميلاد. وذهب ميشونيك الى أن لغة التوراة، في نفْسها وعلى هذا في اللغات التي تُنقل التوراة اليها، ومعاني كتبها واسفارها وآياتها، إنما تؤدي ما تؤديه أولاً على وجوه بسط القول وقبضه، وإرخائه ووقفه. ومثَّل الكاتب على هذا، في مقدمته ثم في "مدائح"، من طريق علامة وقف هي خلاءُ بين الجمل أو مسافة بيضاء. واستأنف مقالته في كتاب جامع "كبير" وسمه بـ"نقد الايقاع".
وكتابة تسيلان الشعرية، في مرآة النص الفرنسي وفي مرآة نظيره الألماني (أو صورة هذا النظير لمن لا يلم بالالمانية، مرة أخرى)، تُعمِل إعمال التوقيع في مباني العبارة، وتسعى في استيفاء التوقيع العبارة كلها. فتطرح الكتابة آلات العمل والوصل والعطف والتعدي، ما وسعها. وتتوسل بعلامات الوقف والتعليق والبدل. ويُعمل مباني غير نحْوية مثل المدح (يقول الطبري في اعراب حركة بعض ألفاظ الآيات: نصبه على المدح)، أو الجوار والتحريك عليه (والمثال الذائع هو: جحرُ ضبٍ خَرِبٍ، والخرب هو الجحرُ وليس الضبُ). ويولي هذا العبارةَ عن المعنى الى النفس، وقوله ما يقول بواسطة الجمع والتفريق. فلا يترجم الشعرُ عن (معاني) النثر، ولا ينقلها الى "لغة" المجازات والاستعارات و"الصور"، على بعض جاري القول. وإنما يباشر الشعر معانيه من غير واسطة، ويطلبها من مباني العبارة، وفي مباني العبارة.
وقد تصلح فقرة "مزمار"، وهي انتخبت وسم المجموعة منها، "ليس وردة أحد"، تمثيلاً على ما تقدم للتو، وربما تحقيقاً له. فالاحالة اللفظية التوراتية صريحة ابتداءً ومنذ الوسم المتصدر. والسطر الأول يردد أصداء الفصل الثاني من سِفر التكوين: "وإن الرب الإله جبل الانسان تراباً من الارض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار الانسان نفْساً حية" (7،2). و"سوّى"، في الترجمة، و"الطين"، هما من الاستئناف القرآني العربي، ومن إحالته. ويتردد في السطر الثاني (وهو من ترجمة لوفيفر) صدى الفصل الاول من سِفر التكوين:" وقال الله ليكن نورٌ فكان نور" (3). وجمعُ القول الى النفخ قرينتُه في الآيتين المتقدمتين. والرميم، محل الغبار، استئناف قرآني كذلك. و"ليس"، في مستهل السطر الثالث، نظيرُ نفي مشخِّص، واقع على شخص أو جوهر هو انسان. أي أن "ليس" هذه ليست حرف نفي، ولا هي كفء "لا". و"ليس أحد: ليست كفء "لا أحد". ومرّ معي في بعض ما قرأت أن وسم المجموعة هو "وردة لا أحد". وهذا زعم غريب ومُطْمئن الى عماه عن صنع تسيلان.
واقتراح "ليس وردة أحد" إنما هو من وحي أو إلهام المبنى الشعري التسيلاني عموماً، على ما مرَّ وصفه. وهو يعوِّل على اجتهاد بطرس البستاني، صاحب "محيط المحيط"، في مادة "ليس". والبستاني ردَّ على قول ابن السراج ان (ليس) "حرف بمنزلة ما". وذهب الى انها "فعل لا يتصرف"، وزنه "فَعِلَ (أي انه لَيِسَ قبل تخفيفه بسكون عينه، الياء). ويحتج بدليل أول من "القاموس" هو "قولهم ائتني من حيث أيْسَ وليس أي من حيث هو ولا هو" وعلى هذا فمعنى "أيْس" هو "موجود"، و"لا أيس" لا موجود. ودليله الثاني هو قياسه على السريانية والعبرانية: "وعندي أن (أْيسَ) في العربية كإيْتْ في السريانية ويشْ في العبرانية موضوعة للدلالة على الوجود (...) و(ليس) لنفي ذلك، كَلُوْ إيْت ولُوْيِشْ". والجمل الأولى من سِفر التكوين الاول تنقلب من القول الى الكون على مثال الخلق المتقدم:" وقال الله ليكن نور فكان نور"، أو: "وسمى الله الجَلَدَ سماءً. وكان مساءٌ وكان صباحٌ يومٌ ثانٍ"، (1-8). فلا يتعدى فعل الكون بحرف جر، كمثل القول: وكان صباحَ يوم ثان، ولا بإضافة كالقول: وكان صباحُ يومٍ ثانٍ، او كان صباحَ يومٍ ثان.
"وكان صباحٌ يومٌ ثانٍ" تفك الصباحَ من اليوم الثاني، واليومَ الثاني من الصباح. فلا قيد على الاثنين، الواحد على الآخر. وهما كلاهما صادر عن مصدر "واحد"، يوجبهما الواحد والآخر، ويجمعهما من غير توحيدهما، ويقرهما على فرقهما، على مثال تمييز الكون (أو الأيْس) من المكونات: فكثرة المكونات او الاكوان او الكائنات تُحمل على حال واحدة أو فعل واحد هي (أو هو) الأيْسية، على قول بعض المتكلمين المتهلينين، أو الكينونة. ولكن هذه الكثرة لا تتعلق بالوحدة تعلق آحاد النوع وأفراده بالنوع (الذئاب بالذئب). فهي تتستر على "شرطها" الزمني وتحجبه. ولكن "شرطها" لا يحضر إلا فيها، ويستتر من القصد إليه. ولعل أصلاً من أصول التمييز هذا هو سؤال موسى الله في سفر الخروج (3، 13 و14):" فقال موسى لله ها أنا سائر الى بني اسرائيل فأقول لهم إلهُ آبائكم بعثني إليكم فإن قالوا لي ما اسمُه فماذا أقول لهم. فقال الله لموسى أنا هو الكائن...". وتفسيره المشكِل والولود تفاسير لا تنتهي الى نهاية: أنا من يصدّق القولَ إنه (هو) من غير تعريف بغيرٍ او فرق أو اضافة.
ويشرح موسى، الآخر" او المثنى، ابن ميمون الافريقي المغربي، في "دليل الحائرين" ("من أهل ملته"، اليهودية الموسوية، وليس من أهل ملتنا السائرة على خط "المرشد"، على قول الناشر المصري في توطئة فصلٍ من فصول الكتاب الذي كتبه ابن ميمون بالعبرية وبالعربية ولم يطبع بالعربية منذ عقود)، فيقول: إنه هو من غير تعريف بغيرٍ أو فرق أو إضافة لأنه ميسم الغيرية، ومعين الفرق، وسند إضافة مرسلة. وكينونته غير جوهرية، ليس على معنى نفي التحيز (في مكان) والحركة والكم وحسب، بل أولاً على معنى امتناع الاحاطة والتعيين والتمثيل وهذه كلها، واحدة واحدة، آلات السلطان اللاهوتية. ويشرح أحد قراء موسى بن ميمون، غداة ثمانية قرون على "دليل الحائرين"، فيكتب إيمانويل ليفيناس:" إنه هو" على غير معنى "الهُوية"، وعلى معنى "الوجه الكريم"، البراني والمرسل لا الى غاية أو حد، وهو وجه (الانسان) القريب والضيف الذي لا ينفك يطالعني في عرائه المتعرض للقتل والناهي عنه، ويهل عليَّ إهلالاً متجدداً لا يأتلف منه مصدر جامع، ولا يُصعد اليه من طريق جدل مركب يلحم ("القالي" أو اللحمة، على قول تسيلان في "جليد، عدن") ما نثره التحليل.
وعلى هذا (إذا جاز القول!)، يكتب باول تسيلان عملَ "ليس" الالهي وغير الجدلي، ويروي "الحادثة" الأم والفارقة في لغتها (لغة ليس) غير الجوهرية وغير السلطانية. وغرابة هذه اللغة أن إعمالها، وهو تقويضها الجوهريةَ والمصدريةَ، لا ينجم عنه انهيار المعنى، ولا تمتنع معه "عمارة ما بين الناس" (ابن جني)، أو أواصرهم وفهمهم بعضهم عن بعض. ويحمل تناول "الحادثة" الفارقة، على هذا الوجه، القولَ على التوسع، ويدعوه الى الهجنة المركبة والمولَّدة. فتكثر الاسماء غير المتصلة إلا بجوار موقوف ولازم (على خلاف التعدي بحرف أو محل أو تقدير): "اللقاح صحراء السموات" ("مزمار")، "البعيد القريب" ("والنبيذِ والخسارةِ")، ولوائح الاسماء والمصادر... وتستوي الحروف، حرف العطف وأدوات الجر والاسماء الموصولة والافعال الناقصة والمشبهة بالحرف، على حدة، منقطعة، بعلامة الفصل والتعليق والبدل، مما تُعطف عليه أو تَعطفه على معطوف: "كان فيهم تراب، و/ كانوا يحفرون"، "كانوا ينحنون"، حين" ("والنبيذ...").
فالعبارة التسيلانية لا تطوي في المعنى المستقر والمفهوم والجامع موادها التي تأتلف منها، على نحو ما تأتلف من عمل المادة الواحدة في الاخرى. وهذا على خلاف العبارة المسرعة الى الطي، والمستقوية بـ"المعنى الهاجم"، على قول عبد القادر الجرجاني، على ضآلة آلات الوصل والتضمين، وعلى المَحال (جوار الصفة والموصوف، ومراتب الاسم والخبر تقديماً وتأخيراً...). فيُفك النعتُ من المنعوت بعد مجيئهما معاً، الواحد بعقب الآخر:" نعناع، جعد، نعناع، جعد،" ("ثالوث، رباع"). ويعلَّق الاسم، شأن الحرف، في حدة تخرج المعلق من تعلقه وإضافته، وتحرره من قيدهما وسلطانهما، ومن حملٍ على "كائن" عرشي يتولى (أو يولى) إعادة المتناثر والمتكاثر والمرسل وجوهاً الى طاعة المُحْكَم وغير المحتمِل أكثر من وجه واحد. وأحسبُ أن على الترجمة التسليم بهذا. فلا تجهر المضمر، ولا تملأ المحل الخالي.
وعلى خلاف الفرنسية (والانكليزية والالمانية) لا تُضَمّنُ العربيةُ الاسمَ، أي صيغة الاسم، النفيَ. فليس في العربية نظيرٌ للفظة "بيرسون". وأتاح اشتباهها، وترجحها بين صيغة الاداة المكمِّلة النفيَ ("ليس هناك أحد") وبين صيغة الاسم (" اسمي لا أحد")، لعوليس في "الاوديسة" الهوميرية التخلص من العملاق ذي العين الواحدة في وسط جبهته. وانتفاء النظير الاسمي والجوهري في العربية، و"العدم" لا يقوم مقامه، يوقع اللَّيسية على مركب من أداة واسم. ولكن "ليس" - على ما يدعو تسيلان، ودعا بطرس البستاني من "قبل" ("منذ" السريانية والعبرانية والتوراتية") ومن وجه آخر- تحتمل صيغة الفعل. فنظيرُ: " كان صباح"، يُكتب: "ليس إلهٌ" في الجملة المأثور: "قال الكافر في قلبه ليس إله". ولو تجرأ المترجم لكتب: "وردة الليس".

مختارات من مجموعة باول تسيلان الشعرية «ليس وردة أحد» أو «وردة الليس

المستقبل - الاحد 15 أيار 2011 -

[ 1
كان فيهم تراب، و
كانوا يحفرون.

كانو يحفرون، يحفرون، على هذا
مضى يومُهم، ليلُهم لم يحمدوا الله
الذي- فهموا- شاء هذا كله،
الذي فهموا- عَلِم هذا كله.

كانوا يحفرون، ولم يفهموا من بعد شيئاً؛
لم يصبحوا حكماء، لم يبتكروا أغنية،
لم يتخيلوا صنفاً واحداً من اللغات.
كانوا يحفرون.

جاء هدوء، جاءت كذلك عاصفة،
جاءت البحار كلها.
أحفر، تحفر، تحفر كذلك الدودةُ،
وما يغنّي هناك يقول: إنهم يحفرون.

يا هذا، يا نفِيٌّ، يا غُفْلٌ، يا أنت:
إلى أين يفضي هذا، إذا لا الى جهة؟
آه أنت تحفر وأنا أحفرُ، أحفرُ فيَّ إلى أن أبلغك
على إصبعنا الخاتم يستفيق.
[ 2
والنبيذِ والخسارةِ، و
ثُمالةِ هذه وذاك؟

كنتُ أمتطي (ظَهراً وأركضُ) في الثلج، أنت تَفهمُ،
كنت أمتطي (...) في البعيد القريب، كان يغني،
كانت
ركضتَنا الاخيرة على
أسياج البشر.


كانوا ينحنون، حين
كانوا يسمعوننا فوقهم، كانوا
يدوِّنون،
يَنموِّن بأنيننا
في واحدة
من لغاتهم ذات الصُّوَر.
[ 3
ثالوثٌ، رُباع
نعناع جَعْدٌ، نعناع، جعد،
طالعٌ أمام البيت.

هذه الساعة، ساعتُك،
مُحاوَرتُها وفمي.

والفمُ، وصمتُك،
والكلمات التي تمتنع.
والعَرْض، والضَيِّق،
والأفولات القريبة.
وأنا وحدي، ونحن الثلاثة،
نصفُ موثوقين، نصفُ في المُرسَل.

نعناع جعد، نعناع، جعد،
طالع أمام البيت.
[ 4
كواكبُ لا تحصى كَثرةً، توضع
في متناولنا. كنتُ،
حين نظرت اليكِ متى؟-
في الخارج أزور
العوالم الاخرى.

آه هذه الدروب، (في) المجرات،
آه هذه الساعة، التي أضافت
ثقلَ الليالي
إلى عبء أسمائنا. ليس،
أعلمُ، صحيحاً
اننا حَيِيْنا، أعمى
لم يسْرِ غيرُ نَفَس بين
هناك، ليس-هنا، وأحياناً،
عينٌ صفَّرت مثل مُذنَّبٍ
إلى المنطفئ، في الاخاديد،
حيث يموت الألق، يقوم
الزمان، مُرْضِعةً فاتنةً،
وينبت عليه مذ ذاك، فوقَ،
تحتَ، ما بعد، ما هو
كائنٌ، كان، أو سيكون - .

أعلمُ وتعلمُ، كنا نعلمُ،
كنا لا نعلمُ، ولكننا
كنا هنا، وليس هناك،
وأحياناً، حين
لا يكون قد بقي غير العدم بيننا، كنا نجدُ
واحدنا الآخر تماماً.
[ 5
مع الافكار كلها خرجتُ
من العالم: كنت هنا،
أنت، صامتتي مشرَّعتي، و-
استقبلتنا.

منْ
يقول ان كل شيء ميت
حين تنطفئ عينُنا؟
استقيظَ كلُ شيء، بدأ كل شيء.

كبيرةً، جاءت الشمس سباحةً، واضحتين
روح وروح قامتا بإزائها، جليتين،
آمرتين، سكتتا عن
مدارها.

من غير عناء،
صدرُك انشق، آمناً،
نَفَسٌ أصْعدَ في الاثير،
وما ائتلف، ألم يكن ذاك،
ألم يكن ذاك شكلاً، وخروجاً من نَفْسنا،
ألم يكن ذاك
إذا جاز القول إسماً؟
[ 6
الترعة
فوق الحِداد هذا كله
الذي هو حدادك: ليس
من سماء ثانية.
..........
لقاءَ فمٍ،
كان يحملُ اللفظة على (معان) كثيرة،
خسرتُ لفظة،
كانت بقيت لي:
أخْت.

لدى
ألف وثن
خسرتُ لفظة، كانت تسعى إلي:
كاديش.

خَلَلَ
الترعةِ اضطررتُ الى المرور،
لأنقُذَ لفظةً
أعيدها الى البحر المالح،
أُخرجها، أعبِّرها:
ييزكور.
[ 7
جليد، عدن
هناك بلد: ضائع
حيث يطلع قمر في القصب،
ميت من البرد معنا،
يشع في الجوار ويَرى.

هو يرى، فله عيون،
هي أراضٍ مضيئة.
الليل، الليل، القالي.
هو يرى، الطفلُ العين.

هو يرى، هو يرى، نحن نرى،
أنا أراك، تَرى.
الجليد يقوم من الموت
قبل أن تنطوي الساعة.
[ 8
مزمار
لن يسوّينا بعدُ أحدٌ من تراب وطين،
لن ينفخ أحد القول في رميمنا،
ليس أحد.

الحمد لك، ليس أحد.
حباً بك نريد أن
نُزهر.
لِصقَك.

ليسَ
كنا، ليس نحن الآن،
نبقى زهراً:
ليس وردةَ شيء
وردةَ أحد.

على
نحو الروح الواضح،
اللقاحُ صحراءُ السموات،
تاجُ
لفظةِ الأرجوان الاحمر التي كنا نغنيها
فوق، فوق
الشوكة.
[ 9
كيميائية
صمتٌ، ناضج مثل الذهب، في
أيدٍ
مترمدة.

طويل، رمادي،
مثلُ المضيَّع القريب
وجهُ أختٍ:

كل الاسماء هذه، المحروقة
معها، كل
الاسماء هذه. مقدار عظيم
من الرماد (ينتظر) المباركة. مقدار عظيم
من التراب المضاف
فوق
الخواتم
الخفيفة، الخفيفة جداً
خواتمُ
الأنفس.

طويلٌ. رماديٌ. من غير
زوائد.

أنت، قبلُ.
أنت مع كمِّ (الزهرة)
الشاحب: المشقوق بعضَّة.
أنت في سيلِ النبيذ.

(أنحن كذلك،
هذا البندول صَرَفنا؟
لا بأس:
كلامُكَ، ماراً هنا كان يموت.)

صمتٌ، ناضج مثل الذهب، في أيدٍ
مترمدة، مترمدة.
أصابعُ، دخان ناحل.
مثل أكاليل، أكاليل هواءٍ
حول - -

طويل. رمادي. من غير
أثر.
مَلَكـ -
يّ.
[ 10
لحن أوغاد وشطار غناه بباريس أمبريه بونتواز
باول تسيلان
من تشيرنوفيتش بساديغور

ولكن أحياناً، في أوقات مظلمة، بآدوم
هنري هاينه

في سالف الزمان، حين كان بعدُ هناك مشانق،
كان هناك، أليس كذلك،
ملأ أعلى.

أين لحيتي، أيتها الريح، حيث
دمغتي الصفراء اليهودية، أين
لحيتي، التي تنتفينها؟

أعوجَ كان الدرب، الذي كنت أمشيه،
أعوج كان، نعم،
فهو، نعم،
كان مستقيماً.

الطفل ينـ... نعم!

أعوجَ منحنياً يصير أنفي.
أنفي.

ورحنا كذلك الى فريول.
هنا لكان لنا، هنا لكان لنا.
فشجرة اللوز كانت تزهر.
باندلباوم، باندلماوم
ماندلتراوم، تراندلماوم

حلمُ لوز.
وكذلك العرعر.
ماشاندلباوم، شاندلباوم.
شمعدان.

ينـ... نعم!
أوْم

لازمة

ولكن،
ولكنها تحجم، الشجرةُ. هي،
هي كذلك،
تنتفض على
الطاعون.

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

ولادة القضايا والمسائل الطائفية والأقوامية ونظيرها القومي العربي... و "إسقاطهما" معاً

المستقبل - الاحد 17 نيسان 2011
دخلت الجماعات والمجتمعات العربية المشرقية عهد الدولة الوطنية، أو صورتها وبنيانها، واستقرت أو اضطربت على شاكلة كيانات سياسية ومثالها، من باب "الثورة السلبية" (على ما تقدم القول في مقالين سبقا في "نوافذ المستقبل"، 9/1 و23/1/2011). وتلازم الدخول، استقراراً واضطراباً، مع تقطيع أوصال بعض الجماعات الكبيرة، النَّسَبية (الأحلاف القبلية الكبيرة) والقومية (والقوم الكردي مثالها) والطائفية المذهبية (مثل الروم الأرثوذكس والمَلَكيين والدروز والشيعة الإمامية الإثني عشرية، وقبل هؤلاء وأولئك أهل السُّنة). فحُملت الجماعات العريضة والمنتشرة في عدد من الولايات وبعضها نازل على الحدود الجديدة بينها وقد انقلبت حواجز بين الدول، وبعضها الآخر نازل في أنحاء متفرقة من الولايات السابقة حُملت الجماعات الأهلية هذه على انقطاع بعضها من بعض. وهي كانت الى الأمس القريب قوية العلاقة، أو العلائق والأواصر، تروح وتجيء في حمى السلطنة الواحدة وولاياتها المتصلة، وديراتها المستقلة. والحق ان الاستقلال والاتصال نجما عن غلبة الجماعات على ديراتها وبلادها ونواحيها، وتدبيرها (أهالي) الديرات والبلاد والنواحي بموجب أعرافها وسننها وتقاليدها الغالبة. ولم ينجم الاستقلال والاتصال عن شراكة سياسية، ولا عن التزامات إدارية أو مصالح قضت بتسوير دوائر الإمَامة والإقامة، ورفع "المسالح" والحصون على طول خطوط الدوائر المرسومة والمعروفة.
[الملة المتصلة والواحدة
فقطعت الحدود السيادية الجديدة، والكيانات السياسية والإدارية الوليدة، أواصر وروابط الجماعات الأهلية والأقوام. وخلفت في نخبها القديمة والناشئة المولودة من الإصلاحات والإدارات والتجارات والمواصلات على وجه الخصوص، جروحاً وندوباً كان لها الأثر العميق في "سياسيات" الجماعات والنخب معاً. فالإدارة السلطانية العثمانية ساست الجماعات الأهلية المتفرقة، من قبائل أو عشائر وأهل مذاهب وملل دينية وأقوام (أو قوميات)، بسياسة سلطانية أو امبراطورية مشتركة تقريباً أقرت لها بروابطها وأواصرها، وبوحدتها وانفصالها، وأوكلت الى هيئاتها وأسلاكها ومراتبها الخاصة الولاية الداخلية عليها، ورعاية دوامها على سننها وأعرافها وتقاليدها والتحكيم في منازعاتها. ولقاء الولاية والرعاية الداخليتين اضطلعت الهيئات والأسلاك والمراتب، بنواحي السلطنة القريبة أو البعيدة، بأداء فروض الولاء والطاعة للسلطنة، سلطاناً ووالياً ومتصرفاً، الى آخر مراتب السلطنة الإدارية والسياسية المحلية. فتخللت الولاءات النَّسَبية والمذهبية والقومية الكيانات والأبنية الإدارية والجغرافية (البلدانية) والاجتماعية (البوادي/ الأرياف، البوادي/ المدن، الأرياف/ المدن).
فكان الدروز، على سبيل المثل، في الشوف ووادي التيم والجولان وحوران، وهذه نواح انضوت من بعد في أربعة كيانات سياسية وتقاسمتها ولايات متقلبة العدد (وإمارة ومتصرفية وإمارتان) ومختلفة العرض، كانوا في الأثناء "أمة" واحدة أو ملة متآصرة ومتكاتفة على اختلاف بلادها ومنازلها وجيرانها. وترتبت على الآصرة الملية والأهلية القوية والمقيمة، على رغم تفرق البلاد والإدارة والجوار، نتائج ذات شأن بالغ. فكانت الجماعة المذهبية والنَّسَبية، والوجهان متضافران، واحدة في نزاعاتها المتفرقة والمختلفة. فإذا تصدى دروز اللجا الحوراني، الفلسطيني والأردني والسوري، لجند ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا، نائب السلطان على مصر، وهو (ابراهيم) في طريقه الى عاصمة السلطنة في النصف الثاني من ثلاثينات القرن التاسع عشر، عازماً على الاستيلاء عليها قبل ان يقطع عليه الجوق الأوروبي الطريق (في كوتاهية 1838) فرق اجتماعه ساقة ابراهيم أو الشطر الخلفي من جيشه. وجاءت المقاتلين النجدة من الجولان القريب ومن الشوف الأبعد. ووسع من شاء منهم الالتجاء الى بعض أهله في أي بلد يختاره من بلاد الملة الواسعة.
والهجرة، جماعةً، من ديرة الى ديرة في أعقاب هزيمة عسكرية، أو محنة أو فتنة، دأبُ الجماعة، على صورة هجرة الجناح اليمني من دروز الشوف، غداة كسرتهم بعين دارا في أوائل القرن الثامن عشر، إلى حوران والجولان. وقام الدروز كتلة على الجيش الفرنسي في النصف الثاني من عشرينات القرن العشرين. وهرب بعضهم الى بلاد بعضهم الآخر. وشفع بعضهم ببعض عند أهل القوة. وهم، في الأحوال كلها، يتزاوجون ويتزاورون. ولا تحول موالاة بعضهم أولياء أو حلفاء متخاصمين أو متعادين، على ما هي حال إسرائيل اليوم بإزاء دروز لبنان ودروز سوريا، من دوام المودة والتآخي بين أجزاء الجماعة المتصلة. فيسع الجنود الدروز في صفوف الجيش الإسرائيلي المحتل في 1982، والمرابط في الشوف، زيارة الأهل المحليين والخطبة والزواج من غير أن تفسد الحرب مودة الأهل. ويسع، من وجه آخر، المقدم الجنبلاطي مناشدة أهل ملته الفلسطينيين، "العرب الإسرائيليين"، ترك الانخراط في الجيش الإسرائيلي، فلا يحمل الأهل المناشدة على عداوة أو ضغينة، بينما يتصور انخراط لبنانيين مسيحيين أو شيعة في صفوف ميليشيا محلية أنشأها الاحتلال الإسرائيلي، في صورة جريمة لا يلغيها تقادم الزمن.
[جامعة الأجزاء
والدروز ليسوا بين الجماعات الأهلية المشرقية، حالاً على حدة. فالجماعات المسيحية العربية من غير الأرمن والأشوريين والكلدان والسريان (وهؤلاء جماعات ملية وقومية)، ومن غير الموارنة، جمعت بينها كنائس بطريركية مستقلة رأسها منها، ومن اكليروسها. ومعتقداتها تحدرت إليها من تاريخها العريق، ومن المطارحات والمناقشات والخلافات اللاهوتية والتنظيمية التي هزت "الشعب" المسيحي المشرقي بين بيزنطية "والجسر" (على البحار الثلاثة) شمالاً وبين بلاد القبط جنوباً وبين النهرين شرقاً في القرون الطويلة الأولى من المخاض الكنسي. ولم تشذ عن هذا الكنائس "الكاثوليكية" المتحدة، أرمنية كانت أم كلدانية... والجماعة الأرثوذكسية، من بين الجماعات الملية القومية، هي الجماعة المسيحية العربية الوحيدة ربما التي تجمع العروبة التاريخية والثقافية والبلدانية إلى التنظيم الإقليمي المستقل، على رغم روابط قديمة بالفنار البيزنطي فالعثماني، وروابط أضعف بالبطريركية اليونانية. فلما انقلبت الولايات السابقة، بعد دمج بعضها ببعض وتقسيم بعض آخر، كيانات سياسية وقانونية (وإدارية واجتماعية واقتصادية) مستقلة تقطعت أواصر رعايا الكنيسة الأرثوذكسية، وهم مواطنون في الكيانات الطارئة.
وإذا أقامت الأجسام الكنسية المتفرقة على هياكلها ومراتبها، وعلى أسقفياتها وليتورجياتها ومعتقداتها بديهة، فالحق أن الحال ا لسياسية والكيانية الجديدة لم تعدم أثراً عميقاً في وجدان الجماعات الديني والتاريخي معاً. ولعل هذه الحال أثرت في الجماعة الأرثوذكسية العربية فوق ما أثرت في الجماعات الملية والقومية الأخرى. فعلى خلاف هذه، انتشرت الجماعة الارثوذكسية العربية في الأنحاء العثمانية، والبيزنطية قبلها، كلها. ولم يبقَ لها موئل أو معقل غالب، على نحو المعقل الأرثوذكسي الأرمني بشرق الأناضول، أو الموئل اليوناني على ساحل إيجه، أو الحمى الأشوري بوسط العراق الشمالي، أو المعقل الماروني بشمال لبنان ووسطه الشمالي. فأقامت على انتشارها الضعيف، وعلى تخللها الجماعات السنية العربية، الغالبة على السكان. فكان الهيكل الكنسي البطريركي، في إطار الولايات السابقة وحدودها السياسية والقانونية الرخوة، هو جامعة أجزاء الجماعة الاعتقادية.
فلما تماسكت الحدود السياسية والقانونية الوطنية بعض الشيء، نشأت مصالح سياسية واقتصادية عن الأطر الإدارية والجغرافية الطارئة، متباينة. فشبكات التبادل والتجارة والانتقال القديمة والمستقرة منذ زمن بعيد، وهي شبكات ربطت بين الجماعات والبلدان على قدر ما ربطت بين البضائع والسلع والأسواق، تقطعت. واضطرتها الحدود الجغرافية والسياسية، ومكاتبها الجمركية وحسبتها على الاستيراد والتصدير وحصصهما ومصادرهما وعلى التهريب، ومراقبتها الأمنية، اضطرتها الى تنظيم شبكات تداول جديدة، وإلى دعم سلع والتخلي عن أخرى، ومراعاة مصالح "الحمايات" الأجنبية الغالبة. فتضافر التقطيع والتضييق الجديدان، مع غلبة مصالح الدول المنتدبة وتحطيمها وسائل الإنتاج وأنماط التبادل السائدة من قبل، على رمي الشبكات القائمة وأهلها، في أزمات متناسلة ومزمنة. وولد بروزُ شبكات ناشئة أصحاب مصالح جدداً نازعوا المتربعين في سدة المصالح الآفلة على مكانتهم وعوائدهم. وعزلت الحدود الجغرافية والسياسية الوطنية الناشئة الوحدات الأهلية، الملية، بعضها عن بعضها الآخر. وفوق هذا، وأشد فداحة منه، نصبت الكيانات الوطنية أجزاء الجماعات الدينية والأهلية الجزء بإزاء الجزء، وليس الكل المنتشر بإزاء كل منتشر غيره. فألفت "الأبرشية" الأرثوذكسية في الكورة نفسها، وقد انقطعت من بطريركيتها "الشامية" والعثمانية العريضة والواسعة، بإزاء الكتلة المارونية اللبنانية بل الأنطاكية "الساحقة" كلها، على ما روى إميل شاهين الى محمد أبي سمرا اخيراً ("النهار"، 16/1/2011). وعظَّم فداحة الأمر "الوجودية" اندلاع الصراع على المحل الأول في الدولة الجديدة، وكان (الصراع) مقتصراً على المحل الثاني أو الثالث في الإطار السلطاني أو الامبراطوري. فشحذت الحال الجديدة النعرات، وصوّرت الحال السابقة في صورة فردوس "وحدوي" ضائع. وتنطحت الجماعات الصغيرة والقليلة العدد الى التمثيل على الكل الواحد والاوسع. فسوغت المكانةَ القائدة التي تصبو اليها الجماعة من طريق تعظيم القضية التي تضطلع بالدعوة اليها. وعلى هذا، تديّن أنطون سعادة وميشال عفلق الارثوذكسيان، مولداً ونشأةً و"جلداً معنوياً"، بدينين قوميين يشبه واحدهما الاخر عصبية وأسطورية دمويتين. وحُمِّل الكيان اللبناني، ودعاته الموارنة وهم كثرتهم الكاثرة في الدولة "الكيانية" التي ضوت حدودها، من قنوبين شمالاً الى يارون وعين إبل ويارين جنوباً، كتلتهم الغالبة المسؤولية الداخلية عن تقطيع "سايكس بيكو" الخارجي ومبضعه الجراحي.
وعلى هذا، فالإنكار الأرثوذكسي، شأن الإنكار الدرزي ونظيره السني، في فلسطين ولبنان والأردن وسوريا والعراق (على وجه آخر)، على الكيانات والدول الوطنية المشرقية أو العربية عزلتها، أو "انعزاليتها"، وطائفيتها، إنما تصدر ("الإنكارات") عن بواعث ملية وسلطانية (امبراطورية) فوق صدورها عن باعث قومي سياسي. فما تنكره نخب أرثوذكسية، اجتماعية وإكليركية وثقافية، قومية سورية وبعثية على "التجزئة القطرية"، أي على الدول الوطنية المشرقية، هو تصديعها الحيِّز السلطاني المتصل الذي لاذت به زمناً طويلاً الجماعات الملية المتماسكة. وتنكر تقطيع الدول أجسامها الملية، وامتحانها مصالحها المستقرة ومكانات أعيانها الموروثة والمزمنة. فالدول الوطنية لم تقطع أو تجزّئ جسماً سياسياً متصلاً وجامعاً فهذا الجسم لم يكن قائماً وهو يفترض بنية سياسية وأحوالاً اجتماعية غير معروفة ولا تزال غامضة الى اليوم -، بل قطَّعت وجمعت جماعات أهلية ومللاً وأقواماً وولايات ونواحي متناثرة، ومنكفئة على العموم، تربط بينها رابطة السلطنة (وهذه ليست "لا شيء") الفوقية والمرتبية والائتلافية (الكونفيديرالية). وأرسى التقطيع والجمع الكيانيان والوطنيان موازين قوة ومكانة ومصلحة لا عهد للجماعات بها، واقتضت منها جهود تكيف مادية ومعنوية عظيمة وثقيلة، ورتبت عليها منازعات وانقسامات داخلية مريرة.
[النداء الملي
ولم تستو الجماعات على قدم واحدة بإزاء التقطيع والجمع الكيانيين. فلما اجتمعت كتلة الموارنة الكبيرة والراجحة في لبنان، وضوت الدولةُ الوطنية معظم أجزاء الكتلة، استقوت هذه بالدولة واستظهرت بها، وقامت منها، ومن جماعاتها، مقام "الطبقة الحاكمة" أو "الأمة"، على المعنى الجرماني (وهو قريب من الحال العثمانية وقبلها المملوكية). فاجتمعت الجماعات المذهبية الأخرى على كراهيتها والضغينة عليها. ولم يكن لشيعة لبنان "الكبير" تتمة ملية وأهلية بفلسطين أو بسوريا، البلدين المجاورين. فلم يكابدوا آلام "التجزئة" والانعزال، ولم يعانوا تباريح الاتصال، على ما سمي النازع الوحدوي السوري في ثلاثينات القرن الماضي اللبنانية. وبقوا "كيانيين" على قدر ما، وعلى ما ظن فيهم الوحدويون، الى أن حمَّ القدر الفلسطيني، وفي ركابه الأقدار الإسرائيلية والسورية والإيرانية. وعلى رغم اجتماع الأقدار هذه، وغلبة الجوار السوري والعامل الفلسطيني من قبل، لم تستفق الأهواء الوحدوية إلا استجابة لنداء ملي، مصدره التشيع الإمامي الإثني عشري وسيطرة جهازه العلمائي "الإكليركي" على الدولة الإيرانية. وأقام شيعة العراق على عصبية مذهبية واجتماعية ("يسارية") ما بقيت العصبية السنية والعربية الشريفية (نسبة الى أنصار فيصل ابن الشريف الحجازي المكي حسين) غالبة. فلم ينتسبوا الى عروبية نشطة، وفرقت بينهم وبين الجوار الفارسي الإيراني عصبية دموية وتاريخ من الغزوات والغارات والمجازر يرقى الى القرن السابع عشر.
وغلبت العرب السنّة على سكان المشرق، عدداً وسطوة واجتماعاً وتاريخاً وثقافة، ناطت بهم قبل غيرهم، وفوق غيرهم، "القضية القومية" على وجهيها، انفصالاً وطنياً واتصالاً واتحاداً أهليين وقوميين (والأدق القول: أهليين قوميين، من غير انقطاع ولا عطف. فالقومية بهذه الحال ليست منفصلة عن الأهلية، ولا عن صورة الحلف العريض). فهم وجدوا أنفسهم، فجأة، في مقابلة جماعات وأقوام استتبعوهم طويلاً في سلطناتهم، ودان لهم هؤلاء بالطاعة، فمحضوهم الحماية والجوار الآمن. وتولت الاستتباع طبقة عسكرية احترفت الحرب والرئاسة والجباية لقاء تسليمها بالشريعة الإسلامية معتقداً وقانوناً ناظماً لمعاملات المجتمع، وبإدارة مجتمعية ذاتية يتولاها سلك الفقهاء والعلماء بالتكافل والتضامن مع أهل التجارة ومشايخ "العشائر" والخطط والقرى. فاتصلت نواحي المشرق، الى مصر جنوباً وكيليكيا والأناضول شمالاً فقابادوقيا وتراقيا العثمانيتين من بعد، من غير انقطاع ظاهر. وتماسكت ديراتها ومدنها ومزارعها وقراها وطرق تجارتها وحجها من طريق "طبقتها" الحاكمة والسلطانية. وهي بنيتها الفوقية. ومن طريق فقهائها (ومحاكمهم ومذاهبهم) وتجارها (وقوافلهم ووكالاتهم وقراباتهم وحوالاتهم) وأعيان عشائرها (وأعرافهم وأطر اجتماعهم). وهم وهيئاتهم بنيتها التحتية. ونهض اتصال نواحي المشرق و "وحدته" على تقسيم أدوار واختصاص: فعادت "الحرب"، وهي لب السياسة وركنها، ومتعلقاتها المباشرة وغير المباشرة، الى "أولي الأمر"، واختصت "الرعية" بأداء الضرائب والأخرجة والأعشار والجزية والطاعة، على قول محمد علي الأرناؤوطي الى الشيخ عمر مكرم نقيب الأشراف الطالبيين بالقاهرة عشية استيلاء الأول على حكم مصر، و "عزله" الثاني.
والوحدة على هذا النحو، أي ائتلاف الجوار ائتلافاً رخواً ومرناً لا إلزام فيه غير ذاك الناجم عن تقسيم عمل مصلحي، تترجح بين قطبين: قطب سلطاني (امبراطوري) فوقي، وقطب أهلي (ديني عرفي واجتماعي معاشي) تحتي. ويتخلل القطبُ الآخر، ويلزمه الإلزامات ويقيده، بحسب ميزان القوة والمصلحة والظرف، وذلك من غير ان يجري التخللُ والإلزام والميزان على سنن أو قواعد معروفة وثابتة تخول "المتضرر" الاحتجاج بها أو الاحتكام إليها. وهذه، أي السنن والقواعد، تنشأ عن عقد سياسي لم يكن تبلور بعد. وحين تعاقبت الحوادث الدولية والعثمانية والوطنية المحلية على بلاد المشرق (أو الشرق الأدنى، في المصطلح الاستراتيجي والجغرافي السياسي الفرنسي)، وتفتحت المنازع "القومية" الاستقلالية المحلية وقويت، أقامت الجماعات وأصحاب المنازع هذه من رؤساء الجماعات وأعيانها ووجهاء الصف الثاني والثالث على قسمة القطبين، السلطاني الجامع من فوق والأهلي المؤتلف من تحت. واستمرت الجماعات، ومنازعها، على الترجح بينهما.
[أمم الولاية
وَوَلدت القسمة القطبية من غير عقلها، وَوَلد الترجح بين حدّيها، القضية (والأدق: القضايا) القومية والمسألة (والأصح: المسائل) الطائفية أو الملية على الوجوه التي وُلدت عليها المشكلتان أو المسألتان واستمرتا عليها، على هذا القدر أو ذاك، الى اليوم. فبقيت "القومية" شعوراً أو "تذكراً"، على قول إدمون رباط وميشال عفلق، وحركةً، على قول جمال عبدالناصر، كناية عن الذوبان البركاني أو تدفق السيل الذي يطيح الترع والمجاري ويكسرها. وبقي شرطها وقوامها ولاءً ومبايعة يتولاهما الجمهور، وهو على نقيض أحواله الأهلية والعصبية الأساسية والتكوينية. ومن غير رسو النقض المفترض، والناجم تخيله وتوهمه عن خروج "طبقات" المتعلمين والموظفين ومزاولي المهن الحرة والمكتبية الجدد عن أحوال أهلهم، على معاملات وأبنية اجتماعية وسياسية وثقافية متماسكة ومختبرة.
ويبايع الجمهور ويوالي وليَّ أمر يمثل في نفسه نسباً ودماً (فيصل بن الحسين)، أو انتساباً تاريخياً (عبدالناصر ووحدة "الإقليمين" المملوكية)، أو دوراً جوهرياً (ياسر عرفات وحبل السرة الفلسطيني)، أو فتوة فروسية وحربية (صدام حسين وبوابة الأمة الشرقية)... يمثِّل على الفكرة والقضية القوميتين، ويجسدهما تجسيداً مقدساً أو حراماً (ذا حرمة تحظر التحفظ والرأي والمنازعة والمداولة). وليس في الجسم السياسي، وبالأحرى ألا يكون في رأسه ما يستبقي أثر تركيب أو كثرة أو تفاوت تصف الجمهور المبايع والموالي وتعيِّنه وتعرّفه. فسند "الولي" على معنيي ولاية الأمر والسلطان، وحرمة الكرامة أو "البطولة" هو عروة، أو رابطة، أو روح "لطيفة" تحوم في فضاء المشرق العربي، وتشد، وهي في عليائها الأثيرية، كتل البلاد والأقوام والجماعات المنكفئة، وتنفخ فيها لحمة متينة تعصى حوادث الزمن وفرقته وتبديده. وتستيقظ الروح، أو تتنبه وتستفيق على قول "الشاعر" اللبناني الصارخ، في الملمات، وبإزاء موت الأمة الوشيك عن يد الأجنبي القاطع، الفرنجي الصليبي أو المغولي التتري أو المستعمر الأوروبي أو الصهيوني الكياني والأميركي. وقرين هذه ووليدها هو الطائفي الأقلوي والشعوبي الدخيل والمولَّد. وعلى هذا، لا تحتاج الروح القومية، ولا "الدولة" القومية أو "دولة الوحدة" من بعد الى حركات سياسية وطنية وبلدية محلية تنزع، في إطار دولها ومجتمعاتها الوطنية أولاً، منزعاً "قومياً" مشتركاً، وتنحو نحواً مركباً يمثل على الجمع بين المستويين المفترضين والتأليف بينهما. فما تحتاجه هو جَبُّ الطائفي الكياني والشعوبي الدخيل والمولَّد، وسحقُه. ولا يبلغ الجب أو السحق غايته إلا حين الانتصار على الرأس الاستعمارية والإمبريالية، وقطعها مجازاً، وفصلها عن "شعوبها" المسالمة و "المحترمة"، على قول بعض الإيرانيين الخمينيين اليوم.
فما أقامت الجماعات الأهلية، وهي بلدانية محلية واعتقادية وقرابية معاً، على اتصال شبكاتها في إطار السلطنة أو السلطنات، قبل الكيانات الوطنية، وما مضت على استقرار تقاليدها وعلاقاتها بين ابعاضها وأجزائها و "أبرشياتها" في الكنف الديني والقومي المختلط والجامع، بقيت المسألتان، المسألة القومية العروبية والمسألة "الطائفية" (والأقوامية) الكيانية، خافتتين بعض الشيء. والحق أن الكيانات الوطنية المشرقية التي نشأت وأنشئت غداة الحرب الأولى، وفي أعقاب نحو 80 عاماً على "التنظيمات" العثمانية، وعلى احتداد المنازعات الأوروبية الإمبريالية في إطار العولمة الأولى، فجّرت المسألتين، وربطتهما الواحدة بالأخرى برباط وثيق ومزمن غلب على العلاقات السياسية داخل الكيانات، وعلى علاقاتها الإقليمية الواحدة بالأخرى. وغذى الرباط الوثيق والمزمن هذا إيديولوجيات محمومة ومعاملات عنيفة حوّلت المسارح السياسية الداخلية والإقليمية ميادين حروب أهلية مستترة مضمرة أو صريحة فاحشة.
فبين الكيان الأهلي والعصبي الداخلي (ما قبل السياسي أو تحته، على سبيل الاستعارة) وبين السلطنة القومية المفترضة التي أُوكل إليها التمثيل على الدولة "الأمة" المرجوة (ما بعد السياسي أو فوقه)، خلت المجتمعات "السياسية" من حلقة وسيطة تفتح الكيانات الأهلية والعصبية ومنازعاتها على الدولة الوطنية المشتركة من وجه، وتغرس الإطار السلطاني في أرض الدولة، من وجه آخر. والأمران كانا يقتضيان إبطال نازع الكيانات الأهلية الى الانفراد بمكانة عصبية الدولة المستولية ومحلها، وإلى إرساء الدولة الوطنية، المؤتلفة من جماعات أهلية متقطعة، غالباً، على المُسكة العصبية. ولكن "الدول" الوطنية المستجدة والناشئة ضوت جماعاتها، أو كياناتها الملية وأقوامها (وأوَّل هذه الأقوام القوم الكردي العصي)، على معيار عصبي مترجح. فنصبت "الدولة" السورية الدروز والعلويين وسنّة الشمال العرب والأكراد، في وجه كتلة الوسط السهلي والمديني السني، كيانات قد لا تنازع الكتلة العتيدة، والغالبة على مجتمعات المشرق، الغلبة، ولكنها تقيد غلبتها، وتطعن في ميزانها ودعواها. وفي إطاره بلغ التفاوت الملي والطائفي ذروةً أورثت المسألتين الطائفية والقومية حدةً داميةً مريرةً ومزمنة. وأخرجت "الدولة" الوطنية اللبنانية الناشئة بعض الكتل المسيحية المجتمعة، أو الأكثف اجتماعاً في المشرق، من انبثاثها في الأرجاء العربية والإسلامية، وخصتها بكيان سياسي تنازعه نازعا الانعزال (أو الانفصال، على ما سمي أولاً) والاتصال ("الوحدوي") قبل ولادته الديبلوماسية.
وتوجت الإمارة الأردنية الهاشمية جسماً عشائرياً، أقرب الى التجانس الاجتماعي والأهلي، ولكن لا مُسكة له من داخل، وبغير تاجه الأميري فالملكي الخارجي، شأن "الوحدات" أو الأحلاف القبلية. فكان الجسم العشائري، قياساً على الكيانات الوطنية والمشرقية المجاورة، أمتنها وأعصاها على المنازعات الأهلية. وهذه طرأت عليه مع التحاق اعداد كبيرة من الفلسطينيين به ولجوئهم إليه، ومع اشتداد عودهم الأهلي، ورفضهم الصيغة الاتحادية أو الفيديرالية التي اقترحها عليهم، متأخراً، العاهل السابق. ومثلت فلسطين الانتدابية، وهي اختتمت حقبتها أو مرحلتها هذه بتقسيمين، على مأساة الترجح بين الكيانات الأهلية ويبن السلطنة القومية المفترضة. فأفضت العروبة الأهلية والعصبية الى ضم الضفة الغربية إلى (ما استوى) مملكة هاشمية أردنية (جراء الضم)، وإلى الإنكار على الأهل الفلسطينيين وطناً وكياناً سياسيين بذريعة "الدولة الأمة" القومية ولائحتها في الأفق. وعلى هذا، أفضى التقسيمان الى حربين "أهليتين" مزمنتين، غير متكافئتي الصفة، فلسطينية إسرائيلية، وفلسطينية أردنية. وأفضى طيف السلطنة العروبية الجامعة، وانفجار المسألة أو القضية الفلسطينية، رافد الطيف الأول والنافخ شبه الروح فيه مذذاك، أفضيا الى معمعة نزاعات وحروب اختلط فيها الأهلي العصبي بالوطني "القطري"، والعروبي القومي بالإقليمي ودوائره الظرفية والمتباينة. وفاقم العراق، حيث الميزان الشيعي السنّي والميزان العربي الكردي متشابكان بالميزان العشائري المديني والريفي، تعقيد المسألة الوطنية والسياسية. ويقتضي هذا معالجة مستقلة.

الاثنين، 4 أبريل 2011

خطابة الديكتاتورية العربية الآفلة و"ثوراتها"في حلّة وأداء مسرحيين وأوبراليّين هازلين ومأسويين

المستقبل - الاحد 6 آذار 2011

كانت خطبة «العقيد» معمر القذافي، في ختام 41 سنة ونصف السنة من الاستيلاء المباشر (1 ايلول 1969 22 شباط 2011)، بياناً مسرحياً، شكسبيرياً أو بيرنديلوياً أو أوبوياً (نسبة إلى «أوبو ملكاً» لألفرد جارّي الفرنسي)، في السلطة والحاكم الفرد والتأله السلطاني الهاذي والعزلة. والبيان الطويل والفذ والاسثتنائي آية من آيات الأداء المتلفز والمباشر، لغةً وإلقاءً وتشخيصاً ولباساً وقيافة و«ديكور» خشبات وأدواراً ثانوية. فالرجل الذي ظهر فجأة على شاشات الفضائيات، قبيل السادسة مساءً (أو الثالثة في توقيت غرينتش)، وتكلم طوال ساعة وربع الساعة، بدا، وهو في السبعين من العمر، إذا صح أنه كان في الثامنة والعشرين حين استولى على حكم ليبيا وطرد الإدريسيين عن العرش، حطاماً إنسياً، وبقية بشرية. ولولا ترويع الأخبار والصور الصادرة عن بعض البلاد الليبية، وأولها بنغازي، ونذر الهول التي لم تتكتم عليها كلمة سيف الإسلام معمر القذافي قبل يومين (في 21 شباط)، لكانت الخطبة المعمرية من أمهات الأعمال المأساوية والمسخرات الهازلة معاً. فالوجه غارَ في تجاعيد بشرة وغضون من غير لون ولا التماع. والقسمات ارتخت، وتراكم بعضها فوق بعض لزجاً وهلامياً، على ما يرى في بعض أشرطة ميازاكي المصورة والمتحركة. وانقلب محور الوجه أو قوامه وعباراته من الطول، على ما هي حال الوجه العادي، إلى العرض. فتراكمت القسمات، الواحدة فوق الأخرى، واقترب بعضها من بعض على نحو غير مألوف في الوجوه. وظهر التحول في الشفتين والفم فوق ظهوره في القسمات الأخرى. فحلت فيه، في التوائه العَرْضي ولعابه واندلاقه على الذقن تحت شعر الشاربين المتفرق والقليل والضعيف، عقود من الازدراء والقرف والكراهية والتجبر والانكفاء على نفس لا نافذة لها ولا شرفة. واعتمر الخطيب المفاجئ، والمتهالك بعضه على بعضه، قبعة قد تكون صحراوية، تشبه شبهاً غريباً قبعات الأمراء والقادة الإيطاليين في تصاوير القرنين الخامس عشر والسادس عشر ولوحاتهما. ولبس صدرية من اللون البني الغامق نفسه، تنتهي في الجزء الأعلى بياقة عريضة تنبسط على معظم هذا الشطر من الصدر. فلم يعوض اللونُ البني، وهو قريب من لون وبر بعض الجمال والنوق، بشرةَ الوجه الكالحة والمغبرة «لهجةً» لونية، على قول صنّاع التزويق وأصحابه. [فرح الاعدام ووقف الخطيب البادي الاضطراب، والحاضر حضوراً طيفياً أقرب إلى تطواف الصدى بين الأقبر في حكايات الجن وعبقر البدوية، في مدخل ثكنة العزيزية وبوابتها الحديدية بطرابلس الغرب. والمبنى العسكري والستاليني العمارة، ضخامة وثقلاً وإرهاصاً بالخراب وامتناعاً من إحاطة الصورة القريبة بأنحائه كلها، ظاهر الخلو من السكان والمقيمين. وهو لا يزال يحمل آثار قصف سلاح الجو الأميركي في 1987، رداً على ضلوع «الأخ العقيد» في اغتيال جنود أميركيين ببرلين. ووقف الزعيم الثوري متداعياً تحت قوس البوابة، وراء منصة عارية نصب فوقها لاقط صوت معدني نحيل. ويحف المسرح الهزيل والمقفر نصبُ ذراع طويلة وقوية وقبضة تهصر طائرة فانتوم أميركية، عادت عدسة التصوير إليه المرة بعد المرة، وترددت بينه وبين بوابة ثكنة العزيزية وواجهة المبنى الخرساء ووجه الخطيب الأغبر، وقيافته الصحراوية والنهضوية الإيطالية. وخطب حوله «جمهوراً» ضئيلاً ومتفرقاً وصفه عبدالرحمن شلقم، وهو وزير خارجية «الأخ معمر» سابقاً ومندوبه الدائم إلى الأمم المتحدة قبل استقالته و «صديقه» بداهة، غداة الخطبة بيومين، فقال: كان القذافي يخطب جمهوراً هو «أطفال أتى بهم من دور الرعاية (...) ومواطنين هم جنود ألبسوا زياً مدنياً«. وتكلم «القائد المؤسس»، غداة تلويح ابنه «السياسي» والديبلوماسي، والمفاوض، ومحرر الرهائن وبيّاعهم في سوق طويلة عريضة حدودها مستشفيات طرابلس الغرب وصوفيا البلغارية وأدغال تايلندا وبرلين واسكوتلندا ولبنان وليبيريا وإيران وسوريا وفلسطين بحرب قبائل وبلاد وديرات وأهل. وهي حرب سبق أن نفخ والده الذي «لا يمس» في مثلها بلبنان، قبل نحو 30 عاماً، وبالصومال وتشاد والحبشة وأطراف السودان ومالي إلى ليبيا نفسها، في العشرين عاماً «الافريقية» الأخيرة. فأوجز، إذا صدق الفعل في خيوط الكلام المتقطعة مثل خيط طائرة ورق مرتجلة، فلسفة ثورته وروحها، وبسط حوادثها ووقائعها وأحكامها، إيجازاً وبسطاً لا ريب في أن صورهما التلفزيونية «عمل» يجب حفظه وتداوله. فالرجل الذي تربع طوال أربعة عقود وبعض العقد على كرسي بلد افريقي شاسع، محوري ومفتاحي (بعد الاستئذان من فاروق الشرع وبثينة شعبان) موقعاً ونفطاً، ومد يديه الطويلتين، وعضدهُما «الفلوس» الغزيرة والسائبة واستباحة القتل من غير قيد، إلى بعض أنحاء الأرض، يبحر في الكلام والمخاطبة من غير دفة ولا شراع ولا بوصلة أو خريطة. فينتقل موج الخطابة المتلاطم بين الجهات كلها، ويتقدم وينكفئ على عقبيه، وييمم شمالاً ويحيد جنوباً، ويبدي ويعيد، ويقطع البداءة والإعادة، ويخلط الواحدة بالأخرى. ويوعد ويتهدد ويستجدي ويستدرج ويهيب ويسلّم وينزل ويعد. وينتصب ويتهالك، ويبدل نظارتيه، ويتفقد قبعته طويلاً، ويسوّي حمالة ثوبه العريضة بين كتفه وخصره. ويقطع الخطابة بقراءة مخطط خطبته، ويشرب من كوب ماء يأتي بها أحد خدمه، ويقرأ في قانون العقوبات الليبي «قبل الثورة». وتقتصر قراءته على «إعدام». ويكرر اللفظة في ختام جمل تصف الجرائم قبل النص الواحد على عقوبتها. ويفرح باللفظة فرح الولد بلعبة يخبئها تحت غطاء يخفيها، ثم يشد الخيط فتظهر اللعبة بعد خفائها، وتهتز أعطاف الولد انبهاراً بسحرَيْ الخفاء والتجلي، واحتفالاً بولادة الكلام الذي يوقّع السحرين توقيعاً منظوماً، ويعاقب بين الساكن والمتحرك معاقبة «قانونية». «إعدام»، «إعدام»، «إعدام»... وكأن هذا هو وجه المعنى وإيذانه وبشارته وعبارته المبينة. وتتداعى الخطبة في هذا الموضع تداعياً مفاجئاً. فينعطف «القائد» صوب حوادث ووقائع دامية ومعاصرة، وقعت في العقدين الأخيرين، مثل مقتلة تيان آن مين ببكين في 1989، وقصف الدوما الروسية في 1992 (وأغفلها ملخص الخطبة). فيرويها رواية «روحانية»، ويستحضرها على نحو استحضار المسحور، أو المربوط الذي حل الجن حركات جسده وعبارات لسانه، خيالاته المعذِّبة. وراوي الكوابيس هذه يرى الآن وهنا ما يرويه. وتغشى رؤاه السوداء والليلية عينيه وكلماته. ويخبر الرجل المتصدع، على شاكلة الملك لير في عين العاصفة الليلية، المنفضين عنه وأعداءه المتكاثرين أخبار حملات قمع دامية جردها حكام طغاة دينغ هسياو بينغ في الصين الشيوعية، وبوريس يلتسين في روسيا النافضة عنها لتوها رداء الحزب الدولة الحديدي، وبيل كلينتون مزعوم هو من بنات دماغ الخطيب المحموم على متظاهرين عزل أو نواب معتصمين في مبنى الدوما. وإذا بلطخات ومعرات تصم سير هؤلاء الحكام وسجلاتهم «الإصلاحية» تنتصب علامات هداية ورشد وفقه يهتدي بها والي حركات السطو والاغتيال والخطف في أجزاء من العوالم العربية والإسلامية (وبعض الأوروبية، من طريق الجيش الجمهوري الإيرلندي و «كارلوس» القاتل الفينزويلي - الفلسطيني...). ويردد السائر على نهج القتل العمد على مسامع «رعيته» بشائر إردائهم بنيران قواته الخاصة و»فيلقه الافريقي»، وقوات أولاده، الساعدي وهنيبعل وخميس، وجحافلهم. وفي الأثناء، بينما يرتجل الخطيب دعواته وتذكيره وتهديده ووعوده، ويتنقل بين الواحدة والأخرى على غير هدى ولا منطق، تُسرّي آلة التصوير عن المشاهد، فتترك الخطيب المفترض يغرق في أَجَمة خطابته ويتيه في شعابها المتشابكة، وتثبت صورها بوابة الثكنة، أو واجهتها، أو نصب الساعد والقبضة والطائرة الحربية. وتلم إلماماً خاطفاً بوجود أولاد دور الرعاية والجنود المتنكرين في زي مدنيين، وبهتافاتهم الناحلة وسواعدهم وقبضاتهم. ويبدد تعثر إلقاء القذافي، وتضييعه خيط كلامه، وعودته المكررة والآلية إلى مسائل سبق تناولها قبل لحظات، وتأتأته، تبدد هذه الإيحاء «الحربي» و «البطولي» الذي قصدت الصور الهزيلة الرمز إليه، والتمثيل عليه. فتنقلب المحاكاة «الثورية»، والبطولية الفاتحة، مشهداً بائساً ومتداعياً يؤديه امرؤ مستعار من مسرح صمويل بيكيت المقفر. فكأنه من «أبطال» «في انتظار غودو» أو «ختام اللعبة» المعفَّري الوجوه بالطحين، أسرى جرار مهشمة ومنزوية تقوم منهم محل الصدر والجذع والحوض والقدمين. [اصل الاستبداد الإرادي فالخطيب الذي يرى نفسه، في مدخل الثكنة الخربة التي قصفتها «القوة العظمى» قبل ربع قرن، وارثَ حرب عمر المختار على المحتل الإيطالي وانتصارات جمال عبدالناصر على الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة والجديدة وعلى «أذناب الاستعمار»، هذا الخطيب لا يرى الفرق بين «وقفته» الأخيرة وبين مواقف الأسلاف العظام، المحدثين والقدماء (عقبة بن نافع وطارق بن زياد وغيرهما من المحاربين والفاتحين الذين سمى باسمهم حامل راية «الفاتح من سبتمبر» القواعد العسكرية التي أخلاها الأطلسيون نزولاً على رغبة العقيد الانقلابي). وغفلته عن الفرق بين مسرحه الركيك والميلودرامي الآفل وبين مسارح الحروب والفتوح والأفعال التاريخية والدرامية الكبيرة قرينة بليغة وجارحة على هزال ما ينصب «الواحد»، على قول إتيين دولابويسي في السلطان المستولي، طاغية فرداً، وحاكماً بأمره ونهيه. وكان لابويسي (1530- 1554) سأل عما يسوغ انقياد الناس إلى صاحب سلطان آمر وناه فيهم، وهم الكثرة والعدد والقوة والرأي واليد المنتجة، وهو أي صاحب السلطان في أحيان كثيرة، قليل الأنصار وخاوي الوفاض من القوة والرأي والتدبير. ويعزو المفكر السياسي الفرنسي رفع الطاغية إلى مرتبة السلطان الواحد، إلى «إرادة العبودية» والانقياد والتسليم، وذلك بإرادة ورغبة تلقائيتين لا مسوغ لهما مسوغاً «موضوعياً»، مثل ميزان القوى وكفاءة القائد وتفوقه، إلخ. فهو قد يكون «عبداً أجدع»، على ما جاء في بعض الحديث، أو رجلاً ضئيلاً وأشوه وأحمق وألثغ، على قول صاحبنا. ولا يحول هذا بينه وبين صدوع الرعية بسلطانه وطاعته، ورفعه فوق مرتبة البشر، وحله المرتبة «العظمى» والمنزلة السامية والمتألهة. ويحقق «قائد الثورة» الليبي الرأي في أصل الاستبداد ا لإرادي والطوعي، على معنى التسليم والتصديق والاعتقاد. وخطبته الهاذية، والمشهد الميلودرامي والأوبرالي الهازل (والمأساوي) الذي اختاره ساحة ومعرضاً، بيان بليغ عن أركان سلطاته أو سلطانه. والبيان القذافي، شأن الأسطورة أو الخرافة ومقارنةً بالتجربة المعللة، «لا يُدحض»، وليس إلى إبطاله ومناقشته سبيل. فهو، من هذا الباب، شكلاً ومضموناً، مثال أنموذجي لخطابة (وخطابات أو مقالات) «القادة» العرب المتسلطين والمؤبدين. وهو مثال أنموذجي لأفعالهم وتصريفهم السلطة المؤبدة التي صنعوها، وتواطأت جماعات بلدانهم على صنعها والإذعان لها. ولعل ركن السلطان المشروع والمطلق الذي ينسبه إلى نفسه معمر ابن المجاهد البطل محمد («من ابطال القرضابية وتالا... المدفون في الهاني») ابن عبدالسلام أبو منيار («أول شهيد سقط فوق الخمس في أول معركة عام 1911»)، وابن أخي الشيخ الساعدي («في مقبرة منيدر») هو تحدره من نسب بطولي «ثوري»، يرتقي بدوره إلى اصل متأله. وما قد يبدو في الكلام السائر مجازاً، وقولاً مرسلاً على عواهنه، ينتصب في خطابه «القيادة» كتلاً من صور وألفاظ وأفكار أو أحكام يترتب عليها إنشاء عالم الحياة التاريخية والسياسية على مثال وشكل بعينهما. وتعريف الرجل نفسه «قائد ثورة»، ونفيه عنه، تالياً، الرئاسة أو غيرها من ألقاب الانتداب أو التكليف أو التمثيل، هذا التعريف يقصد به «قائد الثورة» تخطي الوسائط السياسية، والهيئات والمؤسسات، إلى جوهر السلطة الذي لا اسم له، ولا تمثيل عليه. وذلك أن الاحتكام إلى الرئاسة، أو إلى الوسائط السياسية والهيئات، وإلى الانتداب والتكليف، يلزم عنه تقييد الرئيس ومتقلدي المناصب بقيود تعاقدية وإجرائية دستورية. وهذا ما يسارع الوالي المتصدع والمتداعي إلى نفيه أشد النفي. فيُتبع تجديد صفته «قائد ثورة» بالإيضاح: «والثورة تعني التضحية دائماً وأبداً حتى نهاية العمر» عمرِ قائد الثورة وأعمار أبنائه وأحفاده إلى حين انقطاع ذراريهم بمشيئة علوية ربانية («إلى الأبد»)، في مقابلة ونظير «أجدادي» و «أجدادكم»، و «دماء أجدادنا» الواحدة، أنا وأنتم. وعلى هذا، فالثورة، وصنوها القيادة، لا تقتصر على الإنشاء والتأسيس، أي على الولادة. ومن بعد الولادة على تحرير الأولاد من والديهم، ومن ولايتهم عليهم، وتركهم يبلغون رشدهم وأشدهم أحراراً من غير وصاية أو ولاية مزمنة. فالإنشاء والتأسيس الثوريان لا ينتهيان إلى حد أو وقت. وهذا ما مثلت عليه وتمثل الأسر الحاكمة «الثورية» و «التقدمية» العسكرية، من اليمن إلى تونس، وبينهما علناً أو وراء الستارة العراق (الصدامي بعد العارفي والقاسمي) وسوريا (الأسدية أبداً ودوماً) ولبنان (الحزب اللهي الحرسي) ومصر (الناصرية) والجزائر (البومدينية). [وصلة العالمين ومرجع الإنشاء والتأسيس الثوريين والمرسلين لا إلى حد أو غاية هو التضحية، على قول صاحب النظرية الثالثة، و«قبلة» حركات التحرر العربية والإسلامية والعالمثالثية الثورية وقيادييها ومقاتليها ومناضليها وصحافييها وباحثيها وجامعييها وطلابها وروائييها وشعرائها ونقادها وناشريها. والقيادة الثورية، «دائماً وأبداً» مرة أخرى، أولها تضحية بالنفس والدم والأهل وملك اليمين. ومن يضحي بهذا كله وهو لا يُحصر، ويهبه هبة لا يرجو لها ولا عنها مقابلاً أو ثمناً، يشترط لقاء هبته السخية والكلية مكافأة مثلها، لا يحصر سخاؤها ولا قيد على كليتها. والمكافأة المستحقة هي القيادة الثورية أو الولاية الكينونية، في مصطلح الخمينية ووكالاتها، «حتى نهاية العمر» والأعمار المتحدرة من العمر الأساس والأول. والقيادة الثورية، على الصور القذافية والناصرية والصدامية والأسدية والبومدينية والصالحية والبنعلية، إنما تستحق المكافأة العظيمة وربما الباهظة هذه لأنها فعل يصل عالم الخلق، ودنيا الإنسيين والشاهد، بعالم الغيب والميعاد والبقاء، على ما لا يصرِّح «العلمانيون» ويجهر العرفانيون والمتألهون الخمينيون. وقائد الثورة، المقاوم والمجيد والمقاتل والحر والمجاهد والتاريخي والطاهر والفارس والشهيد «في النهاية»، هو هذا كله في آن، وجامع أسمائه الفاضلة (ولولا الفتنة لما اقتصرت على الفضيلة وتجاوزتها إلى الحُسن)، لأنه عائد من مجابهة الموت، ويعشق «عادة» الشهادة، وقافل منتصراً ومظفراً ومعاهداً. و»ليبيا شجرة نحن نتفيأ ظلالها لأننا غرسنا(ها) بيدنا وسقينا(ها) بدمنا». فالراجع من الموت حياً ومخضباً بدم التنين أو أبي الهول، أو الشيطان الاكبر، ليس حياً كسائر الأحياء وسوادهم وعامتهم، بل هو مبتدئ حياة، ومتعهد حياة وارفة وظليلة بسقايته الشجرة (الأمة) بدمه ودم أبيه وعمه وجده الجاري في عروقه وعروق أبنائه وبنته وأنسبائه الحقيقيين والوهميين. والخطبة المعمرية والعربية النسبية لا تنفك تروي سيرة الموت والبطولة المجيدة. وفصلها الأول، بعد فصولها الأولى التي سطرها الجد والأب والشيخ العم، مداهمته إذاعة بنغازي، وإعلانه «البيان الأول لتحرير ليبيا المحتلة» في «الفاتح العظيم» من ايلول (سبتمبر) 1969. وعلى من قد يستهين ببطولة المداهمة، وإعلان بيان التحرير، أن يعلم هول ما حرر منه البطل والقائد مذذاك «الليبيين والعرب والمسلمين» (وافريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا والعالم، على قوله في مواضع متفرقة ومتواردة من الخطبة). فهو حررهم من «5 قواعد أمريكية (و) 20 ألف إيطالي يحتلون الأرض الليبية من مصراته إلى ترهونة إلى صبراته تحت السلطة المدنية الطليانية (...) وكانت البطنان محتلة بالكامل بالقوات البريطانية، (و) طبرق ترزح تحت السيطرة البريطانية الكاملة«. والحق أن هذا غيض من فيض. وقبل المداهمة وإعلان بيان التحرير كانت «الأرض الليبية» تنوء بأسباب الدمار وأعوانه ودواعيه: وهي «كل الدكاكين والورش وكل الخدمات، وعندهم (الطليان والأمريكان والبريطانيين) أعضاء في مجلس النواب ليبيين مرتشين». وفوق هذا، ناءت الأرض الليبية بالأسماء الأعجمية ومهانتها الفظيعة: «معسكر المستشفى في بنغازي، هذا كان معسكر ويفل، مكتوب عليه اسم ويفل». والمداهم العظيم وحده «(تجرأ) على أن يشطب على كلمة ويفل». ومعسكر الفويهات كان اسمه ديغاروستا. والبطل العربي بعث من رميم العجمة ورمادها البارد جمرة العربية ولألاءها، اسماً وحالاً وحياة. والمداهم الجريء وحده، وصحبه الخلص وهم فيض منه وفرع، أعلن من ميدان الجلاء في طرابلس ولا يقدح في عظمة الأمر أنه إعلان، وبقي إعلاناً «ان القتال سيكون من شارع إلى شارع، ومن بيت إلى بيت، ضد القوات الأمريكية... ما لم يتحقق الجلاء». وكفى الله المؤمنين القلائل شر القتال، وكفاهم «فقصَ وجه البارود، وتفجيرَ (القنابل)». فجلت القواعد الأمريكية الخمس، والقوات البريطانية، وجلا الـ20 ألف إيطالي (مدني)، وتحررت ليبيا من الاحتلالات، ومن «النكسة والعودة للوراء والخزي والعار». وهي، على هذا ومذذاك وإلى يوم الدين والنشر، غنيمة غالية، وطُعمة محرريها وحدهم. فهم، أو بقيتهم الباقية والمقتصرة على الرجل وذريته وفروعه، ضحوا بأنفسهم، وأعدوا العدة وأعلنوا، حين لا يعلم أحد «أين كنتم (أيها المتظاهرون المحتجون)؟ أين كان آباؤكم وأجدادكم أنتم يا مرتزقة...؟ لم تقولوها أنتم أبداً ولا آباؤكم يا شذاذ الآفاق، أين كنتم أنتم؟!». فمن لم يضحّ بنفسه، أو لم يعزم عزماً أكيداً على التضحية بها ولم ينوِ الشهادة على قول قائد الثورة الليبي، ومرشد الثورة الإيراني وحرسها وباسيجها وأنصارها وقواتها الخاصة والعامة هذا لا حق له في الحكم والقيادة، أي في الولاية البطولية والمقدسة والحرام. والحق في الولاية حصري. ولا يرى السلطان الليبي الآفل حرجاً في نفيه من هذا الحق الأبناء والآباء والأجداد، ولا الأولاد والأحفاد والأرحام (الفروج والأعراض)، والأموال بديهة أو «فلوس البترول» التي يزعم قائد الثورة الطاهر والحر انه عيي وهو يقول لليبيين «خوذوها بيدكم، كل شهر خذوا فلوس البترول وتصرفوا فيها» (بينما تتواتر الأخبار والأرقام عن أصول «سيادية» مودعة في المصارف والبورصات باسم «القائد» وذراريه وفروعه تبلغ قيمتها 100 مليار دولار). وتتجدد الولاية بتجدد «العدوان» المتناسل على باب العزيزية، ومربعها الأمني والاستخباري. وتحشد الرواية الخرافية المعمرية الأعداء من كل حدب وصوب، وهو يحصي العشرات منهم بالاسم: جبروت امريكا، وجبروت بريطانيا، والدول النووية، وجبروت حلف الأطلسي، وفرنسا «في الجنوب»، والسادات، وهبري (التشادي)، وهيلاسلاسي (الإثيوبي)، وبورقيبة (التونسي)، والنميري (السوداني)، إلى «الرجعية وعملاء الاستعمار» وإسرائيل، وغيرهم كثر. [الدولة المزدوجة وعلى صورة الرواية الأسطورية والفلسفية المتواترة والسائرة، وهي رواية حربية بدوية الأصل ورعائية، يسود المقاتل البطل والمقدام، العازم على التضحية والفداء شأن القائد و «طبقته»، القاعدين عن القتال، و «طبقة» المرتزقة. وهؤلاء لا يُعلم أين كان آباؤهم وأجدادهم، ولم يعلنوا ان القتال سيكون من شارع إلى شارع، ولا فقصوا باروداً ولا فجروا قنبلة، ولم يناطحوا الطائرات الأميركية، ولم تقصفهم هذه ولم «تدق بيت (هم)» ولم تقتل أولادهم. وهؤلاء، أي الكثرة الغالبة والساحقة، هم «رعية»، على معنى غيبته ذاكرة «ديموقراطية» على رغمها، واطرحت منه الترتيب الأخلاقي والسياسي والعرقي والبيولوجي. فالرعية هذه، بإزاء طبقة الحكام الأشراف والسادة (أو طبقة «أشرف الناس» و «المقاومة»، في المصطلح الخميني والبعثي المسلح)، هي طبقة لجبة تلم في صفوفها من لا يحصون عدداً: الدراويش والملتحين والمعممين والمنتكسين وأهل الحضيض وأشباه الليبيريين واللبنانيين والجرذان والمأجورين وشذاذ الآفاق والفئران والشذاذ والمتشدقين والمستسلمين ومتعاطي الحبوب والمغيرين والمجرمين والصغار والمقلدين والمرضى والمندسين والمرتشين والقاعدين في الخارج والحراقين والمَخزيين والمرتزقة وغير القائلين (أن القتال سيكون...) والسذج المضحوك عليهم والسراقين والعويلة («العيال» في المصرية) والمدوَّخين والسكرانين والمعزولين (عن أهلهم). وهؤلاء الرعية، وفوقهم «طبقة» الأشراف والقادة والأبطال والمقاومين (ولو اقتصرت على الصلب المعمري وذريته)، لا يرتبطون برابطة الدولة وأبنيتها وقوانينها، ولا برابطة المجتمع وعلاقاته ومعاييره. فهؤلاء جبلوا من نور، على قول أهل العصمة والإمامة في أنفسهم، وأولئك جبلوا من طين. والحرب «الأهلية» هي ميزان «السياسة» في بلد هذا شأن طبقة الحكام الأشراف وطبقة الرعية المحكومين فيه. فلا محل والحال هذه ولا معنى لتقسيم العمل السياسي وهيئاته وقيوده (الرئاسة والحكومة والنيابة والإدارة والقضاء والقوات المسلحة النظامية...)، أو لتقسيم العمل الاجتماعي (فالعاملون «شركاء لا أجراء»). و «مجتمع الحرب» أو «مجتمع المقاومة» هذا، على قول خميني وحرسي عتيد، يطرح قيود الحقوق والقوانين والهيئات والمؤسسات (الوطنية والدولية والاقليمية)، ويدوسها ويزدريها ويخشاها. فهي تفترض فرقاً بين الدولة وبين المجتمع، وبين الحكام وبين المحكومين، وبين العام وبين الخاص، وبين الجماعة وبين الفرد، وبين القوانين وبين الحقوق. وعلى هذا، فليس قول معمر القذافي، في ضوء ما تقدم، أنه ليس رئيساً لتصح فيه الاستقالة أو يصح فيه القتل فولكلوراً فحسب. فهو ليس رئيساً، بل هو قائد ثورة وبطل ومقاوم و»تاريخ مجيد على ما تلقب قادة الانقلابات العرب ويتلقبون كلهم»، لكي لا تجوز فيه الاستقالة أو الإقالة، وتبطل محاسبته ومراقبته، ويعطل تقييده. وهذه، الاستقالة والإقالة والمحاسبة والمراقبة والقيود، تفترض الفروق التي تنفيها الثورات والانقلابات «التقدمية» والعسكرية العروبية. وما يسوغ «لا رئاسة» القائد المزعومة يسوغ قيام المرتزقة الليبيين والعرب والافريقيين والأوروبيين، وقوات الساعدي وهنيبعل وخميس القذافيين الخاصة، محل القوات المسلحة النظامية الوطنية، من غير تبعات أو مسؤوليات هذا المحل. فما لا يتعين في محل ووقت وصلاحية ومبنى، أي في دولة وسلطات وهيئات واختصاصات، من اليسير أن يتخفى وأن يتبدد في «ليل المطلق الأليل والأجوف»، وفي مساخره المسرحية والميلودرامية الدامية. والزعم ان «الدولة»، أي القائد وحاشيته وأعوانه، هي الشعب «المصعد» أو المرتقي إلى سدة الأمر النافذ، يتستر على ما «الشعب يريد» رؤيتَه وتشخيصه وتظهيره وتقسيمه وتفصيله وإخراجه من الإبهام المعمّي وعَرْضَه على العلن والمحاسبة والفحص. ويبرر دمج «الشعب» في «الدولة» العربية (وفي كل دولة) ازدواج الحكم والسلطة والإدارة والقوة العسكرية والقضاء والقانون ازدواجاً قاتلاً. فإذا لم تكن الدولة (نيابة عن الشعب وشريطة مراقبته) هي ولي أمر الجيش الوطني، والمخولة وحدها إعلان حال الطوارئ، وإعلان الحرب، ورعاية السلم المدني، ازدوجت الدولة، وتناسلت «دولاً» و»شعوباً» و»جيوشاً» و«حروباً«. وفلسفة «ثورة الفاتح العظيمة»، على نحو ما تجلوها مقالات قائدها، وجلاها تاريخ ليبيا المأساوي، تلقي ضوءاً فاضحاً على تواريخ العراق وسوريا وفلسطين ولبنان ومصر واليمن والجزائر وإيران، الدامية والمحبطة. فهذه البلدان والمجتمعات نهب لرواية بطولية أسطورية ترفع القيادة المحاربة والمجاهدة فوق الرعية المحكومة، وتقسم «الشعب» حزبين وأهلين متقاتلين، وتلغي الدولة وهيئاتها وسلطاتها وقوانينها وتبددها في ولاية مقدسة ومطلقة يتوارثها الأولاد عن الآباء في أصلابهم، وترسي ازدواج الدولة والشعب والمجتمع كيانين كاذبين يستحيل تشخيص أحوالهما ومناقشتهما وتحسينهما من طرق عادية آمنة، معلومة ومعتادة. فالقائد من الرئيس، تلقب بلقب الرئاسة أم لم يتلقب، هو بمنزلة الميليشيا الأهلية (أو القوات الخاصة أو الثورية أو الحرس الخاص أو الجمهوري) من الجيش الوطني، وبمنزلة الحزب الواحد أو الطليعي والحاكم من المجلس النيابي والحكومة والإدارة، وبمنزلة عصبية القيادة الأهلية من المجتمع «السوي» وجماعاته وتكتلاته وطبقاته وبمنزلة أجهزة الاستخبارات والعمليات الخاصة من العلاقات الخارجية، والاغتيالات من العمل السياسي والديبلوماسي، والسلاح الذري من العلاقات الدولية... والقائد والميليشيا الأهلية الخاصة والحزب الواحد أو الطليعي وعصبية القيادة، ورواية «الثورة» البطولية والأسطورية التي تقيم الحدود والمراتب والأدوار وتصنعها وتؤبدها، هذه كلها تحتاج إلى خفاء صفيق تتستر به على أحوالها وأفعالها وعلاقاتها وغاياتها وأفكارها وأموالها. فالتملص من العلانية والمناقشة والمراقبة والمنازعة وتبديع المعارضة، هي سمات الديكتاتوريات «التقدمية» والشعبوية العربية، مالت سياستها الخارجية إلى السياسة الأميركية أم أقامت على «مناهضة الإمبريالية» و»تحرير فلسطين» والحرب الوجودية على اسرائيل واليهود، وعلى عالمثالثية («محايدة») مضمرة أو معلنة. وتقود مجتمعةً، على ما هي حالها غالباً، إلى محاكاة أبنية الدولة والسياسة محاكاة ظاهرة وصورية، فيما هي تبطن تفلتاً تاماً من موجبات الدولة والسياسة المفترضة. وردت الحركات الوطنية المدنية والديموقراطية، العربية الوليدة، على سمات الديكتاتوريات الشعبوية العربية المتحدرة من انقلابات عسكرية «تقدمية»، ببرامج ومطاليب إجرائية شكلية، وقانونية دستورية، تفضي إلى فصل السلطات، وإضعاف رأسها الجامع والمركزي الساحق، وحل الأجهزة الموازية والخفية، وإلغاء الازدواج، وتعزيز العلانية، والإقرار بالكثرة السياسية والاجتماعية وبحقيقة خلافاتها ومنازعاتها ومناقشاتها وبضرورة تمثيلها وجدوى هذا التمثيل... وهجرت الحركات هذه القضايا «الجوهرية» الدولية والقومية والعسكرية والاجتماعية الطبقية. ورعت، على حياء وخفر، إجماعاً مضمراً ومائعاً على اعتدال وسطي ومسالم، لا يرتب عداوة أو حرباً أو انعطافاً باهظاً. وهي، إلى اليوم، لا تظهر حرصاً على صوغ رواية أسطورية وبطولية تحل محل الرواية المجهضة والمدمرة، المتخلفة عن «ثورات» الديكتاتوريات المتصدعة والآفلة. والديموقراطية لا تعفي من الهوية الوطنية، ولا تعصم من العداوات والصداقات والحروب والاحلاف، ولا تلغي المواقع والأدوار والمصالح الاستراتيجية، بل تحمل هذه على مداولة حادة. ولا يحول دون إفضاء المداولة إلى انقسام أهلي بنيانٌ سياسي ديموقراطي متماسك لا ريب تضعه هذه الحركات نصب عينها.

الأنظمة السياسية العربية قبل امتحان الديموقراطية وحقوق الإنسان

المستقبل - الاحد 20 آذار 2011

قبل نحو 12 سنة، في 1999، حفل العام ما قبل الاخير من القرن العشرين، بتظاهرات سياسية عربية صوّرت، على أدق صورة، ما تتشارك فيه أنظمة الحكم، وأنظمة السياسة، في كثرة من البلدان والمجتمعات العربية. فحيث جرت انتخابات رئاسية - بسورية واليمن ومصر وتونس أو جرى استفتاء عام بالجزائر- وحيث خلف حاكم (ملك) حاكماً بالاردن والمغرب- او احتفل حاكم بتنصيبه حاكماً وبذكرى فوزه بالحكم بليبيا- كان الاجماع الرسمي والشعبي المظهر اللازم لمشروعية الحاكم، ولمشروعية نظام حكمه من بعد. ففاز الرؤساء بكثرة لم تقل عن 94 في المئة، وبلغت 99 في المئة في حال واحدة، ولم ينافس مرشح ثان جدي المرشح الاول، حيث ترشح ثانٍ (باليمن). وتولت الاحزاب الغالبة على المجالس النيابية، وعلى الحياة العامة، وإن لم تكن أحزاباً واحدة ومنفردة بالدولة، ترشيح الرؤساء إلى الانتخابات، أو إلى المبايعة واعلان الولاء، على ما جرت الكلمة ولم يتحفظ أولو الامر عنها أو عن استعمالها، وخلف المرشحون أنفسَهم على ولايات، ومدد ولايات، تترجح (عدداً) بين الثلاث والاربع، و(مدة) بين الخمس سنوات والسبع، وتترجح جملة مدد الحكم بين اثنتي عشرة سنة وتسع وعشرين. وإلى هذا، فالرؤساء الاربعة عسكريون في ابتداء امرهم، انقلب اثنان منهم على حاكم عسكري سابق، وثالث انقلب على حاكم مدني، وانتقل الحكم إلى رابع من طريق نيابة رئاسة بالتعيين وليس من طريق الانتخاب. [حلة الخلافة ولعل استواء الانتخابات المفترضة مبايعةً، وهي انتخابات من غير مرشحين ولا منافسة ولا حملة ولا فصل بين الدولة، ادارات ومجلساً نيابياً، وبين «حزب الرئيس»، يقرِّب الاجراء السياسي، الدستوري والديموقراطي، اي الانتخاب والاقتراع، من المبايعة المشيخية، والوراثة. فما لم يسقط الرئيس، أو ينحَّ، او يعزل، فهو مستمر على مزاولة السلطة وماضٍ عليها. والاقتراع، ولا تقل نسبته عن 85 في المئة من المسجلين، انما يجدد الولاية، ولا يتطرق إلى برنامجها، ولا إلى القوى السياسية والاجتماعية الملازمة لاقتراح البرنامج وإنفاذه. وهذا كذلك صفة شبيهة بالصفة الملكية المطلقة وغير المقيدة بأحكام دستورية تفصل بين «ولاية الاحكام» وبين «الحكم». وفي ضوء الشبهين هذين، المبايعة واطلاق الولاية، تبدو خلافة الملكين، الاردني والمغربي، والديهما، من غير منافسة ولا ترجيح ولا برنامج أو مضمون ولاية، من باب انتخابات الرؤساء الثلاثة الجمهوريين، أو تبدو الانتخابات الجمهورية حلة ترتديها الخلافة الملكية المطلقة من غير أن تضمر القواعد السياسية والاجتماعية والثقافية التي تتضمنها الانتخابات الجمهورية. وتدل مدد تولي الحكم في البلدان الخمسة، وفي غيرها، على صفة الاطلاق (من القيود الدستورية والديموقراطية) نفسها. فالمملكة الاردنية الهاشمية تولى حكمها الفعلي والمباشر عاهل واحد طوال أربعين عاماً. وتولى الملك في المملكة المغربية الشريفية والعلوية ملك واحد طوال 38 عاماً. ويحكم العراق، منذ 31 عاماً، شريكاً في الحكم ثم منفرداً، «الرجل القوي» نفسه. ودام حكمه إلى 2003، فجمع 35 عاماً تامة. وهذا شأن «رجل» ليبيا «القوي»، ورئيس الجمهورية السوري، بفارق عام واحد وعامين. ويدوم عهد الاول منذ 42 سنة، وحكم الثاني من طريق الابن المستخلف 41 سنة. وتتفاوت مدد الولاية في سلطنة عُمان، ودولة الكويت، واتحاد الامارات العربية، وفي امارتي البحرين (وهي مملكة منذ أوائل العقد الاول) وقطر إلى أمس قريب، ولكنها تعد بالعقود (بين الخمسة والثلاثة). وتخطى رئيسان «جديدان»، الرئيس التونسي (إلى حين سقوطه) والرئيس السوداني، العقدين الاولين من الولاية إلى نيفٍ وثالث. وأتمت ولاية عاهل المملكة العربية السعودية السابق العقدين قبل خلافة عاهل جديد هو ولي عهد منذ بداية ولاية سلفه. والاستثناء الفلسطيني ليس استثناء. فرئيس السلطة الفلسطينية الذاتية المنتخب الاول إلى 2004، انتخبه المجلس التشريعي في الشهر الاول من 1996، هو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1968، ورجل «فتح« الاول، وهي أولى المنظمات السياسية والعسكرية الفلسطينية وأقواها، منذ نشأتها في 1965. والرئيس الثاني هو رئيس «فتح». وصنوه الغزاوي منذ 2007 رأس «حماس». وأما لبنان، فخلف رئيس جمهوريته السابق، في أواخر 1998، بالاجماع النيابي، ومن غير منافس، وفي اعقاب «اختيار« وقع على المرشح من غير خارج الاطار النيابي والدستوي، خَلَف رئيساً تولى الرئاسة طوال تسعة أعوام هي محصلة ولاية من ست سنوات وتمديد من ثلاث اقتضى تعديلاً للدستور (1998 2007). والولاية الاولى ونصف الولاية انما تولاهما رئيس الجمهورية الاسبق جراء «اختيار» انتخبه واصطفاه قبل أن ينتخبه المجلس النيابي بإجماع نوابه الحاضرين. وهذا شأن خلفه (1998 2007). ولا شك في أن اضطراب الرئاسة والنظام الجزائريين بعد استقرار دام 13 سنة مع بومدين (11 منها، من 1965 إلى 1976، مضت من غير دستور ولا انتخابات)، وعقداً مع خلفه هو مرآة اضطراب اجتماعي بنيوي، وأزمة سياسية عميقة، أصابا الجزائر، دولة ومجتمعاً، وتخلصت منهما ظاهراً مع انتخاب الرئيس بوتفليقة منذ 12 عاماً. [السلاح والحزب الحاكم وجليّ أن استقرار الانظمة السياسية العربية، ملكية اميرية (دستورية، وبرلمانية، على ما هو حال المغرب والاردن والكويت، او مطلقة)، أم جمهورية (رئاسية او برلمانية)، يلازم استقرار الحكام، وينجم في معظم الاحيان عن شكيمتهم ودرايتهم، السياسيتين والامنيتين. فإذا اسثتنيت الملكيات والامارات (بما فيها الدولة و»السلطنة») الاسرية والقبلية، أحصي سبعة رؤساء، صاروا ثمانية اذا عد لبنان وتسعة اذا احتسبت الجزائر إلى أوائل 1999، خرجوا من صفوف الجيوش العربية. والبلدان السبعة او التسعة، هي جماع الدول العربية غير الملكية ولا الاميرية الوراثية، اذا استثنيت السلطة التنفيذية، من الاحصاء والمقارنة. ولا ريب في ان هذا قرينة قوية على التعالق بين استقرار الانظمة الجمهورية وبين نسبها العسكري والامني المباشر. فرئيس السلطة التنفيذية في هذه البلدان، هو القائد الاعلى للقوات المسلحة، وهو رئيس مجلس الوزراء الفعلي، ووزير الدفاع دستورياً في بعضها. وفي خمسة من هذه البلدان (أو ستة اذا احصي العراق فيها إلى 2003) لم يزل الرئيس هو نفسه الضابط الذي تولى الحكم حين نحى عنه من كان يتولاه قبله. ولم يختبر النظامُ الذي أنشأه مع توليه الحكم انتقالَ مقاليد الحكم منه إلى خلفه على خلاف الاختبار الملكي والاميري والسلطاني منذ مدد طويلة اذا استثني الاختبار السوري في العام 2000- اقترن هذا الاختبار بهيئة الدولة (منذ النصف الثاني من القرن العشرين عموماً) أو لم يقترن. وفي ثمانية من هذه البلدان، والاستثناء النسبي هو لبنان، تساند القوات المسلحة، وقوات الامن، في تثبيت الحكم والحاكم، وفي رعاية غلبتهما على المجتمع، منظمةٌ سياسية واحدة تحفها جبهة «وطنية». ويقوم الحزب «الخميني» المسلح في لبنان مقام الحزب الحاكم و»جبهته»، أو هو يحاول هذا، وتقتفي «حماس» في غزة خطاه. وتترجح صيغ المنظمة السياسية بين صيغة الجهاز المتماسك، والقائم بإزاء الدولة الظاهرة ومراتبها بمنزلة الرقيب عليها والمقوِّم «اعوجاجها» الشرعي والقانوني، وبين صيغة الرابطة النيابية، وتضم إلى النواب أعيان السلك الاداري ووسطاء النفوذ المحلي، وهذه الرابطة رخوة، ومجتمعة على الولاء للرئيس ولاءً شخصياً وليس حزبياً أو ايديولوجياً وعقدياً (عقائدياً). وتتولى المنظمة السياسية، جهازاً كانت أو رابطة، انفردت بالسلطة أم حفتها جبهة «وطنية» صورية، تتولى توحيد الدولة السياسي، إلى توحيدها الاداري من طريق الادارات والبيروقراطية، بما فيها البيروقراطية العسكرية والاقتصادية. وتوكل بعض الدساتير إلى الحزب القائد والاول بعض الصلاحيات الجوهرية مثل الترشيح إلى رئاسة الجمهورية، والترشيح إلى الانتخابات النيابية، وحفظ حصة من النواب على الحزب الاول، الخ. ويؤدي اضطلاع الحزب السياسي بهذا الدور، ولو لم ينفرد بالسلطة وأجاز لأحزاب أخرى او منابر قدراً من العمل والوجود، إلى دمج الدولة في الحزب السياسي، أو في الاحزاب السياسية المقبولة. وإذا خرجت الدولة، ادارات وبيروقراطية، من انفراد حزب حاكم بالسلطة، تولى «حزب الرئيس» ومن ورائه البيروقراطية العسكرية والامنية العليا، رعاية الوحدة السياسية للدولة. [العصبية والدولة ولا يقتصر تثبيت الحاكم الفرد على رأس الدول، جامعاً لمقاليد السلطة والتوحيد، على الحزب والقوات المسلحة والادارة، بل تتولى العصبية قسطاً من مهمات التثبيت والتوحيد هذه. وإذا كانت الاجهزة السياسية والعسكرية والادارية من تظاهرات التحديث الاجتماعي (النسبي) في بلدان امتُحنت جماعاتها الحاكمة امتحاناً وطنياً قاسياً، أو تأخرت طبقاتها الحاكمة عن مسايرة تغيرات مجتمعاتها فسرعان ما ظهر عجزها عن حماية وحدة الدولة، والتسلط عليها، بواسطة موارد الدولة السياسية وحدها. فلا الولاء السياسي والايديولوجي التلقائي، ولا القوة المنضبطة، ولا الوظيفة الادارية بوجهيها: المصلحة والمكانة الاجتماعية بدت لحمة قادرة، منفردة أو مجتمعة، على التمكين من بلوغ السلطة، ثم من حفظها. والحق ان أياً من هذه الاجهزة لم يبق بمنأى عن منازعة العصبيات عليه. فكانت الاحزاب والحركات السياسية، على رغم زعمها «الوطنية» العامة والعلمانية المحايدة، موئلاً لجماعات أهلية وعصبية. وهذه غلبت على الاحزاب والحركات السياسية، وصبغتها بصبغتها، أي صبغة الجماعات الاهلية، المذهبية أو القومية المحلية، أو القبلية. واصطبغت الاجهزة الادارية والعسكرية بصبغة القيادة السياسية، الاهلية، وحاكتها. وعمدت القيادات السياسية الجديدة، الحزبية والعسكرية، إلى انشاء نخب اقتصادية على مثالها، من طريق القطاع العام، أو بواسطة الالتزامات وحصص الاستيراد وتعهد الوساطات والامتيازات والمصاهرات. فالتحمت الدائرة العصبية الاقرب بلحمة كثيرة الموارد والوجوه. والتقت الانظمة السياسية المحدثة و»التقدمية»، أي تلك التي استولت على السلطة من طريق الاجهزة السياسية والعسكرية والادارية، بالانظمة «التقليدية» المنسوبة إلى القبيلة أو الاسرة أو الطريقة (الصوفية) أو المذهب والدين. واستوى الضربان من الانظمة واحداً. فاصطبغت الانظمة السياسية العربية كلها بصبغة عصبيات قادتها الاهلية. وبعثت غلبة العصبيات على سياسات داخلية وعلى منازعات داخلية بعينها، على قدر ما دعت إلى انتهاج سياسات اقليمية دون غيرها، ورجحت احلافاً على اخرى. فأشبهت الانظمةُ الجمهورية الانظمةَ الملكية والاميرية، وأشبهت الانظمة التقدمية الانظمة التقليدية، من وجوه كثيرة. واستوت مسألة مثل مسألة الخلافة، وكان يُظن أنها وقف على الممالك والامارات والسلطنات والمشيخات، قاسماً مشتركاً بين ضروب الانظمة السياسية العربية كلها، وأزمةً سياسية عمّت الانظمة وامتحنتها. فأظهرت الانظمة التقليدية طول باع في الامر تقدم باع الانظمة التقدمية. [المثالات الجامعة تؤدي الظاهرات التي مرت: أي الاجماع والمبايعة والولاية المتطاولة وتضافر الاجهزة السياسية والعسكرية والادارية مع العصبية الاهلية على تثبيت الغلبة على الدولة وتوحيدها تؤدي هذه معنى واحداً جوهرياً هو التلازم بين المثال السياسي العربي المعاصر وبين السعي في الالتحام العصبي. ويَمثُل هذا التلازم، في أوائل القرن الواحد والعشرين، على نحو واحد وجامع. فكأن المسارات التاريخية المختلفة والمتعرجة التي سلكتها البلدان العربية منذ مطالع القرن، وفي معظم الاحوال منذ منتصف القرن الماضي، مشرقاً ومغرباً؛ والاختبارات السياسية المتباينة التي خبرتها الجماعات الناطقة بالعربية والمتصلة «الديار» والبلاد والمتعالقة المصائر على هذا القدر أو ذاك، كأن هذه وتلك لم تنفع في بلورة مثالات سياسية متباينة ومختلفة تكون مرآة لاختلاف المسارات التاريخية والاختبارات السياسية وتباينها. وهذا بقي صحيحاً إلى شتاء 2011. وهذان، الاختلاف والتباين، ينبغي ألا يُنكرا في ضوء غلبة نازع، يبدو مشتركاً، إلى الالتحام العصبي وإلى تحكيمه في الحياة السياسية والقضاء فيها بأمره. فبينما بكّرت بعض البلدان إلى اختبار صور من العلاقات السياسية الدستورية والديموقراطية على شاكلة «الممتلكات» العثمانية المشرقية التي تناهى اليها أمر دستور 1876، وشارك بعضها في اختبار ممثليها إلى «مجلس المبعوثان»، أو على شاكلة مصر التي بعثت الحماية البريطانية المباشرة، في 1882، بعض نخبها العسكرية والدينية على الاجتماع والانتداء في ما يشبه «الحزب»، ونجمت عن الاجتماع والانتداء صحافة رأي، وخلفت المنازعات الاهلية اللبنانية في اواسط القرن التاسع عشر صحافة دعاوة وتحضيض وتكتيل- تأخرت بلدان أخرى، إلى اليوم، عن تحقيق مثل هذه الصور، أو بعضها، وارتكست بلدان أخرى عما اختبرته طوال عقود من السنين في اثناء القرن المنصرم، مثل صحافة الرأي وحرية الاجتماع (المقيدة). وكان العامل الحاكم والمؤثر في افتراق البلدان العربية، في علاقة جماعاتها بالسياسة، فريقين عريضين، هو مبانيها الاجتماعية، وبعدها أو قربها من المبنى الاهلي والعصبي. فحيث غلب المبنى الاهلي والعصبي من غير منازع تقريباً على ما كانت الحال في شبه جزيرة العرب، وإماراتها ومشيخاتها وسلطناتها، وفي أطراف ولايات المشرق العراقية والشامية واللبنانية والفلسطينية والمصرية، وفي الارياف والصحاري الافريقية الشمالية اقتصرت السياسة على الرئاسة، أو الرئاسات، ومراتبها. وقامت الرئاسات ومراتبها وشبكتها محل الهيئة السياسية الناظمة. والرئاسات جزء عضوي من هيئة الجماعات كلها، صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، ضعيفها وقويها، المختلط النسب منها والصريح. وتنضوي الرئاسة الادنى وجماعاتها معها، في الرئاسة الاوسع، من طريق الحلف والالتحام وليس من طريق الهيمنة والتذرير (أي التفكيك ذرات). وعلى هذا تقوم السياسة على عقد الاحلاف وفكها وتبديلها، من غير تغيير كبير في هيئة الجماعات، وعلاقاتها بعضها ببعض، أو في علاقات مراتبها ورئاساتها. فالمنازعة على الرئاسة حكر على «بيوت» دون أخرى. ولا يخرج المنازعة من المرتبة، أي من الاسرة والبيت والسلك، إلى التداول الحر والمنافسة، تعاظمُ فئة اجتماعية، وظهور قوتها ودورها، شأن تجار «مدن» الساحل، مثل الكويت والبحرين، وواحات نجد وعسير والقطيف وحائل. وعلى هذا، استغرقت الاحلاف والغزوات سياسة «ملوك العرب». وطرأ التغيير الداخلي من طريق الاحياء الديني، الوهابي، وحلف الفقهاء و»الرؤساء» الشيوخ، ومن طريق تجدده في العقد الاول من القرن العشرين. فانضوت قبائل نجد وتهامة والقطيف وحائل، ثم الحجاز، في مملكة واحدة، ربطت بينها برباط الحلف القبلي الكبير، تحت لواء أقوى العشائر شكيمة، وأقدرها على رعاية المراتب، وتوزيع المغانم، وعلى الاستظهار بالشرع ورجاله، والتزام موازين القوى بين الداخل وبين الخارج. وعلى هذا المثال العملي والمعقد، ضبط عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الهيئة السياسية التي استأنف انشاءها منذ خروجه من الدرعية إلى الرياض، في 1909، ثم توحيده نجداً وملحقاته في سلطنة توجتها المملكة العربية السعودية في أواخر العقد الثالث. وكان مثارَ الخلاف السياسي، وامتحان السياسة تالياً، تقييدُ التوسع بالقيود الاقليمية والقبلية المناسبة. فقمع عبد العزيز بن عبد الرحمن مشي أحد قادة «الإخوان» إلى الشمال، صوب امارة شرق الاردن، المحمية البريطانية، وأباح الحرب على الجنوب، فقاد أبكار أبنائه الثلاثة، سعود وفيصل وخالد، الملوك الثلاثة اللاحقين، ثلاثة جيوش دخلت اليمن، غير المحمي، وتقدمت في نجران وجيزان في 1936. سلطان من غير ند وكِفء فاستقرت الكيانات داخل حدود أهلية معروفة وموروثة، وتولت القوة البريطانية رعاية العلاقات بين الكيانات السياسية والاهلية المستقرة، في حين رعت الاعراف، وعلاقات الولاء، الروابط السياسية الداخلية. وأولت هذه الرعاية المباني الاهلية والعصبية استقلالاً حقيقياً وعريضاً عن سلطة مركزية لم تكن، فعلاً، الا العصبية الاقوى والاعرق. ولما كانت الجماعات العربية هذه بقيت بمنأى من السيطرة الاجنبية والاوروبية، وبمنجى من وطأتها المباشرة والمدمرة، حفظت سنداً فاعلاً وظاهراً للحريات الاهلية بإزاء سلطة مقيدة بالاعراف والولاءات. وحالت بين الحريات والحقوق الفردية والخاصة وبين الخروج إلى العلانية، أي منعت الحريات والحقوق الفردية والخاصة من التبلور أصلاً. وهذا بعض تأويل «وداعتها»، إلى الريع النفطي، وما لم يشقها فارق مذهبي عريق. وأما البلدان العربية التي تعرضت للاحتلال والسيطرة الاوروبيين، وكان معظمها، من قبل ممتلكات عثمانية، فاستوت على هيئة الدولة المركزية والحديثة باكراً. فكان بعضها، مثل مصر (1922) والعراق (1928)، ملكيات دستورية منذ أوائل العقد الثالث. وحيث لم تنصب التقاليد المحلية والاهلية أسرة غالبة ومتصدرة سنّت الدولُ المنتدبة، أو المتسلطة والمستعمرة، مواثيق انتداب لم تلبث أن ولدت دساتير، شأن لبنان في 1926. أو أدخلت المستعمرات في نطاق أحكام وتشريعات استثنائية، مرجعها المبدئي شرعة دستورية وعامة، على ما كانت عليه الحال بالجزائر وتونس، وعلى قدر أقل بالمغرب. ونجم عن حكم الدول الاوروبية هذه البلدان وهي أكثر البلدان العربية سكاناً، وأقدمها مدناً وخبرة بالادارة، وهي إلى هذا يتصل بعضها ببعض بواسطة ساحل المتوسط، أو تقع على طريق أوروبا إلى أفريقيا، أو على طريقها إلى آسيا الوسطى فالشرق الاقصى- نجم عن الحكم الاوروبي ارساء ادارة مركزية، عسكرية ومالية واقتصادية وحقوقية، على المباني الاهلية وشبكاتها. فاجتمعت في أيدي السلطة الاوروبية، ثم في أيدي الطبقات الحاكمة المحلية بعدها، سلطة عظيمة تكاد تكون من غير ند أو مكافئ من المجتمع الناشئ نفسه. ويصدر ندها أو مكافئها والقيد عليها عن الجماعات الاهلية ومبانيها العصبية أو الدينية. ولعل هذه الحال هي في صلب المسألة السياسية العربية. فالتحديث السياسي والاجتماعي، منذ «التنظيمات» العثمانية في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر، أدى إلى تقوية الكبراء والاعيان على حساب العوام الذين أضعفت الحمايات علاقاتهم الاهلية الداخلية. وكان نظام ملكية الارض الجديد علماً على الخلل هذا. فوضع الاعيان والشيوخ (أو المعمرون الاوروبيون في المغارب) يدهم على الاراضي المشتركة. ونزع التجنيدُ من الجماعات الاهلية ملاذها وحماها اللذين كانت تمتنع بهما، وسوّى الاحصاء، وسوّت الضريبة بين الافراد في الواجبات، بينما عجز النظام الانتخابي، والفصل بين السلطات ونصب القضاء سلطة مستقلة، عن الاضطلاع بالمساواة بين «المواطنين» المفترضين. فهؤلاء لم ينفكوا، حين أقرت هذه، أي الانظمة الانتخابية والدستورية والقضائية، قبل الاستقلال أو بعده، أهالي وجماعات وعصبيات وطوائف (حرفاً ومذاهب) وأقواماً. وكانت المباني الاهلية والعصبية، المتصلة بالاعيان والشيوخ والرؤساء والوجهاء (القدماء والجدد) «واسطتهم» إلى الاحتماء من سلطة تصوّرت في صورة القوة الغاشمة، والغاشية كل مرافق العلاقات الاجتماعية. فهذه المباني لم تصدعها السيطرة الاجنبية التصديع التام، وتوسلت بها إلى سوس الاهالي بمراتب يقر لها الاهالي بالمشروعية وينقادون اليها. فلجأوا اليها احتماء من قوانين الدولة الواحدة، أو طلباً لبعض «الامتيازات». فكانت السيطرة الاجنبية، انتداباً دولياً او تملكاً منفرداً، مدرسة للتعسف وانتهاك الحقوق والمساواة. وحذت السلطات المستولية المحدثة، والسلطات التقليدية اللابسة لباس الدولة، حذوها من غير تردد. دول» من غير مجتمعات وطبع هذا الالتباس بطابعه الحركات السياسية الاستقلالية. وكانت حركات الاستقلال عن السيطرة الاجنبية الجسر والسُلَّم إلى دخول السياسة المحدثة، من وجه، والسبيل إلى صوغ المثال السياسي العربي على صورة الانبعاث الداخلي والاحياء التاريخي والحضاري، من وجه آخر. فنشأت، بين الحربين العالميتين، حركات «الوفد» بمصر (استتماماً للمفاوضة على استقلالها، في 1919)، و»نجمة شمال افريقيا» في صفوف جزائريي فرنسا، محاربين قدامى وعمالاً مهاجرين، في 1920، والاحزاب الشيوعية بلبنان وسوريا وفلسطين ومصر، 1924 و1928. وجمعية الاخوان المسلمين بمصر، في 1928، ونشط في مضمار العمل العام، بمصر والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان، في اثناء العقد نفسه، ضباط واداريون اختبروا السياسة في المنظمات العثمانية السرية، وكانوا نواة «الاحزاب» السياسية التي انتشرت في المشرق كله في العقد الرابع التالي. فكانت «الكتل الوطنية» و»العُصَب» وأحزاب «الدستور» و»الاستقلال» في المشرق والمغرب، منهم، ومن النخب العائلية والمدينية، التجارية والادارية الوليدة. وتواقتت نشأة حركات النخب هذه مع نشأة حركات «عامية» (من غير أسر النخب المتحدر معظمها من «التنظيمات» العثمانية)، من المتعلمين وأهل المهن الحرة والموظفين وأبناء المهاجرين الاولين إلى المدن، جمعت إلى المطلب الاستقلالي، نازعاً احيائياً، قومياً وتوحيدياً، حاداً وغالياً. فكان الحزب القومي السوري الاجتماعي، بلبنان وسوريا، وعلى نحو أضيق بفلسطين وشرق الاردن، طليعة هذا الضرب من الحركات السياسية. وتبعته حركات «القمصان»، بمصر وفلسطين، وإرهاصات «البعث العربي» بسوريا. واستبقت هذه الحركات، المختلفة والمتعادية، والمتقاتلة في أحيان كثيرة، رسم الدول العربية القائمة اليوم، ومثالها السياسي المشترك والمُجتمِع من اختبار ربع القرن المحوري هذا (1920 1945). فافترضت النتيجةَ المرجوة والمبتغاة، وهي الدولة المتماسكة والقوية أو «الدولة الامة» على ما تبدو من خارج ساذج، مقدمةً متحققة وناجزة. وليس على الحركة السياسية إلا نشر ألويتها وإعلانها في الحال، ومن غير ابطاء ومن غير اعتبار حواجز (مصطنعة) ومعوقات وطنية واجتماعية. فعمّ مثال للدولة، الكلية القدرة والمستغنية بنفسها من كل سند أو رافد أو خارج، استعادته الناصرية المصرية الحاكمة، وغيرها من مناهج الحكم والسياسة، الجديدة و»التقدمية». وأمكن الانظمة «الناصرية» المختلفة، وهي ناصرية على معنى الاستعادة والمحاكاة والبنية، بذريعة الثورة على عجز الانظمة التقليدية وضعفها، الاستيلاء على الحيز السياسي والحقوقي كله. وألحقت بها، وبإدارتها وموظفيها وأنصارها، شطراً كبيراً من الانشطة الاجتماعية والاقتصادية، على تباين مستوياتها السوقية والسلعية. فمذ ذاك، وهذا الطور تبلور غداة الحرب الثانية و»النكبة» الفلسطينية، ومع استيلاء القوات المسلحة على السلطة وهو لا يزال إلى اليوم غالباً، انقلبت السياسة، وانقلب مثال مزاولتها ومباشرتها، إلى منازعة أهلية عامة على السلطة كلها. ويكاد لا يسلم بلد عربي، ولو لم يكن في عداد بلدان الساحل المتوسطي والممر القاري، من هذه المنازعة، ومن اطاحتها ضوابط دولة القانون (والحقوق). فالحقوق كلها، المدنية والسياسية، قيود على سلطة الطوارئ التي تسوس بها معظم المجتمعات العربية الحرب الاهلية، المضمرة أو المعلنة، في بلدانها وبين جماعات هذه البلدان. وليس بمنجى من الحرب الاهلية هذه، ومن السلطة العرفية، تالياً، إلا البلدان التي تتصدر الروابط العصبية القريبة فيها المباني الاجتماعية والسياسية، وشريطة ألا تكون الجماعات كثيرة ومتفرقة المعتقدات. وإذا كانت السلطة العرفية والاستثنائية من خاصيات البلدان «المتقدمة» أو «التقدمية» وأنظمتها السياسية، فالبلدان الاخرى، بلدان الروابط العصبية القوية، تسوس خلافاتها ومنازعاتها وانقساماتها من طريق مراتبها، وقيود المراتب على النزعات السياسية والاجتماعية الجديدة. فما يجمع عليه الضربان من الانظمة السياسية هو إخراج المنازعة المعلنة والمتبلورة من العلاقات السياسية والاجتماعية، على حد واحد وسواء. وهي تجلي، مع المنازعة المعلنة والمتبلورة في حركات سياسية واجتماعية وثقافية وفي هيئات التمثيل والادارات وتنازع السلطات، حقوقَ المواطنين وقيودهم على مباشرة السلطة وسوسها «مواطنيها». فتترجح الدول والانظمة، في الفراغ الحقوقي والسياسي الذي تسبح فيه، بين استقرار مديد وثقيل تنعم به، على مثال تقدم وصفه، وبين انفجار متقطع ومباغت، موضعي أو منتشر. ولم تعف الانفجارات، في العقود الاربعة الاخيرة، عن أي بلد من هذه البلدان. فإما تُخمد المنازعة، في «ديموقراطيات» من غير منازعة، وإما تتفجر منازعات بين «أجزاء» الاهل وجماعاتهم. وقد تكون الحركات الوطنية والمدنية الديموقراطية في منقلب 2010 إلى 2011، وقبلها في لبنان 2004 2005 إلى اليوم، إيذاناً بانعطاف تاريخي يبني ديموقراطيات المنازعة السياسية، ويرسيها على إيجاب المجتمع والمواطنة والحقوق والعلانية والدولة (المنفصلة).